تال فهو يوجد مع تلاوته وكذلك إذا كتبه كاتب وجد مع كتابته وكذلك إذا حفظه حافظ وجد مع حفظه فهو يوجد في الأماكن بالتلاوة والحفظ والكتابة ولا يجوز عليه الانتقال والزوال وهذا قول أبي الهذيل وأصحابه وكذلك قوله في كلام الخلق أنه جائز وجوده في أماكن كثيرة في وقت واحد.
٤ - والفرقة الرابعة منهم يزعمون أن كلام الله عرض وأنه مخلوق وأحالوا أن يوجد في مكانين في وقت واحد وزعموا أن المكان الذي خلقه الله فيه محال انتقاله وزواله منه ووجوده في غيره وهذا قول جعفر بن حرب وأكثر البغداديين.
٥ - والفرقة الخامسة منهم أصحاب معمر.
يزعمون أن القرآن عرض والأعراض عندهم قسمان: قسم منها يفعله الأحياء وقسم منها يفعله الأموات محال أن يكون ما يفعله الأموات فعلاً للأحياء والقرآن مفعول وهو عرض ومحال أن يكون الله فعله في الحقيقة لأنهم يحيلون أن تكون الأعراض فعلاً لله وزعموا أن القرآن فعل للمكان الذي يسمع منه إن سمع من شجرة فهو فعل لها وحيثما سمع فهو فعل للمحل الذي حل فيه.
٦ - والفرقة السادسة يزعمون أن كلام الله عرض مخلوق وأنه يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد وهذا قول الإسكافي.
стр. 212
١١٧ - هل يبقى الكلام ؟
واختلفت المعتزلة في كلام الله هل يبقى أم لا يبقى؟
١ - فمنهم من قال: هو جسم باق والأجسام يجوز عليها البقاء وكلام المخلوقين لا يبقى وقالت طائفة أخرى: كلام الله تعالى عرض وهو باق وكلام غيره يبقى.
٢ - وقالت طائفة أخرى: كلام الله عرض غير باق وكلام غيره لا يبقى وقالت في كلامه تعالى أنه لا يبقى وأنه إنما يوجد في وقت ما خلقه الله ثم عدم بعد ذلك.
стр. 213
١١٨ - هل مع القراءة كلام آخر ؟
واختلفت المعتزلة هل مع قراءة القارئ لكلام غيره وكلام نفسه كلام غيرهما؟ على مقالتين:
١ - فزعمت فرقة منهم: أن مع قراءة القارئ لكلام غيره وكلام نفسه كلاماً غيره.
٢ - وزعمت فرقة أخرى منهم أن القراءة هي الكلام.
стр. 214
١١٩ - هل الكلام هو القراءة
واختلف الذين زعموا أن مع القراءة كلاماً على مقالتين:
١ - فزعمت الفرقة الأولى منهم أن القراءة كلام لأن القارئ يلحن في قراءته وليس يجوز اللحن إلا في كلام وهو أيضاً متكلم وإن قرأ كلام غيره ومحال أن يكون متكلماً بكلام غيره فلا بد من أن تكون قراءته هي كلامه.
٢ - وقالت الفرقة الثانية: القراءة صوت والكلام حروف والصوت غير الحروف.
стр. 215
١٢٠ - هل الكلام حروف ؟
واختلفت المعتزلة في الكلام هل هو حروف أم لا؟ على مقالتين:
١ - فزعمت فرقة منهم أن كلام الله - سبحانه - حروف وزعم آخرون منهم أن كلام الله - سبحانه - ليس بحروف.
٢ - وزعم آخرون منهم أن كلام الله - سبحانه - ليس بحروف.
стр. 216
١٢١ - هل الكلام موجود مع كتابته ؟
واختلفت المعتزلة في الكلام هل هو موجود مع كتابته أم لا؟ على مقالتين:
١ - فزعمت فرقة منهم أن الكلام يوجد مع كتابته في مكانها كما يجامع القراءة في موضعها.
٢ - وزعمت فرقة أخرى منهم أن الكتابة رسوم تدل عليه وليس بموجود معها.
стр. 217
١٢٢ - هل يسمى الله فاعلا لما خلقه ؟
واختلفت المعتزلة هل يقال أن البارئ محبل أم لا؟ وهم فرقتان:
١ - فزعمت فرقة منهم أن البارئ بخلق الحبل محبل والقائل بهذا القول الجبائي ومن قال بقوله.
٢ - وزعمت فرقة أخرى منهم أن البارئ لا يجوز أن يكون محبلاً بخلق الحبل كما لا يكون والداً بخلق الولد.
стр. 218
١٢٣ - معنى "إن الله خالق" عندهم
واختلفت المعتزلة في معنى القول أن الله خالق وهم فرقتان:
١ - فزعمت فرقة منهم أن معنى القول في الله أنه خالق أنه فعل الأشياء مقدرة وأن الإنسان إذا فعل أفعالاً مقدرة فهو خالق وهذا قول الجبائي وأصحابه.
٢ - وزعمت الفرقة الثانية منهم أن معنى القول في الله - سبحانه - أنه خالق أنه فعل لا بآلة ولا بقوة مخترعة فمن فعل لا بآلة ولا بقوة مخترعة فهو خالق لفعله ومن فعل بقوة مخترعة فليس بخالق لفعله.
стр. 219
١٢٤ - قولهم في العين واليد
وأجمعت المعتزلة بأسرها على إنكار العين واليد وافترقوا في ذلك على مقالتين:
١ - فمنهم من أنكر أن يقال: لله يدان وأنكر أن يقال: أنه ذو عين وأن له عينين.
٢ - ومنهم من زعم أن لله يداً وأن له يدين وذهب في معنى ذلك إلى أن اليد نعمة وذهب في معنى العين إلى أنه أراد العلم وأنه عالم وتأول قول الله : ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] أي بعلمي.
стр. 220
١٢٥ - هل يقال إن الله وكيل أو لطيف ؟
واختلفت المعتزلة في البارئ هل يقال أنه وكيل وأنه لطيف؟ على مقالتين:
١ - فمنهم من زعم أن البارئ لا يقال أنه وكيل وأنكر قائل هذا القول أن يقول: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ١ من غير أن يقرأ القرآن وأنكر أيضاً أن يقال: لطيف دون أن يوصل ذلك فيقال: لطيف بالعباد والقائل بهذا القول عباد بن سليمان.
٢ - ومنهم من أطلق وكيل وأطلق لطيف وإن لم يقيد.
стр. 221
١٢٦ - هل يقال الله قبل الأشياء ؟
واختلفت المعتزلة هل يقال: أن البارئ قبل الأشياء أو يقال قبل ويسكت على ذلك؟ على ثلاث مقالات: ١ - فزعمت الفرقة الأولى منهم وهم العبادية أصحاب عباد بن سليمان أن البارئ يقال: أنه قبل ولا
٢ - وزعمت الفرقة الثانية منهم وهم أصحاب أبي الحسين الصالحي أن البارئ لم يزل قبل الأشياء برفع اللام قالوا: ولا نقول: لم يزل قبل الأشياء بنصب اللام.
٣ - وزعمت الفرقة الثالثة منهم وهم الأكثرون عدداً أن البارئ لم يزل قبل الأشياء وأن ذلك يطلق بنصب اللام من قبل.
стр. 222
١٢٧ - هل تسمي عالما إذا استدللت عليه ؟
واختلفت المعتزلة هل يجوز أن يسميه بهذا الاسم أم لا؟ على مقالتين:
١ - فزعمت الفرقة الأولى منهم أنه جائز أن يسمي الله - سبحانه - عالماً قادراً حياً سميعاً بصيراً من استدل على معنى ذلك أنه يليق بالله وإن لم يأت به رسول.
٢ - وزعمت الفرقة الثانية منهم أنه لا يجوز أن يسمي الله - سبحانه - بهذه الأسماء من دله العقل على معناها إلا أن يأتيه بذلك رسول من قبل الله - سبحانه - يأمره بتسميته بهذه الأسماء.
стр. 223
١٢٨ - هل يجوز أن يقلب الله الأسماء ؟
واختلفت المعتزلة هل كان يجوز أن يقلب الله الأسماء فيسمي العالم جاهلاً والجاهل عالماً أم لم يكن ذلك جائزاً؟ على مقالتين:
١ - فزعمت الفرقة الأولى منهم أن ذلك لم يكن جائزاً ولا يجوز على وجه من الوجوه وهذا قول عباد.
٢ - وزعم آخرون أن ذلك جائز ولو قلب الله - سبحانه - الأسماء لم يكن ذلك مستنكرا.
واختلفت المعتزلة هل يجوز اليوم قلب الأسماء واللغة على ما هي عليه أم لا على مقالتين:
١ - فمنهم من أجاز ذلك.
٢ - ومنهم من أنكره.
стр. 224
١٢٩ - هل يجوز أن يسمي الله نفسه بضد أسمائه ؟
واختلفت المعتزلة هل كان يجوز أن يسمي الله - سبحانه - نفسه جاهلاً ميتاً عاجزاً على طريق التقليب واللغة على ما هي عليه؟ وهم فرقتان:
١ - فزعمت الفرقة الأولى منهم أن ذلك لا يجوز وأنه لا يجوز أن يسمي الله نفسه على طريق التقليب.
٢ - وزعمت الفرقة الثانية منهم أن ذلك جائز ولو فعل ذلك لم يكن مستنكراً وهو قول الصالحي.
стр. 225
١٣٠ - صفات الذات أقوال عندهم
وأجمعت المعتزلة على أن صفات الله - سبحانه - وأسماءه هي أقوال وكلام فقول الله أنه عالم قادر حي أسماء لله وصفات له وكذلك أقوال الخلق ولم يثبتوا صفة له علماً ولا صفة قدرة وكذلك قولهم في سائر صفات النفس.
стр. 226
١٣١ - هل يقدر الله على خلق العرض ؟
واختلفت المعتزلة هل البارئ قادر على خلق الأعراض؟ وهم فرقتان:
١ - فزعم فريق منهم أن الله يقدر على خلق الأعراض وإنشائها.
٢ - وزعمت فرقة أخرى منهم وهم أصحاب معمر أنه لا يجوز أن يخلق الله عرضاً ولا يوصف بالقدرة على خلق الأعراض.
стр. 227
١٣٢ - هل يوصف بالقدرة على ما أقدر عليه عباده ؟
واختلفت المعتزلة في البارئ هل يوصف بالقدرة على ما أقدر عليه عباده أم لا؟ وهم فرقتان:
١ - فزعم أكثرهم أن البارئ لا يوصف بالقدرة على ما اقدر عليه عباده على وجه من الوجوه.
٢ - وزعم بعضهم وهو الشحام أن الله يقدر على ما أقدر عليه عباده وأن حركة واحدة تكون مقدورة لله وللإنسان فإن فعلها الله كانت ضرورة وإن فعلها الإنسان كانت كسباً.
стр. 228
١٣٣ - هل الله قادر على جنس ما أقدر عليه عباده ؟
واختلفت المعتزلة هل يوصف الله بالقدرة على جنس ما أقدر عليه عباده أم لا؟ وهم فرقتان:
١ - فزعمت فرقة منهم أنه إذا أقدر عباده على حركة أو سكون أو فعل من الأفعال لم يوصف بالقدرة على ذلك ولا على ما كان من جنس ذلك وأن الحركات التي يقدر البارئ عليها ليست من جنس الحركات التي أقدر عليها غيره من العباد.
٢ - وزعمت فرقة أخرى منهم أن الله إذا أقدر عباده على حركة أو سكون أو فعل من الأفعال فهو قادر على ما هو من جنس ما أقدر عليه عباده وهذا قول الجبائي وطوائف من المعتزلة.
стр. 229
١٣٤ - هل يوصف بالقدرة على الظلم ؟
واختلفت المعتزلة في البارئ - سبحانه - هل يوصف بالقدرة على الجور والظلم أم لا؟ يوصف بالقدرة على ذلك وهم فرقتان:
١ - فزعم أكثر الزاعمين أن البارئ قادر على الظلم والجور أنه قادر على أن يظلم ويجور.
٢ - وزعمت فرقة منهم وهم أصحاب عباد بن سليمان أن البارئ قادر على الظلم والجور ولا نقول على أن يظلم وهو قادر على الجور ولا نقول على أن يجور.
стр. 230
١٣٥ - جوابهم عمن سأل عن قدرة الله على الظلم ؟
واختلفت المعتزلة في الجواب عمن سأل عن البارئ - سبحانه - لو فعل ما يقدر عليه من الظلم والجور على سبعة أقاويل:
١ - فقال أبو الهذيل في جواب من سأله: إن فعل البارئ ما يقدر عليه من الجور والظلم كيف كان يكون الأمر فقال: محال أن يفعل البارئ ذلك لأن ذلك لا يكون إلا عن نقص ولا يجوز النقص على البارئ.
٢ - وقال أبو موسى المردار في الجواب عن ذلك: إطلاق هذا الكلام على البارئ قبيح لا يستحسن إطلاقه في رجل من المسلمين فكيف يطلق في الله فمنع أن يقال: لو فعل البارئ الظلم لقبح ذلك لا لاستحالته.
وكان أبو موسى إذا جدد الكلام عليه قال: لو فعل الله الظلم لكان ظالماً رباً إلهاً قادراً ولو ظلم مع وجود الدلائل على أنه لا يظلم لكان يدل بدلائل على أنه يظلم.
٣ - وكان بشر المعتمر يقول: أن الله يقدر أن يعذب الأطفال فإذا قيل له: فلو عذب الطفل قال: لو عذبه لكان يكون بالغاً كافراً مستحقاً للعذاب.
٤ - وكان محمد بن شبيب يزعم أن الله يقدر أن يظلم ولكن الظلم لا يكون إلا ممن به آفة فعلمت أنه لا يكون من الله - سبحانه - فلا معنى لقول من قال: لو فعله.
стр. 231
٥ - وكان بعضهم يزعم أن الله يقدر أن يفعل العدل وخلافه والصدق وخلافه ولا يقول: يقدر أن يظلم ويكذب قال صاحب هذا الجواب: إن قال قائل: هل معكم أمان من أن يفعله؟ قال: نعم هو ما أظهر من أدلته على أنه لا يفعله فإذا قيل له: أفيقدر أن يفعله مع الدليل على أن لا يفعله أجاب بأنه قادر على أن يفعله مع الدليل مفرداً من الدليل لئلا يتوهم الدليل دليلاً والظلم واقعاً وكذلك إذا قيل له: لو فعله مع الدليل على أنه لا يفعله وفعل الظلم وزعم أن الظلم لو وقع لكانت العقول بحالها وكانت الأشياء التي يستدل بها أهل العقول غير هذه الأشياء الدالة في يومنا هذا وكانت تكون هي هي ولكن على خلاف هيئاتها ونظمها واتساقها التي هي اليوم عليه وهذا قول جعفر بن حرب.
٦ - وكان الإسكافي يقول: يقدر الله على الظلم إلا أن الأجسام تدل بما فيها من العقول والنعم التي أنعم بها على خلقه على أن الله لا يظلم والعقول تدل بأنفسها على أن الله ليس بظالم وليس يجوز أن يجامع الظلم ما دل لنفسه على أن الظلم لا يقع من الله.
وكان إذا قيل له: فلو وقع الظلم منه كيف كانت تكون القصة قال: يقع والأجسام معراة من العقول التي دلت بأنفسها وأعينها على أن الله لا يظلم.
٧ - وكان هشام الفوطي وعباد بن سليمان إذا قيل لهما: لو فعل الله - سبحانه - الظلم كيف كانت تكون القصة؟ أحالا هذا القول وقالا: إن أراد القائل بقوله لو الشك فليس عندنا شك في أن الله لا يظلم وإن أراد بقوله لو النفي فقد قال أن الله لا يجور ولا يظلم فليس يسوغ أن يقال لو ظلم البارئ ﷻ .
стр. 232
١٣٦ - القول في أن الله قادر على ما علم أنه لا يكون
اختلفت المعتزلة في ذلك على أربعة أقاويل: فقال أبو الهذيل ومن اتبعه وجعفر بن حرب ومن وافقه: البارئ قادر على ما علم أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون ولو كان ما علم أنه لا يكون مما يكون كان عالماً أنه يفعله لكان الخبر بأنه يكون سابقاً.
стр. 233
٢ - وكان علي الأسواري يحيل أن يقرن القول: "أن الله يقدر على الشيء أن يفعله" بالقول: "أنه عالم أنه لا يكون وأنه قد أخبر أنه لا يكون" وإذا أفرد أحد القولين من الآخر كان الكلام صحيحاً وقيل: أن الله - سبحانه - قادر على ذلك الشيء أن يفعله.
٣ - وقال عباد بن سليمان: ما علم أنه لا يكون لا أقول أنه قادر على أن يكون ولكن أقول: قادر عليه كما أقول: الله عالم به ولا أقول أنه عالم بأنه يكون لأن إخباري بأن الله قادر على أن يكون ما علم أنه لا يكون إخبار أنه يقدر وأنه يكون وكان إذا قيل له: فهل يفعل الله ما علم أنه لا يفعله أحال القول.
٤ - وكان الجبائي إذا قيل له: لو فعل القديم ما علم أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون كيف كان يكون العلم والخبر أحال ذلك وكان يقول مع هذا أنه لو آمن من علم الله أنه لا يؤمن لأدخله الجنة وكان يزعم أنه إذا وصل مقدور بمقدور صح الكلام كقوله: لو آمن الإنسان لأدخله الله الجنة وإنما الإيمان خير له ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨] فالرد مقدور عليه فقال: لو كان الرد مقدوراً منهم لكان عود مقدور.
وكان يزعم أنه إذا وصل محال بمحال صح الكلام كقول القائل: لو كان الجسم متحركاً ساكناً في حال لجاز أن يكون حياً ميتاً في حال وما أشبه ذلك وكان يزعم أنه إذا وصل مقدور بما هو مستحيل استحال الكلام كقول القائل: لو آمن من علم الله وأخبر أنه لا يؤمن كيف كان يكون العلم والخبر وذلك أنه إن قال: كان لا يكون الخبر عن أنه يؤمن سابقاً بأن لا يكون كان الخبر الذي قد كان بأنه لا يؤمن وبأن لا يكون لم يزل عالماً استحال الكلام لأنه يستحيل أن لا يكون ما قد كان بأن لا يكون كان.
ويستحيل أن لا يكون البارئ عالماً بما لم يزل عالماً به بأن لا يكون لم يزل عالماً وإن قال: كان يكون الخبر عن أنه لا يكون والعلم بأنه لا يكون ثابتاً صحيحاً وإن كان الشيء الذي علم وأخبر أنه لا يكون استحال الكلام وإن قال: كان الصدق ينقلب كذباً والعلم ينقلب جهلاً استحال الكلام فلما كان المجيب على هذه الوجوه على أي وجه أجاب عن السؤال استحال كلامه لم يكن الوجه في الجواب إلا نفس إحالة سؤال السائل.
стр. 234
١٣٧ - قولهم في وجود ما علم الله أنه لا يكون
واختلفت المعتزلة في جواز كون ما علم الله أنه لا يكون على أربعة أقاويل:
١ - فقال أكثر المعتزلة: ما علم الله - سبحانه - أنه لا يكون لاستحالته أو العجز عنه فلا يجوز كونه مع استحالته ولا مع العجز عنه ومن قال: يجوز أن يكون المعجوز عنه بأن يرتفع العجز عنه وتحدث القدرة عليه فيكون الله عالماً بأنه يكون يذهب هذا القائل بقوله: "يجوز" إلى أن الله قادر على ذلك فقد صدق وما علم الله - سبحانه - أنه لا يكون لترك فاعله له فمن قال: يجوز أن يكون بأن لا يتركه فاعله ويفعل آخذه بدلاً من تركه ويكون الله عالماً بأنه يفعله يريد بقوله يجوز يقدر فذلك صحيح.
٢ - وقال علي الأسواري: ما علم الله - سبحانه - أنه لا يكون لم نقل أنه يجوز أن يكون إذا قرنا ذلك بالعلم بأنه لا يكون.
٣ - وقال عباد: قول من قال يجوز أن يكون ما علم الله - سبحانه - أنه لا يكون فهو كقوله: يكون ما علم الله أنه لا يكون أو من قال: يجوز أن يكون ما علم الله أنه لا يكون لأن معنى يجوز عنده معنى الجواز.
٤ - وقال الجبائي: ما علم الله - سبحانه - أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون فلا يجوز أن يكون عند من صدق بأخبار الله وما علم أنه لا يكون ولم يخبر بأنه لا يكون فجائز عندنا أن يكون وتجويزنا لذلك هو الشك في أن يكون أو لا يكون لأن يجوز عنده في اللغة على وجهين: بمعنى الشك وبمعنى يحل.
стр. 235
١٣٨ - اتفقوا على أنه ليس لله علم حادث
واتفقت المعتزلة على أن البارئ - سبحانه - ليس بذي علم محدث يعلم به ولا يجوز أن تبدو له البدوات١ ولا يجوز على أخباره النسخ لأن النسخ لو جاز على الأخبار لكان إذا أخبرنا أن شيئاً يكون ثم نسخ ذلك بأن أخبر أنه لا يكون لكان لا بد من أن يكون أحد الخبرين كذباً قالوا: وإنما الناسخ والمنسوخ في الأمر والنهي.
стр. 236
١٣٩ - اتفقوا على إنكار القول بالماهية
وأجمعت المعتزلة على إنكار القول بالماهية وأن لله ماهية لا يعلمها العباد وقالوا: اعتقاد ذلك في الله - سبحانه! - خطأ وباطل.
стр. 237
هذا شرح اختلاف الناس في التجسيم
قد أخبرنا عن المنكرين للتجسيم أنهم يقولون أن البارئ جل ثناؤه ليس بجسم ولا محدود ولا ذي نهاية ونحن الآن نخبر أقاويل المجسمة واختلافهم في التجسيم.
١٤٠ - أقوال المجسمة
اختلفت المجسمة فيما بينهم في التجسيم وهل للبارئ تعالى قدر من الأقدار؟ وفي مقداره على ست عشرة مقالة:
١ - فقال هشام بن الحكم: أن الله جسم محدود عريض عميق طويل طوله مثل عرضه وعرضه مثل عمقه نور ساطع له قدر من الأقدار بمعنى أن له مقداراً في طوله وعرضه وعمقه لا يتجاوزه في مكان دون مكان كالسبيكة الصافية يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها ذو لون وطعم ورائحة ومجسة لونه هو طعمه وهو رائحته وهو مجسته وهو نفسه لون ولم يثبت لوناً غيره وأنه يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد.
٢ - وحكى عنه أبو الهذيل أنه أجابه إلى أن جبل أبي قبيس أعظم من معبوده.
وحكى عنه ابن الراوندي أنه زعم أن الله - سبحانه - يشبه الأجسام التي خلقها من جهة من الجهات ولولا ذلك ما دلت عليه
وحكي عنه أنه قال: هو جسم لا كالأجسام ومعنى ذلك أنه شيء موجود.
وقد ذكر عن بعض المجسمة أنه كان يثبت البارئ ملوناً ويأبى أن يكون ذا طعم ورائحة ومجسة وأن يكون طويلاً وعريضاً وعميقاً وزعم أنه في مكان دون مكان متحرك من وقت خلق الخلق.
وقال قائلون: أن البارئ جسم وأنكروا أن يكون موصوفاً بلون أو طعم أو رائحة أو مجسة أو شيء مما وصف به هشام غير أنه على العرش مماس له دون ما سواه.
стр. 238
١٤١ - اختلاف المجسة في مقدار البارئ تعالى عن ذلك
واختلفوا في مقدار البارئ بعد أن جعلوه جسماً.
فقال قائلون: هو جسم وهو في كل مكان وفاضل عن جميع الأماكن وهو مع ذلك متناه غير أن مساحته أكثر من مساحة العالم لأنه أكبر من كل شيء.
وقال بعضهم: مساحته على قدر العالم.
وقال بعضهم: أن البارئ جسم له مقدار في المساحة وقال بعضهم: هو في أحسن الأقدار وأحسن الأقدار أن يكون ليس بالعظيم الجافي ولا القليل القميء.
وحكي عن هشام بن الحكم أن أحسن الأقدار: أن يكون سبعة أشبار بشبر نفسه.
وقال بعضهم: ليس لمساحة البارئ نهاية ولا غاية وأنه ذاهب في الجهات الست اليمين والشمال والأمام والخلف والفوق والتحت.
قالوا: وما كان كذلك لا يقع عليه اسم جسم ولا طويل ولا عريض ولا عميق وليس بذي حدود ولا هيئة ولا قطب.
وقال قوم أن معبودهم هو الفضاء وهو جسم تحل الأشياء فيه ليس بذي غاية ولا نهاية.
وقال بعضهم: هو الفضاء وليس بجسم والأشياء قائمة به.
وقال داود الجواربي ومقاتل بن سليمان أن الله جسم وأنه جثة على صورة الإنسان لحم وذم وشعر وعظم له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه. وحكي عن الجواربي أنه كان يقول: أجوف من فيه إلى صدره ومصمت ما سوى ذلك.
стр. 239
وكثير من الناس يقولون: هو مصمت ويتأولون قول الله: ﴿الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] المصمت الذي ليس بأجوف.
وقال هشام بن سالم الجواليقي: أن الله على صورة الإنسان وأنكر أن يكون لحماً ودماً وأنه نور ساطع يتلألأ بياضاً وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان سمعه غير بصره وكذلك سائر حواسه له يد ورجل وأذن وعين وأنف وفم وأن له وفرة سوداء١.
وممن قال بالصورة من ينكر أن يكون البارئ جسماً.
وممن قال بالتجسيم من ينكر أن يكون البارئ صورة.
стр. 240
باب اختلافهم في البارئ هل هو في مكان دون مكان أم لا في مكان؟ أم في كل مكان؟ وهل تحمله الحملة أم يحمله العرش؟ وهل هم ثمانية أملاك أم ثمانية أصناف من الملائكة ؟
١٤٢ - قول منكري أنه في مكان
اختلفوا في ذلك على سبع عشرة مقالة:
قد ذكرنا قول من امتنع من ذلك وقال: إنه في كل مكان حال وقول من قال: لا نهاية له وأن هاتين الفرقتين أنكرتا القول: إنه في مكان دون مكان.
стр. 241
١٤٣ - أقوال مثبتي أنه في مكان
١ - وقال قائلون: هو جسم خارج من جميع صفات الجسم ليس بطويل ولا عريض ولا عميق ولا يوصف بلون ولا طعم ولا مجسة ولا شيء من صفات الأجسام وأنه ليس في الأشياء ولا على العرش إلا على معنى أنه
стр. 242
فوقه غير مماس له وأنه فوق الأشياء وفوق العرش ليس بينه وبين الأشياء أكثر من أنه فوقها.
٢ - وقال هشام بن الحكم: أن ربه في مكان دون مكان وأن مكانه هو العرش وأنه مماس للعرش وإن العرش قد حواه وحده.
٣ - وقال بعض أصحابه: أن البارئ قد ملأ العرش وأنه مماس له.
٤ - وقال بعض من ينتحل الحديث: أن العرش لم يمتلئ به وأنه يقعد نبيه ﵇ معه على العرش.
٥ - وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ولا نقدم بين يدي الله في القول بل نقول استوى بلا كيف وأنه نور كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] وأن له وجهاً كما قال الله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] وأن له يدين كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وأن له عينين كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢] وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث١ ولم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه في الكتاب أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ .
٦ - وقالت المعتزلة: أن الله استوى على عرشه بمعنى استولى.
٧ - وقال بعض الناس: الاستواء القعود والتمكن.
стр. 243
١٤٤ - اختلافهم في العرش
واختلف الناس في حملة العرش ما الذي تحمل؟
١ - فقال قائلون: الحملة تحمل البارئ وأنه إذا غضب ثقل على كواهلهم وإذا
стр. 244
رضي خف فيتبينون غضبه من رضاه وإن العرش له أطيط١ إذا ثقل عليه كأطيط الرحل.
٢ - وقال بعضهم: ليس يثقل البارئ ولا يخف ولا تحمله الحملة ولكن العرش هو الذي يخف ويثقل وتحمله الحملة.
٣ - وقال بعضهم: الحملة ثمانية أملاك.
٤ - وقال بعضهم: ثمانية أصناف.
٥ - وقال قائلون: أنه على العرش وأنه بائن منه لا بعزلة وإشغال لمكان غيره بل ببينونة ليس على العزلة والبينونة من صفات الذات.
стр. 245
القول في المكان
١٤٥ - اختلافهم في المكان
اختلفت المعتزلة في ذلك.
١ - فقال قائلون: إن الله بكل مكان بمعنى أنه مدبر لكل مكان.
٢ - وقال قائلون: البارئ لا في مكان بل هو على ما لم يزل عليه.
٣ - وقال قائلون: البارئ في كل مكان بمعنى أنه حافظ للأماكن وذاته مع ذلك موجودة بكل مكان.
стр. 246
١٤٦ - اختلافهم في أنه تعالى لم يزل عالما قادرا
واختلفوا هل يقال: أن البارئ لم يزل عالماً قادراً حياً أم لا؟ يقال ذلك على مقالتين:
١ - فقال قائلون: لم يزل الله عالماً قادراً حياً.
٢ - وزعم كثير من المجسمة أن البارئ كان قبل أن يخلق الخلق ليس بعالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا مريد ثم أراد وإرادته عندهم حركته فإذا أراد كون شيء تحرك فكان الشيء لأن معنى أراد تحرك وليست الحركة غيره وكذلك قالوا في قدرته وعلمه وسمعه وبصره أنها معان وليست غيره وليست بشيء لأن الشيء هو الجسم.
وقال قائلون: حركة البارئ غيره.
стр. 247
١٤٧ - اختلافهم في معنى يتحرك
واختلف القائلون: "إن البارئ يتحرك" على مقالتين:
١ - فزعم هشام أن حركة البارئ هي فعله الشيء وكان يأبى أن يكون البارئ يزول مع قوله يتحرك.
стр. 248
وأجاز عليه السكاك الزوال١ وقال: لا يجوز عليه الطفر.
وحكي عن رجل كان يعرف بأبي شعيب أن البارئ يسر بطاعة أوليائه وينتفع بها وبإنابتهم ويلحقه العجز بمعاصيهم إياه تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
стр. 249
١٤٨ - اختلافهم في جواز رؤية الله تعالى
واختلفوا في رؤية البارئ بالأبصار على تسع عشرة مقالة:
١ - فقال قائلون: يجوز أن نرى الله بالأبصار في الدنيا ولسنا ننكر أن يكون بعض من نلقاه في الطرقات١.
٢ - وأجاز عليه بعضهم الحلول في الأجسام وأصحاب الحلول إذا رأوا إنساناً يستحسنونه لم يدروا لعل إلههم فيه.
٣ - وأجاز كثير مما أجاز رؤيته في الدنيا مصافحته وملامسته ومزاورته إياهم وقالوا: أن المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا أرادوا ذلك حكي ذلك عن بعض أصحاب مضر وكهمس.
٤ - وحكي عن أصحاب عبد الواحد بن زيد أنهم كانوا يقولون: أن الله - سبحانه - يرى على قدر الأعمال فمن كان عمله أفضل رآه أحسن.
٥ - وقد قال قائلون: إنا نرى الله في الدنيا في النوم فأما في اليقظة فلا.
وروي عن رقبة بن مصقلة أنه قال: رأيت رب العزة في النوم فقال: لأكرمن مثواه يعني سليمان التيمي صلى الفجر بطهر العشاء أربعين سنة.
٦ - وامتنع كثير من القول أنه يرى في الدنيا ومن سائر ما أطلقوه وقالوا: أنه يرى في الآخرة.
стр. 250
١٤٩ - اختلافهم في كيفية الرؤية
واختلفوا ايضا في ضرب آخر:
١ - فقال قائلون: نرى جسما محدودا مقابلا لنا في مكان دون مكان.
٢ - قال زهير الأثري: ذات الله في كل مكان وهو مستو على عرشه ونحن نراه في الآخرة على عرشه بلا كيف.
وكان يقول: أن الله يجيء يوم القيامة إلى مكان لم يكن خالياً منه وأنه ينزل إلى السماء الدنيا ولم تكن خالية منه.