٢١١ - هل للصلاح كل أم لا ؟
واختلفت المعتزلة في الصلاح الذي يقدر الله عليه هل له كل أم لا كل له؟ على ثلاثة أقاويل:
١ - فقال أبو الهذيل: لما يقدر الله من الصلاح والخير كل وجميع وكذلك سائر مقدوراته لها كل ولا صلاح أصلح مما فعل.
٢ - وقال غيره: لا غاية لما يقدر الله عليه من الصلاح ولا كل لذلك وقالوا أن الله يقدر على صلاح لم يفعله إلا أنه مثل ما فعله.
٣ - وقال قائلون: كل ما يفعله يجوز ولا يجوز أن يكون صلاح لا يفعله وهذا قول عباد.
وقال قائلون: فيما يقدر الله أن يفعله بعباده شيء أصلح من شيء وقد يجوز أن يترك فعلاً هو صلاح إلى فعل آخر وهو صلاح يقوم مقامه.
стр. 317
٢١٢ - هل يجوز أن يميت الله من علم أنه يؤمن قبل أن يؤمن ؟
واختلفت المعتزلة فيمن علم الله أن يؤمن من الأطفال والكفار أو يتوب من الفساق هل يجوز أن يميته قبل ذلك؟ على مقالتين:
١ - فقال قائلون: لا يجوز ذلك بل واجب في حكمة الله أن لا يميتهم حتى يؤمنوا أو يتوبوا.
٢ - وأجاز بشر بن المعتمر وغيره أن يميتهم قبل أن يؤمنوا أو يتوبوا.
стр. 318
٢١٣ - هل يخترم الله من علم أنه يزداد إيمانا ؟
واختلفوا فيمن علم الله - سبحانه! - أنه يزداد إيماناً خل يجوز أن يخترمه على مقالتين:
١ - فقال قوم من أصحاب الصلح: لا يجوز ذلك وقالوا في النبي ﷺ : إن الله امتحنه قبل موته بما بلغ ثوابه على طاعته إياه قبل مبلغ ثوابه على طاعاته إياه لو أبقاه إلى يوم القيامة وجعل في هذه المحنة إعلامه أنه يموت في الوقت الذي مات فيه.
٢ - وقال قوم منهم" أن ذلك جائز.
стр. 319
٢١٤ - خلق الله الخلق لينفعهم
وأجمعت المعتزلة على أن الله - سبحانه! - خلق عباده لينفعهم لا ليضرهم وأن ما كان من الخلق غير مكلف فإنما خلقه لينتفع به المكلف ممن خلق وليكون عبرة لمن يخلقه ودليلاً.
стр. 320
٢١٥ - خلق الشيء لا ليعتبر به
واختلفوا في خلق الشيء لا ليعتبر به على مقالتين:
١ - فقال أكثرهم: لن يجوز أن يخلق الله - سبحانه! - الأشياء إلا ليعتبر بها العباد وينتفعوا بها ولا يجوز أن يخلق شيئاً لا يراه أحد ولا يحس به أحد من المكلفين.
٢ - وقال بعضهم ممن ذهب إلى أن الله لم يأمر بالمعرفة إن جميع ما خلقه الله فلم يخلقه ليعتبر به أحد ويستدل به أحد وهذا قول ثمامة بن أشرس فيما أظن.
стр. 321
٢١٦ - اختلافهم فيمن قطعت يده وهو كافر ثم آمن أو عكسه
واختلفوا فيمن قطعت يده وهو مؤمن ثم كفر ومن قطعت يده وهو كافر ثم آمن على ثلاثة أقاويل:
стр. 322
فقال قوم: إنه يبدل يداً أخرى لا يجوز غير ذلك.
٢ - وقال قائلون: لو أن مؤمناً قطعت يده فأدخل النار لبدلت يده المقطوعة في حال إيمانه وكذلك الكافر إذا قطعت يده ثم آمن لأن الكافر والمؤمن ليس هما اليد والرجل.
٣ - وقال قائلون: توصل يد المؤمن الذي كفر ومات على الكفر بكافر قطعت يده وهو كافر ثم آمن ثم مات على إيمانه وتوصل يد الكافر الذي قطعت يده وهو كافر ثم آمن ثم مات على إيمانه بالمؤمن الذي قطعت يده وهو مؤمن ثم مات على الكفر.
стр. 323
٢١٧ - هل خلق الله الخلق لعلة أم لا ؟
واختلفت المعتزلة: هل خلق الله - سبحانه! - الخلق لعلة أم لا؟ على أربعة أقاويل:
١ - فقال أبو الهذيل: خلق الله خلقه لعلة والعلة هي الخلق والخلق هو الإرادة والقول وأنه إنما خلق الخلق لمنفعتهم ولولا ذلك كان لا وجه لخلقهم لأن من خلق ما لا ينتفع به ولا يزيل بخلقه عنه ضرراً ولا ينتفع به غيره ولا يضر به غيره فهو عابث.
٢ - وقال النظام: خلق الله الخلق لعلة تكون وهي المنفعة والعلة هي الغرض في خلقه لهم وما أراد من منفعتهم ولم يثبت علة معه لها كان مخلوقاً كما قال أبو الهذيل بل قال: هي علة تكون وهي الغرض.
٣ - وقال معمر: خلق الله الخلق لعلة والعلة لعلة وليس للعلل غاية ولا كل.
٤ - وقال عباد خلق الله - سبحانه - الخلق لا لعلة.
стр. 324
٢١٨ - اختلافهم في إيلام الأطفال
واختلفت المعتزلة في إيلام الأطفال على ثلاثة أقاويل:
١ - فقال قائلون: الله يؤلمهم لا لعلة ولم يقولوا أنه يعوضهم من إيلامه إياهم وأنكروا ذلك وأنكروا أن يعذبهم في الآخرة.
وقال أكثر المعتزلة: إن الله - سبحانه! - يؤلمهم عبرة للبالغين ثم يعوضهم ولولا أنه يعوضهم لكان إيلامه إياهم ظلماً.
٣ - وقال أصحاب اللطف: إنه آلمهم ليعوضهم وقد يجوز أن يكون إعطاؤه إياهم ذلك العوض من غير ألم أصلح وليس عليه أن يفعل الأصلح.
стр. 325
٢١٩ - هل يجوز أن يبتدئ الأطفال بالعوض عن الألم ؟
واختلفوا هل يجوز أن يبتدئ الله - سبحانه! - الأطفال بمثل العوض من غير ألم أم لا؟ على مقالتين:
١ - فأجاز ذلك بعض المعتزلة.
٢ - وأنكره بعضهم.
стр. 326
٢٢٠ - هل العوض الذي للأطفال دائم أم لا ؟
واختلفوا في العوض الذي يستحقه الأطفال هل هو عوض دائم أم لا؟ على مقالتين:
١ - فقال قائلون: الذي يستحقونه من العوض الدائم.
٢ - وقال قائلون: إدامة العوض تفضل وليس باستحقاق.
стр. 327
٢٢١ - لا يؤلم الله الأطفال في الآخرة
وأجمعت المعتزلة على أنه لا يجوز أن يؤلم الله - سبحانه! - الأطفال في الآخرة ولا يجوز أن يعذبهم.
стр. 328
٢٢٢ - اختلافهم في عوض البهائم
واختلفوا في عوض البهائم على خمسة أقاويل:
١ - فقال قوم: إن الله - سبحانه! - يعوضها في المعاد وأنها تنعم في الجنة
стр. 329
وتصور في أحسن الصور فيكون نعيمها لا انقطاع له.
٢ - وقال قوم: يجوز أن يعوضها الله - سبحانه! - في دار الدنيا ويجوز أن يعوضها في الموقف ويجوز أن يكون في الجنة على ما حكينا عن المتقدمين.
٣ - وقال جعفر بن حرب والإسكافي: قد يجوز أن تكون الحيات والعقارب وما أشبهها من الهوام والسباع تعوض في الدنيا أو في الموقف ثم تدخل جهنم فتكون عذاباً على الكافرين والفجار ولا ينالهم من ألم جهنم شيء كما لا ينال خزنة جهنم.
٤ - وقال قوم: قد نعلم أن لهم عوضاً ولا ندري كيف هو.
٥ - وقال عباد: إنها تحشر وتبطل.
стр. 330
٢٢٣ - هل يمكن الله عقولها أم تبقى على حالها في الدنيا ؟
واختلف الذين قالوا بإدامة عوضها على مقالتين:
١ - فقال قوم: إن الله يكمل عقولهم حتى يعطوا دوام عوضهم لا يؤلم بعضهم بعضاً.
٢ - وقال قوم: بل تكون على حالها في الدنيا.
стр. 331
٢٢٤ - هل يقتص من بعضها من لبعض ؟
واختلفوا في الاقتصاص لبعضها من بعض على ثلاثة أقاويل:
١ - فقال قائلون: يقتص لبعضها من بعض في الموقف وأنه لا يجوز إلا ذلك وليس يجوز الاقتصاص والعقوبة بالنار ولا بالتخليد في العذاب لأنهم ليسوا بمكلفين.
٢ - وقال قوم: لا قصاص بينهم.
٣ - وقال قوم: إن الله - سبحانه! - يعوض البهيمة لتمكينه البهيمة التي جنت عليها ليكون ذلك العوض عوضاً لتمكينه إياها منها هذا قول الجبائي.
стр. 332
٢٢٥ - اختلافهم في من دخل زرعا لغيره
واختلفوا فيمن دخل زرعاً لغيره على مقالتين:
١ - فقال أبو شمر وهو يوافقهم في التوحيد والقدر: إذا دخل الرجل زرعاً لغيره فحرام عليه أن يقف فيه أو يتقدم أو يتأخر فإن تاب وندم فليس يمكنه إلا أن يكون عاصياً لله وأنه ملوم على ذلك.
٢ - وقال غيره: الواجب عليه إذا ندم أن يخرج منه ويضمن جميع ما استهلك.
стр. 333
٢٢٦ - نعيم الجنة تفضل أو ثواب ؟
واختلفوا في نعيم الجنة هل هو تفضل أو ثواب؟ على مقالتين:
١ - فقال قائلون: كل ما في الجنة ثواب ليس بتفضل.
٢ - وقال بعضهم: بل ما فيها تفضل ليس بثواب.
стр. 334
القول في الآجال:
٢٢٧ - اختلافهم في الأجل
اختلفت المعتزلة في ذلك على قولين:
١ - فقال أكثر المعتزلة: الأجل هو الوقت الذي في معلوم الله - سبحانه! - أن الإنسان يموت فيه أو يقتل فإذا قتل قتل بأجله وإذا مات مات بأجله.
٢ - وشذ قوم من جهالهم فزعموا أن الوقت الذي في معلوم الله - سبحانه! - أن الإنسان لو لم يقتل لبقي إليه هو أجله دون الوقت الذي قتل فيه.
стр. 335
٢٢٨ - لو لم يقتل المقتول هل كان يموت ؟
واختلف الذين زعموا أن الأجل هو الوقت الذي في معلوم الله - سبحانه! - أن الإنسان يموت فيه أو يقتل في المقتول الذي لو لم يقتل هل كان يموت أم لا؟ على ثلاثة أقاويل:
١ - فقال بعضهم: إن الرجل لو لم يقتل مات في ذلك الوقت وهذا قول أبي الهذيل.
٢ - وقال بعضهم: يجوز لو لم يقتله القاتل أن يموت ويجوز أن يعيش.
٣ - وأحال منهم محيلون هذا القول.
стр. 336
مسائل متفرقة
القول في الأرزاق
٢٢٩ - الرزق، وهل الحرام رزق؟
قالت المعتزلة: إن الأجسام الله خالقها وكذلك الأرزاق وهي أرزاق الله - سبحانه! - فمن غصب إنساناً مالاً أو طعاماً فأكله أكل ما رزق الله غيره ولم يرزقه إياه.
وزعموا بأجمعهم أن الله - سبحانه! - لا يرزق الحرام كما لا يملك الله الحرام وأن الله - سبحانه! - إنما رزق الذي ملكه إياهم دون الذي غصبه.
وقال أهل الإثبات: الأرزاق على ضربين: منها ما ملكه الله الإنسان ومنها ما جعله غذاءً له وقواماً لجسمه وإن كان حراماً عليه فهو رزقه إذ جعله الله - سبحانه! - غذاءً له لأنه قوام لجسمه.
стр. 337
القول في الشهادة:
٢٣٠ - المراد بالشهادة
اختلفت المعتزلة في ذلك على أربعة أقاويل:
١ - فقال قائلون: هو الصبر على ما ينال الإنسان من ألم الجراح المؤدي إلى القتل والعزم على ذلك وعلى التقدم إلى الحرب وعلى الصبر على ما يصيبه وكذلك.
قالوا: في المبطون١ والغريق ومن مات تحت الهدم. قالوا: وإن غوفص٢ إنسان من المسلمين بشيء مما ذكرنا فكان عزمه على التسليم والصبر قد كان تقدم ودخل في جملة اعتقاده.
стр. 338
٢ - وقال قائلون: الشهادة هي الحكم من الله - سبحانه! - لمن قتل من المؤمنين في المعركة بأنه شهيد وتسميته بذلك.
٣ - وقال قائلون: الشهادة هم الحضور لقتال العدو إذا قتل سمي شهادة.
٤ - وقال قائلون: الشهداء هم العدول قتلوا أو لم يقتلوا.
وزعموا أن الله - سبحانه! - قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] فالشهداء هو المشاهدون لهم ولأعمالهم وهم العدول المرضيون.
стр. 339
القول في الختم والطبع
٢٣١ - المراد بالختم والطبع
اختلفت المعتزلة في ذلك على مقالتين:
١ - فزعم بعضهم أن الختم من الله - سبحانه! - والطبع على قلوب الكفار هو الشهادة والحكم أنهم لا يؤمنون وليس ذلك بمانع لهم من الإيمان.
٢ - وقال قائلون: الختم والطبع هو السواد في القلب كما يقال طبع السيف إذا صدئ من غير أن يكون ذلك مانعاً لهم عما أمرهم به.
وقالوا: جعل الله ذلك سمة١ لهم تعرف الملائكة بتلك السمة في القلب أهل ولاية الله - سبحانه - من أهل عداوته.
وقال أهل الإثبات: قوة الكفر طبع.
وقال بعضهم: معنى أن الله طبع على قلوب الكافرين أي خلق فيها الكفر.
وقالت البكرية ما سنذكره بعد هذا الموضع إن شاء الله.
стр. 340
القول في الهدى
٢٣٢ - هل يقال: هدى الله الكافرين أم لا؟
اختلفت المعتزلة: هل يقال أن الله - سبحانه! - هدى الكافرين أم لا على مقالتين:
стр. 341
١ - فقال أكثر المعتزلة: إن الله هدى الكافرين فلم يهتدوا ونفعهم بأن قواهم على الطاعة فلم ينتفعوا وأصلحهم فلم يصلحوا.
٢ - وقال قائلون: لا نقول أن الله هدى الكافرين على وجه من الوجوه بأن بين لهم ودلهم لأن بيان الله ودعاءه هدى لمن قبل دون من لم يقبل كما أن دعاء إبليس إضلال لمن قبل دون من لم يقبل.
٣ - وقال أهل الإثبات: لو هدى الله الكافرين لاهتدوا فلما لم يهدهم لم يهتدوا وقد يهديهم بأن يقويهم على الهدى فتسمى القدرة على الهدى هدى وقد يهديهم بأن يخلق هداهم.
стр. 342
٢٣٣ - ما الهدى الذي يفعله الله بالمؤمنين ؟
واختلف الذين قالوا: "إن الله هدى الكافرين بأن بين لهم ودلهم" و "إن هذا هو الهدى العام"، في الهدى الذي يفعله بالمؤمنين دون الكافرين على مقالتين:
١ - فقال قائلون: قد نقول أن الله هدى المؤمنين بأن سماهم مهتدين وحكم لهم بذلك وقالوا: ما يزيد الله المؤمنين بإيمانهم من الفوائد والألطاف هو هدى كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً﴾ [محمد: ١٧].
٢ - وقال قائلون: لا نقول أن الله هدى بأن سمى وحكم ولكن نقول هدى الخلق أجمعين بأن دلهم وبين لهم وأنه هدى المؤمنين بما يزيدهم من ألطافه وذلك ثواب يفعله بهم في الدنيا وأنه يهديهم في الآخرة إلى الجنة وذلك ثواب من الله - سبحانه! - لهم كما قال: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩] هذا قول الجبائي.
وزعم إبراهيم النظام أنه قد يجوز أن يسمى طاعة المؤمنين وإيمانهم بالهدى وبأنه هدى الله فيقال: "هذا هدى الله" أي دينه.
стр. 343
القول في الإضلال
٢٣٤ - المراد بالإضلال عندهم
اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقاويل:
١ - فقال أكثر المعتزلة: معنى الضلال من الله يحتمل أن يكون التسمية لهم والحكم بأنهم ضالون ويحتمل أن يكون لما ضلوا عن أمر الله - سبحانه! - أخبر أنه أضلهم أي أنهم ضلوا عن دينه ويحتمل أن يكون الإضلال هو ترك إحداث اللطف والتسديد والتأييد الذي يفعله الله بالمؤمنين فيكون ترك ذلك إضلالاً ويكون الإضلال فعلاً حادثاً ويحتمل أن يكون لما وجدهم ضلالاً أخبر أنه أضلهم كما يقال: "أجبن فلان فلاناً" إذا وجده جباناً.
٢ - وقال بعضهم: إضلال الله الكافرين هو إهلاكه إياهم وهو عقوبة منه لهم واعتل بقول الله : ﴿فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] والسعر سعر النار وبقوله: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] أي هلكنا وتفرقت أجزاؤنا.
٣ - وقال أهل الإثبات أقاويل: قال بعضهم: الإضلال عن الدين قوة على الكفر وقال بعضهم: الإضلال عن الدين هو الترك هذا قول الكوساني وقال بعضهم: معنى أضلهم أي خلق ضلالهم.
وامتنعت المعتزلة أن تقول" إن الله - سبحانه! - أضل عن الدين أحداً من خلقه.
стр. 344
القول في التوفيق والتسديد
٢٣٥ - المراد بالتوفيق والتسديد عندهم
اختلفوا في التوفيق والتسديد على أربعة أقاويل:
١ - فقال قائلون: التوفيق من الله - سبحانه! - ثواب يفعله مع إيمان العبد ولا يقال للكافر موفق وكذلك التسديد.
٢ - وقال قائلون: التوفيق هو الحكم من الله أن الإنسان موفق وكذلك التسديد.
стр. 345
٣ - وقال جعفر بن حرب: التوفيق والتسديد لطفان من ألطاف الله - سبحانه! - لا يوجبان الطاعة في العبد ولا يضطرانه إليها فإذا أتى الإنسان بالطاعة كان موفقاً مسدداً.
٤ - وقال الجبائي: التوفيق هو اللطف الذي في معلوم الله - سبحانه! - أنه إذا فعله وفق الإنسان للإيمان في الوقت فيكون ذلك اللطف توفيقاً لأن يؤمن وأن الكافر إذا فعل به اللطف الذي يوفق للإيمان في الوقت الثاني فهو موفق لأن يؤمن في الثاني ولو كان في هذا الوقت كافراً وكذلك العصمة عنده لطف من ألطاف الله.
وقال أهل الإثبات: التوفيق هو قوة الإيمان وكذلك العصمة.
стр. 346
القول في العصمة
٢٣٦ - المراد بالعصمة عندهم
اختلفوا في العصمة:
١ - فقال بعضهم: العصمة من الله - سبحانه! - ثواب للمعتصمين.
٢ - وقال بعضهم: العصمة لطف من الله يفعله بالعبد فيكون به معتصماً.
٣ - وقال بعضهم: العصمة على وجهين: أحدهما هو الدعاء والبيان والزجر والوعد والوعيد وقد فعله بالكافرين ولكن لا يطلق أنه معصوم ويقال أن الله عصمه فلم يعتصم والوجه الآخر ما يزيد الله المؤمنين بإيمانهم من الألطاف والأحكام والتأييد وقد يتفاضل الناس في العصمة ويكون ضرب من العصمة إذا آتاه بعض عبيده آمن طوعاً وإذا أعطاه غيره ازداد كفراً وإذا منعه إياه أتى بكفر دون ذلك فيتفضل به على من يعلم أنه ينتفع ويمنعه من يعلم أنه يزداد كفرا. ً
قالوا: وقد يجوز أن يكون شيء صلاحاً لواحد ضرراً على غيره.
قالوا: وقد يعصم الله - سبحانه! - من الشيء باضطرار كالعصمة من قتل نبيه ﷺ .
стр. 347
القول في النصرة والخذلان
٢٣٧ - معنى النصرة عندهم
١ - قالت المعتزلة: أن نصر الله المؤمنين قد يكون على معنى نصرهم بالحجة كما قال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١] وقد تكون النصرة بمعنى أن يزلزل أقدام الكافرين ويرعب قلوبهم فينهزموا فيكون ناصراً للمؤمنين عليهم وخاذلاً لهم بما طرحه من الرعب في قلوبهم فإن انهزم المؤمنون لم يكن ذلك بخذلان من الله - سبحانه! - لهم بل هم منصورون بالحجة على الكافرين وإن كانوا منهزمين.
٢ - وقال أهل الإثبات: النصر من الله ما يفعله ويقذفه في قلوب المؤمنين من الجرأة على الكافرين وقد تسمى القوة على الإيمان نصراً.
стр. 348
٢٣٨ - معنى الخذلان عندهم
فأما الخذلان فإنهم اختلفوا فيه على ثلاثة أقاويل:
١ - فقال بعضهم: الخذلان هو ترك الله - سبحانه! - أن يحدث من الألطاف والزيادات ما يفعله بالمؤمنين كنحو قوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً﴾ [محمد: ١٧] فترك الله - سبحانه! - أن يفعل هو الخذلان من الله للكافرين.
٢ - وقال بعضهم: الخذلان من الله - سبحانه! - هو تسميته إياهم والحكم بأنهم مخذولون.
٣ - وقال بعضهم: الخذلان عقوبة من الله - سبحانه! - وهو ما يفعله بهم من العقوبات.
وقال أهل الإثبات قولين: قال بعضهم: الخذلان قوة الكفر وقال بعضهم: خذلهم أي خلق كفرهم.
стр. 349
٢٣٩ - القول في الولاية والعداوة
اختلفت المعتزلة في ذلك على مقالتين:
١ - فقالت المعتزلة إلا بشر بن المعتمر وطوائف منهم: إن الولاية من الله - سبحانه! - للمؤمنين مع إيمانهم وكذلك عداوته للكافرين مع كفرهم والولاية عندهم الأحكام الشرعية والمدح وأحداث الألطاف والعداوة ضد ذلك وكذلك قالوا في الرضى والسخط.
٢ - وقال بشر بن المعتمر: الولاية والعداوة تكونان بعد حال الإيمان والكفر.
٣ - وقال قائلون منهم: الولاية مع الإيمان والعداوة مع الكفر وهما غير الأحكام والأسماء.
٤ - وقال غير المعتزلة: الولاية والعداوة من صفات الذات وكذلك الرضى والسخط.
стр. 350
٢٤٠ - القول في الثواب في الدنيا
اختلفت المعتزلة في ذلك على مقالتين:
١ - فقال إبراهيم النظام: لا يكون الثواب إلا في الآخرة وإن ما يفعله الله - سبحانه! - بالمؤمنين في الدنيا من المحبة والولاية ليس بثواب لأنه إنما يفعله بهم ليزدادوا إيماناً وليمتحنهم بالشكر عليه.
٢ - وقال سائر المعتزلة: أن الثواب قد يكون في الدنيا وأن ما يفعله الله - سبحانه! - من الولاية والرضى على المؤمنين فهو ثواب.
стр. 351
٢٤١ - الإيمان ماهو عند المعتزلة
واختلفت المعتزلة في الإيمان ما هو؟ على ستة أقاويل:
١ - فقال قائلون: الإيمان هو جميع الطاعات فرضها ونفلها وأن المعاصي على ضربين: منها صغائر ومنها كبائر وأن الكبائر على ضربين: منها ما هو كفر
стр. 352
ومنها ما ليس بكفر وأن الناس يكفرون من ثلاثة أوجه: رجل شبه الله بخلقه ورجل جوره في حكمه أو كذبه في خبره ورجل رد ما أجمع المسلمون عليه عن نبيهم ﷺ نصاً وتوقيفاً فأكفر هؤلاء من زعم أن البارئ جسم مؤلف محدود ولم يكفروا من سماه جسماً ولم يعطه معاني الأجسام وأكفروا من زعم أن الله - سبحانه! - يرى كما ترى المرئيات بالمقابلة أو المحاذاة أو في مكان حالاً فيه دون مكان ولم يزعموا أنه يرى لا كالمرئيات وأكفروا من زعم أن الله خلق الجور وأراد السفه وكلف الزمنى١ والعجزة الذين فيهم العجز ثابت لأن هؤلاء بزعمهم سفهوا الله وجوروه ولم يكفروا من قصد إلى قادر على الفعل فقال قد كلفه الله - سبحانه! - وليس بقادر لأنه قد كذب على القادر عندهم فأخبر أنه ليس بقادر ولم يكذب على الله في تكليفه إياه ولا وصفه بالعبث عندهم والقائل بهذا القول هم أصحاب أبي الهذيل وإلى هذا القول كان يذهب أبو الهذيل.
وحكي عنه أن الصغائر تغفر لمن اجتنب الكبائر على طريق التفضل لا على طريق الاستحقاق.
وزعم أن الإيمان كله إيمان بالله منه ما تركه كفر ومنه ما تركه فسق ليس بكفر كالصلاة وصيام شهر رمضان ومنه ما تركه صغير ليس بفسق ولا كفر ومنه ما تركه ليس بكفر ولا بعصيان كالنوافل.
٢ - وقال هشام الفوطي: الإيمان جميع الطاعات فرضها ونفلها والإيمان على ضربين: إيمان بالله وإيمان لله ولا يقال أنه إيمان بالله فالإيمان بالله ما كان تركه كفراً بالله والإيمان لله يكون تركه كفراً ويكون تركه فسقاً ليس بكفر نحو الصلاة والزكاة فذلك إيمان لله فمن تركه على الاستحلال كفر ومن تركه على التحريم كان تركه فسقاً ليس بكفر ومما هو إيمان لله عند هشام ما يكون تركه صغيراً ليس بفسق.
٣ - وقال عباد بن سليمان: الإيمان هو جميع ما أمر الله - سبحانه! - به من الفرض وما رغب فيه من النفل والإيمان على وجهين: إيمان بالله وهو ما كان تاركه أو تارك شيء منه كافراً كالملة والتوحيد والإيمان لله إذا تركه تارك لم
стр. 353
يكفر ومن ذلك ما يكون تركه ضلالاً وفسقاً ومنه ما يكون تركه صغيراً وكل أفعال الجاهل بالله عنده كفر بالله.
٤ - وقال إبراهيم النظام: الإيمان اجتناب الكبائر والكبائر ما جاء فيه الوعيد وقد يجوز أن يكون فيما لم يجئ فيه الوعيد كبير عند الله ويجوز أن لا يكون فيه كبير وإن لم يكن فيه كبير فالإيمان اجتناب ما فيه الوعيد عندنا وعند الله - سبحانه! - وإن كان فيما لم يجئ فيه الوعيد كبير فالتسمية له بالإيمان وبأنه مؤمن يلزم باجتناب ما فيه الوعيد عندنا فأما عند الله - سبحانه! - فاجتناب كل كبير.
٥ - وقال آخرون: الإيمان اجتناب ما فيه الوعيد عندنا وعند الله وهو ما يلزم به الاسم وما سوى ذلك فصغير مغفور باجتناب الكبير.
٦ - وكان محمد بن عبد الوهاب الجبائي يزعم أن الإيمان لله هو جميع ما افترضه الله - سبحانه! - على عباده وأن النوافل ليس بإيمان وأن كل خصلة من الخصال التي افترضها الله - سبحانه! - فهي بعض إيمان لله وهي أيضاً إيمان بالله وأن الفاسق الملي مؤمن من أسماء اللغة بما فعله من الإيمان.
وكان يزعم أن الأسماء على ضربين: منها أسماء اللغة ومنها أسماء الدين فأسماء اللغة المشتقة من الأفعال تتقضى مع تقضي الأفعال وأسماء الدين يسمى بها الإنسان بعد تقضي فعله وفي حالة فعله فالفاسق الملي مؤمن من أسماء اللغة يتقضى الاسم عنه مع تقضي فعله للإيمان وليس يسمى بالإيمان من أسماء الدين. وكان يزعم أن في اليهودي إيماناً نسميه به مؤمناً مسلماً من أسماء اللغة.
وكانت المعتزلة بأسرها قبله إلا الأصم تنكر أن يكون الفاسق مؤمناً وتقول أن الفاسق ليس بمؤمن ولا كافر وتسميه منزلة بين المنزلتين وتقول: في الفاسق إيمان لا نسميه به مؤمناً وفي اليهودي إيمان لا نسميه به مؤمناً.
وكان الجبائي يزعم أن من الذنوب صغائر وكبائر وأن الصغائر يستحق غفرانها باجتناب الكبائر وأن الكبائر تحبط الثواب على الإيمان واجتناب الكبائر يحبط عقاب الصغائر.
وكان يزعم أن العزم على الكبير كبير والعزم على الصغير صغير والعزم على الكفر كفر.
وكذلك قول أبي الهذيل كان يقول في العازم: أنه كالمقدم عليه.
وقال أبو بكر الأصم: الإيمان جميع الطاعات ومن عمل كبيراً ليس بكفر من أهل الملة فهو فاسق بفعله للكبير لا كافر ولا منافق مؤمن بتوحيده وما فعل من طاعته.
وزعمت المعتزلة أن الله سمى إيماناً ما لم يكن في اللغة إيماناً.
стр. 354
٢٤٢ - اختلافهم في تحديد الصغيرة والكبيرة
واختلفت المعتزلة - مع إقرارها بالصغائر والكبائر - في الصغائر والكبائر على ثلاثة أقاويل:
١ - فقال قائلون منهم: كل ما أتى فيه الوعيد فهو كبير وكل ما لم يأت فيه الوعيد فهو صغير.
٢ - وقال قائلون: كل ما أتى فيه الوعيد فكبير وكل ما كان مثله في العظم فهو كبير وكل ما لم يأت فيه الوعيد أو في مثله فقد يجوز أن يكون كله صغيراً ويجوز أن يكون بعضه كبيراً وبعضه صغيراً وليس يجوز أن لا يكون صغيراً ولا شيئاً منه.
٣ - وقال جعفر بم مبشر: كل عمد كبير وكل مرتكب لمعصية متعمداً لها فهو مرتكب لكبيرة.
стр. 355
٢٤٣ - اختلافهم في غفران الصغائر
واختلفت المعتزلة في غفران الصغائر على ثلاثة أقاويل:
١ - فقال قائلون أن الله - سبحانه! - يغفر الصغائر إذا اجتنبت الكبائر تفضلاً.
٢ - وقال قائلون: يغفر الصغائر إذا اجتنبت الكبائر باستحقاق.
٣ - وقال قائلون: لا يغفر الصغائر إلا بالتوبة.