← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 417

روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (676 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

خَليلًا» (١). ومنها: أنَّه قال: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أهْلِ الأَرْضِ خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلكِنْ أُخُوَّةُ الإسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ» (٢). فصل وأمَّا الخِلْمُ: فهو مأْخوذ من المُخَالَمَة، وهي المصادقة والمودَّة. والخِلْمُ: الصديق، والأخلام: الأصحاب. قال الكُمَيْت (٣): إذا ابتسرَ الحربَ أَخْلامُهَا ... كِشافًا وهُيِّجتِ الأفْحُلُ فصل وأمَّا الغرام: فهو الحبُّ اللازم، يُقال: رجلٌ مُغرمٌ بالحبِّ؛ أي: قد لزمه الحبُّ. وأصلُ المادة من اللزوم، ومنه قولهم: رجلٌ مُغْرَمٌ، من الغُرْم أو الدَّيْنِ. قال في الصحاح (٤): والغَرَام: [١٩ ب] الوَلوع، وقد أُغْرِمَ بالشيء، أي: أُولِعَ به، والغريمُ: الذي عليه الدَّيْن، يُقال: خذ من غريم

стр. 107

السَّوء ما سَنَح. ويكون الغريمُ أيضًا: الذي له الدَّين، قال كُثَيِّر (١): قضَى كلُّ ذي دَيْنٍ فَوَفَّى غَرِيمَه ... وَعَزَّةُ مَمْطولٌ مُعَنًّى غريمُهَا ومن المادة قوله تعالى في جهنم: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان/٦٥]. والغرام: الشرُّ الدائم اللازم، والعذاب. قال بِشْر (٢): ويومُ النِّسَارِ ويومُ الجِفا ... ركانا عَذابًا وكانا غَراما وقال الأعشى (٣): إنْ يُعاقِبْ يَكنْ غرامًا وإنْ يُعْـ ... ـطِ جزيلًا فإنَّه لا يُبالي وقال أبو عبيدة (٤): ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ كان هلاكًا ولزَامًا لهم.

стр. 108

وللُطْفِ المحبَّة عندهم واستعذابهم لها لم يكادوا يُطلِقون عليها لفظَ الغرام، وإن لهِجَ به المتأخرون. فصل وأما الهُيام: فقال في الصِّحاح (١): هام عَلَى وجهه، يَهِيمُ هيمانًا (٢) وهَيْمًا: ذهبَ من العِشْق أو غيره. وقلبٌ مُستهام أي: هائم. والهُيام بالضم: أشدُّ العطش. والهُيَامُ كالجنون من العشق. والهُيام: داء يأخذ الإبلَ فَتَهيمُ في الأرض لا تَرعى، يقال: ناقة هَيْمَاء. قال: والهِيام بالكسر: الإبل العِطَاش، الواحد: هَيْمَانُ، وناقةٌ هَيْمَى، مثل: عطشان وعطشى، وقومٌ هِيمٌ أي: عطاش، وقد هامُوا هُيامًا. وقوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة/٥٥] هي الإبل العِطَاش. قلت: جمع أَهْيَمَ هِيمٌ، مثل أحمر وحُمْر، وهو جمع فَعلاء أيضًا كصفراء وصُفْر. فصل وأمَّا التَّدْليهُ ففي الصِّحاح (٣): التّدْلِيهُ: ذهاب العقل من الهوى.

стр. 109

يُقال: دَلَّهَهُ الحبُّ، أي: حَيَّره وأدهشَه. ودَلِهَ هو يَدْلَهُ. قال أبو زيد: الدَّلُوهُ: الناقة لا تكاد تجيء إلى إلْفٍ ولا ولد. وقد دَلَهَتْ عن إِلْفها وعن ولدها تَدْلَهُ دُلوهًا. فصل وأمَّا الوَلَهُ [٢٠ أ] فقال في الصِّحاح (١): الوَلَهُ: ذهابُ العقل، والتحيُّرُ من شدَّة الوَجْد. ورجلٌ وَالِهٌ، وامرأةٌ والِهٌ ووَالِهَةٌ. قال الأعشى (٢): فأَقْبَلَتْ والهًا ثَكْلَى على عَجَلٍ ... كُلٌّ دَهاها وكُلٌّ عِنْدَها اجْتَمَعا وقد وَلِهَ يَوْلَهُ وَلَهًا وَوَلهانًا، وتَوَلَّهَ واتَّلَهَ، وهو افتعلَ، أُدْغِم. قال الشاعر (٣): وَاتَّلَهَ الغَيُورُ والتَّوْلِيهُ: أن يُفَرَّق بين الأم وولدها. وفي الحديث: «لا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ

стр. 110

بِوَلَدِهَا» (١)، أي: لا تُجْعَل والهًا، وذلك في السَّبايا. وناقةٌ والِهٌ: إذا اشتدّ وَجْدُهَا عَلَى ولدها. والمِيلَاهُ: التي من عادتها أن يشتدَّ وَجْدُهَا على ولدها، صارت الواو ياءً لكسرة ما قبلها. وماءٌ مُولَهٌ ومُوَلَّهٌ: أرسل في الصحراء، فذهب، وقول رُؤْبة (٢): به تَمَطَّتْ غَوْلَ كلّ مِيلَهِ بنا حَرَاجيجُ المَهَارِي النُّفَّهِ أرادَ البلاد التي تُوَلِّهُ الإنسان، أي: تُحيِّره. فصل وأمَّا التعبُّد: فهو غاية الحبِّ بغاية (٣) الذلِّ، يقال: عبَّده الحبُّ أي: ذلَّله. وطريقٌ معبّدٌ بالأقدام؛ أي: مُذَلَّلٌ، وكذلك المحبُّ قد ذلَّله الحبُّ ووطَّأَه، ولا تصلُحُ هذه المرتبة لأحد غير الله ولا يَغفِرُ الله سبحانه لمن أشركَ في عبادته، ويغفرُ ما دون ذلك لمن شاء.

стр. 111

فمحبَّة العبودية هي (١) أشرفُ أنواع المحبَّة، وهي خالصُ حقِّ الله عَلَى عباده، وفي الصحيح (٢) عن مُعاذ أنه قال: كنتُ سائرًا مع رسول الله ﷺ فقال: «يا معاذ!» فقلت: لَبَّيْكَ يا رسولَ اللهِ وسَعْديْكَ! قال: ثمَّ سارَ ساعةً، ثم قال: «يا معاذ!» قلت: لَبَّيْكَ رسولَ الله وسعديك! ثم سارَ ساعةً فقال: «يا معاذ!»، قلت: لبيكَ رسولَ الله وسعديك! قال: «أتدري ما حَقُّ الله على عباده؟» قلت: اللهُ ورسولُه أعلم، قال: «حقُّه عليهم أن يعبدوه لا يُشركوا به شيئًا. أتدري ما حقُّ العباد عَلَى الله إذا فعلوا ذلك؟ ألا يُعذِّبهم بالنار». وقد ذكرَ الله سبحانه رسولَه بالعبودية في أشرف مقاماته، وهي مقام التحدِّي، [٢٠ ب] ومقام الإسراء، ومقام الدعوة، فقال في التحدِّي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة/٢٣]، وقال في مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء/١]، وقال في مقام الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن/١٩]. وإذا تدافع أولو العزم (٣) الشفاعةَ الكبرى يوم القيامة يقول المسيحُ لهم: «اذهبوا إلى محمدٍ، عبدٍ غفرَ الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر» (٤)،

стр. 112

فنالَ ذلك المقام بكمال العبودية (١) لله، وكمال مغفرة الله له. فأشرفُ صفاتِ العبد صفة العبودية، وأحبُّ أسمائه إلى الله اسم العبودية، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «أحبُّ الأسماء إلى الله عَبْدُ الله وَعَبْدُ الرَّحْمنِ، وأَصدقُها حارثٌ وهَمَّام، وأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّة» (٢). وإنَّما كان حارث وهمَّام أصدقَها لأنَّ كلَّ أحدٍ لابدَّ له من همٍّ وإرادةٍ وعزمٍ، ينشأ عنه حرثُه وفعلُه، وكلُّ أحدٍ حارثٌ وَهَمَّام، وإنَّما كان أقبَحَهَا حربٌ ومُرَّة؛ لما في مُسمَّى هذين الاسمين من الكراهة ونفور العقل عنها (٣)، وبالله التوفيق.

стр. 113

الباب الثالث في نسبة هذه الأسماء بعضها إلى بعض هل هي بالترادف أو التباين؟ ف الأسماءُ الدالَّة عَلَى مسمًّى واحدٍ نوعان: أحدهما: أن يَدُلَّ عليه باعتبار الذات فقط، فهذا النوع هو المترادفُ ترادفًا محضًا، وهذا كالحِنْطة والقمح والبُرِّ، والاسم (١) والكُنْيَةِ واللَّقب، إذا لم يكن فيه مَدحٌ ولا ذمٌّ، وإنما أُتي به لمجرد التعريف. والنوع الثاني: أن يدلَّ على ذاتٍ واحدة باعتبار تبايُنِ صفاتها، كأسماء الربِّ تعالى، وأسماءِ كلامه، وأسماءِ نبيِّه، وأسماءِ اليوم الآخر. فهذا النوع مُترادِفٌ بالنسبة إلى الذات، متباينٌ بالنسبة إلى الصِّفات. فالربُّ والرحمن والعزيز والقدير والمَلِكُ يدلّ على ذاتٍ واحدةٍ باعتبار صفاتٍ متعدِّدة، وكذلك البشير والنَّذير والحاشر والعاقِبُ والماحِي، وكذلك [٢١ أ] يوم القيامة ويوم البعث ويوم الجَمْع ويوم التَّغابُن ويوم الآزِفَة، ونحوها، وكذلك القرآن والفرقان والكتاب والهُدى ونحوها، وكذلك أسماء السَّيف، فإنَّ تعدُّدَها بحسب أوصافٍ وإضافاتٍ مختلفةٍ، كالمهنَّد والعَضْب والصَّارم ونحوها، وقد عرَفتَ تبايُنَ الأوصاف في أسماء المحبَّة.

стр. 114

وقد أنكرَ كثيرٌ من الناس الترادُف في اللغة، وكأنَّهم أرادوا هذا المعنى وأنَّه ما من اسمين لمسمًّى واحدٍ إلا وبينهما فرقٌ في صفةٍ أو نسبةٍ أو إضافةٍ، سواء عُلِمت لنا أو لم تُعْلَم. وهذا الذي قالوه صحيحٌ باعتبار الواضع الواحد، ولكن قد يَقَعُ الترادفُ باعتبار واضعَيْن مختلفَيْن، يُسمِّي أحدُهما المسمَّى باسم، ويُسمِّيه الواضعُ الآخر باسم غيره، ويشتهر الوضعان عند القبيلة الواحدة، وهذا كثيرٌ، ومن ها هنا يقعُ الاشتراك أيضًا. فالأصل في اللغة هو التباينُ، وهو أكثر اللغة. والله أعلم.

стр. 115

الباب الرابع في أنَّ العالمَ العُلويَّ والسُّفليَّ إنَّما وُجد بالمحبَّة ولأجلها ، وأنَّ حركاتِ الأفلاكِ والشَّمسِ والقمرِ والنُّجومِ وحركات الملائكةِ والحيواناتِ، وحركةَ كلِّ متحركٍ إنَّما وُجدت بسبب الحبِّ وهذا بابٌ شريفٌ من أشرف أبواب الكتاب، وقبل تقريره لابدَّ من بيان مقدمة، وهي أنَّ الحركاتِ ثلاث: حركةٌ إرادية، وحركةٌ طبيعية، وحركةٌ قَسْرية، وبيان الحصر أنَّ مبدأ الحركة إمَّا أن يكون من المُتحرك أو من غيره، فإنْ كانت من المتحرّك، فإمَّا أنْ يُقارنَها شعورُه وعلمُه بها أوْ لا، فإن قارنَها الشعورُ والعلمُ فهي الإراديَّة، وإن لم يُقارنها الشعورُ والعلمُ فهي الطبيعية، وإن كانت من غيره فهي القَسْرية. وإن شئتَ أن تقول: المتحرّك إما أن يتحرّك بإرادته أوْ لا، فإنْ تحرَّك بإرادته فحركته [٢١ ب] إراديَّة، وإنْ تحرَّك بغير إرادته، فإمَّا أن تكون حركتُه إلى نحو مركزه أوْ لا، فإنْ تحرَّك إلى جهة مركزهِ؛ فحركتُه طبيعية، وإنْ تحرَّك إلى غير جهة مركزه فحركتُه قَسْرية. إذا ثبت هذا ف الحركة الإرادية تابعةٌ لإرادة المتحرِّك ، والمرادُ إمَّا أن يكون مرادًا (١) لنفسه أو لغيره، ولابدَّ أن ينتهيَ المراد لغيره إلى مرادٍ

стр. 116

لنفسه؛ دفعًا للدَّور والتسلسل. والإرادة إما أن تكونَ لجلب منفعةٍ ولذةٍ إمَّا للمتحرّك وإمَّا لغيره، أو دفع ألمٍ ومضرَّة إمَّا عن المتحرّك أو عن غيره، والعاقلُ لا يجْلِبُ لغيره منفعةً ولا يدفعُ عنه مَضرَّةً إلا لما له هو في ذلك من اللَّذة ودفع الألم، فصارت حركته الإرادية تابعةً لمحبته، بل هذا حكم كلِّ حيٍّ متحرِّك. وأمَّا الحركة الطبيعية فهي حركة الشيء إلى مستقرِّه ومركزه، وتلك تابعةٌ للحركة التي اقتضت خروجَه عن مركزه، وهي القَسْرية؛ التي إنَّما تكون بقسرِ قاسرٍ أخرجَه عن مركزه، إما باختياره، كحركة الحجر إلى أسفلَ إذا رُمِيَ به إلى جهة فوق، وإمَّا بغير اختيار مُحَرِّكه، كتحريك الرياح للأجسام إلى جهة مَهَابِّها (١)، وهذه الحركة تابعةٌ للقاسر، وحركةُ القاسر ليست منه بل مبدؤها من غيره، فإن الملائكة مُوَكَّلَةٌ بالعالم العُلويِّ والسُّفلي ، تُدبِّره بأمر الله كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات/٥]، وقال: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات/٤]. وقال تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات/١ ــ ٥]. وقال: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات/١ ــ ٥].

стр. 117

وقد وكَّل الله سبحانه بالأفلاك والشمس والقمر ملائكةً تُحرّكها، ووكَّلَ بالرياح ملائكةً تُصرِّفها بأمره، وهم خَزَنتُها، قال تعالى: [٢٢ أ] ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة/٦]. قال غيرُ واحد من السلف: عَتَتْ على الخُزَّان فلم يقدروا على ضبطها. ذكره البخاري في صحيحه (١). ووكَّلَ بالقطر ملائكةً، وبالسَّحاب ملائكةً (٢) تسوقه إلى حيث أُمرت به. وقد ثبت في الصحيح (٣) عن النبي ﷺ أنَّه قال: «بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الأرْضِ؛ إذْ سَمِعَ صوتًا في سَحَابةٍ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَتَبَّعَ السَّحابةَ حتَّى انْتَهَتْ إلى حَدِيقةٍ، فَأَفْرَغَتْ مَاءَهَا فِيهَا، فَنَظَرَ فإذا رَجُل في الحَدِيقَةِ يُحَوِّلُ الماءَ بِمِسْحَاته، فقال لَهُ: ما اسْمُك ياعَبْدَ الله؟ فَقَال: فلانٌ ـ للاسم الَّذي سمِعه في السَّحَابةِ ـ فقالَ: إنّي سمعْتُ قائِلًا يقُولُ في هذه السَّحَابةِ: اسْقِ حَدِيقةَ فُلانٍ، فما تصنع في هذه الحَدِيقةِ؟ فقال: إنِّي أنْظُرُ ما يَخْرُجُ منها، فأجعَلُهُ ثلاثة أثْلَاثٍ: ثُلُثٌ أَتَصَدَّقُ به، وثُلُثٌ أُنْفِقُهُ على عِيالي، وثُلُثٌ أرُدُّهُ فِيهَا».

стр. 118

ووكَّل الله سبحانه بالجبال ملائكةً، وثبت عن النبي ﷺ أنَّه جاءه ملك الجبال يسلّم عليه، ويستأْذنه في هلاك قومه إن أحبَّ، فقال: «بَلْ أَسْتَأني بهم (١)؛ لَعَلَّ الله أنْ يُخْرِجَ منْ أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُد الله، لا يُشْرِكُ به شيئًا» (٢). ووكّل بالرّحِم ملكًا يقول: يا ربِّ نطْفةٌ؟ يا ربِّ علقةٌ؟ يا ربِّ مضغةٌ؟ يا ربّ ذكرٌ أم أُنثى؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ وشقيٌّ أم سعيد؟ (٣). ووكّل بكل عبدٍ أربعةً من الملائكة في هذه الدنيا: حافظانِ عن يمينه وعن شماله يكتبان أعماله، ومُعَقِّبَاتٌ من بين يديه ومن خلفه، أقلُّهم اثنان، يحفظونه من أمر الله. ووكَّل بالموت ملائكةً، ووكَّل بمُساءلة الموتى ملائكةً في القبور، ووكَّل بالرَّحمة ملائكةً، وبالعذاب ملائكةً، وبالمؤمن ملائكةً يُثَبِّتونه، ويَؤزُّونه إلى الطاعات أزًّا، ووكَّل بالنَّار ملائكةً يبنونها، ويُوقدونها، ويصنعون [٢٢ ب] أغلالَها وسلاسلَها، ويقُومون بأمرها، ووكَّل بالجنة ملائكةً يبنونها، ويفرشونها (٤)، ويصنعونَ أرائكها، وسُرُرَها، وصِحافها، وَنمارِقَها، وزَرابيَّها.

стр. 119

فأمْرُ العالم العُلويِّ والسُّفليِّ والجنَّة والنَّار بتدبير الملائكة بإذن ربهم ﵎ وأمرِه، ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء/٢٧] و ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم/٦]. فأخبرَ أنَّهم لا يعصونه في أمره، وأنَّهم قادرون على تنفيذ أوامره، ليس بهم عجزٌ عنها، بخلاف من يترك ما أُمر به عجزًا، فلا يَعصي الله ما أمره، وإن لم يفعلْ ما أمره (١) به. وكذلك البحارُ قد وُكِّلت بها ملائكةٌ تسجرُها، وتمنعُها أن تفيضَ عَلَى الأرض، فتغرق أهلها. وكذلك أعمالُ بني آدم خيرُها وشرُّها قد وُكِّلت بها ملائكةٌ تُحصيها، وتحفظُها، وتكتُبها. ولهذا كان الإيمانُ بالملائكة أحدَ أركان الإيمان الذي لا يَتمّ إلا به ، وهي خمس: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وإذا عُرِفَ ذلك عُرف (٢) أنَّ كلَّ حركةٍ في العالم فسببُها الملائكة، وحركتُهم طاعةُ الله (٣) بأمره وإرادته، فيرجعُ (٤) الأمر كلُّه إلى تنفيذ مراد

стр. 120

الربِّ ـ تعالى ـ شرعًا وقَدَرًا، والملائكةُ هم المنفِّذون ذلك بأمره، ولذلك سُمُّوا ملائكةً، من الأَلُوكَةِ، وهي الرسالة، فهم رُسُل الله في تنفيذ أوامره. والمقصود أنَّ حركاتِ الأفلاك وما حَوَتْه تابعةٌ للحركة الإرادية المستلزمة للمحبَّة، ف الحبُّ والإرادة أصلُ كلِّ فعلٍ ومبدؤه ، فلا يكون الفعل إلا عن محبةٍ وإرادة، حتى دفعه للأمور التي يُبغضها ويَكرهها، فإنما يدفعُها بإرادته ومحبته لأضدادها، واللَّذة التي يجدُها بالدفع، كما يُقال: شفَى غيظَه، وشَفَى صدرَه، والشفاء والعافية يكون بالمحبوب (١) وإن كان كريهًا، مثل شرب الدواء الذي يُدْفَع به ألمُ المرض، فإنه وإن [٢٣ أ] كان مكروهًا من وجهٍ فهو محبوبٌ؛ لما فيه من زوال المكروه وحصول المحبوب، وكذلك فعلُ الأشياء المخالفة للهوى، فإنَّها وإنْ كانت مكروهةً فإنما تُفْعَل لمحبَّةٍ وإرادة، وإن لم تكن محبوبةً لنفسها فإنها مستلزمةٌ للمحبوب لنفسه. فلا يتركُ الحيُّ ما يُحِبُّه ويهواه إلا لما يُحِبُّه ويهواه، ولكن يترك أضعفَهما محبةً لأقواهما محبَّة، ولذلك كانت المحبَّة والإرادة أصلًا للبُغض والكراهة، فإن البغيضَ المكروه يُنافي وجود المحبوب، والفعل إما أن يتناولَ وجود المحبوب أو دفعَ المكروه المستلزِمَ لوجود المحبوب، فعادَ الفعلُ كلُّه إلى وجود المحبوب.

стр. 121

والحركة الاختيارية أصلُها الإرادة، والقسريةُ والطبيعيةُ تابِعتان لها، فعاد الأمر إلى الحركة الإرادية. ف جميعُ حركات العالم العلويِّ والسُّفليِّ تابعةٌ للإرادة والمحبَّة ، وبها تحرَّك العالمُ، ولأجلها، فهي العلَّةُ الفاعليَّة والغائيّة، بل هي التي بها ولأجلها وُجدَ العالمُ، فما تحرَّك في العالم العُلويِّ والسفليِّ حركةٌ إلا والمحبَّة (١) سببُها وغايتُها، بل حقيقةُ المحبَّة حركة نفس المحبِّ إلى محبوبه، فالمحبَّة حركةٌ بلا سكون. وكمالُ المحبَّة هي العبودية، والذلُّ، والخضوعُ، والطَّاعة للمحبوب، وهو الحقُّ الذي به وله خُلِقَت السموات والأرض، والدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر/٨٥]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص/٢٧]، وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون/١١٥]. والحقُّ الذي خُلِق به ولأجله الخلقُ هو عبادة الله وحده، التي هي كمالُ محبته والخضوعُ والذُّلُّ له، ولوازم عبوديته من الأمر والنهي والثواب والعقاب، ولأجل ذلك أرسلَ الرسلَ، وأنزل الكتبَ، وخلقَ الجنَّة والنار. والسمواتُ والأرضُ إنما قامت بالعدل الذي هو صراط الله الذي هو عليه، وهو أحبُّ [٢٣ ب] الأشياء إليه. قال تعالى حاكيًا عن نبيّه

стр. 122

شعيب ﵇: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود/٥٦]، فهو على صراط مستقيم في شَرْعه وقَدَره، وهو العدل الذي به ظهر الخلق والأمر، والثواب والعقاب (١). وهو الحق الذي به وله خُلقت السمواتُ والأرضُ وما بينهما، ولهذا قال المؤمنون في دعائهم (٢): ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ [آل عمران/١٩١]، فنزَّهوا ربَّهم سبحانه أن يكونَ خلق السموات والأرض عبثًا لغير حكمةٍ، ولا غايةٍ محمودة، وهو سبحانه يُحْمَد لهذه الغايات المحمودة، كما يُحْمَد لذاتِه وأوصافه، فالغايات المحمودة في أفعاله هي الحكمة التي يُحبُّها ويرضاها. وخَلَق ما يكره لاستلزامه ما يحبُّه، وتَرَتُّبِ المحبوب له عليه، وكذلك (٣) يترك سبحانه فعل بعض ما يحبّه؛ لما يترتب عليه من فوات محبوبٍ له أعظم منه، أو حصولِ مكروهٍ أكرهَ إليه من ذلك المحبوب. وهذا كما ثبَّط قلوب أعدائه عن الإيمان به وطاعته؛ لأنه يكره طاعاتهم، ويُفَوِّت بها ما هو أحبُّ إليه منها من جهادهم، وما يترتب عليه من المُوَالاة فيه والمعاداة فيه، وبذلِ أوليائه نفوسَهم فيه، وإيثار محبته ورضاه على

стр. 123

نفوسهم، ولأجل هذا خلق الموتَ والحياة، وجعلَ ما على الأرض زينةً لها؛ قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك/٢]. وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف/٧]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود/٧]. فأخبرَ سبحانه عن خلق العالم والموت والحياة وتزيين الأرض بما عليها أنه للابتلاء والامتحان، ليختبرَ خلقه أيهم أحسن عملًا (١)، فيكون عَمَلُهُ موافقًا لمحابِّ الربِّ تعالى، فيُوافق الغايَةَ التي خُلِقَ هو لها، وخُلِق لأجلها العالم، وهي عبوديته المتضمنة لمحبَّته وَطاعتِه، وهي العملُ الأحسنُ، وهو توابعُ محبته ورضاه، وقدَّر [٢٤ أ] سبحانه مقاديرَ تخالفها بحكمته في تقديرها، وامتحنَ خلقَه بين أمره وقَدَره؛ ليبلوَهم أيُّهم أحسنُ عملًا. فانقسمَ الخلقُ في هذا الابتلاء فريقين: فريقًا داروا مع أوامره ومحابِّه، ووقفوا حيث وقفَ بهم الأمر، وتحرَّكوا حيث حرَّكهم الأمر، واستعملوا الأمر في القدر، وركبوا سفينةَ الأمر في بحر القَدَر، وحكَّموا الأمرَ على القَدَر، ونازعوا القَدَر بالقَدَر امتثالًا لأمره، واتِّباعًا لمرضاتِه، فهؤلاء هم الناجون.

стр. 124

والفريق الثاني عارضوا بين الأمر والقَدَر، وبين ما يُحبُّه ويرضاه، وبين ما قدَّره وقضَاه، ثم افترقوا أربعَ فِرَقٍ: فرقة كذَّبت بالقدر محافظةً على الأمر، فأبطلتِ الأمرَ من حيث حافظت على القَدَر، فإنَّ الإيمان بالقدر أصلُ الإيمان بالأمر، وهو نظامُ التوحيد، فمن كذَّب بالقدر نَقَضَ تكذيبُه إيمانَه. وفرقةٌ ردَّتِ الأمرَ بالقَدَر، وهؤلاء من أكفر الخلق، وهم الذين حكى الله قولهم في القرآن إذ قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام/١٤٨] وقالوا أيضًا (١): ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل/٣٥]، وقالوا أيضًا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف/٢٠]، وقالوا أيضًا: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس/٤٧]. فجعلَهم الله سبحانه بذلك مكذِّبين خارصينَ، ليس لهم علم، وأخبرَ أنَّهم في ضَلال مبين. وفرقةٌ دارت مع القَدَر، فسارت بسَيْره، ونزلتْ بنزوله، ودانت به، ولم تُبالِ وافقَ الأمرَ أو خالفَه، بل دينُها القدر، فالحلالُ ما حلَّ بيدها قدرًا، والحرامُ ما حُرِمَتْهُ قَدَرًا، وهم مع منْ غلَب قَدَرًا من مسلمٍ أو كافرٍ، برًّا كان أو فاجرًا (٢)، وخواصُّ هؤلاء وعُبَّادُهم لما شهدوا الحقيقة

стр. 125

الكونية القدرية صاروا مع الكفَّار المسلَّطين بالقَدَر، وهم خُفراؤُهم، فهؤلاء أيضًا كفَّار. وفرقةٌ وقفت مع القَدَر مع اعترافها بأنَّه خلافُ الأمر، ولم تَدِنْ به، ولكنَّها [٢٤ ب] استرسلت معه، ولم تُحَكِّم عليه الأمر، وعَجَزت عن دفع القدر بالقدر اتّباعًا للأمر، فهؤلاء مفرِّطون، وهم بين عاجزٍ وعاصٍ لله. وهؤلاء الفِرَقُ كلُّهم مُؤْتَمُّون بشيخهم إبليس، فإنه أوّلُ من قدَّم القدر على الأمر وعارضَه به، وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر/٣٩]. و (١) ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف/١٦]، فردّ أمر الله بقدره، واحتجَّ على ربه بالقدر. وانقسم أتباعهُ أربعَ فِرَق كما رأيت، فإبليس وجنوده أرسلوا بالقدر إرسالًا كونيًّا. فالقَدَرُ دينُهم، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم/٨٣]، فدِينُهم القدر، ومصيرُهم سقر. فبعثَ الله الرسلَ بالأمر، وأمرهم أن يُحاربوا به أهلَ القدر، وشرَعَ لهم من أمره سُفُنًا، وأمرهم أن يركبوا فيها هم وأتباعُهم في بحر القدر، وخصَّ بالنجاةِ من ركبها، كما خَصَّ بالنجاة أصحاب السفينة، وجعل ذلك آيةً للعالمين.

стр. 126

فأصحابُ الأمر حربٌ لأصحاب القدر حتى يرُدُّوهم إلى الأمر، وأصحابُ القدر يُحاربون أصحابَ الأمر حتى يُخرجوهم منه، فالرسل دينهم الأمرُ مع إيمانهم بالقدر وتحكيم الأمر عليه، وإبليسُ وأتباعهُ دينُهم القدر ودفعُ الأمر به، فتأمَّلْ هذه المسألة في القدر والأمر، وانقسامِ العالم فيها إلى هذه الأقسام الخمسة، وبالله التوفيق. فحركاتُ العالَمِ العُلويِّ والسُّفليِّ وما فيهما مُوافِقةٌ للأمر؛ إمَّا الأمرِ الدينيّ الذي يُحِبُّه الله ويرضاه، وإمَّا الأمرِ الكونيّ الذي قدَّره وقضاه، وهو سبحانه لم يُقدِّره سُدًى، ولا قضاه عبثًا، بل لما له فيه من الحكم (١) والغايات الحميدة، وما يترتب عليه من أمور يحبُّ غاياتِها وإن كره أسبابها ومبادئها، فإنَّه يُحبُّ المغفرة، وإن كره معاصيَ عباده، ويحبُّ السَّتْر، وإن كره ما يَسْتر عبده عليه [٢٥ أ]، ويحبُّ العتْقَ، وإن كره السبب الذي يَعْتِقُ عليه من النار، ويحبُّ العفو، كما في الحديث: «اللَّهُمَّ إنَّك عَفُوٌّ تُحِبُّ العفوَ، فَاعْفُ عَنِّي» (٢)، وإن كره ما يعفو عنه من الأوزار، ويحبُّ التوَّابين وتوبتَهم، وإن كره معاصيَهم التي يتوبون إليه منها، ويحبُّ الجهادَ وأهلَه، بل هم أحبُّ خلقه إليه، وإن كره

стр. 127

أفعال من يجاهدونه. وهذا بابٌ واسع قد فُتح لك، فادخل منه؛ يُطلعك على رياضٍ من المعرفة مُؤنِقَةٍ، مات مَنْ فاتته بحسرتها، وبالله التوفيق. وهذا موضعٌ تَضيقُ عنه عِدَّة أسفار، واللَّبيبُ يدخلُ إليه من بابه، وسرُّ هذا الباب: أنَّه سبحانه كاملٌ في أسمائه وصفاته، فله الكمالُ المطلقُ من جميع الوجوه؛ الذي لا نقصَ فيه بوجهٍ ما، وهو يحبُّ أسماءه وصفاته، ويحب ظهورَ آثارها في خلقه، فإنَّ ذلك من لوازم كماله، فإنَّه سبحانه وتْرٌ يُحِبُّ الوتْرَ (١)، جميلٌ يحبُّ الجمالَ (٢)، عليمٌ يحبُّ العلماءَ، جوادٌ يحبُّ الأجواد، قويٌّ، والمؤمنُ القويُّ أحَبُّ إليه من المؤمن الضعيف (٣)، حَييٌّ يحبُّ أهل الحياء (٤)، وفيٌّ يحبُّ أهلَ الوفاء، شكورٌ يحبُّ الشَّاكرينَ، صادقٌ يحبُّ الصادقين، محسنٌ يحبُّ المحسنين. فإذا كان يُحِبُّ العفوَ والمغفرة والحِلْمَ والصَّفْحَ والسَّتْرَ، لم يكن بُدٌّ من تقديره للأسباب التي تَظهرُ آثارُ هذه الصفات فيها، ويَسْتَدِلُّ بها عبادُه على كمال أسمائه وصفاته، ويكون ذلك أدْعى لهم إلى محبَّتِه،

стр. 128

وحمدِه، وتمجيدِه، والثناء عليه بما هو أهلُه، فتحصُل الغاية التي خَلَقَ لها الخلق، وإن فاتت من بعضهم، فذلك الفواتُ سببٌ لكمالها وظهورها، فتضمَّن ذلك الفواتُ المكروهُ له أمرًا هو أحبُّ إليه من عدَمه، فتأمَّلْ هذا الموضع حقَّ التأمل. وهذا ينكشف يوم القيامة للخليقة بأجمعهم حين يجمعهم في صعيدٍ واحد، ويُوصِل إلى كلِّ نفسٍ ما ينبغي إيصالُه إليها من الخير والشرّ، [٢٥ ب] واللَّذَّة والألم، حتى مثقال الذَّرة، ويوصل كلَّ نفس إلى غاياتِها (١) التي تشهد هي أنها أوْلى بها، فحينئذٍ يَنْطِق الكونُ بأجمعه بحمده ﵎ قالًا وحالًا ، كما قال : ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر/٧٥]، فحذف فاعل القول لأنَّه غيرُ معيَّن، بل كلُّ أحدٍ يَحمَدُه على ذلك الحُكم الذي حكم به (٢)، فَيَحْمَدُه أهلُ السموات وأهلُ الأرض، والأبرارُ والفجَّارُ، والإنسُ والجِنُّ، حتى أهلُ النار. قال الحسن أو غيره: لقد دخلوا النَّارَ وإن حَمْدَه لفي قلوبهم ما وجدوا عليه سبيلًا، وهذا ـ والله أعلمُ ـ هو السرُّ الذي حذفَ لأجله الفاعل في قوله: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الزمر/٧٢]،

стр. 129

وقوله: ﴿وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم/١٠]، كأنَّ الكونَ كلَّه نطقَ بذلك وقاله لهم. والله أعلم بالصواب (١).

стр. 130

الباب الخامس في دَواعي المحبَّة ومتعلَّقها الدَّاعي قد يُراد به: الشعورُ الذي تتبَعُه الإرادةُ والميل، فذلك قائمٌ بالمحبِّ، وقد يُراد به: السببُ الذي لأجله وُجدت المحبَّةُ، وتعلّقت به، وذلك قائمٌ بالمحبوب، ونحن نُريد بالدَّاعي: مجموعَ الأمرين، وهو ما قام بالمحبوب من الصِّفات التي تدعو إلى محبَّته، وما قامَ بالمُحبِّ من الشُّعور بها، والموافقة التي بين المحبِّ والمحبوب، وهي الرابطة بينهما، وتُسمَّى بين المخلوق والمخلوق: مناسبةً وملاءَمةً. فهاهنا ثلاثة أُمور: وصفُ المحبوب وجمالُه، وشعورُ المحبِّ (١) به، والمناسبةُ، وهي العلاقة والملاءمة التي بين المحبِّ والمحبوب، فمتى قَوِيتِ الثَّلاثةُ وكَمُلَت؛ قوِيت المحبَّةُ واستحكمت، ونقصانُ المحبَّة وضعفُها بحسب ضعفِ هذه الثلاثة أو نَقْصِها (٢)، فمتى كان المحبوبُ في غاية الجمال، وشعورُ المحبِّ بجماله أتمَّ شُعور، والمناسبةُ التي بين الرُّوحين قوية؛ فذلك الحبُّ اللازم الدائم، وقد يكون [٢٦ أ] الجمالُ في نفسه ناقصًا، لكن هو في عين المحبِّ كامل،

стр. 131

فتكون قوَّة محبته بحسب ذلك الجمال عنده، فإنَّ حُبَّك الشيءَ (١) يُعمي ويُصِمُّ، فلا يرى المحبُّ أحدًا أحسن من محبوبه. كما يُحْكى أنَّ عَزَّة دخلت على الحجَّاج فقال لها: يا عزَّةُ! والله ما أنتِ كما قال فيك كُثَيِّر، فقالت: أيُّها الأمير إنَّه لم يَرَني بالعين التي رأيتَني بها. ولا ريبَ أنَّ المحبوبَ أحلى (٢) في عين مُحبِّه، وأكبرُ في صدره من غيره، وقد أفصحَ بهذا القائلُ في قوله (٣): فو الله ما أدري أزِيدَتْ ملاحةً ... وحُسْنًا على النِّسوان أم ليس لي عَقْلُ وقد يكون الجمالُ مُوَفَّرًا، لكنَّه ناقصُ الشعور به، فَتَضْعُفُ محبَّتُه لذلك، فلو كُشفَ له عن حقيقته لأسر قلبَه. ولهذا أُمِرَ النساءُ بسَتْرِ وجوههن عن الرِّجال، فإنَّ ظهورَ الوجه يُسفِرُ عن كمال (٤) المحاسن، فيقع الافتتان، ولهذا شُرع للخاطب أن ينظرَ إلى المخطوبة، فإنَّه إذا شاهد حسنَها وجمالَها؛ كان ذلك أدعى إلى حصول المحبَّة والأُلفة بينهما، كما أشار إليه النبي ﷺ في قوله: «إذا أراد

стр. 132

أحدُكُم خِطبة امْرَأةٍ فلينظُر إلى ما يدعُوه إلى نِكَاحِها، فإنَّه أَحْرَى أن يُؤْدَم بَيْنَهُمَا» (١) أي: يُلاءم ويُوافقَ ويُصْلَحَ، ومنه الإدام الذي يُصْلَحُ به الخبز. وإذا وُجِد ذلك كلُّه، وانْتَفَتِ المناسبة والعَلاقة التي بينهما لم تَسْتحكم المحبَّة؛ وربما لم تقع ألبتةَ، فإن التناسُبَ الذي بين الأرواح من أقوى أسباب المحبَّة. فكلُّ امرئ يصبُو إلى مَنْ يُناسبُهْ (٢) وهذه المناسبة نوعان: أصليةٌ من أصل الخِلْقة، وعارضةٌ بسبب المجاورة أو الاشتراك في أمرٍ من الأمور، فإنَّ من ناسبَ قصدُك قصدَه حصلَ التوافقُ بين رُوحِك ورُوحِه، فإذا اختلفَ القصدُ زالَ التوافُق، فأمَّا التناسُب الأصلي، فهو اتفاقُ أخلاق، وتشاكُلُ أرواح، وشوقُ كلِّ نفسٍ إلى مُشاكلها، فإنَّ شِبْهَ الشيء (٣) يَنجذبُ إليه بالطبع، فتكون الرُّوحان

стр. 133

متشاكلتين [٢٦ ب] في أصل الخِلقة، فينجذب كلٌّ منهما إلى الأخرى بالطبع، وقد يقعُ الانجذاب والميلُ بالخاصِّيَّةِ، وهذا لا يُعلَّل، ولا يُعرَف سَبَبُه، كانجذاب الحديد إلى الحجر المِغْنَاطيس. ولا ريبَ أنَّ وقوعَ هذا القَدْر بين الأرواح أعظمُ من وقوعه بين الجمادات، كما قيل: محاسنُها هَيُولى كلِّ حسنٍ ... ومِغْنَاطيسُ أَفْئِدَةِ الرِّجال وهذا الذي حَمَلَ بعضَ الناس على أن قال: إنَّ العشقَ لا يقفُ على الحُسْن والجمال، ولا يلزمُ من عَدَمِهِ عَدَمُه، وإنما هو تشاكُل النفوسِ وتمازُجُها في الطباع المخلوقة فيها، كما قيل (١): وما الحُبُّ من حُسْنٍ ولا مِنْ مَلاحةٍ ... ولكنَّه شيءٌ به الرُّوح تَكْلَفُ قال هذا القائل: فحقيقتُه أنَّه مِرْآة يُبْصرُ فيها المحبُّ طباعَه وَرِقَّته في صورة محبوبه، ففي الحقيقة لم يحبَّ إلا نفسه وطباعَه ومُشاكِلَه. وقال بعضُهم لمحبوبه: صادفتُ فيك جوهرَ نفسي، ومُشَاكِلَتَها (٢) في كلِّ أحوالها، فانبعثتْ نفسي نحوَك، وانقادتْ إليك، وإنَّما هويتُ نفسي.

стр. 134

وهذا صحيحٌ من وجهٍ، فإنَّ المناسبة عِلَّةُ الضَّمِّ شَرْعًا وقدرًا، وشاهِدُ هذا بالاعتبار: أنَّ أحبَّ الأغذية إلى الحيوان ما كان أشبَه بجوهر بدنه، وأكثرَه مناسبةً له، وكلَّما قويت المناسبة بين الغاذي والغذاء كان ميلُ النفس إليه أكثر، وكلَّما بعدت المناسبة حصلت النُّفرةُ عنه، ولا ريبَ أنَّ هذا قَدْرٌ زائدٌ على مجرَّد الحسن والجمال، ولهذا كانت النفوسُ الشريفة الزكيَّةُ العُلْويَّة تعشقُ صفاتِ الكمال بالذَّات، فأحبُّ شيء إليها العلمُ، والشَّجاعةُ، والعفَّةُ، والجودُ، والإحسانُ، والصبر (١)، والثباتُ؛ لمناسبة هذه الأوصاف لجوهرها، بخلاف النفوس اللئيمة الدنيَّة فإنَّها بِمعْزِلٍ عن محبَّة هذه الصفات، وكثيرٌ من الناس يحملُه على الجود والإحسان فرطُ عشقه ومحبَّتِه له، واللَّذَّةُ التي يجدُها (٢) في بذله، كما قال المأمون: لقد حُبِّبَ إليَّ العفوُ حتى خشيتُ ألَّا أُؤْجَر عليه [٢٧ أ]. وقيل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى (٣): تعلَّمتَ هذا العلمَ لله؟ فقال: أمَّا لله فعزيز، ولكنْ شيءٌ حُبِّبَ إليَّ، ففعلتُه. وقال آخر: إنِّي لأفرحُ بالعطاءِ، وأَلْتَذُّ به أعظمَ مما يفرحُ الآخذُ بما يأخذه مني.

стр. 135

وفي هذا قيل في مدح بعض الكُرَماء (١): وتأْخذُه عندَ المَكَارِم هِزَّةٌ ... كما اهْتَزَّ عندَ البَارحِ الغُصُنُ الرَّطْبُ قال شاعرُ الحماسة (٢): تراهُ إذا ما جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًا ... كأنَّك تُعطيه الذي أنتَ سائِلُهْ وكثيرٌ من الأجواد يعشقُ الجودَ أعظمَ عِشق، فلا يصبِرُ عنه مع حاجته إلى ما يجودُ به، ولا يقبلُ فيه عَذْلَ عاذلٍ، ولا تأخذُه فيه لومةُ لائم، وأما عشَّاق العلم فأعظمُ شَغَفًا به وعشقًا له من كل عاشقٍ بمعشوقِه، وكثيرٌ منهم لايشْغَلُهُ عنه أجملُ صورة من البشر. وقيل لامرأةِ الزُّبَيْر بن بكَّار ـ أو غيره ـ: هنيئًا لكِ؛ إذ ليست لك ضَرَّة، فقالت: والله لهذه الكتبُ أضرُّ عليَّ من عِدَّة ضرائرَ!

стр. 136

وحدثني أخو شيخنا عبد الرحمن بن تيمية عن أبيه، أنه (١) قال: كان الجَدُّ إذا دخل الخلاءَ يقول لي: اقرأْ في هذا الكتاب، وارفعْ صوتَك حتى أسمع. وأعرف مَنْ أصابه مرَضٌ من صُداع، وحُمَّى، وكان الكتابُ عند رأسه، فإذا وجد إفاقةً؛ قرأ فيه، فإذا غُلب؛ وضعَه، فدخل عليه الطبيبُ يومًا وهو كذلك، فقال: إنَّ هذا لا يَحِلُّ لك، فإنَّك تُعِينُ على نفسك، وتكونُ سببًا لفوات مطلوبك. وحدَّثني شيخنا قال: ابتدأ بي مرضٌ، فقال لي الطبيب: إنَّ مطالعتَك، وكلامَك في العلم يزيدُ المرضَ. فقلت له: لا أصبرُ عن (٢) ذلك، وأنا أُحاكمك إلى علمك: أليستِ النفسُ إذا فرحتْ وسُرّت قويت الطبيعةُ، فدفعتِ المرض؟ فقال: بلى! فقلت له: فإنَّ نفسي تُسَرُّ بالعلم، فتقوى به الطبيعة، فأجدُ راحةً. فقال: هذا خارجٌ عن علاجنا، أو كما قال. فعشقُ صفاتِ الكمال من أنفع العشق وأعلاه، [٢٧ ب] وإنَّما يكونُ بالمناسبة التي بينَ الرُّوح وتلك الصِّفاتِ، ولهذا كان أعلى الأرواح وأشرفُها أعلاها وأشرفها معشوقًا، كما قيل (٣):

стр. 137

أنت القتيلُ بكلِّ مَنْ أحْبَبْتَه ... فاخْتَرْ لنفسِكَ في الهوى مَنْ تَصْطفي فإذا كانت المحبَّةُ بالمشاكلة والمناسبة ثبتت وتمكَّنت، ولم يُزِلْها إلا مانعٌ أقوى من السَّبب، وإذا لم تكن بالمشاكلة فإنَّما هي محبةٌ لغرضٍ من الأغراض، تزولُ عند انقضائه وتضمحِلُّ. فمن أحبّكَ لأمرٍ ولَّى عند انقضائه، فداعي المحبَّة وباعثُها إن كان غَرَضًا للمحبِّ لم يكن لمحبَّته بقاءٌ، وإن كان أمرًا قائمًا بالمحبوب سريعَ الزوال والانتقال زالت محبَّتُه بزواله، وإن كان صفةً لازمةً له (١) فمحبَّتُه باقيةٌ ببقاء داعيها، ما لم يُعارضْه معارضٌ يُوجب زوالَها، وهو إمَّا تغيُّرُ حالٍ في المُحبِّ، أو أذًى من المحبوب، فإنَّ الأذى إما أن يُضْعِفَ المحبَّة، أو يُزِيلَها. قال (٢): خذي العفوَ منِّي تستديمي مَوَدَّتي ... ولا تَنْطِقي في سَوْرتي حين أغضَبُ

стр. 138

فإنِّي رأيتُ الحُبَّ في القلبِ والأذى ... إذا اجتمعا لم يَلْبَثِ الحُبُّ يَذْهَبُ وهذا موضعٌ انقسمَ المحبُّون فيه قسمين: ففرقةٌ قالت: ليس (١) بحبٍّ صحيح ما يزيله الأذى، بل علامَةُ الحبِّ الصَّحيح: أنَّه لا ينقص بالجفوة، ولا يُذهِبه الأذى. قالوا: بل المحب يلتذُّ بأذى محبوبه له، كما قال أبو الشِّيص (٢): وقفَ الهوى بي حَيْثُ أنتِ فليس لي ... متَأخَّرٌ عَنْهُ ولا مُتَقَدَّمُ وأهَنْتِني فأَهنتُ نفسيَ جاهِدًا ... ما مَنْ يهونُ عليكِ مِمَّن أكرم (٣) أَشبهتِ أعدائي فصِرْتُ أُحِبُّهم ... إذ كان حظِّي منك حظِّي منهمُ أجدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةً ... حبًّا لِذكْركِ فلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ [٢٨ أ] فهذا هو الحبُّ على الحقيقة، فإنَّه متضمنٌ لغاية الموافقة،

стр. 139

بحيث قد اتَّحَدَ (١) مرادُه ومرادُ محبوبه من نفسه، فأهانَ نفسَه موافقةً لإهانةِ محبوبه له، وأحبَّ أعداءَه لمَّا أشبههم محبوبُه في أذاه. وهذا وإن كانت الطِّباع تأْباه؛ لكنه مُوجَبُ الحبِّ التامِّ ومقتضاه. وقالت فرقةٌ: بل الأذى مزيلٌ للحبِّ، فإنَّ الطِّباعَ مجبولةٌ على كراهة من يُؤذيها، كما أنَّ القلوبَ مجبولةٌ على حبِّ من يُحسِنُ إليها. وما ذكرَه أُولئك فدعوى منهم. والإنصاف أن يُقال: يجتمعُ (٢) في القلب بغضُ أذى الحبيب وكراهتُه ومحبَّتُه من وجهٍ آخر، فيحبُّه ويُبغض أذاه، وهذا هو الواقع، والغالبُ منهما (٣) يوازي المغلوبَ ويبقى الحكم له، وقد كشفَ عن هذا المعنى الشاعرُ في قوله (٤): ولو قُلْتِ طَأْ في النَّارِ أَعْلَمُ أنَّه ... رِضًا لكِ أو مُدْنٍ لنا مِنْ وِصَالِك لقدَّمتُ رِجْلي نحوَها فَوَطِئْتُها ... هُدًى منكِ لي أو ضَلَّةً من ضَلالِك

стр. 140

وإنْ ساءَني أن نِلْتِنِي بِمَسَاءةٍ ... فقد سَرَّني أنِّي خَطَرْتُ بِبَالِك فهذا قد أنصفَ حيث أخبر: أنَّه يسوؤهُ (١) أن ينالَه محبوبُه بمساءة، ويسرُّه خطورُه بباله، لا كمن (٢) ادَّعى أنَّه يلتذُّ بأذى محبوبه له، فإنَّ هذا خارج عن الطِّباع، اللهمَّ إلا أن يكون ذلك الأذى وسيلةً إلى رضا المحبوب وقربه، فإنَّه يلتذُّ به إذا لاحظ غايتَهُ وعاقبتَه، فهذا يقعُ. وقد أخبرني بعضُ الأطباء قال: إني أَلْتَذُّ بالدواء الكريه إذا علمتُ ما يحصُل به من الشِّفاء، وأضعُه عَلَى لساني، وأَتَرَشَّفُه محبةً له. ومن هذا التذَاذُ المُحبِّينَ بالمشاقِّ التي تُوصلُهم إلى وصَال محبوبهم وقُربِه، وكلَّما ذكروا روحَ الوصَال، وأنَّ ما هم فيه طريقٌ موصلٌ إليهم؛ لذَّ لهم مُقَاساتُه، وطابَ لهم تحمُّلُه، كما قال (٣): لها أحاديثُ من ذِكْرَاكَ تشْغَلُهَا ... عن الشَّرابِ وتُلْهيها عن الزَّاد

стр. 141

لها بوجهِكَ نورٌ تستضيءُ به ... ومِن حَدِيثكَ في أعْقَابِهَا حادِي إذا شَكَتْ من كَلالِ السَّيْرِ أوعَدَها ... رَوْحُ اللقاء فتَقوى عندَ ميعاد والمقصودُ أنَّ المحبَّة تستدعي مشاكلةً ومناسبةً . وقد ذكرَ الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمه الله تعالى (١) ــ في مسنده (٢) من حديث عائشة ﵂: أنَّ امرأةً كانت تدخلُ على قريش، فتُضحكُهم، فقدمتِ المدينة، فنزلتْ على امرأةٍ تُضْحِكُ النَّاسَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «على مَنْ نزلتْ فلانة؟» فقالت: على فلانَةَ المُضْحِكَة، فقال: «الأرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعارَفَ مِنْها ائْتَلَفَ، ومَا تَنَاكَر مِنْها اخْتَلَف». وأصلُ الحديث في الصحيح (٣).

стр. 142

وذُكر لبقراط (١) رجلٌ من أهل النقص يحبُّه، فاغتمَّ لذلك، وقال: ما أحبَّني إلا وقد وافقْتُه في بعض أخلاقِهِ، وأخذَ المتنبي هذا المعنى فقلبَه، وأجادَ، فقال (٢): وإذا أتتكَ مَذَمَّتِي مِن ناقصٍ ... فهي الشَّهادةُ لي بأنِّي فاضلُ وقال بعض الأطباء (٣): العشقُ: امتزاجُ الرُّوح بالرُّوح؛ لما بينهما من التناسب والتشاكل، فإذا امتزج الماءُ بالماء امتنعَ تخليصُ بعضِه من بعض، وكذلك (٤) تبْلُغُ المحبَّةُ بين الشخصين حتى يتألَّم أحدُهما بتألُّم الآخر، ويَسْقَم بسقمِه وهو لا يشْعُر. ويُذكَر (٥) أنَّ رجلًا كان يُحِبُّ شخصًا، فمرضَ، فدخل عليه أصحابه يعودونه، فوجدوا به خِفَّةً، فانبسط معهم، وقال: من أين جئتم؟ قالوا: من عند فلانٍ عُدْناهُ، فقال: أوَ كان عليلًا؟ قالوا: نعم، وقد عُوفِي، فقال: والله لقد أنكرتُ عِلَّتي هذه ولم أعرفْ لها سببًا، غير أني توهَّمْتُ: أنَّ ذلك لعلَّةٍ نالت بعض من أُحبُّ، ولقد وجدتُ في (٦) يومي هذا

стр. 143

راحةً، ففرحْتُ طمعًا أن يكون الله شفاه، ثم دعا بدواةٍ، فكتب إلى محبوبه (١): إنِّي حُمِمْتُ ولم أشعُرْ بِحُمَّاك ... حتى تحدَّثَ عُوَّادِي بشكواكِ [٢٩ أ] فقلتُ ما كانتِ الحُمَّى لِتَطْرُقَنِيْ ... مِن غيرِ ما سَبَبٍ إلا لِحُمَّاك وخَصْلَةٍ كنتُ فيها غيرَ مُتَّهَمٍ ... عافانيَ اللهُ منها حينَ عافاك حتى إذا اتفقت نفسي ونفسك في ... هذا وذاك وفي هذا وفي ذاكِ (٢) ويُحْكى (٣) أنَّ رجلًا مرِضَ مَن يُحِبُّه، فعادَه المحبُّ، فمرضَ من وقته، فعوفيَ محبوبُه، فجاءَ يعودُه، فلما رآه عُوفي من وقته، وأنشد (٤):

стр. 144

مَرِضَ الْحَبيبُ فَعُدْتُه ... فمَرِضْتُ مِنْ حَذَرِي عليهِ وأتى الحبيبُ يَعُودُوني ... فبرئتُ مِنْ نَظري إلَيْه وأنت إذا تأمَّلْتَ الوجودَ؛ لا تكاد تجد اثنين يتحابَّان إلا وبينهما مشاكلةٌ، أو اتفاقٌ في فعلٍ أو حالٍ أو مَقْصِدٍ، فإذا تباينت المقاصدُ والأوصافُ والأفعالُ والطرائقُ لم يكن هناك إلا النُّفْرَةُ والبعدُ بين القلوب، ويكفي في هذا الحديثُ الصحيح عن رسول الله ﷺ : «مَثَلُ المُؤمِنينَ في توادِّهمْ، وترَاحُمِهِمْ، وتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَل الجَسَدِ الْوَاحِد، إذا اشْتَكى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعى له سائرُ الجسدِ بالحُمَّى والسَّهَر» (١). فإن قيل: فهذا الذي ذَكرتم يقتضي أنَّه إذا أحبَّ شخصٌ شخصًا أن (٢) يكونَ الآخرُ يحبُّه فيشتركان في المحبَّة، والواقعُ يشهدُ بخلافه، فكم من محبٍّ غير محبوب، بل بسيف البغض مضروب. قيل (٣): قد اختلفَ الناس في جواب هذا السؤال، فأما أبو محمد بن حزم فإنَّه قال (٤): الذي أذهبُ إليه أنَّ العشقَ اتصالٌ بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخلقة في أصل عُنْصُرها الرفيع، لا على ما حكاه

стр. 145

محمَّد بن داود (١) عن بعض أهلِ الفلسفة أن الأرواح أُكَرٌ (٢) مقسومةٌ، لكن على سبيل مناسبةِ قواها في مَقَرِّ عالَمها العُلويِّ، ومجاورتها في هيئة تركيبها. وقد علمنا أن سرَّ (٣) التمازج والتباين في المخلوقات إنَّما هو الاتصال والانفصال، فالشكلُ دائمًا (٤) يستدعي شكلَه، والمثلُ إلى مثله ساكنٌ. وللمجانسة [٢٩ ب] عملٌ محسوس، وتأْثيرٌ مشاهد. والتنافُرُ في الأضداد، والموافقةُ في الأنداد، والنِّزاعُ فيما تشابَه موجود بيننا، فكيف بالنفس وعالَمُها العالمُ الصَّافي الخفيف، وجوهرُها الجوهرُ الصَّعَّاد المعتدلُ، وسِنْخُها المُهَيَّأُ لقَبول الاتفاق والميل والتَّوْق، والانحراف والشهوة والنِّفار؟ والله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف/ ١٨٩]، فجعل عِلَّةَ السكُون أنَّها منه، ولو كان عِلَّةَ الحبِّ حسنُ الصورة الجسدية لوجبَ ألا يُسْتَحْسَنَ الأنقصُ (٥) من الصُّور، ونحن نجد كثيرًا ممن يُؤْثِرُ الأدنى ويعلمُ فضل غيره، ولا يجدُ محيدًا لقلبه عنه، ولو كان للموافقة في الأخلاق لما
следующие страницы →