← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 417

روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (676 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

كلامهم، قال الشاعر (١): وماذا عسى الواشونَ أنْ يتحدَّثوا ... سوى أن يقولوا إنني لكِ عاشقُ نعم صدقَ الواشون أنتِ حبيبةٌ ... إليَّ وإن لم تَصْفُ منكِ الخلائِقُ قال في الصحاح (٢): العِشْق: فَرْط الحبِّ، وقد عشقها عِشْقًا، مثل: عَلِمَ عِلْمًا، وعَشَقًا أيضًا عن الفَرَّاء، قال رُؤْبة (٣): ولم يُضِعْها بين فَرْكٍ وَعشَقْ قال ابن السّراج: إنما حرَّكه ضرورةً، وإنما لم يُحرّكه بالكسر إتْباعًا للعين، كأنه كره الجمع بين كسرتين؛ [١١ ب] فإنَّ هذا عزيزٌ في الأسماء. ورجلٌ عِشِّيقٌ مثال فِسِّيق، أي: كثير العشق. والتَّعشُّق: تكلّف العِشْق، قال الفرّاء: يقولون امرأةٌ مُحِبٌّ لزوجها وعاشق. وقال ابن سِيده: العِشْق: عجبُ المحبّ بالمحبوب يكون في عفاف الحبِّ ودَعارته، يعني: في العفَّة والفجور. وقيلَ: العِشْقُ الاسم، والعَشَق المصدر، وقيل: هو مأخوذ من شجرة يُقال لها: عاشقة، تخضرّ

стр. 72

ثم تَدِقُّ وتصفرُّ. قال الزَّجَّاجي (١): واشتقاق العاشق من ذلك. وقال الفرَّاء: عَشِقَ عِشْقًا وَعَشْقًا وعَشَقًا: إذا أفرط في الحبِّ، والعاشق الفاعل، والمعشوق المفعول، والعَشِيقُ يقال لهذا ولهذا، وامرأةٌ عاشقٌ وعاشقةٌ، قال (٢): وَلَذٍّ كَطَعْمِ الصَّرْخَدِيِّ طَرَحْتُهُ ... عَشِيَّةَ خِمْسِ القومِ والعَيْنُ عاشِقَهْ وقال الفرَّاء: العشق نبتٌ لَزِجٌ، وسُمِّيَ العشق الذي يكون من الإنسان لِلصُوقهِ بالقلب. وقال ابن الأعرابي: العَشَقَةُ: اللبلابة تخضرُّ، وتصفرُّ، وتَعْلَق بالذي يليها من الأشجار، فاشتقّ من ذلك العاشق. وقد اختلف الناس هل يُطْلَق هذا الاسم في حقّ الله تعالى؟ (٣) فقالت طائفةٌ من الصوفية: لا بأس بإطلاقه، وذكروا فيه أثرًا لا يثبتُ، وفيه: «فإذا فعلَ ذلك عَشِقَني وعَشِقتُه» (٤). وقال جمهور الناس: لا يُطْلَقُ ذلك في حقِّه سبحانه، فلا يُقال: إنه

стр. 73

يَعْشَق، ولا يقال: عَشِقَه عبدُه. ثم اختلفوا في سبب المنع على ثلاثة أقوال: أحدها: عدم التوقيف، بخلاف المحبة. الثاني: أنَّ العشقَ إفراطُ المحبَّة، ولا يمكن ذلك في حق الربِّ تعالى، فإن الله تعالى لا يُوصف بالإفراط في الشيء، ولا يبلغ عبدُه ما يستحقُّه من حبِّه، فضلًا أن يُقالَ: أفرطَ في حبّه. الثالث: أنه مأخوذ من التغيُّر، كما يُقال للشجرة المذكورة عاشقة، ولا يُطلق ذلك على الله سبحانه. فصل وأمَّا الجَوَى: ففي الصحاح (١): الجوى: الحُرْقةُ، وشدَّة الوَجْد [١٢ أ] من عشقٍ، أو حُزْنٍ، تقول منه: جَوِيَ الرجلُ ــ بالكسر ــ فهو جَوٍ، مثل: دَوٍ، ومنه قيل للماء المتغير (٢) المُنْتِن: جَوٍ، قال الشاعر (٣): ثم كان المزاجُ ماءَ سحابٍ ... لا جَوٍ آجِنٌ ولا مطروقُ

стр. 74

فصل وأمَّا الدَّنَفُ: فلا تكاد تستعمله (١) العرب في الحبِّ، وإنَّما وَلِع به المتأخرون، وإنَّما استعملته العربُ في المرض. قال في الصحاح (٢): الدَّنَف بالتحريك: المرض الملازم. ورَجل دَنَفٌ أيضًا ــ يعني بفتح النون ــ وامرأةٌ دَنَفٌ، وقومٌ دَنَف، يستوي فيه المذكر والمؤنَّث، والتثنية والجمع، فإن قلت: رجل دَنِفٌ قلت: امرأَةٌ دَنِفَةٌ، أَنَّثتَ وثنَّيتَ وجمعتَ، وقد دَنِف المريضُ بالكسر: ثقُل. وأدْنَفَ بالألف مثلُه، وأدْنَفَهُ المرضُ يتعدَّى ولا يتعدَّى، فهو مُدْنِفٌ وَمُدْنَف. قلت: وكأنهم استعاروا هذا الاسم للحبّ اللازم تشبيهًا له به، والله أعلم. فصل وأمَّا الشَّجْوُ: فهو حُبٌّ يتبعه همٌّ وحزن. قال في الصحاح (٣): الشَّجْوُ: الهمُّ والحُزْن، يقال: شَجَاهُ يَشْجُوهُ شَجْوًا: إذا حَزَنه (٤)، وأشْجاه يُشْجيه إشجاءً: إذا أَغَصَّه (٥). تقول منهما جميعًا: شَجِيَ بالكسر

стр. 75

يَشْجَى شَجًا، قال (١): لا تُنكروا القتلَ وقد سُبِينا ... في حَلْقِكُم عَظْمٌ وقد شَجِينا أرادَ: حلوقكم، والشَّجَا: ما يَنْشَبُ في الحَلْق من عَظْمٍ أو غيره، ورجلٌ شَجٍ، أي: حزينٌ، وامرأةٌ شَجِيَةٌ، على فَعِلة. فأُطلقَ هذا الاسم على الحبِّ للزومه كالشَّجَا الذي يَعْلَقُ (٢) بالحَلق، ويَنْشَبُ فيه. فصل وأما الشوق: فهو سفرُ القلب إلى المحبوب، وقد وقعَ هذا الاسم في السُّنَّة، ففي المسند (٣) من حديث عمَّار بن ياسر، أنه صلَّى صلاةً، فأوجزَ فيها، فقيل له: أوجزتَ يا أبا اليقظان! فقال: لقد دعوتُ فيها

стр. 76

[١٢ ب] بدَعواتٍ سَمِعْتُهنَّ من رسول الله ﷺ يدعو بِهنَّ: «اللهم بعلمكَ الغيبَ، وقُدرتكَ على الخلق، أحْينِي إذا كانتِ الحياةُ خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانتِ الوفاةُ خيرًا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحقِّ في الغضب والرِّضا، وأسألك القصدَ في الفقر والغِنى، وأسألك نعيمًا لا يَنْفَد، وأسألك قرّةَ عينٍ لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك بَرْدَ العيش بعد الموت، وأسألك لذَّة النظر إلى وجهك، والشوقَ إلى لقائك، في غير ضرَّاءَ مُضِرَّة، ولا فتنةٍ مُضِلَّة، اللهم زَيِّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مُهتدين». وجاء في أثرٍ إسرائيليّ (١): «طالَ شوقُ الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائِهم أشوَقُ». وقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت/٥]. قال بعضُ العارفين: لما علمَ الله شوقَ المُحبِّين إلى لقائه؛ ضربَ لهم موعدًا للِّقاءِ تَسكنُ به قلوبهم. وبعدُ: فهذه اللفظة من أسماء الحبِّ، قال في الصحاح (٢): الشوق (٣)

стр. 77

والاشتياق: نِزاع النفس إلى الشيء. يقال: شَاقَنِي الشيءُ يَشُوقُني فهو شائقٌ وأنا مَشُوْق (١)، وشوَّقني، فتشوَّقتُ: إذا هيَّجَ شوقَكَ، قال الراجز (٢): يا دارَ ميّةَ بالدَّكادِيكِ البُرَقْ ... سَقْيًا لقَدْ هيَّجتِ شوقَ المشتأَقْ يُريد: المشتاق، قال سِيْبَوَيْه: هَمَز ما ليس بمهموزٍ ضرورةً. فصل واختُلِفَ في الفرق بين الشوق والاشتياق: أَيُّهُما أقوى، فقالت طائفة: الشوق أقوى (٣)، فإنه صفةٌ لازمة، والاشتياق فيه نوع افتعالٍ، كما يدلّ عليه بناؤه، كالاكتساب ونحوه. وقالت فرقة: الاشتياق أقوى لكثرة حروفه، وكلَّما قويَ المعنى وزادَ زادوا حروفَه. وحكمتْ فرقةٌ ثالثةٌ بين القولين، وقالت: الاشتياق يكون إلى غائب، وأما الشوق (٤) فإنه يكون للحاضر والغائب.

стр. 78

والصواب [١٣ أ] أن يقال: الشوق مصدرُ شاقَه، يشُوقه: إذا دعاه إلى الاشتياق إليه، فالشوق داعية الاشتياق ومبدؤه، والاشتياقُ مُوجَبهُ وغايته، فإنه يقال: شاقني فاشتقتُ، فالاشتياق فعلٌ مطاوع لشاقني. واختلف أرباب الشوق: هل يزول الشوق بالوصال أو يزيد؟ فقالت طائفةٌ: يزول، فإنَّ الشوقَ طسفرُ القلب إلى المحبوب، فإذا وصلَ إليه انتهى السفر. وأَلقتْ عَصَاها واستقرَّ بها النَّوَى ... كما قَرَّ عَيْنًا بالإيابِ المسافِرُ (١) قالوا: ولأن الشوق إنَّما يكون لغائبٍ، فلا معنى له مع الحضور، ولهذا إنما يقال للغائب: أنا إليك مشتاق، وأما من لم يزل حاضرًا مع المحبِّ فلا يُوصف بالشَّوق إليه. وقالت طائفة: بل يزيدُ بالقرب واللقاء، واستدلوا بقول الشاعر (٢): وأعظمُ ما يكونُ الشوقُ يومًا ... إذا دَنَتِ الخِيَامُ من الخِيَام قالوا: ولأن الشوقَ هو حُرقة المحبَّة والتهابُ نارها في قلب المُحبِّ، وذلك مما يزيدُه القربُ والمواصلةُ.

стр. 79

والصوابُ أنَّ الشوقَ الحادثَ عند اللقاء والمواصلة غيرُ النوع الذي كان عند الغَيْبة عن المحبِّ، قال ابن الرومي (١): أُعانِقُها والنفسُ بعدُ مَشُوقةٌ ... إليها وهل بعدَ العِناقِ تَدانِي؟! وألثِمُ فاها كي تزولَ صَبابَتِي ... فيشتدُّ ما ألقى من الهيَمانِ ولم يكُ مقدارُ الذي بي من الجَوى ... ليَشْفِيَه ما ترشُفُ الشَّفتانِ كأن فؤادي ليس يَشفي غَلِيلَه ... سوى أن يرى الرُّوحينِ يَمتزجان فصل وأمَّا الخِلابة: فهي الحبُّ الخادِع، وهو الحبُّ الذي وصلَ إلى الخِلْب، وهو الحجابُ الذي بين القلب وسَواد البطن. وسُمِّي الحبُّ خِلابةً؛ لأنه يخدعُ ألبابَ [١٣ ب] أربابه، والخِلابة: الخديعة باللسان، يقال: خَلَبَهُ يَخْلُبه بالضم، واخْتَلبه مثلُه. وفي المثل: «إذا لم تَغْلِبْ فاخْلِبْ» (٢)

стр. 80

أي: فاخدَعْ. والخَلِبة: الخَدَّاعة من النساء (١). قال الشاعر (٢): أودى الشبابُ وحُبُّ الخالةِ (٣) الخَلِبَهْ ... وقد بَرِئْتُ فما بالقلب مِنْ قَلَبَهْ قال ابن السِّكِّيت (٤): رجلٌ خلَاّب، أي: خدَّاعٌ كَذَّاب، ومنه البرق الخُلَّب: الذي لا غيثَ فيه، كأنَّه خادع، ومنه قيل لمن يَعِدُ ولا يُنْجِز: إنما أنت برقٌ خُلَّب. والخُلَّب أيضًا: السَّحابُ الذي لا مطرَ فيه. ومنه الحديث: «إذا بَايَعْتَ فَقُلْ لا خِلابةَ» (٥) أي: لا خديعة. والحبُّ أحقُّ ما يُسَمَّى (٦) بهذا الاسم؛ لأنه يُعْمِي ويُصِمّ، ويَخْدَعُ لُبَّ المحبِّ وقلبَه.

стр. 81

فصل وأمَّا البَلابلُ: فجمعُ بَلْبَلَة، يُقال: بَلابلُ الحبِّ، وبلابلُ الشَّوْق، وهي وَسْواسه وهمُّه. قال في الصِّحاح (١): الْبَلْبَلَةُ، والْبَلْبَال: الهمُّ، ووَسْوَاس الصدر. فصل وأمَّا التَّباريحُ: فيقال: تباريحُ الحبِّ، وتباريحُ الشوق، وتباريحُ الجَوى. وبرَّح به الحبُّ والشوقُ: إذا أصابَه منه البَرْح، وهو الشِّدة. قال في الصحاح (٢): لقيتُ منه بَرْحًا بارِحًا؛ أي: شِدَّةً وأذى. قال الشاعر (٣): أَجِدَّكَ هذا عَمْرَكَ الله كلَّما ... دعاكَ الْهَوى بَرْحٌ لِعينيْكَ بارحُ ولقيتُ منه بناتِ بَرْحٍ، وبني بَرْحٍ، ولقيتُ منه البِرَحِين والبُرَحِين، بكسر الباء وضمها؛ أي: الشدَائدَ والدَّواهي. فصل وأما السَّدَم ــ بالتحريك ــ: فهو الحبُّ الذي يتبعه ندمٌ وحزن. قال في

стр. 82

الصِّحاح (١): السَّدَم ــ بالتحريك ــ: النَّدَم والحُزن، وقد سَدِم بالكسر. ورجلٌ نادمٌ سادِم، ونَدْمَانُ سَدْمَانُ. وهو إتباعٌ. وما له هَمٌّ ولا سَدَمٌ إلا ذاك. فصل وأما الغَمَرَات: فهي جمع غَمْرَة، والغَمْرَةُ: ما يَغْمُرُ القلبَ من حبٍّ أو سُكرٍ أو غفلة. قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ [١٤ أ] هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات/١٠ ــ ١١] أي: في غفلة قد غَمَرَت قلوبهم. وقال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون/٥٤] ومنه: الماء (٢) الغَمْر الكثير الذي يُغطِّي من دخلَ فيه، ومنه: غَمَرَات الموت، أي: شدائده، وكذلك غَمَرَات الحبّ، وهو ما (٣) يُغطِّي قلبَ المحبِّ فَيَغْمُرُه، ومنه قولهم: رجلٌ غَمْرُ الرِّدَاءِ، كناية عن السخاء؛ لأنه يَغْمُرُ العيوبَ، أي: يُغطِّيها فلا يظهر مع السخاء عيب. قال كُثَيِّر (٤): غَمْرُ الرِّداء إذا تبسَّمَ ضاحِكًا ... غَلِقتْ لضَحْكتِه رِقابُ المال

стр. 83

وقال القُطَامِيّ (١) يصفُ سفينة نوح: إلى الجُودِيّ حتَّى صارَ حَجْرًا ... وكانَ لذلك الغَمْرِ انحسارُ أي: لذلك الماء الذي غمرَ الأرض ومن عليها. فصل وأمَّا الوَهَل: فهو بتحرك الهاء، وأصله: الفَزَعُ، والرَّوعُ، يقال: وَهِلَ يَوْهَلُ وهو وَهِلٌ وَمُسْتَوْهِلٌ. قال القُطَامِيّ (٢) يصفُ إبلًا: وترى لِجَيْضَتِهِنَّ عند رَحِيْلِنَا ... وَهَلًا كأنَّ بِهِنَّ جِنَّةَ أوْلَق وإنَّما كان الوَهَل من أسماء الحبِّ لما فيه من الرَّوع، ومنه يقال: جمالٌ رائع. فإن قيل: ما سببُ رَوْعَة الجمال؟ ولأيِّ شيء إذا رأى المحبُّ محبوبَهُ فُجاءةً يرتاعُ لذلك، ويَصفرُّ لونهُ، ويُبْهَتُ؟ قال الشاعر (٣):

стр. 84

وما هو إلا أنْ أراها فُجَاءَةً ... فأُبْهَتُ حتّى لا أكادُ أُجيبُ وكثيرٌ من الناس يرى محبوبَه فيَصفرُّ ويَرتعِدُ. قيل: هذا مما خفي سببه على أكثر المحبِّين، فلا يدرون ما سببه، فقيل: سببُه أنَّ للجمالِ سلطانًا (١) على القلوب، وإذا بدا راعَ القلوبَ بسلطانه، كما يَرُوعُها الملِكُ ونحوهُ مِمَّن له سلطانٌ على الأبدان، فسلطانُ الجمال والمحبَّة على القلوب، وسلطانُ الملوك على الأبدان، فإذا كان [١٤ ب] السلطانُ الذي على الأبدان يَرُوع إذا بدا؛ فكيف بالسلطان الذي هو أعظم منه؟! قالوا: وأيضًا فإنَّ الجمالَ يأْسِرُ القلبَ فيُحِسّ القلبُ بأنه أسيرٌ ولا بُدَّ لتلك الصورة التي بَدتْ له فيرتاع، كما يرتاع الرجلُ إذا أحسَّ بمن يأْسِرُه، ولهذا إذا أمن الناظرُ من ذلك لم تَحْصُل له هذه الرَّوعة. قال

стр. 85

الشاعر (١): علامةُ مَنْ كان الهَوَى بفؤادِه ... إذا ما رأى محبوبَهُ يتغيَّرُ (١) فصل وأما الشَّجَن: فهو من أسمائه، فإنَّ الشَّجَنَ: الحاجةُ حيث كانت، وحاجة المحبِّ أشدُّ شيءٍ إلى محبوبه. قال الراجز (٢): إنِّي سأُبدي لكَ فيما أُبدي لي شَجَنانِ شَجَنٌ بِنَجْدِ وشجَنٌ لي ببلادِ السِّندِ والجمع شُجون. قال (٣): والنفسُ شَتَّى شُجُونُها

стр. 86

ويُجمع على أشجان. قال الشاعر (١): تَحَمَّل أَصْحَابِي ولم يجدوا وجدي ... وللنَّاس أشجانٌ ولي شَجَنٌ وحدي وقد شَجَنَتْنِي الحَاجَةُ، تَشْجُنُنِي، شَجْنًا: إذا حَبَسَتْكَ. ووجهٌ آخر أيضًا، وهو أنَّ الشَّجَن: الحُزْن، والجمع أشجان. وقد شَجِنَ ـ بالكسر ـ فهو شاجنٌ. وأشجنَه غيرُه، وشَجَنَه، أي: أحزنه. والحب فيه الأمران: هذا وهذا. فصل وأما اللاعج: فهو اسم فاعل، من قولهم: لَعَجَه الضربُ: إذا آلَمَه، وأحرقَ جلدَه. قال الهُذَلِيّ (٢): ............................ ... ضربًا أليمًا بِسِبْتٍ (٣) يَلْعَجُ الجِلِدَا ويُقال: هَوًى لاعجٌ، لِحُرقةِ (٤) الفؤاد من الحبِّ.

стр. 87

فصل وأمَّا الاكتئاب: فهو افتعالٌ من الكآبةِ، وهي سوء الحال، والانكسار من الحزن، وقد كَئِبَ الرجلُ يَكأبُ، كَأْبةً وكَآبةً (١) كَرَأْفَةٍ وَرَآفة، ونشأةٍ ونَشاءة. فهو كئيب، وامرأةٌ كئيبةٌ، وكأْباءُ أيضًا. قال الراجز (٢): أوْ أنْ تُرَىْ كأْبَاءَ لَمْ تَبْرَ نْشِقي واكتأبَ الرجلُ مثله. ورمادٌ مكتئبُ اللون: إذا ضربَ إلى السواد، كما يكون [١٥ أ] وجهُ الكئيب. والكآبة تتولَّدُ من حصول الحبِّ وفوتِ المحبوب، فتحدُثُ بينهما حالةٌ سيِّئَة تُسمَّى الكآبة. فصل وأمَّا الوَصَبُ: فهو ألمُ الحُبِّ ومرضُه، فإنَّ أصلَ الوَصَب: المرض، وَقَد وَصِبَ الرَّجلُ يَوْصَبُ فهو وَصِبٌ، وَأَوْصَبه اللهُ فهو مُوْصَبٌ (٣)، وَالمُوَصَّبُ ــ بالتشديد ــ: الكثير الأوجاع.

стр. 88

وفي الحديث الصحيح (١): «لا يُصِيبُ المؤْمِنَ مِنْ هَمٍّ وَلا وَصَبٍ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إلا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ». ووصَب الشيءُ يَصِبُ وُصُوبًا: إذا دامَ، تقول: وَصَب الرجلُ على الأمر: إذا داومَ عليه. قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات/٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل/٥٢] أي: الطاعة دائمةً. فصل وأمَّا الحُزْن: فقد عُدَّ (٢) من أسماء المحبَّة، والصَّواب أنَّه ليس من أسمائها، وإنَّما هو حالة تحدُثُ للمحبِّ، وهي ورود المكروه عليه، وهو خلاف المسرَّة. ولما كان الحُبُّ لا يخلو من ورود ما لا يَسُرُّ على قلب المحبِّ كان الحزن من لوازمه. وفي الحديث الصحيح (٣): أنَّ النبي ﷺ -كان يقول: «اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَن، وَالعَجْزِ والْكَسَل، وَالجُبْنِ وَالبُخْل، وضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجال». فاستعاذَ ﷺ -من ثمانية أشياء، كل شيئين منها قرينان. فالهمُّ والحزن قرينان، فإن ورود المكروه على القلب إن كان لما مضى فهو الحزن، وإن كان لما يُستقبل فهو الهمُّ. والعجز والكسل قرينان، فإنَّ تخلُّفَ

стр. 89

العبد عن كماله إن كان من عدم القدرة فهو العجز، وإن كان من عدم الإرادة فهو الكسل. والجبنُ والبخل قرينان، فإنَّ الرجل يُراد منه النفعُ بماله أو ببدنه، فالجبَان لا يَنفعُ ببدنه، والبخيلُ لا يَنفعُ بماله. وضَلَعُ الدَّين وَغَلَبة الرجال قرينان، فإنَّ قهرَ الناس نوعان: نوعٌ بحقٍّ، فهو ضَلَع الدَّين، ونوعٌ بباطلٍ، فهو غَلَبَةُ الرِّجال. وقد نفى الله سبحانه [١٥ ب] عن أهل الجنَّة الخوفَ والحزنَ، فلا يحزنون على ما مضى، ولا يخافون ممَّا يأتي، ولا يطيبُ العيش إلا بذلك، والحبُّ يلزمه الخوف والحزن. فصل وأمَّا الكَمَدُ: فمن أحكام المحبَّة في الحقيقة، وليس من أسمائها، ولكن المتكلمون في هذا الباب لا يُفرّقون بين اسم الشيء ولازمه وحكمه. والكَمَد: الحزن المكتوم، تقول منه: كَمِدَ الرجل، فهو كَمِدٌ وكَمِيدٌ، والكُمْدَةُ: تَغَيُّرُ اللون، وأَكْمَدَ القصَّارُ الثوبَ: إذا لم يُنَقِّه. فصل وأمَّا اللَّذْع: فهو من أحكام المحبَّة أيضًا، وأصلُه من لَذْع النار. يقال: لَذَعَتْهُ النَّارُ لَذْعًا: أحرقته، ثم شبَّهوا لَذْع اللِّسان بِلَذْع النار، فقالوا: لَذَعَهُ بلسانه، أي: أحرقَه بكلامه، يُقال: أعوذ بالله من لَوَاذِعِهِ.

стр. 90

فصل وأمَّا الْحُرَق: فهي أيضًا من عوارض الحُبِّ وآثاره، والحُرقة تكون من الحُبِّ تارةً، ومنه قولهم: ما لك حُرْقةٌ على هذا الأمر، وتكون من الغيظ. ومنه في الحديث: «تَرَكْتُهُمْ يَتَحَرَّقُون عَلَيْكُمْ» (١). فصل وأما السُّهْدُ: فهو أيضًا من آثار المحبَّة ولوازمها، فالسُّهادُ: الأرَقُ. وقد سَهِدَ الرجل ـ بالكسر ـ يَسْهَد سَهَدًا، والسُّهُدُ ـ بضم السين والهاء ـ: القليل النوم. قال أبو كبير الهُذَلي (٢): فأَتتْ به حُوشَ الْجَنَانِ مُبَطَّنًا ... سُهُدًا إذا ما نامَ لَيْلُ الهَوْجَل وَسَهَّدْتُه أنا، فهو مُسَهَّد. فصل وأمَّا الأرَقُ: فهو أيضًا من آثار المحبَّة ولوازمها، فإنَّه السَّهَرُ. وقد أرِقتُ ــ بالكسر ــ أي: سَهِرْتُ، وكذلك ائْتَرَقْتُ على افتعلتُ، فأنا أرِقٌ وأرَّقَنِي كذا تَأْريقًا، أي: أسْهرني.

стр. 91

فصل وأمَّا اللَّهَفُ: فمن أحكامها وآثارها أيضًا، يقال: لَهِفَ ـ بالكسر ـ يَلْهَفُ لَهَفًا؛ أي: حزن وتحسَّر. وكذلك التَّلهف على الشيء. وقولُهم: يا لَهْفَ فلان! كلمةٌ يُتَحَسَّرُ بها على ما فات، واللَّهْفان: المتحسِّر، واللَّهِيف: المضطر. فصل وأمَّا الحنين: فقال في الصحاح (١): الحَنين: الشوقُ وتَوَقَانُ النَّفس. تقول منه: حَنَّ إِلَيْهِ يَحِنُّ حَنينًا، فهو حانٌّ. والحَنَانُ: الرحمة. تقول منه: حَنَّ عليه [١٦ أ] يَحِنُّ حَنَانًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم/١٣]. وتحنَّنَ عليه: تَرَحَّمَ. والعرب تقول: حَنَانَك يَا رَبّ! وحَنَانَيْك، بمعنى واحدٍ، أي: رَحْمَتكَ. قال امْرُؤُ القَيْس (٢): ويَمْنَحُها بنو شَمَجى بن جَرْمٍ ... مَعِيزَهُمُ حَنَانَكَ ذا الحَنَان وقال طَرَفَةُ (٣): أبا مُنْذِرٍ أَفْنيتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنا ... حَنَانَيكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهونُ مِنْ بَعْض

стр. 92

وفي الحقيقة: الحَنين من آثار الحُب ومُوجباته. وحنينُ الناقة: صوتها في نِزَاعِها إلى ولدها، وحَنَّةُ الرجل: امرأتُهُ. قال (١): وليلةٍ ذاتِ دُجًى سَرَيْتُ ولم تَضِرْني حَنَّةٌ وَبَيْتُ قلت: سُمِّيَت حنَّةً لأن الرجلَ يَحِنُّ إليها أينَ كان. فصل وأمَّا الاستكانة: فهي أيضًا من لوازم الحُبِّ وأحكامه، لا من أسمائه المختصة به، وأصلها: الخضوع. قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون/٧٦]، وقال تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران/١٤٦].

стр. 93

وأصلُها: استفعلَ، من الكون (١)، وهذا الاشتقاق والتصريفُ يُطابق اللفظ (٢)، وأما المعنى فالمستكينُ ساكنٌ خاشعٌ، ضدُّ الطائش، ولكن لا يُوافق السكون تصريف اللفظة، فإنه إن كان افْتَعَلَ كان ينبغي أن يُقال اسْتكَنَ؛ لأنه ليس في كلامهم افْتعَالَ، والحقُّ أنه اسْتَفْعَلَ من الكون، فنقلوا حركة الواو إلى الكاف قبلها، فتحرَّكت الواو أصلًا، وانفتح ما قبلها تقديرًا، فقُلبت ألِفًا، كاستقام. والسكون: الحالة التي فيها إنابةٌ وذلٌّ وخضوع. وهذا يُحْمَد إذا كان لله، ويُذَمُّ إذا كان لغيره، ومنه الحديث: «أعُوذُ بِكَ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْن» (٣) أي: الرجوع عن الاستقامة بعد ما كنتُ عليها. فصل وأمَّا التَّبالةُ: فهي فعالة من تَبَلَه إذا أفناه. قال [١٦ ب] الجوهريُّ (٤): تَبَلَهم الدهرُ وأتبلَهم: إذا أفناهُم، قال الأعشى (٥): أأن (٦) رأتْ رَجُلًا أعْشَى أضرَّ به ... رَيْبُ الزَّمانِ ودهْرٌ مُتْبِلٌ خَبِلُ

стр. 94

أي: مُذهِبٌ بالأهل والولد. وتَبَلَه الحبُّ وأَتْبَلَهُ أي: أسقمَه وأفسدَه. قلت: ومنه قول كعب بن زهير بن أبي سُلْمى (١): بانت سعادُ فقلبي اليومَ متبولُ ... متيَّمٌ عِنْدَها لم يُفْدَ مَكْبُولُ فصل وأمَّا اللَّوْعة: فقال في الصحاح (٢): لَوْعة الحُبِّ: حُرْقته. وقد لاعَهُ الحُبُّ يَلُوعه، والْتَاعَ فُؤادُه أي: احترقَ (٣) من الشوق، ومنه قولهم: أتَانٌ لاعَةُ الفُؤَادِ إلى جَحْشِهَا. قال الأصمعي: أي لائعةُ الفؤادِ، وهي التي كأنَّها وَلْهَى من الفَزَع. فصل وأمَّا الفُتون: فهو مصدرُ فتَنَهُ يَفْتِنُهُ فُتُونًا، قال الله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه/٤٠] أي: امتحنَّاك واختبرناكَ.

стр. 95

والفِتْنَةُ يُقال عَلَى ثلاثة (١) معانٍ: أحدُها: الامتحان والاختبار، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف/١٥٥] أي: امتحانُكَ واختبارُكَ (٢). والثاني: الافتتان نفسه، يُقال: هذه فِتْنَة فلان، أي افْتِتَانُه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال/٢٥] يقال: أصابته الفِتْنَةُ، وَفَتَنَتْهُ الدُّنيا، وَفَتَنَتْهُ المرأةُ، وأَفْتَنَتْهُ. قال الأعشى (٣): لئن فَتَنَتْني لَهْيَ (٤) بالأمس أَفْتَنَتْ ... سَعيدًا فأضحَى قد قَلى كلَّ مُسْلِم وأنكرَ الأصمعيُّ أفتنتْه. والثالث: المفتون به نفسُه يُسَمَّى (٥) فتنة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن/١٥].

стр. 96

وأما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام/٢٣] أي: لم يكن عاقبةُ شركهم إلا أن تبرَّأوا منه وأنكروه. وأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات/١٣ ــ ١٤]. فقيل: المعنى يُحرَقون، ومنه: فتَنْتُ الذَّهبَ: إذا أدخلتَهُ النَّارَ لتنظرَ ما جَوْدَته، [١٧ أ] ودينارٌ مفتون. قال الخليل (١): والفَتْنُ: الإحراق، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات/١٣]. وورِقٌ فَتِينٌ، أي: فضةٌ مُحْرَقَة. وَافْتَتَنَ الرجل وفُتِنَ: إذا أصابته فتنةٌ فذهبَ مالُه وعقلُه. وفَتَنَتْهُ المرأة: إذا دَلَّهَتْه. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات/١٦١ ــ ١٦٣] أي: لا تَفتِنُون على عبادته إلا مَنْ سبقَ في علم الله أنه يَصْلَى الجحيم (٢)، فذلك الذي يفتتنُ بفتنتكم إياه. وأما قوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم/٥ ــ ٦] فقيل: الباء زائدة. وقيل: المفتون مصدر، كالمعقول والميْسور (٣) والمحلوف والمعسور. والصواب: أنَّ يُبْصِرُ مُضَمَّنٌ معنى يَشْعُرُ ويعلم، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ

стр. 97

بِقَادِرٍ﴾ [الأحقاف/٣٣]، فعدَّى فعل الرؤية بالباء، وفي الحديث: «المُؤْمِنُ أخُو المُؤْمِنِ يَسَعُهُما المَاءُ والشَّجَرُ، ويَتَعاوَنَانِ على الْفتَّانِ» (١). يُروى بفتح الفاء وهو واحدٌ، وبضَمها وهو جمع فاتنٍ، كتاجرٍ وتُجَّار. والمقصود: أنَّ الحُبَّ موضعُ الفتون، فما فُتِن مَنْ فُتِنَ إلا بالمحبَّة. فصل وأمَّا الجنون: فمن الحُبِّ ما يكونُ جنونًا، ومنه قوله (٢): قالتْ جُنِنْتَ بمن تهوَى فقلتُ لها ... العشقُ أعظمُ ممَّا بالمجانين العشقُ لا يَستفيقُ الدهرَ صَاحبُه ... وإنما يُصْرَعُ المجنونُ في الحين وأصل المادة من السَّتر في جميع تصاريفها، ومنه: أجنَّه اللَّيلُ، وجَنَّ عليه: إذا سترَه، ومنه الجَنِينَ؛ لاستتاره في بطن أُمِّه، ومنه الجَنَّة؛ لاستتارها بالأشجار، ومنه المِجَنُّ؛ لاستتار الضارب به والمضروب، ومنه الجِنُّ؛ لاستتارهم عن العيون، بخلاف الإنس، فإنَّهم يُؤْنَسُون؛ أي: يُرَون، ومنه الجُنَّة بالضم، وهي ما استترتَ به واتّقيتَ، ومنه قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة/١٦] وأجننتُ الميّتَ: [١٧ ب] واريتُه في

стр. 98

القبر، فهو جَنِين. والحُبُّ المفرط يَسترُ العقلَ، فلا يَعْقِلُ المحبُّ ما ينفعه ويضرُّه، فهو شعبةٌ من الجنون. فصل وأمَّا اللَّمم: فهو طَرَفٌ من الجنون، ورجل ملمومٌ، أي به لَمَمٌ، ويقال أيضًا: أصابت فلانًا من الجِنِّ لَمَّةٌ، وهو المَسُّ، والشيء القليل، قاله الجوهري (١). قلت: وأصلُ اللفظة من المقاربة، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم/٣٢] وهي الصغائر. قال ابن عباس ﵄: ما رَأَيتُ أَشبهَ باللّمم مما قال أبو هريرة: «إنَّ العينَ تزني، وزناها النظرُ، واليدَ تزني، وزناها البطشُ، والرِّجْل تزني، وزناها المشي، والفم يزني، وزِناه القُبَل» (٢). ومنه: ألمَّ بكذا، أي: قاربَه ودنا منه، وغلامٌ مُلِمٌّ، إذا قاربَ البلوغ، وفي الحديث: «إنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ» (٣) أي: يقرب من ذلك.

стр. 99

وبالجملة فلا يستبين كونُ (١) اللَّمَم من أسماءِ الحبِّ وإن كان قد ذكره جماعة، إلا أن يُقال: إنَّ المحبوبَ قد ألمَّ بقلب المُحبِّ؛ أي نزلَ به، ومنه: ألمِمْ بنا، أي: انزل بنا، ومنه قوله (٢): متى تأْتِنا تُلْمِمْ بنا في دِيارنَا ... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تأجَّجا فصل وأمَّا الخَبْلُ: فمن مُوجبات العشق وآثاره، لا من أسمائه، وإن ذُكر من أسمائه (٣) فإنَّ أصلَه الفساد، وجمعُه خُبُول. والخَبَل ــ بالتحريك ــ: الجنون، يقال: به خَبَلٌ، أي: شيء من أهل الأرض، وقد خَبَله وخَبَّلَه (٤) واخْتَبَلَه: إذا أفسدَ عقلَه أو عضوه، ورجلٌ مُخَبَّلٌ، وهو نوع من الجنون والفساد. فصل وأمَّا الرَّسِيسُ فقد كثُر في كلامهم: رَسِيسُ الهوى والشوق، ورَسيسُ الحبّ، فظنّ من أدخلَه في أسماء الحبِّ أنَّه منها، وليس كذلك، بل

стр. 100

الرَّسِيسُ: الشيء الثابت، فرَسِيسُ الحبِّ: ثباتُه ودوامُه. ويمكن أن يكونَ من رَسِّ الحُمّى ورَسِيسها، وهو أوَّل مسِّها، فشبَّهوا رَسِيسَ الحبِّ بحرارته وحُرْقته برسيسِ الحُمَّى. [١٨ أ] وكان الواجب عَلَى هؤلاء أن يجعلوا الأُوارَ من أسماء الحبِّ؛ لأنه يُضاف إليه، قال (١): إذا وجدتُ أُوارَ الحبِّ في كَبِدي ... أقبلتُ نحوَ سِقَاءِ القوْمِ أَبتَرِدُ هَبْني بَرَدتُ ببَرْدِ المَاء ظاهِرَهُ ... فمَنْ لِنَارٍ عَلَى الأَحْشاءِ تتَّقدُ وقد وقع إضافة الرَّسِيسِ إلى الهوى في شعر ذي الرُّمَّة (٢)، حيث يقول: إذا غيَّرَ النَّأْيُ المُحبِّين لم يَكَدْ ... رَسِيسُ الهَوى من حُبِّ مَيَّة يبرَحُ وفيه إشكالٌ نحْويٌّ (٣)، ليس هذا موضعَه.

стр. 101

فصل وأمَّا الدَّاء المُخَامِرُ: فهو من أوصافه، وسُمِّي مُخَامِرًا لمخالطته لِلْقَلْبِ (١) والرُّوح، يُقال: خامرَه. قال الجوهري (٢): والمُخَامَرة: المخالطة. وخامرَ الرجلُ المكانَ: إذا لزمه. وقد يكون أُخِذَ من قولهم: استخمرَ فلانٌ فلانًا: إذا استعبدَه، وكأنَّ العشقَ داءٌ مستعبدٌ للعاشق، ومنه حديث مُعاذ: «مَنِ اسْتَخْمَرَ قَوْمًا» (٣) أي: أخذهم قهرًا وتملَّكَ عليهم. فالحبُّ داءٌ مخالِطٌ مُسْتَعْبِد. فصل وأمَّا الودُّ: فهو خالصُ الحبّ وألْطَفُه وأرَقُّه، وهو من الحبِّ بمنزلة الرأْفة من الرحمة، قال الجوهري (٤): وَدِدْتُ الرجلَ أوَدُّه وُدًّا: إذا أحببتَه. والوِدُّ، والوَدُّ والوُدُّ: المودَّة. تقول: بودّي أن يكونَ كذا. وأما قول الشاعر (٥): أيُّها العائدُ المُسَائِلُ عنَّا ... وبِوِدِّيكَ أنْ تَرى أكفاني

стр. 102

فإنما أشبع كسرةَ الدال ليستقيمَ له البيت، فصارت ياءً. والوِدُّ الوديد بمعنى المودود، والجمع: أوُدٌّ، مثل: قِدْحٍ وأَقْدُح، وذئبٍ وأذْؤُب، وهما يتوادَّان، وهم أوِدَّاء. والوَدُود: المحبُّ، ورجالٌ وُدَدَاء يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ لكونه وصفًا داخلًا على وصفٍ للمبالغة. قلت: الوَدُود من صفات الله ، أصله من المَوَدَّة، واختُلِفَ فيه على قولين: فقيل: هو وَدودٌ بمعنى وادٍّ، كضَرُوبٍ بمعنى ضارب، وقَتُولٍ بمعنى [١٨ ب] قاتلٍ، ونؤُومٍ بمعنى نائم، ويشهدُ لهذا القول: أنَّ فَعُولًا في صفات الله (١) سبحانه بمعنى فاعلٍ، كغفور بمعنى غافر، وشكورٍ بمعنى شاكر، وصبورٍ بمعنى صابر. وقيل: بل هو بمعنى مَوْدُود وهو الحبيبُ، وبذلك فسَّره البخاري في صحيحه (٢)، فقال: الوَدود: الحبيبُ. والأوَّل أظهرُ؛ لاقترانه بالغفور في قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج/١٤]، وبالرحيم في قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود/٩٠]، وفيه سرٌّ لطيف،

стр. 103

وهو: أنَّه يحبُّ عبدَه بعد المغفرة، فيغفرُ له ويحبُّه، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة/٢٢٢]، فالتائب حبيبُ الله. فالودُّ: أصفى الحبِّ وألطفُه. فصل وأمَّا الخُلَّة: فتوحيدُ المحبَّة، فالخليل هو الذي يُوَحِّدُ حبَّه لمحبوبه، وهي مرتبةٌ (١) لا تقبلُ المشاركة، ولهذا اختصَّ بها في العالم الخليلان إبراهيم ومحمدٌ صلوات الله وسلامه عليهما، كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء/١٢٥]، وصحَّ عن النبي ﷺ -أنه قال: «إنَّ الله اتَّخَذني خَلِيلًا كمَا اتخَذَ إبْرَاهيمَ خَلِيلًا» (٢). وفي الصحيح (٣) عنه ﷺ : «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الأرْض خَلِيلاً لاتَّخَذتُ أبَا بَكْرٍ خَلِيلًا. وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الرَّحْمنِ». وفي الصحيح أيضًا (٤): «إنِّي أَبْرَأُ إلى كُلِّ خَلِيلٍ مِنْ خُلَّتِهِ». ولمَّا كانت الخُلَّة مرتبةً لا تقبل المشاركة؛ امتحنَ الله سبحانه إبراهيمَ الخليل بذبح ولده لمَّا أخذَ شعبةً من قلبه، فأرادَ سبحانه أن يُخْلِصَ تلك الشعبة له، ولا تكون لغيره، فامتحنَه بذبح ولده، والمراد

стр. 104

ذَبحُه من قلبه، لا ذَبْحُه بالمُدْيَة، فلمَّا أسلما لأمر الله، وقدَّم محبَّة الله تعالى عَلَى محبة الولد؛ خَلَصَ مقام الخُلَّة، وَفُدِيَ الولدُ بالذِّبْح. وقيل: إنَّما سُمِّيت خُلَّةً لتخلُّل المحبَّة جميعَ أجزاء الرُّوح، قال (١): قد تخلَّلتِ مَسْلَكَ الرُّوح مِنِّي ... وبِذَا سُمِّي الخليلُ خَليلا والخُلَّةُ: الخليلُ، يستوي فيه المذكر والمؤَنث؛ لأنه في الأصل مصدر قولك: [١٩ أ] خليلٌ بَيِّنُ الخُلَّة والخُلُولة، قال (٢): ألا أبْلِغا خُلَّتي جَابِرًا ... بأنَّ خَلِيلَكَ لَمْ يُقْتَل ويُجمع عَلَى خِلال، مثل: قُلَّة وقِلال. والْخِلُّ: الودُّ والصَّديق. والْخِلَال أيضًا مصدر بمعنى المُخَالَّة (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم/٣١]، وقال في الآية الأخرى: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ [البقرة/٢٥٤]، وقال امرؤ القيس (٤): ولستُ بمَقْلِيِّ الخِلالِ ولا قَالِ

стр. 105

والخليل: الصَّديق، والأنثى خليلة. والخِلالة والخَلالة والخُلالة بكسر الخاء وفتحها وضمِّها: الصَّداقةُ والمودَّة. قال (١): وكيف تُوَاصِلُ مَنْ أصبحتْ ... خِلَالَتُهُ كأبي مَرْحَب وقد ظنَّ بعضُ مَنْ لا علمَ عنده: أنَّ الحبيبَ أفضلُ من الخليل، وقال: محمَّدٌ حبيبُ الله، وإبراهيمُ خليلُ الله. وهذا باطلٌ من وجوهٍ كثيرة: منها: أنَّ الخُلة خاصةٌ، والمحبَّة عامَّة، فإنَّ الله يحبُّ التَّوابين، ويحبُّ المتطهِّرين، وقال في عباده المؤمنين: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة/٥٤]. ومنها: أنَّ النبيَّ ﷺ نفى أن يكونَ له من أهل الأرض خليل، وأخبرَ أنَّ أحبَّ النِّساء إليه عائشة، ومن الرجال أبوها (٢). ومنها: أنه قال: «إنَّ الله اتَّخَذَني خلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إبرَاهيمَ

стр. 106

خَليلًا» (١). ومنها: أنَّه قال: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أهْلِ الأَرْضِ خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلكِنْ أُخُوَّةُ الإسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ» (٢). فصل وأمَّا الخِلْمُ: فهو مأْخوذ من المُخَالَمَة، وهي المصادقة والمودَّة. والخِلْمُ: الصديق، والأخلام: الأصحاب. قال الكُمَيْت (٣): إذا ابتسرَ الحربَ أَخْلامُهَا ... كِشافًا وهُيِّجتِ الأفْحُلُ فصل وأمَّا الغرام: فهو الحبُّ اللازم، يُقال: رجلٌ مُغرمٌ بالحبِّ؛ أي: قد لزمه الحبُّ. وأصلُ المادة من اللزوم، ومنه قولهم: رجلٌ مُغْرَمٌ، من الغُرْم أو الدَّيْنِ. قال في الصحاح (٤): والغَرَام: [١٩ ب] الوَلوع، وقد أُغْرِمَ بالشيء، أي: أُولِعَ به، والغريمُ: الذي عليه الدَّيْن، يُقال: خذ من غريم

стр. 107

السَّوء ما سَنَح. ويكون الغريمُ أيضًا: الذي له الدَّين، قال كُثَيِّر (١): قضَى كلُّ ذي دَيْنٍ فَوَفَّى غَرِيمَه ... وَعَزَّةُ مَمْطولٌ مُعَنًّى غريمُهَا ومن المادة قوله تعالى في جهنم: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان/٦٥]. والغرام: الشرُّ الدائم اللازم، والعذاب. قال بِشْر (٢): ويومُ النِّسَارِ ويومُ الجِفا ... ركانا عَذابًا وكانا غَراما وقال الأعشى (٣): إنْ يُعاقِبْ يَكنْ غرامًا وإنْ يُعْـ ... ـطِ جزيلًا فإنَّه لا يُبالي وقال أبو عبيدة (٤): ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ كان هلاكًا ولزَامًا لهم.

стр. 108

وللُطْفِ المحبَّة عندهم واستعذابهم لها لم يكادوا يُطلِقون عليها لفظَ الغرام، وإن لهِجَ به المتأخرون. فصل وأما الهُيام: فقال في الصِّحاح (١): هام عَلَى وجهه، يَهِيمُ هيمانًا (٢) وهَيْمًا: ذهبَ من العِشْق أو غيره. وقلبٌ مُستهام أي: هائم. والهُيام بالضم: أشدُّ العطش. والهُيَامُ كالجنون من العشق. والهُيام: داء يأخذ الإبلَ فَتَهيمُ في الأرض لا تَرعى، يقال: ناقة هَيْمَاء. قال: والهِيام بالكسر: الإبل العِطَاش، الواحد: هَيْمَانُ، وناقةٌ هَيْمَى، مثل: عطشان وعطشى، وقومٌ هِيمٌ أي: عطاش، وقد هامُوا هُيامًا. وقوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة/٥٥] هي الإبل العِطَاش. قلت: جمع أَهْيَمَ هِيمٌ، مثل أحمر وحُمْر، وهو جمع فَعلاء أيضًا كصفراء وصُفْر. فصل وأمَّا التَّدْليهُ ففي الصِّحاح (٣): التّدْلِيهُ: ذهاب العقل من الهوى.

стр. 109

يُقال: دَلَّهَهُ الحبُّ، أي: حَيَّره وأدهشَه. ودَلِهَ هو يَدْلَهُ. قال أبو زيد: الدَّلُوهُ: الناقة لا تكاد تجيء إلى إلْفٍ ولا ولد. وقد دَلَهَتْ عن إِلْفها وعن ولدها تَدْلَهُ دُلوهًا. فصل وأمَّا الوَلَهُ [٢٠ أ] فقال في الصِّحاح (١): الوَلَهُ: ذهابُ العقل، والتحيُّرُ من شدَّة الوَجْد. ورجلٌ وَالِهٌ، وامرأةٌ والِهٌ ووَالِهَةٌ. قال الأعشى (٢): فأَقْبَلَتْ والهًا ثَكْلَى على عَجَلٍ ... كُلٌّ دَهاها وكُلٌّ عِنْدَها اجْتَمَعا وقد وَلِهَ يَوْلَهُ وَلَهًا وَوَلهانًا، وتَوَلَّهَ واتَّلَهَ، وهو افتعلَ، أُدْغِم. قال الشاعر (٣): وَاتَّلَهَ الغَيُورُ والتَّوْلِيهُ: أن يُفَرَّق بين الأم وولدها. وفي الحديث: «لا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ

стр. 110

بِوَلَدِهَا» (١)، أي: لا تُجْعَل والهًا، وذلك في السَّبايا. وناقةٌ والِهٌ: إذا اشتدّ وَجْدُهَا عَلَى ولدها. والمِيلَاهُ: التي من عادتها أن يشتدَّ وَجْدُهَا على ولدها، صارت الواو ياءً لكسرة ما قبلها. وماءٌ مُولَهٌ ومُوَلَّهٌ: أرسل في الصحراء، فذهب، وقول رُؤْبة (٢): به تَمَطَّتْ غَوْلَ كلّ مِيلَهِ بنا حَرَاجيجُ المَهَارِي النُّفَّهِ أرادَ البلاد التي تُوَلِّهُ الإنسان، أي: تُحيِّره. فصل وأمَّا التعبُّد: فهو غاية الحبِّ بغاية (٣) الذلِّ، يقال: عبَّده الحبُّ أي: ذلَّله. وطريقٌ معبّدٌ بالأقدام؛ أي: مُذَلَّلٌ، وكذلك المحبُّ قد ذلَّله الحبُّ ووطَّأَه، ولا تصلُحُ هذه المرتبة لأحد غير الله ولا يَغفِرُ الله سبحانه لمن أشركَ في عبادته، ويغفرُ ما دون ذلك لمن شاء.
следующие страницы →