← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 417

روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (676 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

لها بوجهِكَ نورٌ تستضيءُ به ... ومِن حَدِيثكَ في أعْقَابِهَا حادِي إذا شَكَتْ من كَلالِ السَّيْرِ أوعَدَها ... رَوْحُ اللقاء فتَقوى عندَ ميعاد والمقصودُ أنَّ المحبَّة تستدعي مشاكلةً ومناسبةً . وقد ذكرَ الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمه الله تعالى (١) ــ في مسنده (٢) من حديث عائشة ﵂: أنَّ امرأةً كانت تدخلُ على قريش، فتُضحكُهم، فقدمتِ المدينة، فنزلتْ على امرأةٍ تُضْحِكُ النَّاسَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «على مَنْ نزلتْ فلانة؟» فقالت: على فلانَةَ المُضْحِكَة، فقال: «الأرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعارَفَ مِنْها ائْتَلَفَ، ومَا تَنَاكَر مِنْها اخْتَلَف». وأصلُ الحديث في الصحيح (٣).

стр. 142

وذُكر لبقراط (١) رجلٌ من أهل النقص يحبُّه، فاغتمَّ لذلك، وقال: ما أحبَّني إلا وقد وافقْتُه في بعض أخلاقِهِ، وأخذَ المتنبي هذا المعنى فقلبَه، وأجادَ، فقال (٢): وإذا أتتكَ مَذَمَّتِي مِن ناقصٍ ... فهي الشَّهادةُ لي بأنِّي فاضلُ وقال بعض الأطباء (٣): العشقُ: امتزاجُ الرُّوح بالرُّوح؛ لما بينهما من التناسب والتشاكل، فإذا امتزج الماءُ بالماء امتنعَ تخليصُ بعضِه من بعض، وكذلك (٤) تبْلُغُ المحبَّةُ بين الشخصين حتى يتألَّم أحدُهما بتألُّم الآخر، ويَسْقَم بسقمِه وهو لا يشْعُر. ويُذكَر (٥) أنَّ رجلًا كان يُحِبُّ شخصًا، فمرضَ، فدخل عليه أصحابه يعودونه، فوجدوا به خِفَّةً، فانبسط معهم، وقال: من أين جئتم؟ قالوا: من عند فلانٍ عُدْناهُ، فقال: أوَ كان عليلًا؟ قالوا: نعم، وقد عُوفِي، فقال: والله لقد أنكرتُ عِلَّتي هذه ولم أعرفْ لها سببًا، غير أني توهَّمْتُ: أنَّ ذلك لعلَّةٍ نالت بعض من أُحبُّ، ولقد وجدتُ في (٦) يومي هذا

стр. 143

راحةً، ففرحْتُ طمعًا أن يكون الله شفاه، ثم دعا بدواةٍ، فكتب إلى محبوبه (١): إنِّي حُمِمْتُ ولم أشعُرْ بِحُمَّاك ... حتى تحدَّثَ عُوَّادِي بشكواكِ [٢٩ أ] فقلتُ ما كانتِ الحُمَّى لِتَطْرُقَنِيْ ... مِن غيرِ ما سَبَبٍ إلا لِحُمَّاك وخَصْلَةٍ كنتُ فيها غيرَ مُتَّهَمٍ ... عافانيَ اللهُ منها حينَ عافاك حتى إذا اتفقت نفسي ونفسك في ... هذا وذاك وفي هذا وفي ذاكِ (٢) ويُحْكى (٣) أنَّ رجلًا مرِضَ مَن يُحِبُّه، فعادَه المحبُّ، فمرضَ من وقته، فعوفيَ محبوبُه، فجاءَ يعودُه، فلما رآه عُوفي من وقته، وأنشد (٤):

стр. 144

مَرِضَ الْحَبيبُ فَعُدْتُه ... فمَرِضْتُ مِنْ حَذَرِي عليهِ وأتى الحبيبُ يَعُودُوني ... فبرئتُ مِنْ نَظري إلَيْه وأنت إذا تأمَّلْتَ الوجودَ؛ لا تكاد تجد اثنين يتحابَّان إلا وبينهما مشاكلةٌ، أو اتفاقٌ في فعلٍ أو حالٍ أو مَقْصِدٍ، فإذا تباينت المقاصدُ والأوصافُ والأفعالُ والطرائقُ لم يكن هناك إلا النُّفْرَةُ والبعدُ بين القلوب، ويكفي في هذا الحديثُ الصحيح عن رسول الله ﷺ : «مَثَلُ المُؤمِنينَ في توادِّهمْ، وترَاحُمِهِمْ، وتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَل الجَسَدِ الْوَاحِد، إذا اشْتَكى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعى له سائرُ الجسدِ بالحُمَّى والسَّهَر» (١). فإن قيل: فهذا الذي ذَكرتم يقتضي أنَّه إذا أحبَّ شخصٌ شخصًا أن (٢) يكونَ الآخرُ يحبُّه فيشتركان في المحبَّة، والواقعُ يشهدُ بخلافه، فكم من محبٍّ غير محبوب، بل بسيف البغض مضروب. قيل (٣): قد اختلفَ الناس في جواب هذا السؤال، فأما أبو محمد بن حزم فإنَّه قال (٤): الذي أذهبُ إليه أنَّ العشقَ اتصالٌ بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخلقة في أصل عُنْصُرها الرفيع، لا على ما حكاه

стр. 145

محمَّد بن داود (١) عن بعض أهلِ الفلسفة أن الأرواح أُكَرٌ (٢) مقسومةٌ، لكن على سبيل مناسبةِ قواها في مَقَرِّ عالَمها العُلويِّ، ومجاورتها في هيئة تركيبها. وقد علمنا أن سرَّ (٣) التمازج والتباين في المخلوقات إنَّما هو الاتصال والانفصال، فالشكلُ دائمًا (٤) يستدعي شكلَه، والمثلُ إلى مثله ساكنٌ. وللمجانسة [٢٩ ب] عملٌ محسوس، وتأْثيرٌ مشاهد. والتنافُرُ في الأضداد، والموافقةُ في الأنداد، والنِّزاعُ فيما تشابَه موجود بيننا، فكيف بالنفس وعالَمُها العالمُ الصَّافي الخفيف، وجوهرُها الجوهرُ الصَّعَّاد المعتدلُ، وسِنْخُها المُهَيَّأُ لقَبول الاتفاق والميل والتَّوْق، والانحراف والشهوة والنِّفار؟ والله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف/ ١٨٩]، فجعل عِلَّةَ السكُون أنَّها منه، ولو كان عِلَّةَ الحبِّ حسنُ الصورة الجسدية لوجبَ ألا يُسْتَحْسَنَ الأنقصُ (٥) من الصُّور، ونحن نجد كثيرًا ممن يُؤْثِرُ الأدنى ويعلمُ فضل غيره، ولا يجدُ محيدًا لقلبه عنه، ولو كان للموافقة في الأخلاق لما

стр. 146

أحبَّ المرءُ من لا يُساعدهُ ولا يُوافقه، فعلمنا أنَّه شيءٌ في ذات النفس، وربما كانت المحبَّةُ لسببٍ من الأسباب، وتلك تفنى بفناء سببها. قال (١): ومما يؤكِّد (٢) هذا القول أنَّنا قد علمنا أنَّ المحبَّة ضُروب، فأفضلُها محبَّةُ المتحابِّين في الله، إمَّا لاجتهادٍ في العمل، وإمَّا لاتفاق في أصل المذهب، وإمَّا لفضل علمٍ يُمْنَحُه الإنسانُ. ومحبَّةُ القرابة، ومحبَّةُ الألفة والاشتراك في المطالب، ومحبَّةُ التَّصاحُب والمعرفة، ومحبَّةٌ لبرٍّ يضعهُ المرء (٣) عند أخيه، ومحبَّةٌ لطمعٍ في جاه المحبوب، ومحبَّةُ المتحابَّيْن لسرٍّ يجتمعان عليه يلزمهما سَتْرُه، ومحبَّةٌ لبلوغ اللَّذَّة وقضاء الوَطَرِ، ومحبَّةُ العشق التي لا عِلَّةَ لها إلا ما ذكرنا من اتصال (٤) النفوس. وكلُّ هذه الأجناس فمنقضيةٌ مع انقضاء عِلَلها، وزائدةٌ بزيادتها، وناقصةٌ بنقصانها، متأكِّدَةٌ بدُنوِّها، فاترةٌ (٥) ببعدها، حاشا محبَّةِ العشق الصَّحيح المُتمكِّن من النفس. ثم أورَدَ هذا السُّؤال، قال (٦): والجوابُ: أنَّ نفسَ الذي لا يحبُّ من

стр. 147

يُحبه مُكْتَنِفَةُ الجهات ببعض الأعراض الساترة، والْحُجُب المحيطة بها من الطبائع الأرضية، فلم تُحِسَّ بالجزء الذي كان متصلًا بها قبل حلولها حيث هي، ولو تخلَّصت لاستويا (١) في الاتصال والمحبَّة (٢). ونفس [٣٠ أ] المحبِّ متخلِّصةٌ عالمةٌ بمكان ما كان يَشْرَكُها في المجاورة، طالبةٌ له، قاصدةٌ إليه، باحثة عنه، مشتهيةٌ لملاقاته، جاذبةٌ له لو أمكنها كالمِغْنَاطِيس والحديد، وكالنَّار في الحجر (٣). وأجابت طائفةٌ أخرى: أنَّ الأرواح خُلِقتْ على هيئة الكُرة، ثُم قُسِمت، فأيُّ رُوحين تَلاقَتا هناك وتجاورتا؛ تآلفتا في هذا العالم، وتحابَّتا، وإن تنافرتا هناك تنافرتا هنا، وإن تآلفتا من وجهٍ وتنافرتا من وجهٍ؛ كانتا كذلك ها هنا. وهذا الجواب مبنيٌّ على الأصل الفاسد الذي أصَّله هؤلاء: أنَّ الأرواح موجودةٌ قبل الأجساد، وأنَّها كانت متعارفةً متجاورة هناك، تتلاقى وتتعارف، وهذا خطأ، بل الصَّحيح الذي دلَّ عليه الشرعُ والعقلُ: أنَّ الأرواحَ مخلوقةٌ مع الأجساد، وأن الملك المُوَكَّل بنفخ الرُّوح في الجسد ينفُخ فيه الرُّوح إذا مضى على النطفة أربعةُ أشهر، ودخلتْ في الخامس، وذلك أوَّل حدوثِ الرُّوح فيه.

стр. 148

ومن قال: إنَّها مخلوقةٌ قبل ذلك فقد غلط، وأقبحُ منه قولُ من قال: هي قديمةٌ، أو تَوَقَّفَ في ذلك، بل الصَّوابُ في الجواب أن يقال: المحبَّةُ كما تقدَّم قسمان: محبةٌ عَرَضِيَّةٌ غَرَضِيَّةٌ، فهذه لا يجبُ الاشتراك فيها، بل يقارنها مَقْتُ المحبوب وبغضُه للمحبِّ كَثيرًا، إلا إذا كان له معه غرضٌ نظيرُ غرضه، فإنَّه يحبُّه لغرضه منه، كما يكون بين الرَّجل والمرأة اللَّذَيْن لكلٍّ منهما غرضٌ مع صاحبه. والقسم الثاني: محبَّةٌ رُوحانية سببُها المشاكلة والاتفاق بين الرُّوحين، فهذه لا تكون إلا من الجانِبَيْن ولابدَّ، فلو فَتَّش المُحبُّ المحبَّةَ الصادقةَ قلبَ المحبوب لوجدَ عنده من محبَّته نظيرَ ما عنده، أو دونه، أو فوقه. فصل وإذا كانت المحبَّةُ من الجانِبَيْن استراحَ بها كلُّ واحدٍ من المُحبَّيْن، وسكَّن ذلك بعضَ ما به، وعدَّه نوعًا من الوِصَال، وقالت امرأةٌ من [٣٠ ب] العرب (١): حَجَجْتُ ولم أحْجُجْ لذنبٍ عمِلتُه ... ولكن لتُعْدِيني عَلَى قاطع الحَبْلِ

стр. 149

ذهبتُ بعقلي في هَواهُ صغيرةً ... وقد كَبِرَتْ سِنِّي فرُدَّ به عَقلي وإلا فسوِّ الحبَّ بيني وبينَه ... فإنَّك يا مولايَ تُوصَفُ بالعَدْل وقال آخر (١): فيا ربِّ أشْغِلْها بحبِّي كما بِها ... شَغَلْتَ فُؤادي كي يَخِفَّ الذي بِيا وقالت امرأةٌ تعاتب بَعْلَها: أسألُ الذي قسمَ بين العباد معايشَهم أن يَقْسِم الحبَّ بيني وبينَك، ثم أنشدت (٢): أدعو الذي صَرَفَ الهَوى ... منِّي إليكَ وَمِنْكَ عَنِّي أنْ يَبْتَلِيْكَ بما ابتَلا ... نِي أو يَسُلَّ الحبَّ مني وقال آخر (٣): فيا ربِّ إنْ لم تَقْسِمِ الحُبَّ بيننا ... بشَطْرَينِ فاجْعلْني عَلَى هجْرِها جَلْدا وأعْقِبْنيَ السُّلوانَ عنها ورُدَّ لي ... فُؤاديَ مِن سَلْمى أُثِبْك به (٤) حمدًا

стр. 150

وقال أبو الهُذَيْل العَلَّاف (١): لا يجوز في دَوْر الفلك، ولا في تركيب الطبائع، ولا في الواجب، ولا في المُمكن أن يكونَ محبٌّ ليس لمحبوبه إليه ميلٌ، وإلى هذا المذهب ذهبَ أبو العباس الناشئ حيث يقول (٢): عيناكِ شاهِدَتان أنَّكِ مِن ... حَرِّ الهَوى تجدينَ ما أجِدُ بكِ ما بِنا لكنْ على مَضضٍ ... تتَجَلَّدِينَ ومَا بِنَا جَلَدُ وقال أبو عُيَيْنَة (٣): تبيتُ بنا تَهْذِي وأَهْذِي بذكرِها ... كِلانا يُقاسي اللَّيل وهو مُسهَّدُ وما رَقدت إلا رأتني ضَجِيعَها ... كذاك أراها في الكرى حين أرقُدُ تُقِرُّ بذنبي حين أغفُو ونلتقي ... وأسألُها يقظان عنه فتجحدُ كلانا سواءٌ في الهوى غير أنَّها ... تجلَّدُ أحيانًا وما لي تجلُّدُ وقال عُرْوَةُ بن أُذيْنة (٤):

стр. 151

إنَّ التي زَعمت فؤادك ملَّها ... خُلِقَتْ هواكَ كما خُلِقْتَ هوىً لها [٣١ أ] فبك الذي زعمتْ بها فكلاكُما ... أبدى لصاحبِه الصَّبابةَ كلَّها فإذا تشاكلت النفوس وتمازجت الأرواح وتفاعلت؛ تفاعلت عنها الأبدان، وطلبت نظير الامتزاج والجوار الذي بين الأرواح، فإن البدن آلة الرُّوح ومَركَبُه، وبهذا ركَّب الله سبحانه شهوة الجماع بين الذكر والأنثى طلبًا للامتزاج والاختلاط بين البدنين، كما هو بين الرُّوحين، ولهذا يُسمَّى جماعًا وخِلاطًا ونكاحًا وإفضاء؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما يُفضي إلى صاحبه، فيزول الفضاءُ بينهما. فإن قيل: فهذا يُوجِب تأكُّد الحبِّ بالجماع وقوّتَه به، والواقعُ خلافه، فإنَّ الجماع يُطْفِئ نارَ المحبَّة، ويُبَرِّد حرارتَها، ويُسكِّن نفس المحبِّ. قيل: الناس مختلفون في هذا، فمنهم من يكون بعد الجماع أقوى محبَّةً، وأمكنَ وأثبت ممَّا قبله، ويكون بمنزلة من وُصف له شيء ملائمٌ، فأحبَّه، فلمَّا ذاقه كان له أشدَّ محبَّة، وإليه أشدَّ اشتياقًا. وقد ثبت في الصحيح (١) عن النبي ﷺ في حديث عروج الملائكة

стр. 152

إلى ربِّهم، أنه سبحانه يسألهم عن عباده ــ وهو أعلم بهم ــ فيقولون: «إنهم يُسبِّحونكَ، ويُمجِّدونك (١)، ويقدّسونك، فيقول: وهل رأوني؟ فيقولون: لا، فيقول: فكيف لو رأوني؟ فتقولُ الملائكة: لو رأوك لكانوا أشدَّ تسبيحًا وتقديسًا وتمجيدًا، ثم يقولون: ويسألونك الجنَّة، فيقولُ: وهل رأوها؟ فيقولون: لا، فيقولُ: فكيف لو رأوها؟ فتقولُ الملائكة: لو رأوها لكانوا أشدَّ لها طلبًا» وذكر الحديث. ومعلومٌ: أنَّ محبةَ من ذاق الشيء الملائمَ وعَدِمَ صَبْرَه عنه أقوى من محبة من لم يَذُقْهُ، بل نفسه مفطومة (٢) عنه، والمودَّةُ التي بين الزوجين والمحبةُ بعد الْجماع أعظمُ من التي كانت قبله. والسببُ الطبيعي أنَّ شهوةَ القلب ممتزجةٌ بلذَّة العين، فإذا رأتِ العينُ اشتهى القلبُ، فإذا باشر الجسمُ الجسمَ؛ اجتمعَ [٣١ ب] شهوةُ القلب ولذَّة العين ولذة المباشرة، فإذا فارق هذه الحال كان نِزَاعُ نفسه إليها أشدَّ، وشوقُه إليها أعظمَ، كما قيل (٣):

стр. 153

وأكثرُ (١) ما يكونُ الشَّوقُ يومًا ... إذا دَنَتِ الدِّيارُ من الدِّيار ولذلك يتضاعفُ الألم والحسرةُ على من رأى محبوبَه أو باشرَه، ثم حِيلَ بينه وبينَه، فتضاعُفُ ألَمِه وحسرتِه في مقابلة مضاعفة لذّة من عاوده، وهذا في جانب المرأة أقوى، فإنها إذا ذاقت عُسَيْلَةَ الرَّجل ــ ولا سيما أوَّل عُسَيْلَة ــ لم تكدْ تصبرُ عنه بعد ذلك، قال أيمن بن خُرَيم (٢): يُميتُ العتابَ خِلاطُ النساءِ ... ويُحيي اجتنابُ الخِلاطِ العِتابا وتزوَّج زهير بن مسكين الفِهْري جاريةً، ولم يكن عنده ما يُرضيها به، فلما أمكنته من نفسها لم تَرَ عنده ما ترضى به، فذهبت ولم تَعُدْ إليه (٣)، فقال في ذلك أشعارًا كثيرةً، منها (٤): تقولُ وقد قَبَّلْتُها ألفَ قُبْلَةٍ ... كفاكَ أمَا شيءٌ لَدَيْكَ سِوى القُبَلْ فقلتُ لها حبٌّ على القلب حفظُه ... وطولُ بُكاءٍ تستفيضُ له المُقَلْ

стр. 154

فقالت لعمرُ الله ما لَذّةُ الفتى ... من الحبِّ في قولٍ يُخالفه الفِعَلْ (١) وقال آخر (٢): رأت حُبِّي سعادُ بلا جماعٍ ... فقالت حَبلُنَا حَبْلُ انقطاعِ ولستُ أُرِيدُ حُبًّا ليس فيه ... متاعٌ منكَ يدخلُ في متاعي فلو قبَّلْتَنِي ألفًا وألفًا ... لما أُرضيتُ إلا بالجِمَاعِ إذا ما الصَّبُّ لم يكُ ذا جِمَاعٍ ... يَرى المحبوبَ كالشيءِ المُضَاعِ جِماعُ الصَّبِّ غايةُ كُلِّ أُنْثَى ... وداعيهِ لأهلِ العِشْق دَاعِي فقلْتُ لها وقد ولَّتْ تعالَيْ ... فإنَّكِ بعد هذا لن تُرَاعِي وإنكِ لو سألتِ بقاءَ يومٍ ... خليٍّ (٣) عن جِمَاعِك لن تُطاعي فقالتْ مَرْحَبًا بفتىً كريمٍ ... ولا أهلًا بِذي الخَنَعِ اليَرَاعِ [٣٢ أ] إذا ما البعلُ لم يكُ ذا جِماعٍ ... يُرى في البيت مِنْ سَقَطِ المَتاع وقال آخر (٤): ولما شكوتُ الحبَّ قالت كذبتَني ... فكم زَورةٍ منِّي قصدتُك خاليا فما حُلَّ فيها من إزارٍ للذَّةٍ ... فعدتُ وحاجاتُ الفُؤادِ كما هِيا

стр. 155

وهل راحةٌ للمرءِ في وِردِ مَنْهَلٍ ... ويَرْجعُ بعد الوِرْد ظمآنَ صادِيا؟ وقال العباس بن الأحنف (١): لم يَصْفُ وصلٌ لمعشوقَين لم يَذُقا ... وصلًا يَجِلُّ على كل اللَّذاذات وقال هُدْبَة بن الخَشْرَم (٢): والله ما يَشْفي الفؤادَ الهائما نفثُ الرُّقَى وعَقْدُكَ التَّمائما ولا الحديثُ دون أنْ تُلازِما ولا اللِّزامُ دُون أن تُفاغِما وتعْلُوَ القَوائِمُ القَوائِما وقال آخر (٣): قولا لعاتكَة التي ... في نظرةٍ قضَتِ الوَطَرْ إنِّي أُريدكِ للنكَا ... ح ولا أُريدكِ للنظرْ

стр. 156

لوْ كانَ هذا بُغْيَتي ... لَقَنِعْتُ منها بالقَمَرْ وقال آخر (١): دواءُ الحبّ تقبيلٌ وشَمٌّ ... ووضعٌ للبُطونِ على البُطونِ ورَهْزٌ تذرفُ العينانِ منه ... وأخذٌ بالمناكب والقرون وقالت امرأةٌ وقد طُلبت منها المحادثة (٢): لَيْسَ بِهذا أَمَرتْنِي أُمِّي ولا بتقبيلٍ ولا بِشَمِّ لكن جِمَاعًا قد يُسلِّي هَمِّي يَسْقُطُ منه خاتَمِي في كُمِّي وقد كشف الشاعر سبب ذلك حيث يقول (٣):

стр. 157

لو ضَمَّ صَبٌّ إِلْفَه ألْفًا لَمَا ... أجدَى وزادتْ لوعةٌ وغَرامُ أرواحُهم من قَبْلِ ذاك تألَّفَتْ ... فتألَّفَتْ مِن بَعْدِها الأجسامُ وقال (١): سألتُ فقيهَ الحُبِّ عن عِلَّة الهَوى ... وقلتُ له أشكُو إلى الشَّيْخ حَالِيا فقالَ دواءُ الحبِّ أن تُلْصِقَ الحَشا ... بأحشاءِ منْ تهوى إذا كنتَ خَالِيا وتَتَّحدَا من بعد ذاك تعانُقًا ... وتَلْثِمَه حتى يُرى لك ناهِيا فتقضيَ حاجاتِ الفُؤادِ بأسرِها ... على الأمن ما دامَ الحبيبُ مُواتيا إذا كانَ هذا في حلالٍ فحبَّذا ... وصالٌ به الرَّحمنُ تلقاهُ راضيا وإن كان هذا في حرامٍ فإنَّه ... عذابٌ به تَلْقَى العَنا والمَكاوِيا قال هؤلاء: ولا يستحكم الحبُّ إلا بعد أن يَشُقَّ الرجلُ رداءَه، وتشقُّ (٢) المرأة المعشوقةُ بُرْقُعَهَا. كما قال (٣): إذا شُقَّ بُرْدٌ شُقَّ بالبُرْد بُرْقعٌ ... دَوَالَيْكَ حتى كلُّنا غيرُ لابسِ فَكَمْ قد شَقَقْنا مِن رِداءٍ مُحَبَّرٍ ... ومن بُرْقُعٍ عن طَفْلةٍ غيرِ عانس

стр. 158

ولما بلغ بعضَ الظرفاء قولُ المأْمون: ما الحبُّ إلا قبلةٌ ... الأبيات (١). قال: كذبَ المأمون، ثم قال (٢): وباض الحبُّ في قلبي ... فَوا ويلًا إذا فرَّخْ وما يَنْفَعُني حُبِّي ... إذا لم أكنُس البَرْبَخْ وإن لم يَضع الأصْلَـ ... ـعُ خُرْجَيْه على المطْبَخ وقال ابن الرُّومي (٣): أُعانقها والنفسُ بعدُ مشوْقَةٌ ... إليْها وهَلْ بعد العِنَاقِ تَدانِ؟! وأَلْثِمُ فاها كي تَزُولَ صَبابَتِي ... فيشتدُّ ما ألقى من الهيمَانِ ولَمْ يَكُ مِقْدَارُ الذي بي من الجَوَى ... لِيَشْفِيه ما ترشُفُ الشَّفَتَانِ كأنَّ فُؤادِي ليسَ يَشْفِي غَليلَه ... سوى أن أرى الرُّوحين تمتزجان وقال الطَّبرانيُّ في معجمه الأوسط (٤): حدَّثنا بكر بن سهل، حدَّثنا

стр. 159

عبد الله بن يوسف، حدَّثنا محمَّد بن مسلم، عن إبراهيم بن مَيْسَرَة، عن طاوس، عن ابن عباس ــ ﵄ ــ: أن رجلًا قال: يا رسول الله! عندنا يتيمةٌ قد خطبَها رجلان: مُوسرٌ ومُعْسرٌ، وهي تهوى المُعْسِرَ، ونحنُ نهوى المُوسِرَ، فقال: «لَمْ يُرَ للْمُتَحابَّيْن مِثلُ التَّزْويج». قال أبو القاسم الطبرانيُّ: لم يَرْوِه عن طاوس إلا إبراهيم، ولا رواه عن إبراهيم إلا محمد بن مسلم وسفيان الثوري، تفرَّد به مُؤَمَّل بن إسماعيل عن الثوريِّ. انتهى. وقد رواه أبو الفرج بن الجوزي (١) من حديث حَيَّان بن بِشْر: حدَّثنا أحمد بن حَرْب، حدّثنا ابن عيينة، حدّثنا عمرو عن جابر، فذكره. وقال المعافى بن عمران: حدَّثنا إبراهيم بن يزيد، عن [٣٣ أ] سليمان ابن موسى، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄، وحدَّثنا علي بن حرب الطَّائيُّ، حدَّثنا ابن عُيَيْنَة، عن إبراهيم بن مَيْسَرة، عن طاوس.

стр. 160

وذكره الدَّارقطني في كتاب «الغرائب» (١) وقال: تفرَّد به يزيد بن مروان، عن عمر بن هارون، عن عثمان بن الأسود المَكِّيِّ، عن إبراهيم بن مَيْسَرة، عن طاوس. وقالت هند بنت المُهلَّب: ما رأيتُ لصالحي النساء وشِرارهن خيرًا من إلحاقهنَّ بمن يَسْكُنَّ إليه من الرِّجال، ولَربَّ مسكونٍ إليه غير طائلٍ، والسَّكن على كلِّ حالٍ أوفق. وذكر الحاكم في تاريخ نَيْسابور (٢) من حديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: «أرْبَعٌ لا يَشْبَعْنَ منْ أَرْبع: أرضٌ من مَطَرٍ، وأُنثى من ذَكَرٍ، وعينٌ من نَظَرٍ، وعالِمٌ من عِلمٍ». وهذا باطلٌ قطعًا على رسول الله ﷺ ، وهو كثيرٌ عن أبي هريرة ﵁.

стр. 161

وذكر الطبرانيُّ في معجمه الأوسط (١) من حديث ابن عمر يرفعه: «فضلُ ما بين لذَّة المَرْأة ولذَّة الرَّجُلِ كأَثرِ المِخْيَط في الطِّين، إلا أنَّ الله سَتَرهنَّ بِالحَيَاءِ». وقال: لم يَرْوِه عن ليث إلا أبو المسيب سَلْم بن سلام، عن سويد، عن (٢) عبد الله بن أسامة، عن يعقوب بن خالد، عن عطاء، عن ابن عمر ﵄. قلت: وهذا أيضًا لا يَصِحُّ عن رسول الله ﷺ ، وإسناده مظلمٌ، لا يُحتجُّ بمثله. فصل ورأت طائفةٌ: أنَّ الجماع يُفسِد العشقَ ويُبطِله أو يُضعفه، واحتجت بأُمور: منها: أن الجماع هو الغاية التي تُطْلَب بالعشق، فما دام العاشقُ طالبًا فعشقه ثابتٌ، فإذا وصل إلى الغاية قضى وطرَه، وبَرَدَت حرارةُ طلبه، وطَفِئَتْ نارُ عشقه. قالوا: وهذا شأنُ كلِّ طالبٍ لشيءٍ إذا ظَفِر به، كالظمآن إذا رَوِيَ، والجائع إذا شَبع، فلا معنى للطَّلب بعد الظَّفر.

стр. 162

ومنها: أنَّ سبب العِشْقِ فكريٌّ، وكلَّما قَوِيَ الفكرُ زادَ العشقُ، وبعد الوصول لا يَبْقى الفكر. ومنها: أنَّه قبل الظفر ممنوعٌ، والنفسُ مُولَعَةٌ بحبِّ ما مُنِعَتْ منه، كما قال (١) [٣٣ ب]: وزادَني كَلَفًا في الحُبِّ أنْ مُنِعَتْ ... أحَبُّ شيءٍ إلى الإنسانِ ما مُنِعا وقال الآخر (٢): لولا اطِّرادُ الصَّيْدِ لم تَكُ لَذَّةٌ ... فَتَطَارَدِي لي بالوِصَالِ قليلا قالوا: وكانت الجاهلية الجهلاء في كفرهم لا يرجون ثوابًا، ولا يخافون عقابًا، وكانوا يصونون العِشْق عن الجماع، كما ذُكر أنَّ أعرابيًّا عَلِق امرأةً، فكانَ يأتيها سنينَ، وما جرى بينهما ريبةٌ، قال: فرأيتُ ليلةً بياضَ كفِّها في ليلةٍ ظلماء، فوضعتُ يدي على يدها، فقالت: مه، لا

стр. 163

تُفسدْ ما صَلُحَ؛ فإنَّه ما نُكِحَ حبٌّ إلا فسد. فأخذ ذلك المأْمون فقال (١): ما الحبُّ إلا نظرةٌ ... وَغَمْزُ كفٍّ وعَضُدْ أو كُتُبٌ فيها رُقًى ... أَجَلُّ من نَفْثِ العُقَدْ ما الحُبُّ إلا هكذا ... إن نُكِحَ الحبُّ فَسَدْ مَنْ كانَ هذا حُبُّهُ ... فإنَّما يَبْغِي الوَلَدْ وهَوِي آخرُ امرأةً، فدامتِ (٢) الحالُ بينهما في اجتماعٍ وحديثٍ ونظرٍ، ثم إنَّه جامعَها، فقطعت الوصلَ بينهما، فقال (٣): لَوْ لَمْ أُواقعْ دامَ لي وَصْلُها ... فليتَنِي لا كُنْتُ واقَعْتُها وقيل لآخرَ شكا فِراق محبوبةٍ له، فقال (٤): أكثرتَ منْ وَطْئِها والوَطءُ مَسْأَمَةٌ ... فارفُقْ بنفسكَ إنَّ الرِّفْقَ مَحْمُودُ

стр. 164

وذكر عمر بن شَبَّة (١) عن بعض علماء أهل المدينة قال: كان الرَّجل يحبُّ الفتاةَ، فإن ظفر منها بمجلس تشاكيا وتناشدا الأشعار، واليومَ يُشير إليها وتشيرُ إليه، فيعدُها وتَعِدُه، فإذا التقيا لم يَشْكُ حبًّا، ولم يُنشِدْ شعرًا، وقام إليها، كأنَّه أشهدَ على نكاحِها أبا هريرة ﵁: لم يَخْطُ مِنْ داخل الدِّهليز مُنْصَرِفًا ... إلا وخَلْخَالُها قد قاربَ الشّنفا (٢) قال الأصمعيُّ (٣): قلتُ لأعرابيةٍ: ما تعدُّون العِشْقَ فيكم؟ قالت: العِنَاقُ، والضَّمَّةُ، والغَمْزةُ، والمُحادَثَةُ. ثم قالت: يا حضريُّ! فكيف هو عندكم؟ قلت: يقعدُ بين شُعَبِها الأربع، ثم يَجْهَدُها. قالت: يا بنَ أخي! ما هذا عاشقٌ، هذا طالبُ ولد. وسُئل أعرابيٌّ (٤) عن ذلك، فقال: مَصُّ الرِّيق، ولَثْمُ العشيقة، والأخذُ من أطايب الحديث، [٣٤ أ] فكيف هو فيكم أيُّها الحضريّ؟

стр. 165

فقال: العَفْسُ الشديد، والجمعُ بين الركبة والوريد، ورَهْزٌ يُوقظ النائم، ويَشْفي القلبَ الهائم. فقال: بالله (١) ما يفعلُ هذا العدوُّ الشديدُ! فكيف الحبيبُ الودود؟! وقال بعضهم (٢): الحبُّ يطيبُ بالنظر، ويَفْسُد بالعهر. قال هؤلاء: والحبُّ الصَّحيح يُوجب إعظامَ المحبوب، وإجلالَه، والحياءَ منه، فلا يُطاوع نفسَه أن يُلقيَ جلبابَ الحياء عند محبوبه، وأن يُلْقِيه عنه، ففي ذلك غاية إذلاله وقهره، كما قيل (٣): إذا كان حظُّ المرءِ مِمَّن يُحبُّه ... حرامًا فحَظِّي ما يَحِلُّ ويَجمُلُ حديثٌ كماءِ المُزْنِ بين فُصُولِه ... عتابٌ به حسنُ الحديث يُفصَّل (٤) ولَثْمُ فمٍ عَذْبِ اللِّثَاتِ كأنَّما ... جناهُنَّ شهدٌ فُتَّ فيه القَرَنْفُلُ وما العِشْقُ إلا عفةٌ ونزاهةٌ ... وأنسُ قُلوبٍ أُنْسُهنَّ التَّغزُّلُ وإني لأستحيي الحبيب من التي ... تَرِيبُ وأُدْعى للجميلِ فَأُجْمِلُ وزعم بعضُهم أنَّه كان يُشْرَط (٥) بين العشيقة والعاشق أنَّ له مِنْ

стр. 166

نصفها الأعلى إلى سُرَّتها، ينال منه ما يشاءُ من ضمٍّ وتقبيلٍ ورَشْفٍ، والنِّصْفُ الأسفلُ يَحْرُم عليه، وفي ذلك قال شاعر القوم (١): فَلِلْحِبِّ شطرٌ مُطْلَقٌ مِنْ عِقَالِه ... وللبَعْلِ شَطْرٌ ما يُرامُ مَنِيعُ وقال الآخر (٢): لها شَطْرٌ فَمِنْ حِلٍّ وَبِلٍّ ... وشطرٌ (٣) كالبَحِيْرَة ما يُهاجُ وهذا كان من (٤) دين الجاهلية، فأبطلته الشَّريعةُ، وجعلتِ الشَّطرين كليهما للبَعْل. والشُّعراءُ قاطبةً لا يرون بالمحادثة والنَّظر للأجنبيات بأسًا، وهو مخالفٌ للشَّرع والعقلِ، فإنَّ فيه تعريضًا للطبع لما هو مجبولٌ على الميل إليه، والطبعُ يَسْرِق ويَغْلِبُ، وكم من مفتونٍ بذلك في دينه ودنياه، فإن قيل: فقد أنشد الحاكم في «مناقب الشافعي» له (٥):

стр. 167

يقولون لا تنظُرْ وتلكَ بليَّةٌ ... ألا كلُّ ذي عَيْنينِ لابدَّ ناظِرُ [٣٤ ب] وليس اكتحالُ العَيْنِ بالعينِ ريبةً ... إذا عَفَّ فيما بينَ ذاكَ الضَّمائرُ فإن صحَّت عن الشَّافعي؛ فإنَّما أراد النظر الذي لا يدخلُ تحت التكليف، كنظر الفَجْأَة، أو النظر المباح. وقد ذهبَ أبو بكر بن داودَ الأصفهانيُّ إلى جواز النظر إلى من لا يحلُّ له، كما سيأتي كلامُه إن شاء الله، قال أبو الفرج بن الجوزي (١): وأخطأ في ذلك، وجرَّ عليه خطؤه اشتهارَه بين الناس، وافتضاحَه. وذهب أبو محمد بن حزم إلى جواز العِشْق للأجنبية من غير ريبةٍ، وأخطأَ في ذلك خطأً ظاهرًا، فإنَّ ذَرِيعةَ العِشْق (٢) أعظمُ من ذَرِيعة النظر، وإذا كان الشرعُ قد حرَّم النظرَ لما يُؤدِّي إليه من المفاسد، كما سيأتي بيانُه ــ إن شاء الله تعالى ــ فكيف يجوز تعاطي عِشْق الرجل (٣) لِمَنْ لا يحلُّ له؟! والمقصود أنَّ هذه الفرقة رأت أنَّ (٤) الجِماعَ يُفْسد العشْقَ، فغارت عليه مِمَّا يُفْسِدُه، وإن لم تتركْه ديانةً.

стр. 168

وقيل لبعض الأعراب: ما ينالُ أحدُكم من عشيقته إذا خلا بها؟ قال: اللَّمس، والقُبَل، وما يشاكلها (١). قال: فهل يتطاولان إلى الجماع؟ فقال: بأبي وأُمي ليس هذا بعاشقٍ! هذا طالبُ ولد. ويُحكى (٢): أنَّ رجلًا عشقَ امرأةً، فقالت له يومًا: أنت صحيحُ الحبِّ غير سقيمه ــ وكانوا يُسَمُّون الحبَّ على الخنا: الحبَّ السقيم ــ فقال: نعم، فقالت: اذهبْ بنا إلى المنزل، فما هو إلا أن حَصَلَتْ في منزله، فلم يكن له نَهْمةٌ (٣) غيرَ جماعها، فقالت له وهو كذلك: أسرفتَ في وطئنا والوَطءُ مَقْطَعَةٌ ... فارفُقْ بنفسِكَ إنَّ الرِّفْقَ محمودُ فقال لها وهو على حاله: لَوْ لَمْ أطأكِ لما دامتْ محبَّتُنا ... لكنَّ فِعْلِيَ هذا فعلُ مجهُود فنفرت مِنْ تحته، وقالت: يا خبيثُ أراكَ خلافَ ما قلتَ مِنْ صحَّة الحبِّ، ولم تجعل جماعي إلا سببًا لذهاب حبِّك، والله لا ضمَّني وإياك سقفٌ أبدًا! وسيأتي تمامُ الكلام في هذا في باب عفاف المحبين، إن شاء الله تعالى.

стр. 169

وفصل الخطاب بين الفريقين أنَّ الجماعَ [٣٥ أ] الحرامَ يُفسِدُ الحبَّ، ولابدَّ أن تنتهيَ المحبَّةُ بينهما إلى المعاداة والتباغُض والقِلى، كما هو مشاهَدٌ بالعيَانِ، فكلُّ محبَّةٍ لغير الله آخرُها قِلًى وبغضٌ فكيف إذا قارنَها ما هو من أكبر الكبائر؟ وهذه عداوةٌ بين يدَي العداوة الكبرى التي قال الله تعالى فيها: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف/ ٦٧]. وسنذكر (١) إن شاء الله تعالى مَنْ ظَفِرَ بمحبوبه، وترك قضاء وَطَرِه منه رغبةً في بقاء محبَّته، وخشية أن تنقلب قِلًى وبغضًا (٢)، في الباب (٣) الموعود به؛ فإنَّ ذلك أليقُ به. وأمَّا الجماعُ المباحُ فإنَّه يزيدُ الحبَّ؛ إذا صادفَ مرادَ المحبِّ، فإنَّه إذا ذاق لذَّته وطَعْمَه؛ أوجب له ذلك رغبةً أُخرى لم تكن حاصلةً قبل الذَّوق. ولهذا لا يكاد البِكْران يصبرُ أحدُهما عن الآخر، هذا ما لم يَعْرِض للحبِّ ما يُفسده، ويُوجب نقلَه إلى غيرِ المحبوب. وأمَّا ما احتجَّ به الآخرون فجوابُه: أنَّ الشهوةَ والإرادة (٤) لم تُطْفَأْ نارُها بالكليَّة، بل فترت شهوةُ ذلك الوقت، ثم تعودُ أمثالها (٥)، وإنَّما

стр. 170

يظهر (١) هذا إذا غابَ أحدُهما عن حبيبه، وإلا فما دامَ بمرأًى منه وهو قادرٌ عليه متى (٢) أحبَّ؛ فإنَّ النفسَ تسْكُن بذلك، وتطمئنُّ به، وهذا حالُ كلِّ مَنْ كان بحضرته ما يحتاج إليه من طعام وشرابٍ ولباسٍ، وهو قادرٌ عليه، فإنَّ نفسَه تسكُن عنده، فإذا حيل بينه وبينه اشتدَّ طلبُه له، ونِزاعُ نفسه إليه، على أنَّ المحبَّ للشيء متى أفرطَ في تناوُل محبوبه؛ نَفَرَتْ نفسُه منه، وربَّما انقلبتْ محبّتُهُ كراهةً. وسيأتي مَزِيدُ بيانٍ لهذا في باب سُلُوِّ المحبِّين إن شاء الله تعالى. فصل وداعي الحبِّ من المحبوب جمالُه، إمَّا الظاهرُ أو الباطنُ أو هما معًا، فمتى كان جميلَ الصُّورة، جميلَ الأخلاق والشِّيم والأوصاف؛ كان الدَّاعي منه أقوى. و داعي الحبِّ مِنَ المُحبِّ أربعة أشياء: أوّلُها: النظر إمَّا بالعين، أو بالقلب إذا وُصف له، فكثيرٌ من الناس يحبُّ غيرَه ويفنى [٣٥ ب] فيه محبَّةً وما رآه، لكن وُصِفَ له. ولهذا نهى النبي ﷺ المرْأَة أن تَنْعَتَ المَرْأَةَ لِزَوْجِهَا، حتَّى كأنَّه يَنْظُرُ إلَيْهَا. والحديث في الصَّحيح (٣).

стр. 171

الثاني: الاستحسان، فإن لم يُورث نظرُه استحسانًا لم تقع المحبَّةُ. الثالث: الفكر في المنظور، وحديثُ النفس به، فإن شُغِل عنه بغيره ممَّا هو أهمُّ عنده منه لم يَعْلَق حبُّه بقلبه، وإن كان لا يعدم خطراتٍ وسوانحَ، ولهذا قيل: العشق حركة قلب فارغ. ومتى صادفَ هذا النظرُ والاستحسانُ والفكرُ قلبًا خاليًا؛ تمكَّن منه، كما قيل (١): أتاني هَواها قبلَ أن أعرِفَ الهوى ... فصادفَ قلبًا خاليًا (٢) فتمكَّنا فإن قيل: فهل يتوقف على الطَّمع في الوصول إلى المُحَبِّ أم لا؟ قيل: الناسُ في هذا على أقسام: منهم من يعشق الجمال المُطْلَق، فقلبُه مُعَلّقٌ به أين (٣) استقلَّت ركائبُه، وأين (٤) حلَّت مَضَارِبُه، وهذا لا يتوقَّف عشقُه على الطمع. ومنهم من يعشقُ الجمالَ المقيَّد، سواءٌ طَمِعت نفسهُ في وِصَاله أو لم تطمع.

стр. 172

ومنهم من لا يعشق إلا من طمعتْ نفسُه في وصاله، فإن يئسَ منه لم يَعْلَق حبُّه بقلبه. والأقسام الثلاثة واقعةٌ في الناس، فإذا وُجد النظرُ والاستحسانُ والفكرُ والطمعُ؛ هاجت بلابلُه، وأمكن من معشوقه مقاتلَه، واستحكمَ داؤُه، وعجَزَ عن الأطباء دواؤه. تالله ما أسَرَ الهوى مِن عاشقٍ ... إلا وعزَّ عَلى النفوس فِكَاكُهُ وإذا كان النظرُ مبدأ العشق؛ فحقيقٌ بالمُطْلَق ألا يعرِّضَ نفسَه للإسار الدائم بواسطة عينه (١)، وإذ قد أفضى بنا الكلام إلى النظر فلنذكرْ حُكْمَه وغائلَته.

стр. 173

الباب السادس في أحكام النظر، وغائلته، وما يجني على صاحبه قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ الآية [النور/٣٠ ــ ٣١]، فلمَّا كان غضُّ البصر أصلًا لحفظ الفرج؛ بدأ بذكره، ولمَّا كان تحريمُه تحريمَ الوسائل، فيُباح للمصلحة الرَّاجحة، ويَحْرُمُ إذا خِيفَ منه الفسادُ، ولم يُعارضْه مصلحةٌ أرجحُ من تلك المفسدة؛ لم يأمر سبحانه بغَضِّه مطلقًا، بل أمر بالغضِّ منه، وأمَّا حفظ الفرج فواجبٌ بكلِّ حالٍ، لا يُباح إلا بحقِّه، فلذلك عمَّ الأمر بحفظه. وقد جعل الله سبحانه العينَ مِرْآة القلب ، فإذا غضَّ العبدُ بصرَه غضَّ القلبُ شهوتَه وإرادتَه، وإذا أطلق بصره أطلق القلبُ شهوتَه. وفي الصحيح (١): أنَّ الفضل بن عباس ﵄ كان رَدِيف رسول الله ﷺ يوم النحر من مُزْدَلِفَة إلى مِنًى، فمرَّت ظُعُنٌ يَجْرِيْن، فَطفِق الفضل ينظرُ إليهنَّ، فحوَّل رسول الله ﷺ رأْسَهُ إلى الشِّقِّ الآخر. وهذا منعٌ وإنكارٌ بالفعل. فلو كان النظرُ جائزًا لأقرَّه عليه.

стр. 174

وفي الصحيح (١) عنه ﷺ أنَّه قال: «إن الله كتب على ابن آدم حَظَّهُ من الزِّنَى، أدْرَك ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فالعَيْنُ تَزْنِي، وَزِنَاهَا النَّظَرُ، واللِّسَانُ يَزْني، وزِنَاهُ النُّطْقُ، والرِّجْلُ تَزْنِي، وَزِنَاهَا الخُطَا، واليَدُ تَزْنِي، وزِنَاهَا البَطْشُ، والقَلْبُ يَهْوَى ويَتَمنَّى، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذلِك أوْ يُكَذِّبُه». فبدأ بزنى العينِ؛ لأنَّه أصلُ زنى اليد والرِّجل والقلبِ والفَرْج، ونبَّه بزنى اللسان بالكلام على زنى الفم بالقُبَل، وجعلَ الفرجَ مُصدِّقًا لذلك إن حقَّق الفعلَ، أو مكذبًا له إن لم يُحَقِّقْهُ. وهذا الحديث من أبين الأشياء على أنَّ العينَ تعصي بالنظر، وأنَّ ذلك زناها، ففيه ردٌّ على مَنْ أباح النظر مطلقًا. وثبت عنه ﷺ أنَّه قال: «يا عَليُّ لا تُتْبعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَة، فإنَّ (٢) لك الأُولى، ولَيْسَتْ لكَ الثَّانِيَة» (٣). ووقعت [٣٦ ب] مسألة: ما تقولُ السَّادة العلماء (٤) في رجلٍ نظرَ إلى امرأةٍ نظرةً، فعلقَ حبُّها بقلبه، واشتدَّ عليه الأمر، فقالت له نفسه: هذا كلُّه

стр. 175

من أوَّل نظرةٍ، فلو أعَدْتَ النظرَ إليها لرأيتَها دون ما في نفسكَ، فسلوتَ عنها، فهل يجوزُ له تعمُّد النظر ثانيًا لهذا المعنى؟ فكان الجواب: الحمد لله، لا يجوز هذا لعشرة أوْجُهٍ: أحدها: أنَّ الله سبحانه أمر بغضِّ البصر، ولم يجعلْ شفاءَ القلب فيما حرَّمه على العبد. الثاني: أنَّ النبيَّ ﷺ سُئل عن نظر الفَجْأَة، وقد علم أنه يُؤثِّر في القلب فأمرَ بمداواتِه بصرف البصر، لا بتكرار النَّظر. الثالث: أنَّه صرَّح بأن الأولى له، وليست له الثانية، ومحالٌ أن يكونَ داؤه ممَّا له، ودواؤه ممّا ليس له. الرابع: أنَّ الظَّاهر قوةُ الأمر بالنظرة الثانية لا تَناقُصُه، والتجربةُ شاهدةٌ به، والظَّاهر أنَّ الأمرَ كما رآه أولَ مرَّةٍ، فلا تحسنُ المخاطرة بالإعادة. الخامس: أنَّه ربما رأى ما هو فوق الذي في نفسه، فزادَ عذابُه. السادس: أنَّ إبليسَ عند قصده للنظرة الثانية يقوم في ركائبه، فيزيِّن له ما ليس بحسن لِتَتِمَّ البلية. السابع: أنَّه لا يُعانُ على بَليَّتِه إذا أعرضَ عن امتثال أوامر الشرع، وتداوى بما حرَّمه عليه، بل هو جديرٌ أن تتخلَّفَ عنه المعونة. الثامن: أنَّ النظرة الأولى سهمٌ مسمومٌ من سهام إبليس، ومعلومٌ أنَّ الثانية أشدُّ سُمًّا، فكيف يتداوى من السُّمِّ بالسُّمِّ؟

стр. 176

التاسع: أنَّ صاحبَ هذا المقام في مقام معاملة الحقِّ ــ ــ في ترك محبوب ــ كما زعم (١) ــ وهو يُريد بالنَّظرة الثانية أن يتبيَّن حال المنظور إليه، فإن لم يكن مرضيًّا تركه، فإذًا يكون تركُهُ لأنَّه لا يُلائم غرضَه لا لله تعالى، فأين معاملةُ الله ــ سبحانه ــ بترك المحبوب لأجله؟ العاشر: يتبيَّن بضرب مثلٍ مطابقٍ للحال، وهو أنَّك إذا ركبتَ فرسًا حديدًا، فمالتْ بك إلى درْبٍ ضيِّق لا ينفذُ، ولا يمكنها أن تستدير فيه للخروج، فإذا همَّت بالدُّخول فيه فاكبحْها (٢)؛ لئلا تدخل، فإذا دخلت خطوةً أو خطوتين فَصِحْ بها، ورُدَّها إلى وراء عاجلًا قبل أن يتمكَّن دخولُها، فإن رَدَدْتها إلى ورائها سهُل الأمر، وإن توانيتَ حتى ولَجَتْ، وسُقْتَها داخلًا، ثم قمت تجذِبُها بذَنبها؛ عَسُر عليك، أو تعذَّر خروجُها، فهل يقول عاقل: إنَّ طريق تخليصها سَوْقها إلى داخل؟ فكذلك النَّظرة إذا أثَّرت في القلب، فإنْ عَجِل الحازمُ، وحَسَم المادَّة من أوَّلها؛ سَهُل علاجُه، وإنْ كرَّر النظر، ونَقَّبَ عن محاسن الصُّورة، ونقلها إلى قلب فارغٍ، فنقشها فيه؛ تمكَّنت المحبَّة، وكلَّما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي الشجرة، فلا تزالُ تَنْمي حتى يفسدَ القلبُ، ويُعْرِض عن الفكر فيما أُمِر به، فيخرج بصاحبه إلى المحن، ويوجب ارتكابَ المحظورات، ويُلقي القلبَ في التلف.

стр. 177

والسَّبَبُ في هذا أنَّ الناظر التذَّت عينُه بأوَّل نظرةٍ، فطلبتِ المعاودة، كأكل الطعام اللذيذ إذا تناول منه لقمةً، ولو أنَّه غضَّ أوَّلًا؛ لاستراح قلبُه، وسَلِم. وتأمَّل قول النبي ﷺ : «النظرة سهْمٌ مَسْمُومٌ من سهام إبليس» (١)، فإن السَّهْم (٢) شأْنُه أن يسري في القلب، فيعمل فيه عمل السُّمِّ (٣) الذي يُسقاه المسموم، فإن بادر واستفرَغه، وإلا قتله ولابدَّ. قال المرُّوذي (٤): قلت لأحمد: الرجلُ ينظرُ إلى المملوكة؟ قال: أخافُ عليه (٥) الفتنة، كم نظرةٍ قد ألقتْ في قلبِ صاحبها البلابل!. وقال ابن عباس (٦): الشيطان من الرَّجل في ثلاثة: في بصره (٧)،

стр. 178

وقلبه، وذكره، وهو من المرأة في ثلاثة: في بصرها، وقلبها، وعجُزِها. فصل ولمَّا كان النظرُ من أقرب الوسائل إلى المحرَّم اقتضت الشَّريعة تحريمه، وأباحَتْه في موضع الحاجة. وهذا شأن كلِّ ما حُرِّم تحريمَ (١) الوسائل، فإنَّه يُباح للمصلحة الراجحة [٣٧ ب]، كما حُرِّمت الصَّلاة في أوقات النهي؛ لئلا تكون وسيلة إلى التشبُّه بالكفَّار في سجودهم للشَّمس، وأُبيحت للمصلحة الرَّاجحة، كقضاءِ الفوائت، وصلاة الجنازة، وفعل ذوات الأسباب على الصَّحيح. وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل (٢) عن النبي ﷺ : أنَّه قال: «النظرةُ سهمٌ مسمومٌ من سهام إبْليس، فمن غَضَّ بَصَرَهُ عن محاسن امْرَأَةٍ؛ أوْرَثَ الله قلبَهُ حلاوةً يجِدُها إلى يوم يَلْقَاهُ»، أو كما قال. وقال جريرُ بن عبد الله ﵄: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفَجْأَة، فأمرني أن أصرف بصري (٣).

стр. 179

ونظرةُ الفَجْأة: هي النظرةُ الأولى؛ التي تقع بغير قصدٍ من الناظر، فما لم يَعْتَمدْه القلبُ؛ لا يُعاقب عليه، فإذا نظر الثانية تعمُّدًا؛ أَثِمَ، فأمرَه النبي ﷺ عند نظرة الفجأة أن يَصْرِفَ بصرَه، ولا يستديم النظر، فإنَّ استدامته كتكريره، وأرشد من ابْتُلي بنظرة الفَجْأة أن يداويه بإتيان امرأته، وقال: «إنَّ معَها مِثْل الّذي معها» (١) فإن في ذلك التسلِّي عن المطلوب بجنسه. والثاني: أن النظر يثير قوَّة الشَّهوة، فأمره بتنقيصها بإتيان أهله، ففتنة النظر أصلُ كلِّ فتنةٍ، كما ثبت في الصَّحيح (٢) من حديث أُسامة بن زيد ﵄: أنَّ النبي ﷺ قال: «ما تركتُ بَعْدِي فتنةً أضَرَّ على الرِّجالِ من النِّساء». وفي صحيح مسلم (٣) من حديث أبي سعيد الخُدْري ﵁ عن النبي ﷺ : «اتَّقوا الدُّنْيَا، واتَّقُوا النِّساء». وفي مسند محمد بن إسحاق السَّراج (٤) من حديث علي بن أبي

стр. 180

طالب ﵁ عن النبي ﷺ : «أَخْوَفُ ما أَخافُ على أُمَّتي النساءُ والخَمْرُ». وقال ابن عباس ﵄: لم يكفُر مَنْ كفر ممَّن مضى إلا من قِبَلِ النساءِ، وكفرُ من بقي مِنْ قِبَل النساء. فصل وفي غضِّ البصر عِدَّة فوائد (١): أحدُها: تخليصُ القلب من ألمِ الحَسْرة، فإنَّ مَنْ أطلق نظرَه دامت حسرتُه؛ فأضرُّ شيءٍ على القلب إرسالُ البصر، فإنَّه يُريه ما يشتدُّ طلبُه، ولا صبرَ له عنه، ولا وصولَ له إليه، [٣٨ أ] وذلك غايةُ ألمه وعذابه. قال الأصمعي (٢): رأيت جاريةً في الطَّواف، كأنَّها مَهَاةٌ، فجعلتُ أنظر إليها، وأملأُ عيني من محاسنها، فقالت لي: يا هذا! ما شأنُكَ؟ قلت: وما عليكِ من النَّظر؟ فأنشأتْ تقول:
следующие страницы →