← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 417

روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (676 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

التاسع: أنَّ صاحبَ هذا المقام في مقام معاملة الحقِّ ــ ــ في ترك محبوب ــ كما زعم (١) ــ وهو يُريد بالنَّظرة الثانية أن يتبيَّن حال المنظور إليه، فإن لم يكن مرضيًّا تركه، فإذًا يكون تركُهُ لأنَّه لا يُلائم غرضَه لا لله تعالى، فأين معاملةُ الله ــ سبحانه ــ بترك المحبوب لأجله؟ العاشر: يتبيَّن بضرب مثلٍ مطابقٍ للحال، وهو أنَّك إذا ركبتَ فرسًا حديدًا، فمالتْ بك إلى درْبٍ ضيِّق لا ينفذُ، ولا يمكنها أن تستدير فيه للخروج، فإذا همَّت بالدُّخول فيه فاكبحْها (٢)؛ لئلا تدخل، فإذا دخلت خطوةً أو خطوتين فَصِحْ بها، ورُدَّها إلى وراء عاجلًا قبل أن يتمكَّن دخولُها، فإن رَدَدْتها إلى ورائها سهُل الأمر، وإن توانيتَ حتى ولَجَتْ، وسُقْتَها داخلًا، ثم قمت تجذِبُها بذَنبها؛ عَسُر عليك، أو تعذَّر خروجُها، فهل يقول عاقل: إنَّ طريق تخليصها سَوْقها إلى داخل؟ فكذلك النَّظرة إذا أثَّرت في القلب، فإنْ عَجِل الحازمُ، وحَسَم المادَّة من أوَّلها؛ سَهُل علاجُه، وإنْ كرَّر النظر، ونَقَّبَ عن محاسن الصُّورة، ونقلها إلى قلب فارغٍ، فنقشها فيه؛ تمكَّنت المحبَّة، وكلَّما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي الشجرة، فلا تزالُ تَنْمي حتى يفسدَ القلبُ، ويُعْرِض عن الفكر فيما أُمِر به، فيخرج بصاحبه إلى المحن، ويوجب ارتكابَ المحظورات، ويُلقي القلبَ في التلف.

стр. 177

والسَّبَبُ في هذا أنَّ الناظر التذَّت عينُه بأوَّل نظرةٍ، فطلبتِ المعاودة، كأكل الطعام اللذيذ إذا تناول منه لقمةً، ولو أنَّه غضَّ أوَّلًا؛ لاستراح قلبُه، وسَلِم. وتأمَّل قول النبي ﷺ : «النظرة سهْمٌ مَسْمُومٌ من سهام إبليس» (١)، فإن السَّهْم (٢) شأْنُه أن يسري في القلب، فيعمل فيه عمل السُّمِّ (٣) الذي يُسقاه المسموم، فإن بادر واستفرَغه، وإلا قتله ولابدَّ. قال المرُّوذي (٤): قلت لأحمد: الرجلُ ينظرُ إلى المملوكة؟ قال: أخافُ عليه (٥) الفتنة، كم نظرةٍ قد ألقتْ في قلبِ صاحبها البلابل!. وقال ابن عباس (٦): الشيطان من الرَّجل في ثلاثة: في بصره (٧)،

стр. 178

وقلبه، وذكره، وهو من المرأة في ثلاثة: في بصرها، وقلبها، وعجُزِها. فصل ولمَّا كان النظرُ من أقرب الوسائل إلى المحرَّم اقتضت الشَّريعة تحريمه، وأباحَتْه في موضع الحاجة. وهذا شأن كلِّ ما حُرِّم تحريمَ (١) الوسائل، فإنَّه يُباح للمصلحة الراجحة [٣٧ ب]، كما حُرِّمت الصَّلاة في أوقات النهي؛ لئلا تكون وسيلة إلى التشبُّه بالكفَّار في سجودهم للشَّمس، وأُبيحت للمصلحة الرَّاجحة، كقضاءِ الفوائت، وصلاة الجنازة، وفعل ذوات الأسباب على الصَّحيح. وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل (٢) عن النبي ﷺ : أنَّه قال: «النظرةُ سهمٌ مسمومٌ من سهام إبْليس، فمن غَضَّ بَصَرَهُ عن محاسن امْرَأَةٍ؛ أوْرَثَ الله قلبَهُ حلاوةً يجِدُها إلى يوم يَلْقَاهُ»، أو كما قال. وقال جريرُ بن عبد الله ﵄: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفَجْأَة، فأمرني أن أصرف بصري (٣).

стр. 179

ونظرةُ الفَجْأة: هي النظرةُ الأولى؛ التي تقع بغير قصدٍ من الناظر، فما لم يَعْتَمدْه القلبُ؛ لا يُعاقب عليه، فإذا نظر الثانية تعمُّدًا؛ أَثِمَ، فأمرَه النبي ﷺ عند نظرة الفجأة أن يَصْرِفَ بصرَه، ولا يستديم النظر، فإنَّ استدامته كتكريره، وأرشد من ابْتُلي بنظرة الفَجْأة أن يداويه بإتيان امرأته، وقال: «إنَّ معَها مِثْل الّذي معها» (١) فإن في ذلك التسلِّي عن المطلوب بجنسه. والثاني: أن النظر يثير قوَّة الشَّهوة، فأمره بتنقيصها بإتيان أهله، ففتنة النظر أصلُ كلِّ فتنةٍ، كما ثبت في الصَّحيح (٢) من حديث أُسامة بن زيد ﵄: أنَّ النبي ﷺ قال: «ما تركتُ بَعْدِي فتنةً أضَرَّ على الرِّجالِ من النِّساء». وفي صحيح مسلم (٣) من حديث أبي سعيد الخُدْري ﵁ عن النبي ﷺ : «اتَّقوا الدُّنْيَا، واتَّقُوا النِّساء». وفي مسند محمد بن إسحاق السَّراج (٤) من حديث علي بن أبي

стр. 180

طالب ﵁ عن النبي ﷺ : «أَخْوَفُ ما أَخافُ على أُمَّتي النساءُ والخَمْرُ». وقال ابن عباس ﵄: لم يكفُر مَنْ كفر ممَّن مضى إلا من قِبَلِ النساءِ، وكفرُ من بقي مِنْ قِبَل النساء. فصل وفي غضِّ البصر عِدَّة فوائد (١): أحدُها: تخليصُ القلب من ألمِ الحَسْرة، فإنَّ مَنْ أطلق نظرَه دامت حسرتُه؛ فأضرُّ شيءٍ على القلب إرسالُ البصر، فإنَّه يُريه ما يشتدُّ طلبُه، ولا صبرَ له عنه، ولا وصولَ له إليه، [٣٨ أ] وذلك غايةُ ألمه وعذابه. قال الأصمعي (٢): رأيت جاريةً في الطَّواف، كأنَّها مَهَاةٌ، فجعلتُ أنظر إليها، وأملأُ عيني من محاسنها، فقالت لي: يا هذا! ما شأنُكَ؟ قلت: وما عليكِ من النَّظر؟ فأنشأتْ تقول:

стр. 181

وكنتَ متى أرسلْتَ طَرْفَك رائدًا ... لقلبِكَ يومًا أتعَبَتْك المناظرُ رأيتَ الذي لا كلُّه أنتَ قادرٌ ... عليه ولا عَنْ بعضِه أنتَ صابرُ والنَّظرة تفعلُ في القلب ما يفعلُ السَّهم في الرَّميَّة، فإن لم تقتله جرحتْه، وهي بمنزلة الشَّرارة من النَّار تُرْمى في الحشيش اليابس، فإن لم تحرقْه كلَّه؛ أحرقتْ بعضَه، كما قيل (١): كلُّ الحوادث مَبْداها من النَّظر ... ومُعْظَمُ النَّار من مُسْتَصْغَرِ الشَّررِ كم نظرةٍ فتكَتْ في قلبِ صاحبها ... فَتْكَ السِّهام بلا قَوْسٍ ولا وَتَرِ والمرءُ ما دامَ ذا عينٍ يُقَلِّبُهَا ... في أعينِ الغيدِ موقوفٌ على الخطرِ يَسُرُّ مقلتَه ما ضرَّ مهجتَه ... لا مرحبًا بسرورٍ عاد (٢) بالضَّرر والناظر يَرْمي مَنْ نظرَه بسهامٍ غَرَضُها قلبُه وهو لا يَشْعُر، فهو إنما يرْمي قلبَه. ولي من أبيات (٣): يا راميًا بسهام اللَّحْظِ مُجتهدًا ... أنتَ القتيلُ بِما ترمي فلا تُصبِ وباعثَ الطَّرفِ يَرتَادُ الشِّفاءَ له ... تَوقَّهُ إنَّه يأْتيكَ بالعَطَب

стр. 182

وقال الفرزدق (١): تزوَّدَ منها نظرةً لم تَدَعْ له ... فؤادًا ولم يَشْعُرْ بما قَدْ تزوَّدا فَلَمْ أرَ مَقْتُولًا وَلَمْ أرَ قاتِلًا ... بغيرِ سلاحٍ مثلَها حِيْنَ أقصَدا وقال آخر (٢): ومن كان يُؤْتَى من عدُوٍّ وحاسدٍ ... فإنِّيَ مِنْ عيني أُتيتُ ومِنْ قلبي هُما اعْتَوَرَاني نظرةً ثُمَّ فِكْرَةً ... فما أبقيا لي من رقادٍ ولا لُبّ وقال آخر (٣): رماني بها طَرْفي فلم تُخْطِ مَقْتَلي ... وما كلُّ من يُرْمى تُصابُ مَقَاتِلُهْ إذا مِتُّ فابكُوني قتيلًا لطَرْفِه ... قتيلُ صديق حاضرٍ ما يُزايلُهْ وقال ابن المعتز (٤): متيَّمٌ يَرعى نجومَ الدُّجى ... يَبْكي عليهِ رحمةً عاذِلُهْ عيني أشاطتْ بدمي في الهَوى ... فابكُوا قتيلًا بعضُه قاتلُهْ

стр. 183

ومثله للمتنبي (١): وأنا الذي اجْتَلَبَ المَنِيَّةَ طَرْفُهُ ... فمَنِ المُطَالَبُ والقَتِيلُ القاتِلُ؟! وقال أيضًا (٢): يا نظرةً نفتِ الرُّقَادَ وغادرتْ ... في حدِّ قلبي ما بَقيتُ فُلولا كانت من الكَحْلاءِ سُؤْلي إنَّما ... أجَلي تَمَثَّل في فؤَادي سُولا وقال أيضًا (٣): وُقِيَ الأميرُ مِنَ العُيُونِ فإنَّه ... ما لا يَزُولُ ببأْسِهِ وسَخَائِهِ يستَأسِرُ البطَلَ الكَمِيَّ بنظرةٍ ... ويحولُ بَين فُؤادِه وعَزَائِه وقال الصُّوري (٤): إذا أنت لم تَرْعَ البروقَ اللَّوامحا ... ونمتَ جَرى مِنْ تحتِك السَّيْلُ سائِحا

стр. 184

غَرَسْتَ الهوى باللَّحظِ ثُمَّ احتقرته (١) ... وأهمَلْتَه مُسْتَأْنِسًا مُتسامحا ولم تَدْرِ حتَّى أينعَتْ شَجَراتُه ... وهبّت رياحُ الوَجْدِ فيه لواقحا فأمسيتَ تستدعي من الصبر عازبًا ... عليك وتستدني من النَّوم نازحا ودخل أصبهان مُغَنٍّ (٢)، فكان يتغنَّى بهذين البيتين (٣): سماعًا يا عبادَ الله منِّي ... وكفُّوا عن مُلاحظةِ المِلاح فإنَّ الحبَّ آخِرُه المَنايا ... وأوَّلُهُ شبيهٌ بالمُزاح وقال آخر (٤): وشادنٍ لمَّا بدا ... أسْلَمَنِي إلى الرَّدى بطرفهِ ولُطْفِهِ ... وظَرْفِه لمَّا بَدا

стр. 185

أردتُ أنْ أصيدَه ... فصادَ قَلْبِي وعَدا (١) وقال آخرُ يعاتب عينه (٢): والله يا بصَري الجاني على جَسَدي ... لأُطْفِئَنَّ بدمْعِي لوعةَ الحَزَن تالله (٣) تطمَعُ أنْ أبكِي هوًى وضَنًى ... وأنتَ تشبعُ مِن غُمْضٍ ومِن وَسَن هيهات حتَّى تُرى طَرْفًا بلا نَظَرٍ ... كما أُرَى في الهوَى شخصًا بلا بَدَن وقال آخر (٤) [٣٩ أ]: يا مَنْ يَرى سُقْمِي يزيـ ... ـدُ وعِلَّتي أعْيَتْ طَبِيبي لا تَعْجَبَنَّ فهكذا ... تَجْني العُيونُ على القُلوب

стр. 186

وقال آخر (١): لواحظُنا تَجْنِي ولا عِلْمَ عندنا ... وأنفسُنا مأْخوذةٌ بالجَرائِرِ ولم أَرَ أَغبى من نفوسٍ عفائفٍ ... تُصَدِّق أخمارَ العُيون الفَواجرِ ومَنْ كانتِ الأجفانُ حُجَّابَ قلبهِ ... أذِنَّ على أحشائِه بالفواقِر وقال آخر (٢): ومستفتح بابَ البلاءِ بنظرةٍ ... تزوَّدَ منها قلبُه حَسْرة الدَّهْرِ فوالله ما تدْرِي أيدْري بِما جنتْ ... على قَلْبِهِ أم أهلكَتْه وما يَدْري؟ وقال آخر (٣): أنا ما بين عدُوَّيْـ ... ـنِ هُمَا قَلْبِي وطَرْفِي ينظرُ الطَّرفُ ويَهوى الـ ... ـقلبُ والمقصودُ حَتْفِي وقال الخفَاجيُّ (٤): رَمتْ عينَها عَيْني وراحتْ سليمةً ... فَمَنْ حاكِمٌ بينَ الكَحِيلةِ والعَبْرى فيا طَرْفُ قد حذَّرتُك النَّظْرَة التي ... خَلَسْتَ فما راقبت نَهْيًا ولا زَجْرا

стр. 187

ويا قلبُ قدْ أرداكَ طَرْفيَ مرَّةً ... فوَيحَك لِمْ طاوَعْتَه مرَّةً أُخرى؟! ولي من أبياتٍ لعلَّ معناها مبتكَر: ألم أقُل لك لا تَسْرقْ ملاحظةً ... فسارقُ اللَّحْظِ لا ينجُو مِن الدَّرَكِ نصبتُ طَرْفي له لمَّا بدا شركًا ... فكانَ قَلْبِي أوْلى منه بالشَّرك الفائدة الثانية: أنه يُورِثُ القلبَ نورًا وإشراقًا يظهر في العين، وفي الوجه والجوارح، كما أنَّ إطلاقَ البصر يُورثه ظلمةً تظهر في وجهه وجوارِحه. ولهذا ـ والله أعلم ـ ذكر الله سبحانه أنه (١) النُّور في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور/٣٥] عقيب قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور/٣٠] وجاءَ الحديثُ مطابقًا لهذا، حتى كأنَّه مشتقٌّ منه، وهو قوله: «النَّظرة سهمٌ مسمومٌ من سهام إبليس، فمن غضَّ بصره عن محاسن امرأةٍ أورثَ الله قَلْبَه نُورًا» (٢) الحديث. الفائدة الثالثة: أنَّه يُورث صحَّةَ الفِراسة [٣٩ ب]، فإنَّها من النُّور وثمَرَاته، وإذا استنارَ القلبُ صحَّتِ الفِراسةُ، لأنَّه يصيرُ بمنزلة المِرْآة التي تظهرُ فيها المعلوماتُ كما هي، والنظرُ بمنزلة التنفُّس فيها، فإذا أطلق العبدُ نظرَه؛ تنَفَّسَتْ نفسُه الصُّعَداء في مِرْآة قلبه، فطَمَسَتْ نورَها، كما قيل:

стр. 188

مِرْآةُ قلبِكَ لا تُريكَ صَلاحَه ... والنَّفْسُ فيها دائِمًا تَتَنَفَّسُ قال شجاع الكَرْماني (١): مَنْ عَمَر ظاهرَه باتِّباع السُّنَّة، وباطنَه بدوام المُراقبة، وغضَّ بصرَه عن المحارم، وكفَّ نفسه عن الشَّهوات، وأكلَ من الحَلال؛ لم تُخطئ فِراستُه. وكان شجاع لا تُخطئ له فراسة. والله سبحانه يَجزي العبدَ على عملِهِ بما هو من جنسِه، فمَنْ غضَّ بَصَرَه عن المحارم؛ عوَّضه الله سبحانه إطلاقَ نورِ بَصِيرتِه، فلمَّا حبسَ بصرَه لله (٢)؛ أطلق الله له بَصِيرتَه، ومن أطلق بصرَه في المحارمِ؛ حبس الله عنه بَصِيرتَه. الفائدة الرابعة: أنْ يفتحَ له طرقَ العلم وأبوابَه، ويُسهِّلَ (٣) عليه أسبابَه، وذلك بسبب نور القلب، فإنَّه إذا استنارَ ظهرتْ فيه حقائقُ المعلوماتِ، وانكشفتْ له بسرعة، ونفَذَ من بعضها إلى بعض. ومن أرسلَ بصره (٤) تكدَّر عليه قلبُه، وأظلمَ، وانسدَّ عليه بابُ العلم وطُرُقُه. الفائدة الخامسة: أنَّه يُورث قُوَّة القلب، وثباتَه، وشجاعتَه، فيجعلُ الله سبحانَه له سلطانَ البصيرة مع سلطان الحجَّة. وفي الأثر: إنَّ الذي يُخالفُ

стр. 189

هواه يفْرَقُ الشَّيطان من ظلِّه، ولهذا يُوجد في المتَّبع لهواه مِنْ ذلِّ القلب وضعفِه، ومهانةِ النَّفس وحقارتِها، ما جعله (١) الله لمن آثر هواه على رضاه. قال الحسن: إنَّهم وإن هَمْلَجَتْ بهم البغالُ، وطَقْطَقَتْ بهم البراذين؛ إنَّ ذلَّ المعصية لفي قلوبهم، أبى الله إلا أن يُذِلَّ مَنْ عصاه. وقال بعض الشيوخ: الناسُ يطلبون العزَّ بأبواب (٢) الملوك، ولا يجدونَه إلا في طاعة الله، ومَنْ أطاع الله؛ فقد والاه فيما أطاعه فيه، ومن عصاه [٤٠ أ] فقد عاداه فيما عَصاه فيه، وفيه قِسْطٌ ونصيبٌ من فعل من عاداه بمعاصيه، وفي دعاء القنوت: «إنه لا يَذِلُّ مَنْ واليتَ، ولا يَعِزُّ من عادَيْت» (٣). الفائدة السادسة: أنَّه يُورث القلبَ سرورًا، وفرحةً، وانشراحًا أعظمَ من اللذَّة والسُّرور الحاصل بالنظر، وذلك لقهره عدوَّه بمخالفته، ومخالفة نفسه وهواه، وأيضًا فإنَّه لما كفَّ لذَّتَه، وحبسَ شهوتَه لله، وفيها مسرّةُ نفسه الأمَّارة؛ أعاضَه الله سبحانه مسرَّةً، ولذَّةً أكمل منها، كما قال بعضهم: والله لَلَذَّةُ العفَّة أعظمُ من لذَّة الذنب! ولا ريبَ أنَّ النفسَ إذا

стр. 190

خالفت هواها؛ أعقَبها ذلك فرحًا، وسرورًا، ولذةً أكملَ من لذَّة موافقة الهوى بما لا نسبة بينهما. وها هنا يمتاز العقل من الهوى. الفائدة السابعة: أنه يُخَلِّصُ القلبَ من أسر الشَّهوة، فإنَّ الأسير هو أسيرُ شهوته وهواه، فهو (١) كما قيل: ............................ ... طليقٌ برأْي العَيْنِ وهو أسيرُ ومتى أسرتِ الشهوةُ والهوى القلبَ تمكَّن منه عدوُّه، وسامَه سوءَ العذَاب، وصارَ (٢): كعُصفورةٍ في كفِّ طفلٍ يَسومُها ... حياضَ الرَّدَى والطِّفلُ يَلْهُو ويَلْعَبُ الفائدة الثامنة: أنَّه يسدُّ عنه بابًا من أبواب جهنم، فإنَّ النَّظرَ بابُ الشَّهوة الحاملة على مُواقعة الفِعْل، وتحريمُ الربِّ تعالى وشرعُه حجابٌ مانعٌ مِنَ الوصول، فمتى (٣) هتَكَ الحجابَ ضرِيَ على المحظور، ولم تَقِفْ نفسُه منه (٤) عند غاية، فإنَّ النفسَ في هذا الباب لا تَقْنَع بغايةٍ تقفُ عندها، وذلك أنَّ لذَّتَه في الشيءِ الجديد، فصاحبُ الطارف لا يُقْنِعُه التليد، وإن كان

стр. 191

أحسن منه منظرًا، وأطيب مخْبَرًا، فغضُّ البصر يَسُدُّ عنه هذا الباب؛ الذي عجَزَت الملوكُ عن استيفاء أغراضِهم فيه. الفائدة التَّاسعة: أنه يقوِّي عقلَه، ويزيده، ويثبِّته، فإنَّ إطلاقَ البصر وإرسالَه لا يَحصُل إلا من خِفَّة العقل، وطَيْشه، وعدم ملاحظته للعواقب، فإنَّ خاصَّة العقل ملاحظةُ العواقب. [٤٠ ب] ومُرْسِلُ النظرِ لو علمَ ما تجني عواقبُ نظره عليه لما أطلق بصرَه، قال (١): وأعقلُ النَّاسِ مَنْ لم يرتكبْ سَببًا ... حتَّى يُفكِّرَ ما تَجْني عَواقبُهُ الفائدة العاشرة: أنَّه يُخلِّص القلب منْ سُكر الشَّهوة، ورَقْدة الغفلة، فإنَّ إطلاقَ البصر يُوجب استحكامَ الغفلة عن الله والدار الآخرة، ويُوقع في سكرة العشق، كما قال الله تعالى عن عشَّاق الصُّوَر: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر/٧٢]. فالنظرةُ كأسٌ من خمر، والعشقُ هو سكرُ ذلك الشَّراب. و سكرُ العشق أعظمُ من سكر الخمر ، فإنَّ سكرانَ الخمر يُفيقُ، وسكران العشق قلَّما يفيق إلا وهو في عسكر الأموات، كما قيل (٢): سُكرانِ سكرُ هوًى وسكرُ مدامةٍ ... ومتى إفاقةُ مَنْ به سُكْرانِ؟

стр. 192

وفوائد غضِّ البصر وآفاتُ إرساله أضعافُ أضعافِ ما ذكرنا، وإنَّما نبَّهْنا عليها (١) تنبيهًا، ولاسيَّما النَّظر إلى مَنْ لم يجعل الله سبيلًا إلى قضاء الوَطَر منه شرعًا، كالمُرْدان الحِسان، فإنَّ إطلاق النظر إليهم السُّمُّ الناقع والدَّاءُ العُضَال. وقد روى الحافظ محمَّدُ بن ناصر (٢) من حديث الشَّعْبي مُرْسلًا، قال: قدم وفدُ عبد القيس على النَّبي ﷺ وفيهم غلامٌ أمردُ ظاهرُ الوَضَاءَةِ، فأجلسه النَّبيُّ ﷺ وراءَ ظهره وقال: «كانتْ خَطِيئةُ مَنْ مَضَى مِنْ النَّظَر». وقال سعيدُ بن المسيَّب (٣): إذا رأيتُم الرجل يُحِدُّ النظرَ إلى الغلام الأمرد؛ فاتَّهِموه. وقد ذكَر ابن عديٍّ في كامله (٤) من حديث بقيَّةَ عن الوازع، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُحِدَّ

стр. 193

الرجلُ النظرَ إلى الغلام الأمرد. وكان إبراهيم النَّخَعيُّ، وسفيانُ الثوريُّ، وغيرُهما من السلف يَنْهون عن مجالسة المُرْدَان. قال النَّخَعيُّ (١): مجالستُهم فتنةٌ، وإنَّما هم بمنزلة النساء. وبالجملة: فكم من مُرْسلٍ لحظاتِه رجعَ جيشُ صَبْره [٤١ أ] مفلولًا، ولم يُقلعْ حتى تَشَحَّط بينهنَّ قتيلًا (٢): يا ناظرًا ما أقلعتْ لَحَظاتُه ... حتى تَشَحَّطَ بينهنَّ قتيلا

стр. 194

الباب السابع في ذكر مناظرةٍ بين القلب والعين، ولوم كلٍّ منهما صاحبه (١)، والحكم بينهما لمَّا كانت العين رائدًا، والقلب باغيًا وطالبًا، وهذه لها لذَّةُ الرؤية، وهذا له لذة الظفر؛ كانا في الهوى شريكَيْ عِنان. ولمَّا وقعا في العَنَاءِ، واشتركا في البلاء؛ أقبلَ كلٌّ منهما يلوم صاحبَه، ويعاتبه. فقال القلب للعين: أنتِ التي سُقْتِني إلى موارد الهَلَكاتِ، وأوقعتني في الحَسَرات بمُتابعتِك اللَّحَظات، ونزَّهْت طرفَك في تلك الرياض، وطلبتِ الشِّفاء من الحَدَق المِراض، وخالفت قولَ أحكم الحاكمين: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور/٣٠] وقول رسوله (٢) ﷺ : «النَّظر إلى المَرْأَةِ سهْمٌ مسمُومٌ منْ سهام إبليس، فمنْ تركَه خَوْفَ اللهِ ؛ أثابَهُ الله إيمانًا يجِدُ حلاوَتَهُ في قَلْبه». رواه الإمام أحمد (٣): حدَّثنا هشيم، حدّثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن محارب بن دِثار، عن صِلة، عن حذيفة.

стр. 195

وقال عمر بن شَبَّة (١): حدَّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدَّثنا عنبسة بن عبد الرحمن القرشيُّ، حدَّثنا أبو الحسن المدنيُّ، حدَّثنا عليُّ ابن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نظَرُ الرَّجُلِ في محَاسِن المَرأة سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إبلِيسَ مَسْمُومٌ، فمَنْ أعْرَضَ عَنْ ذلك السَّهْمِ أعْقَبَهُ الله عبادَةً تَسُرُّه». فَمَنِ الملومُ سوى من رمى صاحبَه بالسَّهم المسموم؟ أَوَ ما علمتِ أنَّه ليسَ شيءٌ أضَرَّ على الإنسان من العين واللسان؟ فما عَطِبَ أكثرُ من عطِبَ إلا بهما، وما هَلَكَ أكثرُ من هلكَ إلا بسببهما، فَلِلّهِ كم من موْرِد هلكةٍ أوردَاه، ومصدَر ردًى عنه أصدراه، فمن أحبَّ أن يحيا سعيدًا، ويعيش حميدًا؛ فليَغُضَّ من عِنان طَرْفه ولسانه؛ ليسلمَ من الضَّرر، فإنَّه كامنٌ في فضول الكلام، وفضول النظر. وقد صرَّح الصَّادقُ المصدوقُ بأنَّ (٢) العينين تزنيان، وهما أصلُ زنى الفرج (٣)، فإنَّهما له رائدان، وإليه داعيان. وقد سُئل رسولُ الله ﷺ [٤١ ب] عن نظرة الفَجْأة، فأمر السائل أن

стр. 196

يَصْرف بصره (١)، فأرشده إلى ما ينفعه، ويدفع عنه ضرره، وقال لابن عمِّه عليٍّ ﵁ محذِّرًا له ممَّا يوقع الفتنة، ويورث الحسرة: «لا تُتْبع النَّظْرَة النَّظْرَة» (٢). أوَ ما سمعتِ قول العقلاء: مَنْ سَرَّح ناظره؛ أتعبَ خاطره، ومن كثرت لَحظاتُه؛ دامت حَسَرَاتُه، وضاعت عليه أوقاتُه. وقال الناظم (٣): نظرُ العيونِ إلى العيونِ هو الَّذي ... جَعَلَ الهلاكَ إلى الفُؤادِ سَبيلا ما زالتِ اللَّحَظاتُ تغزو قلبَه ... حتَّى تَشَحَّطَ بَينهنَّ قتيلا وقال آخر (٤): تمَتَّعْتُما يا مُقْلَتيَّ بنظرةٍ ... وَأَوْرَدْتُما قلبي أمَرَّ المَوَارد فعينايَ كُفَّا عن فُؤادي فإنَّه ... من الظُّلمِ سعيُ اثنينِ في قَتْلِ واحد فصل قالت العين: ظلمتَني أوَّلًا وآخرًا، وبُؤْتَ بإثمي باطنًا وظاهرًا، وما أنا إلا رسولُك الدَّاعي إليكَ، ورائدُك الدالُّ عليك (٥):

стр. 197

وإذا بعثتَ برائدٍ نحوَ الذي ... تهْوى وتَعْتِبُه ظلمتَ الرَّائدَا فأنت الملكُ المطاع، ونحن الجنودُ والأتباع، أركبتني في حاجتك خيلَ البريد، ثم أقبلتَ عليَّ بالتَّهديد والوعيد. فلو أمرتني أن أُغلقَ عليَّ بابي، وأُرخيَ عليَّ حجابي؛ لسمعتُ، وأطعتُ، ولَمَا رَعَيْت في الحِمى ورتعت؛ أرسلتني لصيدٍ قد نُصِبَت لك حبائلُه، وأشراكُه، واستدارت حولَك فِخَاخُه، وشبَاكُه، فغدوتَ أسيرًا بعد أن كنتَ أميرًا، وأصبحت مملوكًا بعدأن كنت مليكًا. هذا، وقد حكم لي عليك سَيِّدُ الأنام، وأعدلُ الحكَّام ــ ﵊ ــ حيث يقول: «إنَّ في الجَسدِ مُضْغَةً إذا صلحَتْ؛ صلُحَ لها سائِرُ الجَسَدِ، وإذا فَسَدتْ؛ فسَدَ لها سَائِرُ الجَسَدِ، ألا وهِي القلبُ» (١). وقال أبو هريرة ﵁: القلبُ مَلِكٌ، والأعضاءُ جنودُه، فإن طابَ الملِكُ؛ طابتْ جنوده، وإن (٢) خبُثَ الملك؛ خبثتْ جنودُه. ولو أنعمتَ النظرَ لعلمتَ أنَّ فسادَ رعيتك بفسادِك، وبقاءَها (٣) وصلاحَها ورشدَها برشادِك، ولكنَّكَ هلكتَ، وأهلكتَ رعيَّتك، [٤٢ أ] وحمَلت على العين الضَّعيفة خطيئتك، وأصلُ بليَّتِكَ أنَّه قد خلا منك

стр. 198

حبُّ الله، وحبُّ ذكرِه، وكلامِهِ، وأسمائِهِ، وصفاته، وأقبلتَ على غيره، وأعرضت عنه، وتعوَّضت بحبِّ مَنْ سواه والرغبة فيه منه. هذا وقد سمعتَ ما قصَّ عليك من إنكاره سبحانه على بني إسرائيل استبدالَهم طعامًا بطعام أدنى منه، فذمَّهم على ذلك، ونعاه عليهم، وقال: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة/٦١] فكيف بمن استبدلَ بمحبة خالقه، وفاطره، ووليِّه ومالكِ أمره؛ الذي لا صلاحَ له، ولا فلاحَ، ولا نعيم، ولا سرور، ولا فرحة، ولا نجاة إلا بأن يوحِّدَه في الحبِّ، ويكونَ أحبَّ إليه ممَّا سواه، فانظر بالله بِمَن استبدلتَ؟ وبمحبَّة من تعوَّضت؟ رضيت لنفسك بالحَبْس في الحشِّ، وقلوبُ مُحبِّيه تجولُ حولَ العرش. فلو أقبلتَ عليه، وأعرضت عمَّا سواه؛ لرأيتَ العجائب، ولأمِنْتَ من المتالفِ والمعاطب، أوَ ما علمتَ أنَّه خصَّ بالفوز والنعيم من أتاه بقلبٍ سليم، أي سليم مما سواه، ليس فيه غير حبّه واتباع رضاه. قالت: وبين ذنبي وذنبك عند الناس كما بين عَمَايَ وعَمَاكَ في القياس. وقد قال مَنْ بيده أزِمَّةُ الأمور: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج/٤٦]. فصل فلمَّا سمعت الكبدُ تحاوُرَهما الكلام، وتناوُلَهما الخِصامَ؛ قالت: أنتما على هلاكي تَسَاعَدْتُما، وعلى قتلي تعاونتما. ولقد أنصفَ مَنْ

стр. 199

حكى مناظرتكما، وقال (١) على لساني متظلِّمًا منكما (٢): يقولُ طَرْفي لقلبي هِجْتَ لي سَقَمًا ... والعينُ تزعمُ أنَّ القلبَ أنكاها (٣) والجِسْمُ يشهدُ أنَّ العينَ كاذبةٌ ... وَهْيَ الَّتي هيَّجتْ للقلبِ بَلْواها لولا العيونُ وما يَجْنينَ مِنْ سَقَمٍ ... ما كنتُ مُطَّرَحًا من بعض قَتْلاها فقالتِ الكَبِدُ المظلومةُ اتَّئِدا ... قطَّعْتُمانِي وما راقَبْتُما الله وقال آخر (٤) [٤٢ ب]: يقول قلبي لطَرْفي (٥) أنْ بكى جزَعًا ... تبكي وأنتَ الذي حَمَّلتني الوَجَعَا؟! فقالَ طَرْفي له فيما يُعاتبهُ ... بل أنتَ حَمَّلْتَني الآمالَ والطَّمَعَا حتَّى إذا ما خَلا كلٌّ بصاحبِه ... كلاهُما بطويلِ السُّقْمِ قد قَنِعَا

стр. 200

نادتهما كَبدِي لا تَبْعُدا فلقد ... قطَّعْتُماني بما لا قَيْتُما قِطَعا وقال آخر (١): عاتَبْتُ قلبيَ لمَّا ... رأيتُ جسمِي نَحِيْلا فألزمَ القلبُ طَرْفِي ... وقالَ كُنْتَ الرَّسُولا فقالَ طَرْفِي لِقَلْبي ... بل كنتَ أنت (٢) الدَّلِيْلا فقلتُ كُفَّا جَمِيْعًا ... تَرَكْتُمانِي قَتِيْلا ثم قالت: أنا أتولَّى الحُكْمَ بينكما. أنتما في البليَّة شريكا عِنان، كما أنَّكما في اللذَّة والمَسَرَّة فرَسا رِهان. فالعينُ تلتذُّ، والقلبُ يتمنَّى، ويشتهي، ولهذا قال فيكما القائل: ولما شَكَوْتُ (٣) الحبَّ بَشَّر ناظِري ... لقلبي فقالَ القلبُ لي ولكَ الهنا تخلَّصتَ من إحياء ليلكَ ساهِرًا ... وخلَّصتَني من لوعةِ الهَجْرِ والضَّنَى

стр. 201

كِلانا مُهَنًّا (١) بالبَقَاءِ فإنْ تَعُدْ ... فلا أنتَ يُبقيكَ الغرامُ ولا أنا وإن لم تُدْرِكْكُما عنايةُ مُقَلِّبِ القلوب والأبصار، وإلا فما لكِ من قُرَّةٍ ولا للقلب من قرار، قال الشاعر (٢): فواللهِ ما أدْري أنفسي ألومُها ... على الحُبِّ أم عيني المشومةَ أم قَلْبي فإن لُمْتُ قَلْبي قالَ لي العينُ أبصرَتْ ... وإن لُمْتُ عيني قالتِ الذنبُ للقلب فعيني وقلبي قد تَقَاسَمْتُما دَمي ... فيا ربِّ كنْ عونًا على العين والقَلْب قالت: ولما سقيتِ القلبَ ماء المحبة بكؤوسك؛ أوقدتِ عليه نارَ الشوق، فارتفعَ إليك البُخارُ، فتقاطرَ منك، فشَرِقتِ بشُربه أوَّلًا، وشرِقتِ بحرمانه (٣) ثانيًا، قال (٤):

стр. 202

خذي بيدي ثمَّ اكشفي الثوبَ فانظري ... ضنى جَسَدي لكِنَّني أتستَّرُ وليس الذي يَجرِي من العين مَاؤُها ... ولكنَّها رُوحٌ (١) تذوبُ فَتَقْطُرُ [٤٣ أ] قالت: والحاكمُ بينكما الذي يحكمُ بين الرُّوح والجسد إذا اختصما بين يديه، فإنَّ في الأثر المشهور (٢): «لا تزالُ الخصومةُ يوْمَ القيامةِ بينَ الخلائِق حتَّى يختصم الرُّوحُ والجسدُ، فيقولَ الجسدُ للرُّوحِ: أنتَ الذي حرَّكتَنِي، وَأمَرْتَني، وصرَّفْتَني، وإلا فأنَا لمْ أكُنْ أتحركُ، ولا أفعل بدونك. فتقول الرّوحُ له: وأنت الذي أكلت، وشرِبْتَ، وباشرْت، وتنَعَّمتَ، فأنتَ الذي تستحقُّ العقُوبة، فيُرْسِلُ الله سبحانه إليهما ملكًا يحكمُ بينهما، فيقولُ: مَثَلُكُما مَثَلُ مُقْعَدٍ بصيرٍ، وأعمَى يمشي، دخلا بستانًا، فقال المقعدُ للأعمى: أنا أرَى ما فيهِ من الثمارِ، ولكن لا أستطيعُ القيامَ. وقال الأعمى: أنا أستطيعُ القيام، ولكنْ لا أُبصِرُ شيئًا. فقال له المقعدُ: تعالَ فاحملني، فأنت تمشي، وأنا أتناوَلُ. فعلى من تكونُ العقوبةُ؟ فيقولُ: عليهما. قال: فكذلك أنتُما». وبالله التوفيق.

стр. 203

الباب الثامن في ذكر الشُّبَهِ الَّتي احتجَّ بها من أباح النظر إلى من لا يحلُّ له الاستمتاع به، وأباح عشْقَهُ قالت هذه الطائفة: بيننا وبينكم الكتابُ، والسُّنَّةُ، وأقوالُ أئمة الإسلام، والمعقولُ الصَّحيح. أمَّا الكتاب فقولُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف/١٨٥] وهذا يعُمُّ جميع ما خلق الله، فما الَّذي أخرج من عمومه الوجه المليح، وهو من أحسن ما خلق؟ وموضع الاستدلال به (١) والاعتبار أقوى، ولذلك يُسَبَّحُ الخالقُ سبحانه عند رؤيته، كما قال بعضُ الناظرين إلى جميل الصُّورة: ذي طلعةٍ سبحانَ فالِق صُبْحِه ... ومَعَاطِفٍ جلَّت يمينُ الغارس مرَّت بأرجاءِ الخَيالِ طُيوفُه ... فَبَكتْ على رَسمِ السُّلُوِّ الدَّارس ورؤية الجمال البديع تُنْطِق ألْسنة الناظرين بقولهم: سبحان الله ربِّ العالمين! وتباركَ الله أحسنُ الخالقين! والله تعالى لم يخلق هذه المحاسن عبثًا، وإنَّما أظهرها؛ ليستدل [٤٣ ب] الناظرُ إليها على قدرته

стр. 204

ووحدانيته وبديع صُنْعِه، فلا تُعَطَّلُ عما خُلقت له. وأما السُّنَّة فالحديثُ المشهور: «النَّظرُ إلى الوجهِ المليح (١) عبادةٌ» (٢). وفي الحديث الآخر: «اطْلُبُوا الخير من حسانِ الوجوه» (٣). وفي هذا إرشادٌ إلى تصفُّح الوجوه، وتأمُّلها. وخطب رجلٌ امرأةً، فاستشار النَّبيَّ ﷺ في نكاحها، فقال: «هل نظرت إليها؟» فقال: لا، قال: «اذهب فانظر إليها» (٤). ولو كان النَّظرُ حرامًا؛ لما أطلق له أن ينظر، فإنه لا يأمن الفتنة.

стр. 205

وأمَّا أقوال الأئمة ؛ فحكى السَّمعانيُّ (١): أنَّ الشافعي كتب إليه رجل في رقعة: سل المفتي المكيَّ هل في تزاوُرٍ ... ونظرةِ مُشتاقِ الفؤادِ جُناحُ؟ فأجابه الشافعي: معاذَ إلهِ العرشِ أن يُذْهِبَ التُّقى ... تلاصقُ أكبادٍ بهن جِرَاحُ وذكر الخرائطيُّ (٢) هذا السؤال والجواب عن عطاء بن أبي رباح، وأوَّلُه سألتُ عطا المكيَّ. وذكر الحاكمُ في «مناقب الشافعي» (٣) ﵁ من شعره: يقولون لا تنظر وتِلكَ بليَّةٌ ... ألا كلُّ ذي عينين لابُدَّ ناظرُ وليس اكتحالُ العينِ بالعين ريبةً ... إذا عفَّ فيما بين ذاك الضَّمائرُ

стр. 206

وذكر الإستراباذيُّ في كتاب «مناقب الشافعي» (١) أنَّ رجلًا كتب إلى سعيد بن المسيَّب: يا سيِّدَ التَّابعين والبَرَرَهْ ... نسيتُ في العِشْق سورة البقره فكُن بفتواك (٢) مُشْفقًا رَفِقًا ... باهَى بك الله أكرمُ البرره هل حرَّم الله لَثْم خدِّ فتًى ... أوصافُه بالجمالِ مشتهره؟ فأجابه سعيد: يا سائلي عن خفيِّ لَوْعَتِه ... عليك بالصَّبرِ تَحْمَدَنْ أثرَه ولا تكن طالبًا لفاحِشةٍ ... أوْ كالَّذي ساق سيلُه مطرهْ (٣) وراقب الله واخش سطوته ... وخالفِ الفاسِقِين والفجرهْ [٤٤ أ] وقبِّل الخدَّ من حبيبك ذا ... في كلِّ يومٍ وليلةٍ عشره وقال أبو العباس المبرِّد في «الكامل» (٤): قال أعرابيٌّ، أنشدنيه أبو العالية: سألت الفتى المكيَّ ذا العِلْمِ ما الَّذي ... يَحِلُّ من التَّقبيل في رَمَضانِ

стр. 207

فقال لي المكيُّ أمَّا لِزَوجةٍ ... فسَبعٌ وأما خُلَّةٍ فثمان وذكر أبو بكر الخطيب في كتاب «رواة مالك» (١) عن بعضهم: أقولُ لمُفْتٍ بين مكَّة والصَّفا ... لكَ الخيرُ هل في وَصْلِهنَّ حرامُ؟ وهل في صَمُوتِ الحَجْلِ مهضومة الحشا .. عذاب الثَّنايا إنْ لَثمتُ أثامُ فقال ليَ المفتي وسالت دموعُه ... على الخدِّ من عينيه فهي تُؤَامُ ألا ليتني قبَّلتُ تلك (٢) عشيةً ... ببطن منًى والمُحْرِمونَ نيامُ وقال الحاكم في كتاب «مناقب الشافعي» (٣): حدَّثنا أبو العلاء بن كُوشيار الحاري، أنبأنا عليُّ بن سليمان الأخفش، عن محمد بن الجهم قال: سمعتُ الربيع يقول: حضرتُ الشافعيَّ بمكة، وقد دفع إليه رجلٌ

стр. 208

رقعةً فيها: أقولُ لمُفتي خَيْفِ مَكَّة والصفا ... لك الخيرُ هل في وَصْلِهنَّ حرامُ؟ وهل في صَمُوت الحَجْلِ مهْضُومة الحشا ... عذابِ الثَّنايا إنْ لَثمْتُ أثامُ؟ قال: فوقَّع الشافعيُّ فيها: فقال ليَ المفتي وفاضتْ دموعهُ ... على الخدِّ من عين وهنَّ تؤَامُ ألا ليتني قبَّلتُ ذاك عشيةً ... ببطنِ منًى والمُحْرمون نيامُ وقال عمرو بن سفيان بن ابنة جامع بن مُرْخِيَة (١): إنَّا سألنا مالِكًا وقرينه ... ليث بن سعدٍ عن لِثام الوامقِ أيجوزُ؟ قالا والذي خلق الورى ... ما حرَّمَ الرَّحمنُ قُبلَة عاشِق ذكر ذلك صاحب كتاب «رستاق الاتفاق» وهو شاعر المصريين، فأنشد فيه (٢) لعمرو بن سفيان هذا، وكتب بها إلى [٤٤ ب] ابن عُيَيْنَة:

стр. 209

قلنا لسفيان الهلالي مرَّةً ... أيَحْرُمُ ضمُّ العاشق المُشتاق لحبيبه من بعد نَأْي ناله ... فأجاب لا والواحد الخلَاّق وأنشد فيه (١) لجَدِّه جامع، وكتب بها إلى عليِّ بن زيد بن جُدْعَان: سألنا ابنَ جُدْعان بن عمرو أخا العُلا ... أيَحْرُم لثمُ الحِبِّ في ليلةِ القدر؟ فقال لنا المكّي وناهِيْكَ عِلْمُهُ ... ألا لا ومَنْ قدْ جاءَ بالشَّفْعِ والوَتْر وأنشد لإبراهيم بن المدبَّر (٢)، وكتب بها إلى أبي بكر بن عيَّاش أحد أئمة القُرَّاء: سألتُ ابن عَيَّاشٍ وكانَ مُعلِّمًا ... لك الخيرُ هل في ضَمَّةِ الحِبِّ من وزْرِ؟ فقالَ أبو بكرٍ ولا في لِثَامه ... ألم يأْتِنَا التنزيلُ بالوَضْعِ للإصْرِ؟! وأنشدَ لآخرَ (٣) وكتبَ بها إلى الإمام أحمد بن حنبل، قال: وزعم

стр. 210

بعضُهم أنَّه إسحاق بن مُعاذ بن زهير شاعر أهل مصر في وقته: سألتُ إمام الناس نَجْلَ ابنِ حَنْبَلٍ ... عن الضَّمِّ والتَّقبيلِ هل فيه من باسِ؟ فقال إذا جلَّ العَزَاءُ فواجبٌ ... لأنَّكَ قد أحييتَ عبدًا مِن النَّاس وأنشد لابن مُرْخِيَةَ (١)، وكتبَ بها إلى أبي حنيفة: كتبنا إلى النعمانِ يومًا رسالةً ... نُسائِلُه عن لَثْمِ حِبٍّ مُمَنَّعِ فقالَ لنا لا إثمَ فيه وإنَّه ... شهيٌّ إذا كانتْ لِعَشْرٍ وَأَرْبَع وكتبَ رجل إلى أبي جعفر الطحاويِّ (٢): أبا جعفرٍ ماذا تقولُ فإنَّه ... إذا نابنا خَطْبٌ عَلَيْكَ المعَوَّلُ فلا تُنْكِرَنْ قولي وَأَبشرْ برحمةِ الـ ... إله عن الأمْرِ الَّذي عنه تُسألُ أبِالحُبِّ عارٌ أمْ مِن الحُبِّ مَهْرَبٌ ... وهلْ مَنْ لحا أمر الصَّبَابةِ يَجْهلُ؟ وهل بمُبَاحٍ فيه قَتْلُ مُتيَّمٍ ... يهاجِرُه أحبابُه وَهو يوصِلُ؟ [٤٥ أ] فرأْيَكَ في ردِّ الجَوابِ فإنَّني ... بما فيه تَقْضِي أيُّها الشَّيْخُ أفعلُ

стр. 211

فأجابه الطَّحاوي: سأقضي قضاءً في الذي عنه تَسأَلُ ... وأحكُمُ بين العاشِقَيْن فأعْدِلُ فديتُكَ ما بالحُبِّ عارٌ عَلِمْتُه ... بلِ العارُ تركُ الحُبِّ إِنْ كُنْتَ تَعقِلُ (١) ومهما لحَا في الحُبِّ لاحٍ فإنَّه ... لعمرُكَ عندي من ذَوي الجَهْل أجْهَلُ وليس مُباحًا عندنا قتلُ مُسْلِمٍ ... بلا تِرَةٍ بل قاتلُ النَّفسِ يُقْتَلُ ولكنَّه إنْ ماتَ في الحُبِّ لم يكنْ ... له قَوَدٌ فيه ولا عنه يُعقلُ وِصَالُكَ من تهوى وإنْ صدَّ واجبٌ ... عليكَ كذا حكمُ المُتيَّمِ يَفْعَلُ فهذا جوابٌ فيه عندي قناعةٌ ... لما جئتَ عنه أيُّها الصَّبُّ تَسْأَلُ ويكفي أنَّ المعتزلة مِنْ أشدِّ الناس تعظيمًا للذنوب، وهم يُخلِّدون أصحابَ الكبائر، ولا يَرَوْنَ تحريمَ ذلك، كما ذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه المشهور (٢) لبعض المعتزلة: سألنا أبا عثمان عَمْرًا وواصِلًا ... عن الضَّمِّ والتَّقبيلِ للخَدِّ والجِيْدِ فقالا جميعًا والَّذي هو عادلٌ ... يجوزُ بلا إثمٍ فدعْ قَوْلَ تفنيد وقال إسحاق بن شبيب (٣): سألنا شيوخَ الواسطيِّين كلَّهم ... عن الرَّشْفِ والتَّقبيلِ هل فيهما إثمُ؟

стр. 212

فقالُوا جميعًا ليس إثمًا لزوجةٍ ... ولا خُلَّةٍ والضَّمُّ من هذه غُنْمُ وأنشد أبو الحسن علي بن إبراهيم بن محمَّد بن سعد الخير في كتابه «شرح الكامل» (١): فلمَّا أنْ أُبيحَ لنا التَّلاقِي ... تعانَقْنا كما اعْتَنق الصَّدِيقُ وهل حرَجًا تَراهُ أو حَرامًا ... مَشوقٌ ضمَّه صَبٌّ مَشُوقُ؟! وقال الخطيب في تاريخ بغداد (٢): حدَّثنا أبو الحسن علي بن أيوب ابن الحسين إملاءً، حدَّثنا أبو عبيد الله المَرْزُبانيُّ وابن حَيَّويه وابن شاذان قالوا: حدّثنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن [٤٥ ب] عرفة نِفْطوَيْه، قال: دخلتُ على محمَّد بن داود الأصبهاني في مرضه الذي مات فيه، فقلت له: كيف تجدُك؟ قال: حبُّ مَنْ تَعْلَمُ أورثني ما ترى! فقلت له: ما منعك عن الاستمتاع به مع القدرة عليه؟ قال: الاستمتاعُ على وجهين: أحَدُهما: النظرُ المباح، والثاني: اللَّذَّة المحظورة، فأمَّا النظرُ المباحُ؛ فأورثني ما ترى، وذكرَ القِصَّة. وستأتي في باب عَفَافِ العُشَّاق.

стр. 213

والمقصود أنه لم يَرَ النظرَ إلى معشوقه ولا عِشْقَه حرامًا. وجرى على هذا المذهب أبو محمد بن حَزْم في كتاب «طوق الحمامة» له. قالوا: ونحن نحاكمُكم إلى واحدٍ يُعدّ بآلافٍ مؤلَّفةٍ، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية فإنَّه سُئل (١): ما تقول السَّادة الفقهاء ﵃ في رجل عاشقٍ في صورةٍ، وهي مُصِرَّةٌ على هجره منذ زمنٍ طويل، لا تزيده إلا بُعدًا، ولا يزداد لها إلا حُبًّا، وعشقُه لهذه الصُّورة من غير فسقٍ ولا خَنَا، ولا هو ممَّن يُدَنِّسُ عشقه بزنى، وقد أفْضى به الحالُ إلى الهلاكِ لا مَحالة؛ إن بقي مع محبوبه على هذه الحالة، فهل يَحِلّ لمن هذه حالُهُ أن يُهْجَرَ؟ وهل يجبُ وِصَالُه على المحبوب (٢) المذكور؟ وهل يأثم ببقائه على هجره؟ وماذا يجبُ من تفاصيل أمرهما؟ وما لكلِّ واحدٍ منهما على الآخر من الحقوق ممَّا يُوافقُ الشرعَ؟ فأجاب بخطِّه بجوابٍ طويل، قال في أثنائه: فالعاشقُ له ثلاثُ مقامات: ابتداءٌ، وتوسُّطٌ، ونهاية، أمَّا ابتداؤه فواجبٌ عليه فيه (٣) كتمانُ ذلك، وعدمُ إفشائه للخلق، مراعيًا في ذلك شرائط الفُتوَّة من العفَّة مع

стр. 214

القدرة، فإنْ زادَ به الحال إلى المقام الأوسط؛ فلا بأْس بإعلام محبوبه بمحبَّته (١) إيَّاه، فيخفَّ بإعلامه وشكواه إليه ما يجدُ منه، ويحذر من اطلاع الناس على ذلك، فإنْ زادَ به الأمرُ حتى خرجَ عن الحدود والضَّوابط التحقَ بالمجانين والموسوسين. فانقسمَ العشَّاقُ قسمين: قسمٌ قَنِعُوا بالنظرة بعد النَّظرة، فمنهم من يموتُ وهو كذلك، ولا يُظْهِرُ سِرَّه [٤٦ أ] لأحدٍ، حتى محبوبُه لا يدري به. وقد روي عن النبي ﷺ : «من عَشِقَ، فَعَفَّ، فكتمَ، فماتَ؛ فَهُوَ شَهِيدٌ» (٢). والقسمُ الثاني: أباحُوا لمن وصلَ إلى حدٍّ يُخاف على نفسه منه القُبْلَة في الحين، قالوا: لأنَّ تركها قد يُؤدِّي إلى هلاك النفس، والقُبلةُ صغيرةٌ وهلاكُ النفس كبيرةٌ. وإذا وقعَ الإنسان في مَرَضين داوَى الأخطرَ، ولا خطرَ أعظمُ منْ

стр. 215

قتل النفس، حتَّى أوجبوا على المحبوب مطاوعته على ذلك؛ إذا علمَ أنَّ تركَ ذلك يؤدِّي إلى هلاكه، واحتجُّوا بقول الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء/٣١] وبقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم/٣٢] وبحديث الذي قال: يا رسول الله! إني لقيتُ امرأةً أجنبيةً، فأصبت منها كلَّ شيءٍ إلَاّ النكاح. قال: «أصَلَّيت معنا؟» قال: نعم، قال: «إن الله قد غفر لك» (١) فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود/١١٤]. ثم قال (٢): فإنْ كان هذا السَّائلُ كما زعمَ مِمَّن لا يُدنِّسُ عِشْقَه بزِنى، ولا يَصْحبُه بِخَنَا (٣)، فَيُنْظَرُ في حاله، فإنْ كان من الطبقة الأولى؛ فالنظر كافٍ لهم؛ إن صدقت دعواهم. وإن كان من الطبقة الثانية فلا بأْس بشكواه إلى محبوبه؛ كي يَرِقَّ عليه ويرحَمَه، وإن غلبَ عليه الحال، فالتحقَ بالثالثة، أُبيح له ما ذكرنا بشرط ألَاّ يكون أُنْمُوذَجًا لفعل القبيح المحرَّم، فيلتحقَ بالكبائر ويستحق (٤) القتل عند ذلك، ويزولَ عنه
следующие страницы →