← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 417

روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (676 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فأجابه الطَّحاوي: سأقضي قضاءً في الذي عنه تَسأَلُ ... وأحكُمُ بين العاشِقَيْن فأعْدِلُ فديتُكَ ما بالحُبِّ عارٌ عَلِمْتُه ... بلِ العارُ تركُ الحُبِّ إِنْ كُنْتَ تَعقِلُ (١) ومهما لحَا في الحُبِّ لاحٍ فإنَّه ... لعمرُكَ عندي من ذَوي الجَهْل أجْهَلُ وليس مُباحًا عندنا قتلُ مُسْلِمٍ ... بلا تِرَةٍ بل قاتلُ النَّفسِ يُقْتَلُ ولكنَّه إنْ ماتَ في الحُبِّ لم يكنْ ... له قَوَدٌ فيه ولا عنه يُعقلُ وِصَالُكَ من تهوى وإنْ صدَّ واجبٌ ... عليكَ كذا حكمُ المُتيَّمِ يَفْعَلُ فهذا جوابٌ فيه عندي قناعةٌ ... لما جئتَ عنه أيُّها الصَّبُّ تَسْأَلُ ويكفي أنَّ المعتزلة مِنْ أشدِّ الناس تعظيمًا للذنوب، وهم يُخلِّدون أصحابَ الكبائر، ولا يَرَوْنَ تحريمَ ذلك، كما ذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه المشهور (٢) لبعض المعتزلة: سألنا أبا عثمان عَمْرًا وواصِلًا ... عن الضَّمِّ والتَّقبيلِ للخَدِّ والجِيْدِ فقالا جميعًا والَّذي هو عادلٌ ... يجوزُ بلا إثمٍ فدعْ قَوْلَ تفنيد وقال إسحاق بن شبيب (٣): سألنا شيوخَ الواسطيِّين كلَّهم ... عن الرَّشْفِ والتَّقبيلِ هل فيهما إثمُ؟

стр. 212

فقالُوا جميعًا ليس إثمًا لزوجةٍ ... ولا خُلَّةٍ والضَّمُّ من هذه غُنْمُ وأنشد أبو الحسن علي بن إبراهيم بن محمَّد بن سعد الخير في كتابه «شرح الكامل» (١): فلمَّا أنْ أُبيحَ لنا التَّلاقِي ... تعانَقْنا كما اعْتَنق الصَّدِيقُ وهل حرَجًا تَراهُ أو حَرامًا ... مَشوقٌ ضمَّه صَبٌّ مَشُوقُ؟! وقال الخطيب في تاريخ بغداد (٢): حدَّثنا أبو الحسن علي بن أيوب ابن الحسين إملاءً، حدَّثنا أبو عبيد الله المَرْزُبانيُّ وابن حَيَّويه وابن شاذان قالوا: حدّثنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن [٤٥ ب] عرفة نِفْطوَيْه، قال: دخلتُ على محمَّد بن داود الأصبهاني في مرضه الذي مات فيه، فقلت له: كيف تجدُك؟ قال: حبُّ مَنْ تَعْلَمُ أورثني ما ترى! فقلت له: ما منعك عن الاستمتاع به مع القدرة عليه؟ قال: الاستمتاعُ على وجهين: أحَدُهما: النظرُ المباح، والثاني: اللَّذَّة المحظورة، فأمَّا النظرُ المباحُ؛ فأورثني ما ترى، وذكرَ القِصَّة. وستأتي في باب عَفَافِ العُشَّاق.

стр. 213

والمقصود أنه لم يَرَ النظرَ إلى معشوقه ولا عِشْقَه حرامًا. وجرى على هذا المذهب أبو محمد بن حَزْم في كتاب «طوق الحمامة» له. قالوا: ونحن نحاكمُكم إلى واحدٍ يُعدّ بآلافٍ مؤلَّفةٍ، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية فإنَّه سُئل (١): ما تقول السَّادة الفقهاء ﵃ في رجل عاشقٍ في صورةٍ، وهي مُصِرَّةٌ على هجره منذ زمنٍ طويل، لا تزيده إلا بُعدًا، ولا يزداد لها إلا حُبًّا، وعشقُه لهذه الصُّورة من غير فسقٍ ولا خَنَا، ولا هو ممَّن يُدَنِّسُ عشقه بزنى، وقد أفْضى به الحالُ إلى الهلاكِ لا مَحالة؛ إن بقي مع محبوبه على هذه الحالة، فهل يَحِلّ لمن هذه حالُهُ أن يُهْجَرَ؟ وهل يجبُ وِصَالُه على المحبوب (٢) المذكور؟ وهل يأثم ببقائه على هجره؟ وماذا يجبُ من تفاصيل أمرهما؟ وما لكلِّ واحدٍ منهما على الآخر من الحقوق ممَّا يُوافقُ الشرعَ؟ فأجاب بخطِّه بجوابٍ طويل، قال في أثنائه: فالعاشقُ له ثلاثُ مقامات: ابتداءٌ، وتوسُّطٌ، ونهاية، أمَّا ابتداؤه فواجبٌ عليه فيه (٣) كتمانُ ذلك، وعدمُ إفشائه للخلق، مراعيًا في ذلك شرائط الفُتوَّة من العفَّة مع

стр. 214

القدرة، فإنْ زادَ به الحال إلى المقام الأوسط؛ فلا بأْس بإعلام محبوبه بمحبَّته (١) إيَّاه، فيخفَّ بإعلامه وشكواه إليه ما يجدُ منه، ويحذر من اطلاع الناس على ذلك، فإنْ زادَ به الأمرُ حتى خرجَ عن الحدود والضَّوابط التحقَ بالمجانين والموسوسين. فانقسمَ العشَّاقُ قسمين: قسمٌ قَنِعُوا بالنظرة بعد النَّظرة، فمنهم من يموتُ وهو كذلك، ولا يُظْهِرُ سِرَّه [٤٦ أ] لأحدٍ، حتى محبوبُه لا يدري به. وقد روي عن النبي ﷺ : «من عَشِقَ، فَعَفَّ، فكتمَ، فماتَ؛ فَهُوَ شَهِيدٌ» (٢). والقسمُ الثاني: أباحُوا لمن وصلَ إلى حدٍّ يُخاف على نفسه منه القُبْلَة في الحين، قالوا: لأنَّ تركها قد يُؤدِّي إلى هلاك النفس، والقُبلةُ صغيرةٌ وهلاكُ النفس كبيرةٌ. وإذا وقعَ الإنسان في مَرَضين داوَى الأخطرَ، ولا خطرَ أعظمُ منْ

стр. 215

قتل النفس، حتَّى أوجبوا على المحبوب مطاوعته على ذلك؛ إذا علمَ أنَّ تركَ ذلك يؤدِّي إلى هلاكه، واحتجُّوا بقول الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء/٣١] وبقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم/٣٢] وبحديث الذي قال: يا رسول الله! إني لقيتُ امرأةً أجنبيةً، فأصبت منها كلَّ شيءٍ إلَاّ النكاح. قال: «أصَلَّيت معنا؟» قال: نعم، قال: «إن الله قد غفر لك» (١) فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود/١١٤]. ثم قال (٢): فإنْ كان هذا السَّائلُ كما زعمَ مِمَّن لا يُدنِّسُ عِشْقَه بزِنى، ولا يَصْحبُه بِخَنَا (٣)، فَيُنْظَرُ في حاله، فإنْ كان من الطبقة الأولى؛ فالنظر كافٍ لهم؛ إن صدقت دعواهم. وإن كان من الطبقة الثانية فلا بأْس بشكواه إلى محبوبه؛ كي يَرِقَّ عليه ويرحَمَه، وإن غلبَ عليه الحال، فالتحقَ بالثالثة، أُبيح له ما ذكرنا بشرط ألَاّ يكون أُنْمُوذَجًا لفعل القبيح المحرَّم، فيلتحقَ بالكبائر ويستحق (٤) القتل عند ذلك، ويزولَ عنه

стр. 216

العُذر، ويحقَّ عليه كلمةُ العذاب. انتهى ما ذكرناه من جوابه. قالوا: وقد جوَّزت (١) طائفةٌ من فقهاء السَّلف والخلف استمناءَ الإنسان بيده إذا خافَ الزنى، وقد جوَّز طائفةٌ من الفقهاء لمن خاف على نفسه في الصَّوم الواجب من شدَّة الشَّبَق أن تتشقَّق أُنْثَيَاه أن يجامع امرأته، وبَنَوْا على ذلك فرعًا: وهو إذا كان له امرأتان حائضٌ وصائمة؛ فهل يطأُ هذه أو هذه علَى وجهين. ولا ريبَ أنَّ النظرَ والقبلة والضمَّ إذا تضمَّن شفاءَه مِنْ دائه؛ كان أسهلَ من الاستمناء باليد، والوطء في نهارِ رمضان. وقد جَوَّزَ بعضُ الفقهاء للمرأة إذا خافت الزنى أن تتَّخذ لها شيئًا تُدخله في فرجها، وتُخرجه؛ لئلا تقعَ في محظور الزنى. ولا ريبَ أنَّ الشَّريعةَ جاءت بالتزام (٢) الدُّخول في أدنى المفسدتين؛ دفعًا لأعلاهما، وتفويت أدنى المصلحتين؛ تحصيلًا لأعلاهما، فأينَ مفسدةُ النَّظرِ، والقبلةِ، والضمِّ من مفسدة المرض، والجنون، أو الهلاك جملةً؟! فهذا ما احتجَّت به هذه الفرقة، ونحن نذكر ما لها وما عليها في ذلك بحول الله وقوَّته.

стр. 217

الباب التاسع في الجواب عمَّا احتجَّت به هذه الطَّائفة، وما لها وما عليها في هذا الاحتجاج وشُبَهُهُمُ التي ذكروها دائرةٌ بين ثلاثة أقسام: أحدها: نُقولٌ صحيحةٌ لا حجَّة لهم فيها. الثاني: نُقولٌ كاذبةٌ عمَّن نُسبت إليه من وضع الفُسَّاق، والفُجَّار، كما سنبيِّنُه. الثالثُ: نُقولٌ مُجْمَلةٌ، محتملةٌ لخلاف ما ذهبوا إليه. فأمَّا احتجاجُهم بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف/١٨٥] فهو نَظيرُ احتجاجهم بعينه على إباحة السَّماع الشَّيطانيِّ الفِسْقيِّ بقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر/١٧ ــ ١٨]، قالوا: والقولُ عامٌّ، فحمَّلوا لفظَه ومعناه ما هو بريءٌ منه. وإنَّما القولُ ها هنا ما أمرَهم الله باستماعه، وهو وَحْيُهُ الذي أنزلَه علَى رسوله، وهو الذي قال فيه: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون/٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ [القصص/٥١]. فهذا هو القول الذي أُمروا باتِّباع أحسنِه، كما قال: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ

стр. 218

مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر/٥٥] والنَّظر الذي أمَرَنا سبحانه به النظر (١) المُؤَدِّي إلى معرفته، والإيمان به، ومحبَّته، والاستدلالِ على صدق رُسُله فيما أخبروا به عنه من أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وثوابه، وعقابه لا النظرُ الذي [٤٧ أ] يُوجب تعلُّق الناظر بالصُّورة التي يَحْرُمُ عليه الاستمتاع بها نظرًا ومباشرةً، فهذا النظر الذي أمرَ الله سبحانه صاحبه بغضِّ بصره، هذا مع أنَّ القومَ لم يُبْتَلَوْا بالمُرْدان، وهم كانوا أشرفَ نفوسًا، وأطهر قلوبًا من ذلك، فإذا أمرَهم بغضِّ أبصارِهم عن الصُّورة التي تُباح لهم في بعض الأحوال خشيةَ الافتتان، فكيف بالنظر (٢) إلى صورةٍ لا تُباح بحال؟ ثم يُقال لهذه الطائفة: النظر الذي ندبَ الله إليه نظرٌ يُثاب عليه الناظر، وهو نظرٌ مُوافقٌ لأمره، يقصدُ به معرفة ربِّه ومحبَّته، لا النظرُ الشَّيطانيُّ. ويُشبه هذا الاستدلال استدلال بعض الزنادقة المنتَسبين إلى الفقه على حِلِّ الفاحشة بمملوك الرَّجل، بقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون/٦]، ومُعْتَقِدُ ذلك كافرٌ حلالُ الدَّم بعد قيام الحُجَّة عليه، وإنما تستَّرت هذه الطائفةُ لهواها وشهواتها، وأوهمت أنَّها تنظُر عِبرةً، واستدلالًا، حتى آل ببعضِهُمُ الأمرُ

стр. 219

إلى أن ظنُّوا أنَّ نظرهم عبادةٌ؛ لأنَّهم ينظرون إلى مظاهر (١) الجمال الإلهيِّ، ويزعمون أنَّ الله عن قول إخوان النصارى ـ يظهر في تلك الصُّورة الجميلة، ويجعلونَ هذا طريقًا إلى الله، كما وقعَ فيه طوائفُ كثيرةٌ مِمَّن يدَّعي المعرفة والسُّلوك. قال شيخنا (٢) رحمه الله تعالى: وكفرُ هؤلاء شرٌّ من كفر قوم لوط، وشرٌّ من كفر عُبَّاد الأصنام، فإنَّ أولئك لم يقولوا: إنَّ الله سبحانه يتجلَّى في تلك الصُّور، وعُبَّادُ الأصنام غايةُ ما قالوه: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر/٣]، وهؤلاء قالوا: نعبدُهم؛ لأنَّ الله ظهرَ في صُوَرهم. وحكى لي شيخنا: أنَّ رجلًا من هؤلاء مرَّ به شابٌّ جميلٌ، فجعلَ يُتبعه بصرَه، فأنكرَ عليه جليسٌ له، وقال: لا يَصلُحُ هذا لمثلِكَ، فقال: إنِّي أرى فيه صفاتِ مَعبودي، وهو يظهر في [٤٧ ب] مظاهر جماله. فقال: لقد فعلتُ به وصنعتُ، فقال: وإن. قال شيخنا: فلعنَ الله أُمَّةً معبودُها مَوْطُوؤها. قال (٣): وسُئل أفضلُ متأخريهم العفيفُ التِّلِمْسَانيُّ، فقيل له: إذا كان الوجودُ واحدًا؛ فما الفرقُ بين الأُختِ، والبنتِ، والأجنبيَّةِ حتى تحِلَّ هذه وتحرمَ هذه؟! فقال: الجميعُ عندنا سواء، ولكنْ هؤلاء

стр. 220

المحجوبون قالوا: حرامٌ، فقلنا: حرامٌ عليكم. وَمِنْ هؤلاء الزنادقة مَنْ يخصُّ ذلك ببعض الصُّوَر، فهؤلاء من جنس النَّصارى بل هم إخوانُهم، فالنَّظرُ عند هؤلاءِ إلى الصُّور المحرَّمة عبادةٌ، ويشبه أن يكون هذا الحديثُ من وَضْعِ بعضِ هؤلاء الزَّنادقةِ، أو مُجَّانِ الفُسَّاق، وإلَاّ فرسولُ الله ﷺ بريءٌ منه. وسُئل شيخُنا (١) عَمَّنْ يقول: النظر إلى الوجه الحسن عبادةٌ، ويروي ذلك عن النَّبيِّ ﷺ ، فهل ذلك صحيحٌ أم لا؟ فأجابَ بأن قال: هذا كذبٌ باطلٌ، ومن روى ذلك عن النَّبيِّ ﷺ أو ما يُشبهه؛ فقد كذبَ عليه ﷺ ، فإنَّ هذا لم يَرْوِه أحدٌ من أهل الحديث، لا بإسنادٍ صحيح، ولا ضعيفٍ، بل هو من الموضوعات، وهو مخالفٌ لإجماع المسلمين، فإنَّه لم يقل أحدٌ: إنَّ النظر إلى المرأة الأجنبية والصَّبيِّ الأمردِ عبادةٌ. ومن زعمَ ذلك فإنَّه يُستتاب، فإن تابَ وإلا قُتل، فإنَّ النظرَ منه ما هو حرامٌ، ومنه ما هو مكروهٌ، ومنه ما هو مباحٌ، والله أعلم. وأمَّا الحديث الآخر، وهو: «اطْلُبُوا الخَيْرَ منْ حِسَانِ الْوُجوه» فهذا وإن كان قد رُوي بإسنادٍ، إلا أنَّه باطلٌ، لم يصحَّ عن رسول الله ﷺ .

стр. 221

ولو صحَّ لم يكن فيه حُجَّةٌ لهذه الطائفة، فإنَّه إنَّما أمرَ بطلب الخير منهم لا بطلب وِصَالهم، ونيل المحرَّم منهم، فإنّ (١) الوجه الجميل مَظِنَّةُ الفِعْل الجميل، فإنَّ الأخلاقَ في الغالب مناسبةٌ للخِلْقة، بينهما نسبٌ قريب. وأمَّا أمرُ النَّبيِّ ﷺ للخاطب بأن ينظر إلى المخطوبة؛ فذلك نظرٌ للحاجة، وهو مأمورٌ به أمْرَ استحبابٍ [٤٨ أ] عند الجمهور، وأمْرَ إيجاب عند بعض أهل الظَّاهر، وهو من النَّظر المأْذون فيه لمصلحةٍ راجحةٍ، وهو دخولُ الزَّوج على بصيرةٍ، وأبعدُ من ندمه ونُفْرَته عن المرأة، فالنَّظرُ المباحُ أنواعٌ، هذا أحدُها، بخلاف النظر إلى الصُّورة المحرَّمة. فصل وأما ما ذكره السمعانيُّ عن الشَّافعي رحمه الله تعالى فَمِن تحريف النَّاقل، والسَّائلُ لم يذكر لفظ الشَّافعيِّ، والبيتان هكذا هما (٢): سألتُ الفتى المكيَّ هل في تزاوُرٍ ... ونظرةِ مُشتاقِ الفؤاد جُناحُ؟ فقالَ مَعاذَ اللهِ أن يُذهبَ التُّقى ... تلاصُقُ أكبادٍ بهنَّ جراحُ فهذا السَّائل هو الذي ذكر السؤَال والجواب، وهو مجهولٌ لا يُعْرَف؛

стр. 222

هل هو ثقةٌ، أم لا؟ ثم إنَّ الجوابَ لا يَدُلُّ على مقصود هذه الفِرْقة بوجه ما، بل هو حجةٌ عليها، فإنَّه نهى أن يُذهبَ التُّقى تلاصُق هذه الأكباد، فكأنَّه قال: لا تتلاصق هذه الأكباد؛ لئلا يُذهبَ التُّقى تلاصقُها، فالتَّلاصقُ المذكور فاعلٌ، والتُّقى مفعولٌ، فكأنَّه قال: لا تفعل؛ لئلا يُذهب التلاصُق التُّقى. وجوابٌ آخرُ: وهو أنَّ هذا التَّلاصُق إنَّما يكون غيرَ مُذْهبٍ للتُّقى إذا كان في عِشْقٍ مُبَاحٍ، بل يُستحبُّ، كعشق الزوجة والأمة. وأمَّا ما ذكروا عن سعيد بن المسيَّب رحمه الله تعالى فقد أجاب عنه سعيدٌ نفسُه، فإنَّه لما مرّ به [جامع بن] (١) مُرْخِيَةَ ــ هذا السائلُ، وكان من بني كلاب ــ قال سعيد: هذا من أكذبِ العرب، قيل: كيف يا أبا محمد؟! قال أليس الذي يقول (٢): سألتُ سعيدَ بن المُسَيَّبِ مفتيَ الـ ... ـمدينةِ هل في حبِّ دَهماءَ مِنْ وِزْرِ؟ فقالَ سعيدُ بنُ المسيَّب إنَّما ... تُلام على ما تستطيع من الأمْر

стр. 223

كذبَ والله! ما سألني عن شيءٍ مِنْ هذا قطُّ، ولا أفتيتُه. وإذا كان هذا جواب سعيدٍ في مثل هذا؛ فما جوابُه لمن سأله أن يُقبِّل حبيبًا أجنبيًّا كلَّ يوم وليلةٍ عشرة؟ فقبَّح الله الفسقة الكذَّابين على العلماء، ولاسيَّما على مثل سعيدٍ، فهؤلاء كلُّهم فسقةٌ كاذبون، أرادوا تنفيق [٤٨ ب] فسقهم بالكذب على علماءِ وقتهم، كما نفَّق الفاسقُ أبو نُوَاس كذبه على إسحاق ابن يوسف الأزرق. قال عبيد الله بن محمد بن عائشة (١): أتيتُ إسحاق بن يوسف الأزرق يومًا، فلمَّا رآني؛ بكى، قلت: ما يبكيك؟ قال: هذا أبو نُوَاس، قلت: ما لَه؟ قال: يا جاريةُ! ائتيني بالقرطاس، فإذا فيه مكتوبٌ: يا ساحرَ المُقلتين والجِيْد ... وقاتِلي مِنْهُ بالمَواعيدِ تُوعِدُني الوَصْلَ ثم تُخْلِفُني ... ويْلاه مِن مُخْلِفٍ لموْعُودي حدَّثني الأزرقُ المُحَدِّث عن ... شِمْرٍ وَعَوْفٍ عن ابن مسعودِ لا يُخلفُ الوعدَ غيرُ كافرةٍ ... أو كافرٍ في الجَحِيْم مَصْفُود كذب والله عليَّ، وعلى التابعين، وعَلَى الصَّحابة! ولو صحَّ عنْ سعيد لم يكن لكم فيه حُجَّةٌ، فإنَّ سعيدًا أمره بالصَّبْر

стр. 224

أوَّلًا، ومراقبةِ الله، وخوفِ سَطْوَتِه، ومخالفةِ الفَسَقَةِ، ثمَّ أمره بتقبيل خدِّ من يحبُّه كلَّ يوم عشر مرات، وهذا قطعًا إنَّما أراد به مَنْ يَحِلُّ له تقبيلُه من زوجةٍ، أو سُرِّية، فأمرَه أن يعتاضَ بقُبلتها عن قُبْلة من لا تحلُّ له، ولا يَظُنُّ بعلماء الإسلام غير هذا إلا مُفْرِطٌ في الجهْلِ، أو مُتَّهَمٌ على الدِّين. وأمَّا ما ذكره المبرِّد عن الأعرابيّ الذي سأل الفتى المكيَّ عن القُبلة في رمضان، فقال: للزَّوجة سبعٌ، وللخُلَّة ثمان، فهذا المُستفتي والمُفتي لا يُعرَف واحدٌ منهما حتَّى يُقْبل خبرُه، ولو صحَّ ذلك، وعُرف المستفتي والمُفتي؛ لكانت الخُلَّةُ هي أمَته الجميلة، وهي التي يَحِلُّ تقبيلُها ثمانيًا فأكثر. وأما أن يُفتيَ أحدٌ من أهل الإسلام بأنَّه يحِلُّ تقبيلُ المرأة الأجنبية المحرَّمة عليه ثمانيًا في رمضان، فمعاذ الله من ذلك!. وهكذا حكمُ الأثر الذي ذكره (١) الخطيبُ في كتاب «رواة مالك»، ولا يُظَنُّ بعالم أنَّه تمنَّى أن يقبِّل امرأةً أجنبيةً وهو مُحْرِم ببطن مِنًى؛ فإنَّ القُبلة المذكورة تُعَرِّضُ الحجَّ للفساد، وتُبطلهُ عند طائفة، فإن صحَّ هذا فإنَّما أراد امرأته، أو أمته. وأمَّا الأثر الذي [٤٩ أ] ذكره الحاكم في مناقب الشَّافعي رحمه الله تعالى فليس بين الحاكم وبين الرَّبيع من يُحْتَجُّ به، ويدلُّ على أنَّ القِصَّة

стр. 225

كذب ظاهرٌ أنَّ المُستفتي زعم: أنَّ الشافعيَّ أجاب بقوله: فقال لي المُفتي وفاضت دموعُه وهذا إنَّما هو حكاية المُستفتي قول المُفتي، فمن هو الحاكي عن الشَّافعيِّ؟ فدَعُوا هذه الأكاذيب والتُّرَّهات! وأما ما ذكرتم عن عمرو بن سفيان بن بنت جامع، فمن ذكر هذا عن عمرو؟ ومن عمرو بن سفيان ابن بنت جامع بن مُرْخيَة هذا؟ وهذا موضعُ البيتين المشهورين (١): سألْنا عن ثُمالَة كلَّ حيٍّ ... فقال القائلون: ومنْ ثُمَالَهْ؟ فقلتُ محمَّدُ بن يزيدَ منهم ... فقالُوا زدتَنا بهمُ جَهالهْ وهل يحلُّ لأحدٍ أن يُصدِّق عن مالكٍ والليثِ بن سعد أنَّهما أجازا تقبيلَ خدِّ المرأة الأجنبية المعشوقة، أو خدِّ الأمرد الجميل الصُّورة؟ هذا وقصَّةُ مالك مع الذي ضمَّ صبيًا إليه، فأفتى بضربه ستمئة سوطٍ، فمات، فقال له أبو الفتى: قتلت ابني! فقال: قتلَه الله. فمن هذا تشديدُه وفتواه؛ هل

стр. 226

يُفتي بجواز تقبيل خدود المُرْد الحِسان؟ نعم ما حرَّم الرحمنُ قُبلةَ عاشقٍ يَحِلُّ لمعشوقه مواصلتُه، ولا قُبلة الرَّجل خدَّ ولده، كما قبَّل أبو بكر الصدِّيق ﵁ خدَّ ابنته عائشة ﵂. ورأى أعرابيٌّ النَّبيَّ ﷺ يُقبِّل أحد ابنيْ ابنته فقال: وإنكم لتُقبِّلون الصِّبيان؟ إن لي عشرةً من الولد ما قبَّلتُهم! فقال: «أوَ أمْلِكُ إن نزَعَ الله الرَّحْمَة منْ قلْبِك» (١). وأما صاحبُ كتاب «رُسْتاق الاتفاق» وهو شاعر المصريين، فلعمرُ الله لقد أفسدْتَ؛ إذ أسندتَ، فإنَّه الفاسقُ الماجنُ المسمى أبا الرّقَعْمَق، ولكن لا يُنكر هذا المتنُ بهذا الإسناد، فإنَّه لا يليق إلَاّ به. وأمَّا قِصَّة إبراهيم بن المدبَّر عن أبي بكر بن عيَّاش، فنقلٌ غير مُصدَّقٍ عن قائلٍ غيرِ معصوم. وأمَّا ما ذكروا عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى فو الذي لا إله غيرُه إنَّه لمنْ أقبح الكذب عليه! [٤٩ ب] ولو أنَّ هذا الكاذبَ الفاسق نفَّق هذه الكذبة بغيره؛ لراج أمرُها بعض الرَّواج، ولكن منْ شدَّة جهله نفَّقها بأحمد بن حنبل، وهو كمن ينسب إليه القولَ بأنَّ القرآن مخلوقٌ، أو تقديمَ عليٍّ على أبي بكر، أو تقديمَ الرأْي على السُّنَّة، وأمثالَ ذلك. وكذلك ما ذُكِر عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ولو صحَّ لم تكن فيه

стр. 227

حجَّةٌ لهذه الطائفة، فإنَّه قال: لا إثمَ فيه إذا كانت لعشرٍ وأربع، ولم يقل إذا كانت أجنبيةً، ونحن نقول بما قال به أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إذا كان المعشوق حلالًا. وأمَّا ما ذُكر عن الطحاويِّ؛ فلا نعلم صحته عنه، وإن صحَّ فإنما أراد به التقبيلَ المباح، فإنَّ الرجل قد يُبتلى بهجر زوجته، أو أمَته له، فيسألُ أطبَّاءَ الدِّين، وأطباءَ الجِسْم، وأطباءَ الحبِّ عن دوائه، فيجيبه كلٌّ منهم بمقتضى علمِه، وما عندَه. وقد شكا مُغِيثٌ زوجُ بَرِيرَة حبَّه لها فشفعَ عندَها [النبيُّ ﷺ ] أن تراجعَه، فلم تفعل (١). وشكا إليه رجلٌ أنَّ امرأَته لا تردُّ يدَ لامسٍ، فقال: «طلِّقها» فقال: إنِّي أخافُ أن تتبعَها نفسي، فقال: «استمتعْ بها». ذكره الإمام أحمد والنَّسائيُّ (٢). قال بعضُ أهل العلم: راعى النبيُّ ﷺ دفعَ أعلى المفسدتين

стр. 228

بأدناهما، فإنه لما شكا إليه أنَّها لا ترُدُّ يدَ لامسٍ؛ أمرَه بطلاقها، فلمَّا أخبرَه عن حبِّها وأنَّه يخافُ ألَاّ يصبِرَ عنها، ولعلَّ حبَّه لها يدعوه إلى معصيةٍ؛ أمره أن يمسكها؛ مداواةً لقلبه، ودفعًا للمفسدة التي يخافُها باحتمال المفسدة التي يشتكي منها. وأجاب أبو عبيد عنه بأنّها كانت لا ترُدُّ يدَ لامسٍ يطلبُ منها العطاء، فكانت لا تَرُدُّ يد من سألها شيئًا من مال الزَّوج، ورُدَّ عليه هذا التأْويل بأنَّه لا يُقال لطالب العطاء: لامسٌ، وإنَّما يقال له: ملتمسٌ. وأجابت طائفة أُخرى عنه بأنَّ طريان المعصية على النكاح لا تُوجب فساده. وقال النَّسائيُّ: هذا الحديث مُنكر. وعندي أنَّ له وجهًا غيرَ هذا كلِّه، فإنَّ الرَّجل لم يشكُ من المرأة أنَّها تزني بكلِّ مَنْ أراد ذلك منها، ولو [٥٠ أ] سألَ عن ذلك لما أقرَّه رسولُ الله ﷺ على أن يقيم مع بَغِيٍّ، ويكون زوج بَغيٍّ دَيُّوثًا، وإنَّما شكا إليه أنَّها لا تجذِبُ نفسها مِمَّن لاعبَها، ووضع يده عليها، أو جذبَ ثوبها، ونحو ذلك، فإنَّ من النِّساء من تلين عند الحديث واللَّعب ونحوه. وهي حَصانٌ عفيفةٌ إذا أُريد منها الزنى، وهذا كان عادة كثيرٍ من نساء العرب، ولا يَعُدُّون ذلك عيبًا، بل كانوا في الجاهلية يرون للزَّوج النِّصفَ الأسفلَ، وللعشيق النصف الأعلى (١).

стр. 229

فللحِبِّ ما ضمَّتْ عليه نِقابَها ... وللبَعْلِ ما ضُمَّتْ عليه المآزِرُ والمقصودُ أنَّ القومَ كانوا مع العاشق على معشوقه إذا كان يُباح له وصالُه، وسنذكر ذلك في باب: مساعدة العشَّاق بالمُباح من التَّلاقِي إن شاء الله تعالى. وأمَّا ما ذكروا عن شيوخ المعتزلة، وشيوخ الواسطيِّين، فأبو عثمان المذكور هو عمرو بن عُبيد، وواصلٌ هو واصلُ بن عطاء، وهما شيخا القوم، ولو أفتيا بذلك لكانت فُتْيا من مبتدعَيْن مذمومَيْن عند السَّلَفِ والخَلف، فكيف والمخبرُ بذلك رجلٌ مجهولٌ من المعتزلة، كذبَ على من يُعظِّمُهما المعتزلةُ؛ لينفِّقَ فِسْقَه؟ وأمَّا قصَّة محمد بن داود الأصبهانيِّ؛ فغايتُها أن تكونَ من سعيه المغفور، لا من عمله المشكور، وسلَّط الناس بذلك على عرضِه، والله يغفر لنا وله، فإنه تعرَّض بالنظر إلى السَّقم الذي صار به صاحب فِراش، وهذا لو كان مِمَّن يُباح له؛ لكان نقصًا وعيبًا، فكيف من صبيٍّ أجنبيٍّ؟ وأرضاه الشيطان بحبِّه والنظر إليه عن مواصلتِه، إذ لم يطمع في ذلك منه، فنالَ منه ما عرَف أنَّ كيدَه لا يتجاوزه، وجعله قدوةً لمن يأْتَمُّ به بعده كأبي محمد بن حزم الظاهريِّ وغيره، وكيدُ الشيطان أدقُّ من هذا. وأمَّا أبو محمد فإنَّه على قدر يُبْسه وقَسْوته في التمسُّك بالظاهر، وإلغائه المعاني والمناسبات والحِكَم والعِلَل الشَّرعية، انماعَ في باب العشق والنظر وسماع الملاهي [٥٠ ب] المحرَّمة، فوسَّع هذا الباب جدًّا،

стр. 230

وضيَّق بابَ المناسبات، والمعاني، والحِكَم الشرعية جدًّا، وهو من انحرافه في الطَّرفين حتى ردَّ الحديث الذي رواه البخاريُّ في صحيحه (١) في تحريم آلات اللهو بأنَّه معلَّق غيرُ مسْنَد، وخَفِيَ عليه: أنَّ البخاريَّ لقي من علَّقه عنه، وسمع منه، وهو هشام بن عمَّار، وخفي عليه: أنَّ الحديث قد أسنده غير واحدٍ من أئمَّة الحديث عن هشام بن عمَّار (٢)، فأبطل سُنَّةً صحيحةً ثابتةً عن رسول الله ﷺ لا مَطْعَنَ فيها بوجهٍ. وأمَّا مَنْ حاكمونا إليه وهو شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فنحن راضون بحكمه، فأين أباحَ لكم النظر المحرَّم، وعِشْقَ المُردان، والنِّساء الأجانب؟ وهل هذا إلا كذبٌ ظاهر عليه؟ وهذه تصانيفُه وفتاواه كلُّها ناطقةٌ بخلاف ما حكيتموه عنه؟ وأما الفُتْيا التي حكيتموها؛ فكذبٌ عليه، لا تُناسب كلامَه بوجهٍ، ولولا الإطالة لذكرناها جميعَها حتى يعلمَ الواقف عليها: أنَّها لا تصدُر عمَّن دونه فضلًا عنه، وقلت لمن أوقفني عليها: هذه كذبٌ عليه، لا تُشبه كلامه، وكان بعض الأُمراء قد أوقفني عليها قديمًا، وهي بخط رجلٍ متَّهَمٍ بالكذب، وقال لي: ما كنت أظنُّ الشيخَ برِقَّة هذه الحاشية، ثمَّ تأملتُها فإذا هي كذبٌ عليه، ولولا الإطالة

стр. 231

لذكرنا من فتاويه ما يُبيِّن: أنَّ هذه كذب. وأمَّا ما ذكرتُم من مسألة التزام أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما؛ فنحن لا ننكر هذه القاعدة، بل هي من أصحِّ قواعد الشريعة، ولكنَّ الشأن في إدخال هذه الصورة فيها، ونحن نحاكمكم إلى هذه القاعدة نفسها، فإنَّ احتمال مفسدة ألم الحبِّ مع غضِّ البصر، وعدم تقبيل المحبوب، وضمِّه، ونحو ذلك أقلّ من مفسدة النَّظر والتَّقبيل، فإنَّ هذه المفسدة تَجُرُّ إلى هلاك القلب وفساد الدين، وغايةُ ما يُقَدَّر من مفسدة الإمساك عن ذلك سقمُ الجسد، أو الموتُ تفاديًا عن التعرُّض للحرام، [٥١ أ] فأين إحدى المفسدتين من الأخرى؟ على أنَّ النظر، والقُبلة، والضمَّ لا يمنع السُّقم والموت الحاصل بسبب الحبِّ، فإنَّ الْعِشْقَ يزيدُ بذلك، ولا يزول. فما صبابَةُ مشتاقٍ على أمَلٍ ... من الوِصال كمشتاقٍ بلا أمَلِ (١) ولا ريب أنَّ محبَّة من طَمِعَ أقوى من محبَّة من يئس من محبوبه، ولهذا قيل: وأبرحُ ما يكونُ الحبُّ يومًا ... إذا دَنتِ الدِّيارُ من الدِّيارِ (٢) فإن قيل: فقد أباح الله سبحانه للمُضطر الميتةَ، والدَّمَ، ولحمَ

стр. 232

الخنزير، وتناوُلُها في هذا الحال واجبٌ عليه. قال مسروق والإمام أحمد رحمهما الله تعالى: من اضْطُرَّ إلى أكل الميتة، فلم يأكلْ، فماتَ؛ دخل النَّار، فغايةُ النَّظرة، والقُبْلة، والضَّمة أن تكون محرَّمةً، فإذا اضْطُرَّ العاشق إليها، فإن لم تكن واجبةً، فلا أقلَّ من أن تكون مباحةً، فهذا قياسٌ واعتبارٌ صحيح، وأين مفسدةُ موتِ العاشق إلى مفسدة ضمِّه، ولثمه؟ فالجواب: أنَّ هذا يتبين بذكر قاعدة، وهي: أنَّ الله لم يجعل في العبد اضطرارًا إلى الجماع، بحيث إن لم يفعلْه؛ مات، بخلاف اضطراره إلى الأكل، والشرب، واللباس، فإنَّه من قِوام البدن؛ الذي إن لم يباشره؛ هلك. ولهذا لم يُبحْ من الوَطْءِ الحرام ما أباح من تناوُل الغذاء والشراب المحرَّم، فإنَّ هذا من قبيل الشهوة واللَّذة؛ التي هي تتمةٌ وفَضْلَة، ولهذا يمكن الإنسانَ أن يعيش طول عمره بغير تزوُّج، وغير تَسَرٍّ، ولا يمكنه أن يعيش بغير طعام ولا شرابٍ، ولهذا أمر النَّبيُّ ﷺ الشباب أن يداووا هذه الشَّهوة بالصَّوم (١)، وقال تعالى عن عشَّاق المُرْدان: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [الأعراف/٨١]. فأخبر أنَّ الحامل على ذلك مجرَّدُ الشهوة، لا الحاجةُ، فضلًا عن

стр. 233

الضَّرورة، و الشَّهوةُ المجرَّدة لا تلتحق بالضرورات، ولا بالحاجات ، والحِمْيَةُ [٥١ ب] عنها خشيةَ إفضائها إلى مرضٍ أصعبَ منها، جارٍ مجرى الحمية عن تناول ما يضرُّ من الأطعمة والأشربة، وذلك لا تدعو الضرورةُ إلى تناوُله؛ وإنْ كانت النفسُ قد تشتهيه، فالقُبْلة، والنَّظرُ، والضَّمُّ، ونحوها جارٍ مجرى تناول الفاكهة المضرَّة، والزَّفرِ المُضرِّ للمحموم، وَمن به مرض يضرُّه معه تناولُ ذلك. فإذا قال المريض: أنا إنْ لم أتناول ذلك، وإلا خشيتُ الموت لم يكن صادقًا في قوله، وإنما الحاملُ له على ذلك مجردُ الشهوة، وربما زاد تناول ذلك في مرضه، فالطبيبُ الناصح لا يفسحُ له فيه، فكيف يفسحُ الشارع الحكيم الذي شريعته غاية طبِّ القلوب والأديان، وبها تُحفظ صحَّتُها، وتدفع موادُّها الفاسدة في تناوُل ما يزيد الدَّاء ويقوِّيه ويمدُّه؟ هذا من المُحال، بل الشريعةُ تأْمر بالحِمْيَةِ عن أسباب هذا الدَّاء؛ خوفًا من استحكامه، وتولُّدِ داءٍ آخر أصعبَ منه. وأمَّا مسألة مَنْ خاف تشقُّق أُنْثَيَيْه، وأنَّه يباح له الوَطْءُ في رمضان؛ فهذا ليس على إطلاقه، بل إنْ أمكنه إخراجُ مائه بغير الوَطءِ لم يجُزْ له الوَطءُ بلا نزاع، وإن لم يمكنه ذلك إلا بالوطء المباح؛ فإنَّه يجري مجرى الإفطار لعذر المرض، ثمَّ يقضي ذلك اليوم، والإفطار بالمرض لا يتوقَّف على خوف الهلاك، فكيف إذا خاف تلف عُضو من أعضاء القايل، بل هذا نظيرُ من اشتدَّ عطشه، وخاف إن لم يشرب أن يَحْدُثَ له داءٌ من الأدواء، أو يتلفَ عضوٌ من أعضائه، فإنَّه يجوز له الشربُ، ثم

стр. 234

يقضي يومًا مكانه. فإنْ قيل: فلو اتفق له ذلك، ولم يكن عنده إلَاّ أجنبيةٌ؛ هل يُباح له وَطْؤُها؛ لئلا تتلف أُنْثَيَاه؟ قيل: لا يُباح له ذلك، ولكن له أن يُخرج ماءه باستمنائه، فإن تعذَّر عليه، فهل يجوز له أن يمكنها من استخراج مائه بيدها؟ هذا فيه نظر، فإن أُبيح؛ جرى مجرى تطبيب المرأة الأجنبية للرَّجل، ومسِّها منه ما تدعو الحاجة إلى مَسِّه، وكذلك تطبيبُ [٥٢ أ] الرَّجل للمرأة الأجنبية، ومسُّه ما تدعو الحاجة إليه، والله أعلم. وقد سُئل أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكَلْوَذاني في رقعة: قلْ لأبي الخَطَّاب نجمِ الهُدى ... وقدْوةِ العالمِ في عَصْرِهِ لازلتَ في فتواكَ مستأْمنًا ... مِن خُدَع الشيطانِ أو مَكْرهِ ماذا ترى في رَشَأٍ أَغْيَدٍ ... حازَ اللَّمى والدُّرَّ في ثَغْرهِ لَمْ يَحْكِ بدرَ التِّمِّ في حُسْنِه ... حتَّى حكَى الزُّنْبُورَ في خَصْرهِ فهلْ يُجيزُ الشَّرعُ تقبيلَه ... لمُسْتَهامٍ خافَ مِنْ وِزْرهِ أم هَلْ عَلَى المُشْتاقِ في ضَمِّه ... مِنْ غير إدناءٍ إلى صَدْرهِ الشربإثمٌ إذا ما لَمْ يكنْ مُضْمِرًا ... غَيْرَ الَّذي قدَّم مِن ذِكْرِه؟ فأجاب: يا أيُّها الشَّيخُ الأديبُ الَّذي ... قَدْ فاقَ أهلَ العَصْرِ في شعرِه

стр. 235

تسألُ عَنْ تقبيل بَدْرِ الدُّجى ... وعَطْفِ زَنْدَيْك عَلَى نَحْرِه هلْ وردَ الشَّرعُ بتحليله ... لمُستهامٍ خاف مِنْ وِزْرِه؟ منْ قارفَ الفتْنَة ثمَّ ادَّعى الـ ... ـعصمةَ قدْ نافق في أمرهِ هل فتنةُ المرْءِ سوى الضمِّ والتَّـ ... ـقبيل للحِبِّ عَلَى ثَغْرهِ؟! وهل دواعي ذلك المُشتَهى ... إلا عِنَاقُ البَدْرِ في خِدْرهِ؟! وبذْلُه ذاكَ لمشتاقِه ... يُزريْ على هاروت في سِحْره ولا يُجيزُ الشَّرْعُ أسباب ما ... يورِّط المُسْلِمَ في حظْره فانجُ ودعْ عنكَ صُدَاع الهوى ... عسَاكَ أنْ تَسْلَمَ مِنْ شرِّه (١) هذا جوابُ الكَلْوَذَانِيِّ قَدْ ... جاءَكَ يرجُو الله في أجْرِه فهذا جواب أهل العلم، وهو مطابقٌ لما ذكرناه، والله تعالى أعلم. وسئل (٢) الإمام أبو الفرج بن الجوزيِّ ﵀ بأبيات: يا أيُّها العالمُ ماذا تَرى ... في عاشقٍ ذابَ من الْوَجْدِ؟ منْ حبِّ ظبيٍ أغيدٍ أهيفٍ ... سهْل المُحَيَّا حَسَنِ القدِّ فهلْ ترى تقبيله جائزًا ... في الفَمِ والعَيْنَين والخدِّ

стр. 236

مِنْ غيرِ ما فُحْشٍ ولا ريبةٍ ... بل بعناقٍ جائزِ الحدِّ إنْ كنتَ ما تُفتِي فإنِّي إذًا ... أصيحُ من وَجْدي وأسْتعدي؟ فكتب رحمه الله تعالى الجواب: يا ذا الذي ذابَ من الوَجْد ... وظلَّ في ضُرٍّ وفي جَهْدِ اسمعْ فَدَتْكَ النَّفْسُ مِنْ ناصحٍ ... بنصحِه يَهْدِي إلى الرُّشْدِ لو صحَّ منك العِشْقُ ما جئتني ... تسألُني عنه وتَسْتَعْدِي فالعاشقُ الصَّادقُ في حُبِّه ... ما باله يسألُ ما عِنْدي غيَّبَه العِشْقُ فَمَا إنْ يُرى ... يعيدُ في العِشْقِ ولَا يُبْدي وكلُّ ما تَذْكُرُ مستفتيًا ... حرَّمَه الله على العَبْدِ إلا لِمَا حلَّله ربُّنا ... في الشَّرعِ بالإبرام والعَقْدِ فَعَدِّ عن طُرْق الهوى مُعْرِضًا ... وقفْ ببابِ الواحدِ الفَرْدِ وسَلْه يَشْفيْكَ ولا يَبتلي ... قلبَكَ بالتَّعذيبِ والصَّدِّ وعِفَّ في العِشْقِ ولا تُبْدِهِ ... واصْبِرْ وَكاتمْ غايَةَ الجُهْدِ فإن تَمُتْ مُحتسبًا صابِرًا ... تفُزْ غدًا في جنَّة الخُلْد

стр. 237

الباب العاشر في ذكر حقيقة العشق وأوصافه [٥٢ ب] وكلام النَّاس فيه (١) فالَّذي عليه الأطباء قاطبةً: أنَّه مرض وَسْوَاسي شبيهٌ بالماليخوليا، يَجْلِبُهُ المرءُ إلى نفسه بتسليط فكره على استحسانِ بعض الصُّور والشمائل، وسببُه النفسانيُّ: الاستحسانُ والفكر، وسببُه البَدَنيُّ: ارتفاعُ بخارٍ رديءٍ إلى الدِّماغ من مَنِيٍّ مُحْتَقِنٍ، ولذلك أكثر ما يعتري العُزَّاب، وكثرةُ الجماع تزيلهُ بسرعة. وقال بعضُ الفلاسفة (٢): العشق طمعٌ يتولَّد في القلب، ويتحرَّك، ويَنْمي، ثم يَتربَّى، وتجتمعُ إليه موادُّ من الحرص، وكلَّما قويَ؛ ازداد صاحبُه في الاهتياج واللَّجاج والتَّمادي في الطمع والحرص على الطَّلب، حتى يؤديه ذلك إلى الغمّ والقلق (٣)، ويكون احتراقُ الدَّم عند ذلك باستحالته إلى السوداء، والتهاب الصَّفراء، وانقلابها إليها. ومن غلبَتْهُ السَّوداء يحصُلُ له فساد الفكر، ومع فساد الفكر يكون زوالُ العقل، ورجاءُ ما لا يكون، وتمنِّي ما لا يتمّ، حتى يؤدِّيَ ذلك إلى

стр. 238

الجنون، فحينئذٍ ربَّما قتل العاشقُ نفسه، وربَّما مات غمًّا، وربَّما نظرَ إلى معشوقه، فمات فرحًا، وربما شَهِقَ شَهْقَةً فتختنق رُوحُه، فيبقى أربعًا وعشرين ساعةً فيُظَنُّ: أنَّه قد ماتَ، فيدفن وهو حيّ، وربَّما تنفَّس الصُّعداء، فتختنق نفسُه في تَامُور قلبه، وينضمُّ عليها القلبُ، ولا ينفرج حتى يموت، وتراه إذا ذُكر له مَنْ يهواه؛ هرب دمُه، واستحال لونُه. وقال أفلاطون: العِشْق حركةُ النَّفس الفارغة. وقال أرسطاطاليس: العِشْقُ عمى الحِسِّ عن إدراك عيوب المحبوب. ومن هذا أخذ جرير قوله (١): فلست براءٍ عيبَ ذي الودِّ كلَّه ... ولا بعضَ ما فيه إذا كنتُ راضيا فعينُ الرِّضا عن كلِّ عيبٍ كَليلَةٌ ... ولكنَّ عينَ السُّخط تُبْدِي المَساويا وقال أرسطو: العشقُ جهلٌ عارضٌ، صادفَ قلبًا فارغًا لا شُغْل له من تجارةٍ وصناعةٍ. وقال غيره (٢) هو سوءُ اختيارٍ صادفَ نفسًا فارغة.

стр. 239

قال [٥٣ أ] قيس بن الملوَّح (١): أتاني هَواها قبلَ أنْ أعرِفَ الهوى ... فَصَادَفَ قلبًا خاليًا فتمكَّنًا وقال بعضُهم (٢): لم أرَ حقًّا أشبه بباطلٍ، ولا باطلًا أشبَهَ بحقٍّ من العِشْق، هزلُه جِدٌّ، وجِدُّه هزلٌ، وَأَوَّلُه لَعِبٌ، وآخرُه عَطَبٌ. وقال الجاحظ (٣): العِشْقُ اسمٌ لما فَضَل عن المحبَّة، كما أنَّ السَّرَف اسم لما جاوزَ الجود، والبُخلَ اسمٌ لِمَا جاوزَ الاقتصاد، فكلُّ عشقٍ يُسمَّى حبًّا، وليس كل حبٍّ يُسمَّى عِشْقًا، والمحبةُ جنسٌ، والعشقُ نوعٌ منها. ألا ترى أنَّ كلَّ محبَّةٍ شوقٌ، وليس كلُّ شوق محبةً؟ وقالت فرقةٌ أُخرى: العِشْقُ هو الاستهيام، والتضرُّع، واللَّوَذَانُ بالمعشوق. والوَجْدُ هو الحب الساكن. والهوى أن يهوى الشَّيء فيتبعه، غيًّا كان أو رشدًا، والحُبُّ حرفٌ ينتظم هذه الثلاثة. وقال المأمون ليحيى ابن أكثم (٤): ما العشقُ؟ فقال: سوانحُ تسنح للمرء، فيهيم بها قلبُه وتؤثرُها

стр. 240

نفسُه. فقال له ثُمامةُ بن أشرس: اسكت يا يحيى! إنَّما عليك أن تجيب في مسألة طلاق، أو مُحْرِم صاد ظبيًا، فأمَّا هذه فمن مسائلنا نحن! فقال له المأمون: قل يا ثُمامة! قال: العشقُ: جليسٌ مُمْتِع، وأليِفٌ مُؤْنِسٌ، وصاحبُ ملكٍ مسالكه لطيفةٌ، ومذاهبه غامضةٌ، وأحكامُه جاريةٌ، ملكَ الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعقول وآراءها، قد أُعطي عِنان طاعتها، وقوَّة تصرفها، توارى عن الأبصار مَدْخَلُه، وعَمِيَ في القلوب مسلكُه. فقال له المأمون: أحسنت يا ثُمامة! وأمر له بألف دينار. وقال بعضهم (١): قلتُ لمجنون قد أذهبَ عقلَه العشْقُ: أَجِزْ هذا البيت: وما الحبُّ إلا شُعْلَةٌ قدحتْ بها ... عيونُ المها باللَّحْظِ بين الجوانح فقال بديهًا: ونارُ الهوى تخفى وفي القلب فعلُها ... كَفِعْلِ الَّذي جاءتْ به كفُّ قادح وقال الأصمعيُّ (٢): سألت أعرابيًّا عن العشق فقال: جلَّ والله عن أن

стр. 241

يُرى! وخَفِي [٥٣ ب] عن أبصار الورى، فهو في الصُّدور كامنٌ ككُمون النار في الحجر، إن قُدح؛ أورى، وإن تُرك؛ تَوارى. وقال بعضُهم (١): العشقُ نوعٌ من الجنون، والجنون فنونٌ، فالعِشْق فنٌّ من فنونه. واحتجَّ بقول قيس (٢): قالوا جُنِنْتَ بِمَنْ تَهوى فقلتُ لهم ... العِشْقُ أعظمُ مِمَّا بالمجانينِ العِشْقُ لا يستفيقُ الدَّهرَ صاحبُه ... وإنَّما يُصْرَع المجنونُ في الحين وقال آخر (٣): إذا امتزجت جواهرُ النُّفوس بوصف المشاكلة؛ أنتجت لمح نورٍ ساطعٍ تستضيءُ به النَّفسُ في معرفة محاسنِ المعشوق، فتسلك طريق الوصول إليه. وقال أعرابيٌّ: العِشْقُ أعظمُ مسلكًا في القلب من الرُّوح في الجسم، وأمْلَكُ بالنَّفس من ذاتها، بطنَ، وظهر، فامتنع وصفُه على اللسان، وخَفيَ نعتُه عن البيان، فهو بين السِّحر والجنون، لطِيفُ المَسْلَكِ والكُمون. وقيل: العشق ملكٌ غشومٌ، مُسلَّطٌ ظلومٌ، دانت له القلوب، وانقادت له الألبابُ، وخضعت له النُّفوس. العقل أسيرُه، والنظرُ رسولُه، واللحظُ لفظه، دقيقُ المسلك، عسيرُ المَخْرَج.

стр. 242

وقيل لآخر (١): ما تقولُ في العشق؟ فقال: إن لم يكن طرفًا من الجنون؛ فهو نوعٌ من السِّحر. وأما الفلاسفةُ المشَّاؤون فقالوا: هو اتِّفاق أخلاقٍ، وتشاكل محَبَّاتٍ وتجانُسُها، وشوقُ كُلِّ نفس إلى مُشاكِلِها ومُجانِسها في الخلْقَة القديمة قبل إهباطها إلى الأجساد. قلت: وهذا مبنيٌّ على قولهم الفاسد بتقدُّم النفوس على الأبدان، وعليه بنَى ابنُ سينا قصيدته المشهورة (٢): هَبَطَتْ إليكَ من المَحلِّ الأرفَعِ وسمعتُ شيخنا يحكي عن بعض فُضلاء المغاربة، وهو جمالُ الدِّين بنُ الشرِيشيِّ شارحُ المقامات: أنَّه كان ينكر أن تكون هذه له، قال: وهي مُخالِفةٌ لما قرَّره في كتبه من أنَّ حدوثَ النفس الناطقة مع البدن. وقال آخرون في وصفه: دَقَّ عن الأفهام مسْلَكُه، وخَفِيَ عن الأبصار [٥٤ أ] موضعُه، وحارت العقولُ في كيفية تمكُّنه، غير أنَّ ابتداء

стр. 243

حركته، وعظم سلطانه من القلب، ثم يتغشَّى على سائر الأعضاء، فيُبْدي الرِّعدةَ في الأطراف، والصُّفْرةَ في الوجه (١)، والضَّعفَ في الرأْي، واللَّجْلَجَةَ في الكلام، والزَّللَ والعِثار، حتى يُنْسَب صاحبُه إلى الجنون. وقيل لأبي زهير المديني (٢): ما العشق؟ قال: الجنون والذلُّ، وهو داء أهل الظَّرْف. ونظر عاشقٌ إلى معشوقه (٣)، فارتعدتْ فرائصُهُ، وغُشيَ عليه، فقيل لحكيم: ما الَّذي أصابَه؟ فقال: نظرَ إلى من يُحِبُّه، فانفرج له قلبُه، فتحرَّكَ الجسم بانفراج القلب. فقيل له: نحن نحبُّ أولادنا، وأهلَنا، ولا يُصيبُنا ذلك، فقال: تلك محبَّةُ العقل، وهذه محبَّةُ الرُّوح، قال (٤): وما هو إلا أن يَراها فُجَاءَةً ... فتَصْطَكَّ رِجْلاهُ وَيسْقُطَ للجَنْب وقال: العشقُ ملكٌ مُسلَّطٌ على قهر النفوس، وأسْرِ القُلوب، قال الشاعر: ملك القلوبَ فأصبحتْ في أسرِه ... وبِودِّها ألَّا يُفَكَّ إِسارُها

стр. 244

وقال أعرابي في وصفه: بالقلب وَثْبَتُه، وبالفؤاد وَجْبَتُه، وبالأحشاء نارُه، وسائرُ الأعضاء خُدَّامُه، فالقلبُ من العاشق ذاهلٌ، والدمعُ منه هاملٌ، والجسمُ منه ناحلٌ. مرورُ الليالي تُجدِّده، وإساءة المحبوب لا تُفسده. وقيل: ليس هو موقوفًا على الحُسْن والجمال، وإنما هو تشاكُلُ النُّفوس، وتمازُجها في الطِّباع المخلوقة فيها، كما قيل (١): وما الحبُّ مِنْ حُسْنٍ ولا من مَلاحةٍ ... ولكنَّه شيءٌ به الرُّوحُ تَكْلَفُ وقيل: أوَّلُ العشق عَناء، وأوسطُه سُقْم، وآخرُه قتل. كما قال القائل (٢): هو الحبُّ فاسْلَمْ بالحشا ما الهوى سَهْلُ ... فما اختارَه مُضْنًى به وله عَقْلُ وعِشْ خاليًا فالحُبُّ أوَّلُه عَنَا ... وأوْسَطُه سُقْمٌ وآخرُه قتْلُ

стр. 245

الباب الحادي عشر في العشق: هل هو اضطراريٌّ خارجٌ [٥٤ ب] عن الاختيار أو أمرٌ اختياريٌّ؟ واختلاف النَّاس في ذلك، وذكر الصَّواب فيه فنقول: اختلف الناس في العشق: هل هو أمر اختياريٌّ أو اضطراريٌّ خارجٌ عن مقدور البشر؟ فقالت فرقة: هو اضطراريٌّ، وليس باختياريٍّ، قالوا: وهو بمنزلة محبَّة الظمآن للماء البارد، والجائع للطعام، وهذا ممَّا لا يُمْلَكُ. وقال بعضهم: والله لو كان لي من الأمر شيءٌ ما عذَّبتُ عاشقًا! لأن ذنوبَ العُشَّاق اضطراريةٌ، فإذا كان هذا قولَه فيما تولَّد عن العِشْقِ مِنْ فعلٍ اختياريٍّ، فما الظنُّ بالعشق نفسه؟ وقال أبو محمد بنُ حزم: قال رجلٌ لعمر بن الخطاب ﵁: يا أميرَ المؤمنين! إني رأيت امرأةً فعَشِقْتُها! فقال عمر: ذاك ممَّا لا يُمْلك. وقال كامل في سَلْمى (١): يلومُونني في حُبِّ سَلْمَى كأنَّما ... يَرَوْنَ الهَوى شيئًا تَيَمَّمْتُه عَمْدَا

стр. 246

ألا إنَّما الحبُّ الذي صَدَع الحَشَا ... قضاءٌ من الرَّحمن يَبْلو به العَبْدَا وقال التميمي في كتاب «امتزاج الأرواح»: سُئل بعض الأطباء عن العشق، فقال: إنَّ وقوعَه بأهله ليس باختيارٍ منهم، ولا بحرصهم عليه، ولا لَذَّة لأكثرهم فيه، ولكنَّ وقوعَه بهم كوقوع العِلَل المُدْنِفَة، والأمراض المُتْلِفَةِ، لا فرقَ بينه وبين ذلك. وقال المدائنيُّ (١): لامَ رجلٌ رجلًا من أهل الهوى، فقال: لو صحَّ لذي هوًى اختيارٌ؛ لاختارَ ألَاّ يهوى. ويَدُلّ على ذلك من السُّنَّة ما رواه البخاريُّ في صحيحه (٢) من قصَّة بَرِيرة: أنَّ زوجَها كان يمشي خلفها بعد فراقها له، وقد صارت أجنبيةً منه، ودموعُه تسيلُ على خدَّيه، فقال النَّبيُّ ﷺ : «يَا عبَّاسُ ألا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَة، ومن بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغيثًا؟»، ثم قال لها: «لو رَاجَعْتِيه» فقالت: أَتَأْمُرُنِي؟ فقال: «إنَّما أنا شافِعٌ» قالت: لا حاجةَ لي فيه. ولم يَنْهَهُ عن عشقها في هذه الحالة؛ إذ ذلك شيءٌ لا يُملكُ، ولا يدخلُ تحت الاختيار، وقال جامع (٣):

стр. 247

سألتُ سعيدَ بن المسيَّب مفتيَ الـ ... ـمدينة هل في حبِّ دَهْمَاء منْ وِزْرِ؟ فقال سعيدُ بن المسيب إنَّما ... يُلامُ على ما يُسْتطاعُ من الأمر قالوا: والعشقُ نوعٌ من العذاب، والعاقلُ لا يختارُ عذابَ نفسه، وفي هذا قال المؤَمَّل (١): شَفَّ المُؤَمَّلَ يومَ الحِيرَة النظرُ ... ليتَ المؤمَّل لم يُخْلَق له بَصَرُ يكفي المحبِّينَ في الدنيا عذابُهمُ ... والله لا عَذَّبتْهُمْ بعدَها سَقَرُ فيقال: إنَّه عَمِيَ بعد هذا. وقال آخر: ليس الهوى إلى الرأْي فيَمْلِكَهُ، ولا إلى العقل فَيُدْرِكَهُ، ثم أنشد (٢): ليس خَطْبُ الهوى بخطبٍ يسير ... لا يُنَبِّيْك عنه مثلُ خبيرِ ليس أمرُ الهوى يُدَبَّر بالرأْ ... ي ولا بالقياس والتَّفكير إنَّما الأمرُ في الهوى خطَرَاتٌ ... محْدِثَاتُ الأمورِ بعدَ الأمور وقال القاضي أبو عمر محمَّد بن أحمد بن محمد بن سليمان النُّوقَاتي في كتابه «محنة الظرّاف»: العشاقُ معذورون علَى الأحوال؛ إذ العشقُ إنَّما

стр. 248

دهاهم عن غير اختيار، بل اعتراهم عن جبرٍ واضطرار، والمرءُ إنَّما يُلامُ على ما يستطيع من الأمور، لا على المقْضِيّ عليه والمقدور. فقد قيل: إن الحامل كانت ترى يوسف ﵊، فتضعُ حَمْلها، فكيف ترى هذه وضَعَتْهُ؟! أباختيارٍ كان ذلك أم باضطرارٍ؟ قال غيره: وهؤلاء النِّسوة قَطَّعنَ أيديَهنَّ لما بدا لهنَّ حسنُ يوسف ﵇ وما تمكَّن حبُّه من قلوبهنَّ، فكيف لو شُغِفْن حُبًّا؟! وكان مُصْعَبُ بنُ الزُّبَيْر إذا رأته المرأة؛ حاضتْ لحسنه، وجماله. كما قال فيه الشاعر (١): إنَّما مُصْعَبٌ شِهابٌ من الله ... تجلَّتْ عن وجهِه الظَّلْمَاءُ ومن ها هنا أخذَ أحمدُ بن الحسين الكندي المتنبي قوله (٢): تَقِ الله واستُرْ ذا الجمال بِبُرْقُعٍ ... فإن لُحْتَ حاضَتْ في الخدور العواتِقُ فإذا كان هذا من مجرَّد الرؤية، فكيف بالمحبة التي لا تُمْلَك؟! وقال هشام بن عُرْوة عن أبيه: مات بالمدينة عاشقٌ، فصلى عليه زيد بن ثابتٍ، فقيل له في ذلك، فقال: إنِّي رَحِمْتُه. [٥٥ ب]

стр. 249

ورُئي أبو السَّائب المخزوميُّ (١) ـ وكان من العلم والدِّين بمكان ـ متعلِّقًا بأستار الكعبة، وهو يقول: اللهم ارحمِ العاشقينَ، وقوِّ قلوبَهم! واعطفْ عليهم قلوبَ المعشوقين! فقيل له في ذلك، فقال: والله للدُّعاءُ لهم أفضلُ من عُمرَةٍ من الجِعْرَانَة! ثم أنشد (٢): يا هَجْرُ كُفَّ عن الهوى ودعِ الهوَى ... للعاشقينَ يطيبُ يا هَجْرُ ماذا تريدُ من الذين جُفونُهم ... قرْحى وَحَشْوُ قُلوبهم جَمْرُ؟! مُتَبَلِّدِين مِن الهوى ألوانُهم ... مما تُجِنُّ قلوبُهم صُفْرُ وسوابقُ العَبَرَات فوقَ خُدودِهم ... دُرَرٌ تَفِيضُ كأنَّها قَطْرُ ويُذكَرُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ بجاريةٍ تتغنَّى: هل عليَّ وَيْحَكُما ... إنْ لَهَوْتُ مِن حَرَج فتبسَّم، وقال: «لا حَرَجَ إن شاء الله» (٣).

стр. 250

قالوا: وقد فسَّر كثيرٌ من السَّلَف قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة/٢٨٦] بالعشق. وهذا لم يُريدوا به التَّخصيص، وإنَّما أرادوا به التمثيلَ، وأنَّ العشق من تحميل ما لا يُطاق. والمراد بالتَّحميل ها هنا التحميلُ القدَريُّ، لا الشَّرعيُّ الأمريُّ. قالوا: وقد رأينا جماعةً من العُشَّاق يطوفون على مَنْ يدعو لهم أن يُعافِيَهم الله من العِشْق، ولو كان اختيارًا؛ لأزالوه عن نفوسهم. ومن ها هنا يتبيَّن خطأ كثيرٍ من العاذلين، وعَذْلُهم في هذه الحال بمنزلة عَذْلِ المريض في مرضه، قال (١): يا عاذلي والأمرُ في يَدِه ... هَلَّا عَذَلْتَ وفي يَدِي الأمرُ وإنَّما ينبغي هذا العذلُ قبلَ تعلُّق هذا الدَّاء بالقلب، كما قيل (٢): يُذكِّرُني ﴿حم﴾ والرُّمحُ شاجِرٌ ... فهلَّا تلا ﴿حم﴾ قبلَ التَّقَدُّم
следующие страницы →