ألا إنَّما الحبُّ الذي صَدَع الحَشَا ... قضاءٌ من الرَّحمن يَبْلو به العَبْدَا
وقال التميمي في كتاب «امتزاج الأرواح»: سُئل بعض الأطباء عن العشق، فقال: إنَّ وقوعَه بأهله ليس باختيارٍ منهم، ولا بحرصهم عليه، ولا لَذَّة لأكثرهم فيه، ولكنَّ وقوعَه بهم كوقوع العِلَل المُدْنِفَة، والأمراض المُتْلِفَةِ، لا فرقَ بينه وبين ذلك.
وقال المدائنيُّ (١): لامَ رجلٌ رجلًا من أهل الهوى، فقال: لو صحَّ لذي هوًى اختيارٌ؛ لاختارَ ألَاّ يهوى.
ويَدُلّ على ذلك من السُّنَّة ما رواه البخاريُّ في صحيحه (٢) من قصَّة بَرِيرة: أنَّ زوجَها كان يمشي خلفها بعد فراقها له، وقد صارت أجنبيةً منه، ودموعُه تسيلُ على خدَّيه، فقال النَّبيُّ ﷺ : «يَا عبَّاسُ ألا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَة، ومن بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغيثًا؟»، ثم قال لها: «لو رَاجَعْتِيه» فقالت: أَتَأْمُرُنِي؟ فقال: «إنَّما أنا شافِعٌ» قالت: لا حاجةَ لي فيه. ولم يَنْهَهُ عن عشقها في هذه الحالة؛ إذ ذلك شيءٌ لا يُملكُ، ولا يدخلُ تحت الاختيار، وقال جامع (٣):
стр. 247
سألتُ سعيدَ بن المسيَّب مفتيَ الـ ... ـمدينة هل في حبِّ دَهْمَاء منْ وِزْرِ؟
فقال سعيدُ بن المسيب إنَّما ... يُلامُ على ما يُسْتطاعُ من الأمر
قالوا: والعشقُ نوعٌ من العذاب، والعاقلُ لا يختارُ عذابَ نفسه، وفي هذا قال المؤَمَّل (١):
شَفَّ المُؤَمَّلَ يومَ الحِيرَة النظرُ ... ليتَ المؤمَّل لم يُخْلَق له بَصَرُ
يكفي المحبِّينَ في الدنيا عذابُهمُ ... والله لا عَذَّبتْهُمْ بعدَها سَقَرُ
فيقال: إنَّه عَمِيَ بعد هذا. وقال آخر: ليس الهوى إلى الرأْي فيَمْلِكَهُ، ولا إلى العقل فَيُدْرِكَهُ، ثم أنشد (٢):
ليس خَطْبُ الهوى بخطبٍ يسير ... لا يُنَبِّيْك عنه مثلُ خبيرِ
ليس أمرُ الهوى يُدَبَّر بالرأْ ... ي ولا بالقياس والتَّفكير
إنَّما الأمرُ في الهوى خطَرَاتٌ ... محْدِثَاتُ الأمورِ بعدَ الأمور
وقال القاضي أبو عمر محمَّد بن أحمد بن محمد بن سليمان النُّوقَاتي في كتابه «محنة الظرّاف»: العشاقُ معذورون علَى الأحوال؛ إذ العشقُ إنَّما
стр. 248
دهاهم عن غير اختيار، بل اعتراهم عن جبرٍ واضطرار، والمرءُ إنَّما يُلامُ على ما يستطيع من الأمور، لا على المقْضِيّ عليه والمقدور. فقد قيل: إن الحامل كانت ترى يوسف ﵊، فتضعُ حَمْلها، فكيف ترى هذه وضَعَتْهُ؟! أباختيارٍ كان ذلك أم باضطرارٍ؟
قال غيره: وهؤلاء النِّسوة قَطَّعنَ أيديَهنَّ لما بدا لهنَّ حسنُ يوسف ﵇ وما تمكَّن حبُّه من قلوبهنَّ، فكيف لو شُغِفْن حُبًّا؟! وكان مُصْعَبُ بنُ الزُّبَيْر إذا رأته المرأة؛ حاضتْ لحسنه، وجماله. كما قال فيه الشاعر (١):
إنَّما مُصْعَبٌ شِهابٌ من الله ... تجلَّتْ عن وجهِه الظَّلْمَاءُ
ومن ها هنا أخذَ أحمدُ بن الحسين الكندي المتنبي قوله (٢):
تَقِ الله واستُرْ ذا الجمال بِبُرْقُعٍ ... فإن لُحْتَ حاضَتْ في الخدور العواتِقُ
فإذا كان هذا من مجرَّد الرؤية، فكيف بالمحبة التي لا تُمْلَك؟! وقال هشام بن عُرْوة عن أبيه: مات بالمدينة عاشقٌ، فصلى عليه زيد بن ثابتٍ، فقيل له في ذلك، فقال: إنِّي رَحِمْتُه. [٥٥ ب]
стр. 249
ورُئي أبو السَّائب المخزوميُّ (١) ـ وكان من العلم والدِّين بمكان ـ متعلِّقًا بأستار الكعبة، وهو يقول: اللهم ارحمِ العاشقينَ، وقوِّ قلوبَهم! واعطفْ عليهم قلوبَ المعشوقين! فقيل له في ذلك، فقال: والله للدُّعاءُ لهم أفضلُ من عُمرَةٍ من الجِعْرَانَة! ثم أنشد (٢):
يا هَجْرُ كُفَّ عن الهوى ودعِ الهوَى ... للعاشقينَ يطيبُ يا هَجْرُ
ماذا تريدُ من الذين جُفونُهم ... قرْحى وَحَشْوُ قُلوبهم جَمْرُ؟!
مُتَبَلِّدِين مِن الهوى ألوانُهم ... مما تُجِنُّ قلوبُهم صُفْرُ
وسوابقُ العَبَرَات فوقَ خُدودِهم ... دُرَرٌ تَفِيضُ كأنَّها قَطْرُ
ويُذكَرُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ بجاريةٍ تتغنَّى:
هل عليَّ وَيْحَكُما ... إنْ لَهَوْتُ مِن حَرَج
فتبسَّم، وقال: «لا حَرَجَ إن شاء الله» (٣).
стр. 250
قالوا: وقد فسَّر كثيرٌ من السَّلَف قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة/٢٨٦] بالعشق. وهذا لم يُريدوا به التَّخصيص، وإنَّما أرادوا به التمثيلَ، وأنَّ العشق من تحميل ما لا يُطاق.
والمراد بالتَّحميل ها هنا التحميلُ القدَريُّ، لا الشَّرعيُّ الأمريُّ.
قالوا: وقد رأينا جماعةً من العُشَّاق يطوفون على مَنْ يدعو لهم أن يُعافِيَهم الله من العِشْق، ولو كان اختيارًا؛ لأزالوه عن نفوسهم.
ومن ها هنا يتبيَّن خطأ كثيرٍ من العاذلين، وعَذْلُهم في هذه الحال بمنزلة عَذْلِ المريض في مرضه، قال (١):
يا عاذلي والأمرُ في يَدِه ... هَلَّا عَذَلْتَ وفي يَدِي الأمرُ
وإنَّما ينبغي هذا العذلُ قبلَ تعلُّق هذا الدَّاء بالقلب، كما قيل (٢):
يُذكِّرُني ﴿حم﴾ والرُّمحُ شاجِرٌ ... فهلَّا تلا ﴿حم﴾ قبلَ التَّقَدُّم
стр. 251
وقالت فرقةٌ أُخرى: بل هو اختياريٌّ تابعٌ لهوى النفس وإرادتها، بل هو استحكامُ الهوى الذي مدح الله مَنْ نهى عنه نفسَه، فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ [٥٦ أ] هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات/٤٠ ــ ٤١].
فمحالٌ أن ينهى الإنسانُ نفسَه عما لا يدخلُ تحت قدرته.
قالوا: والعشقُ حركةٌ اختياريةٌ للنَّفس إلى نحو محبوبها، وليس بمنزلة الحركات الاضطرارية التي لا تدخلُ تحت قدرة العبد.
قالوا: وقد ذمَّ الله أصحاب المحبَّة الفاسدة الذي يُحبُّون من دونه أندادًا، ولو كانت المحبَّةُ اضطراريةً، لما ذُمُّوا على ذلك.
قالوا: ولأن المحبَّةَ إرادةٌ قويَّةٌ، والعبدُ يُحْمدُ، ويُذَمُّ على إرادتِه، ولهذا يُحْمَد مُريدُ الخير، وإن لم يفعلْه، ويُذَمّ مريدُ الشرِّ، وإن لم يفعلْه.
وقد ذمَّ الله تعالى الذين يُحِبُّون أن تَشيعَ الفاحشةُ في الذين آمنوا، وأخبرَ أنَّ لهم عذابًا أليمًا.
ولو كانت المحبَّةُ لا تُملك لم يتوعَّدْهم بالعذابِ على ما لا يدخلُ تحت قُدرتهم.
قالوا: والعقلاءُ قاطبةً مُطْبِقُون على لوم من يُحِبُّ ما يتضرَّر بمحبَّتِه، وهذا فطرةٌ فطرَ الله عليها الخلقَ، فلو اعتذرَ بأني لا أملكُ قلبي؛ لم يقبلُوا له
عذرًا.
стр. 252
وفصل النِّزاع بين الفرقتين: أنَّ مبادئ العشق وأسبابَهُ اختياريةٌ داخلةٌ تحت التكليف، فإنَّ النظرَ والتفكُّر والتعرُّض للمحبَّة أمرٌ اختياريٌّ، فإذا أتى بالأسباب كان تَرَتُّبُ المُسبَّبِ عليها بغير اختياره، كما قيل (١):
تَوَلَّعَ بالعِشْق حتى عَشِقْ ... فلما استقلَّ بهِ لَمْ يُطِقْ
رأى لُجَّةً ظنَّها مَوْجَةً ... فلمَّا تمكَّن منها غَرِقْ
ولما رأى أدْمُعًا تَسْتَهلّ ... وأبصر أحشاءه تحترقْ (٢)
تمنَّى الإقالةَ مِنْ ذنبه ... فلم يستطعْها ولم يسْتفقْ
وهذا بمنزلة السُّكر مع شُرْب الخمر، فإنَّ تناوُلَ المُسكر اختياريٌّ، وما يتولَّد عنه من السُّكر اضطراريٌّ، فمتى كان السببُ واقعًا باختياره لم يكن معذورًا فيما تولَّد عنه بغير اختياره، فمتى كان السببُ محظورًا لم يكن السَّكرانُ معذورًا.
ولا ريبَ أنَّ متابعة النظر، واستدامةَ الفكر بمنزلة شُرب المُسكر، فهو يُلام على السَّبب، ولهذا إذا حصلَ العِشْقُ بسببٍ غير محظورٍ؛ لم يُلَمْ عليه صاحبُه، كمن كان [٥٦ ب] يعشقُ امرأتَه، أو جاريته، ثم فارقها، وبقي عشقُها غير مفارقٍ له، فهذا لا يُلام على ذلك، كما تقدَّم في قصَّة بَرِيرَة ومُغِيث.
стр. 253
وكذلك إذا نظر نظرة فجَاءَةٍ، ثم صرفَ بصرَه، وقد تمكَّن العِشْقُ من قلبه بغير اختياره، على أنَّ عليه مُدافعتَه، وصرفَه عن قلبه بضدِّه، فإذا جاءَ أمرٌ يَغْلِبُه؛ فهناك لا يُلام بعد بذل الجهد في دفعه. ومِمَّا يُبيِّنُ ما قلناه: أنَّ سكرَ العشق أعظمُ من سُكر الخمر، كما قال تعالى عن عُشَّاق الصُّور من قوم لوطٍ: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر/٧٢].
وإذا كان أدنى السُّكرَين لا يُعْذَر صاحبُه إذا تعاطَى أسبابَه؛ فكيف يُعْذر صاحبُ السُّكر الأقوى مع تعاطِي أسبابه؟ وإذ قد وصلنا إلى هذا الموضع؛ فلنذكرْ بابًا في سَكْرةِ الحُبِّ وسببها.
стр. 254
الباب الثاني عشر
في سَكْرَةِ العُشَّاق
ولابدَّ قبل الخوض في ذلك من بيان حقيقة السُّكْرِ وسببه وتَولُّده، فنقول: السُّكْر لذّةٌ يغيبُ معها العقلُ الذي يُعْلَم به القولُ، ويحصل معه التمييز. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء/٤٣] فجعل الغاية التي يزول بها حكمُ السكر أن يعلم ما يقول، فمتى لم يعلم ما يقولُ فهو في السُّكْر، وإذا علم ما يقول خرج عن حكمه، وهذا هو حدُّ السكران عند جمهور أهل العلم.
قيل للإمام أحمد بن حنبل ﵀: بماذا يُعلم أنَّه سكران؟ فقال: إذا لم يعرف ثوبه من ثوب غيره، ونعله من نعل غيره.
ويُذْكر عن الشافعي رحمه الله تعالى: أنه قال: إذا اختلط كلامه المنظوم، وأفشى سرَّه المكتوم.
قال محمد بن داود الأصبهاني: إذا عزبت عنه الهُموم، وباح بسرِّه المكتوم.
فالسُّكر يجمع مَعْنَيين: وجودَ لذَّة، وعدم تمييز. والذي يقصِد السُّكرَ قد يقصد أحدهما، وقد يقصدُ كليهما، فإنَّ النَّفس لها هوًى وشهواتٌ تلتذُّ بإدراكها، والعلم بما في تلك اللذّات من المفاسد العاجلةِ والآجلة يمنعُها من تناوُلِها، والعقلُ [٥٧ أ] يأْمرُها بأن لا تفعلي،
стр. 255
فإذا زالَ العقل الآمرُ، والعلمُ الكاشفُ؛ انبسطتِ النفسُ في هواها، وصادفتْ مجالاً واسعًا.
وحرَّم الله سبحانه السُّكْرَ لشيئين ذكرهما في كتابه في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة/٩١] فأخبر سبحانه: أنَّه يُوجب المفسدة الناشئة من النفس بواسطة زوال العقل، ويمنعُ المصلحة التي لا تَتِمُّ إلا بالعقل.
وقد يكون سبب السُّكر ألمًا، كما يكونُ لذَّةً، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج/١ ــ ٢] وقد يكونُ سببه قوَّة الفرح بإدراك المحبوب، بحيث يختلط كلامُه، وتتغيَّرُ أفعالُه بحيثُ يزول عقلُه، وربما قتله الفرحُ بسببٍ طبيعيٍّ، وهو انبساطُ دم القلب انبساطًا خارجًا عن العادة، والدَّمُ حاملُ الحارِّ الغريزي، فيبرُد القلبُ بسبب انبساط دمِه، فيحدث الموتُ.
وقد جرى هذا لمحمد (١) بن طُولون أميرِ مصر، فإنه مرَّ بصيادٍ في يوم باردٍ، وعنده بُنَيٌّ له، فرقَّ عليهما، وأمر غلامه أن يدفع إليه ما معه من
стр. 256
الذهب، فصبَّه في حِجْره، ومضى، فاشتدَّ فرحُه به، فلم يحمل ما ورد عليه من الفرح، فقضى مكانه، فعاد الأمير من شأنه، فوجد الرجل ميِّتًا، والصَّبيُّ يبكي عند رأسه، فقال: منْ قتله؟ فقال: مرَّ بنا رجلٌ ــ لا جزاه الله خيرًا ــ فصبَّ في حِجْر أبي شيئًا، فقتله مكانه، فقال الأمير: صدقَ، نحنُ قتلناه! أتاه الغنى وهلةً واحدة، فعجز عن احتماله، فقتله، ولو أعطينْاه ذلك بالتدريج لم يقتلْه، فحرص على الصَّبي أن يأخذ الذهب فأبى، وقال: والله لا أُمسك شيئًا قتل أبي!
والمقصودُ أنَّ السُّكْرَ يُوجب اللَّذة، ويمنعُ العلم، فمنه السُّكْرُ بالأطعمة [٥٧ ب] والأشربة، فإنَّ صاحبَها يحصل له لذَّةٌ وسرورٌ بها، يحملُه على تناوُلها، لأنها تغيِّب عنه عقله، فتغيِّب عنه الهموم والغموم، والأحزان تلك الساعة، ولكن يغْلَطُ في ذلك، فإنَّها لا تزولُ، ولكن تتوارى، فإذا صحا عادت أعظم ما كانت وأوفرَه، فيدعُوه عَوْدُها إلى العَوْد، كما قال الشاعر (١):
وكأْسٍ شربتُ على لذَّةٍ ... وأُخرى تَداوَيتُ مِنْها بِها
ومن النَّاس من يقصدُ بها منفعة البدن، وهو غالطٌ، فإنَّه يترتب عليها من المضرَّة المتولِّدة عن السُّكْر ما هو أعظمُ من تلك المنفعة بكثير، واللَّذَّة الحاصلةُ بذكر الله والصَّلاة عاجلًا وآجلًا أعظمُ، وأبقى، وأدفع
стр. 257
للهموم والغموم والأحزان.
وتلك اللَّذَّة أجلبُ شيءٍ للهُموم والغُموم عاجلًا وآجلًا، ففي لذَّة ذكر الله، والإقبال عليه، والصلاة بالقلب والبدن من المنفعة الشَّريفة العظيمة، السَّالمة عن المفاسد الدَّافعة للمضارِّ: غنىً وعِوَضٌ للإنسان
ــ الذي هو إنسانٌ ــ عن تلك اللَّذَّة النَّاقصة القاصرة المانعة لما هو أكملُ منها، الجالبة لألمٍ أعظم منها.
فصل
ومن أسباب السُّكْر حبُّ الصُّوَر، فإنَّه إذا استحكم الحبُّ، وقوِيَ؛ أسكر المُحِبَّ، وأشعارُهم بذلك مشهورةٌ كثيرةٌ، ولاسيَّما إذا اتَّصلَ الجماعُ بذلك الحُبِّ، فإنَّ صاحبه ينقصُ تمييزه، أو يعدمُ في تلك الحالة، بحيث لا يميِّز، فإن انضاف ذلك السُّكر إلى سُكْر الشراب، بحيث يجتمعُ عليه سُكْرُ الهوى، وسُكْرُ الخمر، وسُكْرُ لذَّة الجِماع؛ فذلك غاية السُّكْر. ومنه ما يكون سببُه حبَّ المال، والرِّئاسة، وقوَّة الغضب، فإنَّ الغضب إذا قَوِيَ أوجبَ سكرًا يقرُب مِنْ سُكْرِ الخمر.
ويدخل ذلك في الإغلاق الذي أبطل النَّبيُّ ﷺ وقوع الطلاق فيه بقوله: «لا طلاق في إغْلاق» رواه أبو داود (١)، وقال: أظنُّه الغضب.
стр. 258
وفسَّره الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أيضًا بالغضب.
وممَّا يدُلُّ على صحَّة ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس/١١] قال السَّلف في تفسيرها: [٥٨ أ] هو الرَّجل يدعو على نفسه وأهله في وقت الغضب من غير إرادةٍ منه لذلك، فلو استجابَ الله دعاءَه؛ لأهلَكه، وأهلك من دعا عليه، ولكن لرحمته لما علم أنَّ الحاملَ له على ذلك سُكْرُ الغضب، لا يُجيب دعاءَه.
ومن هذا قولُ الواجد لراحلته بعد يأْسه منها، وإيقانه بالهلاك: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، قال رسول الله ﷺ : «أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفرحِ» (١) ولم يكن بذلك كافرًا؛ لعدم قصْدِه.
وذكر النَّبيُّ ﷺ ذلك تحقيقًا لشدَّة الفرح؛ الذي أفضى به إلى ذلك. وإنَّما كانت هذه الأشياء قد تُوجب السكر؛ لأن السُّكر سببُه يُوجب اللذَّة القاهرة؛ التي تغمرُ العقل، وسببُ اللذَّة إدراكُ المحبوب، فإذا كانت المحبَّةُ قويَّةً، وإدراكُ المحبوب قويًّا، والعقلُ ضعيفًا؛ حدث السُّكر، لكن ضعف العقل يكون تارةً من ضعف المحبِّ، وتارةً من قوَّة السَّبب الوارد، ولهذا يَحْصُل من السُّكْر للمبتدئين في إدراك الرئاسة والمال والعشق والخمر ما لا يحصُل لمن اعتادَ ذلك، وتمكَّن فيه.
стр. 259
فصل
ومن أقوى أسباب السكر الموجبة له: سماعُ الأصوات المطربة من جهتين: مِنْ جهة: أنَّها في نفسها تُوجب لذَّةً قويةً، ينغمر معها العقل، ومن جهة: أنَّها تُحرِّك النفسَ إلى نحو محبوبها كائنًا ما كان، فيحصُل بتلك الحركة والشوقِ والطلبِ، مع التخيُّل للمحبوب، وإدناءِ صورته إلى القلب واستيلائها على الفكرة لذَّةٌ عظيمةٌ تقهرُ العقل، فتجتمع لذَّةُ الألحان ولذَّة الأشجان، ولهذا يَقْرِنُ المعتنون بهذه اللذَّات سماعَ الألحان بالشراب كثيرًا؛ ليكمل لهم السُّكْر بالشراب، والعشقِ، والصوتِ المُطْرِبِ، فيجدون من لذَّة الوِصال، وسكرِه في هذه الحال ما لا يجدونه بدونها.
ف الخمرُ شرابُ الأجسام، والعشق شراب النفوس، والألحانُ شراب الأرواح ، ولاسيَّما إذا اقترن بها من الأقوال ما فيه ذكر المحبوب، ووصفُ حال المُحِبِّ على مقتضى الحال التي هو فيها، فيجتمع سماعُ الأصوات الطيِّبة، وإدراكُ المعاني [٥٨ ب] المناسبة، وذلك أقوى بكثيرٍ من اللَّذَّة الحاصلة بكل واحد منها على انفراده، فتستولي اللَّذَّة على النَّفس، والرُّوح، والبدن أتمَّ استيلاء، فيحدث غايةُ السُّكْر. فكيف يدَّعي العذر من تعاطى هذه الأسباب، ويقول: إنَّ ما تولَّد عنها اضطراريٌّ غيرُ اختياريٍّ، وبالله التوفيق (١).
стр. 260
الباب الثالث عشر
في أنَّ اللذَّة تابعةٌ لِلْمَحَبَّة في الكمال والنُّقصان
فكلَّما قَوِيَتِ المحبَّةُ قويت اللذَّةُ بإدراك المحبوب، وهذا البابُ من أجلِّ أبواب الكتاب، وأنفعِها، ونذكرُ فيه بيانَ معرفة اللذَّة، وأقسامها، ومراتبها، فنقول: أما اللذَّة ففُسِّرت بأنَّها إدراكُ المُلائم، كما أنَّ الألم إدراك المُنافي.
قال شيخنا: والصَّوابُ: أنْ يُقال: إدراكُ المُلائم يُسببُ اللذَّة، وإدراك المُنافي يُسبب الألم، ف اللذَّة والألم يَنْشآن عن إدراك المُلائم والمُنافي ، والإدراك سببٌ لهما، واللذَّة أظهر من كل ما يُعرَّف به، فإنها أمرٌ وجدانيٌّ، وإنما تُعْرَف بأسبابها وأحكامها. واللذَّة، والبهجةُ، والسرورُ، وقُرَّة العين، وطيب النَّفس، والنَّعيمُ ألفاظٌ مُتقاربةُ المعنى، وهي أمرٌ مطلوبٌ في الجملة، بل ذلك مقصود كلِّ حيٍّ، وذلك أمرٌ ضروريٌّ مِنْ وجوده، وذلك في المقاصد والغايات بمنزلة الحِسِّ والعلوم البديهية في المبادئ والمقدّمات، فإنَّ كل حيٍّ له علمٌ وإحساسٌ، وله عملٌ وإرادةٌ، وعلمُ الإنسان لا يجوزُ أن يكون كلُّه نظريًّا استدلاليًّا؛ لاستحالة الدَّور والتسلسل، بل لابدَّ له مِنْ علمٍ أوَّليٍّ بديهيٍّ، يَبْدَهُ النَّفسَ، ويبتدئ فيها، فلذلك يُسمَّى بديهيًّا وأوَّليًّا، وهو من نوع ما تُضطرُّ إليه النَّفس، فيُسمَّى ضروريًّا.
стр. 261
فإنَّ النفس تُضطرُّ إلى العلم تارةً، وإلى العمل أُخرى، وكذلك العملُ الاختياريُّ المراديُّ له مُرادٌ، فذلك المرادُ إمَّا أن يُراد لنفسه، أو لشيءٍ آخر، ولا يجوزُ أن يكون كلُّ مرادٍ مرادًا لغيره؛ حذرًا من الدَّور والتَّسلسل، فلابدَّ من مرادٍ مطلوبٍ محبوبٍ لنفسه، فإذا حصل المطلوبُ المرادُ المحبوب؛ فاقترانُ اللذَّة، والنِّعمة، [٥٩ أ] والفرح، والسُّرور، وقُرَّة العين به على قدر قوَّة محبته، وإرادته ورغبته فيه، وذلك أمرٌ ذَوْقِيٌّ وجديٌّ، ولهذا يغلِب على أهل الإرادة والعمل من السَّالكين اسمُ الذوق والوَجد؛ لما في وجود المراد المطلوب من الذَّوق والوجد الموجب للفرح، والسُّرور، والنَّعيم.
فها هنا ثلاثةُ أنواعٍ من الأسماء متقاربة المعاني:
أحدُها: الشَّهوةُ، والإرادةُ، والميل، والطلب، والمحبَّة، والرغبةُ، ونحوُها.
الثاني: الذَّوقُ، والوَجدُ، والوصولُ، والظَّفَرُ، والإدراكُ، والحصولُ، والنَّيْلُ، ونحوُها.
الثالث: اللذَّةُ، والفرَح، والنعيم، والسرور، وطيب النفس، وقرّة العين، ونحوُها.
وهذه الأمور الثلاثة متلازمةٌ.
стр. 262
فصل
وإذا كانت اللذَّةُ مطلوبةً لنفسها فهي إنَّما تُذَمُّ؛ إذا أعقبتْ ألمًا أعظمَ منها، أو منعت لذَّةً خيرًا منها، وتُحْمَدُ؛ إذا أعانت على اللذَّة الدائمة المستقرة، وهي لذةُ الدار الآخرة ونعيمها؛ الذي هو أفضلُ نعيم وأجلُّه، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف/ ٥٦ ــ ٥٧]، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل/ ٣٠]، وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى/ ١٦ ــ ١٧].
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت/ ٦٤] وقال العارفون بتفاوتِ مابين الأمرين لفرعون: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه/ ٧٢ ــ ٧٣].
والله سبحانه إنما خلق الخلق لدار القرار، وجعل اللذة كلَّها بأسرها فيها، كما قال الله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف/ ٧١]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة/ ١٧]، وقال النبي ﷺ : «يقول الله تعالى: أَعْدَدْتُ لعِبَادي الصالحين ما لا عينٌ رأتْ، ولا
стр. 263
أُذُنٌ سمعتْ، ولا خطر [٥٩ ب] على قلب بشرٍ، بَلْه ما اطَّلَعْتُمْ عليه» (١) أي: غير ما اطلعتم عليه، وهذا هو الذي قصده النَّاصحُ لقومه، الشفيقُ عليهم؛ حيث قال: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر/ ٣٨ ــ ٣٩] فأخبرهم أنَّ الدُّنيا متاعٌ يُتَمتعُ بها إلى غيرها، والآخرة هي المستقرُّ والغاية.
فصل
وإذا عُرِفَ (٢) أنَّ لَذّاتِ الدنيا ونعيمها متاعٌ، ووسيلةٌ إلى لَذَّات الدَّار الآخرة، ولذلك خُلقت، كما قال النبي ﷺ : «الدُّنيا مَتَاعٌ، وخَيْرُ مَتاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» (٣) = فكلُّ لذَّة أعانتْ على لَذَّات الدار الآخرة؛ فهي محبوبةٌ مَرْضِيَّةٌ للرَّب تعالى، فصاحبُها يلتذُّ بها من وجهين: من جهة تنعُّمه وقُرَّة عينه بها، ومن جهة إيصالها له إلى مرضاة ربِّه، وإفضائها إلى لذَّةٍ أكمل منها، فهذه هي اللذَّة التي ينبغي للعاقل أن يسعى في تحصيلها، لا اللذَّة التي تُعْقِبُهُ غايةَ الألم، وتفوِّتُ عليه أعظمَ اللذَّات.
стр. 264
ولهذا يثابُ المؤمنُ على كلِّ ما يلتذُّ به من المباحات؛ إذا قصد به الإعانة، والتوصُّل إلى لذَّة الآخرة، ونعيمها، فلا نسبة بين لذَّة الحرام ولذَّة صاحب الزَّوجة، أو الأمةِ الجميلة؛ التي يحبها، وعينُه قد قَرَّت بها، فإنَّه إذا باشرها، والتذَّ قلبُه، وبدنُه، ونفسُه بوصالها؛ أُثيب على تلك اللذة في مقابلة عقوبة صاحب اللذَّة المحرَّمة على لذَّته،، كما قال النَّبيُّ ﷺ : «وفي بُضْع أحَدِكُمْ أجْرٌ». قَالُوا: يا رسول الله! يأْتي أحدُنا شهْوتَهُ ويكون لهُ فيها أجْرٌ؟! قال: «أرأيْتُمْ لَوْ وَضَعها في الحَرامِ أكانَ عليهِ وِزْرٌ؟» قالوا: نعم. قال: «فكذلك إذا وضعها في الحلال يكونُ لهُ أجرٌ» (١).
واعلم أنَّ هذه اللذَّةَ تتضاعف، وتتزايد بحسب ما عند العبد من الإقبال على الله، وإخلاص العمل له، والرَّغبة في الدار الآخرة، فإنَّ الشهوة واللذاذة المنقسمة في الصُّور اجتمعت [٦٠ أ] له في صورةٍ واحدة، والخوف والهمَّ والغمَّ الذي في اللَّذة المحرَّمة معدومٌ في لذَّته، فإذا اتفق له مع هذا صورةٌ جميلةٌ، ورُزق حُبَّها، ورُزقت حُبَّه، وانصرفت دواعي شهوته إليها، وقصر بصره عن النَّظر إلى سواها، ونفسه عن التطلُّع إلى غيرها، فلا مناسبة بين لذَّته ولذَّة صاحب الصورة المحرَّمة، وهذا أطيب نعيم يُنالُ من الدُّنيا، وجعله النبي ﷺ ثالث ثلاثة بها يُنال خيرُ الدُّنيا والآخرة، وهي: «قلبٌ شاكرٌ، ولسانٌ ذاكرٌ، وزوجةٌ حسناءُ،
стр. 265
إن نظر إليها؛ سرَّته، وإن غاب عنها، حفظته في نفسها وماله» (١)، والله المستعان.
وقال القاسم بن عبد الرحمن (٢): كان عبد الله بن مسعود ﵁ يقرأُ القرآن، فإذا فرغ قال: أين العُزّاب؟ فيقول: ادنوا مني، قولوا: اللهم ارزقني امرأةً إذا نظرتُ إليها سرتني، وإذا أمرتُها أطاعتني، وإذا غِبْت عنها حفظت غيبتي في نفسها ومالي.
والألمُ، والحزنُ، والهمُّ، والغمُّ ينشأُ من عدم العلم بالمحبوب النَّافع، أو من عدم إرادته وإيثاره مع العلم به، أو من عدم إدراكه والظَّفر به مع محبته، وإرادته، وهذا من أعظم الألم.
ولهذا يكون ألمُ الإنسان في البرزخ وفي دار الحيوان بفوات محبوبه أعظم من ألمه بفواته في الدُّنيا من ثلاثة أوجه:
أحدُها: معرفتُه هناك بكمال ما فاته، ومقداره.
الثاني: شدَّةُ حاجته إليه، وشوقُ نفسه إليه، مع أنَّه قد حيل بينه وبينه، كما قال الله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ/ ٥٤].
стр. 266
الثالث: حصولُ ضدِّه المؤلم له.
فليتأمل العاقلُ هذا الموضع، وليُنْزِل نفسه منزلة من قد فاته أعظمُ محبوب، وأنفعُه، وهو أفقرُ شيءٍ، وأحوجُهُ إليه فواتًا لا يُرْجى تدارُكُه. وحصل على ضِدِّه، فيا لها من مصيبةٍ ما أوجعَها! وحالةٍ ما أفْظعها! فأين هذه الحال من حالة من يلتذُّ في الدُّنيا بكل ما يقصد به وجه الله من الأكل، والشُّرب، واللِّباس، [٦٠ ب] والنكاح، وشفاء الغيظ بقهر العدو، وجهادٍ في سبيله؟! فضلًا عمَّا يلتذُّ به من معرفة ربه، وحبِّه له، وتوحيده، والإنابة إليه، والتوكُّل عليه، والإقبال عليه، وإخلاص العمل له، والرِّضا به، وعنه، والتفويض إليه، وفرح القلب وسروره بقربه، والأنس به، والشوق إلى لقائه، كما في الحديث الذي صحَّحه ابن حِبَّان، والحاكم: «وأسألُك لذَّة النَّظرِ إلى وجْهِكَ، والشوق إلى لِقَائِكَ» (١).
وهذه اللذَّةُ لا تزال في الدُّنيا في زيادةٍ مع تنغيصها بالعدوِّ الباطن من الشيطان، والهوى، والنَّفس، والدُّنيا، والعدوِّ الظاهر، فكيف إذا تجرَّدت الروح، وفارقت دار الأحزان والآفات، واتَّصلت بالرفيق الأعلى ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء/ ٦٩ ــ ٧٠].
стр. 267
فإذا أفضى إلى دار النَّعيم؛ فهناك من أنواع اللَّذة، والبهجة، والسُّرور ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فبؤْسًا، وتعسًا للنفوس الوضيعة الدنيئة؛ التي لا يَهُزُّها الشوقُ إلى ذلك طربًا، ولا تَتَّقِدُ نارُ إرادتها لذلك رغبًا، ولا تبعد عمَّا يَصُدُّ عن ذلك رهبًا، فبصائرُها كما قيل (١):
خفافيشُ أعشاها النَّهارُ بضوئه ... ولاءَمَها قِطْعٌ من اللَّيل مظلمُ
تجول حول الحُشِّ؛ إذا جالت النفوس العلويَّةُ حول العرش، وتندسُّ في الأحجار؛ إذا طارت النُّفوس الزكيَّة إلى أعلى الأوكار.
فلم تَرَ أمثال الرِّجالِ تَفاوَتُوا ... إلى الفَضْلِ حتَّى عُدَّ أَلفٌ بواحدِ (٢)
فصل
وكلُّ لذَّةٍ أعقبت ألمًا، أو منعت لذَّةً أكمل منها؛ فليست بلذَّةٍ في الحقيقة، وإن غالطت النفس في الالتذاذ بها، فأيُّ لذَّة لآكل طعامٍ شهيٍّ مسمومٍ يُقَطِّع أمعاءَه عن قريب؟
وهذه هي لذَّات الكُفَّار والفُسَّاق بعلوِّهم في الأرض، وفسادهم،
стр. 268
وفرحهم فيها بغير الحق، ومرحهم، وذلك مثل لذَّة الذين اتَّخذوا من دون [٦١ أ] الله أولياء يُحِبُّونهم كحبِّ الله، فنالوا بهم مودّةَ بَيْنِهمْ في الحياة الدُّنيا، ثم استحالت تلك اللذَّة أعظمَ ألمٍ وأمرَّه.
ومن ذلك لذَّةُ العقائد الفاسدة، والفرحُ بها، ولذَّةُ غلبة أهل الجور، والظلم، والعدوان، والزِّنى، والسرقة، وشرب المسكرات؛ وقد أخبر الله ــ ــ: أنَّه لم يُمكِّنهم من ذلك لخيرٍ يريده بهم، إنَّما هو استدراج منه ليُنِيلَهم به أعظم الألم، قال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون/ ٥٥ ــ ٥٦] وقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة/ ٥٥].
فصل
وأمَّا اللذَّة التي لا تُعقب ألمًا في دار القرار، ولا تُوصل إلى لذَّةٍ هناك؛ فهي لذَّةٌ باطلةٌ؛ إذ لا منفعة فيها ولا مضرَّة، وزمنُها يسيرٌ، ليس لتمتُّع النفس بها قدر، وهي لابد أن تشغل عما هو خيرٌ وأنفعُ منها في العاجلة والآجلة؛ وإن لم تشغل عن أصل اللذَّة في الآخرة، وهذا القسم هو الذي عناه النبيُّ ﷺ بقوله: «كلُّ لهْوٍ يِلْهُو به الرَّجُل فهو باطِلٌ إلا رَمْيَهُ بقوسهِ، وتَأْدِيبَهُ فرَسَهُ، ومُلاعبَتَهُ أهْلَهُ؛ فإنَّهُنَّ من الحَقِّ» رواه مسلم (١).
стр. 269
ولهذا كانت لذَّة اللَّعب بالدفِّ في العُرس جائزةً؛ فإنها تُعين على النكاح، كما تُعين لذّةُ الرمي بالقوس وتأْديبِ الفرس على الجهاد، وكلاهما محبوبٌ لله. فما أعانَ على حصول محبوبه؛ فهو من الحقِّ، ولهذا عدّ ملاعبة الرجل امرأته من الحقِّ؛ لإعانتها على مقاصد النكاح الذي يُحبُّه الله ، وما لم يُعِنْ على محبوب الربِّ تعالى؛ فهو باطلٌ، لا فائدة فيه، ولكن إذا لم تكن فيه مضرَّةٌ راجحةٌ؛ لم يَحْرُم، ولم يُنْه عنه، ولكن إذا صدَّ عن ذكر الله، وعن الصَّلاة؛ صارَ مكروهًا بغيضًا للربِّ مَقِيتًا عنده، إمَّا بأصله، [٦١ ب] وإما بالتَّجاوُز فيه.
وكلُّ ما صدَّ عن اللذَّة المطلوبة؛ فهو وبالٌ على صاحبه، فإنَّه لو اشتغل حين مباشرته له بما ينفعه، ويَجْلِبُ له اللذَّةَ المطلوبة الباقية؛ لكان خيرًا له، وأنفع.
ولمَّا كانت النفوس الضَّعيفةُ كنفوس النساء والصِّبيان، لا تنقاد إلى أسباب اللذَّة العظمى إلَاّ بإعطائها شيئًا من لذة اللهو واللَّعب، بحيث لو فطمتْ عنه كل الفطام طلبت ما هو شرٌّ لها منه، رخِّص لها من ذلك ما لم يُرخَّصْ فيه لغيرها، وهذا كما دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه
стр. 270
على النبي ﷺ وعنده جَوارٍ يَضربْنَ بالدُّفِّ، فأسكتهنَّ لدخوله، وقال: «هذا رجُلٌ لا يُحِبُّ الْباطِل» (١) فأخبر: أنَّ ذلك باطل، ولم يمنعهنَّ منه؛ لما يترتب لهن عليه من المصلحة الراجحة، ويترُكنَ به مفسدةً أرجح من مفسدته، وأيضًا: فيحصلُ لهم من التَّأَلُّمِ بتركه مفسدةٌ هي أعظم من مفسدته، فتمكينُهم من ذلك من باب الرَّحمة، والشَّفقة، والإحسان، كما مكَّن النَّبيُّ ﷺ أبا عُمَيرٍ من اللعب بالعصفور بحضرته (٢)، ومكَّنَ الجاريتين من الغناء بحضرته (٣)، ومكَّن عائشة ﵂ من النظر إلى الحَبَشة وهم يلعبون في المسجد (٤)، ومكَّن تلك المرأة أن تضربَ على رأْسه بالدُّف (٥)، ونظائر ذلك.
فأين هذا من اتِّخاذ الشيوخ المشار إليهم المُقْتَدى بهم ذلك دينًا،
стр. 271
وطريقًا مع التوسُّع فيه غاية التوسُّع بما لا ريبَ في تحريمه؟
ونظيرُ هذا إعطاء النَّبيِّ ﷺ المؤلفة قلوبهم من الزكاة والغنيمة؛ لضعف قلوبهم عن قلوب الرَّاسخين في الإيمان من أصحابه، ولهذا أعطى هؤلاء، ومنع هؤلاء، وقال: أكِلُهُم إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغَنَاءِ والخير.
ونظير هذا: مزاحُه ﷺ مع من كان يمزح معه من الأعراب، والصبيان، والنساء؛ تطييبًا لقلوبهم، واستجلابًا لإيمانهم، وتفريحًا لهم. وفي مراسيل الشَّعبيِّ: أنَّ النبيَّ ﷺ مرَّ على أصحاب الدِّرَكْلَة فقال: «خذوا يا بني أرفدة حتَّى تعلمَ الْيَهُودُ والنَّصَارى [٦٢ أ] أنَّ في دِيننا فُسْحةً». ذكره أبو عُبيد (١)، وقال: الدِّركلة: لعبة العجم.
فالنَّبيُّ ﷺ يبذُل للنفوس من الأموال والمنافع ما يتألَّفُها به على الحقِّ المأْمور به، ويكون المبذول ممَّا يلتذُّ به الآخذ، ويحبُّه، لأنَّ ذلك وسيلةٌ إلى غيره، ولا يفعل ذلك مع من لا يحتاج إليه، كالمهاجرين، والأنصار، بل يبذلُ لهم أنواعًا أُخر من الإحسان إليهم، والمنافع في دينهم ودنياهم.
ولمَّا كان عمر بن الخطاب ﵁ ممَّن لا يحبُّ هذا الباطل ولا سماعه، ولا يحتاج أن يُتَأَلَّف بما يُتألف به غيرُه، وليس مأْمورًا بما
стр. 272
أُمر به النبيُّ ﷺ من التأليف على الإيمان به، وطاعته بكل طريقٍ؛ كان إعراضُه عنه كمالًا بالنسبة إليه، وحالُ النبي ﷺ أكملُ.
فصل
إذا عُرف هذا، فأقسامُ اللذّات ثلاثةٌ: لذَّةٌ جُثمانية، ولذة خيالية وَهْمِية، ولذَّةٌ عقليةٌ رُوحانية.
ف اللذَّة الجثمانيةُ: لذَّةُ الأكل، والشُّرب، والجماع، وهذه اللذَّة يشتركُ فيها مع الإنسان الحيوانُ البهيمُ، فليس كمالُ الإنسان بهذه اللذَّة؛ لمشاركة أنقص الحيوانات له فيها، ولأنَّها لو كانت كمالًا لكان أفضلُ الإنسان، وأشرفُهم، وأكملُهم أكثرَهم أكلًا، وشربًا، وجماعًا، وأيضًا: لو كانت كمالًا؛ لكان نصيبُ رُسُل الله وأنبيائه وأوليائه منها في هذه الدار أكملَ من نصيب أعدائه. فلمَّا كان الأمرُ بالضدّ؛ تبيَّن أنَّها ليست في نفسها كمالًا، وإنَّما تكون كمالًا إذا تضمَّنت إعانةً على اللذَّة الدائمة العظمى، كما تقدَّم.
فصل
وأمَّا اللذَّة الوهميَّةُ الخيالية: فلذَّةُ الرِّئاسة، والتعاظُم على الخلق، والفخر، والاستطالة عليهم.
وهذه اللذَّة وإن كان طُلّابُها أشرف نفوسًا من طلَّاب اللذَّة الأولى؛ فإن آلامَها وما تُوجبه من المفاسد والمضار أعظمُ من التذاذ النَّفس بها،
стр. 273
فإنَّ صاحبَها منتصبٌ لمعاداة كلِّ منْ تعاظم وترأَس عليه. ولها شروطٌ وحقوقٌ [٦٢ ب] تُفوِّت على صاحبها كثيرًا من لذاته الحسِّيَّة، ولا يتمُّ إلا بتحمُّل مشاقّ وآلام أعظمَ منها. فليست هذه في الحقيقة بلذَّةٍ؛ وإن فرحت بها النفسُ، وسُرَّت بحصولها.
وقد قيل: إنَّه لا حقيقة للذَّة في الدُّنيا، وإنَّما غايتُها دفعُ آلامٍ، كما يُدفع ألمُ الجوع، والعطش، وألمُ الشهوة، بالأكل، والشرب، والجماع، وكذلك يُدفع ألمُ الخمول وسقوطِ القَدْرِ عند الناس بالرِّئاسة والجاه.
والتحقيقُ: أنَّ اللذَّة أمرٌ وجوديٌّ يستلزم دفع الألم بما بينهما من التضادِّ.
فصل
وأمَّا اللذَّة العقليةُ الرُّوحانية: فهي كلذَّةِ المعرفة، والعلم، والاتصاف بصفات الكمال: من الكرم، والجود، والعفَّة، والشَّجاعة، والصبر، والحِلْمِ، والمروءة وغيرها، فإن الالتذاذ بذلك من أعظم اللذَّات، وهو لذَّةُ النَّفس الفاضلة العُلوية الشريفة، فإذا انضمَّت اللذَّة بذلك إلى لذَّة معرفة الله تعالى، ومحبَّته، وعبادته وحده لا شريك له، والرِّضا به؛ عوضًا من كلِّ شيءٍ ــ ولا يُتعوَّض بغيره عنه ــ فصاحبُ هذه اللذَّة في جنَّةٍ عاجلةٍ نِسْبتُها إلى لذَّاتِ الدنيا، كنسبة لذَّة الجنَّة إلى لذَّة الدنيا، فإنه ليس للقلب والرُّوح ألذُّ، ولا أطيبُ، ولا أحلى، ولا أنعمُ من محبَّةِ الله، والإقبالِ عليه، وعبادته وحده، وقرة العين به، والأنس بقربه،
стр. 274
والشوق إلى لقائه ورؤيته، وإن مثقال ذرَّةٍ من هذه اللَّذة لا يُعدل بأمثال الجبال من لذات الدنيا؛ وكذلك كان أدنى مثقال ذرَّةٍ من إيمانٍ بالله ورسوله يُخَلِّص من الخلود في دار الآلام، فكيف بالإيمان الذي يمنعُ دخولها؟
قال بعض العارفين: من قرَّت عينهُ بالله؛ قرَّت به كلُّ عين، ومن لم تقرَّ عينه بالله؛ تقطَّعت نفسه حسرات على الدنيا، ويكفي في فضل هذه اللذَّة وشرفها: أنَّها تُخرج من القلب ألمَ الحسرة على ما يفوت من هذه الدنيا، حتى إنَّه ليتألَّم بأعظم ما يلتذُّ به أهلُها، ويفِرُّ منه فرارهم من المؤلم. وهذا موضعٌ الحاكمُ فيه الذوقُ، لا مجرَّدُ لسان العلم.
وكان بعضُ العارفين يقول: مساكين أهل الدُّنيا، [٦٣ أ] خرجوا من الدنيا، ولم يذوقوا أطيبَ نعيمها، فيقال له: وما هو؟ فيقول: محبَّةُ الله، والأنسُ به، والشَّوقُ إلى لقائه، ومعرفة أسمائه وصفاته.
وقال آخر: أطيبُ ما في الدُّنيا: معرفتُه، ومحبَّتُه، وألذُّ ما في الآخرة: رؤيتُه، وسماعُ كلامه بلا واسطة.
وقال آخر: والله إنَّه ليَمُرُّ بالقلب أوقاتٌ أقول فيها: إن كان أهل الجنَّة في مثل هذه الحال إنَّهم لفي عيش طيِّب. وأنت ترى محبَّة من في محبَّتِه عذاب القلب والرُّوح؛ كيف تُوجب لصاحبها لذَّةً يتمنَّى: أنَّه لا يُفارقه حبُّه؟
стр. 275
كما قال شاعرُ الحماسة (١):
تشكَّى المحبُّون الصَّبابَةَ ليتني ... تحمَّلْتُ ما يَلْقَوْنَ منْ بينهم وَحدِي
فكانتْ لقلبي لذَّةُ الحبِّ كلُّها ... فلم يَلْقَها قبلي مُحِبٌّ ولا بَعدِي
قالت رابعة (٢): شَغلُوا قلوبهم بحبِّ الدُّنيا عن الله، ولو تركوها؛ لجالت في الملكوت، ثمَّ رجعت إليهم بطرائف الفوائد.
وقال سَلْم الخوّاص (٣): تركتموه، وأقبل بعضُكم على بعض، ولو أقبلتم عليه؛ لرأيتُم العجائب.
وقالت امرأةٌ من العابدات (٤): لو طالعتْ قلوب المؤمنين بفكرها ما ذُخر لها من حُجُب الغيوب من خير الآخرة؛ لم يصف لها في الدُّنيا عيش، ولم تقرَّ لها عين في الدنيا.
وقال بعضُ المحبِّين (٥): إنَّ حُبَّه شغل قلوب مُحبِّيه عن التلذُّذِ بمحبَّة غيره، فليس لهم في الدُّنيا مع حُبِّه لذَّةٌ تُداني محبَّتَه، ولا يؤمِّلون في الآخرة من كرامة الثواب أكبرَ عندهم من النَّظر إلى وَجه محبوبهم.
стр. 276
وقال بعض السَّلف (١): ما مِنْ عبدٍ إلا وله عينان في وجهه يُبصر بهما أمرَ الدُّنيا، وعينان في قلبه يُبصر بهما أمرَ الآخرة، فإذا أراد الله بعبدٍ خيرًا؛ فتح عينيه اللَّتينِ في قلبه، فأبصرَ بهما من اللذَّةِ والنعيم ما لا خطر له، مِمَّا وعَدَ به من لا أصدق منه حديثًا، وإذا أراد به غير ذلك؛ تركه على ما هو عليه، ثمَّ قرأ: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد/ ٢٤] ولو لم يكن للقلب [٦٣ ب] المشتغل بمحبَّة غير الله، المعرِضِ عن ذكره من العقوبة؛ إلا صدؤهُ، وقسوته، وتعطُّله عمَّا خُلِق له؛ لكفى بذلك عقوبة.
وقد روى عبد العزيز بن أبي رَوَّاد عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ هذه القُلُوب تصْدَأُ كما يصدَأُ الحديد» قيل: يا رسُول الله! فما جلاؤُها؟ قال: «تِلاوَةُ القُرْآنِ» (٢).
وقال بعضُ العارفين (٣): إنَّ الحديد إذا لم يُستعمل غَشِيَه الصدَأُ حتى يفسده، كذلك القلب إذا عُطِّل من حبِّ الله، والشوق إليه، وذكره؛
стр. 277
غلبه الجهلُ حتى يميتَه، ويُهْلِكَه.
وقال رجلٌ للحسن (١): يا أبا سعيد أشكو إليك قسوة قلبي! قال: أذِبْه بالذِّكر.
وأبعدُ القلوب من الله القلبُ القاسي، ولا يُذهبُ قساوته إلا حبٌّ مقلقٌ، أو خوفٌ مزعج.
فإن قيل: ما السبب الذي لأجله يلتذُّ المحبُّ بحبّه، وإنْ لم يظفر بحبه؟
قيل: الحبُّ يُوجب حركة النفس، وشدَّة طلبها، والنفسُ خُلقت متحركة بالطَّبع، كحركة النار، فالحبُّ حركتُها الطبيعيةُ، فكلُّ من أحبَّ شيئًا من الأشياء؛ وجد في حبه لذَّة وروحًا، فإذا خلا عن الحُبِّ مطلقًا تعطَّلت النفسُ عن حركتها، وثَقُلت، وكسِلتْ، وفارقها خفةُ النشاط.
ولهذا تجد الكُسالى أكثر الناس همًّا، وغمًّا، وحزنًا، ليس لهم فرحٌ، ولا سرورٌ، بخلاف أرباب النَّشاط، والجدِّ في العمل أيِّ عمل كان، فإن كان النشاطُ في عملٍ هم عالمون بحسن عواقبه، وحلاوة غايته؛ كان التذاذُهم بحبِّه، ونشاطُهم فيه أقوى. وبالله التوفيق.
стр. 278
الباب الرابع عشر
فيمنْ مدح العِشْقَ وتمنَّاه، وَغَبَطَ صاحبَه
على ما أُوتِيَهُ مِنْ مُناه
هذا موضعٌ انقسم الناس فيه قسمين، وربما كان للشخص الواحد فيه مجموع الحالتين. فقسمٌ مدحوا العشق، وتمنَّوْه، ورغبوا فيه، وزعموا أن من لم يذُق طعمه؛ لم يذقْ طعم العيش. قالوا: وقد تبيَّن أنَّ كمالَ اللذَّة تابعٌ لكمال الحبِّ، فأعظمُ الناس لذَّةً بالشيء أكثرُهم محبةً له، وقد تقدم تقريرُه.
[٦٤ أ] قالوا: وقد حبَّبَ الله إلى رُسُله وأنبيائه نساءهم وسراريهم، فكان آدم أبو البشر شديد المحبة لحواء، وقد أخبر الله : أنه خلق زوجته منه؛ ليسكن إليها. قالوا: وحبُّه لها هو الذي حمله على موافقتها في الأكل من الشجرة.
قالوا: وأوَّلُ حبٍّ كان في هذا العالم حبُّ آدم لحوَّاء، وصار ذلك سنةً في ولده في المحبَّة بين الزَّوجين. قالوا: وهذا داود من محبَّته للنساء جمع بين مئة امرأةٍ، وكذلك ابنُه سليمان.
قالوا: وقد عاب اليهودُ ـ عليهم لعائن الله ـ النبي ﷺ بحبه النساء وكثرة تزوُّجه، فأنزل الله ذبًّا عن رسوله ﷺ وإخبارًا بأن ذلك من فضله، ونعمه عليه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا
стр. 279
آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء/ ٥٤].
قالوا: وقد كان عند إبراهيم خليل الرحمن أجمل النساء سارة، ثم تسرَّى بهاجر، وكان شديد المحبة لها. قال سعد بن أبي وقاص ﵁: كان إبراهيم الخليل يحبُّ سُرِّيَّته هاجر محبَّةً شديدةً، وكان يزورها في كل يومٍ على البُراق من الشام من شغفه بها.
قال الخرائطيُّ (١): حدثنا نصرُ بن داود، حدَّثنا الواقديُّ عن محمد بن صالح، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن أبيه، فذكره.
وقد ثبت في الصحيح (٢) من حديث الشعبيِّ عن عمرو بن العاص ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ على جيش وفيهم أبو بكر، وعمر ﵄، فلما رجعت قلت: يا رسول الله! من أحبُّ الناس إليك؟ قال: «وما تُريد؟» قلت: أُحبُّ أن أعلم. قال: «عائشة» قلت: إنما أعني من الرجال، قال: «أبوها».
وذكر مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن عمته، عن عائشة: أن فاطمة ذكرتها عند النبي ﷺ ، فقال لها: «يا بُنيَّة إنها حبيبة أبيك» (٣).
стр. 280
وأصلُ الحديث في الصحيح (١)، من حديث الليث، عن ابن شهاب، عن محمَّد بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ قالت: أرسل أزواج النبي ﷺ فاطمة بنت رسول الله ﷺ إليه، فدخلت [٦٤ ب] وهو مضطجعٌ معي في مِرْطي، فقالت: يا رسول الله! إن أزواجك يسألنك العدل في ابنة أبي قُحافة، وأنا ساكتة، فقال لها رسول الله ﷺ : «ألست تُحِبِّين ما أُحِبُّ؟» قالت: بلى! قال: «فأحِبِّي هذه».
وثبت في الصحيح (٢) من حديث حمَّاد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقسِمُ بين نسائه، فيعدلُ، ويقول: «اللهمَّ هذا فعلي فيما أملك، فلا تَلُمْني فيما تملك، ولا أملك» يُريد ﷺ : أنه يُطيق العدل بينهنَّ في النفقة عليهنَّ، والقسم بينهنَّ، وأمَّا التسوية بينهنَّ في المحبَّة؛ فليست إليه، ولا يملكها.
وقال ابن سيرين (٣): سألت عبيدة عن قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء/ ١٢٩] فقال: يعني: الحب، والجماع.
стр. 281
وقال ابن عباس (١): لا تستطيع أن تعدل بينهنَّ في الشَّهوة، ولو حرصتَ.
وقال أبو قيس مولى عمرو بن العاص (٢): بعثني عمروٌ إلى أمّ سلمة، فقال: سلها أكانَ رسول الله ﷺ يُقَبِّلُ أهله وهو صائم؟ فإن قالت: لا؛ فقل لها: إن عائشة ﵂ حدَّثتنا أنَّ رسول الله ﷺ كان يقبِّلها وهو صائم. فسألها، فقالت: لا، فأخبرَها بما قال عمرو، فقالت أُمّ سلمة ﵂: إنَّ رسول الله ﷺ كان إذا رأى عائشة لم يتمالك عنها، أمَّا أنا فلا.
وقال بيان عن الشَّعبيِّ (٣): أتاني رجلٌ، فقال: كُلّ أُمَّهات المؤمنين أُحِبّ إلا عائشة. فقلت: أمَّا أنت فقد خالفت رسول الله ﷺ ، كانت عائشة ﵂ أحبَّهنَّ إلى قلبه.
وقال مُصْعَبُ بن سعد (٤): فرض عمر بن الخطَّاب ﵁ لأُمهات المؤمنين ﵅ عشرة آلاف، عشرة آلاف، وزاد عائشة ألفين وقال: إنَّها حبيبةُ رسول الله ﷺ .
стр. 282
وكان مسروق (١) إذا حدَّث عن عائشة ﵂ يقول: حدَّثتني الصَّدِّيقَةُ بنت الصِّدِّيق، حبيبةُ رسول ربّ العالمين، المبرَّأةُ من فوق سبع سموات.
قال أبو محمد بن حزم (٢): وقد أحبَّ من [٦٥ أ] الخلفاء الراشدين والأئمة المهْدِيِّين كثيرٌ.
قال الخرائطي (٣): واشترى عبد الله بن عمرَ جاريةً روميَّةً، فكان يُحِبُّها حبًّا شديدًا، فوقعت ذات يوم عن بغلةٍ له، فجعل يمسحُ التراب عن وجهها، ويُفدِّيها، وكانت تقول له: أنت قالون، تعني: جيد، ثم إنها هربت منه، فوجدَ عليها وجدًا شديدًا، وقال:
قد كنتُ أحسِبُني قالونَ فانصرفتْ ... فاليومَ أحسب أنِّي غيرُ قالون
وقصة مُغيث وعشقِهِ بَرِيرة، حتى إنه كان يطوف وراءَها، ودموعُه تسيلُ على خدّيه في الصَّحيح (٤).
وكان عُرْوة (٥) بن أُذيْنَة شيخُ مالكٍ من العلماء الثِّقات، الصُّلَحاء،
стр. 283
وقفت عليه امرأةٌ فقالت: أنت الذي يقال له: الرجلُ الصَّالح، وأنت تقول (١):
إذا وجَدْتُ لهيبَ الحبِّ في كَبِدي ... عَمَدْتُ نحو سِقاءِ القوم أبْتَرِدُ
هَبْني بَرَدْتُ ببَرْدِ الماء ظاهرَه ... فمنْ لنارٍ على الأحْشَاء تتَّقِدُ؟
وكان محمد بن سيرين ينشد (٢):
إذا خَدِرَتْ رِجْلي تذكّرتُ منْ لها ... فناديتُ لُبْنى باسمِها ودعَوْتُ
دعوتُ التي لو أنَّ نفسي تُطيعُني ... لألقيتُ نفسي نحوَها وقضَيْتُ
وقال صالح عن ابن شهاب: حدّثني عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَةَ: أنَّ ابن مسعود ﵁ قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ في قريبٍ من ثمانين رجلًا، ليس فيهم إلا قرشيٌّ، والله ما رأيتُ صفحة وجوهٍ
قطُّ أحسن من وجوههم يومئذٍ، قال: فذكروا النساء، فتحدَّثوا فيهنَّ، وتحدَّثت معهم، حتى أحببتُ أن نسكتَ.
قالوا: ولولا لطافةُ الحبِّ ولذَّتُه لما تمنَّاه المُتَمنُّون. قال شاعر
стр. 284
الحماسة (١):
تَشَكَّى المحبُّون الصَّبابةَ ليتني ... تحمَّلتُ ما يَلْقَوْن مِنْ بينهم وَحدي
فكانتْ لقلبي لذَّةُ الحبِّ كلُّها ... فلم يَلْقَها قبلي مُحِبٌّ ولا بَعدي
قالوا: والعشقُ المباحُ مما يُؤجر عليه العُشّاقُ، كما قال شريك بن عبد الله (٢) ـ وقد سُئل عن العُشّاق ـ فقال: أشدُّهم حُبًّا أعظمُهم أجرًا. وصدق والله إذا كان المعشوق ممَّنْ يُحِبُّ الله للعاشق قربَه ووصلَه، وقالت امرأة (٣):
لن يقبل اللهُ من معشوقةٍ عملًا ... يومًا وعاشقُها لَهْفَانُ مَهْجُورُ
ليستْ بمأْجورةٍ في قتلِ عاشقِها ... لكنَّ عاشِقَها في ذاك مأْجورُ
ونحن نقول: متى باتت مهاجرةً لفراش عاشقها الذي هو بعلُها؛ لعنتها الملائكة حتى تُصْبِحَ.
قالوا (٤): والعشقُ يُصفِّي الهمَّ، ويهذّب العقل، ويبعثُ على حسن
стр. 285
اللباس، وطيب المطعم، ومكارم الأخلاق، ويُعلي الهمَّة، ويحملُ على طيب الرائحة، وكرم العشرة، وحفظ الأدب والمُروءة، وهو بلاءُ الصَّالحين، ومحنة العابدين، وهو ميزان العقول، وجلاء الأذهان، وهو خُلُق الكرام، كما قيل (١):
وما أحببتُها فُحْشًا ولكن ... رأيتُ الحُبَّ أخلاقَ الكِرام
قالوا: وأرواحُ العُشَّاقِ عَطِرَةٌ لطيفة، وأبدانهم رقيقةٌ ضعيفة، وأرواحُهم بطيئةُ الانقياد لمن قادَها، حاشا سكنَها الذي سكنت إليه، وعقدت حبَّها عليه، وكلامُهم، ومنادمتهم تزيد في العقول، وتُحرِّكُ النفوسَ، وتُطيّب الأرواح، وتلهو بأخبارهم أُولو الألباب.
فأحاديثُ العُشّاقِ زينة مجالسهم، ورُوح محادثتهم، ويكفي أن يكون الأعرابي الذي لا يُذْكر مع الملوك ولا مع الشجعان الأبطال يعشقُ، ويشتهر بالعِشْق، فيُذْكَر في مجالس الملوك والخلفاء ومَنْ دونَهم، وتدوَّن أخبارُه، وتُرْوى أشعارُه، ويُبقي له العشقُ ذكرًا مخلَّدًا، ولولا العشقُ لم يُذكر له اسمٌ، ولم يَرْفَعْ به رأسا.
وقال بعض العقلاء: العشقُ للأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان، إن تركتَه ضرّك، وإن أكثرتَ منه قتلك.