وقال ابن عباس (١): لا تستطيع أن تعدل بينهنَّ في الشَّهوة، ولو حرصتَ.
وقال أبو قيس مولى عمرو بن العاص (٢): بعثني عمروٌ إلى أمّ سلمة، فقال: سلها أكانَ رسول الله ﷺ يُقَبِّلُ أهله وهو صائم؟ فإن قالت: لا؛ فقل لها: إن عائشة ﵂ حدَّثتنا أنَّ رسول الله ﷺ كان يقبِّلها وهو صائم. فسألها، فقالت: لا، فأخبرَها بما قال عمرو، فقالت أُمّ سلمة ﵂: إنَّ رسول الله ﷺ كان إذا رأى عائشة لم يتمالك عنها، أمَّا أنا فلا.
وقال بيان عن الشَّعبيِّ (٣): أتاني رجلٌ، فقال: كُلّ أُمَّهات المؤمنين أُحِبّ إلا عائشة. فقلت: أمَّا أنت فقد خالفت رسول الله ﷺ ، كانت عائشة ﵂ أحبَّهنَّ إلى قلبه.
وقال مُصْعَبُ بن سعد (٤): فرض عمر بن الخطَّاب ﵁ لأُمهات المؤمنين ﵅ عشرة آلاف، عشرة آلاف، وزاد عائشة ألفين وقال: إنَّها حبيبةُ رسول الله ﷺ .
стр. 282
وكان مسروق (١) إذا حدَّث عن عائشة ﵂ يقول: حدَّثتني الصَّدِّيقَةُ بنت الصِّدِّيق، حبيبةُ رسول ربّ العالمين، المبرَّأةُ من فوق سبع سموات.
قال أبو محمد بن حزم (٢): وقد أحبَّ من [٦٥ أ] الخلفاء الراشدين والأئمة المهْدِيِّين كثيرٌ.
قال الخرائطي (٣): واشترى عبد الله بن عمرَ جاريةً روميَّةً، فكان يُحِبُّها حبًّا شديدًا، فوقعت ذات يوم عن بغلةٍ له، فجعل يمسحُ التراب عن وجهها، ويُفدِّيها، وكانت تقول له: أنت قالون، تعني: جيد، ثم إنها هربت منه، فوجدَ عليها وجدًا شديدًا، وقال:
قد كنتُ أحسِبُني قالونَ فانصرفتْ ... فاليومَ أحسب أنِّي غيرُ قالون
وقصة مُغيث وعشقِهِ بَرِيرة، حتى إنه كان يطوف وراءَها، ودموعُه تسيلُ على خدّيه في الصَّحيح (٤).
وكان عُرْوة (٥) بن أُذيْنَة شيخُ مالكٍ من العلماء الثِّقات، الصُّلَحاء،
стр. 283
وقفت عليه امرأةٌ فقالت: أنت الذي يقال له: الرجلُ الصَّالح، وأنت تقول (١):
إذا وجَدْتُ لهيبَ الحبِّ في كَبِدي ... عَمَدْتُ نحو سِقاءِ القوم أبْتَرِدُ
هَبْني بَرَدْتُ ببَرْدِ الماء ظاهرَه ... فمنْ لنارٍ على الأحْشَاء تتَّقِدُ؟
وكان محمد بن سيرين ينشد (٢):
إذا خَدِرَتْ رِجْلي تذكّرتُ منْ لها ... فناديتُ لُبْنى باسمِها ودعَوْتُ
دعوتُ التي لو أنَّ نفسي تُطيعُني ... لألقيتُ نفسي نحوَها وقضَيْتُ
وقال صالح عن ابن شهاب: حدّثني عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَةَ: أنَّ ابن مسعود ﵁ قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ في قريبٍ من ثمانين رجلًا، ليس فيهم إلا قرشيٌّ، والله ما رأيتُ صفحة وجوهٍ
قطُّ أحسن من وجوههم يومئذٍ، قال: فذكروا النساء، فتحدَّثوا فيهنَّ، وتحدَّثت معهم، حتى أحببتُ أن نسكتَ.
قالوا: ولولا لطافةُ الحبِّ ولذَّتُه لما تمنَّاه المُتَمنُّون. قال شاعر
стр. 284
الحماسة (١):
تَشَكَّى المحبُّون الصَّبابةَ ليتني ... تحمَّلتُ ما يَلْقَوْن مِنْ بينهم وَحدي
فكانتْ لقلبي لذَّةُ الحبِّ كلُّها ... فلم يَلْقَها قبلي مُحِبٌّ ولا بَعدي
قالوا: والعشقُ المباحُ مما يُؤجر عليه العُشّاقُ، كما قال شريك بن عبد الله (٢) ـ وقد سُئل عن العُشّاق ـ فقال: أشدُّهم حُبًّا أعظمُهم أجرًا. وصدق والله إذا كان المعشوق ممَّنْ يُحِبُّ الله للعاشق قربَه ووصلَه، وقالت امرأة (٣):
لن يقبل اللهُ من معشوقةٍ عملًا ... يومًا وعاشقُها لَهْفَانُ مَهْجُورُ
ليستْ بمأْجورةٍ في قتلِ عاشقِها ... لكنَّ عاشِقَها في ذاك مأْجورُ
ونحن نقول: متى باتت مهاجرةً لفراش عاشقها الذي هو بعلُها؛ لعنتها الملائكة حتى تُصْبِحَ.
قالوا (٤): والعشقُ يُصفِّي الهمَّ، ويهذّب العقل، ويبعثُ على حسن
стр. 285
اللباس، وطيب المطعم، ومكارم الأخلاق، ويُعلي الهمَّة، ويحملُ على طيب الرائحة، وكرم العشرة، وحفظ الأدب والمُروءة، وهو بلاءُ الصَّالحين، ومحنة العابدين، وهو ميزان العقول، وجلاء الأذهان، وهو خُلُق الكرام، كما قيل (١):
وما أحببتُها فُحْشًا ولكن ... رأيتُ الحُبَّ أخلاقَ الكِرام
قالوا: وأرواحُ العُشَّاقِ عَطِرَةٌ لطيفة، وأبدانهم رقيقةٌ ضعيفة، وأرواحُهم بطيئةُ الانقياد لمن قادَها، حاشا سكنَها الذي سكنت إليه، وعقدت حبَّها عليه، وكلامُهم، ومنادمتهم تزيد في العقول، وتُحرِّكُ النفوسَ، وتُطيّب الأرواح، وتلهو بأخبارهم أُولو الألباب.
فأحاديثُ العُشّاقِ زينة مجالسهم، ورُوح محادثتهم، ويكفي أن يكون الأعرابي الذي لا يُذْكر مع الملوك ولا مع الشجعان الأبطال يعشقُ، ويشتهر بالعِشْق، فيُذْكَر في مجالس الملوك والخلفاء ومَنْ دونَهم، وتدوَّن أخبارُه، وتُرْوى أشعارُه، ويُبقي له العشقُ ذكرًا مخلَّدًا، ولولا العشقُ لم يُذكر له اسمٌ، ولم يَرْفَعْ به رأسا.
وقال بعض العقلاء: العشقُ للأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان، إن تركتَه ضرّك، وإن أكثرتَ منه قتلك.
стр. 286
وقال [٦٦ أ] ابنُ عبد البَرّ في كتابه «بهجة المجالس» (١): وُجد في صحيفةٍ لبعض أهل الهند: العشقُ ارتياحٌ جُعِل في الرُّوح، وهو معنًى تُنْتِجُه النجومُ في مطارح شُعاعِها، ويتولَّد في الطِّباع بوصلة أشكالها، وتَقْبَلُه الرُّوح بلطيف جوهرها، وهو بَعْدُ جلاءُ القلوب، وصيقلُ الأذهان ما لم يُفْرِط، فإذا أفرط صارَ شقاء قاتلًا، ومرضًا مُنْهِكًا، لا تنفُذُ فيه الآراء، ولا تَنْجَعُ فيه الْحِيل، والعلاجُ منه زيادةٌ فيه.
وقال أعرابيٌّ: هو أنس النفس، ومحادث العقل، تُجِنُّه الضَّمائر، وتخدمُه الجوارح.
وقال عبد الله بن طاهر أميرُ خُراسان لولده: اعشَقُوا تَظْرُفُوا، وعفُّوا تشرفوا.
وقال قُدامة: وصفه بعضُ البلغاء فقال: يشجِّع الجبان، ويسخِّي البخيل، ويُصَفِّي ذهن البليد، ويُفْصِح لسان العييّ، ويبعثُ حَزْم العاجز، ويذِلُّ له عزُّ الملوك، ويصرع له صَوْلَةُ الشجاع، وهو داعيةُ الأدب، وأوّلُ بابٍ تُفْتَق به الأذهانُ والفِطَن، وتستخرجُ به دقائق المكايد والحِيَل، وإليه تستروحُ الهمم، وتسكنُ نوافرُ الأخلاق والشِّيَم، يُمْتعُ جليسَه، ويؤنس أليفه، وله سرورٌ يجول في النفوس، وفرحٌ يسكُن في القلوب.
وقيل لبعض الرؤساء: إن ابنَك قد عشقَ، فقال: الحمد لله! الآن
стр. 287
رقَّت حواشيه، ولَطُفَتْ معانيه، ومَلُحتْ إشاراته، وظَرُفت حركاته، وحسُنت عباراته، وجادت رسائله، وحلتْ شمائله، فواظبَ على المليح، واجتنب القبيح.
وقيل لآخر ذلك فقال: إذا عشق لَطُف، وظرُف، ودقَّ، ورَقَّ. وقيل لبعضهم (١): متى يكون الفتى بليغًا؟ قال: إذا صنَّف كتابًا، أو وصف هوًى، أو حبيبًا.
وقيل لسعيد بن سلم: إنَّ ابنك شرع في الرَّقيق من الشِّعر، فقال: دعوه يظرُف وينظف ويلْطُف.
وقال العباس بن الأحنف (٢):
وما الناسُ إلا العاشقونَ ذوو الهوى ... ولا خيرَ فِيْمن لا يُحِبُّ ويعْشَقُ
وقال الحسين بن مُطير (٣) [٦٦ ب]:
إنَّ الغواني جَنَّةٌ رَيْحانُها ... نضر الحياة فأينَ عنها تَعزِفُ
لولا ملاحتهنَّ ما كانتْ لنا ... دنيا نَلَذُّ بها ولا نتصرَّفُ
стр. 288
وقال غيره (١):
ولا خيرَ في الدُّنيا ولا في نعيمِها ... وأنتَ وحيدٌ مفردٌ غيرُ عاشِق
وقال آخر (٢):
هل العَيْشُ إلا أنْ تروح وتغتدي ... وأنت بكأسِ العِشْقِ في النَّاس نشوانُ
وقال العَطوي (٣):
ما دِنتُ بالحبِّ إلَّا ... والحبُّ دينُ الكرام
وقال آخر (٤):
نظرتُ إليها نظرةً فهوِيتُها ... ومن ذا له عقلٌ سليمٌ ولا يَهوى؟!
وقال آخر (٥):
стр. 289
وما سرَّني أنِّي خَلِيٌّ مِن الهوى ... ولو أنَّ لي ما بين شَرْقٍ ومَغْرب
وقال آخر (١):
وما تلفَتْ إلا من العشق مُهْجَتي ... وهلْ طاب عيشٌ لامرئ غير عاشق؟!
وقال آخر (٢):
ولا خيرَ في الدُّنيا بغير صَبابةٍ ... ولا في نعيمٍ ليس فيه حَبيبُ
وقال الكُمَيْت (٣):
ما ذاق بُؤْسَ معيشةٍ ونعيمَها ... فيما مضَى أحدٌ إذا لم يَعْشقِ
العشقُ فيه حلاوةٌ ومَرارةٌ ... فاسأل بذلك من تطعَّم أوْ ذُق
стр. 290
وقال آخر:
وما طابتِ الدُّنيا بغير محبَّةٍ ... وأيُّ نعيمٍ لامرئ غيرِ عاشق؟!
وقال آخر (١):
اسكُنْ إلى سكنٍ تلذُّ بحبِّه ... ذهب الزمانُ وأنت خالٍ مُفْردُ
وقال آخر (٢):
إذا أنت لم تعشق ولم تدرِ ما الهوى ... فأنت وعَيْرٌ في الفلاة سواءٌ
وقال آخر (٣):
إذا أنت لم تعشقْ ولم تَدْرِ ما الهوى ... فكن حجرًا من يابس الصَّخرِ جَلْمَدا
وقال آخر (٤):
إذا أنت لم تعشقْ ولم تَدْرِ ما الهوى ... فقم فاعتلف تِبْنًا فأنت حمارُ
стр. 291
وقال آخر (١):
إذا لم تذُق في هذه الدار صبْوةً ... فموتُك فيها والحياةُ سواءُ
وقال الأقرعُ بنُ مُعاذ (٢):
ولا خيرَ في الدُّنيا إذا أنت لم تَزُرْ ... حبيبًا ولا وافَى إليك حبيبُ
وقال آخر:
وما ذاق طعم العيش من لم يكن له ... حبيبٌ إليه يطمئنُّ ويسكُنُ
[٦٧ أ] وقال علي بن أبي كثير (٣) لابن أبي الزرقاء: هل عشقت قطُّ حتى تُكاتب، وتراسل، وتُواعد؟ قال: لا. فقال: لا يجيء منك شيء.
وكان لبعض الملوك (٤) ولدٌ واحدٌ ساقطُ الهِمَّة، دنيء النفس، فأراد أن يُرشحه للمُلْكِ، فسلّط عليه الجواري والقِيان، فعشق منهنَّ واحدة، فأُعْلِمَ بذلك المَلِكُ، فسُرَّ، وأرسل إلى المعشوقة أن تجنَّي عليه،
стр. 292
وقُولي: إنِّي لا أصلُح إلَاّ لملكٍ، أو عالم. فلمَّا قالت له ذلك؛ أخذ في التعلُّم، وما عليه الملوك من آداب المُلْكِ حتى برع في ذلك.
وقال المرْزُباني (١) سُئل أبو نَوْفَل: هل يسلمُ أحدٌ من العِشْق؟ فقال: نعم! الجِلْفُ الجافي؛ الذي ليس له فضلٌ، ولا عنده فهم، فأما من في طبعه أدنى ظُرْفٍ، أو معه دماثة أهل الحجاز وظُرْفُ أهل العراق؛ فهيهات!
وقال علي بن عبدة (٢): لا يخلو أحدٌ من صبْوةٍ؛ إلا أن يكون جافي الخِلْقة ناقصًا، أو منقوص الهمَّة، على خلاف تركيب الاعتدال.
قالوا: ولم يكمُل أحدٌ قطُّ إلا من عشقُه لأهل الكمال وتشبُّهه بهم، فالعالم يبلغُ في العلم بحسب عشقه له، وكذلك صاحبُ كلِّ صناعةٍ وحرفةٍ.
ويكفي أنَّ العاشق يرتاحُ لكريم الأخلاق، والأفعال، والشِّيم؛ لِتُحْمَدَ شمائلُه عند معشوقه، كما قال (٣):
ويرتاحُ للمعروفِ في طلبِ العُلا ... لِتُحْمَدَ يومًا عند ليلى شمائلُه
وقال أبو المِنْجاب (٤): رأيت في الطواف فتًى نحيفَ الجسم، بَيِّن
стр. 293
الضعف يلوذُ، ويتعوَّذ، ويقول:
وَدِدْتُ بأن الحبَّ يُجمعُ كلُّه ... فيُقذفُ في قلبي وينغلقُ الصدرُ
فلا ينقضي ما في فُؤادي من الهوى ... ومنْ فرحي بالحبِّ أو ينقضي العُمْرُ
فقلت: يا فتى! أما لهذه البنيَّة حُرمةٌ تمنعُك من هذا الكلام؟ فقال: بلى والله! ولكن الحبَّ ملأ قلبي بفرح التَّذَكُّر، ففاضت الفكرةُ في سرعة الأوبة إلى من لا يشذُّ عنه معرفةُ ما بي، فتمنَّيتُ المُنى. والله ما يسُرُّني ما بقلبي منه ما فيه أميرُ المؤمنين من المُلك [٦٧ ب]، وإنِّي أدعو الله أن يُثبته في قلبي عمري، ويجعله ضجيعي في قبري، دريْتُ به، أو لم أدر! هذا دعائي. وانصرف من جهتي، ثم بكى، فقلتُ: ما يُبكيك؟ قال: خوف ألَاّ يُستجاب دعائي، وله قصدت، وفيه رغبت مما يعطي الله سائر خلقه. ثم مضى.
قالت هذه الفرقة: وغايةُ ما يقدَّر في أمر العشق: أنَّه يقتُل صاحبَه، كما هو معروف عن جماعة من العُشَّاق، فقد قال سُوَيْدُ بن سعيد الحَدَثاني: حدَّثنا عليُّ بن مُسْهِر عن أبي يحيى القَتّات، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنَّه قال: «من عَشِقَ فكَتَم، وعفَّ، وصبر، فمات؛ فهُو شهيدٌ» (١) رواه عن سُويدٍ جماعةٌ.
стр. 294
وقال الخطيب (١): حدَّثنا أبو الحسن علي بن أيوب إملاءً، حدَّثنا أبو عبد الله المَرْزُباني وابنُ حَيَّويه وابن شاذان، قالوا: حدّثنا أبو عبد الله إبراهيمُ بن محمد بن عرفة نفْطويه قال: دخلتُ على محمد بن داود الأصبهانيِّ في مرضه الذي مات فيه، فقلت له: كيف تجدك؟ قال: حبُّ مَنْ تعلم أورثني ما ترى! فقلت: ما منعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه؟ فقال: الاستمتاع على وجهين: أحدهما: النظر المباح. والثاني: اللذَّة المحظورة. فأمَّا النظرُ المباحُ فإنه أورثني ما ترى، وأمَّا اللذَّة المحظورةُ فإنَّه منعني منها ما حدَّثني أبي، حدَّثنا سويد بن سعيد، حدّثنا عليُّ بن مُسْهر عن أبي يحيى القتَّات، عن مجاهد، عن ابن عباسٍ ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من عَشِقَ وكتَمَ، وعفَّ، وصبر؛ غفر اللهُ له، وأدْخلَهُ الجَنَّة».
قال الحاكم أبو عبد الله: إنَّما أتعجَّب من هذا الحديث، فإنَّه لم يحدِّث به غير سُويد، وهو وداود بن علي وابنه أبو بكر ثقاتٌ.
ثم رواه الخطيب (٢) حدّثنا الأزهريُّ، حدَّثنا المُعافى بنُ زكريا، حدَّثنا قُطْبة بنُ المفضل بن إبراهيم الأنصاريُّ، حدَّثنا أحمد بن محمَّد ابن مسروق، حدَّثنا سُويد، حدَّثنا ابنُ مُسْهِر عن هشام بن عُرْوة، عن
стр. 295
أبيه، عن عائشة ﵂ مرفوعًا.
ورواه الزُّبيرُ بنُ بكَّار عن عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجِشُون، عن عبد العزيز بن أبي [٦٨ أ] حازم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ به، ولفظه: «من عشق، فعفَّ، فمات؛ فهو شهيدٌ».
رواه أبو بكر محمَّدُ بن جعفر بن سهل الخرائطيُّ في كتاب «اعتلال القلوب» (١): حدَّثنا أبو يوسف يعقوب بن عيسى منْ ولد عبد الرحمن بن عوف، عن الزُّبير، فذكره، فخرج سُويد عن عُهدة التفرُّد به، على أنه لو تفرَّد به فهو ثقةٌ، احتجَّ به مسلمٌ في صحيحه.
وقال عبدُ الله بن أحمد: قال لي أبي: اكتبْ عنه حديث ضمام. وقال البغوي: كان حافظًا، وكان أحمد ينتقي لولدَيْهِ عليه: صالح، وعبد الله، فكانا يختلفان إليه، وقال مسلم: ثقةٌ، ثقة. وقال أبو حاتم الرازي ويعقوبُ ابن شيبة: هو صدوق، وأكثرُ ما عيب به التَّدليسُ، وقد صرَّح هاهنا بالتَّحديث، وعيب بأنَّه ذهب بصرُه في آخر عمره، فربَّما أُدخل عليه هذا الحديث في كتبه، ولكنَّ رواية الأكابر عنه هذا الحديث كان قبل ذهاب بصره؛ لأنه إنما عميَ في آخر عمره، وليس هذا بقادحٍ في حديثه.
стр. 296
قلت: وهذا حديثٌ باطلٌ على رسول الله ﷺ قطعًا، لا يُشْبِهُ كلامه، وقد صحَّ عنه: أنَّه عَدَّ الشهداء ستة، فلم يذكر فيهم قتيل العِشْق، ولا يُمكن أن يكون كلُّ قتيل بالعشق شهيدًا، فإنَّه قد يعشق عشقًا يستحقُّ عليه العقوبة. وقد أنكر حُفَّاظ الإسلام هذا الحديث على سُوَيد، وقد تكلَّم الناسُ فيه، فقال ابنُ المديني: ليس بشيء، والضريرُ إذا كان عنده كتبٌ، فهو عيب شديد. وقال يعقوب بن شيبة: صدوقٌ مضطربُ الحفظ، ولاسيَّما بعدما عميَ، وقال البخاريُّ: كان قد عميَ فتلقَّن ما ليس من حديثه. وقال أبو أحمد الجرجاني: هذا الحديث أحد ما أُنكر على سُويد (١)، وأنكره البيهقيُّ، وأبو الفضل بن طاهر، وأبو الفرج بن الجوزي، وأدخله في كتابه «الموضوعات» (٢).
ولمَّا رواه أبو بكر بن الأزرق عن [٦٨ ب] سُويد عاتبه عليه ابن المرْزُبان، فأسقط ذكر النبي ﷺ منه. فكان سويدٌ إذا سُئل عنه؛ لا يرفعه، وهذا أحسنُ أحواله أن يكون موقوفًا؛ وكذلك رواه أبو محمد بن
стр. 297
الحسين القاري من حديث أبي سعد البقَّال عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄.
وأمَّا سياق الخطيب له من حديث هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة ﵂ فلا يشُكُّ منْ شمَّ رائحة الحديث: أنَّ هذا باطلٌ على هشام عن أبيه، عن عائشة، ولا يحتمل هذا المتنُ هذا الإسناد بوجهٍ، والتحاكمُ في ذلك إلى أهل الحديث لا إلى العارين الغرباء منه. والظاهر: أنَّ ابن مسروقٍ سرقه، وغيَّر إسناده.
وأمّا حديث الزُّبير بن بكار؛ فمن رواية يعقوب بن عيسى، وهو ضعيفٌ، لا تقوم به حجَّةٌ، قد ضعَّفه أهلُ الحديث، ونسبوه إلى الكذب.
стр. 298
الباب الخامس عشر
فيمن ذمَّ العِشْقَ، وتبرَّم به، وما احتجَّ به
كلُّ فريقٍ على صحَّة مذهبه
قال الله تعالى إخبارًا عن المؤمنين: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة/٢٨٦] فأثنى عليهم سبحانه بهذا الدُّعاء؛ الذي سألوه فيه ألَاّ يحمِّلهم ما لا طاقة لهم به، وقد فُسِّر ذلك بالعشق، وليس المُرادُ اختصاصه به، بل المُراد: أنَّ العشق ممَّا لا طاقة للعبد به. وقال مكحول: هو شدة الغُلْمة.
وقال النَّبيُّ ﷺ : «لا ينبغي للمرءِ أنْ يُذِلّ نفسه» (١).
قال الإمام أحمدُ: تفسيرُه أن يتعرَّض من البلاء لما لا يطيق، وهذا
стр. 299
مطابق لحال العاشق، فإنَّه أذَلُّ الناس لمعشوقه، ولما يُحَصِّل به رضاه، والحبُّ مبناه على الذُّلِّ، والخضوع للمحبوب، كما قيل (١):
اخْضَعْ وَذِلَّ لِمَنْ تحبُّ فَلَيْسَ في ... شرعِ الهَوى أَنْفٌ يُشالُ ويُعْقَدُ
[٦٩ أ] وقال آخر (٢):
مساكينُ أهلُ العشقِ حتَّى قبورُهم ... عليها ترابُ الذُّلِّ بين المَقابر
وقال آخر (٣):
قالوا عهدناك ذا عزٍّ فقلتُ لهم ... لا يعجبُ الناسُ من ذلِّ المُحبِّينا
لا تُنكروا ذلَّة العُشّاقِ إنَّهمُ ... مستعبَدون برِقِّ الحُبِّ راضُونا
قالوا: وإذا اقتحم العبدُ بحرَ العشْق، ولعبتْ به أمواجهُ، فهو إلى الهلاك أدنى منه إلى السَّلامة، كما ذكر الخرائطيُّ (٤): أنَّه كان بالمدينة جاريةٌ ظريفةٌ، فهوِيَتْ رجلًا من قريشٍ، وكان لا يُفارقها، ولا تُفارقه، فملَّها، وزاد حبُّها له، فسقِمتْ، وجعل مولاها لا يَعْبَأُ بشكواها، ولا يَرِقُّ
стр. 300
لها، حتى هامتْ وسعتْ على وجهها، ومزَّقت ثيابها، وأفضتْ إلى أمرٍ عظيم. فلما رأى ما صارت إليه عالجَها فلم يَنْجَعْ فيها العلاج، وكانت تدورُ في السِّكَكِ بالليل، وتقول:
الحبُّ أوَّلُ ما يكونُ لَجاجة ... تأْتي به وتسوقُهُ الأقدارُ
حتَّى إذا اقتحم الفتى لُجَجَ الهوى ... جاءتْ أُمورٌ لا تُطاقُ كِبارُ
مَنْ ذا يُطيق كما أُطيق من الهوى ... غلبَ العزاءُ وباحتِ الأسرارُ
قال الخرائطي (١): وأنشدني بعض أصحابنا:
الحبُّ أوَّلهُ شيءٌ يهيمُ به ... قلبُ المحبِّ فيَلْقَى الموتَ كاللَّعِب
يكون مبدؤه منْ نظرةٍ عرَضَتْ ... ومَزْحَةٍ أَشْعَلَتْ في القَلْبِ كاللَّهَبِ
كالنَّارِ مبدؤها من قدْحةٍ فإذا ... تضرَّمتْ أحرقتْ مُسْتَجْمَعَ الحطَب
قالوا: وكيف يُمْدَح أمرٌ يمنع القرار، ويسلُب المنام، ويُوَلِّه العقل، ويُحْدِث الجنون، بل هو نفسه جنون، كما قال بعض الحكماء: الجنون فنون، والعشق فنٌّ من فنونه، كما قال بعضُ العُشَّاق (٢):
стр. 301
قالت جُنِنْتَ على رأسي فقلتُ لها ... العشقُ أعظمُ مِمَّا بالمَجانين
العشقُ لا يستفيقُ الدَّهر صاحبُه ... وإنَّما يُصْرَعُ المجنونُ في الحِيْن
قالوا: وكم من عاشقٍ أتلف في معشوقه مالَه، وعِرْضَه، ونفسَه، وضيَّع أهله، ومصالحَ دينه [٦٩ ب] ودنياه!
قال الزُّبَيْرُ بن بكَّار (١): جاءت بدويةٌ إلى أُختٍ لها، فقالت: كيف بك من حبِّ فلان؟ قالت: حرَّكَ واللهِ حبُّه الساكن! وسكَّن المتحرِّك، ثم أنشأت تقول (٢):
فلو أنَّ ما بي بالحَصَى فلقَ الْحَصى ... وبالرِّيح لم يُسْمَعْ لهنَّ هُبُوبُ
ولو أنَّني أستغفرُ الله كلَّما ... ذكرتُكَ لم تُكْتَبْ عليَّ ذنوبُ
فقلت: والله لأسألنَّه كيف هو مِنْ حُبِّكِ. فجاءته، فسألتُه، فقال: إنَّما الهوى هوانٌ، ولكنَّه خُولِفَ باسمه، وإنَّما يَعْرِفُ ذلك من اسْتَبْكَتْهُ المعالم والطُّلول.
стр. 302
وأنشدَ أبو الفضل الربعي (١):
قَدْ أمطرَتْ عيني دمًا فدِماؤُها ... بعدَ الدُّموع من الجُفون هوامِلُ
كيف العزاءُ ولا يزالُ من الضَّنى ... في الجسم مني والجوانح نازلُ
لَهْفي على زمنٍ مضى تجتازني ... فيه صروفُ الدَّهرِ وهْي غوافل
قالوا (٢): و العشق هو الدَّاء الدَّويُّ؛ الذي تذوب معه الأرواح ، ولا يقع معه الارتياح، بل هو بحرٌ؛ مَنْ رَكبَه غَرِق، فإنه لا ساحلَ له، ولا نجاةَ منه، وهو الذي قال فيه القائل (٣):
وما أحدٌ في النَّاس يُحْمَدُ أمرُه ... فيُوجَدُ إلا وهو في الحبِّ أحمقُ
وما أحدٌ ما ذاقَ بُؤْسَ معيشةٍ ... فيَعْشَقُ إلا ذاقها حِيْنَ يعْشقُ
وقال العبّاس بن الأحنف (٤):
ويحَ المُحبِّين ما أشقى نفوسَهُمُ ... إنْ كان مثلُ الذي بي بالمحبّينا
стр. 303
يشْقَوْنَ في هذه الدُّنيا بِعِشْقِهمِ ... لا يُرْزقونَ به دُنيا ولا دينا
وقال آخر (١):
العشقُ مَشْغَلَةٌ عن كلِّ صالحةٍ ... وسَكْرَةُ العشْقِ تَنْفي لَذَّة الوَسَن
وقال محمَّدُ بن أبي محمَّد اليزيديُّ (٢):
كيف يُطيقُ النَّاسُ وصف الهوى ... وهو جليلٌ ما له قدْرُ
بل كيف يصفُو لِحَليفِ الهوى ... عَيْشٌ وفيه البَيْنُ والهَجْرُ
وقال محمَّد بن أبي أميَّة (٣) [٧٠ أ]:
قرينُ الحبِّ يأْنَسُ بالهُموم ... ويُكثِرُ فكْرة القلب السَّقيم
وأعظمُ ما يكونُ به اغتباطًا ... على خطرٍ ومُطَّلعٍ عظيم
وقال أبو تمَّام (٤):
أمَّا الهوى فهو العذابُ فإنْ جرتْ ... فيه النَّوى فأليمُ كلِّ عذاب
стр. 304
وقال ابن أبي حصِيْنَة (١):
والعشقُ يجتذبُ النفوس إلى الرَّدى ... بالطَّبع واحسَدِي لمن لم يَعشَق
وقال ابن المعتزّ (٢):
الحبُّ داءٌ عياء لا دواء له ... يَحارُ فيه الأطبَّاءُ النَّحاريرُ
قد كنتُ أحْسَبُ أنَّ العاشِقيْنَ غَلَوْا ... في وصفِه فإذا بالقوم تقصيرُ
وقال أعرابيٌّ (٣):
ألا ما الهوى والحبُّ بالشَّيءِ هكذا ... يدلُّ به طَوْعُ اللِّسانِ فيوصفُ
ولكنَّه شيءٌ قَضى اللهُ أنَّه ... هو الموتُ أو شيءٌ منَ المَوْتِ أعْنَفُ
فأَوَّلُه سُقْمٌ وآخرُه ضَنًى ... وأوسَطُهُ شَوْقٌ يَشُفُّ ويُتْلِفُ
وَرَوْعٌ وتسهيدٌ وهمٌّ وحَسْرَةٌ ... ووجْدٌ على وَجْدٍ يزيدُ ويَضْعُفُ
وقال عبد المحسن الصُّوريُّ (٤):
ما الحبُّ إلا مَسْلكٌ خَطِرٌ ... عَسِرُ النَّجاة ومَوْطئٌ زلَقُ
стр. 305
وقال آخر (١):
وكان ابتداءُ الَّذي بي مُجُونا ... فلمَّا تمكَّنَ أمسى جُنونا
وكنتُ أَظُنُّ الهَوى هيِّنا ... فلاقيتُ مِنْهُ عذابًا مُهينًا
وقالت امرأة (٢):
رأيتُ الهوى حلوًا إذا اجتمع الشَّمْلُ ... ومُرًّا على الهِجْران لا بلْ هُوَ القَتْلُ
ومنْ لم يَذُقْ لِلْهَجْرِ طعمًا فإنَّه ... إذا ذاقَ طعمَ الحُبِّ لم يدْرِ ما الوَصْلُ
وقد ذقتُ طَعْمَيْه على القُربِ والنَّوى ... فأبْعَدُه قتلٌ وأقربُه خَبْلُ
قالوا: والعشق يترك المَلِكَ مملوكًا، والسُّلطانَ عبدًا، كما قال الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الدَّاخل، وكان ملكَ الأندلس (٣):
ظلَّ مِن فَرْطِ حُبِّه مَمْلوكا ... وَلَقَدْ كانَ قبلَ ذاكَ مَلِيْكا [٧٠ ب]
تركَتْهُ جآذِرُ القَصْر صبًّا ... مُستهامًا على الصَّعيد تريكا
يجعلُ الخدَّ واضعًا فوق تُرْبٍ ... لِلَّذي يجعلُ الحريرَ أريكا
стр. 306
هكذا يحسنُ التذلُّل بالحُرِّ ... إذا كان في الهوى مملُوكا
وقال الرشيد (١) ــ وقد عشق ثلاثَ جوارٍ من جواريه ــ ويقال: إنه المأمون ــ:
مَلَكَ الثلاثُ الآنساتُ عِناني ... وحَلَلْنَ منْ قلبي بكلِّ مَكانِ
ما لي تُطاوعني البرِيَّةُ كلُّها ... وأُطيعُهنَّ وهنَّ في عِصْياني
ما ذاكَ إلا أنَّ سُلْطَانَ الهَوى ... ــ وبه قَوينَ ــ أعزُّ من سُلطاني
وقال بعض الملوك (٢) في جاريةٍ له عشقها، وكانت كثيرة التَّجنِّي عليه:
أما يكفيكِ أنَّكِ تَمْلِكيني ... وأنَّ الناس كلَّهم عَبيدي
وأنَّكِ لو جَهِدتِ على تَلافي ... لَقُلْتُ مِنَ الرِّضا أَحْسَنْتِ زِيدي
стр. 307
وقال ابنُ طاهر ملكُ خُراسان (١):
فإنِّي وإنْ حنَّت إليك ضمائري ... فما قَدْرُ حُبِّي أن يَذِلَّ له قدري
وقال ابن الأحمر ملكُ الأندلس (٢):
أيا ربَّة الخِدْر التي أذهبتْ نُسْكي ... على كلِّ حالٍ أنتِ لابُدَّ لي منكِ
فإمَّا بذلٍّ وهو ألْيَقُ بالهوى ... وإمَّا بعزٍّ وهو أليقُ بالمُلْك
قالوا: وكم مِمَّن هرب من الحبّ إلى مظانِّ التَّلَف؛ ليتخلَّصَ من التَّلَف بالتَّلَف.
قال دِعْبِل الشَّاعر (٣): كنت بالثَّغر، فنُودي بالنَّفير، فخرجتُ مع الناس فإذا بفتًى يَجُرّ رمحَه بين يديَّ، فالتفتُّ، فنظر إليَّ، فقال: أنت دِعْبِل؟ قلت: نعم! قال: اسمع منِّي، ثم أنشدني:
أنا في أمرَيْ رشادِ ... بينَ غزوٍ وجهادِ
بدَني يَغْزو عَدوّي ... والهَوى يغزو فُؤَادي
стр. 308
[٧١ أ] ثم قال: كيف ترى؟ قلت: جيد والله! قال: فوالله ما خرجتُ إلا هاربًا من الحبِّ! ثم قاتلَ حتى قُتل.
وقال أصرم بن حميد (١):
نحن قومٌ تُلينُنا الحَدَقُ النُّجْـ ... ـلُ على أنَّنا نُلِينُ الحديدا
طوع أيدي الظِّباءِ تَقتادُنا العِيْنُ ... ونقتادُ بالطِّعان الأسودا
يتَّقي سُخْطَنا اللُّيوثُ ونخشى ... صوْلَة الخِشْف حين يُبدي الصُّدودا
وترانا عند الكريهة أحرَا ... رًا وفي السِّلم للغَواني عبيدا
قالوا: ورأينا الدَّاخل فيه يتمنَّى منه الخلاص، ولات حين مناص.
قال الخرائطيُّ (٢): أنشدني أبو جعفر العبديُّ:
إذا الله نَجَّاني من الحُبِّ لَمْ أَعُدْ ... إليه ولمْ أقبلْ مقالَةَ عاذلي
ومنْ لي بمَنْجَاةٍ من الحُبِّ بعدما ... رمتني دَواعي الحُبِّ بينَ الحَبائل
قال أبو عبيدة (٣): الحبائل: الموت. قال (٤): وأنشدني أبو عبيد الله ابن الدولابيِّ:
стр. 309
دعوتُ ربِّي دعاءً فاستجاب له ... كما دَعا ربَّهُ نوحٌ وأيُّوبُ
أن يَنْزعَ الدَّاءَ مِنْ صَدْري ويَجْعَلَهُ ... في صَدْر سلْمى وحمْلُ الدَّاء تعطيب
أو يَشْفِ قلبي سريعًا من صبابته ... فلا أحِنُّ إذا حنَّ المَطاريبُ
قالوا: وكم أكبَّتْ فتنةُ العِشْق رؤُوسًا على مناخرها في الجحيم، وأسلمتهم إلى مقاساة العذاب الأليم، وجرَّعتهم بين أطباق النَّار كؤوس الحميم، وكم أخرجت مَنْ شاء الله من العلم والدِّين، كخروج الشعرة من العجين، وكم أزالتْ من نِعْمَةٍ، وأحلَّتْ منْ نقْمَة، وكم أنزلت من مَعْقِل عزّه عزيزًا، فإذا هو من الأذلِّين ذليلًا، ووضعتْ منْ شريفٍ رفيع القَدْرِ والمَنْصب، فإذا هو في أسفل السَّافلين، وكم كشفت منْ عورة، وأحدثت منْ رَوْعةٍ، وأعقبت منْ ألمٍ، وأحلَّت منْ ندمٍ، وكم أضرمت [٧١ ب] منْ نارِ حسراتٍ احترقت فيها الأكباد، وأذهبت قدْرًا كان للعبد عند الله وفي قلوب العباد، وكم جلبت منْ جهْد البلاء، ودَرْك الشَّقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، فقلَّ أن يُفارقها زوالُ نعمةٍ، أو فجاءةُ نقمةٍ، أو تحويلُ عافيةٍ، أو طُروقُ بليَّةٍ، أو حدوث رَزِيَّة، فلو سألت النِّعَمَ: ما الذي أزالك؟ والنِّقَمَ: ما الذي أدالكِ؟ والهمومَ والأحزان: ما الذي جلبك؟ والعافية: ما الذي أبعدك، وجَنَّبَك؟ والسِّتْر: ما الذي
стр. 310
كشفك؟ والشمس: ما الذي أذهب نورك وكسفك؟ والحياة: ما الذي كدَّرك؟ وشمس الإيمان: ما الذي كوَّرك؟ وعزَّة النفس: ما الذي أذلَّك، وبالهوان بعد الإكرام بدَّلك؟ لأجابَتْك بلسان الحال اعتبارًا، إن لم تُجبْ بالمقال حوارًا.
هذا والله بعضُ جنايات العشق على أصحابه لو كانوا يعقلون، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل/٥٢] ويكفي اللبيبَ موعظة واستبصارًا ما قصَّه الله عليه في سورة الأعراف في شأن أصحاب الهوى المذموم تحذيرًا واعتبارًا، فبدأ بهوى إبليس الحاملِ له على التكَبُّر عن طاعة الله في أمره بالسجود لآدم، فحمله هوى نفسه، وإعجابُه بها على أنْ عصى أمره، وتكبَّر على طاعته، فكان من أمره ما كان، ثم ذكر سبحانه هوى آدم حين رغبَ في الخلود في الجنَّة، وحملَهُ هواه على أنْ أكل من الشَّجرة التي نُهي عنها، وكان الحاملُ له على ذلك هوى النفس ومحبَّتها للخلود، فكان عاقبةُ ذلك الهوى والشَّهوة إخراجه منها إلى دار التَّعب والنَّصَب.
وقيل: إنه إنما أكل منها طاعة لحوَّاء، فحمله حبُّه لها أن أطاعها، ودخل في هواها، وإنما توصَّل إليه عدوُّه من طريقها؟ ودخل عليه من بابها. فأوَّل فتنةٍ كانت في هذا العالم بسبب النساء.
ثم ذكر سبحانه فتنة الكفَّار؛ الذين أشركوا به [٧٢ أ] ما لم ينزِّل به سلطانًا، وابتدعوا في دينه ما لم يشرعه، وحرَّموا زينته التي أخرج لعباده
стр. 311
والطيبات من الرزق، وتعبَّدوا له بالفواحش وزعموا أنَّه أمرهم بها؛ واتخذوا الشياطين أولياء من دونه، والحاملُ لهم على ذلك كلِّه الهوى والحبُّ الفاسد، وعليه حاربوا رسله، وكذَّبوا كتُبَه، وبذلوا أنفسهم وأموالهم وأهليهم دونه، حتى خسروا الدُّنيا والآخرة.
ثم ذكر قصة قوم نوح، وما أصارهم إليه الهوى من الغرق في الدُّنيا، ودخول النَّار في الآخرة.
ثم ذكر قصَّة عادٍ، وما أفضى إليه بهم الهوى من الهلاك الفظيع، والعقوبة المستمرة.
ثم قصَّة قوم صالح كذلك، ثم قصة العُشَّاق، أئمة الفُسَّاق، وناكحي الذكران، وتاركي النِّسوان، وكيف أخذهم وهم في خوضهم يلعبون، وقطع دابرهم وهم في سكرة عشقهم يعمهون، وكيف جمع عليهم من العقوبات ما لم يجمعه على أُمَّةٍ من الأمم أجمعين، وجعلهم سلفًا لإخوانهم اللُّوطيَّة من المُتقدِّمين والمتأخِّرين، ولما تجرؤوا على هذه المعصية، وتمرَّدوا، ونهجوا لإخوانهم طريقها، وقاموا بأمرها، وقعدوا؛ ضجَّت الملائكةُ إلى الله من ذلك ضجيجًا، وعجَّت الأرض إلى ربِّها من هذا الأمر عجيجًا، وهربت الملائكة إلى أقطار السموات، وشكتهم إلى الله جميعُ المخلوقات، وهو قد حكم أنه لا يأْخذُ الظالمين إلا بعد إقامة الحُجَّة عليهم، والتقدُّم بالوعد والوعيد إليهم، فأرسل إليهم رسوله الكريم يحذرهم من سوء صنيعهم، وينذرهم عذابه
стр. 312
الأليم، فأذَّن رسول الله بالدعوة على رؤوس الملأ منهم والأشهاد، وصاح بها بين أظهُرِهم في كلِّ حاضرٍ وباد، وقال وكان في قوله لهم من أعظم الناصحين: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف/٨٠].
ثم أعاد لهم القول نصحًا وتحذيرًا، [٧٢ ب] وهم في سكرة عشقهم لا يعقلون: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف/٨١] فأجاب العُشَّاق جواب من أُركِس في هواه وغيِّه، فقلبُه بعشقه مفتون، وقالوا: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل/٥٦].
فلمَّا أن حان الوقت المعلوم، وجاء ميقاتُ نفوذ القدر المحتوم، أرسل الرَّحمن ــ ﵎ ــ لتمام الإنعام والامتحان إلى نبيه لوطٍ ملائكةً في صورة البشر، وأجمل ما يكون من الصُّور، وجاءوه في صورة الأضياف النُّزول بذي الصَّدرِ الرَّحيب، فـ ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود/٧٧].
وجاء الصَّريخ إلى اللوطيّة: أنَّ لوطًا قد نزل به شبابٌ لم يَنْظُر إلى مثل حُسْنهم وجمالهم الناظرون، ولا رأى مثلهم الرَّاءون، فنادى اللُّوطيَّة بعضهم بعضًا أنْ هَلُمُّوا إلى منزل لوط، ففيه قضاءُ الشهوات، ونَيْلُ أكثر اللَّذَّات ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ
стр. 313
السَّيِّئَاتِ﴾ [هود/٧٨].
فلمَّا دخلوا إليه، وهجموا عليه، قال لهم وهو كظيمٌ من الهمِّ والغمِّ، وقلبُه بالحزن عميد: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود/٧٨].
فلما سمع اللُّوطية مقالته؛ أجابوه جواب الفاجر المجاهر العنيد: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود/٧٩] فقال لهم لوطٌ مقالةَ المُضْطَهَد الوحيد: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود/٨٠] فلمَّا رأت رسلُ الله ما يقاسي نبيُّه من اللوطيَّة؛ كشفوا له عن حقيقة الحال، وقالوا: هوِّن عليك، ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود/٨١] فسُرَّ نبيُّ الله سرور المحب وأتاه الفرج بغتةً على يد الحبيب، وقيل له: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود/٨١].
ولما أبو ا إلا مُراودته عن أضيافه، ولم يرعَوْا حقَّ الجار؛ ضرب جبريل [٧٣ أ] بجناحه على أوجههم، فطمس منهم الأعين، وأعمى الأبصار، فخرجوا من عنده عُمْيانًا يتحسَّسون، ويقولون: ستعلم غدًا ما يَحِلُّ بك أيُّها المجنون!
فلمَّا انشقَّ عمود الصُّبح جاء النداء منْ عند ربِّ الأرباب: أن اخسف بالأمَّة اللوطيَّة، وأَذِقهم أليم العذاب، فاقتلع القويُّ الأمينُ
стр. 314
جبريل مدائنهم على ريشةٍ من جناحه، ورفعها في الجوِّ حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم، وصياح دِيكَتِهمْ، ثم قلبها، فجعل عاليها سافلها، وأُتبعوا بحجارةٍ من سجِّيلٍ، وهو الطين المستحجِر الشديد.
وخوَّف سبحانه إخوانهم على لسان رسوله من هذا الوعيد، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود/٨٢ ــ ٨٣] فهذه عاقبة اللوطيَّة عُشَّاقِ الصُّوَر، وهم السَّلف، وإخوانُهم بعدهم على الأثر (١).
وإن لم تكونوا قوم لوطٍ بعينهم ... فما قومُ لوطٍ منكمُ ببعيد
وإنَّهمُ في الخَسْفِ ينتظرونهم ... على موْردٍ مِنْ مُهلَةٍ وصديد
يقولون لا أهلًا ولا مَرْحَبًا بكم ... ألم يتقدَّم ربُّكم بوعيد
فقالوا بلى لكنَّكم قد سَنَنْتمُ ... صراطًا لنا في العِشْق غيرَ حميد
أتينا به الذُّكْرانَ من عِشْقِنا لهم ... فأوردنا ذا العشقُ شرَّ ورودِ
فأنتم بتضعيف العذاب أحقُّ من ... مُتابِعِكم في ذاك غير رشيد
فقالوا وأنتم رُسلكم أنذرتكم ... بما قد لقيناه بصدق وعيد
فما لكم فضل علينا وكلُّنا ... نذوق عذاب الهون جدَّ شديد
стр. 315
كما كلُّنا قد ذاق لذَّة وصلِهم ... ومجمعُنا في النَّار غيرُ حميد
وكذلك قومُ شعيب، إنَّما حملهم على بخس المِكيال والميزان فرطُ محبَّتهم للمال، وغلبهم [٧٣ ب] الهوى على طاعة نبيِّهم، حتى أصابهم العذاب.
وكذلك قوم فرعون، حملهم الهوى، والشَّهوةُ، وعشقُ الرئاسة على تكذيب موسى، حتى آل بهم الأمر إلى ما آل. وكذلك أهل السبت؛ الذين مُسخوا قردةً، إنَّما أُتُوا من جهة محبَّة الحيتان، وشهوة أكلها، والحِرْص عليها. وكذلك الذي آتاه الربُّ ﵎ آياته ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف/١٧٥] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف/١٧٦].
وتأمل قوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ فأخبر أنَّ ذلك إنما حصل له بإيتاء الربِّ له لا بتحصيله هو. ثم قال: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ ولم يقل: فسلخناه، بل أضاف الانسلاخ إليه، وعبَّر عن براءته منها بلفظة الانسلاخ الدالة على تخلِّيه عنها بالكلِّية، وهذا شأْنُ الكافر.
وأمَّا المؤمن ــ ولو عصى الله ﵎ ما عصاه ــ فإنَّه لا ينسلخ من الإيمان بالكلية.
ثم قال: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ ولم يقل: فتبعه. فإن في «أتبعه»
стр. 316
إعلامًا بأنَّه أدركه، ولحِقه، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء/٦٠] أي: لحقوهم، ووصلوا إليهم. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ ففي ذلك دليلٌ على أنَّ مجرد العلم لا يرفع صاحبه، فإن هذا قد أخبر الله سبحانه: أنَّه آتاه آياته، ولم يرفعه بها.
فالرفعة بالعلم قدرٌ زائدٌ على مجرّد تعليمه، ثم أخبر سبحانه عن السَّبب الذي منعه أن يُرفع بها، فقال: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ وقوله: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: سكن إليها، ونزل بطبعه إليها، فكانت نفسه أرضيَّة سفليةً، لا سماويةً عُلْويةً، وبحسب ما يُخْلد العبد إلى الأرض يهبط من السَّماء.
قال سهل: قسم الله للأعضاء من الهوى، لكلِّ عضو منه حظًّا. فإذا مال عضوٌ منها إلى الهوى؛ رجع ضررُه إلى القلب. وللنَّفس سبعُ حُجُبٍ سماويَّةٍ، وسبعُ حجبٍ أرضيَّةٍ، فكلما دفن العبد نفسه أرضًا [٧٤ أ] أرضًا؛ سما قلبُه سماءً سماءً، فإذا دفن النفس تحت الثرى؛ وصل القلبُ إلى العرش.
ثم ذكر سبحانه مَثَل المُتَّبع لهواه كمثل الكلب الذي لا يفارقه اللَّهْثُ في حالتَي تركِه والحمل عليه، فهكذا هذا لا يفارقُه اللهثُ على الدُّنيا راغبًا وراهبًا.
والمقصودُ: أنَّ هذه السورة من أوّلها إلى آخرها في ذكر حال أهل
стр. 317
الهوى والشَّهوات، وما آل إليه أمرُهم، ف العشقُ والهوى أصلُ كلِّ بليَّة .
قال عدِيُّ بن ثابت (١): كان في بني إسرائيل راهبٌ يعبد الله، حتى كان يُؤتى بالمجانين يُعَوِّذهم فيبرؤون على يديه، وإنه أُتي بامرأة ذات شرفٍ من قومها قد جُنَّت، وكان لها إخوةٌ، فأتوه بها، فلم يزل الشيطانُ يُزيِّن له، حتى وقع عليها، فحملت، فلما استبان حملها لم يزل يُخوِّفه، ويُزيِّن له قتلها، حتى قتلها، ودفنها، فذهب الشيطانُ في صورة رجلٍ، حتى أتى بعض إخوتها، فأخبره بالذي فعل الرَّاهب، ثم أتى بقية إخوتها رجلًا رجلًا، فجعل الرجل يلقى أخاه، فيقول: والله لقد أتاني آتٍ، فذكرَ لي شيئًا كبُر عليَّ ذكرُه، فذكر ذلك بعضُهم لبعض، حتى رفعوا ذلك إلى ملكهم، فسار الناس إليه، حتى استزلوه من صومعته، فأقر لهم بالذي فعل، فأُمر به، فصُلِب، فلما رُفع على الخشبة تمثَّل له الشيطان، فقال: أنا الذي زيَّنْتُ لك هذا، وألقيتُك فيه، فهل أنت مُطيعي فيما أقول لك، وأُخلِّصُك؟ قال: نعم! تسجد لي سجدةً واحدةً. فسجد له، وقُتل الرَّجل، فهو قول الله : ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر/١٦].
وقال واصل مولى أبي عُيَيْنَة (٢): دخلت على محمَّد بن سيرين،
стр. 318
فقال لي: هل تزوّجت؟ قلتُ: لا، قال: وما يمنعُك؟ قلت: قلَّة الشيء، قال: تزوّجَ عبد الله بن محمَّد بن سيرين ولا شيءَ له، فرزقه الله.
ثم حدَّث أنَّ امرأةً من بني إسرائيل ـ يُقال لها: ميسُونة ـ خاصمت إلى حَبْرَيْن من بني إسرائيل، فعلقاها. قال: وكان كلُّ واحدٍ منهما يكتُمُ [٧٤ ب] صاحبه ما يجدُ منها، فأُخبرا أنَّها في حائط تغتسلُ، قال: فجاءا، فتسوَّرا عليها الحائط. فلما رأتهما؛ دخلت غمرًا من الماء، فوارت نفسها، فقالا لها: إنَّك إن لم تفعلي غدونا، فشهدنا عليك بالزُّور، فأَبتْ فشهدا عليها. فلما قُرِّبتْ؛ ليُقام عليها الحدُّ؛ نزل الوحي على دانيال بتكذيبهما. فهذا بعضُ فتنة العشق.
وقد روى شعبة (١) عن عبد الملك بن عُمَيْر قال: سمعتُ مُصعب ابن سعدٍ يقول: كان سعدٌ يُعلِّمنا هذا الدُّعاء، ويذكرُه عن النبي ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من فتنة النساء، وأعوذ بك من عذاب القبر».
وقال الحسن بن عرفة (٢): حدّثنا أبو معاوية الضَّرير عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄ قال: إنَّه لم يكنْ كفرُ من مضى إلا من قبل النساء، وهو كفرُ من بقي أيضًا.
стр. 319
وقد روى سفيان بن عُيينة (١) عن سليمان التَّيْمي، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن أُسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما تركت على أُمَّتِي بعدي أضرَّ على الرِّجال من النِّساءِ».
وروى أبو إسحاق (٢) عن هُبيرة بن يَرِيم، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ أخوفَ ما أخافُ على أُمَّتي الخمر والنِّسَاءُ».
وقال عليُّ بن حرب (٣): حدَّثنا سفيان بن عُيَيْنَةَ عن عليِّ بن زيد، عن سعيد بن المسيَّب، قال: ما أيس الشيطانُ من أحدٍ قطُّ إلَّا أتاه من قِبَل النِّساء.
وروى سفيان بن حسين (٤) عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قيل لآدم: ما حملك على أكلِ الشجرة؟ قال: يا ربّ! زَيَّنتْ لي حوَّاءُ، قال: فإني قد عاقبتُها لا تحملُ إلَاّ كَرْهًا، ولا تضعُ إلا كرهًا، وأدميتُها في الشهر مرَّتين.
وقال ابن عبَّاس ﵄ أو غيرُه: «أوَّلُ فتنة بني إسرائيل
стр. 320
كانت من قبل النساء».
قالوا: ويكفي من مضرَّة العشق ما اشتهر من مصارع العشاق، وذلك موجودٌ في كلِّ زمان.
فهذا بعضُ ما احتجَّت به هذه الفرقة لقولها. ونحن نعقدُ للحكم بين الطائفتين بابًا مستقلًّا بعون الله تعالى.