← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 417

روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (676 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

إعلامًا بأنَّه أدركه، ولحِقه، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء/٦٠] أي: لحقوهم، ووصلوا إليهم. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ ففي ذلك دليلٌ على أنَّ مجرد العلم لا يرفع صاحبه، فإن هذا قد أخبر الله سبحانه: أنَّه آتاه آياته، ولم يرفعه بها. فالرفعة بالعلم قدرٌ زائدٌ على مجرّد تعليمه، ثم أخبر سبحانه عن السَّبب الذي منعه أن يُرفع بها، فقال: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ وقوله: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: سكن إليها، ونزل بطبعه إليها، فكانت نفسه أرضيَّة سفليةً، لا سماويةً عُلْويةً، وبحسب ما يُخْلد العبد إلى الأرض يهبط من السَّماء. قال سهل: قسم الله للأعضاء من الهوى، لكلِّ عضو منه حظًّا. فإذا مال عضوٌ منها إلى الهوى؛ رجع ضررُه إلى القلب. وللنَّفس سبعُ حُجُبٍ سماويَّةٍ، وسبعُ حجبٍ أرضيَّةٍ، فكلما دفن العبد نفسه أرضًا [٧٤ أ] أرضًا؛ سما قلبُه سماءً سماءً، فإذا دفن النفس تحت الثرى؛ وصل القلبُ إلى العرش. ثم ذكر سبحانه مَثَل المُتَّبع لهواه كمثل الكلب الذي لا يفارقه اللَّهْثُ في حالتَي تركِه والحمل عليه، فهكذا هذا لا يفارقُه اللهثُ على الدُّنيا راغبًا وراهبًا. والمقصودُ: أنَّ هذه السورة من أوّلها إلى آخرها في ذكر حال أهل

стр. 317

الهوى والشَّهوات، وما آل إليه أمرُهم، ف العشقُ والهوى أصلُ كلِّ بليَّة . قال عدِيُّ بن ثابت (١): كان في بني إسرائيل راهبٌ يعبد الله، حتى كان يُؤتى بالمجانين يُعَوِّذهم فيبرؤون على يديه، وإنه أُتي بامرأة ذات شرفٍ من قومها قد جُنَّت، وكان لها إخوةٌ، فأتوه بها، فلم يزل الشيطانُ يُزيِّن له، حتى وقع عليها، فحملت، فلما استبان حملها لم يزل يُخوِّفه، ويُزيِّن له قتلها، حتى قتلها، ودفنها، فذهب الشيطانُ في صورة رجلٍ، حتى أتى بعض إخوتها، فأخبره بالذي فعل الرَّاهب، ثم أتى بقية إخوتها رجلًا رجلًا، فجعل الرجل يلقى أخاه، فيقول: والله لقد أتاني آتٍ، فذكرَ لي شيئًا كبُر عليَّ ذكرُه، فذكر ذلك بعضُهم لبعض، حتى رفعوا ذلك إلى ملكهم، فسار الناس إليه، حتى استزلوه من صومعته، فأقر لهم بالذي فعل، فأُمر به، فصُلِب، فلما رُفع على الخشبة تمثَّل له الشيطان، فقال: أنا الذي زيَّنْتُ لك هذا، وألقيتُك فيه، فهل أنت مُطيعي فيما أقول لك، وأُخلِّصُك؟ قال: نعم! تسجد لي سجدةً واحدةً. فسجد له، وقُتل الرَّجل، فهو قول الله : ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر/١٦]. وقال واصل مولى أبي عُيَيْنَة (٢): دخلت على محمَّد بن سيرين،

стр. 318

فقال لي: هل تزوّجت؟ قلتُ: لا، قال: وما يمنعُك؟ قلت: قلَّة الشيء، قال: تزوّجَ عبد الله بن محمَّد بن سيرين ولا شيءَ له، فرزقه الله. ثم حدَّث أنَّ امرأةً من بني إسرائيل ـ يُقال لها: ميسُونة ـ خاصمت إلى حَبْرَيْن من بني إسرائيل، فعلقاها. قال: وكان كلُّ واحدٍ منهما يكتُمُ [٧٤ ب] صاحبه ما يجدُ منها، فأُخبرا أنَّها في حائط تغتسلُ، قال: فجاءا، فتسوَّرا عليها الحائط. فلما رأتهما؛ دخلت غمرًا من الماء، فوارت نفسها، فقالا لها: إنَّك إن لم تفعلي غدونا، فشهدنا عليك بالزُّور، فأَبتْ فشهدا عليها. فلما قُرِّبتْ؛ ليُقام عليها الحدُّ؛ نزل الوحي على دانيال بتكذيبهما. فهذا بعضُ فتنة العشق. وقد روى شعبة (١) عن عبد الملك بن عُمَيْر قال: سمعتُ مُصعب ابن سعدٍ يقول: كان سعدٌ يُعلِّمنا هذا الدُّعاء، ويذكرُه عن النبي ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من فتنة النساء، وأعوذ بك من عذاب القبر». وقال الحسن بن عرفة (٢): حدّثنا أبو معاوية الضَّرير عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄ قال: إنَّه لم يكنْ كفرُ من مضى إلا من قبل النساء، وهو كفرُ من بقي أيضًا.

стр. 319

وقد روى سفيان بن عُيينة (١) عن سليمان التَّيْمي، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن أُسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما تركت على أُمَّتِي بعدي أضرَّ على الرِّجال من النِّساءِ». وروى أبو إسحاق (٢) عن هُبيرة بن يَرِيم، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ أخوفَ ما أخافُ على أُمَّتي الخمر والنِّسَاءُ». وقال عليُّ بن حرب (٣): حدَّثنا سفيان بن عُيَيْنَةَ عن عليِّ بن زيد، عن سعيد بن المسيَّب، قال: ما أيس الشيطانُ من أحدٍ قطُّ إلَّا أتاه من قِبَل النِّساء. وروى سفيان بن حسين (٤) عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قيل لآدم: ما حملك على أكلِ الشجرة؟ قال: يا ربّ! زَيَّنتْ لي حوَّاءُ، قال: فإني قد عاقبتُها لا تحملُ إلَاّ كَرْهًا، ولا تضعُ إلا كرهًا، وأدميتُها في الشهر مرَّتين. وقال ابن عبَّاس ﵄ أو غيرُه: «أوَّلُ فتنة بني إسرائيل

стр. 320

كانت من قبل النساء». قالوا: ويكفي من مضرَّة العشق ما اشتهر من مصارع العشاق، وذلك موجودٌ في كلِّ زمان. فهذا بعضُ ما احتجَّت به هذه الفرقة لقولها. ونحن نعقدُ للحكم بين الطائفتين بابًا مستقلًّا بعون الله تعالى.

стр. 321

[٧٥ أ] الباب السَّادس عشر في الحُكْم بين الفريقين وفصل النِّزاع بين الطائفتين فنقول: العشق لا يُحْمدَ مطلقًا، ولا يُذَمُّ مطلقًا ، وإنَّما يُحْمَد ويُذَمُّ باعتبار متعلَّقه، فإنَّ الإرادة تابعةٌ لمرادها، والحبُّ تابعٌ للمحبوب، فمتى كان المحبوبُ ممَّا يُحَبُّ لذاته، أو وسيلةً تُوصِله إلى ما يُحَبُّ لذاته؛ لم تُذَمَّ المبالغةُ في محبَّته، بل تُحْمَدُ، وصلاحُ حالِ المُحبِّ لذلك بحسب قوَّة محبته. ولهذا كان أعظم صلاح العبد أن يصرف قوى حبِّه كلَّها لله تعالى وحده، بحيث يحبُّ الله بكلِّ قلبه، ورُوحه، وجوارحه، فَيُوَحِّد محبوبَه، ويوحِّد حبَّه، وسيأتي ــ إن شاء الله تعالى ــ في باب: توحيد المحبوب: أن المحبة لا تصحُّ إلا بذلك، فتوحيدُ المحبوب (١) ألَاّ يتعدَّد محبوبُه، وتوحيدُ الحبِّ ألَاّ يبقى في قلبه بقيةُ حبٍّ، حتى يبذلَها له، فهذا الحبّ وإن سمي: عشقًا، فهو غايةُ صلاح العبد، ونعيمه، وقرَّةِ عينه. وليس لقلبه صلاحٌ، ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسولُه أحبَّ إليه ممَّا سواهما، وأن تكون محبتُه لغير الله تابعةً لمحبة الله، فلا يُحبُّ إلا

стр. 322

الله، كما في الحديث الصحيح (١): «ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجدَ بِهِنَّ حلاوة الإيمان: من كان الله ورسُولُهُ أحبَّ إليهِ ممَّا سواهُما، ومن كان يُحب المرءَ لا يُحِبّهُ إلَاّ لله، ومنْ كان يكرهُ أن يرجع في الكُفرِ بعد إذ أنْقذَهُ الله منهُ، كما يكره أن يُلقَى في النَّار». فأخبر أنَّ العبد لا يجدُ حلاوة الإيمان إلا بأن يكون الله أحبَّ إليه ممَّا سواه، ومحبَّته رسوله هي من محبته، ومحبَّة المرء إن كانت لله؛ فهي من محبَّة الله، وإنْ كانت لغير الله؛ فهي مُنقصةٌ لمحبَّة الله، مُضْعِفةٌ لها، وتصدُق هذه المحبَّة بأن تكون كراهيته لأبغض الأشياء إلى محبوبه ــ وهو الكفر ــ بمنزلة كراهيته لإلقائه في النَّار أو أشدَّ. ولا ريب أنَّ هذا من أعظم المحبة، فإنَّ الإنسان لا يقدِّم على محبَّة [٧٥ ب] نفسه وحياته شيئًا، فإذا قدَّم محبَّة الإيمان بالله على نفسه، بحيث لو خُيِّر بين الكفر وإلقائه في النَّار؛ لاختار أن يُلقى في النَّار، ولا يكفر؛ كان الله أحبَّ إليه من نفسه، وهذه المحبَّةُ فوق ما يجده سائر العُشَّاق والمُحبِّين من محبَّة محبوبهم، بل لا نظير لهذه المحبَّة، كما لا مثل لمن تعلَّقتْ به، وهي محبَّةٌ تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس، والمال، والولد، وتقتضي كمال الذُّل، والخضوع، والتعظيم، والإجلال، والطاعةِ، والانقياد ظاهرًا وباطنًا، وهذا لا نظير له في محبَّة مخلوقٍ،

стр. 323

ولو كان المخلوقُ من كان. ولهذا من أشرك بين الله وبين غيره في هذه المحبة الخاصة؛ كان مشركًا شركًا لا يَغفِرهُ الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة/ ١٦٥] والصحيح أن معنى الآية: أنّ الذين آمنوا أشدُّ حبًّا لله من أهل الأنداد لأندادهم، كما تقدَّم بيانه: أنَّ محبَّة المؤمنين لربهم لا يُماثلها محبَّةُ مخلوقٍ أصلًا، كما لا يماثل محبوبهم غيره، وكلُّ أذًى في محبة غيره؛ فهو نعيمٌ في محبته، وكلُّ مكروه في محبة غيره؛ فهو قُرّة عين في محبته. ومَنْ ضرب لمحبته الأمثال التي هي في محبة المخلوق للمخلوق، كالوصل، والهجر، والتَّجَنِّي بلا سبب من المحب، وأمثال ذلك ممَّا يتعالى الله عنه عُلوًّا كبيرًا؛ فهو مخطئٌ أقبح الخطأ وأفحشه، وهو حقيقٌ بالإبعاد والمقت. والآفة إنَّما هي من نفسه، وقلَّة أدبه مع محبوبه، والله تعالى نهى أن يَضْرب عبادُه له الأمثال، فهو لا يُقاس بخلقه. وما ابتدع من ابتدع إلا من ضَرْبِ الأمثالِ له سبحانه، فأصحابُ الكلام المُحدث المبتدع ضربوا له الأمثال الباطلة في الخبر عنه وما يُوصف به، وأصحابُ الإرادة المنحرفة ضربُوا له الأمثال في الإرادة والطلب، وكلاهما على بِدْعَةٍ وخطأ. والعشقُ إذا تعلَّق بما يحبُّه الله ورسوله، [٧٦ أ] كان عشقًا ممدوحًا

стр. 324

مثابًا عليه، وذلك أنواع: أحدُها: محبَّةُ القرآن بحيث يغْنَى بسماعه عن سماع غيره، ويَهيم قلبُه في معانيه، ومراد المتكلِّم سبحانه منه، وعلى قدر محبَّة الله تكون محبَّة كلامه، فمن أحبَّ محبوبًا؛ أحبّ حديثه، والحديث عنه، كما قيل (١): إن كنت تزْعُمُ حبِّي ... فَلِمْ هجرتَ كتابي؟ أمَا تأمَّلت مَا فِيـ ... ـه من لذيذ خطابي؟! وكذلك محبَّةُ ذكرهِ من علامة محبَّته، فإنَّ المحبَّ لا يشبعُ منْ ذكر محبوبه، بل لا ينساه، فيحتاجُ إلى من يُذكِّرهُ به. وكذلك من يحبُّ سماعَ أوصافِه، وأفعاله، وأحكامه، فعشقُ هذا كلِّه من أنفع العِشْق، وهو غايةُ سعادة العاشق، وكذلك عشقُ العلم النَّافع، وعشق أوصافِ الكمال من الكرم، والجود، والعِفَّة، والشَّجاعة، والصَّبر، ومكارم الأخلاق، فإن هذه الصفات لو صُوِّرت صُورًا؛ لكانت من أجمل الصُّور، وأبهاها، ولو صُوِّر العلم صورة؛ لكانت أجمل من صورة الشمس والقمر، ولكنَّ عشق هذه الصِّفات إنَّما يُناسب الأنفس الشريفة الزكيَّة، كما أن محبَّة الله، ورسوله، وكلامه، ودينه إنَّما تناسبُ الأرواح العُلْويَّة، السَّمائيَّة الزكيّة، لا الأرواح الأرضيَّة الدَّنيَّة، فإذا أردت

стр. 325

أن تعرِف قيمة العبد وقدره؛ فانظر إلى محبوبه ومُراده، واعلم أنَّ العشق المحمود لا يعرِضُ فيه شيءٌ من الآفات المذكورة. بقي ها هنا قسمٌ آخرُ، وهو عشقٌ محمودٌ، يترتَّب عليه مُفارقة المعشوق، كمن يعشقُ امرأته، أو أمته، فيفارقُها بموتٍ أو غيره، فيَذهبُ المعشوقُ، ويبقى العِشْقُ كما هو، فهذا نوعٌ من الابتلاء، إن صبرَ صاحبُه، واحتسب؛ نال ثواب الصَّابرين، وإن سَخِط، وجزع؛ فاته معشوقُه وثوابُه، وإن قابل هذه البلوى بالرِّضا والتسليم، فدرجتُه فوق درجة الصبر. وأعلى من ذلك أن يقابلها بالشُّكر نظرًا إلى حسن اختيار الله له؛ فإنَّه ما يقضي الله [٧٦ ب] للمؤمن قضاءً إلَاّ كان خيرًا له، فإذا علم أنَّ هذا القضاء خيرٌ له؛ اقتضى ذلك شكرَه لله على ذلك الخير الذي قضاه له، وإنْ لم يعلم كونه خيرًا له، فليسلِّم للصَّادق المصدوق في خبره المؤكَّد باليمين، حيث يقول: «والَّذي نَفْسي بيَدِهِ لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلَّا كان خيرًا له، إن أصابَتْهُ سرّاء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبر، فكان خيرًا لهُ، وليس ذلك إلا للمُؤمن» (١). وإيمانُ العبد بأمرِه أن يعتقد أن ذلك القضاءَ خيرٌ له، وذلك يقتضي شكر من قضاه وقدَّره، وبالله التوفيق.

стр. 326

الباب السابع عشر في استحباب تخيُّر الصورة الجميلة للوِصال الذي يحبُّه الله ورسوله قال الله تعالى عقيب ذكره ما أحلَّ لعباده من الزَّوجات والإماء، وما حرَّم عليهم: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء/٢٦ ــ ٢٨] أي: لا يصبرُ عن النساء، كما ذكر الثوريُّ عن ابن طاوس عن أبيه ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء/٢٨]. قال: إذا نظر إلى النِّساء لم يصبر. وكذلك قال غيرُ واحدٍ من السلف. ولما كانت الشَّهوةُ في هذا الباب غالبةً، لابدَّ أن توجبَ ما يوجب التوبة؛ كرَّر ذكر التوبة مرّتين، فأخبر أن مُتَّبعي الشَّهوات يُريدون من عباده أن يميلوا ميلًا عظيمًا، وأخبر : أنه يُريد التخفيف عنَّا لضعفنا، فأباح لنا أن ننكحَ ما طاب لنا من أطايب النساء أربعًا، وأن نتسرَّى من الإماء بما شئنا. ولمَّا كان العبدُ له في هذا الباب ثلاثة أحوال: حالةُ جهلٍ بما يَحِلُّ له ويحرمُ، وحالةُ تقصيرٍ وتفريط، وحالةُ ضعفٍ وقلَّة صبرٍ؛ قابل سبحانه

стр. 327

جهل عبده بالبيان والهدى، وتقصيرَه [٧٧ أ] وتفريطه بالتوبة، وضعفه وقلَّة صبره بالتَّخفيف. وقال عبد الله بن أحمد في كتاب «الزُّهد» (١) لأبيه: حدَّثنا أبو مَعْمَر، حدَّثنا يُوسف بن عطية عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاة، وحُبِّب إليَّ النِّسَاءُ، والطِّيبُ، الجائعُ يشبعُ، والظَّمآنُ يَرْوى، وأنا لا أشبع من حُبِّ الصلاةِ والنِّسَاء»، وأصله في صحيح مسلم (٢) بدُون هذه الزِّيادة. وفي صحيح مسلم (٣): من حديث عُروة، عن عائشة ﵂ قالت: لما أصاب رسولُ الله ﷺ سبايا بني المُصْطَلِق؛ وقعتْ جُوَيْرِية بنت الحارث بن أبي ضرار في السَّهم لثابت بن قيس بن الشمَّاس، ــ أو لابن عمٍّ له ــ فكاتبتْ على نفسها، وكانت امرأةً جميلةً حُلوةً، لا يراها أحدٌ إلا أخذتْ بنفسه، فأتتْ رسول الله ﷺ تستعينُه على كتابتها. قالت:

стр. 328

فو الله ما هو إلا أن رأيتُها على باب الحُجْرة، فكرهتُها، وعلمتُ أنَّ رسول الله ﷺ يرى منها ما رأيتُ، فقالت: يا رسول الله! أنا جُويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيِّد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يَخْفَ عليك، فوقعتُ في السَّهم لثابت بن قيس بن الشَّمَّاس ــ أو لابن عمٍّ له ــ فجئتُ رسول الله ﷺ أستعينُه. قال: «فهل لك في غير ذلك؟» قالت: وما هو؟ قال: «أقضي كتابَتَكِ، وأتزوَّجُك» قالت: نعم يا رسول الله! قد فعلتُ، وخرج الخبرُ إلى النَّاس: أنَّ رسول الله ﷺ تزوَّج جويرية بنت الحارث، فقال النَّاس: أصهار رسول الله ﷺ ، فأرسلُوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أُعتِق بتزويجه إيَّاها مئةُ أهل بيتٍ من بني المُصْطلِق، فما أعلمُ امرأةً كانت أعظم بركةً على قومها منها. وقال عبد الله بن عمر (١) ﵄: خرج سهمي يوم جلولاء جارية كأنَّ عنقها إبريقُ فِضَّة، فما ملكتُ نفسي أن قمتُ إليها فقبَّلتُها. وفي الصحيحين (٢) من حديث أنس ﵁ قال: قدِم رسول الله ﷺ [٧٧ ب] خيبر، فلما افتتح الله عليه الحِصن، ذُكر له جمالُ صفيَّة بنت حُيَيٍّ، وقد قُتل زوجها، وكانت عروسًا، فاصطفاها رسولُ الله ﷺ لنفسه، فخرج بها حتى بلغَا سدَّ الرَّوحاء، فبنى بها، ثم صنع حَيْسًا في نِطْع

стр. 329

صغيرٍ، ثم قال رسول الله ﷺ : «آذنْ من حولك» فكانت تلك وليمةَ رسول الله ﷺ على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة، فرأيتُ رسول الله ﷺ يُحَوِّي لها وراءه بعباءةِ، ثم يجلس عند بعيره فيضعُ ركبته، فتضعُ صفيةُ رجلها عند ركبته حتى تركب. وعند أبي داود (١) في هذه القصَّة قال: وقع في سهم دِحية جاريةٌ جميلةٌ، فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرْؤُس، ثمَّ دفعها إلى أُم سُليم، تُصنِّعُها، وتهيئُها، وتعتدُّ في بيتها، وهي صفية بنتُ حُيَيٍّ. وقال أبو عبيدة (٢): حجَّ عبد الملك بنُ مروان ومعه خالد بن يزيد بن معاوية، وكان خالد هذا من رجال قريش المعدودين، وكان عظيم القدر عند عبد الملك، فبينا هو يطوفُ بالبيت، إذ بَصُرَ برملة بنت الزُّبير بن العوام، فعشقها عشقًا شديدًا، ووقعت بقلبه وقوعًا متمكِّنًا، فلما أراد عبد الملك القُفُول؛ همَّ خالدٌ بالتخلُّف عنه، فوقع بقلب عبد الملك تهمة، فبعث إليه، فسأله عن أمره، فقال: يا أمير المؤمنين! رملةُ بنت الزُّبير، رأيتها تطوفُ بالبيت، فأذهلت عقلي، والله ما أبديتُ إليك ما بي حتى عِيلَ صبري، ولقد عرضتُ النوم على عيني، فلم تقبله، والسُّلُوَّ على قلبي، فامتنع منه. فأطال عبد الملك التَّعجُّبَ من ذلك، وقال: ما

стр. 330

كنتُ أقول: إنَّ الهوى يستأسرُ مثلك، قال: فإني لأشدُّ تعجُّبًا من تعجُّبك منِّي. ولقد كنت أقول: إنَّ الهوى لا يتمكَّن إلَاّ من صنفين من النَّاس: الشُّعراء والأعراب. أما الشعراءُ فإنَّهم ألزموا قلوبهم الفكر في النساء، ووصفِهنَّ، والغزل، فمالَ طبعهم إلى [٧٨ أ] النساء، فضعفت قلوبهم عن دفع الهوى، فاستسلموا إليه منقادين. وأمَّا الأعراب فإنَّ أحدهم يخلو بامرأته، فلا يكون الغالبُ عليه غير حبِّه لها، ولا يشغلُه عنه شيءٌ، فضعفوا عن دفع الهوى، فتمكَّن منهم. فما رأيتُ نظرةً حالت بيني وبين الحزم، وحسَّنت عندي ركوب الإثم مثل نظرتي هذه. فتبسَّم عبد الملك، وقال: أوَكلّ هذا قد بلغ بك؟ فقال: والله ما عرتني هذه البليَّةُ قبل وقتي هذا، فوجَّه عبد الملك إلى آل الزُّبير يخطُب رملة على خالد، فذكروا لها ذلك، فقالت: لا والله أو يُطلِّق نساءه! فطلَّق امرأتين كانتا عنده، وظعن بها إلى الشام، وكان يقول (١): أليس يزيدُ الشوقُ في كلِّ ليلةٍ ... وفي كلِّ يومٍ من حبيبتنا قُرْبا خليليَّ ما مِن ساعةٍ تذكُرانِها ... من الدهر إلا فرَّجتْ عنِّي الكرْبا

стр. 331

أحِبُّ بني العوَّام طُرًّا لِحُبِّها ... ومن أجلها أحببتُ أخوالها كلبا تجولُ خلاخيلُ النِّساء ولا أرى ... لرملة خلخالًا جولُ ولا قُلْبَا وذكر الخرائطي (١): أنَّ بشر بن مروان كان إذا ضرب البعث على أحدٍ من جنده، ثمَّ وجده قد أخلّ بمركزه؛ أقامه على كرسيٍّ، ثم سمَّر يديه في الحائط، ثم انتزع الكرسي من تحت رجليه، فلا يزالُ يتشحط حتى يموت، وأنَّه ضرب البعث على رجلٍ عاشقٍ حديث عهد بعرس ابنة عمِّه، فلما صار في مركزه؛ كتب إلى ابنة عمِّه كتابًا، ثم كتب في أسفله: لولا مخافةُ بشرٍ أو عقوبته ... وأن يُرى بعد ذا في الكف مسمارُ إذًا لعطّلتُ ثغري ثم زُرْتكم ... إنَّ المحبَّ إذا ما اشتاق زوَّارُ فلما ورد عليها الكتاب؛ أجابته عنه، ثم كتبتْ في أسفله: ليس المحبُّ الذي يخشى العقاب ولو ... كانتْ عقوبتُه في فجوةِ النَّارِ [٧٨ ب] بل المحبُّ الذي لا شيء يُفْزِعُه ... أو يَستقِرَّ ومن يهواهُ في الدَّار فلما قرأ الكتاب قال: لا خير في الحياة بعد هذا! وأقبل حتى دخل

стр. 332

المدينة، فأتى بشر بن مروان في وقت غدائه، فلمَّا فرغ من غدائه؛ أُدخل عليه، فقال: ما الذي دعاك إلى تعطيل ثغرك؟ أما سمعت النداء؟ فقال: اسمع عُذْري، فإمَّا عفوتَ، وإما عاقبت. فقال: ويلك! وهل لك من عذرٍ؟ فقصَّ عليه قصَّته وقصَّة ابنة عمِّه، فقال: أوْلى لكما. يا غلام! خُطَّ على اسمه من البَعْث، وأعطِهِ عشرة آلاف درهم، والحقْ بابنة عمِّك. سهرتُ ومنْ أهدى لي الشَّوق نائمُ ... وعذَّبَ قلبي بالهوى وهو سالمُ (١) فواحسرتا حتَّى متى أنا قائلٌ ... لمنْ لامني في حُبِّكم أنت ظالمُ وحتَّى متى أُخفي الهوى وأُسِرُّه ... وأدفِنُ شوقي الحَشَا وأُكاتمُ أريدُ الذي قد سرَّكم بمساءتي ... ليفعل واشٍ أو ليعذُر لائمُ وقال آخر (٢): بي لا بها ما أُقاسي من تجَنِّيها ... ومن جوى الحُبِّ في الأحْشاء أفْدِيها والله يعلم أني لا أُسرُّ بأن ... تلقى منْ الوجد ما لاقيتُه فيها خوف البكاء كما أبكي فيترُكني ... أبكي على كبدي طورًا وأبكيها وقال العبَّاس بن هشام الكلبي (٣): ضرب عبد الملك بن مروان بعثًا إلى اليمن، فأقاموا سنين، حتى إذا كان ذات ليلة وهو بدمشق قال: والله

стр. 333

لأعُسَّنَّ الليلة مدينة دمشق، ولأسمعنَّ الناسَ ما يقولون في البعث؛ الذي أغزيت فيه رجالهم، وأغرمتُهم أموالهم! فبينا هو في بعض أزقَّتها إذا هو بصوت امرأة قائمة تُصلِّي، فتسمَّع إليها، فلما انصرفتْ إلى مضجعها قالت: اللَّهُمَّ مُسيِّر السحب، ومُنزلَ الكُتب، ومعطي الرغب، أسألك أن تؤدي غائبي، فتكشف به همِّي، وتُقِرَّ به عيني، وأسألك [٧٩ أ] أن تحكم بيني وبين عبد الملك بن مروان، الذي فعل بنا هذا، ثم أنشأت تقول: تطاول هذا اللَّيلُ فالعينُ تدمعُ ... وأرَّقني حُزنٌ لقلبي مُوجِعُ فَبِتُّ أُقاسي اللَّيْل أَرْعى نُجومَه ... وباتَ فُؤادي بالجَوى يتقطَّعُ إذا غاب منها كوكبٌ في مغيبه ... لمَحْتُ بعيني كوكبًا حين يطْلعُ إذا ما تذكَّرتُ الذي كان بيننا ... وجدتُ فُؤادي حسرةً يتصدَّعُ وكلُّ حبيبٍ ذاكرٌ لحبيبه ... يُرَجِّي لقاه كلَّ يومٍ ويطمعُ فذا العرش فَرِّج ما ترى من صبابتي ... فأنت الذي يدعو العبادُ فيسمعُ دعوتُكَ في السَّرَّاءِ والضُرِّ دعوةً ... على حاجةٍ بين الشراسيف تلْذَعُ فقال عبد الملك لحاجبه: تعرِفُ هذا المنزل؟ قال: نعم! هذا منزلُ يزيد بن سنان. قال: فما المرأة منه؟ قال: زوجتُه، فلما أصبح سأل كم تصبرُ المرأة عن زوجها؟ قالوا: ستة أشهر. وقال جرير بن حازم (١)، عن يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جُبير

стр. 334

قال: كان عمرُ بن الخطَّاب ﵁ إذا أمسى؛ أخذ دِرَّته، ثم طاف بالمدينة، فإذا رأى شيئًا يُنكره؛ أنكرَه، فبينا هو ذات ليلة يعُسُّ؛ إذ مرَّ بامرأةٍ على سطْحٍ، وهي تقول: تطاول هذا اللَّيلُ واخْضَلَّ جانبُه ... وأرَّقَني ألَّا خليلٌ أُلاعبُهْ فوالله لولا الله لا ربَّ غيرُه ... لَحُرِّك من هذا السَّريرِ جَوانبُهْ مخافةُ رَبِّي والحياءُ يكفُّني ... وأُكرِمُ بعلي أنْ تُنالَ مراكبُهْ ثم تنفَّست الصُّعَداء، وقالت: لهان على عمر بن الخطاب ما لقيتُ الليلة، فضرب باب الدَّار، فقالت: من هذا الذي يأْتي إلى امرأة مُغِيبَةٍ هذه السَّاعة؟ فقال: افتحي! فأبتْ، فلمَّا أكثر عليها؛ قالت: أما والله لو بلغ أمير المؤمنين؛ لعاقبَك، فلما رأى عفافها؛ قال: [٧٩ ب] افتحي، فأنا أميرُ المؤمنين، قالت: كذبت، ما أنت أمير المؤمنين! فرفع بها صوته، وجهر لها، فعرفتْ أنَّه هو، ففتحت له، فقال: هِيهِ! كيف قلتِ؟ فأعادتْ عليه ما قالت، فقال: أين زوجُكِ؟ قالت: في بَعْثِ كذا، وكذا، فبعث إلى عامل ذلك الجند: أنْ سَرِّحْ فلان بن فلان، فلمَّا قَدِمَ عليه؛ قال: اذهب إلى أهلك. ثم دخل على حَفْصة ابنتِه، فقال: أي بُنَيَّة! كم تصبِرُ المرأةُ عن زوجها؟ قالت: شهرًا، واثنين، وثلاثة، وفي الرابع يَنْفَد الصَّبرُ،

стр. 335

فجعل ذلك أجلًا للبَعْث. وهذا مطابقٌ لجعل الله مُدة الإيلاء أربعةَ أشهرٍ، فإنَّه علم أنَّ صبر المرأة يضعُف بعد الأربعة، ولا تحتمل قوَّةُ صبرها أكثر من هذه المدَّة، فجعلها أجلًا للمُولي، وخيَّرها بعد الأربعة إن شاءت أقامت معه، وإن شاءتْ فسختْ نكاحه، فإذا مضت الأربعةُ أشهر عِيْلَ صبرُها. قال الشاعر (١): ولما دعوتُ الصَّبْرَ بعدك والبُكا ... أجابَ البُكا طوعًا ولم يُجِبِ الصبرُ

стр. 336

الباب الثَّامن عشر في أنَّ دواء المُحبِّين في كمال الوصال الذي أباحه ربُّ العالمين وقد جعل الله لكلِّ داءٍ دواء، ويسَّر الوصول إلى ذلك الدواء شرعًا وقدرًا، فمن أراد التَّداوي بما شرعه الله له، واستعان عليه بالقدر، وأتى الأمر من بابه؛ صادف الشِّفاء، ومن طلب الدَّواء بما منعه منه شرعًا ــ وإن امتحنه به قدرًا ــ فقد أخطأ طريق المُداواة، وكان كالمتداوي من داءٍ بداءٍ أعظم منه، وقد تقدَّم حديث طاوس عن ابن عباس ﵄ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لمْ يُرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلُ النكاح» (١). وقد اتفق رأْيُ العقلاء من الأطباء وغيرهم في مواضعة الأدوية: أنَّ شفاء هذا الدَّاءِ في التقاءِ الزَّوجين والتصاق البَدَنَيْنِ. وقد روى مسلم في صحيحه (٢): من حديث أبي الزُّبير عن جابرٍ ﵁ أنَّ رسول [٨٠ أ] الله ﷺ رأى امرأةً، فأتى زينبَ، فقضى حاجتَه منها، وقال: «إنَّ المَرْأةَ تُقْبِلُ في صُورةِ شيطانٍ، وتُدْبِرُ في صُورة

стр. 337

شيطان، فإذا رأى أحدُكم امْرَأةً، فأَعْجَبَتْهُ، فلْيَأْتِ أهْلَهُ؛ فإنَّ ذلك يَرُدُّ ما في نَفْسِهِ». وذكر إسماعيل بنُ عيَّاش (١)، عن شُرَحْبيل بن مسلم عن أبي مسلم الخَولاني ﵀ أنه كان يقول: يا معشر خَوْلان! زوِّجوا شبابَكم وأياماكم، فإن الغُلْمَة أمرٌ عارمٌ، فأعِدُّوا لها عُدَّتها، واعلموا أنه ليس لمُنْعِظٍ إذن. يُريد أنَّه إذا استأذن عليه أحدٌ فلا إذن له. وذكر العتبيّ (٢): أنَّ رجلًا من ولد عثمان، ورجلًا من ولد الحسين خرجا يريدان موضعًا لهما، فنزلا تحت سَرْحَةٍ فأخذ أحدُهما ورقةً، فكتب عليها: خبِّرينا خُصِصْتِ بالغيثِ ياسَرْ ... حُ بصدقٍ والصِّدق فيه شفاءُ وكتب الآخر: هل يموتُ المحبُّ من ألَم الحُبْـ ... ـبِ ويَشفي من الحبيب اللِّقاءُ؟ ثم مضيا، فلما رجعا؛ وجدا مكتوبًا تحت ذلك: إنَّ جهلًا سؤالُك السَّرْحَ عمَّا ... ليس يومًا عليك فيه خَفاءُ ليس للعاشق المُحِبِّ من الحُبْـ ... ـبِ سوى لذَّةِ اللِّقاءِ شفاءُ

стр. 338

وقال أبو جعفر العدوي (١): لَسكْرُ الهوى أَرْوى لعظمي ومَفصلي ... إذا سكر النَّدمانُ من لذَّةِ الخمرِ وأحسنُ من قَرْعِ المَثاني ونَقْرِها ... تراجيعُ صوتِ الثَّغر يُقْرَعُ بالثغر ولما دعوتُ الصبرَ بعدك والبُكا ... أجاب البُكا طوعًا ولم يُجبِ الصَّبْرُ وقال عبد الله بن صالح (٢): كان اللَّيث بنُ سعد إذا أراد الجماعَ؛ خلا في منزلٍ في داره، ودعا بثوبٍ يُقال له البرَّكان، وكان يلبسه إذ ذاك، وكان إذا خلا في ذلك المنزل؛ عُلِم أنَّه يُريد أمرًا، وكان إذا غشي أهله يقول: اللَّهُمَّ شُدّ لي أصله! وارفع لي صَدْرَه! وسهّل عليَّ مدخله ومخرجه! وارزقني لذَّتَه! وهبْ لي ذريَّةً صالحةً [٨٠ ب] تُقاتل في سبيلك! قال: وكان جَهْورِيًّا، فكان يُسْمع ذلك منه. وقال الخرائطيُّ (٣): حدَّثنا عمارة بن وثيمة قال: حدَّثني أبي قال: كان عبد الله بن ربيعة من خيار قريش صلاحًا وعفة، وكان ذَكَرُه لا يرقُد، فلم يكن يشهد لقريش خيرًا ولا شرًّا، وكان يتزوّج المرأة، فلا تلبث معه

стр. 339

إلَاّ أيامًا حتى تهربَ إلى أهلها، فقالت زينبُ بنت عمر بن أبي سلمة: ما لهنَّ يهربنَ من ابن عمِّهنَّ؟ قيل لها: إنهنَّ لا يُطِقْنَهُ، قالت: فما يمنعُه مني؟ فأنا والله العظيمةُ الخَلْق، الكبيرةُ العَجُز، الفَخْمَةُ الفَرْج! قال: فتزوّجَها، فصبرت عليه، وولدتْ له ستةً من الولد. وقال رشدين بن سعد (١)، عن زهرة بن معبدٍ، عن محمد بن المنكدر: أنَّه كان يدعو في صلاته: اللهمَّ قوِّ لي ذكري! فإنَّ فيه صلاحًا لأهلي. وقال حمَّاد بن زيد (٢)، عن هشام بن حَسَّان، عن محمَّد بن سيرين قال: كان لأنس بن مالك غلامٌ، وكان شَبِقًا كثيرًا، فرافعتْه امرأتُه إلى أنسٍ، وقالت: لا أُطِيقُه، ففرض له عليها ستةً في اليوم والليلة. وقال عليّ بنُ عاصم (٣): حدَّثنا خالدٌ الحَذَّاء قال: لما خلقَ الله آدم، وخلق حوَّاء؛ قال له: يا آدمُ! اسكنْ إلى زوجِكَ، فقالت له حوَّاء: يا آدمُ! ما أطيبَ هذا! زدنا منه. وفي الصَّحيح (٤): أنَّ سليمان بن داود ﵉ طاف في ليلةٍ واحدةٍ على تسعين امرأة.

стр. 340

وفي الصَّحيحين (١): أنَّ رسول الله ﷺ كان يطوفُ على نسائه في الليلة الواحدة وهنَّ تسع نسوةٍ، وربما كان يطوفُ عليهنَّ بغسلٍ واحد، وربما كان يغتسلُ عند كلِّ واحدةٍ منهنَّ. وقال المَرُّوذِيُّ: قال أبو عبد الله: ليس العزوبية من أمر الإسلام في شيء، النبيُّ ﷺ تزوَّج أربع عشرةَ، ومات عن تسع، ولو تزوَّج بشرُ بن الحارث تمَّ أمرُه، ولو ترك النَّاسُ النِّكاح؛ لم يكن غزوٌ، ولا حَجٌّ، ولا كذا ولا كذا، وقد كان النبيُّ ﷺ يُصبح وما عندهم [٨١ أ] شيء، ومات عن تسع، وكان يختارُ النِّكاحَ، ويَحُثُّ عليه، وينهى عن التَّبَتُّل (٢)، فمن رغب عن سنة النبيِّ ﷺ فهو على غير الحقِّ. ويعقوبُ في حزنه قد تزوَّج، ووُلد له، والنبيُّ ﷺ قال: «حُبِّبَ إليَّ النِّساءُ» (٣). قلت له: فإنَّ إبراهيم بن أدهم يُحكَى عنه أنَّه قال: لَروعةُ صاحب العيال ... ، فما قدرتُ أن أتمّ الحديث (٤)، حتى صاح بي، وقال: وقعتَ في بُنَيَّات الطريق، انظر ما كان عليه محمدٌ ﷺ وأصحابهُ، ثم قال: بكاء الصَّبيِّ بين يديْ أبيه يطلب منه الخبز أفضل من كذا وكذا. أين يَلحق المتعبّدُ العَزَبُ؟ انتهى كلامه.

стр. 341

وقد اختلفَ الفقهاءُ: هل يجبُ على الزَّوج مجامعةُ امرأته ؟ فقالت طائفة: لا يجب عليه ذلك، فإنَّه حقٌّ له، فإن شاء استوفاه، وإن شاء تركه، بمنزلة من استأْجرَ دارًا، إن شاء سكنَها، وإن شاء تركَها (١). وهذا من أضعف الأقوالِ، والقرآنُ والسُّنَّةُ والعُرْفُ والقياسُ يرُدُّه، أما القرآن، فإنَّ الله قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة/٢٢٨] فأخبر أنَّ للمرأة من الحقِّ مثل الذي عليها، فإذا كان الجماعُ حقًّا للزَّوج عليها؛ فهو حقٌ لها على الزَّوج بنصِّ القرآن، وأيضًا فإنَّه أمرَ الأزواج أن يُعاشروا الزوجات بالمعروف، ومنْ ضدِّ المعروف أن يكون عنده شابَّةٌ، شهوتُها تعدِلُ شهوة الرجل، أو تزيد عليها بأضعاف مضاعفة، ولا يُذيقُها لذَّة الوطء مرَّة واحدةً، ومن زعم: أنَّ هذا من المعروف؛ كفاه طبعُه ردًّا عليه. والله إنَّما أباح للأزواج إمساك نسائهم على هذا الوجه، لا على غيره، فقال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة/٢٢٩]. وقال طائفةٌ: يجب عليه وَطْؤُها في العُمْر مرّةً واحدةً؛ ليستقرَّ لها بذلك الصَّداق. وهذا من جنس القول الأوَّل، وهو باطلٌ من وجهٍ آخر، فإنَّ المقصود إنَّما هو المعاشرةُ بالمعروف، والصَّداقُ دخل في العقْد تعظيمًا لحُرْمته، وفرقًا بينه وبين السِّفاح، فوجوبُ المقصود بالنّكاح

стр. 342

أقوى من وجوب الصَّداق. وقالت طائفةٌ ثالثةٌ: يجبُ عليه [٨١ ب] أن يطأها في كلِّ أربعة أشهر مرَّة، واحتجُّوا على ذلك بأنَّ الله أباحَ للمولي تَرَبُّص أربعة أشهر، وخيَّر المرأة بعد ذلك، إنْ شاءت أن تقيمَ عنده، وإن شاءت أن تفارِقه. فلو كان لها حقٌّ في الوَطءِ أكثر من ذلك؛ لم يجعلْ للزَّوج تركَه في تلك المدَّة. وهذا القول وإن كان أقرب من القولين اللَّذين قبله؛ فليس أيضًا بصحيح، فإنه غير المعروف الذي لها وعليها. وأما جعلُ مدَّة الإيلاء أربعة أشهر؛ فنظرًا منه سبحانه للأزواج، فإن الرجل قد يحتاج إلى ترك وطءِ امرأته مدَّة لعارضٍ منْ سفرٍ، أو تأْديبٍ، أو راحةِ نفس، أو اشتغال بمهم، فجعل الله له أجلًا أربعة أشهر، ولا يلزم من ذلك أن يكون الْوَطءُ مؤقتًا في كلِّ أربعة أشهر مرَّة. وقالت طائفة أُخرى: بل يجبُ عليه أن يَطَأها بالمعروف، كما ينفق عليها، ويكسوها، ويُعاشرها بالمعروف، بل هذا عمدةُ المعاشرة ومقصودُها، وقد أمر الله أن يعاشرَها بالمعروف، فالوَطْءُ داخلٌ في هذه المعاشرة ولابدَّ. قالوا: وعليه أن يُشبعها وَطْأً إذا أمكنه ذلك، كما عليه أن يُشبعَها قوتًا. وكان شيخنا ــ رحمه الله تعالى ــ يرجِّح هذا القول ويختاره. وقد حضَّ النبي ﷺ على استعمال هذا الدواء، ورغَّب فيه، وعلَّق

стр. 343

عليه الأجرَ، وجعله صدقةً لفاعله، فقال: «وفي بُضْعِ أحدِكُمْ صدَقَةٌ» (١). ومن تراجم النَّسائي على هذا: الترغيب في المُباضعة، ثم ذكر هذا الحديث، ففي هذا كمال اللذَّة، وكمال الإحسان إلى الحبيبة، وحصول الأجر، وثواب الصدقة، وفرح النفس، وذهاب أفكارها الرديئة عنها، وخفَّةُ الرُّوح، وذهابُ كثافتها وغِلَظها، وخفَّةُ الجسم، واعتدالُ المزاج، وجلبُ الصِّحة، ودفع الموادِّ الرديئة، فإن صادف ذلك وجهًا حسنًا، وخُلقًا دَمِثًا، وعشقًا وافرًا، ورغبةً تامةً، واحتسابًا للثواب؛ فذلك اللذَّة التي لا يُعادلها شيءٌ، ولاسيَّما إذا وافقتْ كمالها، فإنَّها [٨٢ أ] لا تكمل حتى يأخذَ كلُّ جزءٍ من البدن بِقسْطه من اللَّذَّة، فتلتذُّ العين بالنَّظر إلى المحبوب، والأُذُن بسماع كلامه، والأنفُ بشمِّ رائحته، والفم بتقبيله، واليد بلمسه، وتعتكفُ كلُّ جارحةٍ على ما تطلبُه من لذَّتها، وتُقابله من المحبوب؛ فإن فُقِدَ من ذلك شيءٌ، لم تزل النفسُ متطلِّعةً إليه، متقاضيةً له، فلا تسكُن كلَّ السُّكون. ولذلك تسمَّى المرأة سكنًا؛ لسكون النفس إليها، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم/٢١]. ولذلك فُضِّلَ جماعُ النهار على جماع الليل، ولسببٍ آخر طبيعي، وهو أن الليلَ وقتٌ تبرُد فيه الحواسُّ،، وتطلبُ حظَّها من السُّكون،

стр. 344

والنَّهارُ محلُّ انتشار الحركات، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان/٤٧]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس/٦٧] وتمامُ النِّعمة في ذلك فرحة المحب برضا ربِّه تعالى بذلك، واحتسابُ هذه اللَّذَّة، ورجاءُ تثقيل ميزانه بها. ولذلك كان أحبَّ شيءٍ إلى الشيطان أن يُفرّق بين الرجل وبين حبيبه؛ ليتوصل إلى تعويض كلٍّ منهما عن صاحبه بالحرام، كما في السنن (١) عنه ﷺ : «أَبْغضُ الحَلال إلى الله الطَّلاق». وفي صحيح مسلم (٢) من حديث جابرٍ عن النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ إبليس ينصبُ عرشه على الماء، ثُمَّ يَبُثُّ سراياهُ في النَّاس، فأقرَبُهم منهُ منزلةً أعْظَمُهُمْ فتنةً، فيقولُ أحدُهُم: ما زلتُ به حتَّى زنى، فيقولُ: يَتُوبُ، فيقُول الآخرُ: ما زلتُ به حتى فرَّقتُ بينهُ وبين أهله، فيُدْنِيهِ وَيَلْتَزِمُه، ويقولُ: نعمَ أنت! نِعمَ أنت!». فهذا الوصال لما كان أحبَّ شيءٍ إلى الله ورسوله؛ كان أبغض شيء

стр. 345

إلى عدوِّ الله، فهو يسعى في التفريق بين المتحابين في الله المحبَّة التي يُحبُّها الله، ويؤلِّف بين الاثنين في المحبَّة التي يُبغضها الله ويسخطها، وأكثرُ العُشاق من جنده [٢٨ ب] وعسكره، ويرتقي بهم الحال حتى يصيرَ هو من جندهم وعسكرهم، يقود لهم، ويزيِّن لهم الفواحش، ويؤلفُ بينهم عليها، كما قيل (١): عجبتُ من إبليس في نخْوتِه ... وقبح ما أظهر من سيرته تاهَ على آدم في سَجْدَةٍ ... وصارَ قوَّادًا لذُرِّيتهْ وقد أرشد النبي ﷺ الشباب الذين هم مظنَّة العشق إلى أنفع أدويتهم. ففي الصحيحين (٢): من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشباب! من استطاع منكمُ الباءَة؛ فليتزوجْ، فإنَّهُ أغضُّ للْبَصر، وأحْصَنُ للْفَرْج». وفي لفظٍ آخر ذكره أبو عبيد (٣): حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله عن النبي ﷺ : «عليكُم بالباءة ... » وذكر الحديث، وبين اللفظين فرقٌ، فإن الأوّل يقتضي أمر العزب بالتزويج، والثاني يقتضي أمر المتزوِّج بالباءة، والباءة: اسمٌ من أسماء

стр. 346

الوطء، وقوله: «من استطاع منكم الباءة فليتزوَّج» فُسِّرت الباءة بالوَطء، وفُسِّرت بمؤن النكاح، ولا ينافي التفسير الأوَّل؛ إذ المعنى على هذا: مُؤَنُ الباءة ثم قال: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاءٌ» فأرشدهم إلى الدَّواء الشافي؛ الذي وُضِع لهذا الأمر. ثم نقلهم عنه عند العجز إلى البدل وهو الصَّومُ، فإنَّه يكسرُ شهوة النَّفس، ويُضيِّق عليها مجاري الشهوة، فإنَّ هذه الشَّهوة تقوى بكثرة الغذاء وكيفيته، فكمِّيَّةُ الغذاء، وكيفيتُه يزيدان في توليدها، والصَّومُ يُضيِّق عليها ذلك، فيَصيرُ بمنزلة وِجَاء الفحْل، وقلَّ من أَدْمن الصَّومَ إلا وماتت شهوتُه، أو ضعُفت جدًّا، والصَّومُ المشروع يُعَدِّلها، واعتدالُها حسنةٌ بين سيئتين، ووسطٌ بين طرفين مذمومين، وهما العُنَّة والغُلْمة الشَّديدة المُفْرِطة، وكلاهما خارجٌ عن الاعتدال: كلا طَرَفي قَصدِ الأمور ذميمُ و «خيرُ الأمور أوساطها» والأخلاقُ الفاضلة كلُّها [٨٣ أ] وسطٌ بين طرفي إفراطٍ وتفريط، وكذلك الدِّين المستقيم وسطٌ بين انحرافين، وكذلك السُّنَّة وسطٌ بين بِدْعتين، وكذلك الصوابُ في مسائل النِّزاع إذا شئت أن تحظَى به؛ فهو القولُ الوسط بين الطرفين المتباعدين، وليس هذا موضع تفصيل هذه الجملة، فإنَّا لم نقصد له، وبالله التوفيق.

стр. 347

الباب التاسع عشر في ذكر فضيلة الجمال وميل النفوس إليه على كلِّ حال اعلم أنَّ الجمال ينقسمُ قسمين: ظاهر وباطن ، والجمال هو المحبوب لذاته، وهو جمال العلم، والعقل، والجود، والعفَّة، والشجاعة، وهذا الجمال الباطن هو محل نظر الله من عبد ه وموضع محبته، كما في الحديث الصحيح (١): «إن الله لا ينظر إلى صوركم، وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». وهذا الجمال الباطن يُزيِّن الصورة الظاهرة ، وإن لم تكن ذات جمالٍ، فيكسو صاحبه من الجمال، والمهابة، والحلاوة بحسب ما اكتسبت روحه من تلك الصفات، فإن المؤمن يُعطى مهابة، وحلاوة بحسب إيمانه، فمن رآه هابه ومن خالطه أحبه. وهذا أمرٌ مشهودٌ بالعيان، فإنك ترى الرجل الصالح، الحسن، ذا الأخلاق الجميلة من أحلى الناس صورة، وإن كان أسود، أو غير جميل، ولاسيَّما إذا رُزق حظًّا من صلاة الليل، فإنَّها تُنوّر الوجه، وتحسِّنُه. وقد كان بعضُ النساء تكثرُ صلاة الليل، فقيل لها في ذلك، فقالت:

стр. 348

إنها تحسِّنُ الوجه، وأنا أحبُّ أن يحسن وجهي. ومما يدلُّ على أن الجمال الباطن أحسن من الظاهر: أن القلوب لا تنفكُّ عن تعظيم صاحبه، ومحبته، والميل إليه. فصل وأما الجمال الظاهر؛ فزينةٌ خصَّ الله بها بعض الصُّور عن بعض، وهي من زيادة الخلق؛ التي قال الله تعالى فيها: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر/١] قالوا: هو الصوت الحسن، والصُّورة الحسنة. والقلوب كالمطبوعة على محبته كما هي مفطورةٌ على استحسانه [٨٣ ب]. وقد ثبت في الصحيح (١) عنه ﷺ أنه قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبر» قالوا: يا رسول الله! الرجل يُحبُّ أن تكون نعله حسنة، وثوبه حسنًا؛ أفذلك من الكبر؟ فقال: «لا، إن الله جميل يحبُّ الجمال. الكِبْرُ بطرُ الحقِّ، وغمط الناس». فبطر الحقِّ: جحدُه، ودفعه بعد معرفته، وغمط الناس: النظرُ إليهم بعين الازدراء، والاحتقار، والاستصغار لهم، ولا بأس بهذا إذا كان لله، وعلامتُه: أن يكون لنفسه أشدَّ ازدراءً واستصغارًا منه لهم. فأمَّا إن احتقرهم لعظمة نفسه عنده، فهذا الذي لا يدخل صاحبُه الجنَّة.

стр. 349

فصل وكما أنَّ الجمال الباطن من أعظم نعم الله على عبده؛ فالجمالُ الظاهر نعمةٌ منه أيضًا على عبده، يُوجب شكرًا، فإن شكره بتقواه وصيانته؛ ازداد جمالًا على جماله، وإن استعمل جماله في معاصيه سبحانه؛ قلبه له شَيْنًا ظاهرًا في الدنيا قبل الآخرة، فتعودُ تلك المحاسنُ وحشةً، وقبحًا، وشينًا، وينفر عنه من رآه، فكلُّ منْ لم يتَّقِ الله في حسنه وجماله؛ انقلب قبحًا وشينًا يشينه به بين الناس، فحسن الباطن يعلو قبح الظاهر ويستره، وقبحُ الباطن يعلو جمال الظاهر ويستره. وكان النبي ﷺ يدعو الناس إلى جمال الباطن بجمال الظاهر، كما قال جرير بن عبد الله، وكان عمر بن الخطاب يُسميه: يوسف هذه الأمة، قال: قال لي رسول الله ﷺ : «أنت امرُؤٌ قد أحسنَ الله خَلْقك، فأحسِنْ خُلُقك» (١). وقال بعض الحكماء (٢): ينبغي للعبد أن ينظر كلَّ يوم في المرآة، فإن رأى صورته حسنةً؛ لم يشنها بقبيح فعله، وإن رآها قبيحةً؛ لم يجمعْ بين قُبح الصورة، وقُبح الفعل. ولمَّا كان الجمال من حيث هو محبوبًا للنفوس، معظمًا في القلوب؛

стр. 350

لم يبعث الله نبيًّا إلا جميل الوجه، كريم الحسب، حسن الصوت، كذا قال عليُّ بن أبي طالب. وكان النبي ﷺ [٨٤ أ] أجمل خلق الله، وأحسنهم وجهًا، كما قال البراء بن عازب وقد سُئل: أكان وجهُ رسول الله ﷺ مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر (١). وفي صفته ﷺ : كأنَّ الشمس تجري في وجهه، يقول واصفُه: لم أرَ قبله، ولا بعده مثله (٢). وقال ربيعةُ الجُرشي (٣): قُسِم الحُسْنُ نصفين: فبين سارة ويوسف نصفُ الحسن، ونصفٌ بين سائر الناس. وفي الصحيح (٤) عنه ﷺ : أنه رأى يوسف ليلة الإسراء، وقد أُعطي شطر الحُسن. وكان رسول الله ﷺ يستحبُّ أن يكون الرسول الذي يُرسل إليه حسن الوجه، حسن الاسم، وكان يقول: «إذا أبردتم إليَّ بريدًا؛ فليكن حسن الوجه، حسن الاسم» (٥).

стр. 351

وقد روى الخرائطي (١): من حديث ابن جُريج، عن ابن أبي مُليكة، عن ابن عباس يرفعه: «من آتاهُ الله وجهًا حسنًا، واسمًا حسنًا، وخُلُقًا حسنًا، وجعلهُ في موضع غير شائنٍ له؛ فهو من صفوة الله على خلقه». وقال وهب (٢): قال داود: يا ربّ! أي عبادك أحبُّ إليك؟ قال: مؤمن حسن الصورة، قال: فأيُّ عبادك أبغضُ إليك؟ قال: كافرٌ قبيحُ الصورة. ويُذكرُ عن عائشة (٣) أن رسول الله ﷺ كان ينتظره نفرٌ من أصحابه على الباب، فجعل ينظر في الماء، ويُسَوّي شعره ولحيته، ثم خرج إليهم، فقلت: يارسول الله! وأنت تفعلُ هذا؟ فقال: «نعمْ، إذا خرج الرَّجُلُ إلى إخْوَانِهِ؛ فليُهَيِّئ من نفسه؛ فإن الله جميلٌ يُحِبُّ الجمال». وقال يحيى بن أبي كثير (٤): دخل رجلٌ على معاوية غمصًا، يعني: رمص العينين، فحطَّ من عطائه وقال: ما يمنعُ أحدكم إذا خرج من منزله أن يتعاهد أديم وجهه؟!

стр. 352

وكانت عائشةُ بنتُ طلحة (١) من أجمل أهل زمانها، أو أجملهم، فقال لها أنس بن مالك: والله ما رأيتُ أحسنَ منكِ إلا معاوية على منبر رسول الله ﷺ ، فقالت: والله لأنا أحسنُ [٨٤ ب] من النَّار في عين المقرور في الليلة القارَّة! ودخل (٢) عليها أنسٌ يومًا في حاجة، فقال: إن القوم يريدون أن يدخلوا عليك، فينظروا جمالك، قالت: أفلا قُلْت لي، فألبس ثيابي؟ وكان مُصعب بن الزُّبير (٣) من أجمل الناس، وكان يحسدُ الناس على الجمال، فبينا هو يخطبُ يومًا إذ دخل ابن جودان من ناحية الأزد، وكان جميلًا، فأعرض بوجهه عن تلك الناحية إلى ناحيةٍ أُخرى، فدخل ابن جبران من تلك الناحية، وكان جميلًا، فرمى ببصره إلى مُؤخَّر المسجد، فدخل الحسنُ البصريُّ، وكان من أجمل النَّاس، فنزل مُصْعبٌ عن المنبر. وخرج نسوة (٤) يوم العيد ينظرون إلى الناس، فقيل لهنَّ: من أحسن من مرَّ بكنَّ؟ قلن: شيخٌ عليه عمامةٌ سوداء، يَعْنِينَ الحسن البصري.

стр. 353

وأخذ مصعبُ بن الزُّبير (١) رجلًا من أصحاب المختار فأمر بضرب عنقه، فقال الرجل: أيُّها الأمير، ما أقبحُ من أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة، ووجهك هذا الذي يُسْتضاء به، فأتعلَّق بأطرافك، وأقول: يا ربِّ! سل مُصْعبًا فيم قتلني؟ فقال مُصعب: أطلقوه. فقال الرَّجُل: أيها الأمير، اجعل ما وُهب لي من حياتي في خفضٍ، فقال مصعب: أعطوه مئة ألف درهم، فقال الرَّجل: إنِّي أُشهد الله أنَّ لعبد الرحمن بن قيس الرُّقيَّات مثلها. قال مصعب: ولم ذلك؟ قال: لقوله: إنَّما مُصعبٌ شهابٌ من الله ... تجلَّت عن وجهه الظَّلْمَاءُ فضحك مُصعب وقال: إن فيك لموضعًا للصَّنيعة. وأمره بلزومه. وقال الزُّبير بن بكار (٢): حدَّثنا مُصعب الزبيري، حدَّثنا عبد الرحمن ابن أبي الجيش، قال: خرج أبو حازم يرمي الجمار، ومعه قوم متعبِّدون، وهو يُكلمهم، ويحدِّثهم، ويقصُّ عليهم، فبينا هو يمشي وهم معه؛ إذ نظر إلى فتاة مستترةٍ بخمارها، ترمي النَّاس بطرفها يمنةً [٨٥ أ] ويسرةً، وقد شغلت النَّاس، وهم ينظرون إليها مبهوتين، وقد خَبَط بعضُهم بعضًا

стр. 354

في الطريق، فرآها أبو حازم، فقال: يا هذه! اتَّقِي الله، فإنَّك في مشعرٍ من مشاعر الله عظيم، وقد فتنتِ الناسَ، فاضربي بخمارك على جيبك، فإنَّ الله يقول: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور/٣١] فأقبلت تضحكُ من كلامه وقالت: إنِّي والله: من اللَاّءِ لم يحجُجْن يبغين حِسْبَةً ... ولكن ليقْتُلْن الْبَريء المُغفَّلا فأقبل أبو حازم على أصحابه وقال: تعالوا ندعو الله ألَّا يعذِّب هذه الصُّورة الحسناء بالنَّار. فجعل يدعو، وأصحابُه يُؤمِّنون. وقال ضمرة بن ربيعة (١)، عن عبد الله بن شوذَب: دخلت امرأة جميلةٌ على الحسن البصري، فقالت: يا أبا سعيد! ينبغي للرِّجال أن يتزوَّجوا على النِّساء؟! قال: نعم! قالت: وعلى مثلي؟ ثم أسفرت عن وجه لم يُرَ مثلُه حسنًا، وقالت: يا أبا سعيد! لا تُفتوا الرجال بهذا. ثم ولَّت، فقال الحسن: ما على رجلٍ كانت هذه في زاوية بيته ما فاته من الدُّنيا! وقال عبد الملك بنُ قُرَيْب (٢): كنتُ في بعض مياه العرب، فسمعتُ الناس يقولون: قد جاءت، قد جاءت، فتحوَّل النَّاسُ، فقمتُ معهم، فإذا جاريةٌ قد وردت الماء، ما رأيتُ مثلها قطُّ في حُسن وجهها، وتمام

стр. 355

خلقها، فلما رأت تشوُّف الناس إليها أرسلت بُرقُعها، فكأنَّه غمامةٌ غطَّت شمسًا، فقلت: لِمَ تمنعيننا النظر إلى وجهك هذا الحسن؟ فأنشأت تقول (١): وكنتَ متى أرسلتَ طرفك رائدًا ... لقلبك يومًا أتعبتْك المناظرُ رأيت الذي لا كلُّه أنت قادرٌ ... عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ ونظر إليها أعرابيٌّ (٢) فقال: أنا والله ممَّنْ قلَّ صبره، ثم قال: أوَحْشِيَّة العينين أين لك الأهلُ ... أبِالْحَزْن حلُّوا أم محلُّهُم السَّهْلُ وأيَّةُ أرضٍ أخرجتك فإنَّني ... أراك من الفِرْدَوْسِ إن فُتِّش الأصلُ قفي خبِّرينا ما طَعِمْتِ وما الذي ... شرِبْتِ ومن أين استقلَّ بك الرَّحْلُ لأنَّ علامات الْجِنان مُبِينَةٌ ... عليك وإنَّ الشَّكل يُشبِهُه الشَّكْلُ تناهيتِ حسنًا في النِّساء فإنْ يكن ... لبدرِ الدُّجى نَسْلٌ فأنتِ له نسلُ وقال آخر (٣): يا مُنْسِيَ المحزون أحزانَه ... لما أتته في المُعَزِّينا استقبلتْهنَّ بتمثالها ... فقُمْنَ يَضْحَكْن ويَبْكِينا
следующие страницы →