← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 417

روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (676 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقد روى الخرائطي (١): من حديث ابن جُريج، عن ابن أبي مُليكة، عن ابن عباس يرفعه: «من آتاهُ الله وجهًا حسنًا، واسمًا حسنًا، وخُلُقًا حسنًا، وجعلهُ في موضع غير شائنٍ له؛ فهو من صفوة الله على خلقه». وقال وهب (٢): قال داود: يا ربّ! أي عبادك أحبُّ إليك؟ قال: مؤمن حسن الصورة، قال: فأيُّ عبادك أبغضُ إليك؟ قال: كافرٌ قبيحُ الصورة. ويُذكرُ عن عائشة (٣) أن رسول الله ﷺ كان ينتظره نفرٌ من أصحابه على الباب، فجعل ينظر في الماء، ويُسَوّي شعره ولحيته، ثم خرج إليهم، فقلت: يارسول الله! وأنت تفعلُ هذا؟ فقال: «نعمْ، إذا خرج الرَّجُلُ إلى إخْوَانِهِ؛ فليُهَيِّئ من نفسه؛ فإن الله جميلٌ يُحِبُّ الجمال». وقال يحيى بن أبي كثير (٤): دخل رجلٌ على معاوية غمصًا، يعني: رمص العينين، فحطَّ من عطائه وقال: ما يمنعُ أحدكم إذا خرج من منزله أن يتعاهد أديم وجهه؟!

стр. 352

وكانت عائشةُ بنتُ طلحة (١) من أجمل أهل زمانها، أو أجملهم، فقال لها أنس بن مالك: والله ما رأيتُ أحسنَ منكِ إلا معاوية على منبر رسول الله ﷺ ، فقالت: والله لأنا أحسنُ [٨٤ ب] من النَّار في عين المقرور في الليلة القارَّة! ودخل (٢) عليها أنسٌ يومًا في حاجة، فقال: إن القوم يريدون أن يدخلوا عليك، فينظروا جمالك، قالت: أفلا قُلْت لي، فألبس ثيابي؟ وكان مُصعب بن الزُّبير (٣) من أجمل الناس، وكان يحسدُ الناس على الجمال، فبينا هو يخطبُ يومًا إذ دخل ابن جودان من ناحية الأزد، وكان جميلًا، فأعرض بوجهه عن تلك الناحية إلى ناحيةٍ أُخرى، فدخل ابن جبران من تلك الناحية، وكان جميلًا، فرمى ببصره إلى مُؤخَّر المسجد، فدخل الحسنُ البصريُّ، وكان من أجمل النَّاس، فنزل مُصْعبٌ عن المنبر. وخرج نسوة (٤) يوم العيد ينظرون إلى الناس، فقيل لهنَّ: من أحسن من مرَّ بكنَّ؟ قلن: شيخٌ عليه عمامةٌ سوداء، يَعْنِينَ الحسن البصري.

стр. 353

وأخذ مصعبُ بن الزُّبير (١) رجلًا من أصحاب المختار فأمر بضرب عنقه، فقال الرجل: أيُّها الأمير، ما أقبحُ من أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة، ووجهك هذا الذي يُسْتضاء به، فأتعلَّق بأطرافك، وأقول: يا ربِّ! سل مُصْعبًا فيم قتلني؟ فقال مُصعب: أطلقوه. فقال الرَّجُل: أيها الأمير، اجعل ما وُهب لي من حياتي في خفضٍ، فقال مصعب: أعطوه مئة ألف درهم، فقال الرَّجل: إنِّي أُشهد الله أنَّ لعبد الرحمن بن قيس الرُّقيَّات مثلها. قال مصعب: ولم ذلك؟ قال: لقوله: إنَّما مُصعبٌ شهابٌ من الله ... تجلَّت عن وجهه الظَّلْمَاءُ فضحك مُصعب وقال: إن فيك لموضعًا للصَّنيعة. وأمره بلزومه. وقال الزُّبير بن بكار (٢): حدَّثنا مُصعب الزبيري، حدَّثنا عبد الرحمن ابن أبي الجيش، قال: خرج أبو حازم يرمي الجمار، ومعه قوم متعبِّدون، وهو يُكلمهم، ويحدِّثهم، ويقصُّ عليهم، فبينا هو يمشي وهم معه؛ إذ نظر إلى فتاة مستترةٍ بخمارها، ترمي النَّاس بطرفها يمنةً [٨٥ أ] ويسرةً، وقد شغلت النَّاس، وهم ينظرون إليها مبهوتين، وقد خَبَط بعضُهم بعضًا

стр. 354

في الطريق، فرآها أبو حازم، فقال: يا هذه! اتَّقِي الله، فإنَّك في مشعرٍ من مشاعر الله عظيم، وقد فتنتِ الناسَ، فاضربي بخمارك على جيبك، فإنَّ الله يقول: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور/٣١] فأقبلت تضحكُ من كلامه وقالت: إنِّي والله: من اللَاّءِ لم يحجُجْن يبغين حِسْبَةً ... ولكن ليقْتُلْن الْبَريء المُغفَّلا فأقبل أبو حازم على أصحابه وقال: تعالوا ندعو الله ألَّا يعذِّب هذه الصُّورة الحسناء بالنَّار. فجعل يدعو، وأصحابُه يُؤمِّنون. وقال ضمرة بن ربيعة (١)، عن عبد الله بن شوذَب: دخلت امرأة جميلةٌ على الحسن البصري، فقالت: يا أبا سعيد! ينبغي للرِّجال أن يتزوَّجوا على النِّساء؟! قال: نعم! قالت: وعلى مثلي؟ ثم أسفرت عن وجه لم يُرَ مثلُه حسنًا، وقالت: يا أبا سعيد! لا تُفتوا الرجال بهذا. ثم ولَّت، فقال الحسن: ما على رجلٍ كانت هذه في زاوية بيته ما فاته من الدُّنيا! وقال عبد الملك بنُ قُرَيْب (٢): كنتُ في بعض مياه العرب، فسمعتُ الناس يقولون: قد جاءت، قد جاءت، فتحوَّل النَّاسُ، فقمتُ معهم، فإذا جاريةٌ قد وردت الماء، ما رأيتُ مثلها قطُّ في حُسن وجهها، وتمام

стр. 355

خلقها، فلما رأت تشوُّف الناس إليها أرسلت بُرقُعها، فكأنَّه غمامةٌ غطَّت شمسًا، فقلت: لِمَ تمنعيننا النظر إلى وجهك هذا الحسن؟ فأنشأت تقول (١): وكنتَ متى أرسلتَ طرفك رائدًا ... لقلبك يومًا أتعبتْك المناظرُ رأيت الذي لا كلُّه أنت قادرٌ ... عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ ونظر إليها أعرابيٌّ (٢) فقال: أنا والله ممَّنْ قلَّ صبره، ثم قال: أوَحْشِيَّة العينين أين لك الأهلُ ... أبِالْحَزْن حلُّوا أم محلُّهُم السَّهْلُ وأيَّةُ أرضٍ أخرجتك فإنَّني ... أراك من الفِرْدَوْسِ إن فُتِّش الأصلُ قفي خبِّرينا ما طَعِمْتِ وما الذي ... شرِبْتِ ومن أين استقلَّ بك الرَّحْلُ لأنَّ علامات الْجِنان مُبِينَةٌ ... عليك وإنَّ الشَّكل يُشبِهُه الشَّكْلُ تناهيتِ حسنًا في النِّساء فإنْ يكن ... لبدرِ الدُّجى نَسْلٌ فأنتِ له نسلُ وقال آخر (٣): يا مُنْسِيَ المحزون أحزانَه ... لما أتته في المُعَزِّينا استقبلتْهنَّ بتمثالها ... فقُمْنَ يَضْحَكْن ويَبْكِينا

стр. 356

حَقٌّ لهذا الوجه أن يَزْدَهي ... عن حُزْنِهِ منْ كان محْزُونَا وقال آخر (١): أنيري مكان البدر إن أفل البدرُ ... وقُومي مقام الشَّمْسِ ما استأخرَ الفجرُ ففيك من الشَّمسِ المنيرة ضَوْءُها ... وليسَ لها منك التبسُّم والثَّغْرُ وقال آخر (٢): رُقاديَ يا طرفي عليك حرامُ ... فخلِّ دموعًا فيضُهنَّ سِجَامُ ففي الدَّمع إطفاءٌ لنار صبابةٍ ... لها بين أحْناء الضُّلوعِ ضِرام ويا كبدي الحرَّى التي قد تصدَّعتْ ... من الوجد ذُوبي ما عليك ملامُ ويا وجه من ذلَّت وجوهٌ أعزَّةٌ ... له وزها عزًّا فليس يُرام أجِرْ مستجيرًا في الهوى بك باسطًا ... إليك يديه والعيونُ نيامُ وذكر الخرائطي (٣) عن بعض العلويين قال: بينا أنا عند الحسن بن

стр. 357

هانئ وهو يُنْشِدُ: ويلي على سُود العيو ... نِ النُّهَّدِ الضُّمرِ البطونِ الناطقات عن الضميـ ... ـر لنا بألسنةِ الجُفون فوقف عليه أعرابيٌّ ومعه بُنيُّه، فقال: أعِدْ عليَّ، فأعاد عليه، فقال: يا ابن أخي! ويلك أنت وحدك من هذا؟ ويلي أنا وأنت، وويلُ ابني هذا، وويل هذه الجماعة، وويل جيراننا كلِّهم. وقال الخرائطي (١): حدَّثنا يموت بن المُزرَّع، حدَّثنا محمَّد بن حميد، حدَّثنا محمد بن سلمة [٨٦ أ] قال: حدّثني أبي، قال: أتيتُ عبد العزيز بن المُطلب، أسأله عن بيعة الجنِّ للنبيِّ ﷺ بمسجد الأحزاب ما كان بدؤها، فوجدتُه مستلقيًا يتغنَّى: ما روضةٌ بالحزن طيِّبةٌ الثَّرَى ... يمُجُّ الندى جثجاثُها وعرارُها بأطيب من أردان عزَّة مَوهنًا ... وقد أُوقدت بالمندل الرَّطب نارُها من الخفرات البيض لم تلق شقوة ... وفي الحسب المكنون صافٍ نجارُها فإن برزت كانت لعينك قُرَّةً ... وإن غبْتَ عنها لم يَعُمَّك عارُها

стр. 358

فقلت له: أتُغني ــ أصلحك الله ــ وأنت في جلالك وشرفك؟! أما والله لأحملنَّها ركبان نجدٍ، قال: فوالله ما اكترثَ بي، وعاد يتغنَّى: فما ظبيةٌ أدْماءُ خفَّاقةُ الحشا ... تجوبُ بظِلْفَيها متون الخمائل بأحسن منها إذ تقولُ تدلُّلًا ... وأدمُعُها يُذْرين حشو المكاحل تمتَّعْ بذا اليوم القصير فإنَّه ... رهينٌ بأيَّام الصُّدود الأطاول قال: فندمت على قولي، وقلت له: أصلحك الله! أتحدِّثني في هذا بشيءٍ؟ قال: نعم! حدَّثني أبي قال: دخلتُ على سالم بن عبد الله بن عمر وأشعث يغنِّيه: مغيبة كالبدر سنّة وجهها ... مُطَهَّرَةُ الأثواب والعِرضُ وافرُ لها حسبٌ زاكٍ وعِرْضٌ مهذَّبٌ ... وعن كل مكروه من الأمر زاجرُ من الخَفراتِ البيض لم تَلْقَ ريبةً ... ولم يَسْتَمِلها عن تُقى الله شاعرُ فقال له سالم: زدني. فغنّاه: ألمَّت بنا والليلُ داجٍ كأنَّه ... جناحُ غُرابٍ عنه قد نفض القَطْرا فقلتُ أعطَّارٌ ثَوى في رِحالِنا ... وما احتملت ليلى سوى طيبها عِطْرا [٨٦ ب] فقال له سالم: والله لولا أن تداوله الرُّواة لأجزلتُ جائزتك! فإنَّك من هذا الأمر بمكان. قال الخرائطي (١): حدَّثنا العبَّاسُ بنُ الفضل، عن بعض أصحابه،

стр. 359

قال: حججْتُ سنةً من السنين، فإني لبالرَّبَذة؛ إذ وقفت علينا جاريةٌ على وجهها بُرْقُعٌ، فقالت: يا معشر الحجيج! نفَرٌ من هُذيل، ذهب بنعمهم السَّيلُ، وقعدت بهم الأيام، ما لهم نُجعَة، فمن يراقبُ فيهم الدَّار الآخرة ويعرفُ لهم حقَّ الأخوة؟ جزاه الله خيرًا! قال: فرضخنا لها، فقلت لها: هل قلتِ في ذلك شيئًا؟ فأنشأت تقول: كفُّ الزمان توَسَّدَتنا عنوةً ... شَلَّت أناملُها عن الأعراب قوم إذا حلَّ العُفاة ببابهم ... ألْفَوْا نوافلهم بغيرِ حساب فقلتُ لها: لو أمتعتينا بالنظر إلى وجهك، فكشفت البُرْقُع عن وجهٍ لا تهتدي العقولُ لوصفه، فلما رأتنا قد بُهِتْنا لحسنها؛ أنشأت تقول: الدَّهرُ أبدى صفحةً قد صانها ... أبوايَ قبلَ تمرُّس الأيَّامِ فتمتَّعوا بعيونِكم في حُسْنِها ... وانْهَوْا جوارِحَكُمْ عن الآثام ثم انصرفت. وكان محمدُ بن حميد الطوسي (١) يهوى جاريةً، فأرسل إليها مرَّةً أُتْرُجَّةً، فبكتْ بكاءً شديدًا، فقيل لها: يُوجِّه إليك من تُحبِّينه بهدية، فتبكين هذا البكاء؟ فغنَّت (٢): أهدى له أحبابُه أُتْرُجَّةً ... فبكى وأشفق من عِيَافَةِ زاجرِ

стр. 360

خاف التلوُّنَ والفِراقَ لأنَّها ... لونانِ باطنُها خِلافُ الظَّاهِر فلمَّا جاءه الرَّسولَ؛ أخبره عنها بما أغاظه، فكتب إليها (١): ضيَّعتِ عهد فتًى لغيبكِ حافظٍ ... في حفظِه عجَبٌ وفي تضييعكِ وصددتِ عنه وماله من حيلةٍ ... إلا الوقوف إلى أوانِ رُجوعكِ [٧٨ أ] إنْ تقتليه وتذهبي بحياته ... فبحسن وجهك لا بحُسْنِ صنيعك فلمَّا وافتها الرُّقعةُ بكتْ، حتى رَحِمها من حولَها، ثم اندفعتْ تقول: هل لعيني إلى الرُّقاد شفيعُ ... إنَّ قلبي من السَّقَامِ مَرُوعُ لا تراني بخلتُ عنك بدمع ... لا وحقِّ الحبيب ما لي دموعُ إنَّ قلبي إليك صَبٌّ حزينٌ ... فاستراحت إلى الحنين الضُّلوع ليس في العطف يا حبيبي بديعٌ ... إنما هجرُ من يُحب بديعُ ثم كتبت إليه: أنا مملوكةٌ، لا أملك من أمري شيئًا، فإن كان لك فيَّ حاجةٌ فاشترني؛ لأكون طوع يديْك، فاشتراها، فمكثتْ عنده، وكانت من أحظى إمائه، حتى قُتل في وقعة بابك الخُرَّمي، فكانت تتمثل في رثائه بقول أبي تمَّام فيه (٢):

стр. 361

محمَّدُ بنُ حميدٍ أخْلقتْ رِمَمُه ... أُريق ماءُ المعالي مُذْ أُريقَ دَمُهْ رأيتُه بِنِجاد السَّيْفِ محتبيًا ... في النَّوْم بدرًا جلتْ عن وجهه ظُلمُه فقلت والدَّمعُ من حُزْنٍ ومِنْ كمدٍ ... يجري انسكابًا على الخَدَّين مُنْسَجِمُهْ ألم تمُتْ يا شقيق النَّفسِ مُذْ زمنٍ ... فقال لي لم يمتْ من لم يمُت كرَمُه فصل وهذا فصل في ذكر حقيقة الحُسْنِ والجمال ما هي ؟ وهذا أمرٌ لا يُدْرَك إلا بالوصف، وقد قيل: إنَّه تناسُب الخِلْقة، واعتدالُها، واستواؤها، وربَّ صُورةٍ متناسبة الخِلْقة، وليست في الحُسن هناك، وقد قيل: الحُسْنُ في الوجه، والملاحةُ في العينين. وقيل: الحُسْنُ أمرٌ مركَّبٌ من أشياء: وضاءة، وصباحة، وحسنُ تشكيل، و تخطيطٍ، ودموثة في البشرة، وقيل: الحسنُ معنى لا تناله العبارة، ولا يُحيط به الوصفُ، وإنَّما للناس منه أوصافٌ أمكن التعبيرُ عنها. وقد كان رسول الله [٨٧ ب] ﷺ في الذُّرْوة العُليا منه، ونظرت إليه عائشة يومًا، ثم تبسَّمتْ، فسألها: «ممَّ ذاك؟» فقالت: كأنَّ أبا كبيرٍ الهذليَّ

стр. 362

إنَّما عناك بقوله (١): ومُبَرَّأٌ من كلِّ غُبَّر حَيضةٍ ... وفسادِ مُرْضِعَة وداءٍ مُغْيلِ وإذا نظرتَ إلى أسرَّةِ وَجْهِه ... بَرَقتْ كبرْقِ العارِض المُتَهَلِّل ولقي بعضُ الصَّحابة راهبًا، فقال: صف لي محمدًا كأنِّي أنظرُ إليه، فإنِّي رأيتُ صفته في التوراة والإنجيل، فقال: لم يكن بالطويل البائن، ولا بالقصير، فوق الرَّبعة، أبيضَ اللون مُشْرَبًا بالحمرة، جَعْدًا ليس بالقطط، جُمَّتُه إلى شحمة أُذنه، صَلْتَ الجبين، واضحَ الخَدِّ، أدعَج العينين، أقنى الأنف، مفلَّج الثنايا، كأنَّ عنقه إبريقُ فضَّة، ووجهه كدارة القمر. فأسلم الراهب. وفي صفة هند بن أبي هالة له ﷺ : لم يكن بالطويل المُمَغَّطِ ولا بالقصير المتردِّد، كان رَبْعَةً من الرِّجال، ولم يكن بالجَعْد القطط، ولا بالسَّبط، ولم يكن بالمُطهَّم ولا بالمُكَلْثَم، وكان في الوجه تدوير، أبيضُ مُشْرَب، أدعج العينين، أهدَبُ الأشفار، جليلُ المُشاش والكتدِ، شَثْن الكفين والقدمين، دقيقُ المسْرُبة، إذا مشى تقلَّع كأنما ينحطُّ من صبب، وإذا التفت التفت جميعًا، كأن الشمس تجري في وجهه (٢).

стр. 363

وكان ﷺ مع هذا الحسن قد أُلقيت عليه المحبَّةُ، والمهابةُ، فمن وقعت عليه عيناه؛ أحبَّه، وهابه، وكمَّل الله سبحانه له مراتب الجمال ظاهرًا وباطنًا. وكان أحسنَ خلقِ الله خَلقًا وخُلقًا، وأجملَهم صورةً ومعنى. وهكذا كان يوسفُ الصِّديق ﷺ ، ولهذا قالت امرأةُ العزيز للنِّسوة لمَّا أرتْهُنَّ إياه؛ ليعذُرْنَها في محبَّته: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف/٣٢] أي: هذا هو الذي فُتنت به، وشُغِفْتُ بحبِّه، فمن يلومني على محبته، وهذا حسن منظره. [٨٨ أ] ثم قالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف/٣٢] أي: ومع هذا الجمال، فباطنُه أحسنُ من ظاهره، فإنَّه في غاية العفَّة، والنَّزاهة، والبُعد عن الخنا، والمحبُّ وإن عِيبَ محبوبه؛ فلا يجري لسانه إلا بمحاسنه، ومدحه. ويتعلَّق بهذا قوله تعالى في صفة أهل الجنة: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان/١١]. فجمَّل ظواهرهم بالنَّضْرة، وبواطنهم بالسُّرور، ومثله قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة/٢٢ ــ ٢٣] فإنه لا شيء أشهى إليهم، وأقرُّ لعيونهم، وأنعم لبواطنهم من النَّظر إليه، فنضَّر وجوههم بالحسن، ونعَّم قلوبهم بالنظر إليه. وقريبٌ منه قوله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ فهذا زينة الظاهر، ثم قال: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان/٢١] أي: مطهرًا لبواطنهم من كل أذىً. فهذا زينة الباطن، ويشبهه قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا

стр. 364

عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف/٢٦] فهذا زينةُ الظاهر، ثم قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف/٢٦] فهذا زينةُ الباطن، وينظر إليه من طرف خفي قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ [فصلت/١٢] فزيَّن ظاهرها بالمصابيح، وباطنها بحفظها من الشيطان. وقريبٌ منه قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة/١٩٧] فذكر الزَّاد الظاهر، والزاد الباطن، وهذا من زينة القرآن الباطنة المضافة إلى زينة ألفاظه، وفصاحته، وبلاغته الظاهرة. ومنه قوله تعالى لآدم: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه/١١٨ ــ ١١٩] فقابل بين الجوع والعُري دون الجوع والظمأ، وبين الظمأ والضَّحْي دون الظمأ والجوع، فإن الجوع عُري الباطن، وذُلُّه، والعُرْي جوعُ الظاهر، وذُلُّه. فقابل بين ذل باطنه وظاهره، وجوع باطنه وظاهره، والظمأُ: حرُّ الباطن، والضحيُ: حرُّ الظاهر، فقابل بينهما. وسُئل المتنبي [٨٨ ب] عن قول امرئ القيس (١): كأنِّي لم أركبْ جوادًا للذَّةٍ ... ولم أتبَطَّنْ كاعِبًا ذات خلخالِ ولم أسبأ الزِّق الروي ولم أقلْ ... لخيلي كُرِّي كرَّةً بعد إجفال

стр. 365

فقيل له: إنه عيب عليه مقابلةُ سبي الزق الروي بالكر، وكان الأحسن مقابلته ببطن الكاعب جمعًا بين اللذتين، وكذلك مقابلة ركوب الجواد للكر أحسن من مقابلته لتبطن الكاعب، فقال: بل الذي أتى به أحسن، فإنه قابل مركوب الشجاعة بمركوب اللذَّة واللهو، فهذا مركوب الطرب، وهذا مركوب الحرب والطلب، ولذلك قابل بين السباءين، سباء الزق وسباء الرَّقيق (١). قلت: وأيضًا فإن الشارب يفتخرُ بالشجاعة، كما قال حسان (٢): ونشربُها فتترُكنا مُلوكًا ... وأُسدًا ما يُنهنِهُنا اللقاء وهذه جملةٌ اعتراضية من ألطف الاعتراض. وقيل: الحسنُ ما استنطق أفواه النَّاظرين بالتسبيح والتهليل، كما قال: ذي طلعة سبحان فالق صُبحه ... ومعاطف جلَّت يمينُ الغارس وقال عليُّ بن الجهم (٣): طلعتْ فقال الناظرون إلى ... تصويرها ما أعظم الله ودنتْ فلما سلَّمتْ خجلت ... والتفَّ بالتفّاح خدَّاها

стр. 366

وكأن دِعْصَ الرَّمل أسفلُها ... وكأنَّ غُصْن البانِ أعْلاها حتَّى إذا ثملت بنشوتها ... قرأت كتاب الباه عيناها وقال آخر (١): وإذا بدتْ في بعض حاجتها ... تستنطقُ الأفواه بالتَّسْبيح وقال بشار (٢): تُلقى بتسبيحةٍ من حسن ما خُلقتْ ... وتستفزُّ حشا الرائي بإرْعاد ولي من أبيات: يا صورة البدر ولا والَّذي ... صوَّر ليس البدرُ يحكيكِ [٨٩ أ] مُنِّي على العين ولا تبخلي ... بنظرة فالعينُ تفديك وإن تحرَّجت لهذا فكم ... قد سبح الرحمن رائيك هذا بهذا وارتجي أجر من ... إن غبتِ عنه ظلَّ يبكيك قال ابن شُبْرُمة: كفاك من الحسن أنَّه مشتقٌّ من الحسنة. وقال عمر بن الخطاب: إذا تمَّ بياضُ المرأة في حسن شعرها؛ فقد تمَّ حسنُها. وقالت عائشة: البياض شطرُ الحسن.

стр. 367

وقال بعضُ السلف: جعل الله البهاء والهوج مع الطول، والدَّهاء والدَّمامة مع القصر، والخير فيما بين ذلك. و ممَّا يُذمُّ في النساء المرأة القصيرةُ الغليظة، وهي التي عناها الشاعر بقوله (١): وأنتِ التي حبَّبتِ كلَّ قصيرةٍ ... إليَّ ولم تشعُر بذاك القصائرُ عَنيتُ قصيرات الحِجال ولم أُرِدْ ... قِصَار النِّسا شرُّ النِّساء البحاترُ والبحاتر: هنَّ القصار الغلاظ، وبعضهم يبالغ في هذا حتى يُفضِّل المهازيل على السِّمان. أنشد الزمخشريُّ (٢): لا أعشقُ الأبيض المنفوخ من سمنٍ ... لكنَّني أعشقُ السُّمْر المهازيلا إني امْرُؤٌ أركب المُهْرَ المضمَّر في ... يوم الرِّهان فدَعني واركب الفيلا وطائفةٌ تفضِّل السِّمان، وتقول: السمنُ نصف الحسن، وهو يسترُ كل عيبٍ في المرأة، ويُبدي محاسنها، وخيار الأمور أوساطها. ومما يُستحسن في المرأة طول أربعة، وهنَّ: أطرافُها، وقامتُها،

стр. 368

وشعرُها، وعنقُها. وقصرُ أربعة: يدها، ورجلها، ولسانها، وعينها، فلا تبذل ما في بيت زوجها، ولا تخرج من بيتها، ولا تستطيل بلسانها، ولا تطمحُ بعينها. وبياض أربعة: لونها، وفرقها، وثغرها، وبياض عينها، وسوادُ أربعة: أهدابها، وحاجبها، وعينها، وشعرها. وحمرةُ أربعة: لسانها، وخدّها، وشفتها [٨٩ ب] مع لعسٍ، وإشراب بياضها بحمرة. ودقَّة أربعة: أنفها، وبنانها، وخصرها، وحاجبها. وغلظ أربعة: ساقها، ومعصمُها، وعجيزتها، وذاك منها. وسعة أربعة: جبينها، ووجهها، وعينها، وصدرها. وضيقُ أربعة: فمها، ومنخرها، وخرقُ أُذُنها، وذاك منها. فهذه أحقُّ النِّساء بقول كُثير (١): لو أنَّ عَزَّة خاصمتْ شمس الضُّحى ... في الحُسْنِ عند مُوَفَّقٍ لقضى لها وقول الآخر (٢): لو أبصر الوجه منها وهو منهزمٌ ... ليلًا وأعداؤُه من خلفه وقفا وقول الآخر (٣): يا طيب مرعى مُقلةٍ لم تخفْ ... بوجنتيْها زجْرَ حُرَّاس حلَّت بوجهٍ لم يَغِضْ ماؤُه ... ولم تَخُضْه أعينُ النَّاس

стр. 369

وقول الآخر (١): فلم يزلْ خدُّها رُكنًا ألوذُ به ... والخالُ في خدِّها يُغني عن الحجر وقول الآخر، أنشده المبرد (٢): وأحسنُ من ربع ومن وصف دمنةٍ ... ومن جبلي طيٍّ ومن وصفكم سَلْعا تلاحظُ عيني عاشقين كلاهُما ... له مُقلةٌ في خد معشوقه ترعى وأنشد ثعلب (٣): خُزاعيَّةُ الأطراف مُرِّيَّةُ الحشا ... فزاريَّةُ العينين طائيَّةُ الفم ومكيةٌ في الطيب والعطر دائمًا ... تبدَّتْ لنا بين الحطيم وزمزم ثم قال: وصفها بما يستحسن من كل قبيلة. وقال صالح بن حسَّان (٤) يومًا لأصحابه: هل تعرفون بيتًا من الغزل

стр. 370

في امرأةٍ خفرة؟ قلنا: نعم! بيتٌ لحاتم في زوجته ماوية (١): يُضيء لها البيتُ الظَّليلُ خصاصه ... إذا هي يومًا حاولت أن تبسَّما قال: ما صنعتُم شيئًا! قلنا: فبيتُ الأعشى (٢): كأنَّ مِشْيتَها منْ بيتِ جارتِها ... مَرُّ السَّحابةِ لا رَيْثٌ ولا عجلُ قال: جعلها تدخلُ و تخرجُ! قلنا: يا أبا محمد! فأيُّ بيت هو؟ قال: قول أبي قيس بن الأسْلت [٩٠ أ] (٣): وتُكرمُها جاراتُها فيزُرْنها ... وتعتلُّ عن إتيانِهنَّ فتُعْذرُ قلت: وأحسن من هذا كلِّه ما قاله إبراهيم بن محمَّد الملقَّب بنفْطويهِ (٤): وخبَّرها الواشون أنَّ خيالها ... إذا نمتُ يَغْشى مضْجَعِي ووِسادي فخفَّرها فرطُ الحياء فأرسلت ... تُعيِّرني غَضْبَى بطولِ رُقادي

стр. 371

ومما يُستحسن في المرأة: رقةُ أديمها، ونعومةُ ملمسه، كما قال قيس بن ذَريح (١): تعلَّق رُوحي رُوحها قبل خلقنا ... ومنْ بعد ما كُنَّا نِطافًا وفي المهدِ فزاد كما زدْنا فأصبح ناميًا ... فليس وإن متنا بِمُنْفَصم العهدِ ولكنَّه باق على كلِّ حادثٍ ... ومؤنسُنا في ظُلمة القبرِ واللَّحْدِ يكادُ مسيلُ الماءِ يخْدِش جلدها ... إذا اغتسلتْ بالماء من رقَّة الجلْد ولي من أبيات: يُدمي الحريرُ أديمها من مَسِّه ... وأديمُها منه أرقُّ وأنعمُ فصل فيا أيُّها العاشقُ سمعُه قبل طَرْفه، فإنَّ الأُذن تعشقُ قبل العين أحيانًا، وجيش المحبَّة قد يدخلُ المدينة من باب السمع، كما يدخلُها من باب البصر، والمؤمنون يشتاقون إلى الجنة وما رأوها، ولو رأوها؛ لكانوا أشدَّ لها شوقًا، والصَّرُورة يكاد قلبُه يذوبُ شوقًا إلى رؤية البيت الحرام، فإنْ شاقتك هذه الصفات، وأخذتْ بقلبك هذه المحاسن: فاسمُ بعينيك إلى نسوةٍ ... مهُورُهنَّ العملُ الصالحُ

стр. 372

وحدِّثِ النَّفس بعشق الأُلى ... في عِشْقِهِنَّ المتْجَرُ الرَّابح واعْملْ على الوصلِ فقد أمكنتْ ... أسبابُه ووقتُها رائحُ (١) فصل وقد وصف الله سبحانه نساء الجنَّة بأحسنِ الصِّفات، وحلَّاهنَّ بأحسن الحُليِّ، وشوَّق الخُطَّاب إليهن، حتى كأنَّهم يرونهنَّ رؤية العين. قال [٩٠ ب] الطبرانيُّ (٢): حدَّثنا بكرُ بنُ سهل الدمياطيُّ، حدّثنا عمرو بن هشام البيروتي، حدثنا سليمان بن أبي كريمة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمِّه، عن أُمّ سلمة قالت: قلت يا رسول الله! أخبرني عن قول الله : ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة/٢٢] قال: «حُورٌ: بيضٌ، عينٌ: ضخامُ العيون، شعرُ الحوراء بمنزلة جناح النَّسْرِ». قلت: أخبرني عن قوله : ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة/٢٣]. قال: «صفاؤهنَّ صفاء الدُّرِّ الذي في الأصداف؛ الذي لم تَمَسَّه الأيدي» قلت: يا رسول الله! أخبرني عن قوله: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن/٧٠]. قال: «خيراتُ الأخلاق، حِسَانُ الوجوه».

стр. 373

قلت: أخبرني عن قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات/٤٩]. قال: «رِقَّتُهُنَّ، كرِقَّة الجلد الذي رأيت في داخل البيضة ممَّا يلي القِشْرَ وهو الغِرْقِئ». قلت: يا رسول الله! أخبرني عن قوله : ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة/٣٧]. قال: «هُنَّ اللواتي قُبضن في دار الدُّنيا عجائزَ، رُمْصًا، شُمطًا، خلقهنَّ الله بعد الكِبَرِ، فجعلهنَّ عذارى، عُرُبًا: متعشِّقَاتٍ، متحبِّبَاتٍ، أترابًا: على ميلاد واحد». قلت: يا رسول الله! نساء الدُّنيا أفضلُ أم الحور العين؟ قال: «بل نساء الدُّنيا أفضلُ من الحُور العين، كفضل الظِّهارةِ على البِطانة». قلت: يا رسول الله! وبِمَ ذلك؟ قال: «بصلاتهنَّ، وصيامهنَّ، وعبادتهنَّ الله، ألبس الله وجوهَهن النُّور، وأجسادَهنَّ الحرير، بيضُ الألوان، خُضْرُ الثياب، صُفْرُ الحُليِّ، مجامِرُهنَّ الدرُّ، وأمشاطهنَّ الذَّهب، يقُلْن: نحن الخالداتُ، فلا نموت، ونحن النَّاعماتُ، فلا نَبْأسُ أبدًا، نحن المقيمات فلا نظعن أبدًا، ألا ونحن الرَّاضياتُ، فلا نسخط أبدًا، طُوبى لمنْ كنَّا له وكان لنا». قلت: يا رسول الله! المرأةُ منّا تتزوَّج الزَّوجين، والثلاثة، والأربعة، ثم تموتُ، فتدخل الجنَّة، ويدخلون معها، من يكون زوجُها؟ قال: «يا أُمَّ سلمة! إنها تُخيَّر، فتختار أحسنهم خُلُقًا، فتقول: أي ربِّ

стр. 374

إن هذا كان أحسنهم [١٩ أ] معي خُلُقًا في دار الدُّنيا، فزوِّجنيه. يا أُمَّ سلمة! ذهب حسنُ الخُلُق بخيري الدُّنيا والآخرة». فصل وقد وصفهنَّ تعالى بأنهنَّ كواعب، وهي جمع كاعِبٍ، وهي المرأة التي قد تكعَّب ثديُها، واستدار، ولم يتدَلَّ إلى أسفل، وهذا من أحسن خلق النِّساء، وهو ملازمٌ لسنِّ الشباب. ووصفهنَّ بالحُور، وهو حُسْنُ ألوانِهنَّ وبياضُهُ، قالت عائشة (١) ﵂: البياض نصفُ الحسن. وقال عمر بن الخطاب ﵁: إذا تمَّ بياضُ المرأة في حسن شعرها؛ فقد تمَّ حسنُها. والعرب تمدحُ المرأة بالبياض، قال الشاعر (٢): بِيضٌ أوانسُ ما هممْنَ بريبةٍ ... كظِباءِ مكَّة صَيْدُهنَّ حرامُ يُحْسَبْنَ من لين الحديثِ زوانيًا ... ويَصُدُّهُنَّ عن الخَنَا الإسلامُ والعِينُ: جمعُ عَيْنَاء، وهي المرأةُ الواسعة العين مع شدَّة سوادها، وصفاء بياضها، وطولِ أهدابها وسوادها.

стр. 375

ووصفهنَّ بأنهنَّ خيْراتٌ حسان، وهو جمع خيْرة، وأصلها خيِّرة بالتَّشديد، كطَيِّبة، ثم خُفِّف الحرف، وهي التي قد جمعت المحاسن ظاهرًا وباطنًا، فكمل خَلْقها، وخُلُقها، فهنَّ خيراتُ الأخلاق، حسانُ الوجوه. ووصفهنَّ بالطَّهارة، فقال: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة/٢٥] طَهُرْنَ من الحيض والبول والنَّجوِ وكلِّ أذًى يكون في نساء الدُّنيا، وطهُرت بواطنُهنَّ من الغيرة، وأذى الأزواج، وتجنِّيهنَّ عليهم، وإرادة غيرهم. ووصفهنَّ بأنَّهنَّ مَقْصُوراتٌ في الخيام، أي: ممنوعاتٌ من التبرُّج، والتبذل لغير أزواجهنَّ، بل قد قُصِرْنَ على أزواجهنَّ، لا يخرجن من منازلهم، وقُصِرْن عليهم، فلا يُرِدن سواهم. ووصفهنَّ سبحانه بأنهنَّ قاصراتُ الطَّرْف، وهذه الصِّفةُ أكمل من الأولى، ولهذا كنَّ لأهل الجنتين الأوليين، فالمرأة منهنَّ قد قصرت طرفها على زوجها من محبتها له، ورضاها به، فلا يتجاوزُ طرفُها عنه إلى [٩١ ب] غيره، كما قيل (١): أذودُ سَوَامَ الطَّرْفِ عنكَ وماله ... على أحدٍ إلا عليك طريقُ وكذلك حال المقصورات أيضًا، ولكن أولئك مقصوراتٌ، وهؤلاء قاصرات.

стр. 376

ووصفهنَّ سبحانه بقوله: ﴿أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة/٣٦ ــ ٣٧] وذلك لفضل وطءِ البكر، وحلاوته، ولذاذته على وطء الثَّيِّب. قالت عائشة: يا رسول الله! لو مررت بشجرة قد رُعي منها، وشجرةٍ لم يُرْعَ منها؛ ففي أيِّهما كنت تُرتِع بعيرك؟ قال: «في التي لم يُرع منها» (١) يعني: أنه لم يتزوَّج بكرًا غيرها. وصحَّ عنه: أنَّه قال لجابر لما تزوَّج امرأة ثيبًا: «هلَّا بكرًا تُلاعبُها وتُلاعبك؟» (٢). فإن قيل: فهذه الصفة تزول بأوَّل وطْءٍ، فتعود ثيِّبًا، قيل: الجواب من وجهين: أحدهما: أنَّ المقصود من وطء البكر أنَّها لم تذُق أحدًا قبل وطئها، فتُزْرع محبته في قلبها، وذلك أكملُ لدوام العشرة، فهذا بالنسبة إليها، وأمَّا بالنسبة إلى الواطئ؛ فإنَّه يَرْعى روضةً أُنفًا، لم يرْعَها أحدٌ قبله، وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن/٥٦] ثم بعد هذا تستمرُّ له لذّةُ الوطءِ حال زوال البكارة. والثاني: أنه قد رُوي: «أنَّ أهل الجنة كلما وطئ أحدهم امرأةً؛ عادت بكرًا، كما كانت، فكلَّما أتاها؛ وجدها بكرًا» (٣).

стр. 377

وأما العُرُبُ: فجمعُ عروب، وهي التي جمعت إلى حلاوة الصُّورة حسن التأتي، والتبعُّل، والتحبُّب إلى الزوج بدَلِّها، وحديثها، وحلاوة منطقها، وحسن حركاتها. قال البخاريُّ في صحيحه (١): وأمَّا الأتراب: فجمع تِرْب، يقال: فلانٌ تِرْبي: إذا كنتما في سنٍّ واحدةٍ، فهنَّ مستوياتٌ في سنِّ الشباب، لم يُقصِّرْ بهنَّ الصغر، ولم يُزْرِبهنَّ الكِبَرُ، بل سنُّهن سنُّ الشباب لأكمل الشبان. وشبههنَّ تعالى باللُّؤْلُؤ المكنون، وبالبيض المكنون، وبالياقوت والمرجان، فخذ من اللؤلؤ صفاء لونه، وحسن بياضه، ونعومة ملمسه، وخذ من البيض المكنون ــ[٩٢ أ] وهو المصون؛ الذي لم تنله الأيدي ــ اعتدال بياضه، وشوْبه بما يُحسِّنهُ من قليل صُفرةٍ، بخلاف الأبيض الأمهق، المتجاوز في البياض، وخذ من الياقوت والمرجان حسن لونه في صفائه، وإشرابه بيسيرٍ من الحمرة. فصل فاسمع الآن وصفهنَّ بخبر الصادق المصدوق، فإن مالت النفسُ وحدَّثتك بالخِطبة، وإلا فالإيمان مدخول. فروى مسلمٌ في صحيحه (٢)

стр. 378

من حديث أيُّوب عن محمد بن سيرين قال: إما تفاخروا، وإما تذاكروا: الرجالُ أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال أبو هريرة: أولم يقل أبو القاسم ﷺ : «إنَّ أوَّل زُمرةٍ يدخلون الجنة على صورة القمر ليلةَ البدر، والتي تليها على أضوأ كوكب دُرِّي في السماء إضاءةً، لكل امرئٍ منهم زوجتان اثنتان يُرى مُخُّ سُوقِهما من وراء اللَّحم، وما في الجنَّة عَزَبٌ». وقال الطبراني في معجمه (١): حدَّثنا أحمد بن يحيى الحلواني والحسن بن علي الفسوي قالا: حدَّثنا سعيدُ بن سليمان، حدثنا فضيل بن مرزوق عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «أوَّلُ زُمرةٍ يدخلون الجنة كأنَّ وجوههُم صورة القمر ليلة البدرِ، والزُّمرة الثانية على أحسن كوكب دُرِّي في السماء، لكلِّ واحد منهم زوجتان من الحُور العين، على كُل زوجة سبعون حُلَّةً، يُرى مُخُّ سُوقهما من وراء لُحُومِهِمَا وحُللِهما، كما يُرى الشَّرابُ الأحمرُ في الزُّجاجة البيضاء». قال الحافظُ أبو عبد الله المقدسي (٢): هذا عندي على شرط الصَّحيح.

стр. 379

وفي الصَّحيحين (١) من حديث هَمَّام بن مُنبِّه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أوَّلُ زُمْرةٍ تلِجُ الجنَّة صُوَرُهُم على صورة القمر ليلة البدْر، لا يبصُقُون فيها، ولا يمتخِطُون فيها، ولا يتغوَّطُون فيها، آنيتُهُم وأمشاطُهُمُ الذَّهبُ والفضَّةُ، ومجامِرُهُم الأَلُوَّة، ورشحُهُم المِسْك، [٩٢ ب] ولكلِّ واحد منهم زوجتان، يُرى مخُّ ساقِهما من وراء اللَّحْم من الحُسن، لا اختلاف بينهُم ولا تباغُض، قُلُوبهم على قلب واحدٍ، يُسبِّحون الله بكرةً وعشيةً». وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (٢): حدَّثنا يونسُ بنُ محمد، حدَّثنا الخزْرَج بن عثمان السَّعديُّ، حدَّثنا أبو أيوب مولى عثمان بن عفان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «قِيْدُ سوْطِ أحَدِكُمْ في الجَنَّةِ خيْرٌ من الدُّنْيَا ومِثْلِها معَهَا. [ولقَابُ قوسِ أحدِكُم من الجنَّة خيرٌ من الدُّنيا ومثلِها معها] (٣)، ولنصيف امرأة من الجنَّة خيرٌ من الدُّنيا ومثْلِها معها» قال: قلت: يا أبا هريرة! وما النَّصيف؟ قال: الخِمار، فإذا كان هذا قدْر الخمار، فما قَدْرُ لابِسِه؟! وقال ابن وهب (٤): أنبأنا عمرو أنَّ درَّاجًا أبا السَّمح حدَّثه عن أبي

стр. 380

الهيثم عن أبي سعيد الخُدْري قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ الرَّجُل في الجنَّة لتأتيه امْرأةٌ تضرِبُ على منكبه، فينظر وجهه في خدِّها أصفى من المرآة، وإن أدْنى لُؤلُؤة عليها لتُضيءُ ما بين المشرق والمغرب، فتسلمُ عليه، فيرد ﵍، ويسألها: من أنت؟ فتقول: أنا المزيدُ، وإنهُ ليكونُ عليها سبعون ثوبًا أدناها مثل النعمان. فينفُذُها بصرُه، حتَّى يرَى مُخَّ ساقِها من وراء ذلك، وإن عليها التيجان، وإنَّ أدنى لُؤلُؤة عليها لتُضيءُ مابين المشرق والمغرب». وبعض هذا الحديث في جامع الترمذي (١)، وهو على شرطه. وفي صحيح البخاري (٢) من حديث أنس أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لغَدْوةٌ في سبيل الله، أوْ روْحَةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولقابُ قوس أحدِكُم، أو موضع قِيْدِه ـ يعني: سوطه ـ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، ولو اطَّلعت امرأةٌ من نساء الجنَّة إلى الأرض؛ لملأت ما بينهما ريحًا، وأضاءتْ ما بينهما، ولنصيفُها على رأسها خيرٌ من الدنيا وما فيها». وفي المسند (٣) من حديث محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «للرَّجُلِ من أهل الجنَّة زوْجتان من الحُور العين، على كُلِّ واحدةٍ سبعون حُلَّةً، [٩٣ أ] يُرى مُخُّ ساقها من وراء الثياب».

стр. 381

وقال الترمذي: حدَّثنا عمرو أنَّ درَّاجًا أبا السمح حدَّثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخُدريِّ عن النبي ﷺ قال: «إن أدْنى أهْل الجنَّة منزلة الَّذي له ثمانُون ألف خادم، واثنتان وسبعون زوجةً، ويُنْصَبُ لهُ قُبَّةٌ من لُؤلُؤٍ، وزبرْجَدٍ، وياقُوتٍ كما بيْنَ الجابِية وصنْعاء» رواه الترمذي (١). وفي معجم الطبراني (٢) من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «خُلِق الحورُ العينُ من الزَّعْفَرانِ». فصل فإن أردت سماع غنائهنَّ؛ فاسمع خبره الآن، ففي معجم الطَّبراني (٣) من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ أزْواج أهْلِ الجَنَّة ليُغَنِّين أزْواجَهنُ بأحْسَن أصْوَاتٍ، ما سمعها أحدٌ قطُّ، إن ممَّا يُغَنِّينَ به: نحنُ الخيِّرَاتُ الحِسَانُ، أزواجُ قوم كرام، ينْظُرُون بقُرَّة أعيانٍ، وإنَّ مما يُغنِّين به: نحنُ الخالداتُ، فلا نمُتْنَهْ، نحنُ الآمناتُ، فلا نخفْنَهْ، نحنُ المُقيماتُ، فلا نظعَنَّهْ».

стр. 382

وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم/١٥]: إنه السماع الطيبُ، ولا ريب أنه من الحبرة. وقال عبد الله بن محمد البغوي (١): حدَّثنا عليٌّ، أنبأنا زهيرٌ عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن عليٍّ ﵁ قال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر/٧٣] حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها؛ وجدوا عنده شجرةً، يخرج من تحت ساقها عينان تجريان، فعمدوا إلى إحداهما، فكأنَّما أُمروا به، فشربوا منها، فأذهب الله ما في بطونهم من قذًى، أو أذًى، أو بأْس، ثم عمدوا إلى الأخرى، فتطهروا منها فجرت عليهم نضرة النعيم، ولم تتغيَّر أشعارُهم بعدها أبدًا، ولم تشعث رؤوسهم، كأنهم ادَّهَنُوا بالدِّهان، ثُمَّ انتهوا إلى خزنة الجنة، فقالوا: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر/٧٣] ثم تلقَّاهم الولدان يطيفون بهم، كما يطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم يقدم عليهم [٩٣ ب] من غيبته، فيقولون له: أبشر بما أعدَّ الله تعالى لك من الكرامة، ثم ينطلق غلامٌ من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحُور العين، فيقول: جاء فلان باسمه الذي كان يُدْعى به في الدنيا قالت: أنت رأيتُهُ؟ قال: أنا رأيتُه، وهو بِأَثري، فيستخفّ إحداهنَّ الفرحُ حتى تقومُ على أُسْكُفَّة بابها، فإذا انتهى إلى منزله نظر إلى أساس بنيانه، فإذا جندلُ اللؤلؤ فوقه صرحٌ أخضر، وأحمرُ، وأصفرُ من كل لون، ثم رفع رأسه فنظر إلى سقفه فإذا مثل البرق، ولولا أن الله ــ ــ قدَّره؛ لألمَّ أن يذهب بصره،

стр. 383

ثم طأطأ رأسه، فإذا أزواجه، وأكوابٌ موضوعة، ونمارقُ مصفوفة، وزرابيُّ مبثوثة، ثم اتكأوا فقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف/٤٣] ثم ينادي منادٍ: تحيَوْنَ فلا تموتون أبدًا، وتقيمون فلا تظعنون أبدًا، وتصحُّون فلا تمرضون أبدًا. وفي سنن ابن ماجه (١) من حديث أُسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا هل مُشمِّرٌ للجنة! فإن الجنة لا خطر لها، هي وربِّ الكعبة نُورٌ يتلألأُ، وريحانةٌ تهتزُّ، وقصرٌ مشيدٌ، ونهرٌ مطّرد، وثمرةٌ نضيجة، وزوجةٌ حسناءُ جميلةٌ، وحُلَلٌ كثيرةٌ، ومقامٌ في أبَدٍ في دارٍ سليمةٍ، وفاكهة وخُضرةٍ، وحبْرةٍ ونعمةٍ، في محلَّةٍ عالية بهيَّةٍ». قالوا: نعم يا رسول الله! نحنُ المشمِّرون لها، قال: «قولوا: إن شاء الله». فقال القوم: إن شاء الله. فصل فهذا وصفُهنَّ وحسنُهنَّ، فاسمع الآن لذَّةَ وصالهنَّ، وشأنه، ففي مسند أبي يعلى الموصلي (٢) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ فذكر حديثًا طويلًا وفيه: «فأقولُ: يا ربِّ! وعدْتني الشَّفاعةَ فشفِّعْنِي في أهلِ الجنَّة يدخلون الجنَّة، فيقول الله: قد شفَّعْتُك وأذِنْتُ لهم في دُخُولِ الجنَّة».

стр. 384

وكان رسول الله ﷺ يقول: «والذي بعثني بالحقَّ! ما أنتم في الدُّنيا [٩٤ أ] بأعرف بأزواجكم، ومساكنكُم من أهل الجنة بأزواجهم، ومساكنهم، فيدخلُ رجُل منهمْ على ثنتين وسبعين زوجةً مما يُنشئُ الله، وثنتين من ولد آدم، لهما فضلٌ على من أنشأ الله بعبادتهما الله في الدنيا، يدخلُ على الأُولى منْهُما في غُرفةٍ من ياقُوتةٍ، على سرير من ذهب مُكَلّلٍ باللُّؤْلُؤِ، عليه سبعون زوجًا من سُندُسٍ وإسْتَبْرقِ، وإنهُ ليضعُ يده بين كتفيها، ثُمَّ ينظرُ إلى يده من صدرها، ومن وراء ثيابها، وجلدها، ولحمها، وإنه لينظر إلى مخ ساقها، كما ينظر أحدُكم إلى السِّلك في قصبة الياقوت، كبدُهُ لها مرآةٌ ــ يعني: وكبدُها له مرآةٌ ــ فبينا هُو عندها لا يملُّها ولا تملُّه، ولا يأتيها من مرةٍ إلا وجدها عذراء، ما يفتُرُ ذكرُه، ولا تشتكي قُبُلها، فبينا هو كذلك؛ إذ نُودي: إنا قد عرفنا أنك لا تملُّ، ولا تمل إلا أنه لا منيَّ ولا منيَّةَ إلا أن يكون لك أزواجٌ غيرها، فيخرج، فيأتيهنَّ واحدةً واحدةً، كُلما جاء واحدةً قالت: والله ما في الجنة شيءٌ أحسنُ منك! وما في الجنة شيءٌ أحبُّ إليَّ منك». وهذا قطعةٌ من حديث الصُّور الطويل الذي رواه إسماعيل بن نافع (١). وفي صحيح مسلم (٢) من حديث أبي موسى الأشعريِّ عن النبي ﷺ قال: «إن للمؤمن في الجنَّة لخيمة من لُؤلؤةٍ واحدةٍ مُجَوَّفةٍ، طولُها

стр. 385

سِتُّون ميلًا، للمؤمن فيها أهلُون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضُهُم بعضًا» ورواه البخاري (١) وقال: ثلاثون ميلًا. وفي جامع الترمذي (٢) من حديث أنسٍ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يُعْطى المؤمنُ في الجنة قوَّة كذا وكذا من النساء» قلت: يا رسول الله! ويطيقُ ذلك؟ قال: «يُعْطى قوة مئة». قال: هذا حديثٌ صحيحٌ غريبٌ. وفي معجم الطَّبراني (٣) من حديث أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله! [٩٤ ب] هل نَصِلُ إلى نسائنا في الجنة؟ فقال: «إنَّ الرجل ليصلُ في اليوم إلى مئة عذراء» وفي لفظٍ: قلنا: يا رسول الله! نُفضي إلى نسائنا في الجنة؟ فقال: «إي والذي نفسي بيده! إنَّ الرجل ليُفْضي في الغداة الواحدة إلى مئة امرأة عذراء». قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: ورجالُ هذا الحديث عندي على شرط الصَّحيح. وفي حديث لقيط العقيليِّ الطويل؛ الذي رواه الطبراني (٤)، وعبدُ الله بن أحمد في السُّنَّة وغيرهما: أنه قال: قلت: يا رسول الله! أولنا فيها أزواجٌ مصلحات؟ قال: «الصالحاتُ للصالحين، تَلذُّوا بهنَّ مثل لذَّاتِكُم

стр. 386

في الدنيا ويلذُّوا بكم غير أن لا توالُد». وذكر ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن دَرَّاج، عن عبد الرحمن بن حُجَيرة، عن أبي هريرة أنه قال: أنطأُ في الجنة؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم والذي نفسي بيده! دحْمًا دحْمًا، وإذا قام عنها رجعتْ مُطَهَّرة بكرًا» (١). قال الحافظ أبو عبد الله (٢): دَرّاجٌ اسمه: عبد الرحمن بن سمعان المصري، وثَّقهُ يحيى بن معين؛ وأخرج عنه أبو حاتم بن حبان في صحيحه، وكان بعض الأئمة ينكر بعض حديثه، والله أعلم. وفي معجم الطَّبراني (٣) من حديث أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخُدْري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهل الجنَّة إذا جامعوا نساءهم، عُدْنَ أبكارًا». وفيه أيضًا (٤) من حديث أبي أُمامة أنَّه سمع رسول الله ﷺ وسُئل: هل يتناكح أهل الجنة؟ فقال: «بِذَكرٍ لا يملُّ، وشهوة لا تنقطعُ، دحمًا دحمًا».

стр. 387

وفيه (١) أيضًا عنه: أن رسول الله ﷺ سئل: أيجامع أهل الجنَّة؟ قال: «دَحْمًا دَحْمًا، ولكن لا منيَّ ولا منيةَ». نظم الشيخ شمس الدين المؤلف (٢) فيا خاطب الحُور الحسان وطالبًا ... لوصالهنَّ بجنَّة الحيوان لو كنت تدري من خطبت ومن طلبـ ... ـت بذلتَ ما تحوي من الأثمان أو كنت تدري أين مسكنها جعلـ ... ـت السَّعي منك لها على الأجفان [٩٥ أ] أسرِعْ وحُثَّ السَّير جُهدك إنما ... مسراك هذا ساعةٌ لزمان فاعشق وحدّثْ بالوصال النفس وابْـ ... ذُلْ مهرَها ما دُمْت ذا إمكان واجعل صيامك دون لقياها ويو ... م الوَصْل يوم الفطر من رمضان واجعل نعوت جمالها الحادي وسِرْ ... نحو الحبيب ولست بالمُتواني فاسمع إذًا أوصافها ووصالها ... واجعل حديثك ربة الإحسان يا من يطوف بكعبة الحسن التي ... حُفَّت بذاك الحِجْرِ والأركان ويظلُّ يسعى دائمًا حوْل الصَّفا ... ويحثّ من مسعاه كلَّ أوان ويروم قُربان الوصال على مِنًى ... والخَيْفُ يحْجُبه عن القُربان فلذا تراه مُحرمًا أبدًا ومو ... ضعُ حِلِّه منه فليس بدان يبغي التمتُّع مُفرِدًا عن حبِّه ... متجرِّدًا يبغي شفيع قِران

стр. 388

ويظلُّ بالجمرات يرمي قلبه ... هذي مناسكُه بكل أوانِ والنَّاسُ قد قَضَّوا مناسكَهم وقد ... حَثُّوا ركائبهم إلى الأوطان وحدتْ بهم هممٌ لهم وعزائمٌ ... نحو المنازل ربَّة الإحسان رُفِعتْ لهم في السَّيْر أعلامُ الوصا ... ل فشمَّروا يا خيبة الكسلان ورأوا على بُعدٍ خيامًا مُشرفا ... تٍ مشرقاتِ النُّور والبُرهان فتيمَّموا تلك الخيام فآنسوا ... فيهنَّ أقمارًا بلا نُقصان من قاصرات الطَّرْفِ لا تبغي سوى ... محبوبها من سائر الشُّبَّانِ قصَرتْ عليه طرفها من حُسْنِهِ ... والطَّرْفُ منه مُطلقٌ بأمان ويحار منه الطرفُ في الحسن الذي ... قد أُعطيت فالطرفُ كالحيران [٩٥ ب] ويقولُ لمَّا أن يُشاهد حُسنها ... سبحان مُعطي الحُسن والإحسان والطرف يشربُ من كؤوس جمالها ... فتراه مثل الشَّارب النَّشْوانِ كمُلتْ خلائقُها وأُكمِل حسنُها ... كالبدْر ليل السِّتِّ بعد ثمانِ والشمس تجري في محاسن وجهها ... والليل تحت ذوائب الأغصان فيظلُّ يَعجب وهو موضعُ ذاك من ... ليل وشمس كيف يجتمعان ويقول سبحان الذي ذا صنعُهُ ... سبحان مُتْقِنِ صنْعة الإنسانِ لا الليلُ يُدركُ شمسها فتغيب عنـ ... ـد مجيئه حتَّى الصباح الثَّاني والشَّمسُ لا تأتي فتُخفي الليلَ بل ... يتصاحبان كلاهُما أخوانِ وكلاهُما مرآةُ صاحبه إذا ... ما شاء يُبصِرُ وجهه يريان فيرى محاسن وجهه في وجهها ... وترى محاسنها به بعيانِ حُمْر الخُدود ثُغورُهنَّ لآلئٌ ... سودُ العيون فواترُ الأجفانِ

стр. 389

والبرقُ يبدو حين يبسمُ ثغرُها ... فيضيءُ سقف القصرِ بالجُدْرانِ ريانة الأعطاف منْ ماء الشَّبا ... ب فغصنُها بالماء ذو جريان والقدُّ منها كالقضيب اللَّدْنِ في ... حُسن القوام كأوسط القُضبانِ لما جرى ماء النعيم بغُصنِها ... حملَ الثمارَ كثيرةَ الألوانِ فالوردُ والتفاح والرمّان في ... غصنٍ تعالى غارسُ البستانِ (١) في مغرسٍ كالعاج تَحسبُ أنه ... عالي النَّقا أو واحدُ الكُثْبان لا الظَّهرُ يلحقُه وليس ثُديُّها ... بلواحقٍ للبطن أو بدوانِ لكنَّهنَّ كواعبٌ ونواهدٌ ... فثُدِيُّهُنَّ كأحسن الرُّمانِ والجيدُ ذو طولٍ وحُسنٍ في بيا ... ضٍ واعتدال ليس ذا نُكران يشكو الخَلِيُّ بِعادَه فله مدى الـ ... أيام وسواسٌ من الهِجرانِ [٩٦ أ] والمِعْصمان فإن تشأْ شبِّهْهما ... بسبيكتين عليهما كفَّانِ كالزُّبْدِ لينًا في نعومة ملْمَسٍ ... أصدافُ درٍّ دُوِّرت بوزانِ والصَّدْرُ مُتَّسِعٌ على بطنٍ لها ... والخَصْرُ منها مغرمٌ بثمانِ وعليه أحسن سُرَّةٍ هي زينةٌ ... للبطن قد غارت من الأعكان حُقٌّ من العاج استدار وحشوهُ ... حبَّاتُ مسكٍ جلَّ ذو الإتقان وإذا نزلت رأيت أمرًا هائلًا ... ما للصِّفات عليه من سُلطان لا الحيضُ يغشاه ولا بولٌ ولا ... شيء من الآفات في النِّسوانِ فخذان قدْ حَفَّا به حرسًا لهُ ... فجنابُه في عزَّةٍ وصيانِ

стр. 390

قاما بخدمته هو السُّلطان بيـ ... ـنهما وحقٌّ طاعةُ السُّلطان وهو المطاعُ إذا هو استدعى الحبيـ ... ـبَ أتاه طوعًا وهو غيرُ جبانِ وجماعُها فهو الشفاء لصبِّها ... فالصَّبُّ منه ليس بالضَّجْران وإذا أتاها عادت الحسناء بِكْـ ... ـرًا مثل ما كانت مدى الأزمانِ وهو الشَّهيُّ ألذُّ شيء هكذا ... قال الرسولُ لمنْ له أُذنانِ يا ربِّ غفرًا قد طغت أقلامُنا ... يا ربِّ معذرةً من الطُّغيان أقدامُها منْ فضَّةٍ قد رُكِّبتْ ... منْ فوقها ساقان ملتفَّانِ والسَّاقُ مثلُ العاج ملمومٌ به ... مخُّ العِظام تنالُه العينانِ والرّيحُ مسْكٌ والجُسومُ نواعمٌ ... واللونُ كالياقوت والمرْجانِ وكلامُها يسبي العقول بنغمةٍ ... زادتْ على الأوتار والعيدانِ وهي العرُوب بشكلها وبِدلِّها ... وتحبُّبٍ للزَّوْجِ كلَّ أوانِ [٩٦ ب] أترابُ سِنٍّ واحدٍ متماثلٍ ... سنِّ الشَّباب لأجمل الشُّبَّانِ بكرٌ فلم يأْخذ بكارتها سوى الـ ... محبوب منْ إنسٍ ولا من جان يُعْطى المُجامعُ قُوّة المئةِ التي اجـ ... ـتمعت لأقوى واحد الإنسانِ ولقد أتانا أنَّه يغْشى بيو ... م واحدٍ مئةً من النِّسوانِ ورجالُه شرْطُ الصَّحيح رَوَوا لهم ... فيه وذا في مُعجمِ الطَّبراني وبذاك فُسِّر شغلُهم في سورةٍ ... منْ بعدِ فاطر يا أخا العِرْفانِ هذا دليلٌ أنَّ قدْر نسائهم ... عددٌ كمنزلهم من الإيمان (١)
следующие страницы →