في الدنيا ويلذُّوا بكم غير أن لا توالُد».
وذكر ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن دَرَّاج، عن عبد الرحمن بن حُجَيرة، عن أبي هريرة أنه قال: أنطأُ في الجنة؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم والذي نفسي بيده! دحْمًا دحْمًا، وإذا قام عنها رجعتْ مُطَهَّرة بكرًا» (١).
قال الحافظ أبو عبد الله (٢): دَرّاجٌ اسمه: عبد الرحمن بن سمعان المصري، وثَّقهُ يحيى بن معين؛ وأخرج عنه أبو حاتم بن حبان في صحيحه، وكان بعض الأئمة ينكر بعض حديثه، والله أعلم.
وفي معجم الطَّبراني (٣) من حديث أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخُدْري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهل الجنَّة إذا جامعوا نساءهم، عُدْنَ أبكارًا».
وفيه أيضًا (٤) من حديث أبي أُمامة أنَّه سمع رسول الله ﷺ وسُئل: هل يتناكح أهل الجنة؟ فقال: «بِذَكرٍ لا يملُّ، وشهوة لا تنقطعُ، دحمًا دحمًا».
стр. 387
وفيه (١) أيضًا عنه: أن رسول الله ﷺ سئل: أيجامع أهل الجنَّة؟ قال: «دَحْمًا دَحْمًا، ولكن لا منيَّ ولا منيةَ».
نظم الشيخ شمس الدين المؤلف (٢)
فيا خاطب الحُور الحسان وطالبًا ... لوصالهنَّ بجنَّة الحيوان
لو كنت تدري من خطبت ومن طلبـ ... ـت بذلتَ ما تحوي من الأثمان
أو كنت تدري أين مسكنها جعلـ ... ـت السَّعي منك لها على الأجفان [٩٥ أ]
أسرِعْ وحُثَّ السَّير جُهدك إنما ... مسراك هذا ساعةٌ لزمان
فاعشق وحدّثْ بالوصال النفس وابْـ ... ذُلْ مهرَها ما دُمْت ذا إمكان
واجعل صيامك دون لقياها ويو ... م الوَصْل يوم الفطر من رمضان
واجعل نعوت جمالها الحادي وسِرْ ... نحو الحبيب ولست بالمُتواني
فاسمع إذًا أوصافها ووصالها ... واجعل حديثك ربة الإحسان
يا من يطوف بكعبة الحسن التي ... حُفَّت بذاك الحِجْرِ والأركان
ويظلُّ يسعى دائمًا حوْل الصَّفا ... ويحثّ من مسعاه كلَّ أوان
ويروم قُربان الوصال على مِنًى ... والخَيْفُ يحْجُبه عن القُربان
فلذا تراه مُحرمًا أبدًا ومو ... ضعُ حِلِّه منه فليس بدان
يبغي التمتُّع مُفرِدًا عن حبِّه ... متجرِّدًا يبغي شفيع قِران
стр. 388
ويظلُّ بالجمرات يرمي قلبه ... هذي مناسكُه بكل أوانِ
والنَّاسُ قد قَضَّوا مناسكَهم وقد ... حَثُّوا ركائبهم إلى الأوطان
وحدتْ بهم هممٌ لهم وعزائمٌ ... نحو المنازل ربَّة الإحسان
رُفِعتْ لهم في السَّيْر أعلامُ الوصا ... ل فشمَّروا يا خيبة الكسلان
ورأوا على بُعدٍ خيامًا مُشرفا ... تٍ مشرقاتِ النُّور والبُرهان
فتيمَّموا تلك الخيام فآنسوا ... فيهنَّ أقمارًا بلا نُقصان
من قاصرات الطَّرْفِ لا تبغي سوى ... محبوبها من سائر الشُّبَّانِ
قصَرتْ عليه طرفها من حُسْنِهِ ... والطَّرْفُ منه مُطلقٌ بأمان
ويحار منه الطرفُ في الحسن الذي ... قد أُعطيت فالطرفُ كالحيران [٩٥ ب]
ويقولُ لمَّا أن يُشاهد حُسنها ... سبحان مُعطي الحُسن والإحسان
والطرف يشربُ من كؤوس جمالها ... فتراه مثل الشَّارب النَّشْوانِ
كمُلتْ خلائقُها وأُكمِل حسنُها ... كالبدْر ليل السِّتِّ بعد ثمانِ
والشمس تجري في محاسن وجهها ... والليل تحت ذوائب الأغصان
فيظلُّ يَعجب وهو موضعُ ذاك من ... ليل وشمس كيف يجتمعان
ويقول سبحان الذي ذا صنعُهُ ... سبحان مُتْقِنِ صنْعة الإنسانِ
لا الليلُ يُدركُ شمسها فتغيب عنـ ... ـد مجيئه حتَّى الصباح الثَّاني
والشَّمسُ لا تأتي فتُخفي الليلَ بل ... يتصاحبان كلاهُما أخوانِ
وكلاهُما مرآةُ صاحبه إذا ... ما شاء يُبصِرُ وجهه يريان
فيرى محاسن وجهه في وجهها ... وترى محاسنها به بعيانِ
حُمْر الخُدود ثُغورُهنَّ لآلئٌ ... سودُ العيون فواترُ الأجفانِ
стр. 389
والبرقُ يبدو حين يبسمُ ثغرُها ... فيضيءُ سقف القصرِ بالجُدْرانِ
ريانة الأعطاف منْ ماء الشَّبا ... ب فغصنُها بالماء ذو جريان
والقدُّ منها كالقضيب اللَّدْنِ في ... حُسن القوام كأوسط القُضبانِ
لما جرى ماء النعيم بغُصنِها ... حملَ الثمارَ كثيرةَ الألوانِ
فالوردُ والتفاح والرمّان في ... غصنٍ تعالى غارسُ البستانِ (١)
في مغرسٍ كالعاج تَحسبُ أنه ... عالي النَّقا أو واحدُ الكُثْبان
لا الظَّهرُ يلحقُه وليس ثُديُّها ... بلواحقٍ للبطن أو بدوانِ
لكنَّهنَّ كواعبٌ ونواهدٌ ... فثُدِيُّهُنَّ كأحسن الرُّمانِ
والجيدُ ذو طولٍ وحُسنٍ في بيا ... ضٍ واعتدال ليس ذا نُكران
يشكو الخَلِيُّ بِعادَه فله مدى الـ ... أيام وسواسٌ من الهِجرانِ [٩٦ أ]
والمِعْصمان فإن تشأْ شبِّهْهما ... بسبيكتين عليهما كفَّانِ
كالزُّبْدِ لينًا في نعومة ملْمَسٍ ... أصدافُ درٍّ دُوِّرت بوزانِ
والصَّدْرُ مُتَّسِعٌ على بطنٍ لها ... والخَصْرُ منها مغرمٌ بثمانِ
وعليه أحسن سُرَّةٍ هي زينةٌ ... للبطن قد غارت من الأعكان
حُقٌّ من العاج استدار وحشوهُ ... حبَّاتُ مسكٍ جلَّ ذو الإتقان
وإذا نزلت رأيت أمرًا هائلًا ... ما للصِّفات عليه من سُلطان
لا الحيضُ يغشاه ولا بولٌ ولا ... شيء من الآفات في النِّسوانِ
فخذان قدْ حَفَّا به حرسًا لهُ ... فجنابُه في عزَّةٍ وصيانِ
стр. 390
قاما بخدمته هو السُّلطان بيـ ... ـنهما وحقٌّ طاعةُ السُّلطان
وهو المطاعُ إذا هو استدعى الحبيـ ... ـبَ أتاه طوعًا وهو غيرُ جبانِ
وجماعُها فهو الشفاء لصبِّها ... فالصَّبُّ منه ليس بالضَّجْران
وإذا أتاها عادت الحسناء بِكْـ ... ـرًا مثل ما كانت مدى الأزمانِ
وهو الشَّهيُّ ألذُّ شيء هكذا ... قال الرسولُ لمنْ له أُذنانِ
يا ربِّ غفرًا قد طغت أقلامُنا ... يا ربِّ معذرةً من الطُّغيان
أقدامُها منْ فضَّةٍ قد رُكِّبتْ ... منْ فوقها ساقان ملتفَّانِ
والسَّاقُ مثلُ العاج ملمومٌ به ... مخُّ العِظام تنالُه العينانِ
والرّيحُ مسْكٌ والجُسومُ نواعمٌ ... واللونُ كالياقوت والمرْجانِ
وكلامُها يسبي العقول بنغمةٍ ... زادتْ على الأوتار والعيدانِ
وهي العرُوب بشكلها وبِدلِّها ... وتحبُّبٍ للزَّوْجِ كلَّ أوانِ [٩٦ ب]
أترابُ سِنٍّ واحدٍ متماثلٍ ... سنِّ الشَّباب لأجمل الشُّبَّانِ
بكرٌ فلم يأْخذ بكارتها سوى الـ ... محبوب منْ إنسٍ ولا من جان
يُعْطى المُجامعُ قُوّة المئةِ التي اجـ ... ـتمعت لأقوى واحد الإنسانِ
ولقد أتانا أنَّه يغْشى بيو ... م واحدٍ مئةً من النِّسوانِ
ورجالُه شرْطُ الصَّحيح رَوَوا لهم ... فيه وذا في مُعجمِ الطَّبراني
وبذاك فُسِّر شغلُهم في سورةٍ ... منْ بعدِ فاطر يا أخا العِرْفانِ
هذا دليلٌ أنَّ قدْر نسائهم ... عددٌ كمنزلهم من الإيمان (١)
стр. 391
وبه يزولُ توهُّم الإشكال عنْ ... تلك النُّصوص بمنَّة الرَّحمن
في بعضها مئة أتى وأتى بها ... سبعون أيضًا ثمَّ جا ثِنتانِ
فتفاوُتُ الزَّوجات مثلُ تفاوت ... الدَّرجات فالأمران مختلفانِ
وبقوَّة المئةِ التي حصلتْ له ... أفضى إلى مئةٍ بلا خورانِ
وأعفُّهم في هذه الدُّنيا هو الـ ... أقوى هناك لِزُهْدِهِ في الفاني
فاجمعْ قُواك لما هُناك وغُضَّ منـ ... ـك الطَّرْف واصبرْ ساعةً لزمانِ
ما هاهنا والله ما يَسوَى قُلا ... مة ظُفْرِ واحدةٍ من النِّسوانِ
ونصِيفُها خيرٌ من الدُّنيا وما ... فيها إذا كانت من الأثمان
لا تؤثرِ الأدنى على الأعلى فإنْ ... تفعلْ رجعْتَ بذلَّةٍ وهوانِ
وإذا بدت في حُلَّةٍ منْ لبسها ... وتمايلت كتمايل النَّشوانِ
تهتزُّ كالغُصن الرَّطيب وحملُه ... وردٌ وتُفّاحٌ على رُمَّانِ
وتبخترت في مشيها ويحقُّ ذا ... ك لمثلها في جنَّة الحيوان [٩٧ أ]
ووصائفٌ منْ خلفها وأمامها ... وعلى شمائلها وعن أيمانِ
كالبَدْرِ ليلةَ تمِّه قدْ حُفَّ في ... غَسَقِ الدُّجى بكواكب الميزان
فلسانُه وفؤادُه والطَّرْفُ في ... دهشٍ وإعجابٍ وفي سبحانِ
تستنطقُ الأفواه بالتَّسبيح إذ ... تبدو فسبحان العظيم الشَّانِ
والقلبُ قبل زفافها في عُرسه ... والعُرْسُ إثرَ العُرْسِ مُتَّصلانِ
حتى إذا ما واجهتْه تقابلا ... أرأيتَ إذ يتقابلُ القمرانِ
فسلِ المتَيَّمَ هل يَحِلُّ الصَّبْرُ عنْ ... ضمٍّ وتقبيلٍ وعن فلتانِ
وسل المتيَّم أين خلَّف صَبْره ... في أيِّ وادٍ أم بأيِّ مكانِ
стр. 392
وسلِ المُتيَّم كيف حالتُه وقدْ ... مُلِئتْ له الأذُنان والعينانِ
منْ منطقٍ رقَّت حواشيه ووجْـ ... ـهٍ كمْ به للشَّمسِ منْ جريان
وسلِ المُتيَّم كيف عيشتُه إذًا ... وهما على فرشيْهما خِلْوانِ
يتساقطان لآلئًا منثورةً ... منْ بَيْنِ منظومٍ كنظم جُمانِ
وسلِ المُتيَّم كيف مجلسُهُ مع الـ ... ـمحبوب في رَوْحٍ وفي ريحانِ
وتدور كاساتُ الرَّحيق عليهما ... بأكُفِّ أقمارٍ من الولدان
يتنازعان الكأْسَ هذا مرةً ... والخَوْدُ أخرى ثُمَّ يتَّكئانِ
فيضمُّها وتضمُّه أرأيت معْـ ... ـشوقين بعد البُعْدِ يلتقيانِ
غابَ الرَّقيبُ وغابَ كلُّ منكِّدٍ ... وهما بثوبِ الوَصْلِ مُشْتملانِ
أتراهما ضَجِرينِ من ذا العيشِ لا ... وحياةِ ربك ما هما ضجرانِ (١)
يا عاشقًا هانت عليه نفسُه ... إذْ باعها غبْنًا بكل هوانِ
أترى يليقُ بعاقلٍ بيعُ الذي ... يبقى ــ وهذا وصفُه ــ بالفاني؟!
стр. 393
[٩٧ ب] الباب العشرون
في علامات المحبَّة وشواهدها
وقبل الخوض في ذلك لابدَّ من ذكر أقسام النفوس ومحابِّها ، فنقول:
النفوس ثلاثة: نفسٌ سماويةٌ عُلوية، فمحبتها منصرفةٌ إلى المعارف، واكتساب الفضائل، والكمالات الممكنة للإنسان، واجتناب الرذائل، وهي مشغوفةٌ بما يقرِّبها من الرفيق الأعلى، وذلك قُوْتُها، وغذاؤُها، ودواؤُها، واشتغالُها بغيره هو داؤُها.
ونفسٌ سبعيةٌ غضبيةٌ، فمحبتُها منصرفةٌ إلى القهر، والبغي، والعلوِّ في الأرض، والتكبُّر، والرِّئاسة على الناس بالباطل، فلذَّتها في ذلك، وشغفُها به.
ونفسٌ حيوانيةٌ شهوانيةٌ، فمحبَّتها منصرفةٌ إلى المأْكل، والمشرب، والمنكح، وربما جمعت الأمرين، فانصرفت محبَّتُها إلى العلوِّ في الأرض، والفساد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص/٤]. وقال في آخر السورة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص/٨٣].
стр. 394
والحبُّ في هذا العالم دائرٌ بين هذه النفوس الثلاثة، فأيُّ نفسٍ منها صادفت ما يلائم طبعها؛ استحسنتهُ ومالتْ إليه، ولم تصغ فيه لعاذل، ولم يأخذها فيه لومةُ لائم، وكلُّ قسم من هذه الأقسام يرون أنَّ ما هم فيه أولى بالإيثار، وأنَّ الاشتغال بغيره، والإقبال على سواه غبنٌ، وفوات حظٍّ، فالنَّفسُ السماوية بينها وبين الملائكة والرفيق الأعلى مناسبةٌ طبيعية بها مالت إلى أوصافهم، وأخلاقهم، وأعمالهم.
فالملائكةُ أولياء هذا النوع في الدُّنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي [٩٨ أ] أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت/٣٠ ــ ٣٢].
فالملَك يتولَّى من يناسبه بالنُّصح له، والإرشاد، والتَّثبيت، والتعليم، وإلقاء الصواب على لسانه، ودفع عدوِّه عنه، والاستغفار له إذا زلَّ، وتذكيره إذا نسي، وتسليته إذا حزن، وإلقاء السكينة في قلبه إذا خاف، وإيقاظه للصلاة إذا نام عنها، وإيعاد صاحبه بالخير، وحضِّه على التصديق بالوعد، وتحذيره من الرُّكون إلى الدُّنيا، وتقصير أمله، وترغيبه فيما عند الله، فهو أنيسُه في الوحدة، ووليُّه، ومعلِّمه، ومثبّتُه، ومسكِّن جَأْشِه، ومرغِّبه في الخير، ومُحذّره من الشرِّ، يستغفر له إن أَساء، ويدعو له بالثبات إن أحسن، وإن بات طاهرًا يذكر الله؛ بات معه في شعاره، فإن
стр. 395
قصده عدوٌّ له بسوءٍ وهو نائمٌ؛ دفعه عنه.
فصل
والشياطين أولياء النوع الثاني، يخرجونهم من النور إلى الظلمات. قال الله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ [النحل/٦٣] وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج/٤] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء/١١٩ ــ ١٢١]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف/٥٠].
فهذا النوعُ بين نفوسهم وبين الشياطين مناسبةٌ طبعية، بها مالت إلى أوصافهم، وأخلاقهم، وأعمالهم، فالشياطينُ تتولاهم بضدِّ ما تتولى به الملائكة من ناسبهم، فتؤُزُّهم إلى المعاصي أزًّا، وتزعجهم إليها إزعاجًا، لا يستقرُّون معه، ويزينون لهم القبائح، ويخففونها على قلوبهم، ويحلونها في نفوسهم، ويثقلون عليهم الطاعات، [٩٨ ب] ويُثبِّطونهم عنها، ويقبِّحُونها في أعينهم، ويلقون على ألسنتهم أنواع القبيح من الكلام، وما لا يفيد، ويزيِّنونه في أسماع من يسمعه منهم، يبيتُون معهم حيث باتوا،
стр. 396
ويقيلون معهم حيث قالوا، ويشاركونهم في أموالهم وأولادهم ونسائهم، يأكلون معهم، ويشربون معهم، ويجامعون معهم، وينامون معهم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء/٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف/٣٦ ــ ٣٨].
فصل
وأما النوع الثالث؛ فهم أشباه الحيوان، ونفوسهم أرضيةٌ سفليةٌ، لا تبالي بغير شهواتها، ولا تريد سواها.
إذا عرفت هذه المقدمة فعلامات المحبة قائمةٌ في حقّ كل نوع بحسب محبوبه ومراده، فمن تلك العلامات يُعرف من أيِّ هذه الأقسام هو، فنذكر فصولًا من علامات المحبة التي يُستدلُّ بها عليها:
فمنها: إدمانُ النظر إلى الشيء، وإقبال العين عليه، فإنَّ العين باب القلب، وهي المعبِّرةُ عن ضمائره، والكاشفة لأسراره، وهي أبلغ في ذلك من اللسان؛ لأن دلالتها حاليةٌ بغير اختيار صاحبها، ودلالةُ اللسان لفظيةٌ تابعةٌ لقصده، فترى ناظر المحب يدور مع محبوبه كيفما دار،
стр. 397
ويجول معه في النواحي والأقطار، كما قال (١):
أَذُودُ سوامَ الطرف عنك وما لهُ ... على أحدٍ إلَاّ عليك طريقُ
بل المحب في عين المحبوب تمثاله، كما في قلبه شخصُه ومثالُه، قال القائل (٢):
ومن عجب أنِّي أحِنُّ إليهمُ ... وأسألُ عنهم من لقيتُ وهم معي
وتطلبُهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقُهم قلبي وهم بين أضلعي
فالمحبُّ نظره وقفٌ على محبوبه كما قال (٣): [٩٩ أ]
إن يحجُبوها عن العيون فقدْ ... حجَبْتُ عيني لها عن البشر
فصل
ومنها: إغضاؤه عند نظر محبوبه إليه ، ورميه بطرفه نحو الأرض، وذلك من مهابته له، وحيائه منه، وعظمته في صدره، ولهذا يستهجن الملوك من يخاطبهم، وهو يُحِدُّ النَّظر إليهم، بل يكون خافض الطرف إلى الأرض.
стр. 398
قال الله تعالى مخبرًا عن كمال أدب رسوله في ليلة الإسراء: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم/١٧] وهذا غايةُ الأدب، فإن البصر لم يزغ يمينًا ولا شمالًا، ولا طمح متجاوزًا إلى ما هو رائيه ومقبلٌ عليه، كالمُتشارف إلى ما وراء ذلك.
ولهذا اشتدَّ نهي النبي ﷺ للمصلِّي أن يَرفع بصره إلى السماء، وتوعَّدهم على ذلك بخطف أبصارهم؛ إذ هذا من كمال الأدب مع مَنِ المصلي واقفٌ بين يديه، بل ينبغي له أن يقف ناكس الرَّأس، مطرقًا إلى الأرض، ولولا أن رب العالمين سبحانه فوق سمواته على عرشه؛ لم يكن فرقٌ بين النظر إلى فوق أو إلى أسفل.
فصل
ومنها: كثرةُ ذكر المحبوب ، واللهجُ بذكره وحديثه، فمن أحبَّ شيئًا أكثر من ذكرهِ بقلبه، ولسانه. ولهذا أمر الله سبحانه عباده بذكره على جميع الأحوال، وأمرهم بذكره أخوفَ ما يكونون، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال/٤٥] والمحبون يفتخرون بذكر أحبابهم وقت المخاوف، وملاقاة الأعداء، كما قال قائلهم (١):
стр. 399
ذكرتُكِ والخطيُّ يخطرُ بيننا ... وقد نهِلتْ منَّا المثقَّفةُ السُّمْرُ
وقال غيره (١):
ولقد ذكرتك والرماحُ كأنَّها ... أشطانُ بئرٍ في لبان الأدهم
فوددْتُ تقبيل السُّيوف لأنها ... برقت كبارق ثغرك المتبسِّم
وفي بعض الآثار الإلهية: «إنَّ عبدي كلَّ عبدي الذي يذكرني وهو مُلاقٍ قِرْنه» (٢). [٩٩ ب]
فعلامةُ المحبة الصادقة ذكر المحبوب عند الرَّغب والرهب، قال بعضُ المحبين في محبوبه (٣):
يذكِّرنِيك الخيرُ والشَّرُّ والذي ... أخافُ وأرجو والَّذي أتوقَّعُ
ومن الذكر الدالِّ على صدق المحبة سبقُ ذكر المحبوب إلى قلب المحبِّ ولسانه عند أول يقظته من منامه، وأن يكون ذكره آخر ما ينام عليه، كما قال قائلهم (٤):
стр. 400
أآخرُ شيءٍ أنتِ في كلِّ هجْعةٍ ... وأوَّلُ شيءٍ أنتِ وقتَ هُبوبي
وذكر المحبوب لا يكون على نسيانٍ مستحكم، فإنَّ ذكره بالقوَّة في نفس المحبِّ، ولكن لضيق المحلِّ يرد عليه ما يُغيِّب ذكره، فإذا زال الوارد؛ عاد الذِّكر كما كان.
و أعلى أنواع ذكر الحبيب أن يحبِس المحبُّ لسانه على ذكره، ثمَّ يحبسُ قلبه على لسانه، ثم يحبسُ قلبَه ولسانه على شهودِ مذكوره. وكما أن الذِّكر من نتائج الحبِّ، فالحبُّ أيضًا من نتائج الذكر، فكلٌّ منهما يُثْمِرُ الآخر، وزرعُ المحبَّة إنَّما يُسْقَى بماء الذِّكر، وأفضلُ الذِّكر ما صدر عن المحبَّة.
فصل
ومن علاماتها: الانقيادُ لأمر المحبوب، وإيثارُه على مراد المُحبِّ، بل يتَّحدُ مرادُ المُحبِّ والمحبوب. وهذا هو الاتِّحاد الصَّحيح، لا الاتحاد الذي يقوله إخوان النَّصارى من الملاحِدة، فلا اتِّحاد إلَّا في المراد، وهذا الاتِّحاد علامة المحبة الصادقة، بحيث يكون مرادُ المحبوب والمحبِّ واحدًا، فليس بمحبٍّ صادقٍ من له إرادةٌ تُخالف مُراد محبوبه منه، بل هذا مريدٌ من محبوبه، لا مريدٌ له، وإن كان مريدًا له؛ فليس مُريدًا لمُراده.
و المحبُّون ثلاثة أقسام: منهم منْ يُريد من المحبوب، ومنهم من
стр. 401
يُريد المحبوبَ، ومنهم من يُريد مراد المحبوب مع إرادته للمحبوب، وهذا أعلى أقسام المحبِّين، وزهدُ هذا أعلى أنواع الزُّهد، فإنَّه قد زهد في كل إرادةٍ تُخالف مُراد محبوبه، وبين هذا وبين الزُّهد في الدُّنيا أعظمُ ممَّا بين السماء والأرض.
والزُّهد خمسةُ [١٠٠ أ] أقسام: زهدٌ في الدُّنيا، وزهدٌ في النَّفس، وزهدٌ في الجاه والرِّئاسة، وزهدٌ فيما سوى المحبوب، وزهدٌ في كلِّ إرادةٍ تُخالف مُراد المحبوب، وهذا إنَّما يحصلُ بكمال المُتابعة لرسول الحبيب.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران/٣١] فجعل سبحانه متابعة رسوله سببًا لمحبَّتهم له، وكونُ العبد محبوبًا لله أعلى من كونه محبًّا له، فليس الشأْنُ أن تحبَّ الله، ولكن الشأن أن يُحبَّك الله، فالطاعةُ للمحبوب عنوانُ محبته، كما قيل (١):
تعصي الإله وأنت تزعمُ حبَّه ... هذا مُحالٌ في القياس بديعُ
لو كان حبُّك صادقًا لأطعته ... إنَّ المُحبَّ لمن يُحِبُّ مُطيعُ
стр. 402
فصل
ومن علاماتها: قلةُ صبر المحب عن المحبوب، بل ينصرف صبرُه إلى الصبر على طاعته، والصبر عن معصيته، والصبر على أحكامه، فهذا صبرُ المحب، وأما الصبرُ عنه؛ فصبر الفارغ عن محبته، المشغول بغيره قال (١):
والصبرُ يُحمَد في المواطن كلِّها ... وعن الحبيب فإنه لا يُحمَد
فمن صبر عن محبوبه، أدَّى به صبره إلى فوات مطلوبه، وقال بعض المُحبِّين:
ما أحسن الصبر وأمَّا على ... أن لا أرى وجهك يومًا فلا
لو أنَّ يومًا منك أو ساعةً ... تُباعُ بالدُّنيا إذًا ما غلا
فصل
ومنها: الإقبالُ على حديثه، وإلقاءُ سمعه كلِّه إليه ، بحيث يفرغُ لحديثه سمعه، وقلبُه، وإن ظهر منه إقبالٌ على غيره؛ فهو إقبالٌ مستعارٌ، يستبينُ فيه التكلُّف لمن يرمُقُه، كما قال (٢):
وأُديمُ لَحْظَ مُحدِّثِي ليرى ... أن قد فهمتُ وعندكم عقلي
стр. 403
فإن أعوزه حديثُه بنفسه؛ فأحبُّ شيء إليه الحديث عنه، ولاسيَّما إذا حدَّث عنه بكلامه، فإنَّه يقوم مقام خطابه، كما قال القائل: المحبُّون لا شيء ألذُّ [١٠٠ ب] لقلوبهم من سماع كلام محبوبهم، وفيه غاية مطلوبهم، ولهذا لم يكن شيءٌ ألذّ لأهل المحبَّة من سماع القرآن، وقد ثبت في الصحيح (١) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرأْ عليَّ» قلت: أقرأُ عليك، وعليك أُنزل؟ قال: «إنِّي أُحِبُّ أنْ أسمعهُ من غيري» فقرأْت عليه من أوَّل سورة النِّساء حتى إذا بلغت قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء/٤١] قال: «حسبك» فرفعت رأْسي فإذا عيناه تذْرِفان!
وكان أصحابُ رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا؛ أمروا قارئًا يقرأ وهم يستمعون، وكان عمر بن الخطاب إذا دخل عليه أبو موسى؛ يقول: يا أبا موسى! ذكِّرنا ربَّنا، فيقرأُ أبو موسى، وربما بكى عمر.
ومرَّ رسولُ الله ﷺ بأبي موسى وهو يُصلِّي من الليل، فأعجبته قراءتُه، فوقف، واستمع لها، فلما غدا على رسول الله ﷺ قال: «لقد مررتُ بك البارحة؛ وأنت تقرأُ، فوقفت، واستمعتُ لقراءتك» فقال: لو أعلمُ أنَّك كنت تسمعُ؛ لحبَّرته لك تحبيرًا (٢).
стр. 404
والله سبحانه وهو الذي تكلم بالقرآن يأذن، ويستمعُ للقارئ الحسن الصَّوت منْ محبَّته لسماع كلامه منه، كما قال ﷺ : «لله أشدُّ أذنًا إلى القارئ الحسن الصَّوتِ من صاحب القيْنَةِ إلى قيْنَتِهِ» (١). والأذَنُ ــ بفتح الهمزة والذَّال ــ مصدر أذِن يأْذنُ: إذا استمع، قال الشاعر (٢):
أيُّها القلبُ تعلَّل بددنْ ... إن قلبي في سماعٍ وأذنْ
وقال ﷺ : «زيِّنوا القُرآن بأصواتكم» (٣). وغلِط من قال: إنَّ هذا من المقلوب، والمرادُ: زينوا أصواتكم بالقرآن، فهذا وإن كان حقًّا؛ فالمراد: تحسينُ الصَّوتِ بالقرآن.
وصحَّ عنه أنه قال: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقُرآن» (٤)، ووهِمَ من فسَّره بالغنى الذي هو ضدُّ الفقر من وجوهٍ:
أحدُها: أنَّ ذلك المعنى إنما يقال فيه: استغنى، [١٠١ أ] لا تغنَّى.
стр. 405
الثاني: أنَّ تفسيره قد جاء في نفس الحديث: يجهرُ به. هذا لفظُه، قال أحمد: نحن أعلم بهذا من سفيان، إنَّما هو تحسين الصوتِ به، يُحسِّنه ما استطاع.
الثالث: أنَّ هذا المعنى لا يتبادر إلى الفهم من إطلاق هذا اللفظ، ولو احتمله، فكيف وبنية اللفظ لا تحتمله، كما تقدم؟!
وبعد فإذا كان من التغني بالصوت؛ ففيه معنيان:
أحدهما: يجعله له مكان الغناء لأصحابه من محبته له، ولهجه به، كما يحبُّ صاحب الغناء لغنائه.
والثاني: أنَّه يزيِّنه بصوته، ويحسِّنه ما استطاع، كما يُزيِّن المغنّي غناءه بصوته. وكثيرٌ من المحبين ماتوا عند سماع القرآن بالصوت الشَّجي، فهؤلاء قتلى القرآن، لا قتلى عُشاق المُرْدان، ولا النِّسْوان!!
فصل
ومنها: محبَّةُ دار المحبوب وبيته ، حتى محبَّةُ الموضع الذي حلَّ به، وهذا هو السرُّ الذي لأجله عكفت القلوب على محبَّة الكعبة البيت الحرام، حتى استطاب المحبون في الوصول إليها هجرَ الأوطان والأحباب. ولذَّ لهم فيها السَّفرُ الذي هو قطعةٌ من العذاب، فركبوا الأخطار، وجابوا المفاوز والقفار، واحتملوا في الوصول غاية المشاق، ولو أمكنهم لسَعَوا إليها على الجفون والأحداق.
стр. 406
نعم أسعى إليك على جفوني ... وإن بَعُدت لمسراك الطريق
وسرُّ هذه المحبة هي إضافةُ الربِّ سبحانه له إلى نفسه بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج/٢٦].
لما انتسبتُ إليك صرت معظمًا ... وعلوتُ قدرًا دون من لم ينتسبْ
وكلُّ ما نُسِب إلى المحبوب فهو محبوب ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن/١٩] ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء/١] ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان/١] ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة/٢٣]. ومن فهم معنى هذا؛ فهم معنى قوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران/٢٦] [١٠١ ب] وقول عبد ه ورسوله ﷺ : «لبَّيك، وسعديك، والخير في يديك، والشرُّ ليس إليك» (١).
وإذا كان من يحبُّ مخلوقًا مثله؛ يحبُّ داره، كما قال (٢):
أمُرُّ على الدِّيارِ ديار ليلى ... أقبِّلُ ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبُّ الدِّيارِ شغفْنَ قلبي ... ولكن حبُّ منْ سكن الدِّيارا
стр. 407
فكيف بمن ليس كمثله شيء، ومن ليس كمثل محبَّته محبَّة؟!
فصل
ومنها: الإسراع إليه في السير ، وحَثُّ الركاب نحوه، وطيُّ المنازل في الوصول إليه، والاجتهاد في القرب والدُّنوِّ منه، وقطعُ كل قاطع يقطعُ عنه، واطراحُ الأشغال الشَّاغلة عنه، والزُّهد فيها، والرغبةُ عنها، والاستهانةُ بكلِّ ما يكون سببًا لغضبه ومقته، وإن جلَّ، والرغبةُ في كل ما يدني إليه؛ وإن شقَّ (١):
ولو قلتِ طَأْ في النار أعلمُ أنه ... رضًا لك أو مُدنٍ لنا من وصالكِ
لقدَّمتُ رجلي نحوها فوطئتُها ... هدًى منك لي أو ضَلَّةً من ضلالك
فصل
ومنها: محبةُ أحباب المحبوب، وجيرانه، وخدمه ، وما يتعلق به، حتى حرفته، وصناعته، وآنيته، وطعامه، وشرابه، قال (٢):
أحبُّ بني العوَّام طُرًّا لِحُبِّها ... ومِنْ أجلها أحببتُ أخوالها كلبا
стр. 408
وقال الآخر (١):
يشتاقُ واديَها ولولا حبُّكُم ... ما شاقه وادٍ زهتْ أزهارُهُ
وقال الآخر (٢):
فيا ساكني أكنافِ طيبةَ كلُّكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيبُ
وفي أخبار العشَّاق: أنَّ عاشقًا عشق السَّراويلات من أجل سراويل معشوقته، فوُجد في تركته اثنا عشر حملًا، وفردةٌ من السراويلات، ذكره البصري.
وعشق آخرُ الهاوُونات من أجل صوت هاوُون محبوبته، فوجد في تركته عدة آلاف منها. وعند الناس من هذا عجائب كثيرةٌ.
وكان أنسُ بن مالك يحبُّ الدُّبَّاء كثيرًا، لما رأى رسول الله ﷺ [١٠٢ أ] يتتبعها من جوانب الصحفة (٣).
стр. 409
فصل
ومنها: قِصَرُ الطريق حين يزوره ويوافي إليه، كأنها تطوى له، وطولها إذا انصرف عنه، وإن كانت قصيرة، قال (١):
وكنت إذا ما جئتُ ليلى أزورُها ... أرى الأرض تُطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودَّ جليسُها ... إذا حدَّثت أُحدوثة لو تُعيدُها
وقال الآخر (٢):
واللهِ ما جئتكمُ زائرًا ... إلَّا وجدتُ الأرض تُطْوى لي
ولا انثنى عزميَ عن بابكم ... إلَّا تعثَّرتُ بأذيالي
وقال الآخر (٣):
وإذا قمتُ عنك لم أمشِ إلَّا ... مشي عانٍ يُقاد نحو الفناء
وإذا جئت جئت أَسرعَ في السَّيـ ... ـرِ من الطير نازلًا في الهواء
стр. 410
وقال الآخر:
وتدنو الطريق إذا زرتكم ... وتبعدُ إذْ أنثنيْ راجعا
فصل
ومنها: انجلاء همومه وغمومه إذا رأى محبوبه أو زاره ، وعودها إذا فارقه، كما قال (١):
يزور فتنجلي عنِّي هُمومي ... لأنَّ جلاء حُزني في يديه
ويمضي بالمسرَّة حين يمضي ... لأنَّ حَوالتي فيها عليه
ومن المعلوم: أنه ليس للمحب فرحةٌ، ولا سرورٌ، ولا نعيمٌ إلا بمحبوبه، وبمفارقة محبوبه عذابُه الآجل، والعاجل.
فصل
ومنها: البهتُ والرَّوعة التي تحصلُ عند مواجهة الحبيب، أو عند سماع ذكره ، ولاسيَّما إذا رآه فجاءةً، أو طلع عليه بغتةً، كما قال (٢):
فما هو إلَّا أن أراها فجاءةً ... فأْبهتَ حتى ما أكادُ أُجيبُ
فأرجعُ عن رأْيي الذي كان أولًا ... وأذكرُ ما أعددتُ حين تغيبُ
стр. 411
وقال الآخر (١):
ما هو إلَاّ أن يراها فجاءةً ... فتصطكَّ رجلاه ويسقط للجنب
وربما اضطرب عند سماع اسمه فجأَةً، كما قال (٢): [١٠٢ ب]
وداعٍ دعا إذْ نحنُ بالخيف من منى ... فهيَّج أشجان الفؤادِ وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنَّما ... أطار بليلى طائرًا كان في صدري
وقد اخْتُلف في سبب هذه الرَّوعة، والفزع، والاضطراب ، فقيل: سببه أن للمحبوب سلطانًا على قلب مُحبِّه أعظم من سلطان الرعيَّة، فإذا رآه فجْأةً راعه ذلك، كما يرتاع من يرى من يعظِّمه فجأَة، فإن القلب معظمٌ لمحبوبه، خاضعٌ له، والشخص إذا فجئه المعظَّم عنده؛ راعه ذلك.
وقيل: سببُه: انفراجُ القلب له، ومبادرته إلى تلقّيه، فيهرب الدم منه فيبرد، ويرعد، ويحدث الاصفرار والرِّعدةُ، وربما مات، وبالجملة فهذا أمرٌ ذوقيٌّ وجدانيٌّ، وإن لم يعرفْ سببه.
فصل
ومنها: غيرتُه لمحبوبه وعلى محبوبه ، فالغيرة له: أن يكره ما يكرهُ،
стр. 412
ويغار إذا عُصي محبوبُه، وانْتُهِك حقُّه، وضُيِّع أمرُه، فهذه غيرة المحب حقًّا، والدِّينُ كلُّه تحت هذه الغيرة.
ف أقوى الناس دينًا أعظمُهم غيرةً ، وقد قال النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح (١): «أتعجبُون من غيرة سعدٍ، لأنا أغْيَرُ منه، والله أغيرُ منِّي!».
فمحبُّ الله ورسوله يغار لله ورسوله على قدر محبَّته وإجلاله، وإذا خلا قلبُه من الغيرة لله ورسوله فهو من المحبة أخلى، وإن زعم أنَّه من المُحبِّين، فكذب من ادَّعى محبَّة محبوبٍ من الناس، وهو يرى غيره ينتهكُ حُرمة محبوبه، ويسعى في أذاه ومساخطه، ويستهين بحقِّه، ويستخفُّ بأمره، وهو لا يغار لذلك، بل قلبه باردٌ، فكيف يصحُّ لعبدٍ أن يدَّعي محبَّة الله؛ وهو لا يغارُ لمحارمه إذا انْتُهِكت، ولا لحقوقه إذا ضُيِّعت.
وأقلُّ الأقسام أن يغار له من نفسه، وهواه، وشيطانه، فيغار لمحبوبه من تفريطه في حقِّه، وارتكابه لمعصيته.
وإذا ترحَّلتْ هذه الغيرةُ من القلب؛ ترحَّلتْ منه [١٠٣ أ] المحبَّةُ، بل ترحَّل منه الدِّين، وإن بقيت فيه آثاره، وهذه الغيرة هي أصلُ الجهاد، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وهي الحاملة على ذلك، فإن خلتْ من القلب لم يُجاهد، ولم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن المنكر، فإنه إنما
يأتي
стр. 413
بذلك غيرةً منه لربِّه، ولذلك جعل سبحانه علامة محبَّته ومحبوبيه الجهاد، فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة/٥٤].
فصل
وأما الغيرة على المحبوب فإنما تُحمَدُ حيث يُحمَد الاختصاص بالمحبوب، ويُذمُّ الاشتراك فيه شرعًا، وعقلًا، كغيرة الإنسان على زوجته، وأمته، والشيء الذي يختصُّ هو به، فيغارُ من تعرُّض غيره لذكره، ومشاركته له فيه.
وهذه الغيرة تختص بالمخلوق، ولا تتصور في حق الخالق، بل المحب لربه يحبُّ أن الناس كلهم يحبونه، ويذكرونه، ويعبدونه، ويحمدونه، ولا شيء أقرَّ لعينه من ذلك، بل هو يدعو إلى ذلك بقوله، وعمله.
ولما لم يميِّز كثير من الصُّوفيَّة بين هذين الغيرتين؛ وقع في كلامهم تخبيطٌ قبيح، وأحسن أمره أن يكون من السعي المغفور، لا المشكور. وكان بعض جهلتهم إذا رأى من يذكر الله، أو يحبُّه يغارُ منه، وربما سكَّته؛ إن أمكنه، ويقول: غيرةُ المحب تحملني على هذا، وإنَّما ذلك حسدٌ، وبغْيٌ، وعدوانٌ، ونوعُ معاداةٍ لله، ومراغمةٌ لطريق رسله، أخرجوها في قالب الغيرة، وشبَّهوا محبَّة الله بمحبَّة الصُّور من المخلوقين.
стр. 414
ولا ريب أنَّ هذه الغيرة محمودةٌ في محبة من لا يحسُن مشاركة المحب فيه، وسيأتي ذلك في باب الغيرة على المحبوب.
[١٠٣ ب] فصل
ومنها: بذلُ المحب في رضا محبوبه ما يقدر عليه مما كان يتمتع به بدون المحبة، و للمحب في هذا ثلاثةُ أحوال: أحدها: بذله ذلك تكلفًا، ومشقَّةً، وهذا في أوَّل الأمر، فإذا قويت المحبةُ، بذله رضًا وطوعًا، فإذا تمكنت من القلب غاية التَّمكن، بذله سؤالًا وتضرُّعًا، كأنَّه يأخذُه من المحبوب حتى إنه ليبذُل نفسه دون محبوبه، كما كان الصحابة يقونَ رسول الله ﷺ في الحرب بنفوسهم، حتى يصرَّعوا حوله:
ولي فؤادٌ إذا لجَّ الغرامُ به ... هام اشتياقًا إلى لُقْيا مُعذِّبه (١)
يفديك بالنفس صبٌّ لو يكون له ... أعزُّ من نفسه شيءٌ فداك به
ومن آثر محبوبه بنفسه فهو له بماله أشدُّ إيثارًا، قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب/٦] ولا يتمُّ لهم مقام الإيمان حتى يكون الرسول أحبَّ إليهم من أنفسهم فضلًا عن أبنائهم وآبائهم، كما صحَّ
стр. 415
عنه ﷺ أنه قال: «لا يؤمنُ أحدُكم حتَّى أكون أحبَّ إليه من ولده، ووالده، والنَّاس أجمعين» (١) وقال له عمر: والله يا رسول الله! لأنت أحبُّ إليَّ منْ كل شيء إلَّا من نفسي. فقال: «لا يا عُمَرُ! حتَّى أكون أحبَّ إليك من نفسك» قال: فوالله لأنت الآن أحب إليّ من نفسي! فقال: «الآن يا عُمر!» (٢).
فإذا كان هذا شأن محبة عبد ه ورسوله؛ فكيف بمحبته سبحانه؟ وهذا النوع من الحب لا يمكن أن يكون إلا لله ورسوله شرعًا وقدرًا، وإن وجد في الناس من يؤثر محبوبه بنفسه وماله؛ فذاك في الحقيقة إنما هو لمحبة غرضه منه، فحمله محبةُ غرضه على أن بذل فيه نفسه وماله، وليست محبتُه لذلك المحبوب لذاته، بل لغرضه منه، وهذا المحبوب له مثل، ولمحبته مثل، وأما محبة الله؛ فليس لها مثلٌ، ولا للمحبوب مثل، ولهذا حكَّم الصحابة [١٠٤ أ] رسول الله ﷺ في أنفسهم وأموالهم، فقالوا: هذه أموالنا بين يديك، فاحكم فيها بما شئت، وهذه نفوسُنا بين يديك، لو استعرضت بنا البحر لخُضْناه، نقاتل من بين يديك، ومن خلفك، وعن يمينك، وعن شمالك. قال قيس بن صرمة الأنصاري (٣):
стр. 416
ثوى في قريش بضع عشرة حِجَّةً ... يذكِّرُ لو يلقى حبيبًا مواتيا
ويعرضُ في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يُؤْوي ولم ير داعيا
فلما أتانا واستقرت به النوى ... وأصبح مسرورًا بطيبة راضيا
بذلنا له الأموال من حل مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
نُعادي الذي عادى من الناس كلهم ... جميعًا وإن كان الحبيب المصافيا
ونعلم أن الله لا رب غيره ... وأن رسول الله أصبح هاديا
فالمحبُّ وصفه الإيثار، والمُدَّعي طبعه الاستئثار.
فصل
ومنها: سروره بما يُسرُّ به محبوبه كائنًا ما كان، وإن كرهتهُ نفسه، فيكون عنده بمنزلة الدواء الكريه، يكرهه طبعًا، ويحبه لما فيه من الشفاء. وهكذا المحبُّ مع محبوبه، يسره ما يرضى به محبوبه؛ وإن كان كريهًا لنفسه. وأما من كان واقفًا مع ما تشتهيه نفسه من مراضي محبوبه فليست محبته صادقة، بل هي محبة معلولةٌ، حتى يُسَرَّ بما ساءه وسره من مراضي محبوبه. وإذا كان هذا موجودًا في محبة الخلق بعضهم لبعض؛ فالحبيب لذاته أولى بذلك، قال أبو الشيص (١):
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخرٌ عنه ولا متقدَّمُ
стр. 417
وأهنتني فأهنتُ نفسي جاهدًا ... ما من يهونُ عليك ممن يكرم
أشبهت أعدائي فصرتُ أُحبُّهم ... إذْ كان حظِّي منك حظّي منهم [١٠٤ ب]
أجدُ الملامة في هواك لذيذةً ... حبا لذكرك فليلُمني اللُّوَّمُ
وقريب من هذا البيت الأخير قول الآخر (١):
لئن ساءني أن نلتني بمساءةٍ ... لقد سرَّني أنِّي خطرتُ ببالك
وقال الآخر (٢):
صدودك عنِّي إن صددت يسرُّني ... ولم أرَ قبلي عاشقًا سُرَّ بالصدِّ
سُرِرْتُ به أنِّي تيقّنت أنَّما ... دعاكِ إليه رغبةٌ منك في وُدِّي
ولو كنت فيه تزهدين لساءه ... ولكنَّما عَتْب المُحبِّ من الوجدِ
فيا فرحة لي أن رأيتُك تعتبي ... عليَّ لذنبٍ كان منِّي على عمد
وقال الآخر:
أهوى هواها وطول البعد يُعجبُها ... فالبُعدُ قد صار لي في حُبِّها أربا
فمن رأى والهًا قبلي أخا كلفٍ ... ينأى إذا حبُّه من أرضه قربا
وقريبٌ من هذا قول أحمد بن الحسين (٣):
يا منْ يعزُّ علينا أنْ نُفارقهم ... وجدانُنا كلَّ شيءٍ بعدكم عدمُ
стр. 418
إن كان سرَّكُم ما قال حاسِدُنا ... فما لجُرْحٍ إذا أرْضاكُمُ ألمُ
واهتدمَه بعضهم فقال:
يا من يعزُّ علينا أن نُلِمَّ بهم ... إذْ بُعدُنا عنهم قد صار قصدهمُ
إنْ كان يُرضيكم هذا البُعاد فما ... فيه لِصبِّكمُ جرحٌ ولا ألمُ
ولعمرُ الله أكثر هذه دعاوي لا حقيقة لها، والصادقُ منهم يخبر عن عزمه وإرادته، لا عن حاله وصفته، ولقد أحسن القائل (١):
رضُوا بالأماني وابْتُلوا بحظوظهم ... وخاضُوا بحارَ الحبِّ دعوى وما ابتلُّوا
فهم في السُّرى لم يبرحوا من مكانهم ... وما ظعنوا في السير عنه وقد كلُّوا
[١٠٥ أ] وإن كان هذا وصف قائلها بعينه وحاله؛ فإنَّه خاض بحار الحبِّ وما ابتلَّ له فيها قدم، فأخبر عن نفسه عند انكشافِ غطائه، وطلَبِ الرسلِ له لقدومه على ربه، فقال، وصدق (٢):
إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد لقيتُ فقد ضيَّعتُ أيامِي
стр. 419
أُمنيَّةٌ ظفرتْ نفسي بها زمنًا ... فاليوم أحْسَبُها أضغاث أحلام
وهذه حال كل من أحبَّ مع الله شيئًا سواه، فإنه إلى هذه الغاية يصير ولابدَّ، وسيبدو له إذا انكشف الغطاءُ: أنَّه إنما كان مغرورًا، مخدوعًا بأُمنيَّةٍ ظفرت نفسه بها مدَّة حياته، ثم انقطعتْ، وأعقبتِ الحسرة والنَّدامة. قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة/١٦٦ ــ ١٦٧].
فالأسبابُ التي تقطعت بهم هي: الوصل، والعلائق، والمودَّاتُ التي كانت لغير الله، وفي غير ذات الله، وهي التي تقدم إليها سبحانه فجعلها هباءً منثورًا، فكلُّ محبةٍ لغيره فهي عذابٌ على صاحبها، وحسرةٌ عليه إلا محبَّته، ومحبَّة ما يدعو إلى محبَّته، ويُعينُ على طاعته، ومرضاته، فهذه التي تبقى في القلب يوم تُبلى السرائر، كما قال (١):
ستبقى لكم في مُضْمَر القلب والحشا ... سريرةُ حبٍّ يوم تُبلى السرائرُ
وقال الآخر (٢):
إذا تصدَّع شملُ الوصلِ بينهمُ ... فللمُحبِّين شملٌ غيرُ مُنْصدع
стр. 420
وإنْ تقطَّع حبلُ الوصلِ يومئذٍ ... فللمُحبِّين حبْلٌ غيرُ منقطع
فصل
ومنها: حبُّ الوحدة، والأنس بالخلوة، والتفرُّد عن الناس ، وكأنَّ المحبة قد ثبتت على ذلك، فلا شيء أحلى للمحبِّ الصادق من خلوته، وتفرُّده، [١٠٥ ب] فإنَّه إن ظفر بمحبوبه أحبَّ خلوته به، وكره من يدخلُ بينهما غاية الكراهة.
ولهذا السرِّ ــ والله أعلم ــ أمر النبي ﷺ بردِّ المارّ بين يدي المُصلِّي حتى أمر بقتاله، وأخبرَ أنَّه لو يدري ما عليه من الإثم؛ لكان وقوفُه أربعين خيرًا له من مروره بين يديه (١). ولا يجدُ ألم المرور وشدَّته إلا قلب حاضرٌ بين يدي محبوبه، مقبلٌ عليه، قد ارتفعت الأغيار بينه وبينه، فمرورُ المارِّ بينه وبين ربِّه بمنزلة دخول البغيض بين المحب ومحبوبه، وهذا أمرٌ الحاكم فيه الذوق، ولا يُنكره.
وقال ابن مسعود: مرور المارِّ بين يدي المُصلِّي يُذهب نصف أجره، ذكره الإمام أحمد.
وأيضًا فإنَّ المحب يستأْنس بذكر محبوبه، وكونه في قلبه لا يُفارقه،
стр. 421
فهو أنيسُه، وجليسه، لا يستأنسُ بسواه، فهو مستوحشٌ مِمَّن يَشْغَلُهُ عنه. وحدَّثني تقيُّ الدِّين بن شُقير، قال: خرج شيخُ الإسلام ابن تيمية يومًا، فخرجتُ خلفه، فلما انتهى إلى الصحراء، وانفرد عن الناس بحيثُ لا يراه أحد؛ سمعته يتمثَّل بقول الشاعر (١):
وأخرُج من بين البيوت لعلَّني ... أحدِّث عنك القلب بالسِّرِّ خاليا
فخلوةُ المحب بمحبوبه هي غاية أُمنيَّته، فإن ظفر بها؛ وإلَّا خلا به في سرِّه، وأوحشه ذلك من الأغيار.
وكان قيسُ بن المُلوَّح إذا رأى إنسانًا هرب منه، فإذا أراد أن يدنو منه ويحادثه؛ ذكر له ليلى وحديثها، فيأنَسُ به، ويسكنُ إليه.
وينبغي للمحبِّ أن يكون من الناس كما قال يوسف لإخوته، وقد طلب منهم أخاهم: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف/٦٠].
إذا لم تكن فيكُنَّ سُعدى فلا أرى ... لكنَّ وُجوهًا أو أُغيَّبَ في لَحْدي
فصل
ومنها: استكانةُ المحبِّ لمحبوبه، وخضوعُه، وذلُّه له ، والحبُّ
стр. 422
مبنيٌّ على [١٠٦ أ] الذُّلِّ، ولا يأنف العزيزُ الذي لا يَذِلُّ لشيءٍ من ذلِّه لمحبوبه، ولا يعُدُّه نقصًا ولا عيبًا، بل كثيرٌ منهم يَعُدُّ ذُلَّه عِزًّا، كما قيل (١):
تذلَّل لمن تهوى لتكسبَ عِزَّةً ... فكمْ عِزَّةٍ قد نالها المرءُ بالذُّلِّ!
وقال الآخر (٢):
اخضع وذلَّ لمن تُحبُّ فليس في ... شرع الهوى أنْفٌ يُشالُ ويُعقدُ
وقال الآخر (٣):
ويُعجبني ذُلِّي لديكِ ولم يكن ... لِيُعجبني لولا محبتُكِ الذلُّ
وقال الآخر:
يَلذُّ له ذلُّ الهوى وخضوعه ... ولولا الهوى ما لذَّ للعاقلِ الذُّلُّ
وقال الآخر (٤):
مساكينُ أهلُ الحب حتى قُبورهم ... عليها ترابُ الذُّلِّ دون المقابر
ومتى استحكم الذُّل والحب صار عبوديةً، فيصيرُ قلبُ المحب معبدًا
стр. 423
لمحبوبه، وهذه المرتبة لا تليقُ أن تتعلَّق بمخلوقٍ، ولا تصلح إلا لله وحده.
فصل
ومنها: امتدادُ النفَس، وتردُّد الأنفاس، وتصاعدُها ، وهذا نوعان:
أحدهما: ما يُقارنه حزنٌ ولهفٌ، كما قال القائل (١):
رُبَّ ليلٍ أمدّ من نفَس العا ... شق طُولاً قطعتُه بانتحاب
وقال آخر:
تردُّد أنفاس المحب يدُلُّنا ... على كُنْهِ ما أخْفاه من ألم الحُبِّ
إذا خطراتُ الحب خامرن قلبه ... تنفَّس حتَّى ظلَّ منصدع القلب
والثاني: ما يكون سببه طربًا ولذَّةً.
وسببُ وجود النوعين انحصارُ القلب وانفراجه بسبب الوارد الذي ورد عليه، فأحدث للنَّفس الذي تروحه عليه الرئة كيفيَّةً مؤْذيةً، وطلب إخراجها فهو تنفُّس الصُّعداء، وأما تنفس الراحة؛ فإن القلب ينبسط بعد انقباضه، فيدفع الهواء المحيط به، فيطلبُ الخروج.
فصل
ومنها: هجرُه كل سبب يُقصيه من محبوبه ، ويبغضه المحبوب،
стр. 424
وارتياحه لكل سبب يدنيه منه، ويستحمدهُ عنده إذا بلغه عنه. وفي هذا الباب عجائب للمحبين، [١٠٦ ب] فكثيرٌ منهم هجر طعامًا، أو لباسًا، أو أرضًا، أو صناعةً، أو حالةً من الحالات كان محبوبه يمقُتها، فلم يعد إليها أبدًا، ولم تطاوعه نفسه بفعلها ألبتة، وكثيرٌ منهم حمله الحب على اكتساب المعالي، والفضائل، وغيرها مما يعلم أن المحبوب يُعظِّمه، ويحبُّه، وهذا نوعان أيضًا:
أحدهما: أن يكون المحبوب مُؤثرًا لذلك محبًّا له، فالمحب يبذُل جهده فيه، لينال منه أعلاه، إن أمكنه، فإن كان المحبوب مشغوفًا بجمع المال، أثَّر ذلك في مُحبّه شغفًا أشدَّ من شغفه، وإن كان مشغوفًا بالعلم، اجتهد المحبُّ في طلبه أشدَّ من اجتهاده، وإن كان مشغوفًا بحرفةٍ، أو صناعةٍ، حرص المحبُّ على تعلُّمها؛ إن وجد إلى ذلك سبيلًا، وإن كان مشغوفًا بالنَّوادر، والحكايات الحِسان، والأخبار المستحسنة بالغ المحبُّ في تحفُّظها.
ف المحبَّة النافعة أن تقع على عشِيق كامل يحملك عشقه على طلب الكمال، والبليَّةُ كلُّ البليَّة أن تُبتَلى بمحبَّة فارغٍ بطَّال صفْرٍ من كل خير، فيحمِلُك حبُّه على التشبُّه به.
والثاني: أن يكون المحبوب فارغًا من محبة ذلك وإيثاره، ولكنَّ المحبَّة تستخرجُ منْ قلب المُحِبِّ عزمًا، وإرادة، وحرصًا على ما يعظُم به في عين المحبوب وقلبه، فتجده من أحرص الناس على ذلك بحسب
стр. 425
استعداده، كما قيل (١):
ويرتاحُ للمعروف في طلب العُلا ... لتُحْمَدَ يومًا عند ليلى شمائلُهُ
وهذا قد يكون له سببٌ آخرُ، وهو معاداةُ الناس له، وتنقُّصهم إيَّاه، وازدراؤُهم به، فيحمله الانتخاء لنفسه، والغيرةُ لها، ومحبتُها على المنافسة في المعالي، واكتساب الحمد، وهذا من شرف النَّفس وعزَّتها كما قيل (٢):
من كان يشكرُ للصَّديق فإنَّني ... أحبُو بصالحِ شُكْرِي الأعداءَ [١٠٧ أ]
هم صيَّروا طلب المعالي ديدني ... حتَّى وطئْتُ بنعلي الجوْزاءَ
ولربما انتفع الفتى بعدوِّه ... والسمُّ أحيانًا يكونُ شفاءَ
وقال الآخر (٣):
عُداتي لهم فضلٌ عليَّ ومِنَّةٌ ... فلا أعدم الرحمنُ عنِّي الأعاديا
همُ بحثوا عن زَلَّتي فاجتنبتُها ... وهم نافسُوني فاكتسبتُ المعاليا