← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 417

روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (676 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فهو أنيسُه، وجليسه، لا يستأنسُ بسواه، فهو مستوحشٌ مِمَّن يَشْغَلُهُ عنه. وحدَّثني تقيُّ الدِّين بن شُقير، قال: خرج شيخُ الإسلام ابن تيمية يومًا، فخرجتُ خلفه، فلما انتهى إلى الصحراء، وانفرد عن الناس بحيثُ لا يراه أحد؛ سمعته يتمثَّل بقول الشاعر (١): وأخرُج من بين البيوت لعلَّني ... أحدِّث عنك القلب بالسِّرِّ خاليا فخلوةُ المحب بمحبوبه هي غاية أُمنيَّته، فإن ظفر بها؛ وإلَّا خلا به في سرِّه، وأوحشه ذلك من الأغيار. وكان قيسُ بن المُلوَّح إذا رأى إنسانًا هرب منه، فإذا أراد أن يدنو منه ويحادثه؛ ذكر له ليلى وحديثها، فيأنَسُ به، ويسكنُ إليه. وينبغي للمحبِّ أن يكون من الناس كما قال يوسف لإخوته، وقد طلب منهم أخاهم: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف/٦٠]. إذا لم تكن فيكُنَّ سُعدى فلا أرى ... لكنَّ وُجوهًا أو أُغيَّبَ في لَحْدي فصل ومنها: استكانةُ المحبِّ لمحبوبه، وخضوعُه، وذلُّه له ، والحبُّ

стр. 422

مبنيٌّ على [١٠٦ أ] الذُّلِّ، ولا يأنف العزيزُ الذي لا يَذِلُّ لشيءٍ من ذلِّه لمحبوبه، ولا يعُدُّه نقصًا ولا عيبًا، بل كثيرٌ منهم يَعُدُّ ذُلَّه عِزًّا، كما قيل (١): تذلَّل لمن تهوى لتكسبَ عِزَّةً ... فكمْ عِزَّةٍ قد نالها المرءُ بالذُّلِّ! وقال الآخر (٢): اخضع وذلَّ لمن تُحبُّ فليس في ... شرع الهوى أنْفٌ يُشالُ ويُعقدُ وقال الآخر (٣): ويُعجبني ذُلِّي لديكِ ولم يكن ... لِيُعجبني لولا محبتُكِ الذلُّ وقال الآخر: يَلذُّ له ذلُّ الهوى وخضوعه ... ولولا الهوى ما لذَّ للعاقلِ الذُّلُّ وقال الآخر (٤): مساكينُ أهلُ الحب حتى قُبورهم ... عليها ترابُ الذُّلِّ دون المقابر ومتى استحكم الذُّل والحب صار عبوديةً، فيصيرُ قلبُ المحب معبدًا

стр. 423

لمحبوبه، وهذه المرتبة لا تليقُ أن تتعلَّق بمخلوقٍ، ولا تصلح إلا لله وحده. فصل ومنها: امتدادُ النفَس، وتردُّد الأنفاس، وتصاعدُها ، وهذا نوعان: أحدهما: ما يُقارنه حزنٌ ولهفٌ، كما قال القائل (١): رُبَّ ليلٍ أمدّ من نفَس العا ... شق طُولاً قطعتُه بانتحاب وقال آخر: تردُّد أنفاس المحب يدُلُّنا ... على كُنْهِ ما أخْفاه من ألم الحُبِّ إذا خطراتُ الحب خامرن قلبه ... تنفَّس حتَّى ظلَّ منصدع القلب والثاني: ما يكون سببه طربًا ولذَّةً. وسببُ وجود النوعين انحصارُ القلب وانفراجه بسبب الوارد الذي ورد عليه، فأحدث للنَّفس الذي تروحه عليه الرئة كيفيَّةً مؤْذيةً، وطلب إخراجها فهو تنفُّس الصُّعداء، وأما تنفس الراحة؛ فإن القلب ينبسط بعد انقباضه، فيدفع الهواء المحيط به، فيطلبُ الخروج. فصل ومنها: هجرُه كل سبب يُقصيه من محبوبه ، ويبغضه المحبوب،

стр. 424

وارتياحه لكل سبب يدنيه منه، ويستحمدهُ عنده إذا بلغه عنه. وفي هذا الباب عجائب للمحبين، [١٠٦ ب] فكثيرٌ منهم هجر طعامًا، أو لباسًا، أو أرضًا، أو صناعةً، أو حالةً من الحالات كان محبوبه يمقُتها، فلم يعد إليها أبدًا، ولم تطاوعه نفسه بفعلها ألبتة، وكثيرٌ منهم حمله الحب على اكتساب المعالي، والفضائل، وغيرها مما يعلم أن المحبوب يُعظِّمه، ويحبُّه، وهذا نوعان أيضًا: أحدهما: أن يكون المحبوب مُؤثرًا لذلك محبًّا له، فالمحب يبذُل جهده فيه، لينال منه أعلاه، إن أمكنه، فإن كان المحبوب مشغوفًا بجمع المال، أثَّر ذلك في مُحبّه شغفًا أشدَّ من شغفه، وإن كان مشغوفًا بالعلم، اجتهد المحبُّ في طلبه أشدَّ من اجتهاده، وإن كان مشغوفًا بحرفةٍ، أو صناعةٍ، حرص المحبُّ على تعلُّمها؛ إن وجد إلى ذلك سبيلًا، وإن كان مشغوفًا بالنَّوادر، والحكايات الحِسان، والأخبار المستحسنة بالغ المحبُّ في تحفُّظها. ف المحبَّة النافعة أن تقع على عشِيق كامل يحملك عشقه على طلب الكمال، والبليَّةُ كلُّ البليَّة أن تُبتَلى بمحبَّة فارغٍ بطَّال صفْرٍ من كل خير، فيحمِلُك حبُّه على التشبُّه به. والثاني: أن يكون المحبوب فارغًا من محبة ذلك وإيثاره، ولكنَّ المحبَّة تستخرجُ منْ قلب المُحِبِّ عزمًا، وإرادة، وحرصًا على ما يعظُم به في عين المحبوب وقلبه، فتجده من أحرص الناس على ذلك بحسب

стр. 425

استعداده، كما قيل (١): ويرتاحُ للمعروف في طلب العُلا ... لتُحْمَدَ يومًا عند ليلى شمائلُهُ وهذا قد يكون له سببٌ آخرُ، وهو معاداةُ الناس له، وتنقُّصهم إيَّاه، وازدراؤُهم به، فيحمله الانتخاء لنفسه، والغيرةُ لها، ومحبتُها على المنافسة في المعالي، واكتساب الحمد، وهذا من شرف النَّفس وعزَّتها كما قيل (٢): من كان يشكرُ للصَّديق فإنَّني ... أحبُو بصالحِ شُكْرِي الأعداءَ [١٠٧ أ] هم صيَّروا طلب المعالي ديدني ... حتَّى وطئْتُ بنعلي الجوْزاءَ ولربما انتفع الفتى بعدوِّه ... والسمُّ أحيانًا يكونُ شفاءَ وقال الآخر (٣): عُداتي لهم فضلٌ عليَّ ومِنَّةٌ ... فلا أعدم الرحمنُ عنِّي الأعاديا همُ بحثوا عن زَلَّتي فاجتنبتُها ... وهم نافسُوني فاكتسبتُ المعاليا

стр. 426

فصل ومنها: الاتفاق الواقع بين المحبّ والمحبوب ولاسيَّما إذا كانت المحبَّةُ محبَّة مشاكَلَةٍ، ومناسبةٍ، فكثيرًا ما يمرضُ المحبُّ بمرض محبوبه. ويتحرَّك بحركته، ولا يشعرُ أحدُهما بالآخر، ويتكلَّم المحبوب بكلام، يتكلم المحب به بعينه اتفاقًا، فانظر إلى قول النبي ﷺ لعُمَرَ بن الخطاب، يوم الحُدَيْبيَة لما قال له: ألسنا على الحقِّ، وعدوُّنا على الباطل؟ قال: «بلى»، قال: فعلام نُعْطي الدَّنيَّةَ في ديننا؟ فقال: «إنِّي رسولُ الله، وهو ناصري، ولستُ أعْصِيه» فقال: ألم تكن تحدِّثنا أنَّا نأتي البيت، فنُطوِّفُ به؟ فقال: «قُلتُ لك إنَّك تأْتيه العامَ؟» قال: لا، قال: «فإنَّك آتيه، ومُطوِّفٌ به». ثم جاء أبا بكرٍ الصديق فقال له: يا أبا بكر! ألسنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطل؟ قال: بلى! قال: فعلام نعطي الدَّنيَّة في ديننا ونرجع ولمَّا يحكم الله بيننا؟ فقال: إنه رسول الله، وهو ناصره، وليس يعصيه، قال: ألم يكن يحدِّثنا أنَّا نأتي البيت، فنطوِّف به؟ قال: بلى، أقال لك: إنك تأتيه العام؟ قال: لا. قال: إنك آتيه ومطوِّفٌ به، فأجاب على جواب النبي ﷺ حرفًا بحرف من غير تواطُؤٍ، ولا تشاعُرٍ، بل موافقة محبٍّ لمحبوب. هكذا وقع في صحيح البخاري (١)، ووقع في بعض المغازي: أنَّه أتى أبا بكر أوَّلًا، فقال له ذلك، ثم أتى رسول الله ﷺ بعده، فقال له مثل ما قال أبو بكر.

стр. 427

قال السُّهَيْليُّ (١): [١٠٧ أ] وهذا هو الأولى، ويُشبه أن يكون المحفوظ، فإنَّه لا يُظنُّ بعمر أن رسول الله ﷺ يقولُ له قولًا، فلا يرضى به حتى يأتي أبا بكر بعد ذلك، والشُّبهة عنده لم تزلْ، فيُعيدها عليه، ولا يُظنُّ ذلك بعمر. ولعمري لقد نزع أبو القاسم بذَنوب صحيح! ولكن المحفوظ هو الذي وقع في البخاري، وعليه عامّة أهل السِّير، والمسانيد، والسُّنن. وأمَّا ما نُسب إلى عمر فقد أُجيب عنه بأنَّه كان يرجو النَّسخ، وموافقة ربِّه له في ذلك، كما تقدم له أمثالها، فإنه كان يقول القول، فينزلُ به الوحي، والثَّاني: أنَّ المقام كان مقام محنةٍ، وابتلاءٍ، عجز عنه صبرُ أكثر الصحابة، ولم يتسع له بطانهم، وداخلهم من الغم، والقلق، والتحرق على أعدائهم أمرٌ عظيم، ولهذا لما أمرهم أن يحلقوا رؤوسهم، وينحروا بُدْنهم، لم يقم منهم رجلٌ واحدٌ، حتى دخل ﷺ على أُم سلمة مُغضبًا، فقالت له: من أغضبك؛ أغضبهُ الله، فقال: «ومالي لا أغضبُ، وأنا آمُرُ بالأمْرِ، فلا أُتَّبَعُ؟» (٢). وهذا يردُّ تأويل من تأوَّله على أن القوم كانوا محسنين في ذلك التثبُّت، وأنَّهم كانوا ينتظرون النَّسخ، فلا لومَ عليهم، وهذا خطأ قبيحٌ من

стр. 428

هذا المُعتذر، بل كان المبادرة إلى امتثال أوامره ﷺ أولى بهم، ولو كانوا محسنين في التأخير، لما اشتدَّ غضبُه عليهم، ولكان أولى منهم بانتظار الناسخ، بل هذا من سعيهم المغفور، الذي غفره الله لهم بكمال إيمانهم، ونُصْحهم لله ورسوله، وعذَرهم الله سبحانه، لقوَّة الوارد وضعفهم عن حمله، حتى لم يحتمله عمر في قوَّته، وشدَّته، واحتمله رسول الله ﷺ وأبو بكر، وكان جوابُهما من مشكاةٍ واحدة. ولما احتمل رسول الله ﷺ هذا الحكم الكونيَّ الأمرِيَّ؛ الذي حكم الله له به، ورضي به، وأقرَّ به، ودخل تحته طوعًا [١٠٨ أ] وانقيادًا ــ وهو الفتحُ الذي فتح الله له ــ أثابه الله عليه بأربعة أشياء: مغفرةِ ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، وإتمام نعمته عليه، وهدايته صراطًا مستقيمًا، ونصرِ الله له نصرًا عزيزًا. وبهذا يقع جوابُ السؤال الذي أورده بعضهم هاهنا، فقال: كيف يكون حكم الله له بذلك عِلَّةً لهذه الأمور الأربعة؛ إذ يقول تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ الآية [الفتح/١ ــ ٢]. وجوابه ما ذكرنا: أن تسليمه لهذا الحكم، والرِّضا به، والانقياد له، والدخول تحته؛ أوجب له أنْ آتاه الله ذلك. والمقصودُ إنَّما هو ذكر الاتفاق بين المحبِّ والمحبوب، وهذا الذي جرى للصِّدِّيق من أحسن الموافقة، ومن هذا موافقة عمر بن الخطاب لربِّه في عدَّة أُمورٍ قالها، فنزل بها الوحيُ كما قالها.

стр. 429

وتقوى هذه الموافقة حتى يعلم المُحبُّ بكثير من أحوال محبوبه، وهو غائب عنه، وهذا بحسب تعلُّق الهمَّة به، وتوجُّه القلب إليه، واتِّحاد مراده بمراده، وربما اقتضى ذلك اتِّفاقهما في المرض، والصِّحة، والفرح، والحزن، والخُلُق، فإنْ كان مع ذلك بينهما تشابهٌ في الخلق الظاهر؛ فهو الغاية في الاتفاق، ولنقتصر من العلامات على هذا القدر، وبالله التوفيق.

стр. 430

الباب الحادي والعشرون في اقتضاء المحبة إفراد الحبيب بالحب وعدم التَّشريك بينه وبين غيره فيه هذا من موجبات المحبة الصادقة وأحكامها، فإن قِوَى الحب متى انصرفت إلى جهة، لم يبق فيها متسع لغيرها، ومن أمثال الناس: «ليس في القلب حُبَّان، ولا في السماءِ ربَّان». متى تقسَّمت قوة الحب بين عدة محالَّ ضعُفت لا محالة، وتأمَّل قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ [١٠٨ ب] عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب/١ ــ ٣] كيف أمره بتقواه المتضمنة لإفراده بامتثال أمره، ونهيه محبةً له، وخشيةً، ورجاءً، فإن التقوى لا تتمُّ إلا بذلك، وباتباع ما أوحي إليه المتضمن لتركه ما سوى ذلك واتباع المنزل خاصةً، وبالتوكل عليه، وهو يتضمن اعتماد القلب عليه وحده، وثقته به، وسكونه إليه دون غيره. ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب/٤] فأنت تجد تحت هذا اللفظ: أن القلب ليس له إلَّا وجهةٌ واحدةٌ، إذا مال بها إلى جهة؛ لم يملْ بها إلى غيرها، وليس للعبد قلبان،

стр. 431

يطيع الله، ويتَّبع أمره، ويتوكَّل عليه بأحدهما، والآخرُ لغيره، بل ليس له إلا قلبٌ واحدٌ، فإن لم يفرد بالتوكل، والمحبة، والتقوى ربَّه، وإلَّا انصرف ذلك إلى غيره. ثم استطرد من ذلك إلى أنه سبحانه لم يجعل زوجة الرجل أُمه، واستطرد منه إلى أنه لم يجعل دعيَّه ابنه؛ فانظر ما أحسن هذا التأصيل، وهذا الاستطراد الذي تسجد له العقولُ والألباب، وله نظائر في القرآن عديدةٌ، فمنها قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف/١٨٩ ــ ١٩٠]. فالنَّفسُ الواحدةُ وزوجُها آدمُ وحوَّاء، واللَّذان جعلا له شركاء فيما آتاهما المشركون من أولادهما، ولا يُلتفت إلى غير ذلك مما قيل: إن آدم وحواء كانا لا يعيش لهما ولدٌ، فأتاهما إبليس، فقال: إن أحببتما أن يعيش لكما ولدٌ؛ فسمِّياه عبد الحارث، ففعلا (١)، فإن الله سبحانه اجتباه وهداه، فلم يكن ليشرك به بعد ذلك.

стр. 432

ونظير هذا الاستطراد قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ [١٠٩ أ] لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة/١٨٩] ثم قال: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة/١٨٩] فإنهم كانوا يفعلون ذلك في الإحرام، فلما ذكر لهم وقت الإحرام الذي هو من فوائد الأهلة؛ استطرد منه إلى ذكر ما يفعلونه فيه، وهو كثيرٌ جدًّا. والمقصود: أن المحبة تستلزم توحيد المحبوب فيها، وقد بالغ أبو محمد بن حزم في إنكاره على من يزعم أنه يعشق أكثر من واحدٍ، وقال في ذلك شعرًا، ونحن نذكر كلامه وشعره. قال بعد كلام طويل (١): ومن هذا دخل الغلط على من يزعم: أنه يحب اثنين، ويعشقُ شخصين متغايرين، وإنما هذا من جهة الشهوة التي ذكرنا آنفًا، وهي على المجاز تُسمَّى: محبةً، لا على التحقيق وأما نفس المحب فما في الميل به فضلٌ يصرفُه من أسباب دينه ودنياه، فكيف الاشتغال بحبٍّ ثانٍ، وفي ذلك أقول (٢): كذب المدَّعي هوى اثنين حتمًا ... مثل ما في الأُصول أُكذِبَ ماني ليس في القلب موضعٌ لحبيبيـ ... ـن ولا أحدثَ الأمورَ اثْنانِ فكما العقلُ واحدٌ ليس يدري ... خالقًا غير واحد رحمن

стр. 433

فكذا القلبُ واحدٌ ليس يهوى ... غيرَ فردٍ مباعدٍ أو مُدانِ هو في شرعة المودَّة ذو شكٍّ ... بعيدٌ من صحَّة الإيمان وكذا الدِّينُ واحدٌ مستقيمٌ ... وكَفُورٌ من عنده دينان وقد اختلف الناسُ في هذه المسألة، فقالت طائفة: ليس للقلب إلَّا وجهةٌ واحدةٌ، إذا توجَّه إليها؛ لم يمكنه التوجُّه إلى غيرها، قالوا: وكما أنه لا يجتمع فيه إرادتان معًا؛ فلا يكون فيه حُبَّان، وكان الشَّيخُ إبراهيم الرَّقيُّ ــ ﵀ ــ يميل إلى هذا. وقالت طائفةٌ: بل يمكن أن يكون له وجهتان فأكثر [١٠٩ ب] باعتبارين، فيتوجَّه إلى أحدهما، ولا يشغله عن توجُّهه إلى الآخر. قالوا: والقلب حاملٌ، فما حمَّلته تحمَّل، فإذا حمَّلته الأثقال؛ حملها، وإن استعجزته عجز عن حمل غير ما هو فيه، فالقلبُ الواسعُ يجتمع فيه التوجُّه إلى الله سبحانه، وإلى أمره، وإلى مصالح عباده، ولا يشغله واحدٌ من ذلك عن الآخر، فقد كان رسول الله ﷺ قلبه متوجهٌ في الصلاة إلى ربه، وإلى مراعاة أحوال من يُصلي خلفه، وكان يسمع بكاء الصبي، فيخفف الصلاة خشية أن يشُقَّ على أُمه (١)، أفلا ترى قلبه الواسع الكريم، كيف اتَّسع للأمرين؟ ولا يُظَن: أن هذا من خصائص النُّبوة، فهذا عمر بن الخطاب كان يجهز جيشه وهو في الصلاة، فيتَّسع

стр. 434

قلبه للصلاة والجهاد في آنٍ واحدٍ، وهذا بحسب سعة القلب، وضيقه، وقوته، وضعفه، قالوا: وكمال العبودية أن يتَّسع قلب العبد لشهود معبوده. ومراعاة آداب عبوديته فلا يشغله أحدُ الأمرين عن الآخر. قالوا: وهذا موجود في الشاهد، فإن الرجل إذا عمل عملاً للسُّلطان مثلًا بين يديه، وهو ناظر إليه يشاهده؛ فإنَّ قلبه يتسع لمراعاة عمله، وإتقانه، وشهود إقبال السلطان عليه، ورؤيته له، بل هذا شأْن كلِّ محبٍّ يعمل لمحبوبه عملًا بين يديه، أو في غيبته. قالوا: وهذا رسول الله ﷺ بكى يوم موت ابنه إبراهيم (١)، فكان بكاؤه رحمة له، فاتسع قلبه لرحمة الولد، وللرضا بقضاء الله، ولم يشغله أحدهما عن الآخر، لكن الفضيل لم يتسع قلبه يوم موت ابنه لذلك، فجعل يضحك، فقيل له: أتضحك وقد مات ابنك؟ فقال: إن الله سبحانه قضى بقضاء، فأحببتُ أن أرضى بقضائه. ومعلوم أن بين هذه الحال وحال رسول الله ﷺ تفاوت لا يعلمه [١١٠ أ] إلا الله، ولكن لم يتسع قلبه لما اتسع له قلب رسول الله ﷺ . ونظير هذا اتساع قلب رسول الله ﷺ لغناء الجويريتين اللتين كانتا تغنيان عند عائشة (٢)، فلم يشغله ذلك عن ربه، ورأى فيه من مصلحة

стр. 435

إرضاء النفوس الضعيفة بما يستخرج منها من محبة الله، ورسوله، ودينه، فإن النفوس متى نالت شيئًا من حظِّها؛ طُوِّعت ببذل ما عليها من الحق، ولم يتسع قلب عمر لذلك لما دخل، فأنكره، وكم بين من ترد عليه الواردات فكل منها يثني همته، ويحرك قلبه إلى الله، كما قال القائل (١): يُذكِّرُنيك الخيرُ والشرُّ والذي ... أخافُ وأرجو والذي أتوقعُ وبين من تَرِد عليه الواردات فتشغله عن الله، وتقطعه عن سير قلبه إليه، فالقلب الواسع يسير بالخلق إلى الله ما أمكنه، فلا يهرب منهم، ولا يلحق بالقفار، والجبال والخلوات، بل لو نزل به من نزل سار به إلى الله فإن لم يسر معه سار هو، وتركه. ولا يُنكر هذا فالمحبة الصحيحة تقتضيه، وخذ هذا في المغنّي إذا طرب، فلو نزل به من نزل أطربهم كلهم، فإن لم يطربوا معه لم يدع طربه لغِلَظِ أكبادهم، وكثافة طبعهم. وكان شيخنا يميل إلى هذا القول، وهو كما ترى قوَّته، وحجَّته. والتحقيق: أن المحبوب لذاته لا يمكن أن يكون إلا واحدًا، ويستحيل أن يوجد في القلب محبوبان لذاتهما، كما يستحيل أن يكون في الخارج ذاتان قائمتان بأنفسهما، كلُّ ذات منهما مستغنيةٌ عن الأُخرى من جميع الوجوه، وكما يستحيل أن يكون للعالم ربَّانِ متكافئان مستقلَّان، فليس الذي يُحَبُّ لذاته إلا الإله الحق، الغنيُّ بذاته عن كل ما

стр. 436

سواه، وكل ما سواه فقيرٌ بذاته إليه. وأما ما يُحَبُّ لأجله سبحانه فيتعدَّد، ولا تكون محبة العبد له شاغلةً له عن محبة ربِّه، ولا يشركه معه في الحب، [١١٠ ب] فقد كان رسول الله ﷺ يحب زوجاته، وأحبهن إليه عائشة وكان يحب أباها، ويحبُّ عمر وكان يحب أصحابه، وهم مراتب في حبه لهم، ومع هذا فحبُّه كلُّه لله، وقوى حبه جميعها منصرفةٌ إليه سبحانه. فإن المحبة ثلاثة أقسام: محبة الله، والمحبة له وفيه، والمحبة معه . فالمحبَّة له وفيه من تمام محبته وموجباتها، لا من قواطعها، فإن محبة الحبيب تقتضي محبة ما يحبُّ، ومحبة ما يعين على حبه، ويوصل إلى رضاه وقربه، وكيف لا يحب المؤمن ما يستعين به على مرضاة ربه، ويتوصل به إلى حبه وقربه؟! وأما المحبة مع الله؛ فهي المحبة الشركية، وهي كمحبة أهل الأنداد لأندادهم، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة/ ١٦٥]. وأصلُ الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك في هذه المحبة، فإن المشركين لم يزعموا أن آلهتهم وأوثانهم شاركت الرب سبحانه في خلق السموات والأرض، وإنما كان شركهم بها من جهة محبتها مع الله، فوالَوا عليها، وعادَوا عليها، وتألهوها، وقالوا: هذه آلهةٌ صغار تقربنا إلى الإله الأعظم. ففرقٌ بين محبة الله أصلًا، والمحبة له تبعًا، والمحبة

стр. 437

معه شركًا. وعليك بتحقيق هذا الموضع، فإنه مفرق الطرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك. ويحكى أن الفُضيل دخل على ابنته في مرضها، فقالت له: يا أبه! هل تُحبني؟ قال: نعم. قالت: لا إله إلا الله، والله ما كنت أظن فيك هذا، ولم أكن أظنك تحب مع الله أحدًا، ولكن أفرد الله بالمحبة، واجعل لي منك الرحمة، إن يكن حبك لي حب رحمةٍ جعلها الله في قلب الوالد لولده، لا محبة مع الله. فلله حق من المحبة لا يشركه فيه غيره، وأظلم الظلم وضع تلك المحبة في غير موضعها، والتشريك [١١١ أ] بين الله وغيره فيها. فليتدبَّر اللبيب هذا الباب، فإنه من أنفع أبواب الكتاب إن شاء الله تعالى.

стр. 438

الباب الثاني والعشرون في غَيْرَةِ المُحبِّين على أحبابهم لمَّا كان هذا الباب متصلًا بباب إفراد المحبوب بالمحبة، ومن موجباته، فإن الغيرة بحسب قوة المحبة، وقوَّتها بحسب إفراد المحبوب؛ حسُن ذكره بعده. وأصل الغيرة: الحميَّةُ، والأنفةُ، و الغيرة نوعان: غيرةٌ للمحبوب، وغيرة عليه ، فالغيرة له فهي الحمية له، والغضب له إذا استهين بحقه، وانتُقصت حرمته، وناله مكروه من عدوه، فيغضب له المحب ويحمى وتأخذه الغيرة له بالمبادرة إلى التغيير ومحاربة من آذاه، فهذه غيرة المحبين حقًّا، وهي غيرة الرسل وأتباعهم لله ممن أشرك به، واستحل محارمه، وعصى أمره. وهذه الغيرة هي التي تحمل على بذل نفس المحب، وماله، وعرضه لمحبوبه حتى يزول ما يكرهه، فهو يغار لمحبوبه أن تكون فيه صفةٌ يكرهها محبوبه، ويمقته عليها، أو يفعل ما يبغضه عليه، ثم يغارُ له بعد ذلك أن يكون في غيره صفةٌ يكرهها ويبغضها. فالدينُ كلُّه في هذه الغيرة، بل هي الدين، وما جاهد مؤمنٌ نفسه، وعدوَّه، ولا أمر بمعروف، ولا نهى عن منكر إلَّا بهذه الغيرة، ومتى خلت من القلب؛ خلا من الدين، فالمؤمن يغارُ لربه من نفسه، ومن غيره

стр. 439

إذا لم يكن له كما يحب. والغيرة تصفي القلب، وتخرج خبثه، كما يخرج الكير خبث الحديد. فصل وأمَّا الغيرة على المحبوب فهي غيرة أنفة المحب، وحميتُه أن يشاركه في محبوبه سواه، وهذه أيضًا نوعان: غيرةُ المحب أن يشاركه غيره في محبوبه، وغيرةُ المحبوب على محبه أن يحبَّ معه غيره. والغيرةُ من صفات الرب ﷻ ، والأصل فيها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف/ ٣٣]. ومن [١١١ ب] غيرته تعالى لعبده وعليه: حميتُه مما يضره في آخرته، كما في الترمذي (١) وغيره مرفوعًا: «إن الله يحمي عبد ه المؤمن من الدنيا، كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام والشراب». وفي الصحيحين (٢): أن رسول الله ﷺ قال في خطبة الكسوف: «والله يا أُمَّة مُحمَّدٍ! ما أحدٌ أغيرَ من الله أن يزني عبدهُ، أو تزْنِي أمَتُهُ». وفي ذكر هذا الذنب بخصوصه في خطبة الكسوف سرٌّ بديع، قد

стр. 440

نبهنا عليه في باب: غضِّ البصر، وأنه يورث نورًا في القلب. ولهذا جمع الله سبحانه بين الأمر به، وبين ذكر آية النور، فجمع سبحانه بين نور القلب بغض البصر، وبين نوره الذي مثله بالمشكاة لتعلُّق أحدهما بالآخر، فجمع النبي ﷺ بين ظلمة القلب بالزنا وبين ظلمة الوجود بكسوف الشمس، وذكر أحدهما مع الآخر. وفي الصحيحين (١) من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس شيءٌ أغيرَ من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحدٌ أحبَّ إليه المدح من الله، من أجل ذلك أثنى على نفسه، ولا أحد أحبَّ إليه العُذْرُ من الله، من أجل ذلك أرسل الرُّسُل». وروى الثوري عن حماد بن إبراهيم، عن عبد الله قال: «إن الله ليغار للمسلم فليغَرْ» (٢). وروي أيضًا عن عبد الأعلى، عن ابن عيينة، عن أبيه، عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يغارُ فليغَرْ أحدكم» (٣).

стр. 441

وفي الصحيح (١) عنه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يغارُ، والمؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرَّم عليه». وروى القعنبي (٢) عن الدَّراوردي، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن يغارُ، والله أشدُّ غيرةً». فصل وغيرةُ العبد على محبوبه نوعان: غيرةٌ ممدوحةٌ، يحبُّها الله، وغيرةٌ مذمومة، يكرهها الله، فالَّتي يحبُّها الله: أن يغار عند قيام الرِّيبة، والَّتي يكرهها: أن يغار من غير ريبةٍ، بل من مجرَّد سوء الظن، [١١٢ أ] وهذه الغيرة تُفْسدُ المحبة، وتوقع العداوة بين المحبِّ ومحبوبه. وفي المسند (٣) وغيره عنه ﷺ قال: «الغيرةُ غيرتان: فغيرةٌ يُحبُّها الله، وأُخرى يكرهها الله» قلنا: يا رسول الله! ما الغيرة التي يُحبُّ الله؟ قال: «أن تُؤْتى معاصيه، وتُنْتهَك محارمُهُ» قلنا: فما الغيرة التي يكرهُ الله؟

стр. 442

قال: «غيرةُ أحدكم في غير كُنْهه». وفي الصحيح (١) عنه ﷺ : «إن من الغيرة ما يحبُّ الله، ومنها ما يكرهُ اللهُ، فالغيرة التي يُحبُّها الله: الغيرة في الريبة، والغيرة التي يكرهها الله: الغيرة في غير ريبة». وفي الصحيح (٢) عنه ﷺ قال: «أتعجبون من غيرة سعد؟! لأنا أغيرُ منه، والله أغيرُ منِّي». وقال عبد الله بن شدَّاد (٣): الغيرةُ غيرتان: غيرةٌ يصلح بها الرَّجل أهله، وغيرةٌ تدخله النَّار. وروى عبد الله بن لهيعة (٤) عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة المهري، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ وجد مارية القبطية، وهي حاملٌ بإبراهيم، وعندها نسيبٌ لها قدم معها من مصر، فأسلم، وكان كثيرًا ما يدخل على أُم إبراهيم، وأنه جبَّ نفسه فقطع ما بين رجليه، حتى لم يبق قليلٌ، ولا كثيرٌ، فدخل رسول الله ﷺ

стр. 443

يومًا عليها، فوجد عندها قريبها، فوجد في نفسه من ذلك شيئًا، كما يقع في أنفس الناس، فخرج متغير اللون، فلقيه عمر بن الخطاب فعرف ذلك في وجهه، فقال: يا رسول الله! أراك متغيِّر اللون، فأخبره ما وقع في نفسه من قريب مارية، فمضى بسيفه، فأقبل يسعى حتى دخل على مارية، فوجد عندها قريبها ذلك، فأهوى بالسيف ليقتله، فلما رأى ذلك منه كشف عن نفسه، فلمَّا رآه عمر رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: «إن جبريل أتاني فأخبرني: أن الله قد برأها، وقريبها مما وقع في نفسي، وبشرني أن في بطنها غلامًا، وأنه أشبه الخلق بي، وأمرني أن أُسمِّيه إبراهيم» [١١٢ ب]. وقال الواقدي (١): عن محمد بن صالح، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: كانت سارةُ عند إبراهيم ﵊ فمكثت معه دهرًا لا تُرْزق منه ولدًا، فلمَّا رأت ذلك؛ وهبت له هاجر أمتها، فولدت لإبراهيم، فغارت من ذلك سارة، ووجدتْ في نفسها، وعتبت على هاجر، فحلفت أن تقطع منها ثلاثة أعضاء، فقال لها إبراهيم: هل لك أن تبرَّ يمينك؟ قالت: كيف أصنع؟ قال: اثقبي أُذنيها، واخفضيها، والخفضُ هو الختان، ففعلت ذلك بها فوضعت هاجرُ في أُذنيها قُرطين، فازدادت بهما حسنًا، فقالت سارة: إنما زدتها جمالًا، فلم

стр. 444

تُقارَّه على كونها معه، ووجد بها إبراهيم وجدًا شديدًا، فنقلها إلى مكة، فكان يزورها كلَّ يومٍ من الشام على البُراق من شغفه بها، وقلَّة صبره عنها. وفي الصحيح (١) من حديث حميد، عن أنس قال: أهدى بعضُ نساء النبي ﷺ له قصعة فيها ثَرِيدٌ، وهو في بيت بعض نسائه، فضربت يد الخادم، فانكسرت القصعة، فجعل النبي ﷺ يأخذ الثَّريد ويردُّه في القصعة، ويقول: «كلوا، غارت أُمُّكم»، ثم انتظر حتى جاءت قصعةٌ صحيحة، فأعطاها التي كُسرتْ قصعتُها. وقالت عائشة: ما غِرتُ على امرأةٍ قطُّ ما غرتُ على خديجة من كثرة ذكر النبي ﷺ إيَّاها، ولقد ذكرها يومًا، فقلت: ما تصنع بعجوز حمراء الشِّدْقَيْن، وقد أبدلك الله خيرًا منها؟ فقال: «والله ما أبدَلني الله خيرًا منها!» (٢). فانظر هذه الغيرة الشَّديدة على امرأةٍ بعدما ماتت، وذلك لفرط محبَّتها لرسول الله ﷺ كانت تغار عليه أن يذكر غيرها، وكذلك غيرتُها من صفيَّة فإن رسول الله ﷺ لمَّا قدم بها المدينة، وقد اتَّخذها لنفسه زوجةً، وعرَّس بها في الطريق، قالت عائشة: تنكرتُ، وخرجتُ أنظرُ،

стр. 445

فعرفني، فأقبل إليَّ، فانقلبت، فأسرع المشي [١١٣ أ]، فلحقني فاحتضنني، وقال: «كيف رأيتها؟» قلت: يهودية بنت يهوديات ــ تعني السَّبْيَ (١) ــ. وفي المسند (٢): من حديث الأشعث بن قيس قال: تضيَّفتُ بعض أصحاب النبي ﷺ ، فقام إلى امرأته، فضربها فحجزتُ بينهما، فرجع إلى فراشه، فقال: يا أشعث! احفظ عني شيئًا سمعتُه من رسول الله ﷺ : «لا تسألنَّ رجلًا فيما يضربُ امرأته». وذكر حمَّاد بن زيد (٣) عن أيوب، عن ابن أبي مُليكة: أن ابن عمر سمع امرأته تكلم رجلًا من وراء جدارٍ، بينها وبينه قرابةٌ لا يعلمها ابن عمر، فجمع لها جرائد، ثم أتاها فضربها، حتى آضَتْ حشيشًا. وذكر الخرائطي (٤) عن معاذ بن جبل: أنه كان يأْكل تفاحًا ومعه امرأتُه، فدخل عليه غلامٌ له، فناولته تفاحة قد أكلت منها، فأوجعها معاذٌ ضربًا. ودخل يومًا على امرأته وهي تطَّلع في خباءٍ أدمٍ، فضربها.

стр. 446

وذكر الثوري (١) عن أشعث، عن الحسن: أنَّ امرأة جاءت تشكو زوجها إلى النبي ﷺ لطمها، فدعا الرجل ليأْخذ حقها، فأنزل الله ــ ــ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية [النساء/ ٣٤] فقال رسول الله ﷺ : «أردْنا أمرًا، وأراد الله أمرًا». وكان عمرُ بن الخطاب شديد الغيرة، وكانت امرأتُه تخرُج، فتشهدُ الصلاة، فيكره ذلك، فتقول: إن نهيتني انتهيتُ، فيسكتُ امتثالًا لقول رسول الله ﷺ : «لا تمْنَعُوا إماء الله مساجد الله» (٢). وهو الذي أشار على رسول الله ﷺ أن يحجُب نساءه، وكان عادة العرب: أنَّ المرأة لا تحتجب، لنزاهتهم، ونزاهة نسائهم، ثم قام الإسلام على ذلك، فقال عمر: يا رسول الله! لو حجبت نساءك، فإنَّه يدخل عليهن البَرُّ والفاجر، [١١٣ ب] فأنزل الله آية الحجاب (٣). ورُفع إلى عمر بن الخطاب ــ ﵁ ــ رجلٌ قد قتل امرأته، ومعها رجلٌ آخر، فقال أولياءُ المرأة: هذا قتل صاحبتنا، وقال أولياءُ الرجل: إنَّه قتل صاحبنا، فقال عمر: ما يقول هؤلاء؟ قال: ضربَ الآخرُ

стр. 447

فَخِذَيْ امرأته بالسَّيف، فإن كان بينهما أحدٌ فقد قتله، فقال لهم عمر: ما يقول؟ فقالوا: ضرب بسيفه، فقطع فخذي المرأة، فأصاب وسط الرَّجل، فقطعه باثنتين، فقال عمر: إن عادوا فعُدْ. ذكره سعيد بن منصور في سننه (١). وأخذ بهذا جماعةٌ من الفقهاء، منهم الإمام أحمد وأصحابه قالوا: لو وجد رجلًا يزني بامرأته، فقتلهما، فلا قصاص عليه، ولا ضمان، إلا أن تكون المرأة مُكرهةً؛ فعليه القصاصُ بقتلها، ولكن لا يُقبل قولُ الزوج إلا بتصديق الولي، أو بيِّنةٍ، واختلفت الرواية عن الإمام أحمد في عدد البيِّنة، فرُوي عنه: أنها رجلان، ورُوِي عنه: لابدَّ من أربعة. ووجهُ هذه الرواية ظاهرُ حديث سعد بن عُبادة أنه قال: يا رسول الله! أرأيت إن وجدتُ رجلًا مع امرأتي؛ أُمهله حتى آتي بأربعة شُهداء؟! فقال النبي ﷺ : «نعم»، فقال: والذي بعثك بالحقّ إن كنتُ لأضربه بالسَّيف غير مصفح! فقال النَّبيُّ ﷺ : «ألا تعجبون من غيرة سعدٍ؟! لأنا أغيرُ منْهُ، والله أغيرُ منِّي!» (٢). وذكر سعيد بن منصور عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن رجل دخل بيته، فإذا مع امرأته رجلٌ، فقتلها، وقتله، فقال عليٌّ: إن جاء بأربعة شُهداء، وإلَاّ دُفع برُمَّتِه.

стр. 448

ووجهُ رواية الاكتفاء باثنين: أنَّ البينة ليست على إقامة الحدِّ، ولكن على وجود السبب المانع من القصاص، فإن الزوج كان له أن يقتل المعتدي على أهله، ولكن لما أنكر أولياءُ القتيل؛ طُولِب القاتل بالبيِّنة فاكتفي برجلين. ورُفع إلى عمر رجلٌ قد قتل يهوديًّا، فسأله [١١٤ أ] عن قصَّته، فقال: إن فلانًا خرج غازيًا، وأوصاني بامرأته، فبلغني أنَّ يهوديًّا يختلفُ إليها، فكمنتُ له حتى جاء، فجعل ينشد ويقول (١): وأبيضَ غرَّه الإسلامُ منِّي ... خَلَوْتُ بعِرْسه ليل التَّمامِ أبِيتُ على ترائبها ويُمسي ... على جَرْداءَ لاحقةِ الْحِزام كأنَّ مواضع الرَّبلات منها ... فِئامٌ يَنْهضون إلى فِئَام فقمتُ إليه فقتلته، فأهْدر عمر دمه. وليس في هذين الأثرين مطالبةُ عمر للقاتل بالبيِّنة؛ إذ لعلَّه تيقَّن ذلك، أو أقرَّ به الوليُّ. والصَّواب: أنه متى قام على ذلك دلالة ظاهرة، لا تحتمل الكذب؛ أغنت عن البينة. وذكر سفيان بن عُيينة (٢): عن الزُّهري، عن القاسم بن محمد، عن

стр. 449

عُبيد بن عُمير: أنَّ رجلًا أضاف إنسانًا من هُذيل، فذهبت جاريةٌ لهم تحتطبُ، فأرادها عن نفسها، فرمته بفهرٍ، فقتلته، فرُفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فقال: ذاك قتيلُ الله لا يُودى أبدًا. وذكر حمَّاد بن سلمة (١) عن القاسم بن محمد: أن أبا السيَّارة أُولع بامرأة أبي جُنْدَب، يُراودها عن نفسها، فقالت: لا تفعل! فإن أبا جُنْدَب إن يعلم بهذا يقتلك، فأبى أن يَنزع، فكلَّمت أخا أبي جُندب، فكلَّمه، فأبى أن ينزع، فأخبرت بذلك أبا جُندب، فقال أبو جُندب: إنِّي مخبرٌ القوم أنِّي ذاهب إلى الإبل، فإذا أظلمت جئتُ، فدخلتُ البيت، فإن جاءك؛ فأدخليه قبلي، فودَّع أبو جُندب القوم، وأخبرهم: أنِّي ذاهبٌ إلى الإبل، فلمَّا أظلم اللَّيلُ، جاء، فكمن في البيت. وجاء أبو السيَّارة، وهي تطحنُ في ظلِّها، فراودها عن نفسها، فقالت: وَيْحك؟ أرأيت هذا الأمر الذي تدعوني إليه هل دعوتُك إلى شيء منه قط؟ قال: لا، ولكن لا أصبرُ عنك! قالت: ادخل البيت حتى أتهيَّأ لك، فلمَّا دخل البيت، أغلق أبو جندب الباب، ثمَّ أخذه [١١٤ ب] فدقَّه من عنقه إلى عجب ذنبه، فذهبت المرأة إلى أخي أبي جندب، فقالت: أدرك الرجل، فإن أبا جندب قاتله، فجعل أخوه يُناشده، فتركه، وحمله أبو جُندب إلى مدرجة الإبل، فألقاه، فكان إذا مرَّ به إنسانٌ قال

стр. 450

له: ما شأنُك؟ قال: وقعتُ من بكرٍ فحطمني، وبلغ الخبر عمر فأرسل إلى أبي جندب، فأخبره بالأمر على وجهه، فأرسل إلى أهل المرأة فصدَّقوه، فجلد عمرُ أبا السيَّارة مئة جلدة، وأبطل ديته. وذكر العباس بن هشام الكلبي (١)، عن أبيه: أنَّ عمرو بن حُمَمة الدَّوْسِيَّ أتى مكة حاجًّا، وكان من أجمل العرب، فنظرت إليه امرأةٌ، فقالت: لا أدري وجهُه أحسنُ أم فرسه! وكانت له جُمَّة تُسمَّى الزينة، فكان إذا جلس مع أصحابه، نشرها وإذا قام عقصها، فقالت له المرأة: أين منزلُك؟ قال: نجد، قالت: ما أنت بنجديٍّ، ولا تِهاميٍّ، فاصدُقني! فقال: رجلٌ من أهل السَّرَاة ــ فيما بين مكَّة واليمن ــ ثُمَّ أشار إليها: ارتدفي خلفي، ففعلت، فمضى بها إلى السَّراة، وتبعها زوجُها، فلم يلحقها، فرجع فلما استقرت عنده؛ قطع عروقها، وقال: والله لا تتبعين بعدي رجلًا أبدًا ثم ردَّها إلى زوجها على تلك الحال. فصل والله سبحانه يغار على قلب عبد ه أن يكون مُعطلًا من حبه وخوفه، ورجائه، وأن يكون فيه غيره، فإنه سبحانه خلقه لنفسه، واختاره من بين خلقه، كما في الأثر الإلهيِّ: «ابنَ آدم خلقتُك لنفسي، وخلقتُ كلَّ شيءٍ لك، فبحقِّي عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتُك له»، وفي أثر

стр. 451

آخر: «خلقتُك لنفسي فلا تلعبْ، وتكفَّلتُ لك برزقك فلا تتعبْ، يا ابن آدم اطلبني تجدْني، فإنْ وجدتَّني؛ وجدت كل شيء، وإن فُتُّك؛ فاتك كل شيء، وأنا خيرٌ لك من كل شيء». ويغارُ على لسانه أن يتعطَّل من ذكره ويشتغل بذكر غيره، ويغار على جوارحه أن تتعطَّل من طاعته، وتشتغل بمعصيته، فيقبح بالعبد أن يغار مولاه الحقُّ [١١٥ أ] على قلبه، ولسانه، وجوارحه، وهو لا يغارُ عليها. وإذا أراد الله بعبده خيرًا، سلَّط على قلبه ــ إذا أعرض عنه، واشتغل بحبِّ غيره ــ أنواع العذاب، حتى يرجع قلبُه إليه، وإذا اشتغلتْ جوارحُه بغير طاعته؛ ابتلاها بأنواع البلاء. وهذا من غيرته سبحانه على عبده، وكما أنَّه سبحانه يغار على عبده المؤمن، فهو يغارُ له، ولحُرمته، فلا يُمكِّن المفسد أن يتوصَّل إلى حُرمته؛ غيرةً منه لعبده، فإنَّه يدافع عن الذين آمنوا، فيدفع عن قلوبهم، وجوارحهم، وأهلهم، وحريمهم، وأموالهم، يتولَّى سبحانه الدفع عن ذلك كلِّه غيرةً منه لهم، كما غاروا لمحارمه من نفوسهم، ومن غيرهم. والله تعالى يغار على إمائه وعبيده من المفسدين شرعًا وقدرًا، ومن أجل ذلك حرَّم الفواحش، وشرع عليها أعظم القربات، وأشنع القتلات؛ لشدَّة غيرته على إمائه وعبيده. فإن عُطِّلت هذه العقوباتُ شرعًا؛ أجراها سبحانه قدرًا.

стр. 452

فصل ومن غيْرَته سبحانه: غيرتُه على توحيده، ودينه، وكلامه أن يحظى به من ليس من أهله، بل حال بينهم وبينه؛ غيرةً عليه، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام/ ٢٥]، ولذلك ثبَّط سبحانه أعداءه عن متابعة رسوله، واللَّحاق به؛ غيرةً عليه، كما قال: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة/ ٤٦ ــ ٤٧] فغار سبحانه على نبيه وأصحابه أن يخرج بينهم المنافقون، فيسعوا بينهم بالفتنة، فثبَّطهم، وأقعدهم عنهم. وسمع الشِّبليُّ قارئًا يقرأ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء/ ٤٥] فقال: أتدرون ما هذا الحجاب؟ هذا حجابُ الغيرة، [١١٥ ب] ولا أحدٌ أغير من الله، يعني: أنَّه سبحانه لم يجعل الكفَّار أهلًا لمعرفته. وهاهنا نوع من غيرة الربِّ تعالى لطيفٌ، لا تهتدي إليه العقول، وهو: أنَّ العبد يُفْتَحُ له بابٌ من الصَّفاء والأُنس، والوجود، فيساكنُه، ويطمئنُّ إليه، وتلتذُّ به نفسه، ويشتغل به عن المقصود، فيغار عليه مولاه الحقُّ، فيخليه منه، ويرُدُّه حينئذٍ إليه بالفقر، والذِّلَّة، والمسكنة، ويُشهده غاية فقره، وإعدامه، وأنَّه ليس معه من نفسه شيء ألبَتَّة، فتعود عزَّةُ ذلك

стр. 453

الأنس والصفاء والوجود ذلةً، ومسكنةً، وفقرًا، وفاقةً، وذرَّةٌ من هذا أحبُّ إليه سبحانه، وأنفع للعبد من الجبال الرواسي من ذلك الصفاء، والأنس المجرّد عن شهود اليقين، وعن شهود الفقر، والذلَّة، والمسكنة. وهذا بابٌ لا يتسع له قلبُ كلِّ واحد. فصل ومن الغيرة: الغيرة على دقيق العلم، وما لا يُدركه فهم السامع أن يُذكر له، ولهذه الغيرة قال عليُّ بن أبي طالب: حدِّثُوا الناس بما يعرفون، أتحبُّون أن يُكذَّب الله ورسولُه؟ وقال ابن مسعود: ما أنت بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغُه عقولُهم إلَّا كان لبعضهم فتنةً. فالعالمُ يغارُ على علمه أن يَبْذُلَه لغير أهله، أو يضعه في غير محلّه، كما قال عيسى ابن مريم: يا بني إسرائيل لا تمنعوا الحكمة أهلها؛ فتظلموهم، ولا تبذلُوها لغير أهلها؛ فتظلمُوها. وسئل ابن عباس ﵄ عن تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق/ ١٢] فقال للسائل: وما يُؤمِّنُك أنِّي إن أخبرتك بتفسيرها؛ كفرت؟ فإنك تكذِّب بها، وتكذيبُك بها كفرُك بها. فالمسألة الدَّقيقة اللطيفة التي تُبْذَلُ لغير أهلها، كالمرأة الحسناء

стр. 454

التي تُهْدَى إلى ضريرٍ مُقْعَد، كما قيل (١): خَوْدٌ تُزَفّ إلى ضَريرٍ مُقْعَدِ وكان أبو عليٍّ إذا وقع في خلال مجلسه شيء يشوش الوقت يقول: هذا من غيرة الحق، يُريد ألَّا يجري ما يجري من صفاء [١١٦ أ] الوقت. قال الشاعر (٢): همَّت بإتياننا حتَّى إذا نظرتْ ... إلى المراةِ نَهاها وجهُها الحسنُ ما كانَ هذا جَزائي منْ محاسِنها ... عُذِّبتُ بالهَجْرِ حتى شفَّني الحزَنُ قال القُشيْرِيُّ (٣): وقيل لبعضهم: أتحبُّ أن تراه؟ قال: لا! قيل: ولِمَ؟ قال: أُنَزِّهُ ذلك الجمال عن نظر مثلي. وفي معناه أَنشدوا: إنِّي لأحسُدُ ناظريَّ عليكا ... حتى أغُضَّ إذا نظرتُ إليكا وأراك تخطرُ في شمائلك التي ... هي قبلتي فأغارُ منك عليكا قلتُ: وهذه غيرةٌ فاسدةٌ، وغايةُ صاحبها أن يُعْفَى عنه، وأن يعدَّ ذلك

стр. 455

في شطحاته المذمومة، وأمَّا أن تُعدَّ في مناقبه، وفضائله أن يُقال له: أتحبُّ أن ترى الله؟ فيقول: لا، ورؤيتُه أعلى نعيم أهل الجنَّة، وهو سبحانه يحبُّ من عبده أن يسأله النَّظر إليه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه كان من دعائه: «اللَّهُمَّ إني أسألُك لذَّةَ النَّظَرِ إلى وجْهِكَ، والشَّوقَ إلى لِقَائك» (١). وقول هذا القائل: أُنزِّه ذلك الجمال عن نظر مثلي، من خدع الشيطان والنَّفس، وهو يُشبه ما يُحكى عن بعضهم: أنَّه قيل له: ألا تذكره؟ فقال: أنزهه أن يجري ذكره على لساني، وطردُ هذا التنزيه الفاسد أن ينزهه أن يجري كلامه على لسانه، أو يخطُر هو أيضًا على قلبه، وقد وقع بعضهم في شيءٍ من هذا، فلاموه، فأنشد يقول (٢): يقولون زُرْنا واقضِ واجبَ حقِّنا ... وقد أسقطتْ حالي حقوقَهمُ عنِّي إذا هم رأَوْا حالي ولم يأْنَفُوا لها ... ولم يأْنَفُوا منِّي أَنِفْتُ لهم منِّي وطردُ هذه الغيرة ألَّا يزور بيته؛ غيرةً على بيته أن يزورهُ مثلُه. ولقد لُمْتُ شخْصًا مرَّةً على ترك الصلاة، فقال لي: إنِّي لا أرى نفسي أهلًا أن أدخل بيته. فانظر إلى تلاعب [١١٦ ب] الشَّيطان بهؤلاء! ومن هذا ما ذكره القُشيريُّ (٣)، قال: سُئل الشبليُّ متى تستريح؟ فقال:

стр. 456

إذا لم أرَ له ذاكرًا. ومات ابنٌ له، فقطَّعتْ أُمُّه شعرها، فدخل هو الحمام، ونوَّر لحيته حتى ذهب شعرها، فقيل له: لم فعلت هذا؟ فقال: إنَّهم يُعزُّونني على الغفلة، ويقولون: آجرك الله، ففديتُ ذكرهم لله تعالى على الغفلة بلحيتي، وموافقةً لأهلي. ونظير هذا ما يُحكى عن النوري أنه سمع رجلًا يؤذِّن، فقال: طعنةٌ، وسمُّ الموت. وسمع كلبًا ينبح، فقال: لبَّيك، وسعديْك! فسُئل عن ذلك فقال: أمَّا ذاك فكان يذكره على رأْس الغفلة، وأمَّا الكلب فقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء/ ٤٤]. وسمع الشبلي مرةً رجلًا يقول: جلَّ الله! فقال: أحبُّ أن تُجِلَّه عن هذا. ويا عجبًا ممَّن يَعُدُّ هذا في مناقب رجلٍ، ويجعله قدوةً، ويزيِّن به كتابه! وهل شيءٌ أشدُّ على قلب المؤمن، وأمرُّ عليه من ألَّا يرى لربِّه ذاكرًا؟ وهل شيءٌ أقرُّ لعينه من أن يرى ذاكرين لله بكل مكان، وعذرُ هذا القائل أنه لا يرى ذاكرًا لله بحقِّ الذِّكر، بل لا يرى ذاكرًا إلَّا والغفلةُ والسهو مستولٍ على قلبه، فيذكر ربَّه بلسان فارغ من القلب وحضوره في الذكر، وذلك ذكرٌ لا يليقُ به، فيغارُ محبُّه أن يُذكر بهذا الذكر، فيحبُّ ألا يسمع أحدًا يذكره هذا الذِّكر. ولمَّا اشترك الناس في هذا الذِّكر أخبر أنَّ راحته ألَّا يرى له ذاكرًا، هذا أحسنُ ما يُحمل عليه كلامه، وإلا

стр. 457

فظاهره إلى العداوة أقربُ منه إلى المحبة، وليس هذا حال الشبلي، فإن المحبة كانت تغلب عليه، ومع ذلك فهذا من شطحاته التي يُرجى أن تُغْفر له بصدقه، ومحبته، وتوحيده، لا أنها مما يُحْمَدُ عليه ويُقتدى به فيه. وقد أمر الله سبحانه عباده أن يذكروه على جميع أحوالهم، وإن كان ذكرهم [١١٧ أ] إيَّاه مراتب، فأعلاها ذكرُ القلب، واللسان مع شهود القلب للمذكور، وجمعيتُه بكليته عليه بأحب الأذكار إليه، ثُمَّ دونه ذكر القلب واللسان، وإن لم يشاهد المذكور، ثم ذكر القلب وحده، ثم ذكر اللسان وحده، فهذه مراتب الذكر، وبعضُها أحبُّ إلى الله من بعض. وكان طردُ قول الشبليِّ أنَّ راحته ألَّا يرى لله مصليًا، ولا لكلامه تاليًا، ولا يرى أحدًا ينطقُ بالشهادتين، فإن هذا كله من ذكره، بل هو أجل أنواع ذكره، فكيف يستريحُ قلبُ المحب؛ إذا لم ير من يفعل ذلك؟! والله سبحانه يحبُّ أن يُذكر، ولو كان من كافر. وقال بعضُ السلف: إن الله يُحب أن يُذكر على جميع الأحوال إلا في حالة الجماع، وقضاء الحاجة. وأوحى الله ــ ــ إلى موسى أن اذكرني على جميع أحوالك. والله تعالى لا يُضيع أجر ذكر اللسان المجرَّد، بل يثيب الذاكر، وإن كان قلبه غافلًا، ولكن ثوابٌ دون ثواب.

стр. 458

قال القشيريُّ (١): وسمعتُ الأستاذ أبا علي يقولُ في قول النبي ﷺ في مبايعته فرسًا من أعرابي، وأنه استقاله، فأقاله، فقال له الأعرابيُّ: عمرك الله؛ فمن أنت؟ فقال له النبي ﷺ : «امْرُؤٌ من قُريش». فقال له بعضُ الحاضرين: كفاك جفاءً ألَّا تعرف نبيَّك! قال أبو علي: فإنما قال: امرؤٌ من قريش غيرةً، وإلا كان واجبًا عليه التعرُّف إلى كل أحدٍ أنه من هو، ثُمَّ إن الله أجرى على لسان ذلك الصحابي تعريف الأعرابي. فيقال: من العجب أن يقال: إن النبي ﷺ غار أن يذكر: أنه رسول الله ﷺ للأعرابيِّ الذي لا يعرفه، وهو كان دائمًا يذكرُ ذلك لأعدائه من الكفَّار سرًّا وجهرًا، ليلًا ونهارًا، ولا يغارُ من ذلك، فكيف يُظنُّ به: أنه غار أن يعرّف ذلك المسكين: أنه رسول الله؟ هذا من خيالات القوم، وتُرَّهاتِهِم، وإنما سترَ عنه ذلك الوقت معرفته لحكمةٍ لطيفةٍ، فهمها الصَّحابيُّ، وصرَّح بها للأعرابي، وهي: أن هذا الأعرابي كان جافيًا [١١٧ ب] جلفًا، فأحبَّ النبي ﷺ أن يعرفه جفاءه وجلافته بطريق لا يُبكته بها، ويعرف من نفسه أنه أهلٌ لذلك، فكأنه يقول بلسان الحال: كفاك جفاءً أن تجهلني حتى تسألني: من أنا، فلما فهم الصحابي ذلك بلطف إدراكه، ودقَّة فهمه فبادأه به، وقال: كفاك جفاءً ألَّا تعرف نبيَّك! ثم ذكر القُشيريُّ من كلام الشِّبلي أنه قال: غيْرة الإلهية على الأنفاس أن تضيع فيما سوى الله، وهذا كلامٌ حسن.

стр. 459

قال القُشيريُّ (١): والواجب أن يقال: الغيرةُ غيرتان: غيرة الحق على العبد. وهو أن لا يجعله للخلق، فيضن به عليهم، وغيرة العبد للحق، وهو ألَّا يجعل شيئًا من أحواله وأنفاسه لغير الحقِّ سبحانه، فلا يُقال: أنا أغارُ على الله، ولكن يُقال: أنا أغارُ لله، قال: فإذًا الغيرة على الله جهلٌ، وربما يُؤدِّي إلى ترك الدِّين. والغيرة لله تُوجب تعظيم حقوقه، وتصفية الأعمال له، فمن سنَّة الحقِّ مع أوليائه: أنَّهم إذا ساكنوا غيرًا، أو لاحظوا شيئًا، أو صالحوا بقلوبهم شيئًا يُشوش عليهم ذلك، فيغار على قلوبهم بأن يعيدها خالصة لنفسه فارغةً، كآدم لما وطَّن نفسه على الخلود في الجنَّة؛ أخرجه منها، وإبراهيم الخليل لما أعجبه إسماعيل أمرهُ بذبحه، حتى أخرجه من قلبه ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات/ ١٠٣] وصفَّى سرَّه منه، أمره بالفداء عنه. وقال بعضُهم: احذره، فإنه غيور، لا يحب أن يرى في قلب عبده سواه. وقيل: الحقُّ تعالى غيور، ومن غيْرته: أنه لم يجعل إليه طريقًا سواه. وقال السَّريُّ لرجل عارفٍ: بي علَّةٌ باطنةٌ؛ فما دواؤُها؟ قال: يا

стр. 460

سَرِيُّ! إنه غيورٌ، لا يراك تُساكنُ غيره، فتسقط من عينه. فهذه غيرةٌ صحيحة. فصل وهاهنا أقسامٌ أُخرُ من الغيرة مذمومة، منها: غيرةٌ يحمل عليها سوءُ الظَّنِّ، فيؤذي بها المُحبُّ محبوبه، ويُغْري قلبه عليه بالغضب، وهذه الغيرةُ يكرهُها الله؛ إذا كانت في غير ريبةٍ. ومنها: غيرةٌ تحمله على عقوبة المحبوب بأكثر مما يستحقُّه [١١٨ أ]، كما ذُكر عن جماعة أنهم قتلوا محبوبيهم. وكان ديكُ الجن الشاعر (١) له غلام وجاريةٌ في غاية الجمال، يهواهما جميعًا، فدخل المنزل يومًا، فوجد الجارية معانقةً للغلام تقبِّله، فشدَّ عليهما، فقتلهما، ثم جلس عند رأس الجارية، فبكاها طويلًا، ثمَّ قال (٢): يا طلعةً طلع الحِمامُ عليها ... وجنى لها ثمر الرَّدى بيديها روَّيْتُ من دمها الثَّرى ولطالما ... روَّى الهوى شفتيَّ منْ شفتَيْها
следующие страницы →