← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 417

روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (676 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

إذا لم أرَ له ذاكرًا. ومات ابنٌ له، فقطَّعتْ أُمُّه شعرها، فدخل هو الحمام، ونوَّر لحيته حتى ذهب شعرها، فقيل له: لم فعلت هذا؟ فقال: إنَّهم يُعزُّونني على الغفلة، ويقولون: آجرك الله، ففديتُ ذكرهم لله تعالى على الغفلة بلحيتي، وموافقةً لأهلي. ونظير هذا ما يُحكى عن النوري أنه سمع رجلًا يؤذِّن، فقال: طعنةٌ، وسمُّ الموت. وسمع كلبًا ينبح، فقال: لبَّيك، وسعديْك! فسُئل عن ذلك فقال: أمَّا ذاك فكان يذكره على رأْس الغفلة، وأمَّا الكلب فقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء/ ٤٤]. وسمع الشبلي مرةً رجلًا يقول: جلَّ الله! فقال: أحبُّ أن تُجِلَّه عن هذا. ويا عجبًا ممَّن يَعُدُّ هذا في مناقب رجلٍ، ويجعله قدوةً، ويزيِّن به كتابه! وهل شيءٌ أشدُّ على قلب المؤمن، وأمرُّ عليه من ألَّا يرى لربِّه ذاكرًا؟ وهل شيءٌ أقرُّ لعينه من أن يرى ذاكرين لله بكل مكان، وعذرُ هذا القائل أنه لا يرى ذاكرًا لله بحقِّ الذِّكر، بل لا يرى ذاكرًا إلَّا والغفلةُ والسهو مستولٍ على قلبه، فيذكر ربَّه بلسان فارغ من القلب وحضوره في الذكر، وذلك ذكرٌ لا يليقُ به، فيغارُ محبُّه أن يُذكر بهذا الذكر، فيحبُّ ألا يسمع أحدًا يذكره هذا الذِّكر. ولمَّا اشترك الناس في هذا الذِّكر أخبر أنَّ راحته ألَّا يرى له ذاكرًا، هذا أحسنُ ما يُحمل عليه كلامه، وإلا

стр. 457

فظاهره إلى العداوة أقربُ منه إلى المحبة، وليس هذا حال الشبلي، فإن المحبة كانت تغلب عليه، ومع ذلك فهذا من شطحاته التي يُرجى أن تُغْفر له بصدقه، ومحبته، وتوحيده، لا أنها مما يُحْمَدُ عليه ويُقتدى به فيه. وقد أمر الله سبحانه عباده أن يذكروه على جميع أحوالهم، وإن كان ذكرهم [١١٧ أ] إيَّاه مراتب، فأعلاها ذكرُ القلب، واللسان مع شهود القلب للمذكور، وجمعيتُه بكليته عليه بأحب الأذكار إليه، ثُمَّ دونه ذكر القلب واللسان، وإن لم يشاهد المذكور، ثم ذكر القلب وحده، ثم ذكر اللسان وحده، فهذه مراتب الذكر، وبعضُها أحبُّ إلى الله من بعض. وكان طردُ قول الشبليِّ أنَّ راحته ألَّا يرى لله مصليًا، ولا لكلامه تاليًا، ولا يرى أحدًا ينطقُ بالشهادتين، فإن هذا كله من ذكره، بل هو أجل أنواع ذكره، فكيف يستريحُ قلبُ المحب؛ إذا لم ير من يفعل ذلك؟! والله سبحانه يحبُّ أن يُذكر، ولو كان من كافر. وقال بعضُ السلف: إن الله يُحب أن يُذكر على جميع الأحوال إلا في حالة الجماع، وقضاء الحاجة. وأوحى الله ــ ــ إلى موسى أن اذكرني على جميع أحوالك. والله تعالى لا يُضيع أجر ذكر اللسان المجرَّد، بل يثيب الذاكر، وإن كان قلبه غافلًا، ولكن ثوابٌ دون ثواب.

стр. 458

قال القشيريُّ (١): وسمعتُ الأستاذ أبا علي يقولُ في قول النبي ﷺ في مبايعته فرسًا من أعرابي، وأنه استقاله، فأقاله، فقال له الأعرابيُّ: عمرك الله؛ فمن أنت؟ فقال له النبي ﷺ : «امْرُؤٌ من قُريش». فقال له بعضُ الحاضرين: كفاك جفاءً ألَّا تعرف نبيَّك! قال أبو علي: فإنما قال: امرؤٌ من قريش غيرةً، وإلا كان واجبًا عليه التعرُّف إلى كل أحدٍ أنه من هو، ثُمَّ إن الله أجرى على لسان ذلك الصحابي تعريف الأعرابي. فيقال: من العجب أن يقال: إن النبي ﷺ غار أن يذكر: أنه رسول الله ﷺ للأعرابيِّ الذي لا يعرفه، وهو كان دائمًا يذكرُ ذلك لأعدائه من الكفَّار سرًّا وجهرًا، ليلًا ونهارًا، ولا يغارُ من ذلك، فكيف يُظنُّ به: أنه غار أن يعرّف ذلك المسكين: أنه رسول الله؟ هذا من خيالات القوم، وتُرَّهاتِهِم، وإنما سترَ عنه ذلك الوقت معرفته لحكمةٍ لطيفةٍ، فهمها الصَّحابيُّ، وصرَّح بها للأعرابي، وهي: أن هذا الأعرابي كان جافيًا [١١٧ ب] جلفًا، فأحبَّ النبي ﷺ أن يعرفه جفاءه وجلافته بطريق لا يُبكته بها، ويعرف من نفسه أنه أهلٌ لذلك، فكأنه يقول بلسان الحال: كفاك جفاءً أن تجهلني حتى تسألني: من أنا، فلما فهم الصحابي ذلك بلطف إدراكه، ودقَّة فهمه فبادأه به، وقال: كفاك جفاءً ألَّا تعرف نبيَّك! ثم ذكر القُشيريُّ من كلام الشِّبلي أنه قال: غيْرة الإلهية على الأنفاس أن تضيع فيما سوى الله، وهذا كلامٌ حسن.

стр. 459

قال القُشيريُّ (١): والواجب أن يقال: الغيرةُ غيرتان: غيرة الحق على العبد. وهو أن لا يجعله للخلق، فيضن به عليهم، وغيرة العبد للحق، وهو ألَّا يجعل شيئًا من أحواله وأنفاسه لغير الحقِّ سبحانه، فلا يُقال: أنا أغارُ على الله، ولكن يُقال: أنا أغارُ لله، قال: فإذًا الغيرة على الله جهلٌ، وربما يُؤدِّي إلى ترك الدِّين. والغيرة لله تُوجب تعظيم حقوقه، وتصفية الأعمال له، فمن سنَّة الحقِّ مع أوليائه: أنَّهم إذا ساكنوا غيرًا، أو لاحظوا شيئًا، أو صالحوا بقلوبهم شيئًا يُشوش عليهم ذلك، فيغار على قلوبهم بأن يعيدها خالصة لنفسه فارغةً، كآدم لما وطَّن نفسه على الخلود في الجنَّة؛ أخرجه منها، وإبراهيم الخليل لما أعجبه إسماعيل أمرهُ بذبحه، حتى أخرجه من قلبه ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات/ ١٠٣] وصفَّى سرَّه منه، أمره بالفداء عنه. وقال بعضُهم: احذره، فإنه غيور، لا يحب أن يرى في قلب عبده سواه. وقيل: الحقُّ تعالى غيور، ومن غيْرته: أنه لم يجعل إليه طريقًا سواه. وقال السَّريُّ لرجل عارفٍ: بي علَّةٌ باطنةٌ؛ فما دواؤُها؟ قال: يا

стр. 460

سَرِيُّ! إنه غيورٌ، لا يراك تُساكنُ غيره، فتسقط من عينه. فهذه غيرةٌ صحيحة. فصل وهاهنا أقسامٌ أُخرُ من الغيرة مذمومة، منها: غيرةٌ يحمل عليها سوءُ الظَّنِّ، فيؤذي بها المُحبُّ محبوبه، ويُغْري قلبه عليه بالغضب، وهذه الغيرةُ يكرهُها الله؛ إذا كانت في غير ريبةٍ. ومنها: غيرةٌ تحمله على عقوبة المحبوب بأكثر مما يستحقُّه [١١٨ أ]، كما ذُكر عن جماعة أنهم قتلوا محبوبيهم. وكان ديكُ الجن الشاعر (١) له غلام وجاريةٌ في غاية الجمال، يهواهما جميعًا، فدخل المنزل يومًا، فوجد الجارية معانقةً للغلام تقبِّله، فشدَّ عليهما، فقتلهما، ثم جلس عند رأس الجارية، فبكاها طويلًا، ثمَّ قال (٢): يا طلعةً طلع الحِمامُ عليها ... وجنى لها ثمر الرَّدى بيديها روَّيْتُ من دمها الثَّرى ولطالما ... روَّى الهوى شفتيَّ منْ شفتَيْها

стр. 461

فوَحَقِّ عينيها فما سكن الثَّرى ... شيءٌ أعزُّ عليَّ من عينيها وأجلتُ سيفي في مجال خناقها ... ومدامعي تجري على خدَّيها ما كان قتْلِيها لأنِّي لمْ أكنْ ... أبكي إذا سقط الغُبَارُ عليها لكن بخلتُ على سِواي بِحُسْنِها ... وأنِفْتُ من نظر الغُلام إليها ثم جلس عند رأس الغلام، فبكى، وأنشأ يقول (١): أشفقتُ أن يَرِد الزمانُ بغدرِه ... أو أُبْتَلى بعد الوفاءِ بهجرِهِ قمرٌ أنا استخرجتُه من دَجْنةٍ ... بمودَّتي وجنيتُه من خِدْرِهِ فقتلته وله عليَّ كرامةٌ ... مِلْءَ الحشا وله الفؤادُ بأسره عهدي به ميْتًا كأحْسَنِ نائمٍ ... والدَّمعُ ينحر مُقلتي في نحره لو كان يدري المَيْتُ ماذا بعْدَهُ ... بالحيِّ منه بكى له في قبرِهِ غصصٌ تكاد تفيض منها نفسُه ... ويكاد يخرج قلبُه منْ صدره فصل وقد يغار المحبُّ على محبوبه من نفسه، وهذا من أعجب الغيرة، وله أسباب: منها: خشيةُ أن يكون مفتاحًا لغيره، كما ذُكر (٢) أنَّ الحسن بن هانئ

стр. 462

وعليَّ بن عبد الله الجعفريَّ اجتمعا، فتناشدا، فأنشد الحسنُ: [١١٨ ب] ولما بدا لي أنَّها لا تَوَدُّني ... وأنَّ هواها ليس عني بمنجلي تمنَّيتُ أنْ تُبلى بغيري لعلها ... تذوقُ حراراتِ الهوى فترقَّ لي فأنشده عليٌّ (١): ربما سرَّني صُدودُك عنِّي ... وطلابيك وامتناعك مني حذرًا أن أكون مفتاح غيري ... فإذا ما خلوت كنتَ التمني وكان بعضهم يمتنع من وصف محبوبه، وذكر محاسنه؛ خشية تعريضه لحب غيره له، كما قال عليُّ بن عيسى الرافقي (٢): ولست بواصف أبدًا خليلي ... أُعرِّضُه لأهواء الرِّجال وما بالي أشوِّقُ قلبَ غيري ... ودونَ وصاله سترُ الحِجال وكثيرٌ من الجهال وصف امرأته ومحاسنها لغيره، فكان ذلك سبب فراقها له، واتِّصالها به.

стр. 463

فصل ومنها: أن يحمله فرطُ الغيرة على أن يُنزِّل نفسه منزلة الأجنبي، فيغار على المحبوب من نفسه، ولا يُنكرُ هذا، فإن في المحبة عجائب، وقد قال أبو تمام الطَّائي (١): بنفسي من أغارُ عليه منِّي ... وأحسدُ أهله نظري إليه ولو أني قدرتُ طمست عنه ... عيون النَّاس من حذري عليه حبيبٌ بثَّ في جسمي هواه ... وأمسك مُهجتي رَهْنًا لديه فرُوحي عنده والجسمُ خالٍ ... بلا رُوحٍ وقلبي في يديه وقال آخر (٢): يا منْ إذا ذُكر اسمُه في مجلس ... لذَّ الحديثُ به وطاب المجلس إنِّي لمن نظري أغارُ وإنَّني ... بك عن سواي من الأنام لأنفسُ نفسي فداؤُك لو رأيت تلدُّدي ... خضل المدامع مُطرقًا أتنفَّسُ لعلمت أنِّي في هواك مُعذَّبٌ ... ومن الحياة وروحها مستيئسُ [١١٩ أ]

стр. 464

وقال عليُّ بنُ نصر (١): أفاتكُ أنت فاتكةٌ بقلبي ... وحُسنُ الوجه يَفْتِكُ بالقلوبِ أصونُك عن جميع النَّاس يا من ... بُليتُ بها فأضحتْ منْ نصيبي وعن نفسي أصونُك ليت نفسي ... تقيك من الحوادث والخُطوب وما حقُّ الحِسانِ عليَّ إلَّا ... صيانتهُنَّ من دنس الذُّنوب فصل ومنها: شدةُ الموافقة للحبيب ، والحبيبُ يكره أن تنسب محبته إليه، وأن يذكر ذلك، فهو لموافقته لمحبوبه يغارُ عليه من نفسه، كما يسرُّه هجرُ محبوبه إذا علم أنَّ فيه مراده، قال الشاعر (٢): سُرِرتُ بهجرك لمَّا علمـ ... ـتُ أنَّ لقلبك فيه سُرورا ولولا سرورُك ما سرَّني ... ولا كنتُ يومًا عليه صبُورا فصل وملاك الغيرة وأعلاها ثلاثةُ أنواع: غيرةُ العبد لربِّه أن تُنْتهك محارمُهُ، وتُضيَّع حدودُه، وغيرتُه على قلبه أن يسكن إلى غيره، وأن

стр. 465

يأْنس بسواه، وغيرتُه على حُرْمتِه أن يتطلَّع إليها غيره. فالغيرةُ التي يحبُّها الله ورسولُه دارت على هذه الأنواع الثلاثة، وما عداها فإما من خُدَع الشيطان، وإما بلوى من الله، كغيرة المرأة على زوجها أن يتزوَّج عليها. فإن قيل: فمن أيِّ الأنواع تعُدُّون غيرة فاطمة ابنة رسول الله ﷺ على عليّ بن أبي طالب لمَّا عزم على نكاح ابنة أبي جهل، وغيرة رسول الله ﷺ لها؟ قيل: من الغيرة التي يحبُّها الله ورسوله، وقد أشار إليها النبيُّ ﷺ بأنها بضعةٌ منه، وأنه يؤذيه ما آذاها، ويُريبه ما أرابها، ولم يكن يَحْسُنُ ذلك الاجتماع ألبتَّة، فإن بنت رسول الله ﷺ [١١٩ ب] لا يحسن أن تجتمع مع بنت عدوّه عند رجل، فإن هذا في غاية المنافرة، مع أن ذكر النبي ﷺ صهْرَه الذي حدَّثه، فصدَّقه، ووعده فوفى له دليلٌ على أنَّ عليًّا كان كالمشروط عليه في العقد إمَّا لفظًا، وإما عُرْفًا وحالًا ألَّا يُريب فاطمة، ولا يُؤذيها، بل يُمْسكها بالمعروف، وليس من المعروف أن يضُمَّ إليها ابنة عدوِّ الله ورسوله، ويغيظها بها، ولهذا قال النبي ﷺ : «إلَاّ أنْ يُريد ابْنُ أبي طالبٍ أنْ يُطلِّق ابْنتي، ويتزوَّجَ ابْنة أبي جهلٍ» (١). والشَّرطُ العُرْفيُّ الحاليُّ كالشرط اللفظيِّ عند كثير من الفقهاء،

стр. 466

كفقهاء المدينة، وأحمد، وأصحابه. على أن رسول الله ﷺ خاف عليها الفتنة في دينها باجتماعها وبنت عدوِّ الله عنده، فلم تكن غيرتُه ﷺ لمجرد كراهة الطَّبع للمشاركة، بل الحاملُ عليها حُرْمةُ الدِّين، وقد أشارَ إلى هذا بقوله: «إنِّي أخافُ أنْ تفتتن في دينها» (١). والله أعلم.

стр. 467

الباب الثالث والعشرون في عفاف المُحبِّين مع أحبابهم قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون/١ ــ ٧] ولما نزلت هذه الآيات على النبي ﷺ قال: «قد أُنْزِلتْ عليَّ عشرُ آياتٍ من أقامَهُنَّ دخل الجنة» (١). ثم قرأَ هذه الآيات. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المعارج/٢٩ ــ ٣١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ [١٢٠ أ] خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ الآية [النور/٣٠ ــ ٣١]. وقال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

стр. 468

[النور/٣٣] وقال تعالى: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور/٦٠] وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم/١٢]. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور/٣٢]، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور/٣٣] فأمرهم بالاستعفاف إلى وقت الغنى، وأمرهم بتزويج أولئك مع الفقر، وأخبر أنه تعالى يُغنيهم، فما محمل كل من الآيتين؟ فالجواب: أن قوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ في حق الأحرار، أمرهم الله تعالى أن يستعفُّوا حتى يغنيهم، فإنهم إن تزوَّجوا مع الفقر؛ التزموا حقوقًا لم يقدروا عليها، وليس لهم من يقوم بها غيرهم. وأما قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور/٣٢] فإنه سبحانه أمرهم فيها أن ينكحوا الأيامى وهنَّ النساء اللاتي لا أزواج لهنَّ. هذا هو المشهور من لفظ الأيِّم عند الإطلاق؛ وإن استُعْمِل في حقِّ الرَّجل بالتقييد، كما أنَّ العزب عند الإطلاق للرجل وإن استعمل في حق المرأة، ثم أمرهم سبحانه بأن يزوِّجوا عبيدهم، وإماءهم، إذا صلُحوا للنكاح، فالآية الأولى في حكم تزويجهم لأنفسهم، والثانية في حكم تزويجهم لغيرهم. وقوله في هذا القسم: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ﴾

стр. 469

[النور/٣٢] يعُمُّ الأنواع التي ذُكرت فيه، فإن الأيِّم تستغني بنفقة زوجها، وكذلك الأمة، وأما العبد؛ فإنَّه لما كان لا مال له، وكان مالُه لسيِّده؛ فهو فقيرٌ ما دام رقيقًا، فلا يمكن أن يجعل لنكاحه غايةٌ، وهي غناه ما دام عبدًا بل غناه إنما يكون إذا عتق، واستغنى بعد العتق، [١٢٠ ب] والحاجة تدعوه إلى النكاح في الرق، فأمر سبحانه بإنكاحه، وأخبر أنه يغنيه من فضله، إما بكسبه، وإما بإنفاق سيّده عليه وعلى امرأته، فلم يمكن أن ينتظر بنكاحه الغنى الذي ينتظر بنكاح الحرِّ، والله أعلم. وفي المسند وغيره (١) مرفوعًا: «ثلاثة حقٌّ على الله عونُهمْ: المُتزَوِّجُ يُريدُ العفاف، والمُكاتبُ يُريدُ الأداء ... » وذكر الثالث. فصل وقد ذكر الله سبحانه عن يوسف الصديق ﷺ من العفاف أعظم ما يكون، فإن الداعي الذي اجتمع في حقه لم يجتمع في حق غيره، فإنه ﷺ كان شابًّا، والشباب مركب الشهوة. وكان عزبًا، ليس عنده ما يعوِّضه، وكان غريبًا عن أهله ووطنه، والمقيمُ بين أهله وأصحابه يستحيي منهم أن يعلموا به، فيسقط من عيونهم، فإذا تغرَّب زال هذا المانع. وكان في صورة المملوك، والعبدُ لا يأنفُ مما يأنفُ منه الحرُّ.

стр. 470

وكانت المرأة ذات منصبٍ وجمالٍ، والداعي مع ذلك أقوى من داعي من ليست كذلك، وكانت هي المطالبة، فتزول بذلك كُلْفةُ تعرُّض الرَّجل، وطلبه، وخوفه من عدم الإجابة، وزادت مع الطلب الرغبةُ التامَّةُ والمراودةُ التي يزولُ معها ظنُّ الامتحان والاختبار؛ ليعلم عفافه من فجوره، وكانت في محل سُلطانها وبيتها، بحيث تعرف بحال وقت الإمكان ومكانه الذي لا تنالُه العيونُ، وزادت مع ذلك تغليق الأبواب؛ لتأمن هجوم الدَّاخل على بغتةٍ، وأتته بالرَّغبة، والرَّهبة، ومع هذا كلِّه فعفَّ لله، ولم يُطِعْها، وقدَّم حقَّ الله، وحقَّ سيدها على ذلك كلِّه، وهذا أمر لو ابْتُليَ به سواه؛ لم يُعْلَم كيف كانت تكون حالُه. فإنْ قيل: فقد همَّ بها. قيل عنه جوابان: أحدهما: أنه لم يَهُمَّ بها، بل لولا أن رأى برهان ربِّه لهَمَّ. هذا قولُ بعضهم في تقدير الآية. والثاني ــ وهو [١٢١ أ] الصواب ــ: أن همَّه كان همَّ خطرات، فتركه لله، فأثابه الله عليه، وهمُّها كان همَّ إصرارٍ بذلت معه جُهْدَها، فلم تصلْ إليه، فلم يستوِ الهَمَّان. قال الإمامُ أحمد: الهمُّ همَّان: همُّ خطراتٍ، وهمُّ إصرارٍ، فهمُّ الخطرات لا يُؤاخذ به، وهمُّ الإصرار يُؤاخذ به. فإن قيل: فكيف قال وقت ظهور براءته: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣].

стр. 471

قيل: هذا قد قاله جماعةٌ من المفسرين، وخالفهم في ذلك آخرون أجلُّ منهم، وقالوا: إنَّ هذا من قول امرأة العزيز، لا من قول يوسف ﵇. والصواب معهم؛ لوجوه: أحدها: أنه متصل بكلام المرأة، وهو قولها: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف/٥١ ــ ٥٣] ومن جعله من كلامه؛ فإنه يحتاج إلى إضمار قول لا دليل في اللفظ عليه بوجهٍ، والقول في مثل هذا لا يحذف لئلا يوقع في اللَّبْس، فإن غايته أن يحتمل الأمرين، فالكلام الأوَّلُ أولى به قطعًا. الثاني: أنَّ يوسف لم يكن حاضرًا وقت مقالتها هذه، بل كان في السِّجن لمَّا تكلمت بقولها: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف/٥١] والسياق صريحٌ في ذلك، فإنه لما أرسل الملك إليه يدعوه؛ قال للرسول: ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف/٥٠] فأرسل إليهنَّ الملك، وأحضرهنَّ، وسألهنَّ، وفيهنَّ امرأتُه، فشهدنَ ببراءته، ونزاهته في غيبته، ولم يُمكِنْهنَّ إلَاّ قولُ الحق، فقال النسوة: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف/٥١]. وقالت المرأة: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف/٥١].

стр. 472

فإن قيل: لكن قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف/٥٢] الأحسنُ أن يكون من كلام يوسف، أي: إنما كان تأخري عن الحضور مع رسوله؛ [١٢١ ب] ليعلم الملكُ: أنِّي لم أَخنه في امرأته في حال غيبته، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين، ثم إنه ﷺ قال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف/٥٣]. وهذا من تمام معرفته ﷺ بربه، ونفسه، فإنه لما أظهر براءته ونزاهته مما قُذِف به؛ أخبر عن حال نفسه، وأنه لا يزكيها، ولا يبرئها، فإنها أمارةٌ بالسوء، لكن رحمةُ ربه، وفضله هو الذي عصمه، فردَّ الأمر إلى الله بعد أن أظهر براءته. قيل: هذا وإن كان قد قاله طائفةٌ؛ فالصوابُ: أنه من تمام كلامها، فإن الضمائر كلها في نسق واحد تدلُّ عليه، وهي قول النسوة: ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف/٥١] وقول امرأة العزيز: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف/٥١]. فهذه خمسةُ ضمائر بين بارزٍ ومستتر، ثم اتَّصل بها قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف/٥٢] فهذا هو المذكور أوَّلًا بعينه، فلأيّ شيء يفصل الكلام عن نظمه ويُضْمرُ فيه قولٌ لا دليل عليه؟ فإن قيل: فما معنى قولها: ﴿لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف/٥٢]؟ قيل: هذا من تمام الاعتذار، قرنت الاعتذار بالاعتراف، فقالت:

стр. 473

ذلك ــ أي: قولي هذا، وإقراري ببراءته ــ ليعلم أني لم أخنه بالكذب عليه في غيبته، وإن خنتُه في وجهه في أوَّل الأمر، فالآن يعلم أني لم أخُنْهُ في غيبته، ثم اعتذرت عن نفسها بقولها: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف/٥٣]. ثم ذكرت السبب الذي لأجله لم تبرِّئ نفسها، وهي: أن النفس أمارةٌ بالسوءِ. فتأمَّل ما أعجب أمر هذه المرأة! أقرَّت بالحقِّ، واعتذرت عن محبوبها، ثُمَّ اعتذرت عن نفسها، ثُمَّ ذكرت السبب الحامل لها على ما فعلت، ثُمَّ ختمت ذلك بالطمع في مغفرة الله ورحمته، وأنه إن لم يرحم عبده، وإلا فهو عُرضةٌ للشر. فوازن بين هذا وبين تقدير كون هذا الكلام كلام يوسف لفظًا، ومعنى، وتأمَّل ما بين التَّقديرين [١٢٢ أ] من التفاوُت. ولا تستبعد أن تقول المرأةُ هذا وهي على دين الشرك، فإن القوم كانوا يُقرُّون بالرَّبِّ وبحقِّه؛ وإن أشركوا معه غيره، ولا تنس قول سيِّدها لها في أول الحال: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف/٢٩]. فصل وفي الصحيحين (١) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 474

«سبعةٌ يُظلهمُ الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمامٌ عادلٌ، وشابٌّ نشأ في عبادة الله، ورجلٌ قلبه مُعلَّق بالمساجد، ورجلان تحابَّا في الله، اجتمعا على ذلك، وتفرَّقا عليه، ورجلٌ دعتهُ امرأةٌ ذاتُ منصب وجمال، فقال: إني أخافُ الله ربَّ العالمين، ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ، فأخفاها حتَّى لا تعلم شمالُهُ ما تُنْفِقُ يمينُهُ، ورجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه». وفي الصحيح (١): من حديث أبي هريرة وابن عمر عن النبي ﷺ قال: «بينا ثلاثةٌ يمشون؛ إذ أخذتْهُمُ السَّماءُ، فأووا إلى غارٍ في الجبل، فانحطَّتْ عليهم صخرةٌ من الجبل، فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظرُوا أعمالًا صالحة عملتُمُوها، فادْعوا الله بها، فقال بعضُهُم: اللهم إنك تعلم: أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وامرأةٌ وصبيانٌ، وكنتُ أرْعى عليهم، فإذا رُحتْ عليهم حلبْتُ، فبدأتُ بوالديَّ أسقيهما قبل بنيَّ، وأنه نأى بي الشجر، فلم آت حتى أمسيتُ فوجدتهما قد ناما، فحلبتُ كما كنت أحلب فجئت فقمت عند رؤوسهما أكره أن أُوقظهما من نومهما، وأن أبدأ بالصبية قبلهما، والصِّبية يتضاغون عند قدمي، فلم أزل كذلك حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك؛ فافرُج عنا فُرجةً نرى منها السماء! ففرج الله لهم فُرجةً.

стр. 475

وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنةُ عمٍّ فأحببتُها كأشدِّ ما يُحبُّ الرِّجالُ النِّساءَ، فطلبتُ إليها نفسها، فأبتْ حتَّى آتيها بمئة دينار، فسعيتُ حتى جمعتُ [١٢٢ ب] مئة دينار، فجئتُها بها، فلما قعدتُ بين رجليها؛ قالت: يا عبد الله! اتق الله ولا تَفُضَّ الخاتم إلَاّ بحقه، فقُمتُ عنها، وتركتُ المئة دينار، فإن كنت تعلم أنِّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك؛ فافْرُج لنا من هذه الصخرة! ففرج الله لهم فرجةً. فقال الآخر: اللهم إني كنت استأْجرتُ أجيرًا بفرق من أرُزٍّ، فلمَّا قضى عمله؛ قال: أعطِني حقِّي، فأعطيتُهُ، فأبى أن يأْخُذَه، فزرعتُه، ونمَّيتُه حتى اشتريتُ له بقرًا ورِعاءَها، فجاءني بعد حين، فقال: يا هذا! اتق الله، ولا تظلمني، وأعطني حقي! فقلت: اذهب إلى تلك البقر ورعائها، فهو لك، فقال: اتَّقِ الله، ولا تهزأْ بي! فقلتُ: لا أستهزئُ بك، فخُذ ذلك، فأخذها، وذهب، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك؛ فافرجْ عَنَّا ما بقي من الصَّخْرة! ففرج الله عنهم، وخرجوا يمشُون». وقال عبيد الله بن موسى (١): حدَّثنا شَيْبَانُ بن عبد الرحمن، عن الأعمش، عن عبد الله عن سعد مولى طلحة، عن ابن عمر قال: لقد سمعتُ من رسول الله ﷺ حديثًا لو لم أسمعه إلا مرَّةً، أو مرَّتين ــ حتى عدَّ سبع مرات ــ ما حدَّثت به، ولكن سمعتُه أكثر من ذلك، قال: «كان ذو

стр. 476

الكِفْل من بني إسرائيل قلَّما يتورَّعُ من ذنب عمله، فأتتهُ امرأةٌ، فأعطاها ستِّين دينارًا على أن يطأَها، فلمَّا قعد منها مقعد الرَّجُل من امرأته أُرْعِدَتْ، وبكت، فقال: ما يُبْكيك، أكرَهْتُك؟ قالتْ: لا، ولكن هذا عملٌ لم أعملْهُ قطُّ! قال: فتفعلين هذا، ولم تفْعَليه قطُّ؟! قالتْ: حملتْني عليه الحاجةُ، فنزل ثمَّ قال: اذْهبي والدَّنانيرُ لك، ثم قال: والله لا يَعصي ذو الكفل أبدًا، فمات من ليْلَتهِ، فأصبح مكتوبًا على بابه: غفر الله لذي الكفْلِ». وفي مسند أحمد (١) من حديث عُقْبةَ بن عامر الجُهنيِّ قال: قال رسول الله ﷺ : «عجب ربُّك من الشَّابّ ليستْ لهُ صبْوةٌ». وذكر المبرِّد (٢) عن أبي كامل، عن إسحاق بن إبراهيم، [١٢٣ أ] عن رجاء بن عمرو النَّخَعيِّ، قال: كان بالكوفة فتًى جميلُ الوجه، شديدُ التعبُّد والاجتهاد، فنزل في جوار قوم من النَّخع، فنظر إلى جارية منهنَّ جميلةٍ، فهويَها، وهامَ بها عقله، ونزل بالجارية ما نزل به، فأرسل يخطُبها من أبيها، فأخبره أبوها أنها مسمَّاةٌ لابن عمٍّ لها، فلما اشتدَّ عليهما ما يقاسيان منْ ألم الهوى؛ أرسلت إليه الجارية: قد بلغني شدَّةُ محبَّتك لي، وقد اشتدَّ بلائي بك، فإنْ شئت زرتُك، وإن شئت سهّلت

стр. 477

لك أنْ تأتيني إلى منزلي، فقال للرسول: ولا واحدةً منْ هاتين الخُلَّتين، ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام/١٥] أخاف نارًا لا يخبو سعيرُها، ولا يَخْمُدُ لهيبُها. فلمَّا أبلغها الرَّسولُ قوله؛ قالت: وأراه مع هذا يخاف الله؟ والله ما أحدٌ أحقَّ بهذا من أحدٍ، وإنَّ العباد فيه لمشتركون، ثم انخلعت من الدُّنيا، وألقت علائقها خلف ظهرها، وجعلت تتعبَّد، وهي مع ذلك تذوبُ، وتنْحلُ حُبًّا للفتى، وشوقًا إليه حتى ماتت منْ ذلك، فكان الفتى يأتي قبرها، فيبكي عنده، ويدعو لها، فغلبته عينُه ذات يوم على قبرها، فرآها في منامه في أحسن منظرٍ، فقال: كيف أنتِ، وما لقيتِ بعدي؟ فقالت: نعمَ المحبَّةُ يا سُؤْلي محبتُكم ... حبٌّ يقودُ إلى خيرٍ وإحسان فقال: على ذلك إلى ما صرتِ؟ فقالت: إلى نعيمٍ وعَيْشٍ لا زوال له ... في جنَّة الخُلْدِ ملكٌ ليس بالفاني فقال لها: اذكريني هناك، فإني لستُ أنساكِ، فقالت: ولا أنا والله أنساك! ولقد سألتُ مولاي ومولاك أن يجمع بيننا، فأَعِنِّي على ذلك بالاجتهاد، فقال لها: متى أراك؟ قالت: ستأْتينا عنْ قريبٍ، فترانا، فلم يعش الفتى بعد الرؤيا إلا سبع ليالٍ حتى مات. وذكر الزُّبَيرُ بن بكَّار (١): أنَّ عبد الرحمن بن أبي عمَّار نزل بمكة،

стр. 478

وكان من عُبَّاد أهلها، فسُمِّي القَسَّ من عبادته، فمرَّ يومًا بجارية تغنِّي، فوقف، فسمع غناءها [١٢٣ ب]، فرآه مولاها، فأمره أن يدخل عليها فأبى، فقال: فاقعدْ في مكانٍ تسمع غناءها، ولا تراها، ففعل، فأعجبته، فقال له مولاها: هل لك أن أحوِّلها إليك؟ فامتنع بعض الامتناع، ثم أجابه إلى ذلك، فنظر إليها، فأعجبته، فشُغِفَ بها، وشُغِفتْ به، وعلم بذلك أهل مكَّة، فقالت له ذات يومٍ: أنا والله أحبُّك! فقال: وأنا والله أحبُّك! قالت: فإني والله أحبُّ أنْ أضع فمي على فمِك! قال: وأنا والله أحبّ ذلك! قالت: فما يمنعك؟ فإنَّ الموضع خالٍ. قال لها: ويحك! إنِّي سمعت الله يقول: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف/٦٧] فأنا والله أكره أن تكون خلة ما بيني وبينك في الدُّنيا عداوةً في القيامة، ثم نهض وعيناه تذْرِفان بالدُّموع منْ حبِّها. وقال عبد الملك بنُ قُريْبٍ (١): قلت لأعرابي: حدثني عنْ ليلتك مع فلانة. قال: نعم، خلوت بها والقمر يُرينيها، فلما غاب أرتْنيه، قلت: فما كان بينكما؟ قال: أقربُ ما أحلَّ الله مِمَّا حرَّم: الإشارة بغير ما بأس، والدُّنُوُّ بغير إمساس، ولعمري لئن كانت الأيام طالت بعدها لقد كانت قصيرةً معها! وحسبُك بالحبِّ: ما إنْ دعاني الهوى لفاحشةٍ ... إلا نَهاني الحياءُ والكرَمُ

стр. 479

فلا إلى فاحشٍ مدَدْتُ يدي ... ولا مَشَتْ بي لريبةٍ قَدَم (١) وقال آخر (٢): وَصفُوها فلم أزلْ علِمَ الله ... كئيبًا مُسْتولهًا مُسْتَهاما هلْ عليها في نظرةٍ منْ جُناحٍ ... منْ فتًى لا يزورُ إلاّ لِماما حالَ فيها الإسلامُ دُوْنَ هواه ... فهو يَهْوى ويَحْفظُ الإسلاما ويميلُ الهوى به ثُمَّ يخشى ... أنْ يُطيعَ الهوى فيَلْقى أثاما وقال الحسين بن مُطير (٣): أحبُّكِ يا سَلْمَى على غير رِيْبَةٍ ... ولا بأْس في حبٍّ تَعِفُّ سرائرُهْ [١٢٤ أ] أحبُّك حُبًّا لا اُعَنِّفُ بعده ... مُحِبًّا ولكنِّي إذا لِيْمَ عاذرُه وقد مات قلبي أول الحبِّ مرَّةً ... ولو متُّ أضحى الحبُّ قدْ ماتَ آخرُهْ وقال محمد بن أبي زُرعة الدمشقي (٤):

стр. 480

إنَّ حظِّي مِمَّنْ أحبُّ كفافٌ ... لا صدودٌ مُقْصٍ ولا إنصافُ كلما قلتُ قد أنابتْ إلى الوَصْـ ... ـلِ ثناها عمَّا أريدُ العفافُ فكأني بَيْنَ الصُّدود وبَيْنَ الـ ... ـوَصْلِ مِمَّنْ مقامُه الأعرافُ في محلٍّ بَيْنَ الجنان وبين النَّـ ... ـار أرجو طوْرًا وطوْرًا أخافُ وقال عثمان بن الضحاك الحِزَامي (١): خرجْتُ أريدُ الحجَّ، فنزلتُ بالأبْواء، فإذا امرأةٌ جالسةٌ على باب خيمةٍ، فأعجبني ما رأيتُ من حسنِها، فتمثلت بقول نُصَيْب (٢). بزينبَ ألمِمْ قبل أن يَرْحَلَ الرَّكْبُ ... وقلْ إنْ تَمَلِّينا فما ملَّكِ القَلْبُ فقالت: يا هذا أتعرف قائل هذا الشعر؟ قلت: نعم، ذاك نُصيب، قالت: فتعرف زينبه؟ قلت: لا! قالت: فأنا زينبُه! قلت: حياكِ الله! قالت: أما إنَّ اليوم موعدُه منْ عند أمير المؤمنين، خرج إليه عام أوَّل، فوعدني هذا اليوم، لعلَّك لا تبرح حتى تراه، قال: فبينا أنا كذلك؛ إذا أنا براكبٍ، قالت: ترى ذلك الرَّاكب؟ إنِّي لأحْسَبُه إيَّاه. فأقبل فإذا هو نُصيب، فنزل قريبًا من الخيمة، ثم أقبل، فسلَّم حتى جلس قريبًا منها يسألها، وتسأله أن ينشدها ما أحدث، فأنشدها، فقلت في نفسي: محبّانِ طال التنائي

стр. 481

بينهما، لابدَّ أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجةٌ، فقمت إلى بعيري؛ لأشدَّ عليه، فقال: على رِسْلك؛ إنِّي معك، فجلست حتى نهض معي، فتسايرنا، ثم التفت إليَّ، فقال: أقلتَ في نفسك: محبَّان التقيا بعد طول تناءٍ، فلابدَّ أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة؟ قلت: نعم، قد كان ذلك، قال: وربِّ هذه البَنيَّةِ ما جلستُ منها مجلسًا [١٢٤ ب] أقربَ من هذا. وقال عُمر بن شبَّة (١) حدَّثنا أبو غسَّان قال: سمعت بعض المدنيين يقول: كان الرَّجل يحب الفتاة، فيطوف بدارها حولًا، يفرح أن يرى منْ يراها، فإن ظَفِر منها بمجلس؛ تشاكيا، وتناشدا الأشعار، واليوم يشير إليها، وتشير إليه، فيَعِدُها، وتعدُهُ، فإذا التقيا؛ لم يَشكُ حُبًّا، ولم ينشد شعرًا، وقام إليها، كأنَّه قد أشهد على نِكاحِها أبا هريرة. وقال محمَّدُ بنُ سيرين (٢): كانوا يعشقون في غير ريبةٍ، وكان الرجل يجيء إلى القوم، فيتحدَّث عندهم، لا يستنكر له ذلك، قال هشام بن حسان: لكن اليوم لا يرْضون إلَاّ بالمواقعة. وقيل لأعرابي (٣): ما تَعُدُّون العِشْق فيكم؟ قال: القُبْلة، والضمّ، والغمز، وإذا نكح الحبُّ فسد.

стр. 482

وقال المُبرِّد (١): كان العتبيُّ يحبُّ جاريةً تسمَّى: مَلك، فكتب إليها: يا مَلْكُ قد صِرْتُ إلى خُطَّةٍ ... رضيتُ منها فيكِ بالضَّيْمِ ما اشْتملتْ عيني على رَقدةٍ ... مُذْ غِبْتِ عن عَيْني إلى اليوم فَبِتُّ مفتوق مجاري البُكا ... معطَّلَ العَيْنِ عنِ النَّوْم ووجديَ الدَّهرَ بكم غُلْمَةٌ ... فالموتُ منْ نفسي على سَوْمِ يلومُني النَّاسُ على حبِّكم ... والنَّاسُ أولى فيكِ باللَّوم قال: فكتبت إليه: إنْ تكُنِ الغُلْمَةُ هَاجتْ بكُمْ ... فعَالِج الغُلْمَةَ بالصَّوْم لَيْسَ بك الحُبُّ ولكنَّمَا ... تَدُوْرُ منْ هذا على كَوْم يقال: كام الفحلُ يكوم كوْمًا: إذا نَزا على الحِجْرَة. وأرادت هذه المعشوقة قول النبي ﷺ : «يا معشر الشَّباب! من اسْتطاع منكُم الباءَة فلْيَتزَوجْ؛ فإنَّهُ أغضُّ للْبَصَر، وأحْصَنُ لِلْفَرْج، ومَنْ لم يستطع؛ فعليه بالصَّوْمِ؛ فإنَّه له وجاءٌ». وقال أبو الحسن المدائنيّ (٢): هَوِيَ بعضُ المسلمين جاريةً بمكَّة، فأرادها، فامتنعت عليه، [١٢٥ أ] فقال على لسان عطاء بن أبي رباح: سألتُ عطا المكِّيَّ هَلْ في تعانُقٍ ... وقُبلةِ مُشتاقِ الفؤادِ جُناحُ؟

стр. 483

فقال معاذَ اللهِ أن يُذْهِبَ التُّقى ... تلاصُقُ أكبادٍ بهنَّ جِرَاحُ فقالت: آلله سألت عطاءً عنْ ذلك، فقال لك هذا؟! فقال: اللهمَّ نعم! فزارته، وجعلت تقول: إيَّاك أن تتعدَّى ما أفتاك به عطاء. وقال الزُّبير بن بكَّار (١) عن عبد الملك بن عبد العزيز الماجِشُون قال: أنشدتُ محمَّد بن المُنْكَدِر قول وضَّاح الْيَمَن: فما نوَّلتْ حتى تضرَّعتُ حولها ... وأقرأْتُها ما رخَّصَ الله في اللَّمَمْ فضحك محمَّد، وقال: إنْ كان وضَّاحٌ لمُفتيًا في نفسه. وقال الأصمعي (٢): قيل لأعرابيٍّ: ماكنت صانعًا لو ظفرت بمن تهوى؟ قال: كنت أُمتِّع عيني منْ وجهها، وقلبي منْ حديثها، وأسترُ منها ما لا يحبه الله ولايرضى كشفه إلَاّ عند حلِّه. قيل: فإن خفتَ ألَّا تجتمعا بعد ذلك؟ قال: أَكِلُ قلبي إلى حبها، ولا أصير بقبيح ذلك الفعل إلى نَقْض عهودها. قال: وقيل لآخر وقد زُوِّجت عشيقتُه من ابن عمِّها، وأهلُها على إهدائها إليه: أيَسُرُّك أن تظفر بها الليلة؟ قال: نعم والذي أمتعني بها، وأشقاني بطلبها! قيل: فما كنت صانعًا؟ قال: كنت أطيع الحبَّ في

стр. 484

لثْمِها، وأعصي الشيطان في إثمها، ولا أُفْسِدُ عشق سنين بما يبقى عارُه، وتُنْشَر قبيحُ أخباره، في ساعةٍ تنفدُ لذَّتُها، وتبقى تبِعَتُها، إني إذًا للئيم، لم يَغْذُني أصلٌ كريم. وقال عباس الدُّوري (١): كان بعضُ أصحابنا يقول: كان سفيان الثوري كثيرًا ما يتمثَّل بهذين البيتين: تفنى اللَّذاذةُ مِمَّنْ نالَ صفوتها ... منَ الحرام ويبقى الوزر والعارُ تبقى عواقبُ سوءٍ في مغبَّتها ... لا خيرَ في لذَّةٍ منْ بعدها النَّارُ [١٢٥ ب] وقال الحسين بن مُطير (٢): ونفسك أكرِمْ عن أمورٍ كثيرةٍ ... فما لك نفسٌ بعدها تستعيرُها ولا تقرَبِ المَرْعى الحرام فإنَّما ... حلاوتُه تَفْنَى ويبقى مَريرُها وقال الإمام أحمد: الفُتُوَّةُ: تركُ ما تهوى لما تخشى. وقال الخرائطي (٣): حدَّثنا إبراهيم بن الجُنَيد، حدَّثنا عبد الله بن أبي بكر المقدّمي، حدَّثنا جعفر بن سليمان الضُّبَعي قال: سمعت مالك بن دينار يقول: بينا أنا أطوف؛ إذ أنا بجويرية متعبِّدةٍ، متعلِّقةٍ بأستار الكعبة،

стр. 485

وهي تقول: يا رب! كم من شهوةٍ ذهبت لذَّتُها، وبقيت تَبِعتُها، يا رب! أما لك أدبٌ إلَاّ النار؟ فما زال مقامها حتى طلع الفجر، فلمَّا رأيتُ ذلك؛ وضعتُ يدي على رأسي صارخًا، أقول: ثكلتْ مالكًا أمُّه، جُوَيرِيَةٌ منذ الليلة قد بطَّلته. وطائفةٍ بالبيت والليلُ مظلمُ ... تقولُ ومنها دمعُها يتسجَّمُ (١) أيا ربِّ كمْ من شهوةٍ قد رُزِئتُها ... ولذَّة عيشٍ حبلُها متصرِّمُ أما كان يكفي للعباد عقوبةً ... ولا أدبًا إلَاّ الجحيم المضرَّمُ فما زال ذاك القولُ منها تضرُّعًا ... إلى أنْ بدا فجرُ الصَّباح المقدَّمُ فشبَّكْتُ منِّي الكفَّ أهْتِف خارجًا ... على الرأْس أُبْدِي بعض ما كنتُ أكْتُمُ وقلتُ لنفسي إذْ تطاول مابها ... وأعيا عليها وِرْدُها المتغنَّم ألا ثكلتك اليوم أُمُّك مالكًا ... جوَيرِيةٌ ألهاك منها التكلُّمُ فما زلتَ بَطَّالًا بها طول ليلةٍ ... تنال بها حظًّا جسيمًا وتغنمُ وقال مَخْرَمةُ بن عثمان (٢): نُبِّئت أنَّ فتًى من العُبَّاد هَوِيَ جاريةً من أهل البصرة، فبعث إليها يخطبها، فامتنعتْ، وقالت: إن أردت غير ذلك؛ فعلتُ، فأرسل إليها: سبحان الله! أدعوكِ إلى ما لا إثم فيه، وتدعينني

стр. 486

إلى ما لا يَصْلُح؟ فقالت: قد أخبرتك بالذي عندي، فإن شئت فتقدَّم، وإن شئت فتأَخَّر، فأَنشأَ يقول: وأسأَلُها الحلالَ وَتَدْعُ قلبي ... إلى ما لا أريدُ منَ الحَرَامِ كداعي آلِ فِرْعَونٍ إليه ... وَهُمْ يَدْعُوْنَهُ نحو الأثام فظَلَّ منعَّمًا في الْخُلْد يَسْعَى ... وظلُّوا في الجحيم وفي السَّقام فلمَّا علمتْ أنه قد امتنع من الفاحشة؛ أرسلتْ إليه: أنا بين يديْك على الذي تُحِبُّ. فأرسل إليها: لا حاجةَ لنا فِيْمنْ دعوناه إلى الطَّاعة، فدعانا إلى المَعْصِية ثم أنشد: ولا خيرَ فِيْمَن لا يُراقبُ ربَّه ... عِنْدَ الهوى ويخافُه إيمانا حَجَب التُّقى سُبُل الهوى فأخو التُّقى ... يخشى إذا وافى المَعَاد هوانا وقال عبد الملك بن مروان لِلَيْلى الأخيليَّة (١): بالله هل كان بينكِ وبين توبة سوءٌ قط؟! قالت: والذي ذهب بنفسه، وهو قادرٌ على ذهاب نفسي؛ ما كان بيني وبينه سوءٌ قطُّ، إلا أنَّه قَدِم من سفرٍ، فصافحته، فغمز يدي، فظننتُ أنه يَخْنَعُ لبعض الأمر، قال: فما معنى قولك: وذي حاجةٍ قلْنا له لا تَبُحْ بها ... فليس إليها ما حييتَ سبيلُ لنا صاحبٌ لا ينبغي أنْ نخونَه ... وأنت لأُخرى صاحبٌ وخليلُ

стр. 487

قالت: لا والذي ذهب بنفسه ما كلَّمني بسوءٍ قطُّ حتى فرَّق بيني وبينه الموتُ! وقال ابن أحمد (١): بينا أنا أطوف بالبيت؛ إذ بصُرْتُ بامرأةٍ متبرقعةٍ، تطوف بالبيت، وهي تقول: لا يَقْبَلُ الله من معشوقةٍ عملًا ... يومًا وعاشقُها غضبانُ مهجورُ ليست بمأْجورةٍ في قتل عاشقها ... لكنَّ عاشقها في ذاك مأجورُ فقلت لها: في هذا الموضع؟! فقالت: إليك عنِّي، لا يَعْلَقْك الحبُّ! قلت: وما الحبُّ؟ قالت: جلَّ والله عن أن يخفى! وخفي عن أن يُرى، فهو كالنَّار في أحجارها، إن حرّكتَه أوْرَى، [١٢٦ ب] وإن تركتَه توارى، ثم أنشأت تقول: غيدٌ أوانسُ ما همَمْن بريبةٍ ... كظباءِ مكَّة صيدُهُنَّ حرامُ يُحْسَبْنَ من لين الحديث أوانسًا ... ويَصُدُّهُنَّ عن الخَنا الإسلامُ وقد روى محمَّدُ بن عبد الله الأنصاري (٢): حدَّثنا عبد الوارث، عن محمد بن جُحادة، عن الوليد، عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال

стр. 488

رسول الله ﷺ : «إذا صلت المرأةُ خمسها، وحفظتْ فرْجها، وأطاعتْ زوجها؛ دخلت الجنَّة». وقال هشامُ بن عمَّار (١): حدَّثنا الوليد بن مسلم، حدَّثنا أبي، حدَّثنا ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أيُّما امرأةٍ اتَّقتْ ربَّها، وأحْصَنتْ فرجها، أطاعت زوجها؛ قيل لها يوم القيامة: ادخلي من أي أبواب الجنَّة شئت». وقال الزُّبير بنُ بكار (٢): أخبرني سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، حدثني أبي: أن امرأةً لقيت كُثير عزَّة، فقالت: «تسمع بالمُعيديِّ خيرٌ من أن تراه» قال: مه، رحمك الله! فأنا الذي أقول (٣): فإن أكُ معرُوق العظام فإنَّني ... إذا ما وزنْتُ القوم بالقوم أُوزَنُ قالت: وكيف تُوزن بالقوم، وأنت لا تُعرف إلا بعزَّة؟ قال: والله لئن قلتِ ذاك؛ لقد رفع الله بها قدري، وزيَّن بها شعري، وإنَّها لكما قلت (٤): وما روضةٌ بالحزن طاهرةُ الثَّرى ... يمُجُّ النَّدى جثجاثُها وعرارُها بأطيب من أردان عزَّة موهنًا ... وقد أُوقدت بالمنزل الرَّطب نارها

стр. 489

من الخفرات البيض لم تلق شقوةً ... وبالحسب المكنون صافٍ نجارُها فإن برزتْ كانت لعينيك قُرَّةً ... وإن غبتَ عنها لم يعمَّك عارُها قالت: أرأيت حين تذكرُ طيبها، فلو أنَّ زنجيَّةً تجمرت بالمَنْدَلِ الرَّطبِ؛ لطاب [١٢٧ أ] ريحُها، ألا قلت كما قال امرؤ القيس (١): خليليّ مُرّا بي على أُمّ جُنْدَب ... نُقَضِّ لُباناتِ الفؤادِ المُعَذَّبِ ألمْ ترياني كلَّما جئْتُ طارقًا ... وجدتُ لها طيبًا وإن لم تطيَّبِ؟ فقال: والله الحق خيرُ ما قيل، هو والله أنعتُ لصاحبته منِّي. ودخلت عزّةُ على عبد الملك بن مروان (٢) ــ وهو لا يعرفها ــ ترفع مظلمةً لها، فلما سمع كلامها تعجَّب منه، فقال له بعض جلسائه هذه عزَّة كُثيِّر، فقال لها عبد الملك: إن أردت أن أرُدَّ عليك مظْلَمَتَكِ فأنشديني ما قال فيك كُثيِّر، فاسْتَحْيَتْ وقالت: والله ما أعرفُ كُثيرًا، ولكني سمعتهم يحكون عنه: أنه قال فيَّ (٣): قضى كلُّ ذي دينٍ فوفَّى غريمه ... وعزَّةُ ممطولٌ مُعَنًّى غريمُها فقال عبد الملك: ليس عن هذا أسألك، ولكن أنشديني من

стр. 490

قوله (١): وقد زعمتْ أنِّي تغيَّرتُ بعدها ... ومنْ ذا الذي يا عزُّ لا يتغيَّرُ تغيَّر جسمي والخليقةُ كالَّذي ... عهِدْتِ ولم يُخبِرْ بسرِّك مُخْبِرُ قالت: ما سمعتُ هذا، ولكن سمعتُ الناس يحكون عنه: أنه قال فيَّ: كأنِّي أنادي صخرةً حين أعْرَضَتْ ... من الصُّمِّ لو تمشي بها العُصْمُ زلَّتِ صفوحٌ فما تلقاك إلَاّ بخيلةً ... فمن ملَّ منها ذلك الوصْل ملَّت فقضى حاجتها، وردَّ مظلمتها، وقال: أدخلوها على الجواري يأخذن من أدبها. وقال بعضهم في محبوبته (٢): وما نِلتُ منها محرمًا غير أنني ... أقبِّل بسَّامًا من الثَّغْر أفلجا وألْثِمُ فاها تارةً ثُمَّ تارةً ... وأتركُ حاجات النُّفوس تحَرُّجا وقال الزُّبير بن بكار (٣)، عن عباس بن سهل الساعدي قال: بينا أنا بالشام؛ إذ [١٢٧ ب] لقيني رجلٌ من أصحابي، فقال: هل لك في جميلٍ

стр. 491

نعودُه؟ فدخلنا عليه وهو يجودُ بنفسه، وما تخيل لي أن الموت يكرِثُه، فنظر إليَّ، ثم قال: يا ابن سهل! ما تقولُ في رجل لم يشرب الخمر قطُّ، ولم يزنِ، ولم يقتل نفسًا، يشهد أن لا إله الا الله؟ قلت: أظنُّه قد نجا، وأرجو له الجنَّة؛ فمن هذا الرجل؟ قال: أنا! قلت: والله ما أحْسِبُك سلمت وأنت تُشبِّبُ منذ عشرين سنة في بُثينة، فقال: لا نالتني شفاعةُ محمد ﷺ يوم القيامة ــ فإني في أوّل يوم منْ أيام الآخرة، وآخرِ يومٍ من أيام الدُّنيا ــ إن كنت وضعتُ يدي عليها لريبةٍ. فما برحنا حتَّى مات. وقال عوانة بن الحكم (١): كان عبد المطلب لا يسافرُ إلا ومعه ابنُه الحارث، وكان أكبر ولده، وكان شبيهًا به جمالًا وحُسنًا، فأتى اليمن، وكان يُجالس عظيمًا من عُظمائهم، فقال له: لو أمرتَ ابنك هذا يُجالسني، ويُنادمني، ففعل، فعشقت امرأتُه الحارث، فراسلتْه، فأبى عليها، فألحَّتْ عليه، فأخبر بذلك أباه، فلمَّا يئست منه؛ سقته سُمَّ شهرٍ، فارتحل به عبد المطلب حتَّى إذا قدِم مكَّة؛ مات الحارث. وذكرَها هشام بنُ محمَّد بن السَّائب الكلبيُّ (٢) عن أبيه، وذكر رثاء أبيه له بقصيدته التي منها: والحارِثُ الفيَّاضُ أكْرَمُ ماجدٍ ... أيَّامَ نازعه الهُمَامُ الكاسا

стр. 492

ولما احْتُضِر أبو سفيان بن الحارث هذا ــ وهو ابن عمِّ النَّبيِّ ﷺ ــ قال لأهله: لا تبكوا عليَّ، فإنِّي لم أتنطَّف بخطيئةٍ منذ أسلمتُ. ولمَّا قدِم عُرْوةُ بن الزُّبير (١) على الوليد بن عبد الملك؛ خرجتْ برجله الأكلةُ، فاجتمع رأي الأطباء على نشرها، وأنَّه إن لم يفعل سرت إلى جسمه، فهلك، فلمَّا عزم على ذلك؛ قالوا له: نسقيك مُرْقِدًا؟ قال: ولِمَ؟ قالوا: لئلا تُحِسَّ بما نصْنع، قال: لا! بل شأنكم، فنشروا ساقه بالمنشار، فما أزال عضوًا عن عضوٍ حتى فرغوا منها، ثم حسموها، فلما نظر إليها في أيديهم؛ تناولها، وقال: الحمد لله! [١٢٨ أ] أما والذي حملني عليك إنَّه ليعلم أني ما مشيتُ بك إلى حرام قطُّ. ولما حضرتْ عُمر بن أبي ربيعة (٢) الوفاةُ بكى عليه أخوه الحارث، فقال له عمر: يا أخي! إن كان أسفُك لما سمعتَ من قولي: قلتُ لها، وقالت لي، فكلُّ مملوك لي حرٌّ إن كنتُ كشفتُ حرامًا قطُّ! فقال الحارث: الحمدُ لله طيبتَ نفسي. وقال سفيانُ بن محمَّد (٣) دخلتْ يومًا عزَّةُ على أُمِّ البنين أُختِ عمر

стр. 493

ابن عبد العزيز، فقالت لها: يا عزةُ! ما قول كُثَيِّر: قضى كلُّ ذي دين فوفَّى غريمه ... وعزَّةُ ممطولٌ مُعَنًّى غريمُها ما كان هذا الدَّين؟ فقالت: كنت وعدتُه بقُبْلةٍ؛ فتحرَّجتُ منها، فقالت أُمّ البنين: أنجزيها وعليَّ إثمُها! قالت: فأعتقت أُمّ البنين لكلمتها هذه أربعين رقبةً، وكانت إذا ذكرتْها بكتْ، وقالت: ليتني خَرِستُ، ولم أتكلَّم بها! ولما احتُضر ذو الرُّمَّة (١)؛ قال: لقد هِمْتُ بميٍّ عشرين سنة في غير ريبةٍ ولا فساد. وكان الحارثُ بن خالد بن هشام المخزوميُّ (٢) عاشقًا لعائشة بنت طلحة، وله فيها أشعارٌ، أفرد لها ابن المرزُبان كتابًا، فلمَّا قُتل عنها مُصْعَبُ بن الزُّبير؛ قيل للحارث: ما يمنعُك الآن منها؟ قال: والله لا يتحدَّثُ رجالاتُ قريش: أنَّ تشبيبي بها كان لريبةٍ، ولشيء من الباطل. وقال ابن عُلاثة (٣): دخلتُ على رجلٍ من الأعراب خيمته، وهو يئنُّ، فقلت: ما شأنك؟ قالوا: عاشق، فقلت له: مِمَّن الرَّجلُ؟ قال: منْ قوم إذا عشقوا ماتوا أعفَّةً. فجعلتُ أعْذله، وأُزهِّدُه فيما هو فيه، فتنفّس

стр. 494

الصُّعداء ثم قال: لَيْسَ لي مُسْعِدٌ فأشْكُو إليه ... إنَّما يُسعِدُ الحزينَ الحزينُ وقال سعيدُ بن عُقْبَة لأعرابي (١): ممَّن الرَّجلُ؟ قال: من قوم إذا عشقوا ماتوا. قال: عذريٌّ وربِّ الكعبة! فقلت له: وممَّ ذاك؟ قال: في نسائنا صَباحَةٌ، وفي [١٢٨ ب] رجالنا عِفَّة. وقال سفيان بن زياد (٢): قلت لامرأةٍ من عذرة ــ ورأيتُ بها هوًى غالبًا، خفتُ عليها الموت منه ــ: ما بالُ العشق يقتلكم معاشر عذرة من بين أحياء العرب؟ فقالت: فينا جمالٌ، وتعفُّفٌ، والجمال يحملنا على العفاف، والعفافُ يورثنا رقَّة القلوب، والعشق يُفني آجالنا، وإنَّا نرى عيونًا لا ترونها. وقال أبوعبيدة معمر بن المُثنى (٣): قال رجلٌ من بني فزارة لرجلٍ من بني عُذْرة: ما يُعدُّ موتُكم من الحبّ مزيَّةً، وإنَّما ذاك من ضعف البنية، ووهن العقل، وضيق الرِّئة. فقال له العذريُّ: أما لو رأيتم المحاجر البُلج، ترشق بالأعين الدُّعج، من فوقها الحواجب الزُّج، والشفاه السمر، تفتر عن الثنايا الغُرِّ، كأنها نظم الدُّر؛ لجعلتموها اللَاّت

стр. 495

والعُزَّى، ونبذتُم الإسلام وراء ظهوركم! وقال بشرُ بنُ الوليد (١): سمعتُ أبا يوسف يقول في مرضه الذي مات فيه: اللهمَّ إنك تعلمُ أنِّي لم أطَأْ فرْجًا حرامًا قطُّ، وأنا أعلم، ولم آكلْ درهمًا حرامًا قطُّ، وأنا أعلم. وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي (٢): دخلت على المعتضد وعلى رأْسه غلمانٌ صباحُ الوجوه أحداث، فنظرتُ إليهم، فرآني المعتضد وأنا أتأمَّلُهم، فلما أردتُ القيام أشار إليَّ، فمكثتُ ساعةً، فلمَّا خلا قال لي: أيُّها القاضي! والله ما حللتُ سراويلي على حرام قطُّ! وقال البريدي (٣): جلس محمدُ بن منصور بن بسام وعلى رأسه عشرةُ خدم، لم يُر قط أحسن منهم، ما منهم من ثمنُه ألفُ دينار، بل أكثر، فجعل الناس ينظرون إليهم، فقال محمد: هم أحرارٌ لوجه الله إن كان الله كتب عليَّ ذنبًا مع واحدٍ منهم، فمن عرف خلاف هذا منهم؛ فليمض؛ فإنه قد عتق، وهو في حلٍّ ممَّا يأخذُ من مالي. وقال إبراهيم بن أبي بكر بن عيَّاش (٤): شهدتُ أبي عند الموت
следующие страницы →