← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 417

روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (676 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

نعودُه؟ فدخلنا عليه وهو يجودُ بنفسه، وما تخيل لي أن الموت يكرِثُه، فنظر إليَّ، ثم قال: يا ابن سهل! ما تقولُ في رجل لم يشرب الخمر قطُّ، ولم يزنِ، ولم يقتل نفسًا، يشهد أن لا إله الا الله؟ قلت: أظنُّه قد نجا، وأرجو له الجنَّة؛ فمن هذا الرجل؟ قال: أنا! قلت: والله ما أحْسِبُك سلمت وأنت تُشبِّبُ منذ عشرين سنة في بُثينة، فقال: لا نالتني شفاعةُ محمد ﷺ يوم القيامة ــ فإني في أوّل يوم منْ أيام الآخرة، وآخرِ يومٍ من أيام الدُّنيا ــ إن كنت وضعتُ يدي عليها لريبةٍ. فما برحنا حتَّى مات. وقال عوانة بن الحكم (١): كان عبد المطلب لا يسافرُ إلا ومعه ابنُه الحارث، وكان أكبر ولده، وكان شبيهًا به جمالًا وحُسنًا، فأتى اليمن، وكان يُجالس عظيمًا من عُظمائهم، فقال له: لو أمرتَ ابنك هذا يُجالسني، ويُنادمني، ففعل، فعشقت امرأتُه الحارث، فراسلتْه، فأبى عليها، فألحَّتْ عليه، فأخبر بذلك أباه، فلمَّا يئست منه؛ سقته سُمَّ شهرٍ، فارتحل به عبد المطلب حتَّى إذا قدِم مكَّة؛ مات الحارث. وذكرَها هشام بنُ محمَّد بن السَّائب الكلبيُّ (٢) عن أبيه، وذكر رثاء أبيه له بقصيدته التي منها: والحارِثُ الفيَّاضُ أكْرَمُ ماجدٍ ... أيَّامَ نازعه الهُمَامُ الكاسا

стр. 492

ولما احْتُضِر أبو سفيان بن الحارث هذا ــ وهو ابن عمِّ النَّبيِّ ﷺ ــ قال لأهله: لا تبكوا عليَّ، فإنِّي لم أتنطَّف بخطيئةٍ منذ أسلمتُ. ولمَّا قدِم عُرْوةُ بن الزُّبير (١) على الوليد بن عبد الملك؛ خرجتْ برجله الأكلةُ، فاجتمع رأي الأطباء على نشرها، وأنَّه إن لم يفعل سرت إلى جسمه، فهلك، فلمَّا عزم على ذلك؛ قالوا له: نسقيك مُرْقِدًا؟ قال: ولِمَ؟ قالوا: لئلا تُحِسَّ بما نصْنع، قال: لا! بل شأنكم، فنشروا ساقه بالمنشار، فما أزال عضوًا عن عضوٍ حتى فرغوا منها، ثم حسموها، فلما نظر إليها في أيديهم؛ تناولها، وقال: الحمد لله! [١٢٨ أ] أما والذي حملني عليك إنَّه ليعلم أني ما مشيتُ بك إلى حرام قطُّ. ولما حضرتْ عُمر بن أبي ربيعة (٢) الوفاةُ بكى عليه أخوه الحارث، فقال له عمر: يا أخي! إن كان أسفُك لما سمعتَ من قولي: قلتُ لها، وقالت لي، فكلُّ مملوك لي حرٌّ إن كنتُ كشفتُ حرامًا قطُّ! فقال الحارث: الحمدُ لله طيبتَ نفسي. وقال سفيانُ بن محمَّد (٣) دخلتْ يومًا عزَّةُ على أُمِّ البنين أُختِ عمر

стр. 493

ابن عبد العزيز، فقالت لها: يا عزةُ! ما قول كُثَيِّر: قضى كلُّ ذي دين فوفَّى غريمه ... وعزَّةُ ممطولٌ مُعَنًّى غريمُها ما كان هذا الدَّين؟ فقالت: كنت وعدتُه بقُبْلةٍ؛ فتحرَّجتُ منها، فقالت أُمّ البنين: أنجزيها وعليَّ إثمُها! قالت: فأعتقت أُمّ البنين لكلمتها هذه أربعين رقبةً، وكانت إذا ذكرتْها بكتْ، وقالت: ليتني خَرِستُ، ولم أتكلَّم بها! ولما احتُضر ذو الرُّمَّة (١)؛ قال: لقد هِمْتُ بميٍّ عشرين سنة في غير ريبةٍ ولا فساد. وكان الحارثُ بن خالد بن هشام المخزوميُّ (٢) عاشقًا لعائشة بنت طلحة، وله فيها أشعارٌ، أفرد لها ابن المرزُبان كتابًا، فلمَّا قُتل عنها مُصْعَبُ بن الزُّبير؛ قيل للحارث: ما يمنعُك الآن منها؟ قال: والله لا يتحدَّثُ رجالاتُ قريش: أنَّ تشبيبي بها كان لريبةٍ، ولشيء من الباطل. وقال ابن عُلاثة (٣): دخلتُ على رجلٍ من الأعراب خيمته، وهو يئنُّ، فقلت: ما شأنك؟ قالوا: عاشق، فقلت له: مِمَّن الرَّجلُ؟ قال: منْ قوم إذا عشقوا ماتوا أعفَّةً. فجعلتُ أعْذله، وأُزهِّدُه فيما هو فيه، فتنفّس

стр. 494

الصُّعداء ثم قال: لَيْسَ لي مُسْعِدٌ فأشْكُو إليه ... إنَّما يُسعِدُ الحزينَ الحزينُ وقال سعيدُ بن عُقْبَة لأعرابي (١): ممَّن الرَّجلُ؟ قال: من قوم إذا عشقوا ماتوا. قال: عذريٌّ وربِّ الكعبة! فقلت له: وممَّ ذاك؟ قال: في نسائنا صَباحَةٌ، وفي [١٢٨ ب] رجالنا عِفَّة. وقال سفيان بن زياد (٢): قلت لامرأةٍ من عذرة ــ ورأيتُ بها هوًى غالبًا، خفتُ عليها الموت منه ــ: ما بالُ العشق يقتلكم معاشر عذرة من بين أحياء العرب؟ فقالت: فينا جمالٌ، وتعفُّفٌ، والجمال يحملنا على العفاف، والعفافُ يورثنا رقَّة القلوب، والعشق يُفني آجالنا، وإنَّا نرى عيونًا لا ترونها. وقال أبوعبيدة معمر بن المُثنى (٣): قال رجلٌ من بني فزارة لرجلٍ من بني عُذْرة: ما يُعدُّ موتُكم من الحبّ مزيَّةً، وإنَّما ذاك من ضعف البنية، ووهن العقل، وضيق الرِّئة. فقال له العذريُّ: أما لو رأيتم المحاجر البُلج، ترشق بالأعين الدُّعج، من فوقها الحواجب الزُّج، والشفاه السمر، تفتر عن الثنايا الغُرِّ، كأنها نظم الدُّر؛ لجعلتموها اللَاّت

стр. 495

والعُزَّى، ونبذتُم الإسلام وراء ظهوركم! وقال بشرُ بنُ الوليد (١): سمعتُ أبا يوسف يقول في مرضه الذي مات فيه: اللهمَّ إنك تعلمُ أنِّي لم أطَأْ فرْجًا حرامًا قطُّ، وأنا أعلم، ولم آكلْ درهمًا حرامًا قطُّ، وأنا أعلم. وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي (٢): دخلت على المعتضد وعلى رأْسه غلمانٌ صباحُ الوجوه أحداث، فنظرتُ إليهم، فرآني المعتضد وأنا أتأمَّلُهم، فلما أردتُ القيام أشار إليَّ، فمكثتُ ساعةً، فلمَّا خلا قال لي: أيُّها القاضي! والله ما حللتُ سراويلي على حرام قطُّ! وقال البريدي (٣): جلس محمدُ بن منصور بن بسام وعلى رأسه عشرةُ خدم، لم يُر قط أحسن منهم، ما منهم من ثمنُه ألفُ دينار، بل أكثر، فجعل الناس ينظرون إليهم، فقال محمد: هم أحرارٌ لوجه الله إن كان الله كتب عليَّ ذنبًا مع واحدٍ منهم، فمن عرف خلاف هذا منهم؛ فليمض؛ فإنه قد عتق، وهو في حلٍّ ممَّا يأخذُ من مالي. وقال إبراهيم بن أبي بكر بن عيَّاش (٤): شهدتُ أبي عند الموت

стр. 496

فبكيتُ، فقال: ما يُبكيك؟ فما أتى أبوك فاحشةً قطّ! وقال عمرُ بنُ حفص بن غياث (١): لمَّا حضرت أبي الوفاةُ، أُغمي عليه، فبكيتُ عند رأْسه، [١٢٩ أ] فقال لي حين أفاق: ما يُبكيك؟ قلت: أبكي لفراقك، ولما دخلت فيه من هذا الأمر ــ يعني القضاء ــ قال: لا تَبْكِ! فإنِّي ما حللت سراويلي على حرامٍ قطُّ، ولا جلس بين يديَّ خصمان، فباليتُ على من توجَّه الحكمُ منهما. وقال سفيانُ بنُ أحمد المصِّيصيُّ (٢): شهدتُ الهيثم بن جميل وهو يموتُ، وقد سُجِّي نحو القبلة، فقامت جاريتُه تَغْمِزُ رجليه، فقال: اغْمِزيهما، فإنَّ الله يعلمُ أنَّهما ما مشتا إلى حرامٍ قطُّ. وقال محمَّد بن إسحاق (٣): نزل السَّريُّ بن دينار في دربٍ بمصر، وكانت فيه امرأة جميلةٌ فتنت النَّاس بجمالها، فعلمت به المرأة، فقالت: لأفتننَّه! فلمَّا دخلتْ من باب الدار؛ تكشَّفَتْ، وأظهرت نفسها، فقال: ما لكِ؟ فقالت: هل لك في فراش وَطِيّ، وعيشٍ رخيّ؟! فأقبل عليها وهو يقول: وكمْ ذي معاصٍ نال منهنَّ لذَّةً ... ومات فخلَاّها وذاق الدَّواهيا

стр. 497

تصرَّمُ لذَّاتُ المعاصي وتنقضي ... وتبقى تِبَاعاتُ المعاصي كما هِيَا فيا سوْءَتا والله راءٍ وسامعٌ ... لِعَبْدٍ بعينِ الله يَغْشى المعاصيا وقال عمر بن بكير (١): قال أعرابيٌّ: علقْتُ امرأةً كنت آتيها، فأحدِّثها سنين، وما جرت بيننا ريبة قطُّ، إلَاّ أني رأيت بياض كفها في ليلة ظلماء، فوضعتُ يدي على يدها، فقالت: مهْ! لا تُفْسِدْ ما بيني وبينك، فإنه ما نُكح حبٌّ قطّ إلَاّ فسد، قال: فقمتُ، وقد تصبّبْتُ عرقًا؛ حياءً منها، ولم أعُدْ إلى شيءٍ منها. وذكر أبو الفرج (٢) وغيره: أنّ امرأةً جميلةً كانت بمكَّة، وكان لها زوجٌ، فنظرت يومًا إلى وجهها في المرآة، فقالت لزوجها: أترى أحدًا يرى هذا الوجه ولا يَفْتَتِنُ به؟! قال: نعم! قالت: منْ؟ قال: عُبيد بن عُمير، قالت: فائذنْ لي فيه، فلأفتننَّه، قال: قد أذِنتُ لك، قال: فأتته كالمستفتية، فخلا معها في ناحيةٍ من المسجد الحرام، فأسفرت عن [١٢٩ ب] وجه مثل فَلْقَةِ القمر، فقال لها: يا أمَةَ الله استتري! فقالت: إني قد فُتِنْتُ بكَ. قال: إنِّي سائِلُكِ عن شيءٍ، فإنْ أنتِ صدقتِني نظرتُ في أمرك. قالت: لا تسألني عن شيء إلا صدقتُك. قال: أخبريني: لو أنَّ ملك الموت أتاك ليقبض روحك؛ أكان يسُرُّك أن أقضي لك هذه

стр. 498

الحاجة؟ قالت: اللهم لا! قال: صدقتِ. قال: فلو دخلت قبرك، وأُجلست للمساءلة؛ أكان يسرُّك أنِّي قضيتُها لك؟ قالت: اللهمَّ لا! قال: صدقْتِ، قال: فلو أنَّ الناس أُعْطُوا كتبهم، ولا تدرين: أتأخذين كتابك بيمينك أم شمالك؛ أكان يسرُّك أنِّي قضيتُها لك؟ قالت: اللهُمَّ لا! قال: صدقت. قال: فلو أردت المشيَ على الصِّراط، ولا تدرين: هل تنجين، أو لا تنجين؛ أكان يسرُّك أني قضيتُها لك؟ قالت: اللهمَّ لا! قال: صدقت، قال: فلو جيء بالميزان، وجيء بك فلا تدرين: أيخِفُّ ميزانُك، أم يثقُلُ؛ أكان يسرُّك أني قضيتُها لك؟ قالت: اللهمَّ لا! قال: صدقت، قال: فلو وقفت بين يدي الله لِلْمُساءلة؛ أكان يسرُّك أنِّي قضيتُها لك؟ قالت: اللهمَّ لا! قال: صدقت، قال: اتَّقي الله! فقد أنعم الله عليك، وأحسن إليك. قال: فرجعتْ إلى زوجها، فقال: ما صنعتِ؟ فقالت: أنْتَ بطَّال، ونحن بطَّالون. فأقبلتْ على الصَّلاة، والصَّوم، والعبادة، فكان زوجُها يقول: ما لي ولعُبيد بن عُمير؟ أفسد عليَّ امرأتي، كانت في كل ليلةٍ عروسًا، فصيَّرها راهبةً. وقال سعيدُ بن عبد الله بن راشد (١): علقتْ فتاةٌ من العرب فتًى من قومها، وكان عاقلًا فاضلًا، فجعلتْ تكثر التردد إليه، فتسأله عن أمورٍ منْ أمور النساء، وما بها إلا النَّظرُ إليه، واستماعُ كلامه فلما طال عليها ذلك؛

стр. 499

مرضتْ، وتغيَّرتْ، واحتالتْ في أن خلا لها وجهُه، فتعرَّضتْ إليه ببعض الأمر، فصرفها، ودفعها عنه، فتزايد المرضُ حتى سقطتْ على الفراش، فقالت أمُّه: إنَّ فلانة قد مرضت، ولها علينا حقٌّ، قال: فعوديها، وقولي لها: يقولُ لك: ما خبرُك؟ فسارت إليها أمُّه وسألتها: ما بكِ؟ قالت: [١٣٠ أ] وجعٌ في فُؤادي هو أصلُ عِلَّتي، قالت: فإنَّ ابني يسألك عن علَّتك؟ فتنفَّستْ الصُّعَداءَ، ثم قالت: يسائِلُني عن عِلَّتي وهو عِلَّتي ... عجيبٌ منْ الأنباء جاء به الخبرْ فانصرفت إليه أُمُّه، وأخبرتْه، وقالت له: أحب أن تصير إليك، فقال: نعم، فذكرت أُمُّه لها ذلك، فبكت، وقالت: ويُبعدُني عنْ قربه ولقائه ... فلمَّا أذابَ الجسمَ منِّي تعطَّفا فلستُ بآتٍ موضعًا فيه قاتلي ... كَفاني سَقامًا أنْ أموتَ تلَهُّفا وتزايدت بها العلَّة حتى ماتت. وأحبَّ رجلٌ منْ أهل الكوفة (١) ــ يُسمَّى أبا الشَّعثاء ــ امرأةً جميلةً، فلمَّا علمتْ به كتبت إليه: لأبي الشعثاء حبٌّ دائمٌ ... لَيْسَ فيه تُهْمةٌ لمُتَّهَمْ يا فؤادي فازْدَجِرْ عنه ويا ... عبَثَ الحبِّ به فاقعدْ وقُمْ

стр. 500

جاءني منْهُ كلامٌ صائدٌ ... ورسالاتُ المُحبِّين الكلِمْ صائدٌ يأْمنُه غِزْلانُه ... مثلَ ما يأْمنُ غِزْلانُ الحرم صلِّ إن أحببت أن تُعْطى المُنى ... يا أبا الشَّعْثاء لله وصُمْ ثُمَّ ميعادُك بعدَ الموت في ... جنَّةِ الخُلْدِ إن الله رَحِمْ حيثُ ألقاك غلامًا ناشئًا ... ناعمًا قد كمُلتْ فيك النِّعمْ وقال الأصمعي (١) عن أبي سفيان بن العلاء قال: بصُرتِ الثُّريا بعمر بن أبي ربيعة، وهو يطوف حول البيت، فتنكرت، وفي كفّها خَلُوقٌ، فزحمته، فأثَّر الْخَلُوق في ثوبه، فجعل الناس يقولون: يا أبا الخطاب! ما هذا زيَّ المحرم! فأنشأ يقول: أدخل الله ربُّ موسى وعيسى ... جنَّة الخُلْد من ملاني خَلُوقا مسحتْ كفَّها بجيب قميصي ... حين طُفنا بالبيت مسْحًا رفيقا فقال له [١٣٠ ب] عبد الله بن عمر: مثل هذا القول تقول في هذا الموضع؟ فقال يا أبا عبد الرحمن! قد سمعتَ منِّي ما سمعت، فوربِّ هذه البنيَّةِ ما حللت إزاري على حرامٍ قط! وقيل لليلى الأخيلية (٢): هل كان بينك وبين توبة مايكرهُه الله؟

стр. 501

قالت: إذًا أكون منسلخةً من ديني إنْ كنتُ ارتكبت عظيمًا، ثم أُتبعه بالكذب. وقال العُتْبيُّ (١): خرجت إلى المِرْبَد فإذا بأعرابيٍّ غَزِلٍ، فمِلْت إليه، فذكرتُ النِّساء، فتنفَّس ثم قال: يا ابن أخي! إنَّ منْ كلامهنَّ لما يقوم مقام الماء، فيشفي من الظمأ. فقلت: صف لي نساءكم، فقال: نساء الحي تريد؟ قلت: نعم! فأنشأ يقول: رُجْحٌ ولَسْنَ منَ اللَّواتي بالضُّحى ... لِذيُولهنَّ على الطريق غبارُ يأنسن عند بُعولهن إذا خلوا ... وإذا هُم خَرجُوا فهنَّ خِفارُ قال العُتْبيُّ: فأخبرت به أبي، قال: تدري من أين أخذ قوله: وإنَّ من كلامهنَّ ما يقوم مقام الماء، فيشفي من الظمأ؟ قلت: لا، قال: من قول القطاميِّ (٢): يقْتُلْننا بحديثٍ ليس يعلَمُه ... منْ يَتَّقينَ ولا مكنونُه بادِ فهنَّ يُبدينَ من قولٍ يُصِبْنَ به ... مواقع الماء من ذي الغُلَّة الصَّادي وهذه الطَّائفةُ لِعفَّتهم أسبابٌ، أقواها: إجلال الجبَّار، ثُمَّ الرَّغبةُ في الحور الحسان في دار القرار، فإن من صرف استمتاعه في هذه الدار إلى ما حرَّم الله عليه؛ منعه من الاستمتاع بالحور الحسان هناك، كما قال

стр. 502

- ﷺ : «منْ لبس الحرير في الدُّنيا؛ لم يلبسه في الآخرة» (١)، و «من شرب الخمر في الدُّنيا؛ لم يشربها في الآخرة» (٢). فلا يجمع الله للعبد لذَّة شرب الخمر، ولبس الحرير، والتمتُّع بما حرَّم الله عليه من النساء، والصبيان، ولذَّة التمتُّع بذلك في الآخرة، فليختر العبد [١٣١ أ] لنفسه إحدى اللَّذتين، وليكتف عن إحداهما بالأخرى؛ فمن أبى فلن يجعل الله من أذهب طيباته في حياته الدنيا، واستمتع بها كمن صام عنها ليوم فطره في الدنيا؛ إذا لقي الله، ودون ذلك مرتبةٌ أن يتركها خوف النار فقط، فإن تركها رغبةً ومحبةً أفضلُ من تركها لمجرد خوف العقوبة. ثم أدنى من ذلك أن يحمله عليها خوف العار، والشنار. ومنهم من يحمله على العفة الإبقاء على محبته خشية ذهابها بالوصال. ومنهم من يحمله عليها عفةُ محبوبه، ونزاهتُه. ومنهم من يحمله عليها الحياءُ منه، والاحتشام له، وعظمته في صدره. ومنهم من يحمله عليها الرغبة في جميل الذكر، وحسن الأحدوثة. ومنهم من يحمله عليها الإبقاء على جاهه، ومروءته، وقدره عند محبوبه وعند الناس. ومنهم من يحمله عليها كرم طبعه وشرف نفسه، وعلوُّ همته. ومنهم من يحمله عليها لذَّةُ الظَّفر بالعفَّة، فإنَّ للعفة لذَّةً أعظمُ منْ لذة قضاء الوطر، لكنها لذة

стр. 503

يتقدَّمها ألمُ حبس النفس، ثم تعقبها اللذة، وأما قضاء الوطر؛ فبالضد من ذلك. ومنهم من يحمله عليها علمه بما تُعْقِبُه اللذَّةُ المحرمةُ من المضارِّ، والمفاسد، وجمع الفجور بخلال الشرِّ كلها، كما ستقفُ عليه في الباب الذي يلي هذا؛ إن شاء الله. فصل ولم يزل الناسُ يفتخرون بالعفَّة قديمًا وحديثًا، قال إبراهيم بن هرْمة (١): وَلَرُبَّ لذَّةِ ليلةٍ قدْ نِلْتُها ... وحرامُها بحلالها مدْفُوعُ وقال غيره: إذا ما هممنا صدَّنا وازعُ التُّقى ... فولَّى على أعقابه الهمُّ خاسئا وقال آخر (٢): أتأْذنون لِصَبٍّ في زيارتكم ... فعندكم شهوات السمع والبصر لا يُضْمِرُ السُّوء إن طالت إقامته ... عفُّ الضَّمير ولكن فاسقُ النَّظر وقال مسلم بن الوليد (٣): ألا ربَّ يومٍ صادق العيش نلتُه ... بها ونداماي العفافةُ والنُّهى

стр. 504

[١٣١ ب] وقال آخر (١): إن تريْني زاني العيـ ... ـنين فالفرجُ عفيفُ ليس إلا النظرُ الفا ... سق والشعرُ الظريف وقال الموسوي (٢): بتنا ضجيعين في ثوبي هوًى وتُقًى ... يلُفُّنا الشَّوق من فرق إلى قدم يشي بنا الطيب أحيانًا وآونةً ... يُضِيئنا البرقُ مجتازًا على إضم ثم انثنينا وقد رابتْ ظواهرنا ... وفي بواطننا بُعدٌ عن التُّهم وقال نفطويه (٣): كم قد خلوت بمن أهوى فيمنعني ... منه الحياءُ وخوفُ الله والحذر وكم ظفرت بمن أهوى فيقنعني ... منه الفكاهةُ والتجميش والنَّظر أهوى الحسان وأهوى أن أخاطبهم ... وليس لي في حرام منهم وطر كذلك الحبُّ لا إتيانُ معصية ... لا خير في لذَّةٍ من بعدها سقرُ وقال الشهاب محمود بن سلمان (٤) صاحب ديوان الإنشاء: لله وقفةُ عاشقين تلاقيا ... من بعد طول نوًى وبُعدِ مزار

стр. 505

يتعاطيان من الغرام مُدامةً ... زادتهما بعدًا من الأوزار صدقا الغرام فلم يمل طرفٌ إلى ... فُحْشٍ ولا كفٌّ لحلِّ إزار فتلاقيا وتفرَّقا وكلاهما ... لم يخش مطعن عائبٍ أو زار وقيل لبُثيْنة: هذا جميل لما به، فهل عندك من شيء تُنفِّسين به وجده؟ فقالت: ما عندي أكثرُ من البكاء إلى أن ألقاه في الدَّار الأخرى، أو زيارته وهو ميت تحت الثَّرى. وقيل لعُتبة بعد موت عاشقها: ما كان يضُرُّك لو أمتعتِهِ بوجهك؟ قالت: منعني من ذلك خوف العار، وشماتةُ الجار، ومخافةُ الجبَّار، وإنَّ بقلبي أضعاف ما بقلبه، غير أنِّي أجد ستره أبقى للمودَّة، وأحمد للعاقبة، وأطوع للربِّ، وأخفَّ للذَّنب. وهوي فتًى امرأةً (١)، وهويَتْهُ، وشاع خبرُهما، فاجتمعا يومًا خاليين، فقال لها: [١٣٢ أ] هلمِّي نُحقِّق ما يقال فينا، فقالت: لا والله! لا كان هذا أبدًا، وأنا أقرأُ: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف/٦٧]. وقيل لبعضهم ــ وقد هوي جاريةً، فطال عشقه لها ــ: ما أنت صانعٌ لو ظفرت بها، ولا يراكما إلا الله؟ قال: والله لا جعلته أهون الناظرين إليَّ، لا أفعل بها خاليًا إلَّا ما أفعله بحضرة أهلها، حنين طويل، ولحظٌ من بعيد، وأترك ما يُسخطُ الربَّ، ويُفسدُ الحبَّ (٢):

стр. 506

إذا كان حظُّ المرءِ ممَّن يحبُّه ... حرامًا فحظي ما يحلُّ ويجمُلُ حديثٌ كماء المُزن بينَ فُصوله ... عتابٌ به حُسنُ الحديث يُفصل ولثمُ فمٍ عذب اللِّثاتِ كأنما ... جناهن شهدٌ فُتَّ فيه القرنفُلُ وما العشقُ إلا عفة ونزاهة ... وأنس قلوب أنسهنَّ التغزلُ وإني لأستحيي الحبيب من التي ... تُرِيب وأُدعى للجميل فأُجملُ وقال آخر (١): وإني لمشتاقٌ إلى كل غايةٍ ... من المجد يكبو دُونها المُتطاولُ بذولٌ لمالي حين يَبْخَلُ ذو النُّهى ... عفيف عن الفحشاء قرْمٌ حُلاحلُ وما ألطف قوله: «حين يبخل ذو النُّهى» فإن ذا النُّهى لا يبخل إلا في موضع البُخل، فأخبر هذا أنه يبذلُ ماله حين يبخلُ به ربُّه في موضع البُخل. وقال عامر بن حُذافة (٢): رأيتُ بصُحَارَ جاريةً قد ألصقت خدَّها بقبرٍ، وهي تبكي، وتقول: خدِّي يقيك خشونة اللَّحْدِ ... وأقلُّ مالك سيِّدي خدِّي يا ساكن التُّرب الذي بوفاته ... عميتْ عليَّ مسالكُ الرُّشدِ اسْمَعْ فديتُك قصَّتي فلعلَّني ... أشفِي بذلك غُلَّة الوجْد

стр. 507

قال: فسألتها عن صاحب القبر، فقالت: فتًى رافقته في الصِّبا، وأنشأت تقول: [١٣٢ ب] كُنَّا كزوج حمامةٍ في أيْكةٍ ... متمتعين بصحَّةٍ وشباب فغدا الزَّمان مشتِّتًا بفراقه ... إنَّ الزَّمان مفرِّقُ الأحْباب قال: فبكيت لرِقَّة شعرها، فأنشأتْ تقول: تبكي عليه ولستَ تعرفُ أمره ... فلأُعلِمنَّك حاله ببيان ما كان للعافين غيرُ نواله ... فإذا استُجير ففارسُ الفُرْسان لا يُتبعُ الجيرانَ رِقَّةَ طرفه ... ويتابع الإحسان للجيران عفُّ السريرة والجهيرة مثلها ... فإذا استُضيم أراك فَتْكَ طِعان فقلت: أعلميني مَنْ هو؟ قالت: سنانُ بنُ وبرة الذي يقول فيه الشاعر: يا رائدًا غيْثًا لنُجعة قومه ... يكفيك من غيثٍ نوالُ سنان ثم قالت: يا هذا! والله لولا أنك غريبٌ ما متَّعتُك من حديثي. قلت: فكيف كان حبُّه لك؟ قالت: ما كان يوسِّدني إذا نمتُ إلَّا يده، فمكثتُ معه أربعة أحوال ما توسَّدتُ غيرها إلا في حالٍ يمنعُه مانع. وقال سعيد بن يحيى الأمويُّ (١): حدَّثني عمي محمَّدُ بنُ سعيد،

стр. 508

حدثنا عبد الملك بن عمير قال: كان أخوان من ثقيف من بني كُنَّة بينهما من التَّحاب شيءٌ لا يعلمه إلا الله، وكلُّ واحد منهما أخوه عنده عدلُ نفسه، فخرج الأكبر منهما إلى سفرٍ له وله امرأةٌ، فأوصى أخاه بحاجة أهله، فبينا المقيم في دار الظاعن؛ إذ مرَّت امرأة أخيه في درع تجوز من بيتٍ إلى بيت، وكانت من أجمل البشر، فرأى شيئًا حيَّره، فلمَّا رأته؛ ولولت، ووضعت يدها على رأسها، ودخلت بيتًا، ووقع حبُّها في قلبه، فجعل يذوب، وينحلُ جسمه، ويتغيَّر لونه. وقدم أخوه، فقال: مالك ياأخي مُتغيِّرًا! ما وجعك؟ قال: ما فيَّ من وجع، [١٣٣ أ] فدعا له الأطبَّاء، فلم يقفْ أحدٌ على دائه غيرُ الحارث بن كلدة، وكان طبيبًا، فقال: أرى عينين صحيحتين، وما أدري ما هذا الوجع، ما أظنُّه إلَّا عاشقًا! فقال له أخوه: سبحان الله! أسألك عن وجع أخي، وأنت تستهزئ بي! فقال: ما فعلتُ! وسأسقيه شرابًا عندي، فإن يك عاشقًا فسيبين لكم، فأتاه بشرابٍ، فجعل يسقيه قليلًا قليلًا، فلمَّا أخذه الشَّراب؛ هاج، وقال: ألِمَّا بي على الأبيا ... ت من خيف نزُرْهُنَّه غزالٌ ما رأيتُ اليو ... م في دُور بني كُنَّهْ أسِيلُ الخدِّ مربوبٌ ... وفي منطِقه غُنَّه فقال: أنت طبيبُ العرب، فبمن؟ قال: سأعيد له الشراب، ولعلَّه يسمِّي، فأعاد له الشَّراب، فسمَّى المرأة، فطلقها أخوه؛ ليتزوَّجها، فقال المريض: عليَّ كذا وكذا إنْ تزوَّجتُها، فقضى، ولم يتزوَّجْها.

стр. 509

وقال عليُّ بن المبارك السَّراج (١): حدَّثنا أبو مسهر، عن ركين بن عبد الله قال: عرض الحجاجُ بن يوسف سجنه يومًا، فأُتي برجلٍ، فقال: ما كان جُرمك؟ فقال: أصلح الله الأمير! أخذني العسسُ وأنا مخبرُك خبري، فإن كان الكذبُ يُنجي؛ فالصدقُ أولى بالنَّجاة، قال: وما قصَّتُك؟ قال: كنت أخًا لفلان، فضرب الأمير عليه البعث إلى خراسان، فكانت امرأتُه تهواني، وأنا لا أشعر، فبعثتْ إليَّ ذات يوم رسولًا أنْ قد جاء كتابُ صاحبك، فهلمَّ؛ لتقرأه، فمضيتُ إليها، فجعلت تشغلُني بالحديث حتى صلَّينا المغرب، ثم أظهرت لي ما في نفسها منِّي، ودعتني إلى السُّوء، فأبيتُ ذلك، فقالت: والله لئن لمْ تفعل لأصيحنَّ، فلأقولنَّ: إنك لصٌّ، فخفتُها والله أيها الأمير على نفسي! فقلت: أمهلي حتَّى الليل، فلمَّا صلَّيتُ العتمة، وثِقْتُ بشدَّة حرس الأمير، فخرجتُ من عندها هاربًا، وكان القتلُ أيسرَ عليَّ من خيانة أخي، فلقيني عسسُ الأمير، [١٣٣ ب] فأخذوني، وقد قلتُ في ذلك شعرًا. قال: وما قلت؟ فقال: ربَّ بيضاءَ آنسٍ ذاتِ دَلٍّ ... قد دعتني لوصلها فأبيتُ لم يكن شأْني العفافُ ولكن ... كنتُ خِلًّا لزوجها فاسْتَحيْتُ فأمر بإطلاقه.

стр. 510

وقال الرَّبيع بن زياد (١): رأيتُ جارية عند قبرٍ، وهي تقول: بنفسي فتًى أوفى البريَّةِ كلِّها ... وأقواهُمُ في الموتِ صبرًا على الحبّ فقلت: بم صار أوفاهم، وأقواهم؟ قالت: هويني، فكان أهلي إن جاهر بحبِّي لاموه، وإن كتمه عنَّفوه، فلمَّا أخذه الأمر؛ قال: يقولون إنْ جاهرتُ قد عضَّك الهوى ... وإنْ لم أَبُحْ بالحبِّ قالوا تصبَّرا وليس لمنْ يهوى ويكتُم ما به ... من الأمر إلَّا أن يموت فيُعذرا ولم يزل يُردِّد هذين البيتين حتى مات، فوالله يا هذا! لا أبرحُ، أو يتَّصل قبرانا. ثم شهقت شهقة، فصاح النِّساء، وقُلْن: قد قضت. والذي اختار لها الوفاة! فما رأيت أسرع، ولا أوحى من أمرها. قال ابن الدُّمَيْنة (٢): وبتنا فُوَيقَ الحيِّ لا نحنُ منهمُ ... ولا نحنُ بالأعداء مُختلطان وبات يقينا ساقطَ الطَّلِّ والنَّدى ... من الليل بُرْدَا يُمْنة عطرانِ نذُودُ بذكر الله عنَّا غوى الصِّبا ... إذا كان قلبانا له يردان ونصْدُر عن ري العفاف وربَّما ... نقعْنا غليل الحُبِّ بالرَّشفان

стр. 511

قال أبو الفرج (١): وَشَتْ جارية بثينة بها إلى أبيها وأخيها، وقالت لهما: إنَّ جميلًا عندها، فأتيا مشتملين على سيفيهما، فرأياهُ خاليًا حجرةً منها، تحدّثه، ويشكو إليها بثَّه، ثم قال لها: يا بُثَيْنَةُ أرأيت مابي من الشَّغف والعشق؛ ألا تجربينه؟ [١٣٤ أ] قالت له: بماذا؟ قال: بما يكون من المُتحابين، فقالت له: يا جميلُ! أهذا تبغي؟ والله! لقد كنت عندي بعيدًا منه، فإن عاودت تعريضًا بريبةٍ لا رأيت وجهي أبدًا، فضحك، وقال: والله! ما قلتُ لك هذا إلَاّ لأعلم ما عندك، ولو علمتُ أنَّك تجيبينني إليه؛ لعلمت أنَّك تجيبين غيري، ولو رأيتُ منك مساعدةً لضربتك بسيفي هذا ما استمسك في يدي، أو هجرتُك أبدًا، أما سمعت قولي: وإنِّي لأرضى من بُثَيْنة بالذي ... لو أبصرَهُ الواشي لقرَّتْ بلابِلُه بلا وبأن لا أستطيع وبالمُنى ... وبالأمل المرجُوِّ قد خاب آملُه وبالنَّظرة العجلى وبالحوْلِ تنقضي ... أواخِرُه لا نلتقي وأوائلُه؟ قال أبوها لأخيها: قُمْ بنا، فما ينبغي لنا بعد هذا اليوم أنْ نمنع هذا الرَّجل منْ إتيانها!

стр. 512

الباب الرابع والعشرون في ارتكاب سبيل الحرام وما يفضي إليه من المفاسد والآلام حقيقٌ بكل عاقل ألَّا يسلك سبيلًا حتَّى يعلم سلامتها، وآفاتها، وما توصل إليه تلك الطريق من سلامة، أو عطب، وهذان السبيلان هلاك الأولين والآخرين بهما، وفيهما من المعاطب والمهالك ما فيهما، ويفضيان بصاحبهما إلى أقبح الغايات، وشر موارد الهلكات، ولهذا جعل سبحانه سبيل الزنى شر سبيل، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء/ ٣٢] فإذا كانت هذه سبيل الزنا فكيف بسبيل اللواط التي تعدل الفعلة منه في الإثم والعقوبة أضعافها، وأضعاف أضعافها من الزنى؟ كما ستقف عليه إن شاء الله. فأما سبيل الزنى؛ فأسوأُ سبيل، ومقيلُ أهلها في الجحيم شرُّ مقيل، ومستقرُّ أرواحهم في البرزخ في تنُّور من نار، يأتيهم لهيبها من تحتهم، [١٣٤ ب] فإذا أتاهم اللهب؛ ضجُّوا، وارتفعوا، ثم يعودون إلى موضعهم، فهم هكذا إلى يوم القيامة، كما رآهم النبي ﷺ في منامه، ورؤيا الأنبياء وحيٌ لا شكَّ فيه. فروى البخاريُّ في صحيحه (١) من حديث سمرة بن جندب قال:

стр. 513

كان رسول الله ﷺ ممّا يُكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم رُؤيا؟» فيُقصُّ عليه ما شاء الله أن يقصَّ، وإنه قال لنا ذات غداةٍ: «إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتغياني وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مُضْطجع، وإذا آخر قائمٌ عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغُ رأسه، فيتدهده الحجر هاهنا، فيتبع الحجر، فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل به مثل ما فعل المرَّة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله! ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق، فانطلقنا فأتينا على رجل مُستلقٍ لقفاه، وإذا آخرُ قائم عليه بكلُّوبٍ من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيُشرشرُ شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثمَّ يتحول إلى الجانب الآخر، فيفعلُ به مثل ما فعل في الجانب الأوَّل، قال: فما يفرغُ من ذلك الجانب حتى يصحَّ ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى. قال: قلتُ: سبحان الله! ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق، فانطلقنا فأتينا على مثل التَّنُّور، فإذا فيه لغطٌ وأصوات، قال: فاطَّلعنا فيه فإذا فيه رجالٌ، ونساءٌ عُراةٌ، وإذا هم يأتيهم لهيب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضَوْضَوا قال: قلت: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق. قال: فانطلقنا، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما سبح، ثم يأتي ذلك الذي جمع عنده الحجارة، فيفغر فاه، فيُلقِمه حجرًا، فينطلق،

стр. 514

فيسبح، [١٣٥ أ] ثمَّ يرجع إليه، كلما رجع إليه؛ فغر فاه، فألقمه حجرًا، قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق. فانطلقنا، فأتينا على رجلٍ كريهِ المرآة كأكرهِ ما أنت راءٍ رجلًا، وإذا عنده نارٌ يحُشُّها، ويسعى حولها، قال: قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق. فانطلقنا، فأتينا على روضة مُعتمة فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجلٌ طويل، لا أكاد أرى رأسه طولًا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قطُّ، قال: قلت: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق. فانطلقنا فأتينا على دوحةٍ لم أر دوحةً قطُّ أعظم منها، ولا أحسن، قال: قالا لي: ارْقَ فيها، فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلَبِنِ ذهبٍ، ولَبِنِ فضة، قال: فأتينا باب المدينة، فاستفتحنا، ففتح لنا، فدخلناها، فتلقانا رجال شطرٌ من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ، وشطرٌ منهم كأقبح ما أنت راءٍ، قال: فقالا لهم: اذهبوا فقَعُوا في ذلك النهر. قال: وإذا نهر معترضٌ يجري كأنَّ ماءه المحضُ في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوءُ عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قال: قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك. قال: فسما بصري صُعدًا، فإذا قصرٌ مثل الرَّبابة البيضاء. قال: قالا لي: هذاك منزلك. قال: قلت لهما: بارك الله فيكما! فذراني، فأدخله. قالا: أما الآن؛ فلا، وأنت داخله! قال: قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجبًا، فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يُثلَغُ رأسُه بالحجر؛ فإنه الرجل يأخذ القرآن، فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة. وأما الرجل

стр. 515

الذي أتيت عليه يُشرشَر شِدقُه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه؛ فإنه الرجلُ يغدو من بيته، فيكذب الكذبة، [١٣٥ ب] تبلغ الآفاق. وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور؛ فإنهم الزُّناةُ والزَّواني. وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر، ويُلقَمُ الحجر؛ فإنه آكل الربا. وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحُشُّها، ويسعى حولَها فإنه مالك خازن جهنم. وأما الرجل الطويل الذي في الروضة؛ فإنه إبراهيم. وأما الولدان الذين حوله؛ فكل مولود مات على الفطرة. فقال بعض المسلمين: يا رسول الله! وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين. وأما القوم الذين كانوا شطرٌ منهم حسنٌ، وشطر منهم قبيح؛ فإنهم قوم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، تجاوز الله عنهم». وقال أبو مسلم الكجي (١): حدثنا صدقة بن جابر عن سليم بن عامر، قال: حدثني أبو أمامة الباهلي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «بينا أنا نائم؛ إذ أتاني رجلان، فأخذا بضَبْعيَّ، فأخرجاني، فأتيا بي جبلًا وعرًا، وقالا لي: اصعد، فقلت: إني لا أُطيقه. فقالا لي: سنُسهِّلُه لك. قال: فصعدتُ حتى إذا كنتُ في سواء الجبل؛ إذا أنا بأصوات شديدة، فقلت: ما هذه الأصوات؟ فقالا: هذا عُواء أهل النار، ثم انطلق بي فإذا بفوج أشد شيءٍ

стр. 516

انتفاخًا، وأنتنه ريحًا، وأسوئه منظرًا، فقلت: من هؤلاء؟ فقالا: هؤلاء قتلى الكفار، ثم انطلق فإذا بفوج أشدِّ شيء انتفاخًا، وأنتنه ريحًا، كأنَّ ريحهم المراحيض، فقلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزَّانون والزَّواني». وقال قُتيبة بن سعيد (١): حدَّثنا نوحُ بن قيس، قال: حدثنا أبو هارون العبديُّ عن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله ﷺ : «ليلة أُسري به انْطُلِق بي إلى خلق من خلق الله كثيرٍ، نساءٍ مُعلَّقاتٍ بثديّهنَّ، ومنهن بأرجلهن منكسات، ولهن صراخٌ، وخُوارٌ، فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء اللَّواتي يزنين، ويقتُلن أولادهنَّ، ويجعلن لأزواجهنَّ ورثةً من غيرهم». وقال أبو نعيم الفضل بنُ دُكين (٢): حدَّثنا عبد السلام بن شدَّاد، عن غزوان بن جرير، عن أبيه: أنهم تذاكروا عند عليِّ بن أبي طالب الفواحش فقال لهم: هل تدرون أيُّ الزنى أعظمُ؟ قالوا: يا أمير المؤمنين! كلُّه عظيم. قال: ولكن سأُخبركم بأعظم الزِّنى عند الله تعالى، هو أن يزني الرجلُ بزوجة الرَّجل المسلم، فيصير زانيًا، وقد أفسد على الرَّجل زوجته. ثم قال عند ذلك: إنَّ الناس يُرْسَلُ عليهم يوم القيامة ريحٌ منتنةٌ، حتى يتأذى منها كلُّ برٍّ وفاجرٍ، حتى إذا بلغت منهم كل مبلغ،

стр. 517

وألمَّتْ أن تمسك بأنفاس الناس كلِّهم؛ ناداهم منادٍ يُسمعهم الصوت، ويقول لهم: هل تدرون ما هذه الريح التي قد آذتكم؟ فيقولون: لا ندري والله! إلا أنها قد بلغت منا كلَّ مبلغ! فيقال: ألا إنَّها ريح فروج الزُّناة؛ الذين لقُوا الله بزناهم، ولم يتوبوا منه، ثُمَّ يُصرفُ بهم، فلم يُذكرْ عند الصرف بهم جنةٌ ولا نارٌ. وقال الخرائطي (١): حدَّثنا عليُّ بن داود القنطري، حدثنا سعيد بن عفير، حدثني مسلمة بن علي الخشنيُّ عن أبي عبد الرحمن، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة: أن رسول الله ﷺ قال: «يا معشر المسلمين! إياكم والزِّنَى! فإن فيه ستَّ خصال: ثلاثٌ في الدُّنيا، وثلاثٌ في الآخرة، فأما اللَّواتي في الدُّنيا: فذهابُ البهاء، ودوامُ الفقر، وقصرُ العُمُر. وأمَّا اللَّواتي في الآخرة: فسخطُ الله، وسوءُ الحسابِ، ودخول النار». ويُذكر عن أنس بن مالك (٢): أنه قال: المقيم على الزنى كعابد وثنٍ. ورفعهُ بعضهم، وهذا أولى أن يُشبه بعابد وثن من مُدمن الخمر. وفي المسند وغيره (٣) مرفوعًا: «مُدمنُ الخمر كعابدِ وثنٍ». فإن الزنى أعظم من

стр. 518

شرب الخمر. قال الإمام أحمد: ليس بعد قتل النفس أعظم من الزنى. وفي الصحيحين (١) من حديث أبي وائلٍ عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله! أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله نِدًّا وهو [١٣٦ ب] خلقك» قال: قلت: ثم أيٌّ؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك» قال: قلت: ثُم أيٌّ؟ قال: «أن تزني بحليلة جارك» فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان/ ٦٨]. وقال قتيبة بن سعيد (٢): حدثنا ابن لهيعة، عن ابن أنعم، عن رجل، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «الزاني بحليلة جاره لا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا يُزكيه، ويقولُ: ادخُل النار مع الدَّاخلين». وذكر سفيان بن عُيينة (٣)، عن جامع بن شدَّاد، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: إذا بُخس المكيال؛ حُبِس القطر، وإذا ظهر الزنى؛ وقع الطاعون، وإذا كثُر الكذب؛ كثر الهرج. وفي الصحيحين (٤) من حديث الأعمش عن أبي حازم، عن أبي

стр. 519

هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، ولهم عذابٌ أليمٌ: شيخٌ زانٍ، وملك كذَّابٌ، وعائلٌ مستكبرٌ». وذكر سفيان الثوري (١) عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن أبي ذرٍّ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إن الله يبغض ثلاثة: الشيخ الزاني، والمقلَّ المُختال، والبخيل المنان». وذكر الأعمش (٢) عن خيثمة، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «مثل الذي يجلس على فراش المُغيبة مثل الذي تنهشه الأساودُ يوم القيامة». المغيبةُ: هي التي قد سافر زوجها في جهادٍ، أو حجٍّ، أو غيرهما. وفي النسائي وغيره (٣) من حديث بُريدة عن النبي ﷺ قال: «حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كأمَّهاتِهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلًا من المجاهدين في أهله إلَاّ نصب الله له يوم القيامة، فيقالُ: يا فُلانُ! [١٣٧ أ] هذا فُلانٌ، فخُذ من حسناته ما شئت» ثمَّ التفت النبي ﷺ

стр. 520

إلى أصحابه فقال: «ما ترون يدعُ له من حسناته شيئًا؟» وفي لفظٍ: «وإذا خلفه في أهله فخانهُ؛ قيل له يوم القيامة: هذا خانك في أهلك، فخُذ من حسناته ما شئت. فما ظنُّكم؟!». ويكفي في قُبح الزنَى أن الله سبحانه ــ مع كمال رحمته ــ شرع فيه أفحش القتلات، وأصعبها، وأفضحها، وأمر أن يشهد عبادُه المؤمنون تعذيب فاعله. ومن قبحه: أن الله سبحانه فطر عليه بعض الحيوان البهيم الذي لا عقل له، كما روى البخاريُّ في صحيحه (١) عن عمرو بن ميمون الأوديِّ قال: رأيت في الجاهلية قردًا زنى بقردةٍ، فاجتمع عليهما القرودُ، فرجموهما حتى ماتا، وكنتُ فيمنْ رجمهما. فصل والزنى يجمع خلال الشر كلها: من قلة الدين، وذهاب الورع، وفساد المروءة، وقلة الغيرة، فلا تجد زانيًا معه ورع، ولا وفاءٌ بعهدٍ، ولا صدقٌ في حديث، ولا محافظةٌ على صديق، ولا غيرةٌ تامة على أهله. فالغدر، والكذب، والخيانة، وقلة الحياء، وعدم المراقبة، وعدم الأنفة للحرم، وذهاب الغيرة من القلب من شعبه، وموجباته.

стр. 521

ومن موجباته: غضب الرب بإفساد حرمه وعياله، ولو تعرض رجلٌ إلى ملك من الملوك بذلك؛ لقابله أسوأ مقابلة. ومنها: سواد الوجه، وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت الذي يبدو عليه للناظرين، ومنها: ظلمة القلب، وطمس نوره، وهو الذي أوجب طمسَ نور الوجه، وغشيان الظلمة له. ومنها: الفقر اللازم. وفي أثرٍ: «يقول الله تعالى: أنا الله مهلك الطغاة، ومفقر الزناة» (١). ومنها: أنه يُذهِب حرمة فاعله، ويسقطه من عين ربه، ومن أعين عباده. ومنها: أنه يَسلُبه أحسن الأسماء، وهو اسم العفة، والبر، والعدالة، ويعطيه أضدادها، كاسم الفاجر، والفاسق، والزاني، والخائن. ومنها: أنه يسلبه اسم المؤمن، كما في الصحيح (٢) [١٣٧ ب] عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». فسلبه اسم الإيمان المطلق، وإن لم يسلب عنه مطلق الإيمان. وسئل جعفر بن محمد عن هذا الحديث، فخطَّ دائرة في الأرض، وقال: هذه دائرة الإيمان، ثم خط دائرة أخرى خارجة عنها، وقال: هذه دائرة الإسلام، فإذا زنى العبد خرج من هذه، ولم يخرج من هذه. ولا يلزم من ثبوت جزء ما من الإيمان له أن يسمى مؤمنًا، كما أن

стр. 522

الرجل يكون معه جزءٌ ما من العلم، والفقه، ولا يسمى به: عالمًا فقيهًا، ومعه جزءٌ من الشجاعة، والجود، ولا يسمى بذلك: شجاعًا، ولا جوادًا، وكذلك يكون معه شيءٌ من التقوى ولا يسمى: متقيًا. ونظائره، فالصواب إجراء الحديث على ظاهره، ولا يتأول بما يخالف ظاهره، والله أعلم. ومنها: أنه يعرض نفسه لسكنى التنُّور الذي رأى النبي ﷺ فيه الزناة والزواني. ومنها: أنه يفارقه الطيب الذي وصف الله به أهل العفاف، ويستبدل به الخبث الذي وصف الله به الزناة، كما قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور/ ٢٦]. فقد حرم الله الجنة على كل خبيث، بل جعلها مأوى الطيبين، ولا يدخلها إلا طيب. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل/ ٣٢]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر/ ٧٣]. فإنما استحقوا سلام الملائكة، ودخول الجنة بطيبهم، والزناة من أخبث الخلق، وقد جعل الله سبحانه جهنم دار الخبث وأهله، فإذا كان يوم القيامة ميز الخبيث من الطيب، وجعل الخبيث بعضه على بعض، ثم ألقاه، وألقى أهله في جهنم، فلا يدخل النار طيب ولا يدخل الجنة خبيث. ومنها: الوحشة التي يضعها الله في قلب الزاني، [١٣٨ أ] وهي نظير

стр. 523

الوحشة التي تعلو وجهه، فالعفيف على وجهه حلاوة، وفي قلبه أنس، ومن جالسه استأنس به، والزاني تعلو وجهه الوحشة، ومن جالسه استوحش به. ومنها: قلة الهيبة التي تنزع من صدور أهله، وأصحابه، وغيرهم له، وهو أحقر شيء في نفوسهم، وعيونهم، بخلاف العفيف، فإنه يرزق المهابة، والحلاوة. ومنها: أن الناس ينظرونه بعين الخيانة، ولا يأمنه أحدٌ على حرمته، ولا على ولده. ومنها: الرائحة التي تفوح عليه، يشمها كل ذي قلب سليم، تفوح من فيه وجسده، ولولا الاشتراك بين الناس في هذه الرائحة؛ لفاحت من صاحبها، ونادت عليه، ولكن كما قيل: كلٌّ به مثلُ ما بي غير أنَّهمُ ... من غيرةٍ بعضهم للبعض عُذَّالُ ومنها: ضيقة الصدر وحرجه؛ فإن الزُّناة يُقابلون بضد مقصودهم، فإن من طلب لذة العيش وطِيبَه بما حرمه الله عليه؛ عاقبه الله بنقيض قصده. فإنَّ ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته، ولم يجعل الله معصيته سببًا إلى خيرٍ قط. ولو علم الفاجر ما في العفاف من اللذة والسرور، وانشراح الصدر، وطيب العيش لرأى: أن الذي فاته من اللذة أضعاف أضعاف ما حصل له، دع ربح العاقبة، والفوز بثواب الله وكرامته.

стр. 524

ومنها: أنه يُعرِّض نفسه لفوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنَّات عدن، وقد تقدم أن الله سبحانه إذا كان قد عاقب لابس الحرير في الدنيا بحرمانه للبسه يوم القيامة، وشارب الخمر في الدنيا بحرمانه إياها يوم القيامة، فكذلك من تمتع بالصور المحرمة في الدنيا، بل كل ما ناله العبد في الدنيا، فإن توسع في حلاله؛ ضيق من حظه يوم القيامة بقدر ما توسع فيه، وإن [١٣٨ ب] ناله من حرام؛ فاته نظيره يوم القيامة. ومنها: أن الزنى يُجرِّئه على قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وكسب الحرام، وظلم الخلق، وإضاعة أهله وعياله، وربما قاده قسرًا إلى سفك الدم الحرام، وربما استعان عليه بالسحر وبالشرك، وهو يدري، أو لا يدري. فهذه المعصية لا تتم إلا بأنواع من المعاصي قبلها ومعها. ويتولد عنها أنواعٌ أُخرُ من المعاصي بعدها، فهي محفوفةٌ بجندٍ من المعاصي قبلها، وجند بعدها، وهي أجلب لشرِّ الدنيا والآخرة، وأمنع شيء لخير الدنيا والآخرة، وإذا علقت بالعبد، فوقع في حبائلها وأشراكها؛ عزَّ على الناصحين استنقاذُه، وأعيا الأطباء دواؤه، فأسيرها لا يُفدى، وقتيلها لا يُودَى، وقد وكلها الله سبحانه بزوال النعم، فإذا ابتلي بها عبد فيودع نعم الله، فإنها ضيف سريع الانتقال، وشيك الزوال. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد/ ١١].

стр. 525

فصل فهذا بعض ما في هذه السبيل من الضرر، وأما سبيل الأمة اللُّوطية؛ فتلك سبيل الهالكين، المفضية بسالكها إلى منازل المعذَّبين؛ الذين جمع الله عليهم من أنواع العقوبات ما لم يجمعه على أمةٍ من الأمم، لا من تأخَّر عنهم ولا من تقدَّم، وجعل ديارهم وآثارهم عبرةً للمُعتبرين، وموعظةً للمتَّقين. وكتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر الصديق: أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلًا يُنكح، كما تنكح المرأة، فجمع أبو بكر لذلك ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ وفيهم عليُّ بن أبي طالب فاستشارهم، فكان عليٌّ أشدهم قولًا فيه، فقال: إن هذا لم يعمل به أمة من الأمم إلا أمة واحدة، فصنع الله بها ما قد علمتم، أرى أن تحرقوه بالنار، فأحرقوه بالنار. وقال عمر بن الخطاب وجماعةٌ من الصحابة والتابعين: يُرجم بالحجارة حتى يموت، [١٣٩ أ] أُحصن أو لم يحصن، ووافقه على ذلك الإمام أحمد وإسحاق ومالك. وقال الزهري: يُرجم، أُحصن، أو لم يحصن، سنة ماضيةٌ. وقال جابر بن زيد في رجل غشي رجلًا في دبره قال: الدبر أعظم حرمة من الفرج، يُرجم أُحصن، أو لم يحصن. وقال الشعبي: يُقتل، أُحصن أو لم يحصن. وسئل ابن عباس عن اللُّوطي ما حدُّه؟ قال: يُنظَر أعلى بناء في

стр. 526

المدينة، فيُرمى منه منكَّسًا، ثم يتبع بالحجارة. ورجم عليٌّ لوطيًا، وأفتى بتحريقه. فكأنه رأى جواز هذا وهذا. وقال إبراهيم النخعي: لو كان أحدٌ ينبغي له أن يرجم مرَّتين؛ لكان ينبغي للُّوطي أن يرجم مرَّتين. وذهبت طائفةٌ إلى أنه يُرجم إن أُحصن، ويجلد إن لم يحصن. وهذا قول الشافعي، وأحمد في رواية عنه، وسعيد بن المسيب في رواية عنه، وعطاء بن أبي رباح. قال عطاء: شهدتُ ابن الزُّبير أُتي بسبعة أُخذوا في اللواط: أربعة منهم قد أحصنوا، وثلاثة لم يحصنوا، فأمر بالأربعة، فأخرجوا من المسجد الحرام، فرجموا بالحجارة، وأمر بالثلاثة، فضربوا الحد، وفي المسجد ابن عمر، وابن عباس. والصحابة اتفقوا على قتل اللوطي، وإنما اختلفوا في كيفية قتله، فظنَّ بعضُ الناس: أنهم متنازعون في قتله، ولا نزاع بينهم فيه إلا في إلحاقه بالزَّاني، أو في قتله مطلقًا. وقد اختلف الناس في عقوبته على ثلاثة أقوال: أحدُها: أنها أعظم من عقوبة الزنى، كما أن عقوبته في الآخرة أشدُّ. الثاني: أنها مثلها. الثالث: أنها دونها. وذهب بعضُ الشافعية إلى أن عقوبة الفاعل كعقوبة الزاني، وعقوبة المفعول به الجلد مطلقًا، بكرًا كان أو ثيبًا. قال: لأنه لا يلتذُّ بالفعل به بخلاف الفاعل.

стр. 527

وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا حدَّ على واحدٍ منهما، قال: لأنَّ الوازع عن ذلك ما [١٣٩ ب] في الطباع من النفرة عنه، واستقباحه، وما كان كذلك لم يحتج إلى أن يزجر الشارع عنه، كأكل العذرة، والميتة، والدم، وشرب البول. ثم قال هؤلاء: إذا أكثر منه اللُّوطي؛ فللإمام قتله تعزيرًا. صرح بذلك أصحاب أبي حنيفة. و الصحيح: أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزاني ؛ لإجماع الصحابة على ذلك، ولغلظ حرمته، وانتشار فساده، ولأن الله سبحانه لم يعاقب أُمَّةً ما عاقب اللُّوطية. قال ابن أبي نجيح في تفسيره: عن عمرو بن دينار في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت/ ٢٨] قال: ما نزا ذكرٌ على ذكرٍ حتى كان قومُ لوط. وقال محمد بن مخلد: سمعت عباسًا الدُّوريَّ يقول: بلغني أنَّ الأرض تعُجُّ إذا ركب الذكرُ على الذكر. وذكر ابن أبي الدُّنيا بإسناده عن كعب قال: كان إبراهيم يُشرف على سدوم فيقول: ويلٌ لك سدومُ يومًا مَّا لك! فجاءت إبراهيم الرُّسل، وكلمهم إبراهيم في أمر قوم لوطٍ، قالوا: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [هود/ ٧٦] قال: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [هود/ ٧٧] فذهب بهم إلى منزله، فدخَّنت امرأتُه، فجاءه ﴿قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ [هود/ ٧٨] فقال: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود/ ٧٨] أزوِّجكم بهن، ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ

стр. 528

رَشِيدٌ﴾ وجعل لوطٌ الأضياف في بيته، ووقف على باب البيت، و ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود/ ٨٠] قال: أي عشيرةٍ تمنعني. قال: ولم يُبعَث نبي بعد لوط إلا في عزٍّ من قومه، فلما رأت الرسل ما قد لقي لوطٌ في سببهم ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود/ ٨١] فخرج عليهم جبريل فضرب وجوههم بجناحه ضربة طمس أعينهم. قال: والطمسُ: [١٤٠ أ] أن تذهب حتى تستوي، واحتمل مدائنهم، حتى سمع أهل سماء الدنيا نبيح كلابهم، وأصوات ديوكهم، ثم قلبها، وأمطر الله عليهم حجارة من سجيل. قال: على أهل بواديهم، وعلى رعائهم وعلى مسافريهم، فلم ينفلت منهم إنسان. وقال مجاهد: نزل جبريل ــ ﵇ ــ فأدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط، فرفعها، حتى سمع أهل السماء نبيح الكلاب، وأصوات الدجاج والديكة، ثم قلبها، فجعل أعلاها أسفلها، ثم أُتبعوا بالحجارة. وفي تفسير أبي صالح عن ابن عباس (١) قال: أغلق لوطٌ على ضيفه البابَ، فخلعوا الباب، ودخلوا، فطمس جبريل أعينهم، فذهبت أبصارهم، فقالوا: يا لوط جئتنا بالسحر، وتوعدوه، فأوجس في نفسه خيفة قال: يذهب هؤلاء ونُؤذَى، فقالوا: لا تخف إنا رسل ربك، إن موعدهم الصبح، قال لوط: الساعة، قال جبريل: أليس الصبح بقريب؟

стр. 529

قال: فرفعت المدينة حتى سمع أهل السماء نبيح الكلاب، ثم أقلبت، ورموا بالحجارة. وقال حذيفة بن اليمان (١): لما أُرسلت الرسل إلى قوم لوط، لتهلكهم؛ قيل لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوطٌ ثلاث مرات، وطريقهم على إبراهيم، قال: فأتَوا إبراهيم، فبشروه بما بشروه ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود/ ٧٤] قال: كان مجادلته إياهم أن قال لهم: إن كان فيهم خمسون؛ أتهلكونهم؟ قالوا: لا. قال: أفرأيتم إن كان فيهم أربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون؟ قالوا: لا. حتى انتهى إلى عشرةٍ، أو خمسةٍ، فأتوا لوطًا وهو في أرض يعمل فيها، فحسبهم ضيفًا، فأقبل بهم حين أمسى إلى أهله، وأتوا معه، فالتفت إليهم فقال: أما ترون ما يصنع هؤلاء؟ قالوا: وما يصنعون؟ قال: ما من الناس أحد شرٌّ منهم، قال: فانتهى بهم إلى أهله، فانطلقت العجوز السُّوء امرأتُه، فأتت قومه، فقالت: [١٤٠ ب] لقد تضيَّف لوطًا الليلة قوم ما رأيت قطُّ أحسن وجوهًا، ولا أطيب ريحًا منهم، فأقبلوا يُهرعون إليه، حتى دفعوا الباب، حتى كادوا أن يقلبوه عليهم، فقال ملك بجناحه، فصفقه دونهم، ثم أغلق الباب، ثم علوا الأجاجير، فجعل يخاطبهم، فقال: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود/ ٧٨] حتى بلغ ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود/ ٨٠ ــ ٨١] فطمس جبريل أعينهم فما بقي أحدٌ منهم تلك الليلة حتى عمي. قال: فباتوا بشرِّ

стр. 530

ليلة عُميًا ينتظرون العذاب. قال: وسار بأهله، واستأْذن جبريل ــ ﵇ ــ في هلكتهم، فأُذن له، فارتفع بالأرض التي كانوا عليها، فألوى بها حتى سمع أهل السماء الدنيا ضُغَاءَ كلابهم، وأوقد تحتها نارًا ثم قلبها بهم. قال: فسمعت امرأتُه الوجْبةَ، وهي معه، فالتفتت، فأصابها العذاب. وفي تفسير العوفي عن ابن عباس: جادل إبراهيم الملائكة في قوم لوط أن يتركوا، فقال: أرأيتم إن كان فيهم عشرة أبيات من المسلمين؛ أتتركونهم؟ فقالت الملائكة: ليس فيها عشرة أبيات، ولا خمسةٌ، ولا أربعة، ولا ثلاثة، ولا اثنان. فحزن إبراهيم على لوط، وأهل بيته و ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت/ ٣٢] فذلك قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود/ ٧٤ ــ ٧٥] فقالت الملائكة: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود/ ٧٦] فبعث الله إليهم جبريل، فانتسف المدينة ومن فيها بأحد جناحيه، فجعل عاليها سافلها، وتبعتهم الحجارة بكل أرض. انتهى. فأهلك الله سبحانه الفاعل والمفعول به، والساكت الراضي والدال، المحصن منهم وغير المحصن، العاشق والمعشوق، وأخذهم وهم في سكرة عشقهم يعمهون. [١٤١ أ] وذكر ابن أبي داود في تفسيره عن وهب بن منبه، قال: إن الملائكة حين دخلوا على لوطٍ ظنَّ أنهم أضيافٌ ضافوه، فاحتفل لهم، وحرص
следующие страницы →