المدينة، فيُرمى منه منكَّسًا، ثم يتبع بالحجارة. ورجم عليٌّ لوطيًا، وأفتى بتحريقه. فكأنه رأى جواز هذا وهذا.
وقال إبراهيم النخعي: لو كان أحدٌ ينبغي له أن يرجم مرَّتين؛ لكان ينبغي للُّوطي أن يرجم مرَّتين.
وذهبت طائفةٌ إلى أنه يُرجم إن أُحصن، ويجلد إن لم يحصن. وهذا قول الشافعي، وأحمد في رواية عنه، وسعيد بن المسيب في رواية عنه، وعطاء بن أبي رباح.
قال عطاء: شهدتُ ابن الزُّبير أُتي بسبعة أُخذوا في اللواط: أربعة منهم قد أحصنوا، وثلاثة لم يحصنوا، فأمر بالأربعة، فأخرجوا من المسجد الحرام، فرجموا بالحجارة، وأمر بالثلاثة، فضربوا الحد، وفي المسجد ابن عمر، وابن عباس.
والصحابة اتفقوا على قتل اللوطي، وإنما اختلفوا في كيفية قتله، فظنَّ بعضُ الناس: أنهم متنازعون في قتله، ولا نزاع بينهم فيه إلا في إلحاقه بالزَّاني، أو في قتله مطلقًا.
وقد اختلف الناس في عقوبته على ثلاثة أقوال: أحدُها: أنها أعظم من عقوبة الزنى، كما أن عقوبته في الآخرة أشدُّ. الثاني: أنها مثلها. الثالث: أنها دونها. وذهب بعضُ الشافعية إلى أن عقوبة الفاعل كعقوبة الزاني، وعقوبة المفعول به الجلد مطلقًا، بكرًا كان أو ثيبًا. قال: لأنه لا يلتذُّ بالفعل به بخلاف الفاعل.
стр. 527
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا حدَّ على واحدٍ منهما، قال: لأنَّ الوازع عن ذلك ما [١٣٩ ب] في الطباع من النفرة عنه، واستقباحه، وما كان كذلك لم يحتج إلى أن يزجر الشارع عنه، كأكل العذرة، والميتة، والدم، وشرب البول. ثم قال هؤلاء: إذا أكثر منه اللُّوطي؛ فللإمام قتله تعزيرًا. صرح بذلك أصحاب أبي حنيفة.
و الصحيح: أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزاني ؛ لإجماع الصحابة على ذلك، ولغلظ حرمته، وانتشار فساده، ولأن الله سبحانه لم يعاقب أُمَّةً ما عاقب اللُّوطية.
قال ابن أبي نجيح في تفسيره: عن عمرو بن دينار في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت/ ٢٨] قال: ما نزا ذكرٌ على ذكرٍ حتى كان قومُ لوط. وقال محمد بن مخلد: سمعت عباسًا الدُّوريَّ يقول: بلغني أنَّ الأرض تعُجُّ إذا ركب الذكرُ على الذكر.
وذكر ابن أبي الدُّنيا بإسناده عن كعب قال: كان إبراهيم يُشرف على سدوم فيقول: ويلٌ لك سدومُ يومًا مَّا لك! فجاءت إبراهيم الرُّسل، وكلمهم إبراهيم في أمر قوم لوطٍ، قالوا: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [هود/ ٧٦] قال: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [هود/ ٧٧] فذهب بهم إلى منزله، فدخَّنت امرأتُه، فجاءه ﴿قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ [هود/ ٧٨] فقال: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود/ ٧٨] أزوِّجكم بهن، ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ
стр. 528
رَشِيدٌ﴾ وجعل لوطٌ الأضياف في بيته، ووقف على باب البيت، و ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود/ ٨٠] قال: أي عشيرةٍ تمنعني. قال: ولم يُبعَث نبي بعد لوط إلا في عزٍّ من قومه، فلما رأت الرسل ما قد لقي لوطٌ في سببهم ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود/ ٨١] فخرج عليهم جبريل فضرب وجوههم بجناحه ضربة طمس أعينهم. قال: والطمسُ: [١٤٠ أ] أن تذهب حتى تستوي، واحتمل مدائنهم، حتى سمع أهل سماء الدنيا نبيح كلابهم، وأصوات ديوكهم، ثم قلبها، وأمطر الله عليهم حجارة من سجيل. قال: على أهل بواديهم، وعلى رعائهم وعلى مسافريهم، فلم ينفلت منهم إنسان.
وقال مجاهد: نزل جبريل ــ ﵇ ــ فأدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط، فرفعها، حتى سمع أهل السماء نبيح الكلاب، وأصوات الدجاج والديكة، ثم قلبها، فجعل أعلاها أسفلها، ثم أُتبعوا بالحجارة.
وفي تفسير أبي صالح عن ابن عباس (١) قال: أغلق لوطٌ على ضيفه البابَ، فخلعوا الباب، ودخلوا، فطمس جبريل أعينهم، فذهبت أبصارهم، فقالوا: يا لوط جئتنا بالسحر، وتوعدوه، فأوجس في نفسه خيفة قال: يذهب هؤلاء ونُؤذَى، فقالوا: لا تخف إنا رسل ربك، إن موعدهم الصبح، قال لوط: الساعة، قال جبريل: أليس الصبح بقريب؟
стр. 529
قال: فرفعت المدينة حتى سمع أهل السماء نبيح الكلاب، ثم أقلبت، ورموا بالحجارة.
وقال حذيفة بن اليمان (١): لما أُرسلت الرسل إلى قوم لوط، لتهلكهم؛ قيل لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوطٌ ثلاث مرات، وطريقهم على إبراهيم، قال: فأتَوا إبراهيم، فبشروه بما بشروه ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود/ ٧٤] قال: كان مجادلته إياهم أن قال لهم: إن كان فيهم خمسون؛ أتهلكونهم؟ قالوا: لا. قال: أفرأيتم إن كان فيهم أربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون؟ قالوا: لا. حتى انتهى إلى عشرةٍ، أو خمسةٍ، فأتوا لوطًا وهو في أرض يعمل فيها، فحسبهم ضيفًا، فأقبل بهم حين أمسى إلى أهله، وأتوا معه، فالتفت إليهم فقال: أما ترون ما يصنع هؤلاء؟ قالوا: وما يصنعون؟ قال: ما من الناس أحد شرٌّ منهم، قال: فانتهى بهم إلى أهله، فانطلقت العجوز السُّوء امرأتُه، فأتت قومه، فقالت: [١٤٠ ب] لقد تضيَّف لوطًا الليلة قوم ما رأيت قطُّ أحسن وجوهًا، ولا أطيب ريحًا منهم، فأقبلوا يُهرعون إليه، حتى دفعوا الباب، حتى كادوا أن يقلبوه عليهم، فقال ملك بجناحه، فصفقه دونهم، ثم أغلق الباب، ثم علوا الأجاجير، فجعل يخاطبهم، فقال: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود/ ٧٨] حتى بلغ ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود/ ٨٠ ــ ٨١] فطمس جبريل أعينهم فما بقي أحدٌ منهم تلك الليلة حتى عمي. قال: فباتوا بشرِّ
стр. 530
ليلة عُميًا ينتظرون العذاب. قال: وسار بأهله، واستأْذن جبريل ــ ﵇ ــ في هلكتهم، فأُذن له، فارتفع بالأرض التي كانوا عليها، فألوى بها حتى سمع أهل السماء الدنيا ضُغَاءَ كلابهم، وأوقد تحتها نارًا ثم قلبها بهم. قال: فسمعت امرأتُه الوجْبةَ، وهي معه، فالتفتت، فأصابها العذاب.
وفي تفسير العوفي عن ابن عباس: جادل إبراهيم الملائكة في قوم لوط أن يتركوا، فقال: أرأيتم إن كان فيهم عشرة أبيات من المسلمين؛ أتتركونهم؟ فقالت الملائكة: ليس فيها عشرة أبيات، ولا خمسةٌ، ولا أربعة، ولا ثلاثة، ولا اثنان. فحزن إبراهيم على لوط، وأهل بيته و ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت/ ٣٢] فذلك قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود/ ٧٤ ــ ٧٥] فقالت الملائكة: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود/ ٧٦] فبعث الله إليهم جبريل، فانتسف المدينة ومن فيها بأحد جناحيه، فجعل عاليها سافلها، وتبعتهم الحجارة بكل أرض. انتهى.
فأهلك الله سبحانه الفاعل والمفعول به، والساكت الراضي والدال، المحصن منهم وغير المحصن، العاشق والمعشوق، وأخذهم وهم في سكرة عشقهم يعمهون. [١٤١ أ]
وذكر ابن أبي داود في تفسيره عن وهب بن منبه، قال: إن الملائكة حين دخلوا على لوطٍ ظنَّ أنهم أضيافٌ ضافوه، فاحتفل لهم، وحرص
стр. 531
على كرامتهم، وخالفته امرأتُه إلى فسَّاق قومه، فأخبرتهم: أنه ضاف لوطًا أحسنُ الناس وجوها، وأنضرهم جمالًا، وأطيبهم ريحًا، فكانت هذه خيانتها التي ذكر الله في كتابه.
وفيه عن ابن عباس في قوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم/ ١٠] قال: والله ما زنتا! ولا بغت امرأةُ نبيٍّ قطُّ. فقيل له: فما كانت خيانةُ امرأة نوحٍ وامرأة لوط؟ فقال: أمَّا امرأة نوحٍ؛ فكانت تخبر أنه مجنون، وأما امرأة لوطٍ؛ فإنها كانت تدلُّ على الضيف.
وقال أبو مسلم الكَشي (١) في مسنده: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الوارث، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن محمد ابن عقيل، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن أخوف ما أخاف على أُمَّتي من بعدي عمل قوم لوطٍ».
وقال هشام بن عمَّار: حدثنا عبد العزيز الدَّراوردي عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله من وقع على بهيمةٍ، ولعن الله من عمل عمل قوم لوطٍ» رواه الإمام أحمد (٢).
وقال القعنبي: حدثنا عبد العزيز هو الدَّراوردي عن عمرو بن أبي
стр. 532
عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله من تولى غير مواليه، ولعن الله من غير تُخُوم الأرض، ولعن الله من كمَّه أعمى عن السبيل، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من عمل عمل قوم لوطٍ، ولعن الله من عمل عمل قوم لوط، ولعن الله من عمل عمل قوم لوط ــ ثلاثًا ــ ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من وقع على بهيمة» (١). هذا الإسناد على شرط البُخاري.
وقال أبو داود الطيالسي (٢): حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد الحذَّاء، عن محمد بن سيرين، عن أبي موسى الأشعري قال: قال [١٤١ ب] رسول الله ﷺ : «إذا باشر الرجل الرجل؛ فهما زانيان» وفي لفظ: «إذا أتى الرجلُ الرجل».
وفي المسند والسنن (٣) من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: قال
стр. 533
رسول الله ﷺ : «اقتلوا الفاعل والمفعول به» وفي لفظ: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط؛ فاقتلوا الفاعل والمفعول به». وإسناده على شرط البخاري.
وروى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوطٍ؛ فارجموه» أو قال: «فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (١).
وحرق اللوطية بالنار أربعةٌ من الخلفاء: أبو بكر الصديق، وعليُّ بن أبي طالب، وعبد الله بن الزُّبير، وهشامُ بن عبد الملك (٢).
وقال حماد بن سلمة: عن قتادة، عن خلاس، عن عبيد الله بن معمر، قال: يقتل اللوطي (٣). وقال سعيد بن المسيب: عندنا على اللوطي الرَّجم أُحصن، أو لم يحصن، سنةٌ ماضية (٤). وهذا يدل على أن ذلك
стр. 534
سنة مضى عليها العمل.
وقال الشعبي: يُقتل أُحصن، أو لم يُحصن (١). وقال الزُّهريُّ، وربيعةُ، وابن هُرمز، ومالك بن أنس: عليه الرجم، أُحصن، أو لم يُحصن (٢).
وقال بعض العلماء: وإنما قال سعيد بن المسيب: إن ذلك سنةٌ ماضيةٌ لقول النبي ﷺ : «اقتلوا الفاعل والمفعول» ولم يقل محصنًا، ولا غير محصن.
وحرقهم أبو بكر ــ ﵁ ــ بالنار بعد مشورة الصحابة، وأشار عليه بذلك علي بن أبي طالب ــ ﵁ ــ، وحرقهم عليٌّ، وابنُ الزُّبير، كما ذكر الآجريُّ وغيره عن محمد بن المنكدر: أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكرٍ: أنه وجد رجلًا في بعض ضواحي العرب ينكح كما تنكحُ المرأة، فجمع أبو بكر لذلك أصحاب النبي ﷺ وفيهم عليُّ بن أبي طالب ــ ﵁ ــ فقال عليٌّ: إن هذا ذنبٌ لم يعمل به إلا أمةٌ واحدةٌ، ففعل الله بهم ما قد علمتم، أرى أن تحرقهم بالنار، فاجتمع رأي [١٤٢ أ] أصحاب رسول الله ﷺ أن يحرق بالنار، فأمر به أبو بكر أن يحرق.
стр. 535
قال: وقد حرقهم ابن الزُّبير، وهشام بن عبد الملك، وقال ابن عباس ــ ﵄ ــ: يُرجم اللوطي بكرًا كان أو ثيِّبًا (١).
وقال عمر بن الخطاب ــ ﵁ ــ: من عمل عمل قوم لُوطٍ، فاقتلوه (٢). ولم يفرق أحدٌ منهم بين المحصن وغيره، وصرح بعضهم بعموم الحكم للمحصن وغير المحصن، فلذلك قال ابن المسيب: إن هذا سنةٌ ماضيةٌ.
وفي مسائل إسحاق بن منصور الكوسج: قلت لأحمد: يرجم اللُّوطي أُحصن، أو لم يحصن؟ فقال: يرجم، أُحصن، أو لم يحصن. قال إسحاقُ بن راهويه: هو كما قال.
قال إسحاق بن راهويه: والسنة في الذي يعمل عمل قوم لوطٍ أن يرجم محصنًا كان، أو غير محصن؛ لأن النبي ﷺ قال: «من عمل عمل قوم لوط فاقتلوه» (٣) رواه ابن عباس عن النبي ﷺ كذلك، ثم أفتى ابنُ عباسٍ بعد النبي ﷺ فيمن يعمل عمل قوم لوطٍ: أنه يرجم وإن كان بكرًا، فحكم في ذلك بما رواه عن النبي ﷺ .
стр. 536
وكذلك رُوي عن علي بن أبي طالب مثل هذا القول: إن اللوطي يرجم، ولم يذكر محصنًا كان، أو غير محصن، وكذلك فعل الله سبحانه بقوم لوط، وكذا يروى عن أبي بكر الصديق ﵁: أنه حرقهم بالنار. هذا كلام إسحاق ﵀.
وذكر الآجري في «تحريم اللواط» (١) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «سبعةٌ لا ينظرُ الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ويقول: ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل والمفعول به، والناكح يده، وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دُبرها، والجامع بين المرأة وبنتها، والزاني بحليلة جاره، والمؤذي لجاره حتَّى يلعنهُ».
وذكر عن أنس مرفوعًا نحوه (٢)، وقال: «ادخلوا النار أوَّل الداخلين إلَّا أن يتوبوا، إلا أن يتوبوا، إلا أن يتوبوا، فمن تاب؛ تاب الله عليه: الناكحُ يده، [١٤٢ ب] والفاعل والمفعول به، ومدمن الخمر، والضاربُ أبويه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والزاني بحليلة جاره».
وقال مجاهد (٣): لو أن الذي يعمل ذلك العمل ــ يعني: عمل قوم لوط ــ
стр. 537
اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض؛ لم يزل نجسًا.
وقد ذكر الله سبحانه عقوبة اللُّوطية، وما حل بهم من البلاء في عشر سور من القرآن وهي: سورة الأعراف، وهود، والحجر، والأنبياء، والفرقان، والشعراء، والنمل، والعنكبوت، والصافات، واقتربت الساعة. وجمع على القوم بين عمى الأبصار، وخسف الديار، والقذف بالأحجار، ودخول النار. وقال محذرًا لمن عمل عملهم مما حلَّ بهم من العذاب الشديد: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود/ ٨٩].
وقال بعض العلماء: إذا علا الذكرُ الذكرَ؛ هربت الملائكة، وعجَّت الأرض إلى ربها، ونزل سخط الجبار ــ ﷻ ــ عليهم، وغشيتهم اللعنة، وحفَّت بهم الشياطين، واستأذنت الأرض ربها أن تُخسف بهم، وثقُل العرش على حملته، وكبرت الملائكة، واستعرت الجحيم، فإذا جاءته رسل الله لقبض روحه؛ نقلوها إلى ديار إخوانهم، وموضع عذابهم، فكانت روحه بين أرواحهم. وذلك أضيق مكانًا، وأعظم عذابًا من تنور الزُّناة. فلا كانت لذةٌ توجب هذا العذاب الأليم! وتسوقُ صاحبها إلى مرافقة أصحاب الجحيم.
تذهب اللذَّات، وتعقب الحسرات، وتفنى الشهوة، وتبقى الشقوة. وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ينشد (١):
стр. 538
تفنى اللَّذاذةُ ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الخِزي والعار
تبقى عواقبُ سوءٍ في مغبَّتها ... لا خير في لذَّةٍ من بعدها النارُ
فصل
وأما إن كانت الفاحشة مع ذي رحم محرم، فذلك الهُلْكُ كلُّ الهلك، [١٤٣ أ] ويجب قتل الفاعل بكل حالٍ عن الإمام أحمد وغيره. واحتجَّ الإمام أحمدُ بحديث عدي بن ثابت عن البراء بن عازبٍ قال: لقيت خالي ومعه الرايةُ، فقلت: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجلٍ تزوَّج امرأة أبيه، أضربُ عنقه، وآخذُ ماله. رواه الإمامُ أحمد (١)، واحتجَّ به.
وقال شعبة (٢): حدثنا الركين بن الربيع عن عدي بن ثابت، عن البراء قال: رأيتُ أُناسًا ينطلقون، فقلت: أين تذهبون؟ قالوا: بعثنا رسول الله ﷺ إلى رجل يأْتي امرأةَ أبيه أن نقتله.
وذكر عبد الله بن صالح (٣): حدثنا يحيى بن أيوب عن ابن جُريج،
стр. 539
عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: «اقتلوا الفاعل والمفعول به، والذي يأْتي البهيمة، والذي يأتي كلَّ ذات محرم».
وقال هشام بن عمار (١): حدثنا رفدةُ بن قُضاعة، حدثنا صالح بن راشد قال: أُتي الحجاجُ برجلٍ قد اغتصب أُخته على نفسها، فقال: احبسوه، وسَلُوا من هاهنا من أصحاب محمد ﷺ ، فسألوا عبد الرحمن بن [أبي] مُطرف فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «من تخطَّى الحرمتين؛ فخُطُّوا وسطهُ بالسيف».
وأفتى ابن عباس ــ ﵄ ــ بمثل ذلك. وقال عمر بن شبَّة (٢): حدثنا مُعاذُ بن هشام، حدثنا أبي عن قتادة، قال: أُتي الحجاج برجل زنى بأُخته، فسأل عنها عبد الله، فقال: يُضربُ بالسيف. فأمر به الحجَّاجُ، فضربت عنقُه.
وذكر حماد بن سلمة (٣)، عن بكر بن عبد الله المُزنِيِّ: أن رجلًا تزوَّجَ خالته، فرُفع إلى عبد الملك بن مروان، فقال: إنِّي ظننتُ أنَّها تَحِلُّ
стр. 540
لي، فقال: لا جهالة في الإسلام. وأظنُّ أنَّهُ أمر به، فقُتل.
وفي مسائل صالح بن أحمد (١) قال: سألت أبي عن الرجل تزوج ذات محرمٍ منه، فقال: إن كان عمدًا؛ يُقتلُ، ويُؤْخذُ ماله، وإن كان لا يعلم؛ يُفرَّقُ [١٤٣ ب] بينهما. وأستحب أن يكون لها ما أخذت منه، ولا يرجع عليها بشيء.
وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده (٢): أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة من أتى ذات محرم».
стр. 541
الباب الخامس والعشرون في رحمة المُحبين، والشفاعة لهم إلى أحبابهم في الوصال الذي يبيحه الدين
قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء/ ٨٥] وكل من أعان غيره على أمرٍ بقوله أو فعله فقد صار شفيعًا له، والشفاعة للمشفوع له هذا أصلها، فإن الشافع يشفع لصاحب الحاجة، فيصير له شفعًا في قضائها؛ لعجزه عن الاستقلال بها، فدخل في حكم هذه الآية كل متعاونين على خيرٍ، أو شر بقول، أو عمل. ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة/ ٢].
وفي الصحيح (١) عنه ﷺ : أنه كان إذا جاءه طالب حاجة يقول: «اشفعوا تُؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما أحب».
وفي صحيح البخاري (٢) أن بريرة لما عتقت؛ اختارت نفسها، فكان زوجها يمشي خلفها، ودموعه تسيلُ على لحيته، فقال لها النبي ﷺ : «لو
стр. 542
راجعتيه فإنه أبو ولدك» فقالت: أتأْمُرني؟ قال: «لا! إنما أنا شافعٌ» قالت: فلا حاجة لي فيه.
فهذه شفاعةٌ من سيد الشُّفعاء لمُحب إلى محبوبه، وهي من أفضل الشفاعات، وأعظمها أجرًا عند الله، فإنها تتضمن اجتماع محبوبين على ما يحبه الله ورسوله، ولهذا كان أحبّ ما إلى إبليس وجنوده التفريق بين هذين.
وتأمل قوله تعالى في الشفاعة الحسنة ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ وفي السيئة ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء/ ٨٥] فإن لفظ الكفل يُشعر بالحمل، والثقل، ولفظ النصيب يشعر بالحظّ الذي [١٤٤ أ] ينصب طالبه في تحصيله، وإن كان كلٌّ منهما يستعمل في الأمرين عند الانفراد، ولكن لما قرن بينهما؛ حسن اختصاص حظ الخير بالنصيب، وحظ الشر بالكفل.
وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده (١): أن رجلًا على عهد رسول الله ﷺ زوَّج ابنةً له، وكان خطبها قبل ذلك عمُّ بنيها، فبلغ النبي ﷺ أنها كارهةٌ للذي زوجها أبوها، وأنه كان يعجبها أن يزوجها عمَّ بنيها، فأهدر النبي ﷺ نكاح أبيها، وزوجها عم بنيها.
стр. 543
وقد تقدم (١) حديث عمرو بن دينار عن طاوس، عن ابن عباس ﵄: أن رجلًا قال: يا رسول الله! في حجري يتيمةٌ، وقد خطبها رجلٌ موسرٌ، ورجل معدم، فنحن نحبُّ الموسر، وهي تحبُّ المُعْدم. فقال رسول الله ﷺ : «ليس للمتحابين مثل النكاح». رواه سليمان بن موسى عنه.
وقال مخلد بن الحسن (٢): حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين، قال: كان عمر بن الخطاب يَعُسُّ بالليل، فسمع صوت امرأةٍ تغنِّي وتقول:
هل من سبيل إلى خمرٍ فأشربها ... أم هل سبيلٌ إلى نصر بن حجاج
فقال: أما وعمرُ حيٌّ؛ فلا. فلما أصبح؛ بعث إلى نصر بن حجَّاج، فإذا رجلٌ جميلٌ، فقال: اخرج، لا تساكنِّي بالمدينة، فخرج حتى أتى البصرة، وكان يدخل على مجاشع بن مسعود، وكانت له امرأة جميلة، فأعجب بها نصرٌ، فأحبَّها وأحبَّته، فكان يقعد هو ومجاشع يتحدَّثان والمرأة معهما، فكتب لها نصر في الأرض كتابًا، فقال: وأنا، فعلم
стр. 544
مُجَاشعٌ أنها جوابُ كلامٍ، وكان مجاشعٌ لا يكتب، والمرأة تكتب، فدعا بإناءٍ، فأكفأه على المكتوب، ودعا كاتبًا، فقرأه، فإذا هو: إني لأُحبُّك حبًّا لو كان فوقك؛ لأظلَّك، ولو كان تحتك؛ لأقلَّك، وبلغ نصرًا ما صنع مجاشع، فاستحيا، ولزم بيته، وضَنِي جسمه، حتى [١٤٤ ب] صار نصر كالفرخ، فقال مجاشع لامرأته: اذهبي إليه، فأسنديه إلى صدرك، وأطعميه الطعام بيدك، فأبت، فعزم عليها، فأتته، فأسندته إلى صدرها، وأطعمته الطعام بيدها، فلما تحامل؛ خرج من البصرة وهو يقول (١):
إن الذين بخيرٍ كُنتَ تذكُرُهمْ ... همْ أهلكوك وعنهم كنتُ أنهاكا
لا تطلبنَّ شفاءً عند غيرهم ... فليس يُحييك إلا من توفَّاكا
فإن قيل: فهل تبيح الشريعة مثل ذلك؟
قيل: إذا تعيَّن طريقًا للدَّواء، ونجاة العبد من الهلكة؛ لم يكن بأعظم من مداواة المرأة للرَّجل الأجنبي، ومداواته لها، ونظر الطبيب إلى بدن المريض، ومسه بيده للحاجة. وأما التداوي بالجماع؛ فلا يبيحُه الشرع بوجهٍ ما، وأما التداوي بالضم والقُبلة فإن تحقَّق الشفاءُ به؛ كان نظير التَّداوي بالخمر عند من يُبيحه، بل هذا أسهل من التداوي بالخمر، فإن شُربَهُ من الكبائر، وهذا الفعل من الصغائر. والمقصود أن الشفاعة للعشاق فيما يجوز من الوصال والتلاقي سنةٌ ماضيةٌ، وسعيٌ مشكورٌ.
стр. 545
وقد جاء عن غير واحدٍ من الخلفاء الراشدين ومن بعدهم: أنهم شفعوا هذه الشفاعة.
فقال الخرائطي (١): حدثنا عليُّ بن الأعرابي، حدثنا أبو غسان النهدي، قال: مرَّ أبو بكر الصديق ــ ﵁ ــ في خلافته بطريق من طرق المدينة؛ فإذا جاريةٌ تطحنُ برحاها، وهي تقول:
وهويتُه من قبلِ قطع تمائمي ... مُتمايسًا مثل القضيب الناعم
وكأنَّ نُور البدرِ سُنَّةُ وجهِهِ ... ينمي ويصعد في ذُؤابة هاشم
فدق عليها الباب، فخرجت إليه، فقال: ويلك! أحُرَّةٌ أنت أم مملوكةٌ؟ فقالت: بل مملوكةٌ يا خليفة رسول الله ﷺ ! قال: فمن هويت؟ فبكت، ثُمَّ قالت: بحق الله إلا انصرفت عني! قال: لا أريمُ، أو تعلميني! فقالت:
وأنا التي لعِبَ الغرامُ بقلبها ... فبكت لحب محمد بن القاسم
[١٤٥ أ] فصار إلى المسجد، وبعث إلى مولاها، فاشتراها منه، وبعث بها إلى محمد بن القاسم بن جعفر بن أبي طالب، وقال: هؤلاء فِتَنُ الرجال، وكم قد مات بهنَّ من كريم، وعطب عليهنَّ من سليمٍ!
ويذكر عن عثمان بن عفان ــ ﵁ ــ: أنه جاءته جاريةٌ تستعدي على رجلٍ من الأنصار، فقال لها عثمان: ما قصَّتُك؟ فقالت:
стр. 546
يا أمير المؤمنين! كَلِفْتُ بابن أخيه، فما أزال أُراعيه. فقال له عثمان: إما أن تهبها لابن أخيك، أو أعطيك ثمنها من مالي. فقال: أُشهِدُك يا أمير المؤمنين أنها له!
وأُتي عليُّ بن أبي طالب (١) بغلام من العرب، وُجد في دار قوم بالليل، فقال له: ما قصَّتُك؟ فقال: لست بسارقٍ، ولكني أصدُقك.
تعلَّقتُ في دار الرياحي خودةً ... يذلُّ لها من حُسنها الشمس والبدر
لها في بنات الرُّوم حسنٌ ومنصبٌ ... إذا افتخرت بالحسن صدقها الفخر
فلما أتيتُ الدار من حَرِّ مُهجةٍ ... أتيتُ وفيها من توقُّدِها جمرُ
تبادر أهل الدار بي ثم صيَّحوا ... هو اللصُّ محتومًا له القتلُ والأسرُ
فلما سمع عليٌّ شعره؛ رقَّ له، وقال للمهلَّب بن رباح: اسمح له بها، ونعوضك منها، فقال: يا أمير المؤمنين! سلهُ من هو ليُعرف نسبه؟ فقال: النهاسُ بن عُيينة العِجْليُّ. فقال: خذها، فهي لك!
وذكر التميميُّ في كتابه المسمى بـ «امتزاج النفوس» (٢) أن معاوية ابن أبي سفيان اشترى جارية من البحرين، فأُعجب بها إعجابًا شديدًا، فسمعها يومًا تنشد أبياتًا، منها:
стр. 547
وفارقتُه كالغُصنِ يهتزُّ في الثَّرى ... طريرًا وسيمًا بعدما طرَّ شاربُه
فسألها، فقالت: هو ابنُ عمي، فردَّها إليه، وفي قلبه منها.
وقال سالم بن عبد الله (١): كانت عاتكة بنت زيد تحت عبد الله بن أبي بكر الصديق ــ ﵁ ــ وكانت قد غلبته على رأيه، وشغلته عن سُوقه، فأمره أبو بكر بطلاقها واحدةً، ففعل، فوجد [١٤٥ ب] عليها، فقعد لأبيه على طريقه وهو يريد الصلاة، فلما بصر بأبي بكر بكى وأنشأ يقول:
ولم أر مثلي طلَّق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير جُرمٍ يطلقُ
لها خُلُقٌ جزلٌ وحلمٌ ومنصبٌ ... وخلقٌ سويٌّ في الحياة ومصدق
فرقَّ له أبو بكر ــ ﵁ ــ فأمره بمراجعتها، فلما مات؛ قالت: ترثيه (٢):
стр. 548
آليتُ لا تنفك عيني سخينةً ... عليك ولا ينفكُّ جلدي أغبرا
فلله عينا من رأى مثله فتًى ... أعفَّ وأمضى في الهياج وأصبرا
إذا شرعت فيه الأسنةُ خاضها ... إلى الموت حتَّى يترك الرمح أحمرا
فلما حلَّت تزوجها عمر بن الخطاب ــ ﵁ ــ وأولم عليها، فقال له عليُّ بن أبي طالب ــ ﵁ ــ: أتأذن لي يا أمير المؤمنين! أُدخلُ رأسي إلى عاتكة أكلمها؟ قال: نعم! فأدخل عليٌّ رأسه إليها، وقال: يا عُدَيَّة نفسها:
آليتُ لا تنفك عيني قريرةً ... عليك ولا ينفكُّ جلدي أصفرا
فبكت، فقال له عمر: ما دعاك إلى هذا يا أبا الحسن؟! كل النساء يفعلن هذا! فلما قُتل عمر؛ قالت ترثيه (١):
عين جودي بعبرةٍ ونحيب ... لا تملِّي على الجواد النجيب
فجعتني المنون بالفارس المُعـ ... ـلم يوم الهياج والتثْويب
قل لأهل الضراء والبؤس موتوا ... قد سقته المنون كأس شعوب
فلما حلَّت؛ تزوجها الزُّبير بن العوام، فاستأذنت ليلة أن تخرج إلى المسجد، فشق ذلك عليه، وكره أن يمنعها لقول رسول الله ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» فأذن لها، ثم انكمى في موضع مظلم من
стр. 549
الطريق، فلما مرَّت؛ وضع يده عليها، فكرت راجعةً تسبِّح، فسبقها الزبير إلى المنزل، فلما رجعت؛ قال لها: ما ردَّك عن وجهك؟ قالت: كنا [١٤٦ أ] نخرج والناس ناس، وأما اليوم؛ فلا. وتركت المسجد، فلما قُتل الزُّبير؛ قالت ترثيه (١):
غدر ابن جُرموز بفارس بهمةٍ ... يوم اللقاء وكان غير معرد
يا عمر لو نبهته لوجدته ... لا طائشًا رعش السنان ولا اليد
ثكلتك أُمك إن ظفرت بمثله ... فيما مضى حتى تروح وتغتدي
كم غمرة قد خاضها لم يثنه ... عنها طرادك يا بن أُم الفرقد
إن الزُّبير لذو بلاءٍ صادقٍ ... سمحٌ سجيته كريم المشهد
فلما حلَّت؛ خطبها عليُّ بن أبي طالب ــ ﵁ ــ فقالت: إني لأضنُّ بك عن القتل.
وذكر الخرائطيُّ (٢): أنَّ المهديَّ خرج إلى الحج، حتى إذا كان بزُبالة؛ جلس يتغدَّى، فأتى بدويٌّ فنادى: يا أمير المؤمنين! إني عاشق، ورفع صوته. فقال للحاجب: ويحك! ما هذا؟ قال: إنسان يصيح إني
стр. 550
عاشقٌ، قال: أدخلوه! فأدخلوه عليه، فقال: من عشيقتك؟ قال: ابنةُ عمي، قال: أولها أبٌ؟ قال: نعم! قال: فما له لا يزوجك إياها؟ قال: هاهنا شيءٌ يا أمير المؤمنين! قال: ما هو؟ قال: إني هجينٌ ــ والهجينُ: الذي أمه أمةٌ ليست عربيةً ــ قال له المهدي: فما يكون؟ قال: إنه عندنا عيبٌ، فأرسل في طلب أبيها، فأُتي به، فقال: هذا ابن أخيك؟ قال: نعم! قال: فلم لا تزوجه كريمتك؟ فقال له مثل مقال ابن أخيه، وكان من ولد العباس عنده جماعةٌ، فقال: هؤلاء كلهم بنو العباس، وهم هُجُنٌ، ما الذي يضرُّهم من ذلك؟ قال: هو عندنا عيبٌ! فقال له المهدي: زوِّجه إيَّاها على عشرين ألف درهمٍ، عشرة آلافٍ للعيب، وعشرة آلاف مهرُها، قال: نعم! فحمد الله، وأثنى عليه، وزوجه إياها، فأتى ببدرتين، فدفعهما إليه، فأنشأ الشابُّ يقول:
ابْتعتُ ظبيةَ بالغلاء وإنما ... يُعطي الغلاء بمثلها أمثالي [١٤٦ ب]
وتركتُ أسواق القباح لأهلها ... إن القباح وإن رخُصن غوال
وذكر الخرائطي (١) من حديث الهيثم بن عدي عن عوانة بن الحكم: أن عمر بن أبي ربيعة كان قد ترك الشعر، ورغب عنه، ونذر على نفسه بكل بيتٍ يقوله هدي بدنةٍ، فمكث بذلك حينًا، ثم خرج ليلةً يريدُ
стр. 551
الطواف بالبيت؛ إذ نظر إلى امرأةٍ ذات جمالٍ تطوف، وإذا رجلٌ يتلوها، كلما رفعت رجلها وضع رجله موضع رجلها، فجعل ينظر إلى ذلك من أمرهما، فلما فرغت المرأة من طوافها تبعها الرجل هُنية، ثُمَّ رجع، فلما رآه عمر؛ وثب إليه وقال: لتُخبرني عن أمرك! قال: نعم! هذه المرأة التي رأيت ابنةُ عمي، وأنا لها عاشقٌ، وليس لي مال، فخطبتها إلى عمي، فرغب عني وسألني من المهر ما لا أقدر عليه، والذي رأيت هو حظي منها، ومالي من الدنيا أمنيةٌ غيرها، وإنما ألقاها عند الطواف، وحظي ما رأيت من فعلي. فقال له عمر: ومن عمك؟ قال: فلان بن فلان. قال: انطلق معي إليه، فانطلقا، فاستخرجه عمر، فخرج مبادرًا، فقال: ما حاجتك يا أبا الخطاب؟ قال: تزوج ابنتك فلانة من ابن أخيك فلان، وهذا المهر الذي تسأله مساقٌ إليك من مالي! قال: فإني قد فعلت. قال عمرُ: إني أُحبُّ ألَّا أبرح حتى يجتمعا، قال: وذلك أيضًا! قال: فلم يبرح حتى جمعهما جميعًا، وأتى منزله فاستلقى على فراشه، فجعل النوم لا يأخذه، وجعل جوفه يجيش بالشعر، فأنكرت جاريته ذلك، فجعلت تسأله عن أمره، وتقول: ويحك! ما الذي دهاك؟ فلما أكثرت عليه؛ جلس، وأنشد (١):
تقول وليدتي لما رأتني ... طربتُ وكنتُ قد أقصرتُ حينا
أراك اليوم قد أحدثت شوقًا ... وهاج لك البكا داءً دفينا
стр. 552
بربك هل أتاك لها رسولٌ ... فشاقك أم رأيت لها خدينا [١٤٧ أ]
فقلت شكا إليَّ أخٌ محبٌّ ... لبعض زماننا إذْ تعلمينا
فعدَّ عليَّ ما يلقى بهندٍ ... فوافق بعض ما كنا لقينا
وذو القلب المصاب وإن تعزَّى ... يهيَّجُ حين يلقى العاشقينا
وكم من خُلَّةٍ أعرضتُ عنها ... لغير قِلًى وكنتُ بها ضنينا
رأيتُ صدودها فصددتُ عنها ... ولو هام الفؤادُ بها جُنونا
وعرض خالد بن عبد الله القسريُّ (١) سجنه يومًا، وكان فيه يزيد بن فلان البجليُّ، فقال له خالد: في أيّ شيء حُبست يا يزيدُ؟! قال: في تهمة أصلح الله الأمير! قال: أفتعود إن أطلقتُك؟ قال: نعم أيها الأمير! وكره أن يعرض بقضيته لئلا تفتضح معشوقته، فقال خالد: أحضروا رجال الحي حتى نقطع يده بحضرتهم، وكان ليزيد أخٌ، فكتب شعرًا، ووجه به إلى خالد:
أخالدُ قد أُعطيتَ في الخلق رُتْبَةً ... وما العاشقُ المسكينُ فينا بسارق
أقرَّ بما لم يأته المرءُ إنه ... رأى القطع خيرًا من فضيحة عاشق
ولولا الذي قد خفتُ من قطع كفه ... لألفيتُ في شأن الهوى غير ناطق
إذا بدت الرَّاياتُ للسبق في العلى ... فأنت ابن عبد الله أولُ سابق
стр. 553
فلما قرأ خالد الأبيات؛ علم صدق قوله، فأحضر أولياء الجارية، فقال: زوجوا يزيد فتاتكم! فقالوا: أما وقد ظهر عليه ما ظهر؛ فلا، فقال: لئن لم تزوجوه طائعين؛ لتزوجنه كارهين! فزوَّجوه، ونقد خالدٌ المهر من عنده.
وذكر أبو العباس المبرد (١)، قال: كان رجل بالكوفة يدعى ليث بن زياد وقد ربَّى جاريةً، وأدَّبها، فخرجت بارعةً في كل فن مع جمال وافرٍ، فلم يزل معها مدة، حتى تبينت منه الحاجة، [١٤٧ ب] فقالت: يا مولاي! لو بعتني كان أصلح لك مما أراك به، وإن كنتُ لأظنُّ أني لا أصبرُ عنك، فقصد رجلًا من الأغنياء يعرفها، ويعرف فضلها، فباعها بمئة ألف درهم، فلما قبض المال؛ وجَّه بها إلى مولاها، وجزع عليها جزعًا شديدًا، فلما صارت الجارية إلى سيدها؛ نزل بها من الوحشة للأول ما لم تستطع دفعه، ولا كتمه، فباحت به، وقالت:
أتاني البلا حقًّا فما أنا صانع ... أمصطبرٌ للبين أم أنا جازع
كفى حزنًا أني على مثل جمرة ... أقاسي نجوم الليل والقلب نازعُ
فإن يمنعوني أن أموت بحبه ... فإني قتيلٌ والعيونُ دوامع
فبلغ سيدها شعرها، فدعا بها، وأرادها، فامتنعت عليه، وقالت له: يا سيدي! إنك لا تنتفع بي، قال: ولم ذاك؟ قالت: لما بي، قال: وما
стр. 554
بك؟ صفيه لي! قالت: أجد في أحشائي نيرانًا تتوقد، لا يقدر على إطفائها أحدٌ، ولا تسأل عما وراء ذلك، فرحمها، ورقَّ لها، وبعث إلى مولاها فسأل عن خبره، فوجد عنده مثل الذي عندها، فأحضره، فردَّ الجارية عليه، ووهب له من ثمنها خمسين ألفًا، فلم تزل عنده مدةً طويلةً، وبلغ عبد الله بن طاهر خبرها، وهو بخُراسان، فكتب إلى خليفته بالكوفة يأمره أن ينظر، فإن كان هذا الشعر الذي ذُكر له من قبل الجارية؛ أن يشتريها له بما ملكت يمينه، فركب إلى مولى الجارية، فخبَّره بما كتب إليه عبد الله بن طاهر، فلم يجد سيد الجارية بدًّا من عرضها عليه، وهو كارهٌ، فأراد الأمير أن يعلم ما عند الجارية فأنشأ يقول:
بديعُ حسنٍ رشيقُ قدٍّ ... جعلته منه لي ملاذا
فأجابته الجارية:
فعاتبوه فزاد عشقًا ... فمات شوقًا فكان ماذا
فعلم أنها تصلح له، فاشتراها بمئتي ألف درهم، فجهزها، وحملها إلى عبد الله بن طاهر إلى خراسان، فلما صارت إليه؛ اختبرها، فوجدها على ما أراد، فغلبته على عقله، ويقال: إنها أمُّ محمد بن عبد الله بن طاهر، ولم تزل ألطافها وجوائزها تأتي مولاها الأول حتى ماتت.
وقال عمر بن شبة (١): حدثنا أيوب بن عمر الغفاري قال: طلق عبد الله
стр. 555
ابن عامر امرأته ابنة سهل بن عمرو، فقدمت المدينة ومعها ابنةٌ لها، ومعها وديعةُ جوهر، استودعها إياهُ، فتزوجها الحسن بن علي بن أبي طالب ــ ﵁ ــ ثمَّ أراد ابن عامر الحجَّ، فأتى المدينة، فلقي الحسن، فقال: يا أبا محمد! إن لي إلى ابنة سهل حاجةً، فأُحبُّ أن تأذن لي عليها، فقال لها الحسن: البسي ثيابك، فهذا ابن عامر يستأذنُ عليك، فدخل عليها، فسألها وديعته، فجاءته بها عليها خاتمه. فقال لها: خذي ثلثها! فقالت: ما كنتُ لآخذ على أمانةٍ ائتُمنتُ عليها شيئًا أبدًا! ثم أقبل عليها ابنُ عامر، فقال: إنَّ ابنتي قد بلغت، فأُحبُّ أن تُخلّي بيني وبينها، فبكت، وبكت ابنتُها، فرقَّ ابن عامر، فقال الحسن: فهل لكما؟ فوالله ما من محلل خيرٌ مني، قال: فوالله لا أُخرجها من عندك أبدًا، فكفلها حتى مات.
وذكر الزمخشري في «ربيع الأبرار» (١): أن زبيدة بنت أبي جعفر قرأت في طريق مكة على حائط:
أما في عباد الله أو في إمائه ... كريمٌ يُجلِّي الهمَّ عن ذاهب العقل
له مقلةٌ أما المآقي قريحة ... وأما الحشا فالنارُ منه على رجل
فنذرت أن تحتال لقائلها، حتى تجمع بينه وبين من يحبه، قالت: فإني لبالمزدلفة؛ إذ سمعت من ينشدهما، فاستدعيتُ به، فزعم أنه قالهما في بنت عمٍّ له، قد حلف [١٤٨ ب] أهلها ألَّا يزوجوها منه،
стр. 556
فوجَّهت إلى الحي، وما زالت تبذل لهم المال حتى زوجوه، وإذا المرأة أعشقُ من الرجل، فكانت زبيدة تعدُّه في أعظم حسناتها، وتقول: ما أنا بشيء أسرَّ مني بجمعي بين ذلك الفتى والفتاة.
قال الزمخشري (١): وهوي أحمد بن أبي عثمان الكتاب جارية لزبيدة اسمها «نُعْم» حتى مرض، وقال فيها أبياتًا منها:
وإني ليرضيني الممرُّ ببابها ... وأقنعُ منها بالشتيمة والزجر
فوهبتها له.
وذكر الخرائطي (٢): أنه كان لبعض الخلفاء غلامٌ وجارية من غلمانه وجواريه متحابَّيْنِ، فكتب الغلام إليها يومًا:
ولقد رأيتك في المنام كأنما ... عاطيتني من ريق فيك البارد
وكأن كفَّك في يدي وكأننا ... بتنا جميعًا في فراش واحد
فطفقتُ يومي كله متراقدًا ... لأراك في نومي ولستُ براقد
فأجابته:
خيرًا رأيتَ وكلُّ ما أبصرته ... ستنالُه منِّي برغمِ الحاسد
стр. 557
إني لأرجو أن تكون مُعانقي ... فتبيتَ مني فوق ثديٍ ناهدِ
وأراك بين خلاخلي ودمالجي ... وأراك فوقَ ترائبي ومجاسدي
ونبيت ألطفَ عاشقينِ تعاطيا ... طرفَ الحديثِ بلا مخافة واحد
فبلغ الخليفة خبرُهما فأنكحهما، وأحسن إليهما على شدةِ غيرته.
وقال أبو الفرج بن الجوزي (١) ــ رحمه الله تعالى ــ: سمع المُهلب فتًى يتغنى بشعر في جارية له، فقال المهلب:
لعمري إني للمحبين راحمٌ ... وإني بستر العاشقين حقيقُ
سأجمع منكم شملَ ودٍّ مبددٍ ... وإني بما قد ترجوان خليقُ
ثم وهبها له، ومعها خمسة آلاف دينار.
وقال الخرائطي (٢): كان رجلٌ نخَّاسٌ عنده جاريةٌ، لم يكن له مالٌ غيرها، وكان يعرضها في المواسم، فتغالى الناس فيها، حتى [١٤٩ أ] بلغت مبلغًا كثيرًا من المال، وهو يطلب الزيادة، فعلقها رجل فقيرٌ، فكاد عقله أن يذهب، فلما بلغه ذلك وهبها له، فعوتب في ذلك، فقال: إني سمعت الله يقول: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة/ ٣٢] أفلا أُحيي الناس جميعًا؟!
стр. 558
وقال علي بن قريش الجرجاني (١):
شكوتُ بلاءً لا أطيق احتماله ... وقلبي مطيعٌ للهوى غيرُ دافع
فأُقسم ما تركي عتابك عن قلى ... ولكن لعلمي أنه غيرُ نافع
وإني متى لم ألزم الصبر طائعًا ... فلا بدَّ منه مكرهًا غير طائع
إذا أنت لم يعطفك إلا شفاعةٌ ... فلا خير في ودٍّ يكون بشافع
وكان أبو السائب المخزومي (٢) أحد القراء والفقهاء، فرُئي متعلقًا بأستار الكعبة، وهو يقول: اللهم ارحم العاشقين! واعطف عليهم قلوب المعشوقين. فقيل له في ذلك: فقال: الدعاء لهم أفضلُ من عمرةٍ من الجعرانة.
وذكر أحمد بن الفضل الكاتب (٣): أن غلامًا وجارية كانا في كتَّاب فهويها الغلام، فلم يزل يتلطَّف لمعلّمه حتى سيَّره قريبًا لها، فلما كان في بعض أيامه في غفلة من الغلمان كتب في لوح الجارية:
ماذا تقولين فيمن شفَّه سقمٌ ... من طول حبك حتى صار حيرانا؟
فلما قرأته الجارية؛ اغرورقت عيناها بالدموع رحمةً له، وكتبت تحته:
إذا رأينا محبًا قد أضرَّ به ... طولُ الصبابة أوليناهُ إحسانا
стр. 559
وذكر الهيثم بن عدي (١) عن محمد بن زياد: أن الحارث بن السليل الأزدي خرج زائرًا لعلقمة بن حزم الطائي، وكان حليفًا له، فنظر إلى ابنة له تُدعى الرباب، وكانت [١٤٩ ب] من أجمل النساء، فأُعجب بها، وعشقها عشقًا حال بينه وبين الانصراف إلى أهله، فقال لعلقمة: إني أتيتك خاطبًا، وقد ينكح الخاطب، ويدرك الطالب، ويمنح الراغب. قال: كفوٌ كريم، فأقم ننظر في أمرك، ثم انكفأ إلى أم الجارية، فقال لها: إن الحارث سيد قومه حسبًا، ومنصبًا، وبيتًا، فلا ينصرفنَّ من عندنا إلا بحاجته، فشاوري ابنتك وأديريها عمَّا في نفسها.
فقالت لها: أي بُنيَّة، أي الرجال أعجبُ إليك؟ الكهلُ الجحجاحُ، المُفضلُ الميَّاح، أم الفتى الوضاح، الملولُ الطمَّاح؟ قالت: الفتى الوضاح. فقالت: إن الفتى يُغيرك، وإن الشيخ يُميرك، وليس الكهلُ الفاضلُ، الكثيرُ النَّائل كالحديث السن، الكثير المن. فقالت: يا أمَّاه أُحبُّ الفتى، كحبِّ الرِّعاءِ أنيقَ الكلأ. قالت: أي بُنية! إنَّ الفتى شديد الحِجاب، كثيرُ العتاب. قالت: يا أمَّاه أخشى من الشيخ أن يُدنِّس ثيابي، ويُبلي شبابي، ويشمت بي أترابي. فلم تزل بها الأُمُّ حتى غلبتها على رأْيها، فتزوَّجها الحارثُ على خمسين ومئةٍ من الإبل، وخادم، وألف
стр. 560
درهم، فبنى بها، وكانت عنده أحبَّ شيءٍ إليه، فارتحل بها إلى أهله، فإنه لجالسٌ يومًا بفناء مظلَّته وهي إلى جانبه؛ إذا أقبل فِتيةٌ يعتلجون الصراع، فتنفَّست الصُّعداء، ثم أرسلت عينيها بالبُكاء، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: ما لي وللشُّيوخ، الناهضين كالفروخ! فقال: ثكلتك أُمك قد تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها! فسارت مثلًا، أي: لا تكون ظئرًا، وكان أول من نطق بها، ثم قال: لرُبَّ غارةٍ شهدتُها، وسبيَّةٍ أردفتُها، وخمرةٍ شربتُها، الحقي بأهلك، فلا حاجة لي فيك، ثم أنشأ يقول:
وعيَّرت أن رأتني لابسًا كبرًا ... وغايةُ النفس بين الموت والكبر
فإن بقيت رأيتِ الشيب راغمةً ... وفي التفرق ما يقضي من العبر
وإن يكن قد علا رأسي وغيَّره ... صرفُ الزَّمان وتقتيرٌ من الشعر [١٥٠ أ]
فقد أروحُ للذَّاتِ الفتى جذلًا ... وهمَّتي لم تشب فاستخبري أثري
стр. 561
الباب السادس والعشرون في ترك المحبين أدنى المحبوبَينِ رغبةً في أعلاهما
هذا بابٌ لا يدخل فيه إلَّا النفوس الفاضلة الشريفة الأبيةُ؛ التي لا تقنع بالدون، ولا تبيع الأعلى بالأدنى بيع العاجز المغبون، ولا يملكها لطخ جمالٍ مُغَشًّى على أنواع من القبائح، كما قال بعض الأعراب وقد نظر إلى امرأةٍ مبرقعة (١):
إذا بارك الله في ملبسٍ ... فلا بارك الله في البرقع
يُريك عيون المها حسرةً ... ويكشف عن منظر أشنع
وقال آخر (٢):
لا يغرَّنك ما ترى من نقابٍ ... إن تحت النِّقاب داءً دويَّا
ف النفس الأبيةُ لا ترضى بالدُّون . وقد عاب الله سبحانه أقوامًا استبدلوا طعامًا بطعام أدنى منه، فنعى ذلك عليهم، وقال: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة/ ٦١]، وذلك دليلٌ
стр. 562
على وضاعة النفس، وقلة قيمتها.
وقال الأصمعي (١): خلا رجلٌ من الأعراب بامرأةٍ، فهمَّ بالريبة، فلما تمكن منها تنحَّى سليمًا، وجعل يقول: إن امرأً باع جنةً عرضها السموات والأرض بفتر ما بين رجليك لقليل البصر بالمساحة.
وقال أبو أسماء (٢): دخل رجلٌ غيضةً، فقال: لو خلوتُ هاهنا بمعصية من كان يراني؟ فسمع صوتًا ملأ ما بين لابتي الغيضة ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك/ ١٤].
وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا هيثم ــ هو ابن خارجة ــ، حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن عدي البهراني، عن يزيد بن ميسرة، قال: إن الله تعالى يقول: أيها الشابُّ التاركُ شهوته لي، المتبذلُ شبابه من أجلي، أنت عندي كبعض ملائكتي!
وذكر إبراهيم بن الجنيد (٤): أن رجلًا راود امرأةً عن نفسها، فقالت له: أنت قد سمعت القرآن والحديث، [١٥٠ ب] فأنت أعلم! قال:
стр. 563
فأغلقي الأبواب، فأغلقتها، فلما دنا منها؛ قالت: بقي بابٌ لم أغلقه! قال: أيُّ باب؟! قالت: الباب الذي بينك وبين الله! فلم يتعرض لها.
وذكر أيضًا عن أعرابي قال (١): خرجت في بعض ليالي الظُّلَم، فإذا أنا بجارية كأنها عَلَم، فأردتها عن نفسها، فقالت: ويحك! أما كان لك زاجرٌ من عقل؛ إذ لم يكن لك ناهٍ من دين؟ فقلت: إنه والله ما يرانا إلَّا الكواكب! قالت: فأين مُكَوكبها؟
وجلس زياد (٢) مولى ابن عباس ــ ﵄ ــ إلى بعض إخوانه، فقال: يا عبد الله! فقال له: قل ما تشاء. قال: ما هي إلا الجنة أو النار؟ قلت: نعم. قال: وما بينهما منزل ينزله العباد؟ قلت: لا والله! فقال: والله إن نفسي لنفس أضنُّ بها عن النار، والصبرُ اليوم عن معاصي الله خيرٌ من الصبر على الأغلال.
وقال وهبُ بن مُنبِّه (٣): قالت امرأة العزيز ليوسف ــ ﵇ ــ: ادخل معي القيطون ــ تعني: الستر ــ فقال: القيطون لا يستُرني من ربي.
وقال اليزيدي (٤): دخلتُ على هارون الرشيد، فوجدته مُكبًّا على
стр. 564
ورقةٍ ينظرُ فيها مكتوبةٍ بالذهب، فلما رآني؛ تبسم، فقلت: فائدةٌ أصلح الله أمير المؤمنين؟! قال: نعم وجدتُ هذين البيتين في بعض خزائن بني أُمية فاستحسنتهما، وقد أضفت إليهما ثالثًا، ثُمَّ أنشدني:
إذا سدَّ بابٌ عنك من دون حاجةٍ ... فدعه لأخرى ينفتح لك بابها
فإن قُراب البطن يكفيك ملؤُهُ ... ويكفيك سوءات الأمور اجتنابُها
فلا تك مبذالًا لدينك واجتنب ... ركوب المعاصي يجتنبك عقابها
وقال أبو العباس الناشئ (١):
إذا المرء يحمي نفسه حِلَّ شهوةٍ ... لصحة أيَّام تبيدُ وتنفدُ
فما بالُه لا يحتمي من حرامها ... لصحةِ ما يبقى له ويُخَلَّدُ؟!
وقيل: [١٥١ أ] إن علي بن أبي طالب ــ ﵁ ــ كان ينشد هذين البيتين (٢):
اقدع النَّفس بالكفاف وإلَّا ... طلبتْ منك فوق ما يكفيها
стр. 565
إنما أنت طول عُمرك ما عُمِّـ ... ـرتَ في الساعة التي أنت فيها
ومن أحسن شعر العرب، وكان عمرُو بن العاص يتمثلُ بهما (١):
إذا المرءُ لم يترك طعامًا أحبه ... ولم ينه قلبًا غاويًا حيث يمَّما
قضى وطرًا منه وغادر سُبَّةً ... إذا ذُكرت أمثالها تملأُ الفما
وقال شعبة (٢) عن منصور، عن إبراهيم: كلم رجلٌ من العباد امرأةً، فلم يزل بها حتى وضع يده على فخذها، فانطلق، فوضع يده على النار حتَّى نشَّت.
وقال زيد بن أسلم عن أبيه (٣): كان عابدٌ في صومعةٍ يتعبدُ، فأشرف ذات يوم، فرأى امرأةً، ففُتن بها، فأخرج إحدى رجليه من الصومعة يريد النزول إليها، ثم فكر، وادَّكر، فأناب، فأراد أن يعيد رجله إلى الصومعة فقال: والله لا أُدخل رِجْلًا خرجت تريد أن تعصي الله في صومعتي أبدًا! فتركها خارجة من الصومعة، فأصابها الثلج، والبرد، والرياح حتى تقطَّعت.
وقال بعض السلف (٤): من كان له واعظٌ من قلبه؛ زاده الله ــ عزَّ