الباب السادس والعشرون في ترك المحبين أدنى المحبوبَينِ رغبةً في أعلاهما
هذا بابٌ لا يدخل فيه إلَّا النفوس الفاضلة الشريفة الأبيةُ؛ التي لا تقنع بالدون، ولا تبيع الأعلى بالأدنى بيع العاجز المغبون، ولا يملكها لطخ جمالٍ مُغَشًّى على أنواع من القبائح، كما قال بعض الأعراب وقد نظر إلى امرأةٍ مبرقعة (١):
إذا بارك الله في ملبسٍ ... فلا بارك الله في البرقع
يُريك عيون المها حسرةً ... ويكشف عن منظر أشنع
وقال آخر (٢):
لا يغرَّنك ما ترى من نقابٍ ... إن تحت النِّقاب داءً دويَّا
ف النفس الأبيةُ لا ترضى بالدُّون . وقد عاب الله سبحانه أقوامًا استبدلوا طعامًا بطعام أدنى منه، فنعى ذلك عليهم، وقال: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة/ ٦١]، وذلك دليلٌ
стр. 562
على وضاعة النفس، وقلة قيمتها.
وقال الأصمعي (١): خلا رجلٌ من الأعراب بامرأةٍ، فهمَّ بالريبة، فلما تمكن منها تنحَّى سليمًا، وجعل يقول: إن امرأً باع جنةً عرضها السموات والأرض بفتر ما بين رجليك لقليل البصر بالمساحة.
وقال أبو أسماء (٢): دخل رجلٌ غيضةً، فقال: لو خلوتُ هاهنا بمعصية من كان يراني؟ فسمع صوتًا ملأ ما بين لابتي الغيضة ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك/ ١٤].
وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا هيثم ــ هو ابن خارجة ــ، حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن عدي البهراني، عن يزيد بن ميسرة، قال: إن الله تعالى يقول: أيها الشابُّ التاركُ شهوته لي، المتبذلُ شبابه من أجلي، أنت عندي كبعض ملائكتي!
وذكر إبراهيم بن الجنيد (٤): أن رجلًا راود امرأةً عن نفسها، فقالت له: أنت قد سمعت القرآن والحديث، [١٥٠ ب] فأنت أعلم! قال:
стр. 563
فأغلقي الأبواب، فأغلقتها، فلما دنا منها؛ قالت: بقي بابٌ لم أغلقه! قال: أيُّ باب؟! قالت: الباب الذي بينك وبين الله! فلم يتعرض لها.
وذكر أيضًا عن أعرابي قال (١): خرجت في بعض ليالي الظُّلَم، فإذا أنا بجارية كأنها عَلَم، فأردتها عن نفسها، فقالت: ويحك! أما كان لك زاجرٌ من عقل؛ إذ لم يكن لك ناهٍ من دين؟ فقلت: إنه والله ما يرانا إلَّا الكواكب! قالت: فأين مُكَوكبها؟
وجلس زياد (٢) مولى ابن عباس ــ ﵄ ــ إلى بعض إخوانه، فقال: يا عبد الله! فقال له: قل ما تشاء. قال: ما هي إلا الجنة أو النار؟ قلت: نعم. قال: وما بينهما منزل ينزله العباد؟ قلت: لا والله! فقال: والله إن نفسي لنفس أضنُّ بها عن النار، والصبرُ اليوم عن معاصي الله خيرٌ من الصبر على الأغلال.
وقال وهبُ بن مُنبِّه (٣): قالت امرأة العزيز ليوسف ــ ﵇ ــ: ادخل معي القيطون ــ تعني: الستر ــ فقال: القيطون لا يستُرني من ربي.
وقال اليزيدي (٤): دخلتُ على هارون الرشيد، فوجدته مُكبًّا على
стр. 564
ورقةٍ ينظرُ فيها مكتوبةٍ بالذهب، فلما رآني؛ تبسم، فقلت: فائدةٌ أصلح الله أمير المؤمنين؟! قال: نعم وجدتُ هذين البيتين في بعض خزائن بني أُمية فاستحسنتهما، وقد أضفت إليهما ثالثًا، ثُمَّ أنشدني:
إذا سدَّ بابٌ عنك من دون حاجةٍ ... فدعه لأخرى ينفتح لك بابها
فإن قُراب البطن يكفيك ملؤُهُ ... ويكفيك سوءات الأمور اجتنابُها
فلا تك مبذالًا لدينك واجتنب ... ركوب المعاصي يجتنبك عقابها
وقال أبو العباس الناشئ (١):
إذا المرء يحمي نفسه حِلَّ شهوةٍ ... لصحة أيَّام تبيدُ وتنفدُ
فما بالُه لا يحتمي من حرامها ... لصحةِ ما يبقى له ويُخَلَّدُ؟!
وقيل: [١٥١ أ] إن علي بن أبي طالب ــ ﵁ ــ كان ينشد هذين البيتين (٢):
اقدع النَّفس بالكفاف وإلَّا ... طلبتْ منك فوق ما يكفيها
стр. 565
إنما أنت طول عُمرك ما عُمِّـ ... ـرتَ في الساعة التي أنت فيها
ومن أحسن شعر العرب، وكان عمرُو بن العاص يتمثلُ بهما (١):
إذا المرءُ لم يترك طعامًا أحبه ... ولم ينه قلبًا غاويًا حيث يمَّما
قضى وطرًا منه وغادر سُبَّةً ... إذا ذُكرت أمثالها تملأُ الفما
وقال شعبة (٢) عن منصور، عن إبراهيم: كلم رجلٌ من العباد امرأةً، فلم يزل بها حتى وضع يده على فخذها، فانطلق، فوضع يده على النار حتَّى نشَّت.
وقال زيد بن أسلم عن أبيه (٣): كان عابدٌ في صومعةٍ يتعبدُ، فأشرف ذات يوم، فرأى امرأةً، ففُتن بها، فأخرج إحدى رجليه من الصومعة يريد النزول إليها، ثم فكر، وادَّكر، فأناب، فأراد أن يعيد رجله إلى الصومعة فقال: والله لا أُدخل رِجْلًا خرجت تريد أن تعصي الله في صومعتي أبدًا! فتركها خارجة من الصومعة، فأصابها الثلج، والبرد، والرياح حتى تقطَّعت.
وقال بعض السلف (٤): من كان له واعظٌ من قلبه؛ زاده الله ــ عزَّ
стр. 566
وجلَّ ــ عزًّا، والذلُّ في طاعة الله أقربُ من العز في معصيته.
وقال أبو العتاهية (١): لقيت أبا نُواس في المسجد الجامع، فعذلته وقلت له: أما آن لك أن ترْعوي، وتزدجر؟! فرفع رأْسه إليَّ، وقال:
أتُراني يا عتاهي ... تاركًا تلك الملاهي؟!
أتُراني مُفْسِدًا بالنُّسـ ... ـكِ عند القوم جاهي؟!
فلما ألحَحْتُ عليه في العذل؛ أنشأ يقول: [١٥١ ب]
لا ترجعُ الأنفسُ عن غيِّها ... ما لم يكنْ منها لها زاجرُ
فوددتُ أني قلتُ هذا البيت بكل شيءٍ قُلْتُه.
وقال ابن السماك (٢) عن امرأةٍ كانت تسكنُ البادية: لو طالعتْ قُلُوبُ المؤمنين بفكرها إلى ما ذُخِر لها في حُجُب الغيوب من خير الآخرة، لم يَصْفُ لهم في الدنيا عيشٌ، ولم تقرَّ لهم عينٌ.
وقال ضيغم لرجل (٣): إن حبه شغل قلوب محبيه عن التلذُّذ بمحبة غيره، فليس لهم في الدنيا مع محبته لذةٌ تداني
стр. 567
محبته، ولا يأملون في الآخرة من كرامة الثواب أكبر عندهم من النظر إلى وجه محبوبهم. فسقط الرجل مغشيًّا عليه.
وفي مسند الإمام أحمد (١) من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان ــ ﵁ ــ عن رسول الله ﷺ قال: «ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحةٌ، وعلى الأبواب ستورٌ مُرخاةٌ، وعلى رأس الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا، ولا تُعرِّجوا! وداع يدعو فوق الصراط، فإذا أراد أحدٌ فتح شيء من تلك الأبواب؛ قال: ويحك! لا تفتحهُ؛ فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلامُ، والستور المرخاة حدود الله، والأبواب المفتحةُ محارم الله، والداعي على رأس الصراط كتاب الله ــ ــ والداعي من فوق الصراط واعظُ الله في قلب كل مسلم».
وقال خالد بن معدان (٢): ما من عبد إلا وله عينان في وجهه، يبصرُ بهما أمر الدنيا، وعينان في قلبه، يبصر بهما أمر الآخرة، فإذا أراد الله بعبد خيرًا؛ فتح عينيه اللتين في قلبه، فأبصر بهما ما وعدهُ الله بالغيب، وإذا
стр. 568
أراد به غير ذلك؛ تركه على ما فيه، ثم قرأ: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد/ ٢٤].
وفي الترمذي (١) عنه ﷺ : «الكيِّس: من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز: من أتبع نفسه هواها، [١٥٢ أ] وتمنَّى على الله الأماني».
وفي المسند (٢) من حديث فضالة بن عُبيد عن النبي ﷺ : «المجاهد: من جاهد نفسه في ذات الله، والعاجز: من أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله».
وقال الإمام أحمد (٣) ــ رحمه الله تعالى ــ: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا عبد العزيز بن مسلم عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب ــ ﵁ ــ قال: من أصبح وأكثرُ همِّه غيرُ الله؛ فليس من الله.
стр. 569
وقال أحمد (١): حدثنا عبد الرحمن عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار قال: قال موسى: يا رب! مَنْ أَهلُكَ الذين هُمْ أَهْلُكَ، الذين تظلهم في ظل عرشك؟ قال: هم البريئة أيديهم، الطاهرة قلوبهم؛ الذين يتحابُّون بجلالي؛ الذين إذا ذُكرت ذُكِروا بي، وإذا ذُكِروا ذكرتُ بذكرهم؛ الذين يسبغون الوضوء في المكاره، ويُنيبون إلى ذكري كما تنيب النسور إلى وُكورها، ويكلفون بحبي، كما يكلف الصبي بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استحلت، كما يغضب النمر إذا حَرِب.
وقال أحمد (٢): حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثني عبد الله بن يحيى، قال: سمعتُ وهب بن مُنبِّهٍ يقول: قال موسى ــ ﵇ ــ: أي رب! أيُّ عبادك أحبُّ إليك؟ قال: من أُذكرُ برؤيته.
وقال أحمد (٣): حدثنا بشار، حدثنا جعفرُ، حدثنا هشام الدستوائي، قال: بلغني أن في حكمة عيسى ابن مريم ﵊: تعملون للدنيا، وأنتم تُرزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون للآخرة، وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل، وَيْحَكم علماء السوء! الأجر تأخذون، والعمل تضيعون، توشكون أن تخرجوا من الدنيا إلى ظلمة القبر،
стр. 570
وضيقه، والله ــ ــ نهاكم عن المعاصي، كما أمركم بالصوم والصلاة. كيف يكون من أهل العلم من دنياه آثرُ عنده من آخرته، وهو في الدنيا أعظم رغبة؟! كيف يكون من أهل العلم من مسيره [١٥٢ ب] إلى آخرته، وهو مقبلٌ على دنياه، وما يضرُّه أشهى إليه ممَّا ينفعه؟! كيف يكون من أهل العلم من اتهم الله ــ ــ في قضائه، فليس يرضى بشيء أصابه؟! كيف يكون من أهل العلم من طلب العلم؛ ليتحدث به، ولم يطلبه ليعمل به؟!
وقال عبد الله بن المبارك (١)، عن معمر: قال الصبيانُ ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب. قال: أَوَ لِلَّعب خُلِقْنا؟!
وقال أحمد (٢): حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، حدثني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب: أنَّ أُمَّه فاطمة حدثته: أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ من شرار أُمَّتي الذين غُذُوا بالنعيم؛ الذين يطلبون ألوان الطعام، وألوان الثياب، ويتشدَّقُون بالكلام».
وقال أحمد (٣): حدثنا أبو قطن، حدثنا شعبة عن أبي سلمة، عن أبي
стр. 571
نضرة، قال: قال عمر بن الخطاب ــ ﵁ ــ لأبي موسى: يا أبا موسى! شوقنا إلى ربنا، قال: فقرأ. فقالوا: الصلاة! فقال عمر: أولسنا في الصلاة؟
فصل
ومِلاك الأمر كله: الرغبة في الله، وإرادة وجهه، والتقرب إليه بأنواع الوسائل، والشوق إلى الوصول إليه ولقائه. فإن لم يكن للعبد همَّةٌ إلى ذلك: فالرغبة في الجنة ونعيمها، وما أعدَّ الله فيها لأوليائه. فإن لم تكن همةٌ عالية تطالبه بذلك فخشية النار، وما أعدَّ الله فيها لمن عصاه. فإن لم تطاوعه نفسه لشيء من ذلك؛ فليعلم أنه خُلق للجحيم، لا للنعيم، ولا يقدر على ذلك بعد قدر الله وتوفيقه إلا بمخالفة هواه.
فهذه فصول أربعة هي ربيعُ المؤمن، وصيفه، وخريفه، وشتاؤه، وهي منازلُه في سيره إلى الله، وليس له منزلةٌ غيرها. فأما مخالفة الهوى؛ فلم يجعل الله للجنة طريقًا غير مخالفته، ولم يجعل للنار طريقًا غير متابعته، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ [١٥٣ أ] عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات/ ٣٧ ــ ٤١] وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن/ ٤٦] قيل: هو العبد يهوى المعصية، فيذكر مقام الله عليه في الدنيا، ومقامه بين يديه في الآخرة، فيتركها لله.
стр. 572
وقد أخبر تعالى: أن اتباع الهوى يضلُّ عن سبيله، فقال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص/ ٢٦] ثم ذكر مآل الضالين عن سبيله، ومصيرهم، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص/٢٦] وأخبر سبحانه: أن باتباع الهوى يطبع على قلب العبد، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد/ ١٦] وقد أخبر النبي ﷺ : أن العاجز هو الذي اتبع هواه، وتمنى على الله.
وذكر الإمام أحمد (١) من حديث راشد بن سعد، عن أبي أُمامة الباهلي ــ ﵁ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما تحت ظل السماء إلهٌ يعبد أعظم عند الله من هوًى مُتَّبَع».
وذكر (٢) من حديث جعفر بن حبان، عن أبي الحكم، عن أبي برزة
стр. 573
الأسلمي ــ ﵁ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «أخوف ما أخافُ عليكم شهواتُ الغيِّ في بطونكم وفروجكم، ومضلاتُ الهوى».
وفي نسخة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه، عن جده ــ ﵁ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أخوف ما أخافُ على أُمَّتي حكم جائرٍ، وزلةُ عالمٍ، وهوًى مُتَّبعٌ» (١).
وقيل لبعض الحكماء (٢): أيُّ الأصحاب أبرُّ؟ قال: العمل الصالح، قيل: فأيُّ شيء أضرُّ؟ قال: النفسُ والهوى.
وقال بعض الحكماء (٣): إذا اشتبه عليك أمران؛ فانظر أقربهما من هواك؛ فاجتنبه.
وأُتي بعضُ الملوك (٤) بأسير عظيم الجرم، فقال: لو كان هواي في العفو عنك لخالفت [١٥٣ ب] الهوى إلى قتلك، ولكن لما كان هواي في قتلك خالفته إلى العفو عنك.
стр. 574
وقال الهيثم بن مالك الطائي (١): سمعت النُّعمان بن بشير يقول على المنبر: إن للشيطان فُخُوخًا ومصالي، وإن من مصالي الشيطان وفخوخه البطر بأنعم الله، والفخر بإعطاء الله، والكبرياء على عباد الله، واتباع الهوى في غير ذات الله.
وفي المسند وغيره (٢) من حديث قتادة عن أنس ــ ﵁ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثٌ مهلكاتٌ، وثلاثٌ منجياتٌ، فالمهلكاتُ: شُحٌّ مُطاعٌ، وهوًى متبعٌ، وإعجابُ المرء بنفسه. والمنجياتُ: تقوى الله في السر والعلانية، والعدل في الغضب والرضا، والقصدُ في الفقر والغنى».
وفي جامع الترمذي (٣) من حديث أسماء بنت عُميس ــ رضي الله
стр. 575
عنها ــ قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «بئس العبد عبد تجبَّر واعتدى! ونسي الجبار الأعلى. بئس العبد عبد تخيَّل واختال! ونسي الكبير المُتعال. بئس العبدُ عبد سها ولها! ونسي المقابر والبلى. بئس العبدُ عبد بغى وعتا! ونسي المبتدأ والمُنتهى. بئس العبدُ عبد يختلُ الدين بالشُّبُهات! بئس العبدُ عبد طمعٌ يقودُهُ! بئس العبدُ عبد هوًى يُضلُّه!».
وقد أقسم النبي ﷺ : أنهُ «لا يؤمن العبد حتى يكون هواه تبعًا لما جاء به» (١)، فيكون هواه تابعًا، لا متبوعًا، فمن اتبع هواه؛ فهواه متبوعٌ له، ومن خالف هواه لما جاء به الرسول ﷺ فهواه تابعٌ له، فالمؤمن هواه تابعٌ له، والمنافق الفاجر هواه متبوعٌ له.
وقد حكم الله تعالى لتابع هواه بغير هُدًى منه: أنه أظلم الظالمين، فقال الله : ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص/ ٥٠] وأنت تجد تحت هذا الخطاب: أنَّ الله لا يهدي من اتَّبع هواه. وجعل المتبع قسمين، لا [١٥٤ أ] ثالث لهما: إما ما جاء به الرسول ﷺ ، وإما الهوى. فمن اتبع أحدهما؛ لم يمكنه إتباعُ الآخر، والشيطانُ يطيف بالعبد من أين يدخل عليه، فلا يجد عليه
стр. 576
مدخلًا، ولا إليه طريقًا إلا من هواه. فلذلك كان الذي يخالف هواه يفرقُ الشيطان من ظله. وإنما يُطاق مخالفةُ الهوى بالرغبة في الله وثوابه، والخشية من حجابه وعذابه، ووجد حلاوة الشفاء في مخالفة الهوى، فإن متابعته الداءُ الأكبر، ومخالفته الشفاء الأعظم.
قيل لأبي القاسم الجنيد: متى تنال النفوس مُناها؟ فقال: إذا صار داؤها دواءها، فقيل له: ومتى يصير داؤُها دواءها؟ فقال: إذا خالفت هواها. ومعنى قوله: يصير داؤها دواءها: أن داءها هو الهوى، فإذا خالفته؛ تداوت منه بمخالفته.
وقد قيل: إنه إنما سمي هوًى؛ لأنه يهوي بصاحبه إلى أسفل السافلين. والهوى ثلاثة أرباع الهوان، وهو شارع النار الأكبر، كما أن مخالفته شارع الجنة الأعظم. وقال أبو دُلفٍ العجلي (١):
واسوأتا لفتًى له أدبٌ ... يُضحي هواهُ قاهرًا أدبه
يأتي الدَّنيَّة وهو يعرفها ... فيشينُ عرضًا صائنًا أربهُ
فإذا ارْعوى عادتْ بصيرتُه ... فبكى على الخير الذي سُلِبَه
وقال ابنُ المُرتفق الهُذَليُّ (٢):
стр. 577
أبِنْ لي ما تَرى والمَرءُ تأبى ... عزيمته ويغلِبُهُ هواهُ
فيَعْمى ما يَرى فيه عليه ... ويحْسَبُ منْ يراه لا يَراهُ
فصل
وأمَّا الرّغبةُ في الله، وإرادةُ وجهه، والشوقُ إلى لقائه؛ فهي رأْس مال العبد، وملاكُ أمره، وقوامُ حياته الطيبة وأصلُ سعادته، وفلاحه، ونعيمه، وقُرَّة عينه، ولذلك خُلق، وبه أُمر، وبذلك أُرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ولا صلاح للقلب، ولا نعيم إلا بأن تكون رغبتُهُ إلى الله ــ ــ وحده، فيكون هو وحده مرغوبه، ومطلوبه، ومراده، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح/ ٧ ــ ٨] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ [١٥٤ ب] اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة/ ٥٩].
و الرَّاغبون ثلاثةُ أقسام: راغبٌ في الله، وراغبٌ فيما عند الله، وراغبٌ عن الله . فالمحبُّ راغبٌ فيه، والعاملُ راغبٌ فيما عنده، والراضي بالدنيا من الآخرة راغبٌ عنه. ومن كان رغبتُه في الله؛ كفاه الله كلَّ مهم، وتولاه في جميع أُموره، ودفع عنه مالا يستطيع دفعه عن نفسه، ووقاه وقاية الوليد، وصانه من جميع الآفات. ومن آثر الله على غيره؛ آثره الله على غيره. ومن كان لله؛ كان الله له حيث لا يكون لنفسه، ومن عرف الله؛ لم يكن شيءٌ أحبَّ إليه منه، ولم تبق له رغبةٌ فيما سواه، إلَاّ فيما يُقرِّبه إليه، ويعينه على سفره إليه.
стр. 578
ومن علامات المعرفة: الهيبةُ، فكلما ازدادت معرفة العبد بربه؛ ازدادت هيبتُه له، وخشيتهُ إياه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر/ ٢٨] أي: العلماء به. وقال النبي ﷺ : «أنا أعرفكم بالله، وأشدكم له خشية» (١) ومن عرف الله؛ صفا له العيشُ، وطابتْ له الحياةُ، وهابه كلُّ شيءٍ، وذهب عنه خوفُ المخلوقين، وأنِسَ بالله، واستوحش من الناس، وأورثته المعرفة الحياء من الله، والتعظيم له، والإجلال، والمراقبة، والمحبة، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والرضا به، والتسليم لأمره.
وقيل للجُنيد (٢) ــ رحمه الله تعالى ــ: إن هاهنا أقوامًا يقولون: إنهم يَصِلُون إلى البرِّ بترك الحركات، فقال: هؤلاء قوم تكلموا بإسقاط الأعمال، وهو عندي عظيم، والذي يزني ويسرقُ أحسنُ حالًا من الذي يقول هذا، فإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله، وإلى الله رجعوا فيها، ولو بقيتُ ألف عامٍ لم أنقص من أعمال البرِّ شيئًا.
وقال: لا يكون العارفُ عارفًا حتى يكون كالأرض يطؤه البَرُّ، والفاجر، وكالمطر يسقي ما يُحب وما لا يُحبُّ.
وقال يحيى بن مُعاذ: يخرج العارف [١٥٥ أ] من الدُّنيا، ولا يقضي وطره من شيئين: بكاؤُه على نفسه، وشوقه إلى ربه. وقال بعضُهم: لا
стр. 579
يكون العارف عارفًا حتى لو أُعطي مُلْك سليمان؛ لم يشغلهُ عن الله طرفه عين. وقيل: العارف أنِسَ بالله، فأوحشه من غيره، وافتقر إلى الله، فأغناه عن خلقه، وذلَّ لله، فأعزَّهُ في خلقه.
وقال أبو سليمان الدَّارانيُّ: يُفتحُ للعارف على فراشه مالا يُفتح له وهو قائمٌ يُصلي.
وقال ذو النون: لكل شيء عقوبةٌ، وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر الله.
وبالجملة ف حياةُ القلب مع الله لا حياة له بدون ذلك أبدًا ، ومتى واطأ اللسانُ القلب في ذكره، واطأَ القلبُ مراد الحبيب منه، واستقلَّ له الكثير من قوله، وعمله، واستكثر له القليل من بره ولطفه، وعانق الطاعة، وفارق المخالفة، وخرج عن كله لمحبوبه، فلم يبق له منه شيءٌ، وامتلأ قلبه بتعظيمه، وإجلاله، وإيثار رضاه، وعز عليه الصبر عنه، وعدم القرار دون ذكره والرغبة إليه، والاشتياق إلى لقائه، ولم يجد الأُنس إلا بذكره، وحفظ حدوده، وآثره على غيره؛ فهو المحب حقًا.
وقال الجنيد: سمعت الحارث المُحاسبي يقول: المحبة ميلك إلى الشيء بكليتك، ثم إيثارُك له على نفسك، وزوجك، ومالك، ثم موافقتك له سرًّا وجهرًا، ثم علمك بتقصيرك في حبه.
وقيل: المحبةُ نارٌ في القلب تحرق ما سوى مراد الحبيب من محبِّه. وقيل: بل هي بذل المجهود في رضا الحبيب، ولا تصحُّ إلا
стр. 580
بالخروج عن رؤية المحبة إلى رؤية المحبوب. وفي بعض الآثار الإلهية: عبد ي! أنا وحقك لك مُحب! فبحقي عليك كن لي محبًّا. وقال عبد الله بن المبارك: من أُعطي شيئًا من المحبة، ولم يعط مثله من الخشية؛ فهو مخدوعٌ.
وقال يحيى بن معاذ: مثقال خردلةٍ من الحُبِّ أحبُّ إليَّ من عبادة سبعين سنة بلا حب.
وقال أبو بكر الكتَّاني (١): جرت مسألةٌ في المحبة بمكة أيام الموسم، فتكلم الشيوخ فيها، وكان الجنيد أصغرهم سنًّا، فقالوا: هات ما عندك يا عراقي! فأطرق رأْسه، ودمعت عيناه، ثم قال: عبد ذاهبٌ عن نفسه، مُتَّصل بذكر ربه، قائمٌ بأداء حقوقه، ناظرٌ إليه بقلبه، أحرق قلبه أنوارُ هويته، وصفا شربه من كأس وده، فإن تكلم فبالله، وإن نطق فمن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكت فمع الله. فهو بالله، ولله، ومع الله، فبكى الشيوخ، وقالوا: ما على هذا مزيد، جزاك الله يا تاج العارفين!
وقيل: أوحى الله إلى داود ــ ﵇ ــ: يا داودُ! إني حرمتُ على القلوب أن يدخلها حبي وحبُّ غيري.
وأجمع العارفون كلهم: أن المحبة لا تصحُّ إلا بالموافقة، حتَّى قال بعضهم: حقيقة المحب موافقة المحبوب في مراضيه، ومساخطه،
стр. 581
واتفق القوم: أن المحبة لا تصحُّ إلا بتوحيد المحبوب.
ويُحْكَى: أن رجلًا ادعى الاستهلاك في محبة شخصٍ، فقال له: كيف وهذا أخي أحسن مني وجهًا، وأتمُّ جمالًا؟ فالتفت الرجل إليه، فدفعه الشابُّ، وقال: من يدعي هوانا ينظر إلى سوانا؟!
وذُكرت المحبة عند ذي النُّون، فقال: كُفُّوا عن هذه المسألة، لا تسعها النفوس فتدعيها، ثم أنشأ يقول:
الخوف أولى بالمُسي ... ءِ إذا تألَّه والحزنْ
والحُبُّ يجملُ بالتقي ... وبالنَّقِيِّ من الدَّرنْ
وقال سمنون: ذهب المحبُّون لله بشرف الدُّنيا والآخرة. لأن النبي ﷺ قال: «المرءُ مع من أحبَّ» (١) فهم مع الله في الدنيا والآخرة.
وقال يحيى بن معاذ: ليس بصادقٍ من ادَّعى محبَّته، ثمَّ لم يحفظ حدوده.
فصل
فالمحبة شجرةٌ في القلب، عروقها الذلُّ للمحبوب، وساقها معرفته، وأغصانُها خشيتُه، وورقُها الحياء منه، وثمرها طاعته، ومادَّتها التي تسقيها ذِكْرُه، فمتى خلا الحبُّ عن شيءٍ من ذلك؛ كان ناقصًا.
وقد وصف الله ــ سبحانه ــ نفسه بأنه يحب عباده المؤمنين،
стр. 582
ويحبونه، وأخبر أنهم أشد حبًّا [١٥٦ أ] لله، ووصف نفسه بأنه الودود، وهو الحبيب. قاله البخاري (١). والوُدُّ: خالصُ الحب، فهو يودُّ عباده المؤمنين، ويودُّونه.
وقد روى البخاري في صحيحه (٢) من حديث أنس بن مالك ــ ﵁ ــ قال: قال رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه ــ ﵎ ــ: أنه قال: «من أهان لي وليًّا؛ فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إليَّ عبد ي بمثل أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزالُ عبد ي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببته؛ كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويدهُ التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأُعطينه، ولئن استعاذ بي لأُعيذنه، وما ترددتُ عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت، وأكره مساءتهُ ولابد له منه».
стр. 583
وفي لفظ غير البخاري (١): «فإذا أحببته؛ كنت له سمعًا، وبصرًا، ويدًا، ومؤيدًا». فتأمل كمال الموافقة في الكراهة، كيف اقتضى كراهة الرب تعالى لمساءة عبده بالموت لما كره العبد مساخط ربه! وكمال الموافقة في الإرادة، كيف اقتضى موافقته في قضاء حوائجه، وإجابة طلباته، وإعاذته مما استعاذ به، كما قالت عائشة ــ ﵂ ــ للنبي ﷺ : ما أرى ربك إلا يسارع في هواك (٢).
وقال له عمه أبو طالب: يا ابن أخي! ما أرى ربك إلا يطيعك! فقال: «وأنت يا عم! لو أطعته؛ أطاعك» (٣).
وفي تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء/ ١٢٥] قال: حبيبًا قريبًا، إذا سألهُ؛ أعطاه، وإذا دعاه؛ أجابه. وأوحى الله تعالى إلى موسى ﵊: يا موسى! كن لي كما أُريد؛ أكن لك كما تريد.
وتأمل هذه الباء في قوله: فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، كيف تجدها مبينة لمعنى قوله: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره
стр. 584
الذي يبصر به ... إلى [١٥٦ ب] آخره! فإن سمع؛ سمع بالله، وإن أبصر؛ أبصر به، وإن بطش؛ بطش به، وإن مشى؛ مشى به. وهذا تحقيق قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل/ ١٢٨] وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت/ ٦٩] وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال/ ١٩]، وقوله فيما رواه عنه رسوله: «أنا مع عبد ي ما ذكرني، وتحركت بي شفتاه» (١). وهذا ضد قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء/ ٤٣] فالصحبة التي نفاها هاهنا هي التي أثبتها لأحبابه، وأوليائه وتأمل كيف جعل محبته لعبده متعلقةً بأداء فرائضه! وبالتقرب إليه بالنوافل بعدها لا غير، وفي هذا تعزيةٌ لمدعي محبته بدون ذلك: أنه ليس من أهلها، وإنما معه الأماني الباطلة، والدعاوي الكاذبةُ.
وفي الصحيحين (٢) من حديث أبي هريرة ــ ﵁ ــ: أن النبي ﷺ قال: «إذا أحب الله العبد؛ نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحبُّوه! فيُحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض». وفي لفظ
стр. 585
لمسلم: «إن الله إذا أحبَّ عبدًا؛ دعا جبريل، فقال: إني أحبُّ فلانًا، فأحبهُ، قال: فيحبه جبريل. ثم ينادى في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانًا، فأحبوه، قال: فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله عبدًا؛ دعا جبريل، فيقول: إني أُبغضُ فلانًا، فأبغضهُ، قال: فيُبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا، فأبغضوه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض».
وفي لفظٍ آخر له (١) عن سهيل بن أبي صالح قال: كنا بعرفة، فمرَّ عمر بن عبد العزيز، وهو على الموسم، فقام الناس ينظرون إليه، فقلت لأبي: يا أبت! إني أرى الله يحبُّ عمر بن عبد العزيز! قال: وما ذاك؟ قلت: لما له من الحبِّ في قلوب الناس! فقال: إني سمعتُ أبا هريرة
ــ ﵁ ــ يُحدِّث عن رسول الله ﷺ ، ثم ذكر الحديث. وأخرجه الترمذي (٢)، ثم زاد في آخره: فذلك قولُ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ [١٥٧ أ] ... الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم/ ٩٦] انتهى. وقال بعضُ السلف في تفسيرها: يحبهم، ويحببهم إلى عباده.
وفي الصحيحين (٣) من حديث أنسٍ ــ ﵁ ــ: أن رجلًا
стр. 586
سأل النبي ﷺ عن الساعة، فقال: «وما أعددتَ لها؟» قال: لا شيء إلا أني أُحبُّ الله ورسوله! فقال: «أنت مع من أحببتَ» قال أنس ــ ﵁ ــ: فما فرحنا بشيءٍ فرحنا بقول النبي ﷺ : «أنت مع من أحببت» قال أنس: فأنا أُحب النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبِّي إيَّاهم، وإن لم أعمل أعمالهم.
وفي الترمذيِّ (١) عنه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «المرء مع من أحبَّ، وله ما اكتسب».
وفي سنن أبي داود (٢) عنه قال: ما رأيتُ أصحاب النبي ﷺ فرحوا بشيءٍ أشدَّ منه، قال رجلٌ: يا رسول الله! الرجل يحب الرجل على العمل من الخير يعمل به ولا يعمل بمثله، فقال رسول الله ﷺ : «المرء مع من أحب».
وهذه المحبة لله توجب المحبة في الله قطعًا، فإن من محبة الحبيب المحبة فيه والبغض فيه.
وقد روى مسلم في صحيحه (٣) من حديث أبي هريرة ــ ﵁ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله تعالى يوم القيامة: أينَ المُتحابُّون بجلالي؟ اليوم أُظِلّهم في ظلي يوم لا ظل إلَاّ ظلي».
стр. 587
وفي جامع الترمذي (١) من حديث مُعاذ بن جبل ــ ﵁ ــ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله : المُتحابون بجلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون، والشهداء». وفي لفظ لغيره (٢): «المُتحابون بجلال الله يكونون يوم القيامة على منابر من نور يغبطهم أهل الجمع».
وفي «الموطأ» (٣) من حديث أبي إدريس الخولاني قال: دخلت مسجد دمشق فإذا فتًى برَّاق الثنايا والناس حوله، فإذا اختلفوا في شيءٍ؛ أسندوه إليه، وصدروا عن رأيه، فسألت عنه، فقالوا: هذا مُعاذ بن جبل! فلما كان الغدُ هجَّرت فوجدتُه قد سبقني [١٥٧ ب] بالتهجير، ووجدته يصلي، فانتظرتُه حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه، فسلمتُ عليه ثم قلت: والله إني لأُحبُّك في الله، فقال: آلله؟ قلت: آلله! فقال: آلله؟ فقلت: آلله! فأخذ بحبوة ردائي، فجبذني إليه، وقال: أبشر، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ﵎: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ».
وفي سنن أبي داود (٤) من حديث أبي ذرٍّ ــ ﵁ ــ قال: قال
стр. 588
رسول الله ﷺ : «أفضل الأعمال: الحب في الله، والبغض في الله».
وفيه أيضًا (١) عن عمر بن الخطاب ــ ﵁ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله» قالوا: يا رسول الله! تخبرنا من هم؟ قال: «هم قومٌ تحابوا بروح الله على غير أرْحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها. فوالله إن وجوههم لنورٌ! وإنهم لعلى نورٍ، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس» وقرأ هذه الآية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس/ ٦٢].
وفي لفظ لغيره (٢): «إن لله عبادًا ليسوا بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء بمكانهم من الله» قالوا: يا رسول الله! صِفْهم لنا، جَلِّهم لنا، لعلنا نحبُّهم؟ قال: «هم قومٌ تحابوا بروح الله على غير أموال تباذلوها، ولا أرحامٍ تواصلوها، هم نورٌ، ووجوههم نورٌ، وعلى كراسي من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس» ثم قرأ هذه الآية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس/ ٦٢].
стр. 589
وفي صحيح مسلم (١) من حديث أبي هريرة ــ ﵁ ــ أن رسول الله ﷺ قال: «إن رجلًا زار أخًا له في قريةٍ أخرى، فأرصد الله على مدرجته ملَكًا، فلما أتى عليه؛ قال: أين تُريد؟ قال: أُريد أخًا لي في هذه القرية. قال: لك عليه من نعمة ترُبُّها؟ قال: لا! غير أني أُحبُّهُ في [١٥٨ أ] الله تعالى، قال: فإني رسول الله إليك: أنَّ الله قد أحبَّك كما أحبَبْتَهُ فيه».
وقال رجلٌ لمُعاذ: إني أحبك في الله! قال: أحبَّك الذي أحببتني له.
وفي سنن أبي داود (٢): أن رجلًا كان عند رسول الله ﷺ فمرَّ رجلٌ، فقال: يا رسول الله! إنِّي لأُحبُّ هذا، فقال له رسول الله ﷺ : «أعْلَمْتَهُ؟» قال: لا! قال: «فأعْلِمْهُ»، فلحقه، فقال: إني أُحبُّك في الله! قال: أحبَّك الذي أحببتني له.
وفيها أيضًا (٣): عن المقدام بن معدي كرب ــ ﵁ ــ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أحبَّ الرَّجُلُ أخاهُ؛ فليُخْبرِهُ أنَّهُ يُحِبُّهُ».
стр. 590
وفي الترمذي (١) من حديث يزيد بن نعامة الضَّبِّيِّ ــ ﵁ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا آخى الرَّجُل الرَّجُل؛ فليسأله عن اسمه، واسم أبيه، وممنْ هُو، فإنه أوْصلُ للمودَّة».
وفي صحيح مسلم (٢) من حديث أبي هريرة ــ ﵁ ــ: أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده! لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أوَ لا أدُلُّكُمْ على شيءٍ إذا فعلْتُمُوهُ تحابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلام بيْنكُمْ».
وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا حجاج بن محمد التِّرمذيُّ، أنبأنا إسرائيل، حدثنا شريك، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهُذيل، عن عمَّار بن ياسر: أنَّ أصحابه كانوا ينتظرونه، فلما خرج؛ قالوا: ما أبطأك عنَّا أيها الأمير؟! قال: أما إنِّي سوف أحدِّثكم: أنَّ أخًا لكم ممَّن كان قبلكم، وهو موسى ﵇ قال: يا ربِّ! حدّثني بأحبِّ الناس إليك، قال: ولِمَ؟ قال: لأحبَّه لِحبِّك إيَّاه، قال: عبد في أقصى الأرض، أو طرف الأرض، سمع به عبد آخرُ في أقصى، أو طرف الأرض، لا يعرفه،
стр. 591
فإن أصابته مصيبةٌ؛ فكأنَّما أصابته، وإن شاكته شوكةٌ؛ فكأنَّما شاكته، لا يحبُّه إلَّا لي، فذلك أحبُّ خلقي إليَّ. وقال: يا ربّ خلقت خلقًا تدخلهم النار، أو تعذِّبهم، فأوحى الله إليه: كلُّهم [١٥٨ ب] خلقي، ثم قال: ازرع زرعًا. فزرعهُ، فقال: اسقه، فسقاه، ثم قال: قم عليه. فقام عليه ما شاء الله من ذلك، فحصده، ورفعه، فقال: ما فعل زرعك يا موسى؟! قال: فرغتُ منه ورفعته، قال: ما تركت منه شيئًا؟ قال: ما لا خيرَ فيه، أو ما لا حاجة لي فيه، قال: فكذلك: أنا لا أُعذّب إلا من لا خير فيه.
فصل
ولو لم يكن في محبة الله إلَّا أنَّها تنجي مُحِبَّهُ من عذابه؛ لكان ينبغي للعبد ألَّا يتعوَّض عنها بشيءٍ أبدًا.
وسئل بعض العلماء: أين تجد في القرآن: أن الحبيب لا يعذِّب حبيبه؟ فقال: في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة/ ١٨].
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا إسماعيل بن يونس عن الحسن
ــ ﵁ ــ: أنَّ النبي ﷺ قال: «والله لا يعذِّب الله حبيبهُ! ولكن قد يبتليه في الدنيا».
стр. 592
وقال أحمد (١): حدثنا سيَّار، حدَّثنا جعفر، حدثنا أبو غالبٍ، قال: بلغنا أنَّ هذا الكلام في وصية عيسى ابن مريم ﷺ : يا معشر الحواريّين! تحبَّبوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقرَّبوا إليه بالمقت لهم، والتمسوا رضاه بسخطهم. قالوا: يا نبي الله! فمن نجالس؟ قال: جالسوا من يزيدُ في أعمالكُم منطقُه، ومن تذكركم بالله رؤيته، ويزهِّدكم في دنياكم عمله.
ويكفي في الإقبال على الله ثوابًا عاجلاً: أن الله ــ ــ يُقبل بقلوب عباده إلى من أقبل عليه، كما أنه يُعرض بقلوبهم عمَّن أعرض عنه، فقلوب العباد بيد الله لا بأيديهم.
وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا حسين في تفسير شيبان عن قتادة قال: ذُكر لنا أنَّ هَرِم بن حيَّان كان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله ــ ــ بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه مودَّتهم ورحمتهم.
وقد روي هذا مرفوعًا (٣)، ولفظه: «وما أقبل عبد على الله بقلبه إلَّا أقبل الله عليه بقُلوب عبادهِ، وجعل قُلُوبهم تفدُ إليه بالْوُدِّ، [١٥٩ أ]
стр. 593
والرَّحمة، وكان الله بكل خيرٍ إليه أسرع».
وإذا كانت القلوب مجبولةً على حُبِّ من أحسن إليها، وكل إحسان وصل إلى العبد فمن الله ــ ــ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل/ ٥٣] فلا ألأمَ ممَّن شغل قلبه بحب غيره دونه.
قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو معاوية، قال: حدَّثني الأعمش عن المنهال، عن عبد الله بن الحارث، قال: أوحى الله إلى داود ــ ﵇ ــ: يا داود! أحببني، وحبِّب عبادي إليَّ، وحببني إلى عبادي. قال: يا ربِّ! هذا أنا أُحبك، وأُحبِّبُ عبادك إليك، فكيف أُحبِّبك إلى عبادك؟ قال: تذكرني عندهم، فإنهم لا يذكرون منِّي إلا الحسن.
ومن أفضل ما سئل الله ــ ــ حبُّه وحبُّ من يحبُّه، وحبُّ عملٍ يقرب إلى حبِّه، ومن أجمع ذلك أن يقول (٢): «اللهمَّ! إني أسألك حُبَّك، وحُبَّ من يحبُّك، وحُبَّ عملٍ يقرِّبني إلى حبك، اللهمَّ! ما رزقتني مما أُحبُّ؛ فاجعله قوَّةً لي فيما تُحبُّ، وما زوْيتَ عني مما لا
стр. 594
أحب؛ فاجعله فراغًا لي فيما تُحبُّ؛ اللهم! اجعل حبَّك أحبَّ إليَّ من أهلي، ومالي، ومن الماء البارد على الظمأ، اللهم! حبّبني إليك، وإلى ملائكتك، وأنبيائك ورسلك وعبادك الصالحين. واجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبياءك وعبادك الصالحين. اللهمَّ! أحي قلبي بحبِّك، واجعلني لك كما تحبُّ. اللهم! اجعلني أُحبُّك بقلبي كلِّهِ، وأرضيك بجهدي كله. اللهم! اجعل حبي كله لك، وسعيي كله في مرضاتك.
وهذا الدعاء هو فُسطاط خيمة الإسلام؛ الذي قيامُها به، وهو حقيقةُ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، والقائمون بحقيقة ذلك هم: ﴿بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج/ ٣٣] والله سبحانه تعرَّف إلى عباده من أسمائه، وصفاته، وأفعاله بما يوجب محبتهم له، فإن القلوب مفطورةٌ على محبة الكمال، ومن قام به، والله ــ ــ له الكمالُ المطلق [١٥٩ ب] من كل وجهٍ؛ الذي لا نقص فيه بوجهٍ ما، وهو سبحانه الجميل الذي لا أجمل منه، بل لو كان جمالُ الخلق كلهم على رجل واحدٍ منهم، وكانوا جميعُهم بذلك الجمال لما كان لجمالهم نسبةٌ قطُّ إلى جمال الله، بل كانت النسبة أقل من نسبة سراجٍ ضعيفٍ جدًّا إلى جرم الشمس ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل/ ٦٠].
وقد روى عن النبي ﷺ قوله: «إن الله جميلٌ يحب الجمال» عبد الله
стр. 595
ابن عمرو بن العاص (١)، وأبو سعيدٍ الخُدْريُّ (٢)، وعبد الله بن مسعودٍ (٣)، وعبد الله بن عمر بن الخطاب (٤)، وثابت بن قيس (٥)، وأبو الدَّرداءِ (٦)، وأبو هريرة (٧)، وأبو ريحانة (٨) ﵃.
و من أسمائه الحسنى: الجميلُ ، ومَنْ أحقُّ بالجمال ممن كلُّ جمالٍ في الوجود فهو من آثار صنعته، فلهُ جمال الذَّات، وجمالُ الأوصاف، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء، فأسماؤه كلُّها حُسْنى، وصفاتُه كلُّها كمالٌ، وأفعالُه كلُّها جميلةٌ، ولا يستطيع بشرٌ النظر إلى جلاله وجماله في هذه الدَّار، فإذا رأوه سبحانه في جنات عدنٍ أنْسَتْهُمْ رؤيتُه ما هم فيه من النعيم، فلا يلتفتون حينئذٍ إلى شيء غيره، ولولا حجابُ النور على وجهه لأحرقت سُبُحَاتُ وجهه ــ ﵎ ــ ما انتهى إليه بصرُه من خلقه، كما في صحيح البخاري (٩) من حديث أبي موسى ــ ﵁ ــ
стр. 596
قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلماتٍ، فقال: «إن الله لا ينامُ، ولا ينبغي له أن ينام، يخفضُ القسط، ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابُهُ النُّور لو كشفه لأحرقت سُبُحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه».
وقال عبد الله بن مسعود ــ ﵁ ــ: ليس عند ربكم ليلٌ، ولا نهار، نور السموات من نور وجهه، وإنَّ مقدار كل يوم من أيامكم عند الله اثنتا عشرة ساعة، فتُعرضُ عليه أعمالُكم بالأمس أول النهار أو اليوم، فينظرُ فيها ثلاث ساعات، فيطَّلع منها على بعض ما يكره، فيغضبه ذلك، فأوّلُ من يعلمُ بغضبه الذين يحملون العرش، يجدونه يثقُل عليهم فيُسبِّحه الذين [١٦٠ أ] يحملون العرش، وسرادقات العرش، والملائكة المقرَّبون، وسائرُ الملائكة، وينفخ جبريلُ في القرن، فلا يبقى شيءٌ إلَّا سمعه إلَّا الثقلين: الجنَّ والإنس، فيسبحونه ثلاث ساعات، حتى يمتلئ الرَّحمن رحمةً، فتلك ستُّ ساعاتٍ، ثم يُؤْتَى بما في الأرحام، فينظر فيها ثلاث ساعات، فيصوركم في الأرحام كيف يشاء، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، فتلك تسع ساعات، ثم ينظر في أرزاق الخلق كلهم ثلاث ساعات، فيبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيءٍ عليم، ثم قرأ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن/ ٢٩]. ثم قال عبد الله: هذا من شأنكم، وشأْن ربِّكم ﵎.
стр. 597
رواه عثمان بن سعيد الدارمي (١): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة عن الزبير بن عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله الفهري، عن ابن مسعودٍ ــ ﵁ ــ، ورواه الحسن بن إدريس عن خالد بن الهيَّاج، عن أبيه عن عبّاد بن كثير، عن جعفر بن الحارث، عن معدان، عن ابن مسعود ــ ﵁ ــ قال: إنَّ ربكم ليس عنده نهار ولا ليلٌ، وإن السموات مملوءاتٌ نورًا من نور الكرسي، وإن يومًا عند ربك اثنتا عشرة ساعةً، فتُرفعُ فيها أعمال الخلائق في ثلاث ساعات، فيرى فيها ما يكره، فيغضبه ذلك، وإن أوّل من يعلم بغضبه حملةُ العرش، يرونه يثقُل عليهم فيسبّحون له، ويسبح له سُرادقاتُ العرش في ثلاث ساعات من النَّهار، حتى يمتلئ ربنا رضًا، فتلك ستُّ ساعاتٍ من النهار، ثم يأْمر بأرزاق الخلائق، فيعطي من يشاء ويقتر على من يشاء في ثلاث ساعات من النهار، فتلك تسع ساعاتٍ، ثم تُرفع إليه أرحام كل دابة، فيخلق فيها ما يشاء، ويجعل المدة لمن يشاء في ثلاث ساعات من النهار، فتلك اثنتا عشرة ساعةً، ثم تلا ابن مسعود ــ ﵁ ــ هذه الآية: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن/ ٢٩] هذا من شأن ربنا ﵎.
وفي دعاء النبي ﷺ الذي دعا به يوم الطائف: «أعوذُ بنور [١٦٠ ب] وجهك الذي أشرقت له الظُّلماتُ، وصلح عليه أمرُ الدنيا والآخرة أن
стр. 598
يحلَّ عليَّ غضبُك، أو ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» (١).
فإذا جاء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده تشرق لنوره الأرض كلُّها، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الزمر/ ٦٩] وقولُ عبد الله بن مسعود ــ ﵁ ــ: نورُ السموات والأرض من نور وجهه، تفسيرٌ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور/ ٣٥].
وفي الصحيحين من حديث أبي بكر (٢) ــ ﵁ ــ في استفتاح النبي ﷺ قيام الليل: «اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن».
وفي سنن ابن ماجه (٣)، وحرب الكرماني من حديث الفضل بن عيسى الرَّقاشيِّ، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ــ ﵄ ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «بينا أهل الجنة في نعيمهم؛ إذْ سطع لهم نورٌ، فرفعوا رُؤُوسهم، فإذا الربُّ قد أشرف عليهم من فوقهم،
стр. 599
فيقول: السلام عليكم يا أهل الجنة! وذلك قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس/ ٥٨] فيرفعون رؤوسهم، فينظرون إليه، وينظر إليهم، ولا يلتفتون إلى شيءٍ من النعيم حتى يحتجب عنهم، فيبقى نوره وبركته عليهم وعلى ديارهم ومنازلهم». لفظ حديث حرب: «فما ظنُّ المُحبين بلذّة النظر إلى وجهه الكريم في جنات النعيم؟».
وقد كان من دعاء النبي ﷺ : «أسألُك لذَّة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك». ذكره الإمام أحمد، والنسائيُّ، وابنُ حبان في صحيحه (١).
فاسمع الآن شأن أوليائه وأحبائه عند لقائه، ثم اختر لنفسك (٢):
أنت القتيلُ بكل من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي
قال هشامُ بن حسَّان عن الحسن: إذا نظر أهل الجنة إلى الله تعالى؛ نسوا نعيم الجنة.
وقال هشام بن عمَّار (٣): حدثنا محمد بن شعيب بن شابور، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان، حدثنا سعيد بن عبد الله [١٦١ أ] الجرشي
стр. 600
القاضي: أنه سمع أبا إسحاق الهمدانيَّ يحدث عن الحارث الأعور، عن عليِّ بن أبي طالب ــ ﵁ ــ رفعه قال: «إن الله إذا أسكن أهل الجنة الجنةَ، وأهل النار النار، بعث إلى أهل الجنة الروح الأمين فيقول: يا أهل الجنة! إن ربكم يقرئكم السلام، ويأمركم أن تزوروه إلى فناء الجنة، وهو أبطح الجنة، تُربته المسك، وحصباؤُه الدُّرُّ والياقوت، وشجرهُ الذهب الرطب، وورقه الزُّمُرُّد، فيخرج أهل الجنة مستبشرين مسرورين، فثَمَّ يجمعهم، وثَمَّ كرامةُ الله، والنظر إلى وجهه، وهو موعد الله أنجزهُ لهم، فيأذن الله لهم في السماع، والأكل، والشرب، ويكسون حلل الكرامة، ثم ينادي منادٍ: يا أولياء الله! هل بقي مما وعدكم ربكم شيء؟ فيقولون: لا، وقد أنجزنا ما وعدنا، فما بقي شيءٌ إلا النظر إلى وجهه، فيتجلى لهم الربُّ في حجبٍ، فيقول: يا جبريل! ارفع حجابي لعبادي؛ كي ينظروا إلى وجهي. قال: فيرفع الحجاب الأوَّل، فينظرون إلى نور من نور الرب، فيخرون له سجدًا، فيناديهم الرب: يا عبادي! ارْفعوا رؤوسكم؛ فإنها ليست بدار عملٍ، إنما هي دارُ ثوابٍ، فيرفع الحجاب الثاني، فينظرون أمرًا هو أعظم وأجلُّ، فيخرون لله حامدين ساجدين، فيناديهم الربُّ: ارفعوا رؤوسكم، إنها ليست بدار عمل، إنما هي دارُ ثوابٍ، ونعيم مُقيمٍ.
فيرفع الحجاب الثالث، فعند ذلك ينظرون إلى وجه رب العالمين، فيقولون حين ينظرون إلى وجهه: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك، فيقولُ: كرامتي أمكنتكم من النظر إلى وجهي وأحلتْكم داري. فيأذنُ الله للجنَّة أن تتكلم، فتقول: طوبى لمن سكنني!