Полный текст (198 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
كأنها نورٌ، ضميره نارٌ، راحٌ كالنور والنار أصفىَ من البلور، ومن دَمع المهجور أرقّ من نسيم الصَّبا، وأطيب من عهد الصِّبا، أرق من دَمْع محبٍّ، وشكوى صَبٍّ، الكأسُ بلّورة، والخمر ياقوتة، الراحُ ترياقُ سمّ الهمّ. ساقٍ كأن الراح من خدِّه مَعْصور، وملاحة الصورة عليه مقصورٌ، دبت الكؤوس فيهم، دبيب النار في الفحم، والبُرء في السقم، أشربَت الراح عُقولهم، وملكت قلوبهم، تَمشَت الصَّهباء في عظامهم، وتمرقت إلى هامِهم، وماست في أعطافِهم، ومالَت بأطرافهم، بلغوا حَدّاً يوجب الحَدَّ.
الغناء والمُغنّي
غناء كالغِنى بعد الفقر، وهو عُذرٌ، للسكر غناءٌ يبسط أسرّة الوجه، ويرفع حجاب الأذن، ويأخذ بمجامع القلب، ويمتزج بأجزاءِ النفس، غناءٌ يحرّك النفوس، ويرقص الرؤوس، ويُحرِّضُ الكؤوس، قد سمعنا غناءً، يُعيد الأموات أحياءً، فلانٌ طبيب القلوب والأسماع، ومُحْيي موات الخواطر والطباع، القلوب من غنائه، على خطر فكيف الجبوب، وكأنه خلق من كلّ نفس فهو يغني كُلاَّ بما يشتهيهِ، تهيئة السكر على صوته، شهادة لغنائه في القلب، موضع القطر في الجَدْبِ.
في استهداءِ الشراب
قد تألّف لي شمل إخوانٍ، كاد يفترق بعوز المشروب فاعتمدنا فضلك المعهود، وردنا بحرك المورود، قد انتظمت مع نفرٍ من إخواني، في سمط الثريا، فإن لم تحافظ علينا النّظام، بإهداء المدام، صُرنا كبنات نَعْشٍ والسَّلام، فرأيك في إرواء غُلتنا بما ينفعها، والتطوّل على جماعتنا بما يجمعُها.
стр. 72
الباب العاشر
في فنونٍ مختلفةٍ، وشوارد وفوارد
السرور والاهتزاز
كِدتُ أهيم فَرحاً، وأطير بجناح السُّرور مَرَحاً، ملكتني المَسرَّة حتى استفزتني، واشتملت عليَّ حتى هَزّتني، حالي حال من حُكم في مُناه، وأُعطي كتابه بيمناه، المَسرّة اَتيةٌ، والبَهجة مُؤاتيةٌ، والغِبطةُ مُستوليَةٌ، والوَحْشَة متولَية، أنا في ثوب المسرَّة رافل، ونجمُ الوحشة عنّي آفلٌ.
في ضد ذلك
في نفسه بلابل تَدورُ، ومرِاجل تفورُ، مضجعٌ ولا يَجفُّ له مَدْمَعٌ بالهُ كاسِفٌ، وقلبه واجفٌ، لا أقول غمَّه، ولكن أعماهُ وأصمّه، نهاره للفِكَر، وليله للسَّهَرِ، يرى ضياء الدنيا ظلاماً، ويتصَوّر نورَ الشمسِ قَتاماً، مغضوضَ الجفونِ على قذى، منطوي الجوانحِ على أذى.
ذِكْرُ الأمن
قد أبدله اللَّهُ بحرِّ الخوف بَرْدَ الأمن، لا يلتفت وراءهُ مخافةً، ولا يخشى أمامه آفةً، قد آمن سربهُ، وعذب شربُهُ، وزال استيحاشُهُ، قد سكن رَوْعُهُ، وأمن رُوعُهُ.
стр. 73
في ضِدّ ذلك
إذا نام هالَه طيفٌ، وإذا انتبَهَ راعه سَيفٌ، طار قلبُه بجناحِ الوجَل، وتصوَّر له شخصُ الأَجَل، لا سماءٌ تُظلُهُ، ولا أرض تُقِلُهُ، لا يجد في الخضراءِ مَصعداً، ولا في الغبراءِ مَقعداً، لا يجد في الأرضِ نفقاً، ولا في السماء مُرْتَقًى، كادت نفسُه تطيح، وروحُه تسري بها الريح.
الأسْر والحبسُ
فلان في جوامع الأسْر مُوثَق، وبمضائق الجيش مُرهَق، هو في قعر حَبْسٍ يحجب عنه ضياء الشمس، هو أسير حَبْس، قد غُلق رِتاجهُ وسَمير قَيدٍ قد صَعُب علاجُهُ، أحاطت به رِبقة الأسرِ، وملكته ذِلة القهر.
ذِكْرُ الإطلاقِ
الحمد للَهِ حَمدَ الإخلاصِ، على صدق الخلاص، قد أفضى فلان من ذِلّةِ رِقٍّ إلى عِزّة عِتق، ومن تَصلية الجحيم، إلى جَنة النعيم، خرج من العقال، خروجَ السيفِ من الصِّقال، خرج من إساره، خروجَ البدر من سرارهِ، الحمد للَه الذي فكَّ أسراً، وجعل من بَعْد عُسرٍ يُسراً.
وَصفُ الغِنى والثروة
فلانٌ قد فاز برغائبِ النعم، وغرائبِ القَسَم، خاض بحرَ الغنى، وركض في ميدانِ المنى، وردت له إخلاص الدنيا، وهطلته سحائبُ الغنى، اتّسعت مواردُ مالِه، وتقرَّعَت شُعب حالهِ، رأت عيناهُ، ما لم تبلغهُ مناهُ، واتّسعَتْ نعمته، بحيث لم تنله همّته، عنده من العين ما تقر به العين.
стр. 74
في ضِدِّ ذلك
قد زالت عنه الآلاءِ، وانثالَتْ عليه اللأواء، قد أحلّت له الضرورة، ما حرَّم الله عليه، يده صِفر، ومنزلُه قفرٌ، قد حصل على إضاقةٍ، وَتكشف عن فاقة، ليس معه عقد على نقدٍ، لو بلغ الرزق فاه، لوَلَّى قَفَاه.
ذِكْرُ الشُكر
الشُّكر ترجمان النيّةِ، ولسانُ الطويَّة، وشاهدُ الإخلاص، وعنوانُ الاختصاص، الشكر نسيم النعمِ، وسبب الزيادة، والطريق إلى السعادة، الشكر قيد النعمة، ومفتاح المزيد، وثمر الجنة، من شَكَر قليلاً، استحق جزيلاً، شكر المولى، هو الأَوْلَى، اشكرْ لمن أنعمَ عليك، وأنعِم على من شَكرك.
حُسن الإفصاح عن الشكر والثناء
شكره شكر الأسير لمن أطلقه، والمملوك لمن أعتقه، شكره شكر البلد القَفْر، لإلمام القطر، أثنى عليه ثناء الروضِ المُمحل، على الغَيثِ المسبل، أثنى عليه ثناء العَطشان الواردِ على الزّلال البارد، ملأ الأرض ثناءً، والسماء دُعاء.
ذِكْرُ الأيام المَشهورَةِ
يَومٌ هو عيدُ العمر، وموسم الدَّهر، وميسم الدهر الفخر، يَومٌ من أعياد دهري، وأعيان عُمري، يومٌ من الدنيا، ضاحِكُ السِّن، طلْق الوجه، شريفُ الصَيت، رخيص الدرهم والدينار، كثيرُ الفرح والاستبشار، يومٌ تكاثرت فيه النظارة، حتّى حُمل فيه الصّبيّ، ودَلَف الشيخُ، ودَبَت العجوز وخرجتِ العروس، وخَلَتِ الدُّور.
وَصْفُ الكَثْرَة
أكثر من المدَّ إذا سال، والرمل إذا أهال، يُحصى رَملُ عالج قبله، ولا
стр. 75
تستطيع الحَفَظة حِفظه، يُحصي الحصى قبل أن يُخصى، قد استغرقت القرطاسَ قبل الأنفاس، وأفنيت الأعمار قبل الأعصار، ولم تبلغ المِعشار، واستنفدت الأقلام قبل الكلام، ولم تبلغِ التمام.
وَصْفُ القلَة ووصفُ قليلٍ من كثرة
لو كان ذلك شَظيّة في قلم الكاتب، لما غيَّرت خطه، أو قذى في عين النائم، لما أنبه جَفنه، ذاك أقل من لا ولا، ومن الجزء الذي لا يتجزى قطرة من سَحّ، وغَيض من فَيض، ورَذاذ من وَبْل ورَشَاش من سَجْل، وشَررَة من نار، وقراضة من دينار، ذاك قطرة من نَهَر، ووَشَل من بَحْرٍ.
وَصفُ الجدِّ والهزلِ جميعاً
جدّ كعُلوّ الجدّ، وهَزْلٌ كحديقةِ الوردِ، جدهُُ كحدِّ الصارم، وَهَزلهُ كزورة الحبيب الصارم، جدّهُ كجدِّ الحازمِ الموقورِ، وهَزْلُه تساقط اللؤلؤِ المنثور، جدُّهُ عنوانُ الحِكمة، وهَزْلُهُ جلاءُ المودَّة، جدُّهُ يروق، وهزله يشوق.
ذِكْرُ الشيءِ المتعذر الوجود
قَدْ عَز وأعوز وأعجز، ذاك أبعد من النجم مَرْقباً، وأصعب من كل صَعْبٍ مَطلباً، ذاك صعبٌ مرامُهُ، دَحض مُقامُه، ذاك معجز عمر النشور، وإلى يومِ النُّشور. قد أعوز حتى كأنه الوفاءُ والكرمُ، والغرابُ الأعصمُ، ناطَه بالعَيوق، ووضعه موضع بيضِ الأنوق دون ذلك شيب الغراب، وإرواء الشَراب.
стр. 76
الاقتفاء والامتثالُ
أنا في ذلك سالك سَبِيلَه، وقَافٍ أثرَه ودليلَه، وبانٍ عَلَى أصول عقوده، وجارٍ على أمثلته وحُدودِه، وقد جعلتُ أفعالَه قِبلةً أُصلّي إليها وقاعدة أبني عليها، في طريقه ذَهَب، وعلى قالبه ضربَ، وبأدبهِ تأدّبَ، وسبيله نَهَجَ، وعلى مِنواله نَسَجَ، أقام له معالم يقف عندها ويقفو حدَّها.
الكَنَف الحَرِيز والحَرَم الأمين
حمّى لا يُرَاعُ، ولا تنفُذُ فيهِ الأطماعُ، كَنَف لا يُراعُ ساكنهُ، وحرمٌ لا يُضاع قاطِنُهُ، ذاك جانِبٌ عزيزٌ، وجنابٌ حريز، قد حصل في العِزِّ الأمنع، والظل الأمْرع، رَبْعُهُ كالغاب لا يُرام، وجارُه كالنجم لا يُضام.
الاجتهادُ وبَذل الوُسْعِ والطاقة
جَهدَ كُل جَهْدِهِ، وبذل أقصى وسعِه، وأظهر جميع حَدّهِ، ركب الصَّعب والذَّلول، وتجشم الحُزون والسُّهول، وأعلم السَّيف والرمح، تناهى في ذلك إلى أقصى الاستطاعة وغاية الطاقة، واستغرق نهاية طاقته، وبلغ غاية طوقه.
الحَلف باللَّه تَعالى
بالله أرفع الأيمان، وأعلاها في شرائط الإيمان، والله ليس وراءَها مَذْهَبٌ، ولا بعدَ رِضاه مَطْلَبٌ، وحقّ القرآن ومن أنزلَه، ومن أُنزل عليه، لا ومن أرغَبُ إليه في طول بقائِكَ، لا ومن أسعدني بمودَّتِك، وقَوّمَ قناةَ أنسي بمُشاهَدتك.
سائر الأيمان
وحياةِ مولاي قسماً لا أعرّضها للحَنْثِ، ولا أقسم بها على شكّ، ونعمة مولاي
стр. 77
التي أحفظُها حِفظَ الإيمان، ولا أعرضها للأيمان، وحق القلم، وإنه لقَسَم، وحقّ الوفاءِ به وإنه لكرم، إنْ لم أفعل ذلك فرأيت الجود تبذيراً، والبأس تعزيراً، وتركتُ العِلم ظِهرياً، والأدب نسياً مَنسيّاً، وتمثّلْتُ الخيرَ عَزْماً، ودعوتُ البُخْل حَزماً، ولقيت الضَّيفَ عابساً، وَردتُ عودَ الخير يابساً، وعقَقْتُ أبا المكارم، وأيتمت أبناءَ المحاسن، وأيَّمتُ بناتِ المحامِدِ.
التأبيدُ
ما طلعتِ الثُّريّا وغَرَبَتْ، وشرقتِ الشمسُ وغَرَبَت، ما لاحَ كَوْكَبٌ، وأقام كِبْكِبٌ، ما حال حولٌ واخضرَّ عودٌ، ما طلعتِ الشمسُ وتكرر الأمس، ما أورقَ الشجرُ، وطلع القمر، ما ترددَ نَفَسٌ وتكرر غَلَس، ما بقي إنسان، ونَطَقَ لسان، ما طلع السِّماك، ودارتِ الأفلاك.
اَخرُ القِسمِ الثاني من كتابِ لُبابِ الآدابِ بحمدِ اللَه تعالى
стр. 78
قد تمَّ تحريرُه بعونِ اللَّهِ الملكِ الرؤوفِ الوهابِ، والحمدُ للَّهِ ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّد المُرسَلين وخاتم النبيين سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه لنفسِه، وحرّره بيده ذي العجز والتقصير، الرامي عفوَ ربِّه القدير، أفقر العباد، وأحوجهم في البلاد، الفقير إليه ، عبد الرحمن محيي نجل الحاج محمد نجيب شيخ زاده، غفر الله له ولوالديه ولمشايخه وأستاذيه ولجميع المسلمين أجمعين. وقد استراح القلم من تسويده في يوم الخميس في اليوم الخامس عشر من شهر رَجَب الخير سنة ١٣١٨ الألف والثلاثمائة عشر هجرية، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام في المبدأ والختام.
стр. 79
القسم الثالث من كتاب لباب الآداب
لإمام الهُمام أبي منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي النَّيسابوري عليه الرحمة والرضوان تحرّر سنة ١٣١٩ هجرية
стр. 80
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه ثقتي
القسم الثالث
في عيون الأشعارِ
وأحاسنها وفصوصها وفرائدها
قال مؤلف الكتاب: قد جعلتُ هذا القسمَ مشتملاً على لُبِّ اللب، وناظر العينِ، وسويداء القلب، ونقشِ الفَصِّ، ونُكتةِ العِلق، والمختص من الأمثال السائرة، والمعاني النادرة، والألفَاظ الفاخرة، في الفنون المتغايرة، لسَحَرة الشعراء، وأمراء الكلام الحرّ، من لدن امرىء القيس ومن يليه من فحول الجاهليين، ومن يتلوهم من مُفلقي المخضرَمِين، وهلم جرّاً إلى أعيان الإسلاميين، إلى آحاد المحدثين والمولدين، إلى أفراد العصريين، والذين أسعد تاريخ المجد، وموسم الفضل، وعصر الكلام المَحْض، من أيام مولانا المَلِك السيّد المؤيد العالِم العادِل، وليّ النَعَم خُوارزم شاه، أدام الله تعالى أيامه وسلطانه، وحرس عزه ومكانه، وقديماً قيل: إن الرجل يكتب أحسنَ ما يسمعُ، ويحفظُ أحسنَ ما يكتب، ويحكي أحسنَ ما يحفظ. وهذه حالي فيما أورد لكل من المذكورين على اختلافِ طبقاتهم وتباين درجاتهم، من أمير شعره، وواسطة عقده، وفريد قلادته، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أُنيب.
أقوال الشعراء
امرؤ القيس بن حجر الكندي
هو أمير الشعراء بشهادةِ خيرِ الأنبياء محمد المصطفى صلواتُ الله عليه وعلى اَله الطيبين الأخيار، وذلك أنه ذكر عنده يوماً فقال ﷺ : " ذاك رجلٌ مذكورٌ في الدنيا مَنسيّ في الآخرة يجيءُ يوم القيامة وبيده لواءُ الشُعراء يقودُهم إلى النار ". فيروى أنّ كلاً من
стр. 81
لبيد وحسان بن ثابت قال: ليت هذه المقالة فيّ وأنا المدهدي فيها، فيقال: إن أمير الشعراء قوله من قصيدة:
البِرُّ أنجحُ ما طلبت به ... والبِزُ خير حقيبة الرجلِ
ومن أمثاله السائرة قوله فيِ القناعة والرضى باليسير عند تعذر الكثير:
إذا ما لم تكن إِبلٌ فمِعْزى ... كأنّ قرون جِلَّتِها العصيُّ
فتملأ بيتنا أقِطاً وسَمْناً ... وَحَسْبُكَ من غِنىً شِبَعٌ وَرِيُّ
ومما يضاد هذه الحالة من بُعد الهِمّة والسموّ إلى معالي الأمور قوله:
فَلَوْ أن ما أَسعَى لأدْنى مَعِيشَةٍ ... كَفاني ولم أطلبْ قَليلٌ من المالِ
وَلَكِنَما أسْعَى لِمَجْدٍ مُؤثَّلٍ ... وَقَدْ يُحرِكُ المَجْدَ المُؤثل أَمثالي
ومن أمثاله السائرة:
وَقاهُم جَدُّهم بِبَنِي أبيهِمْ ... وبِالأَشْقَيْنِ ما حل العقابْ
وقوله:
أراهُن لا يُحْببنَ من قَل مالُهُ ... ولا من رَأينَ الشيبَ فيهِ وَقَوَّسا
ألا إن بَعدَ العُدْمِ للمَرْءِ قِنْوَةً ... وَبَعْدَ المَشِيبِ طولَ عُمرٍ وَمَلْبَسَا
وقوله:
وَقَدْ طَوَّفْتُ في الآفاق حَتّى ... رَضِيتُ من الغَنِيمَةِ بالإيابِ
وقوله:
إذا المَرْءُ لم يَخزُنْ عليه لِسَانَهُ ... فَلَيسَ عَلَى شَيْءٍ سِواهُ بخَزّانِ
وقوله:
стр. 82
فإنك لَمْ يَفْخَرْ عَليكَ كعاجِزِ ... ضَعيفٍ ولم يَغْلِبْكَ مثلُ مُغَلَّبِ
وقوله:
وجرحُ اللسانِ كجُرحِ اليدِ
وقوله:
إنّ الشفاء على الأَشْقيْنِ مصبوبُ
ومن قلائده الفاخرة قوله في وصف الفرس، ولم يسبق إليه ولم يلحق فيه:
مِكَرٌ مِفرٌّز مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ معاً ... كجُلمودِ صَخْرٍ حَطَهُ الَسيلُ من عَلِ
لَهْ أيْطَلا ظَبْيٍ وَسَاقا نَعَامَةٍ ... وَإِرْخاءُ سِرْحانٍ وتَقْرِيبُ تَتْفُلِ
وقوله في طول الليل واستعارة أوصافه من الجمل الناهض بالحمل الثقيل:
وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُ ... عليّ بأنواع الهُمومِ ليبتَلي
فقلت له لما تمطَّى بصُلبه ... وأردَفَ أعجازاً وناءَ بكَلكَل
ألا أيّها اللّيلُ الطويلُ ألا انْجَلِي ... بِصُبْح وما الإصْباحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ
أفاطِمَ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَّدَلُل ... وإن كنًتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فأجمل
وَإِنْ كنت قد ساءتَكِ مني خَلِيقَة ... فَسُلّي ثيابي من ثِيابكِ تَنْسُلِ
وَمَا ذَرَفَتْ عَيْناكِ إِلا َلِتَضْرِبي ... بِسَهمَيْكِ في أَعْشَارِ فَلْبٍ مُقَتَّلِ
لو قاله محدث في الزمان الرقيق لاستظرف ذلك منه، فكيف في مثل ذلك الزمان! وهو أول من شبه شيئين بشيئين في بيت واحد، حيث قال في وصف العُقاب:
كَأن قُلوبَ الطيرِ رَطْباً ويَابِساً ... لدى وَكْرِها العُنَابُ وَالخَشَفُ البالِي
стр. 83
زهيرُ بن أبي سُلمى
هو أحد الأربعة الذين وقع عليهم الاتفاق على أنهم أشعر العرب وهم: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة، والأعشى. فأما الاختلاف في تفضيل بعضهم على بعض فباقٍ إلى اليوم، وكان يقال: أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا شرِب. وكان زهير أجمع الناس للكثير من المعاني في القليل من الأَلفاظ، وأحسنهم تصرفاً في المدح والحكمة، ويقال: إن أبياته في آخر قصيدته التي أولها:
أمِنْ أُمّ أَوْفَى دِمْنةٌ لمْ تكَلَّمِ ... بِحَوْمَانَةِ الدَّرَاجِ فَالمُتَثلَمِ
تشبه كلام الأنبياء وهي من أحكم حكم العرب وهي:
وَمَنْ لا يُصانعْ في أمورٍ كَثِيرَةٍ ... يُضرَّسْ بِأَنياب وَيُوطأ بِمَنْسمِ
وَمَنْ يجعلِ المعروفَ من دون عِرْضِهِ ... يَفرْهُ ومَنْ لا يَتّقي الشَتْمَ يُشتَم
وَمَنْ لَم يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بسِلاحِهِيُهدَّم وَمَنْ لَمْ يَظْلِمِ الناسَ يُظْلَمِ
وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْلٍ ويَبْخَلْ بِفَضْلِهِ ... على قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ ويُذْمَمِ
وَمَنْ يَغْتَرِبْ يَحْسِبْ عَدُوّاً صَديقَهُ ... وَمَنْ لا يُكَرِّمْ نَفْسَهُ لا يُكَرَّم
وَمَهمَا تكُنْ عندَ امرىءٍ مِنْ خَلِيقةٍ ... وإِنْ خالَها تَخْفَى عَلى النَاسِ تُعْلَمِ
ومن أمثاله السائرة:
وَهَلْ يُنْبِتُ الخَطِيَّ إلا وَشيجُهُ ... وتُغْرَسُ إلاّ في منابِتِها النَّخْلُ
وقوله:
والسَّتْر دونَ الفاحِشات ولا ... يَلْقاكَ دونَ الخَيرِ من سِتْرِ
стр. 84
وما وقع الاتفاق على أنه أمدح بيت للجاهلية قوله:
تَراهُ إِذَا مَا جِئْتَهُ مُتَهَللاً ... كَأنكَ تُعطيهِ الذي أنتَ سَائِلُهْ
النابغة الذبياني
واسمه زياد بن معاوية، اتفقت الآراء على أنه أحسن الشعراء ديباجة شعر، وأكثرهم رونق كلام، وكأن كلامه كلام الكتاب ليس فيه تكلف ولا تعسف، ويقال: إن أجود شعره ما اعتذر به إلى النعمان بن المنذر، وأمير ذلك قوله:
فَإِنَكَ كَالليلِ الذي هو مُدْرِكي ... وَإِنْ خِلتُ أن المُنْتأى عَنكَ وَاسِعُ
ومن أمثاله المشهورة قوله:
نُبئتُ أن أبا قابوس أَوْعَدَني ... ولا مقام على زأرٍ من الأَسَدِ
ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال يوماً لجلسائه: من القائل:
حلفتُ فلم أترك لنفسِكَ ريبةً ... وليس وراءَ الله للمرءِ مَذْهَبُ
لَئن كنت قد بُلّغت عنّي جنايةً ... لمُبلّغُكَ الواشي أَغشُّ وأَكذَبُ
قالوا: النابغة يا أمير المؤمنين، قال: فهذا أشعر شعرائكم. وفي هذه القصيدة بيته السائر:
فلستَ بمُستبقٍ أخاً لا تلُمُّه ... على شَعَثٍ أيُّ الرجالِ المُهذبُ
وبيته الفاخر:
فإنكَ شَمْسٌ والملوكُ كواكبٌ ... إذا طلعتْ لم يبدُ منهن كوكَبُ
стр. 85
ومن قلائده قوله:
فَإن يَكُ عامِرٌ قد قالَ جهلاً ... فَإِن مظنَّةَ الجهلِ الشبابُ
ومن عقاربه:
وكنتَ أمينهُ لو لم تَخُنْهُ ... ولكنْ لا أمانَةَ لليماني
ومن أمثاله السائرة قوله:
الرّفقُ يُمنٌ والأَناةُ سَعَادَةٌ ... فاستأن في أمرٍ تُلاقِ نَجاحا
واليأسُ عما فاتَ يُعقِبُ راحَةً ... ولرُبَّ مُطعمةٍ تعودُ ذُباحا
فاستبقِ وُدَّكَ للصَّديقِ ولا تكن ... قتباً يعضّ بِغارِبٍ ملحاحَا
أَوْسُ بن حَجَر الأسدي
قال أبو عمرو بن العلاء: كان أوس فحل مضر حتى نشأ النابغة وزهير فطأطأ منه، وكان زهير راوية أوس، ومن إحسان أوس المشهور في قوله في المرثية التي أولها:
أيتُها النفْسُ أجْمِلي جَزَعا ... إِنّ الذي تَحْذَرينَ قَدْ وَقَعَا
وليس للعرب مطلع قصيدة في المرثية أحسن من هذا البيت وبيت القصيدة قوله:
الأَلمَعِيَّ الّذي يَظُنُ بك الظّنّ ... كَأَنْ قَدْ رأى وَقَدْ سَمِعَا
ومن أمثاله السائرة قوله:
فإنكما يا ابنَي جَناب وجدتما ... كمن دب يستخفي وفي الحَلق جُلجُلُ
وقوله:
стр. 86
وَلَسْتُ بخابئٍ لِغَدٍ طعاماً ... حِذارَ غَدٍ لِكُل غَدٍ طَعامُ
بشْر بن أبي خَازِم الأسدي
من أمثاله السائرة قوله:
ألمْ تَرَ أنّ طول العَهْدِ يُسْلي ... وَيُنْسِي مِثلَما نَسِيَتْ حَذام
وقوله:
يكُنْ لكَ في قَوْمي يَدٌ يَشْكُرُونَها ... وأَيْدِي النَّدَى في الصَالِحينَ فُروضُ
ومنه أخذ الناس قولهم: " الأيادي فرُوض "، وقوله عند موته من أبيات:
تسائلُ عن أبيها كلَّ ركب ... وَلَمْ تَعْلَمْ بِأَن السَّهْمَ صَابَا
فَرَجِّي الخيرَ، وانْتَظِري إِيابِي ... إِذَا مَا القارِظ العَنزي آبا
وقصة القارظين مشهورة.
الأَفْوَه الأَوْدي
أحد الحكماء في الجاهلية ومن أمثاله السائرة قوله:
إنما نعمةُ قومٍ مُتعةٌ ... وحياةُ المرءِ ثوبٌ مستعارُ
ولياليه إلالٌ للقوي ... ومُدى قد تختليها وشِفارُ
فصروفُ الدهرِ في أطباقِه ... خِلعة فيها ارتفاع وانحدارُ
بينما الناسُ على عليائِها ... إذ هَوَوْا في هُوَةٍ منها فغارُوا
стр. 87
وقوله وفيه حكمة بالغة:
البيت لا يُبتنَى إلاّ على عَمَدٍ ... ولا عِمادَ إذا لم تُرْسَ أوتَادُ
فإنْ تُجمع أوتادٌ وأعمدةٌ ... وساكن بلغوا الأمرَ الذي كادوا
لا يصلح الناسُ فَوْضَى لا سَراةَ لهم ... ولا سراةَ إذا جُهالُهم سادوا
إذا تَولى سَراةُ الناس أَمرَهم ... نما على ذاك أمرُ القدم وازدادوا
تهدي الأمورُ بأهلِ الرأي ما صلُحت ... فإن تولت فبالأشرار تنقادُ
أَمارة الغَي أن تلقَى الجميعَ لدى ال ... إِبرام للأَمر والأذنابُ أكتادُ
كيف الرَّشادُ إذا ما كنتَ في نفرٍ ... لهم عن الرشدِ أغلالٌ وأقيادُ
أعطَوْا غواتَهم جهلاً مَقَادَتَهُمْ ... فكلهم في حِبال الغِي منقادُ
وهذه من أبلغ الأبيات.
عَبيد بن الأبرص
جاهلي قديم من فحول العرب، ومن أمثاله السائرة قوله:
مَنْ يَسألِ الناسَ يَحْرِمُوه ... وَسَائِلُ اللَهِ لا يَخِيبُ
وَكُل ذِي غَيْبةٍ يؤُوبُ ... وَغَائِبُ الموتِ لا يَؤُوبُ
وقوله:
الخيرُ يَبْقَى وإِن طالَ الزَّمانُ به ... والشرُّ أخبَثُ ما أوعيتَ من زادِ
وقوله:
الخيرُ لا يأتي على عَجَلٍ ... والشّرُ يسبِقُ سيلَه مطرُهْ
стр. 88
المرقش
جاهلي، من أمثاله السائرة:
وَمَنْ يَلْقَ خيراً يَحمَدِ الناسُ أمرَه ... وَمَنْ يَغْوَ لا يعدَم على الغَيَّ لائما
أخوك الذي إن أحرجتْك مُلمَّةٌ ... من الدهرِ لم يبرح لها الدهر واجما
وليس أخوك بالذي إنْ تشعَّبت ... عليك أمورٌ ظل يلحاك دائما
مُهلهل
واسمه ربيعة، وهو أول من رقَّق الشعرَ فسمي مُهلهلاً.
ومن أمثاله السائرة قوله، وقد خُطبت إليه ابنته وهي في دار غربة:
لو بأبَانَيْنِ جاءَ يخطُبُها ... ضُرِّجَ ما أَنْفُ خاطِبٍ بِفَمِ
وقوله:
قَرَّبَا مَرْبِطَ النّعامَةِ مِنّي ... لَقِحَتْ حَرْبُ وَائِلٍ عن حِيالِ
لم أَكُنْ مِنْ جُناتِها شَهِدَ اللَّه ... وإني بِحَرْبها اليومَ صالِ
وقوله في مرثية أخيه كُليب بن وائل:
نبَئتُ أَنّ النارَ بَعْدَكَ أُوقِدَتْ ... وَأسْتَبَّ بَعْدَكَ يَا كُلَيْبُ المجلِسُ
وَتكلموا في أَمرِ كلِّ عظِيمَةٍ ... لو كنت شاهد أمرهم لم يَنْبِسُوا
стр. 89
الأَسْود بن يَعْفر
غرة شعره قصيدته التي أولها:
نام الخَليُ وما أحسنَ رُقادي ... والهَمُّ مُحْتَضِر لدى وِسادي
وفيها أبيات سائرة يتمثل بها في فناء السادة ومساكنهم الخاوية بعدهم:
ماذا أُؤَمِّلُ بَعْدَ آَلِ مُحَرِّقٍ ... تَرَكُوا مَنازِلَهُمْ وَبَعْدَ إِيادِ
أَرضُ الخَوَرْنَقِ والسَّدِيرِ وبارِقٍ ... والقَصْرِ في الشُّرُفاتِ مِن سِنْدادِ
نَزَلُوا بِأَنْقُرَةٍ يَسِيلُ عليهمُ ... مَاء الفُراتِ يَجيءُ مِنْ أَطْوَادِ
أَرض تَخَيَّرَها الطبيبُ مقيلها ... كَعْبُ بنُ مَامَةَ وابنُ أُمِّ دُؤَادِ
جَرَتِ الرِّيَاحُ عَلَى محل دِيارِهِمُ ... فَكَأَنّهم كَانُوا على مِيعادِ
ولقد غَنوا فيها بِأَنعَمِ عِيشَةٍ ... في ظِل مُلْكٍ ثَابِتِ الأَوْتَادِ
فَإِذَا النَّعِيمُ وكلُّ ما يُلْهَى بِهِ ... يَوْماً يَصيرُ إِلَى بلًىِ وَنَفَاد
طَرفَة بن العَبْد
من أمثاله السائرة على وجه الدهر:
ستُبدي لك الأيامُ ما كنتَ جاهلاً ... ويأتيكَ بالأخبار من لم تزوِّدِ
وكان النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم يتمثل بقول طرفة فيقول: " ويأتيك من لم تزوِّدِ بالأخبارِ " إنها كلمة نبي. ومن أمثاله في ذم الأخلاّء:
كُلُّ خَلِيلٍ كُنْتُ خَالَلْتُهُ ... لا تركَ اللَّهُ واضحَهْ
كُلُهُمُ أَرْوَغُ مِنْ ثَعْلَبٍ ... مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بالبَارِحَهْ
стр. 90
ومن أمثاله السائرة لعمرو بن هند:
اأبَا مُنْذِرٍ أَفْنَيْتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنَا ... حنَانَيْكَ بعضُ الشر أهونَ من بعضِ
وقوله:
قَدْ يَبْعَثُ الأمر الصغيرُ كبيرَه ... حتى تظلّ له الدِّماء تَصَبَّبُ
وقوله:
وأعلمُ عِلماً ليسَ بالظَّن أنَّهُ ... إِذَا ذَلَ مَولى المَرْءِ فَهْوُ ذَلِيلُ
وَأَن لِسَانَ المَرْءِ مَا لَمْ يكُنْ لَهُ ... حَصَاةٌ عَلَى عَوْراتِهِ لَدَلِيلُ
المُتَلمِّس
واسمه جرير بن عبد المسيح، من أمثاله السائرة قوله في الاحتياط:
قليلُ المالِ تُصلحُه فيبقى ... ولا يبقى الكثيرُ على الفسادِ
وحِفظُ المالِ خير من بُغاهُ ... وجَوْلٌ في البلادِ بِغَيْرِ زادِ
وقوله في الإغضاء عن ذنوب الأقرباء:
ولو غيرُ أخوالِي أرادُوا نَقيصَتي ... جعلتُ لَهُم فوقَ العَرانين مِيسَمَا
وَلا كُنْتُ إلاّ مِثْلَ قَاطِعِ كَفِّهِ ... بِكَف لَه أُخْرى فأصبحَ أَجْذَمَا
وقوله في الامتناع عن الذل:
ولا يقيم على ذُلَّ يُرادُ به ... إلا الأذلان عَيْرُ الحَيِّ وَالوَتَدُ
стр. 91
هَذَا عَلَى الخَسْفِ مَرْبُوطٌ بِرُمَّتِهِ ... وذَا يُشَجُ فلا يَرثي لَهُ أَحَدُ
الرُّمة: الحَبْل الخَلَق.
عَلقَمة بن عَبْدَة
من غُرر شعره قوله:
فإنْ تَسْألوني بالنِّسَاءِ فَإِنَنِي ... بَصِيرٌ بأدْواء النِّسَاءِ طَبِيبُ
إِذَا شَابَ رَأْسُ المرْءِ أَوْ قَل مَالُهُ ... فَلَيْسَ لَهُ فِي وُدِّهِنَّ نَصِيبُ
يُرِدْنَ ثَراء المَالِ حَيْثُ عَلِمْنَهُ ... وَشَرْخُ الشبَابِ عِنْدَهُنَ عَجِيبُ
وقوله من قصيدة أخرى:
وَكُلُّ حِصْنٍ وَإِنْ دَامَتْ سَلامَتُهُ ... على دَعَائِمِهِ لاَ شَكَّ مَهْدُومُ
وَمَنْ تَعرَّضَ لِلْغِرْبانِ يَزْجُرُهَا ... عَلَى سَلامةٍ لا بُدَّ مَشْؤُومُ
وَمُطْعَمُ الغُنْمِ يَوْمَ الغُنم مُطْعَمُهُ ... أَنَّى تَوَجَّهَ وَالمَحْرُومُ مَحْرُومُ
وَكُل قَوم وإِن عَزوا وَإِنْ كَرُمُوا ... عَريفُهم بأثافي الشَّر مَرْجُومُ
أبو دؤاد الإيادي
قيل للحطيئة: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:
لاَ أَعُدُ الإقْتار عُدْماً ولكنْ ... فَقْدُ مَن قد رُزِئتُهُ إِعدامُ
من رجالٍ من الأقارب بادوا ... من حذاق هم الرؤوس الكرامُ
فَعَلى إِثْرِهمْ تَسَاقطُ نفسِي ... حَسَرَاتٍ وذِكْرُهم لي سَقَامُ
ومن وسائط قلائده:
إذا كنتَ مرتادَ الرجالِ لنفعِهِم ... فرِشْ واصطنعْ عند الذين بهمُ تَرْمِي
стр. 92
لقِيط بن مَعْبَد الإياديُ
أمير شعره قصيدته التي كتبها إلى قومه يحذرهم جند كسرى، ويحرضهم على الجد والتشمّر للممانعة والمقارعة فمنها:
قوموا قياماً على أمشاطِ أرجلكم ... ثم آفزعوا قد يَنال الأمرَ مَن فزعا
هيهاتِ ما زالتِ الأموالُ مذ أبدٍ ... لأهلِها إن أُصيبوا مرّةً تَبَعَا
ومنها في اختيار الرئيس المضطلع بقيادة الجيش وتدبير الحرب، وهو أحسن ما قيل في معناه:
وقلِّدُوا أمرَكُم للَّهِ دَرُّكُمُ ... رَحْبَ الذرَاعِ بِأَمْرِ الحَرْبِ مُضْطَلِعَا
لا مُتْرِفاً إنْ رَخَاءُ العَيْشِ ساعَدَهُ ... وَلاَ إِذَا عَضَّ مَكْروهٌ بِهِ جَزَعَا
ما زالَ يَحْلُبُ دَرَّ الدهرِ أَشطُرَهُ ... يَكونُ مُتَبِعاً طوراً ومُتَبعَا
حَتى استَمَرَّ على شَزْرٍ مَرِيرَتُهُ ... مُسْتَحْكِمَ السِّنِّ لا فَخْماً ولا ضَرَعَا
أي: لا شيخاً خرفاً ولا شاباً حَدثاً.
حاتم الطائي
من أمثاله السائرة قوله:
إِذَا لَزِمَ الناسُ البيوتَ رَأَيْتَهُمْ ... عماةً عَنِ الأَخْبَارِ خُرْسَ المكاسِبِ
وقوله يخاطب امرأته ماوية:
أماوِيّ إنّ المالَ غَادٍ وَرَائِحٌ ... ويَبْقَى مِنَ المالِ الأحاديثُ والذكْرُ
وَقَدْ عَلِمَ الأَقْوامُ لَوْ أَنَ حَاتِماً ... أَرادَ ثَراءَ المَالِ كَانَ لَهُ وَفْرُ
стр. 93
وقوله أيضاً:
وَأَنتَ إذا أعطيتَ بَطنَكَ سُؤْلَه ... وَفَرْجَكَ نالا مُنْتَهَى الذمِّ أجمعا
وقوله أيضاً:
أماوِي ما يُغني الشراءُ عن الفَتَى ... إذا حَشْرَجتْ يوماً وضاقَ بِهَا الصَّدرُ
عَمرو بن كُلثوم
من أمثاله السائرة قوله:
وَإنَّ غَداً وإِنَ اليَوْمَ رَهْنٌ ... وَبَعْدَ غَدٍ بِما لا تَعْلَمِينَا
وفي هذه القصيدة بيتان يُنسبان إليه، ويقال: إنهما لعمرو بن عدي، وهما:
صَدَرتِ الكَأْسَ عَنّا أمَّ عَمْرٍو ... وَكانَ الكأسُ مَجْرَاهَا اليَمينَا
وَمَا شَرُّ الثلاثَةِ أُمَّ عَمْرٍو ... بصَاحِبكِ الذي لا تُصْبِحِينَا
ويروى أن عاملاً لعلي بن أبي طالب ﵁ قدم من عمله، فأهدى إلى الحسن والحسين ولم يُهْدِ إلى ابن الحنفيّة، فضرب على كتفه وتمثل بقول عمرو: " وما شر الثلاثة أم عمرو "، فأهدت في الغد إلى ابن الحنفية كما أهدت إلى أخويه.
عَنْتَرة بن شَدَّاد
أُنشد بين يدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أبياته التي يقول فيها:
стр. 94
بكَرَتْ تُخَوَفُني المنونَ كَأَنّني ... أَصْبَحْتُ عَنْ عَرَضِ المَنُونِ بِمَعْزِلِ
فَأَجبتُها إِنَّ المَنِيَّةَ مَنْهَلٌ ... لا بُدّ أَنْ أُسْقى بِكَأْس المَنْهَلِ
فاقْنَي حَيَاءَكِ لا أَبا لَكِ واعْلَمِي ... أنِّي امْرُؤٌ سَأَمُوتُ إِن لَمْ أُقْتَلِ
ولما أنشد قوله:
وَلَقَدْ أَبِيتُ على الطَوَى وَأَظلّه ... حتى أنالَ بِهِ كريمَ المَأْكَلِ
قال صلّى الله تعالى عليه وسلم: " ما وُصفَ لي أعرابيّ قط فأحببتُ أن أراه إلاّ عنترة ". ومن أمثاله السائرة قوله:
نبئتُ عَمْراً غَيْرَ شَاكِرِ نِعْمَتِي ... وَالكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ
وبيته الذي ينسب إليه:
إنّ العدوَ على العدو لقائلٌ: ... ما كان لي علم وما لم يعلم
طُفيل الغَنَوي
كان يقال له في الجاهلية: " المجزي المُحسن " لحُسن شعره، ويروى أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال يوماً للأنصار: زادكم الله عنا يا معشر الأنصار خيراً فما مثلنا ومثلكم إلا قول
طفيل الغنوي:
جَزَى اللَهُ عَنَا جَعْفراً حين أَزْلَفَتْ ... بِنَا نَعْلُنَا فِي الوَاطِئِينَ فَزَلَّتِ
أبوْا أَن يَمُلُونَا وَلَوْ أَن أُمَّنَا ... تُلاقِي الذي يَلْقَوْنَ مِنَّا لَمَلَّتِ
ومن غرر شعره:
إِنَ النَسَاءَ كالأشجارِ نَبَتْنَ لنا ... منهن مُرّ وبعضُ المرِّ مَأْكُولُ
إنَ النساءَ مَتَى يُنْهَيْنَ عن خُلُقٍ ... فَإِنَهُ واجبٌ لا بُدَّ مَفْعُولُ
стр. 95
الأضْبَط بن قُريع السَّعْدي
روى ابن الأنباري بإسناده قال: عاش الأضبط بن قريع مائة وخمسين سنة ثم مات في اَخر الزمان.
وأمير شعره قوله:
لكل همٍّ من الهمومِ سَعَهْ ... والصبحُ والمسا لا بقاء مَعهْ
قَدْ يَجْمَعُ المَالَ غيرُ آكِلِه ... وَيَأْكُلُ المالَ غَيرُ مَنْ جَمَعَهْ
لا تحقرَنَّ الفقيرَ علَّكَ أَنْ ... تَرْكَعَ يَوْماً والدَّهرُ قد رَفَعَهْ
وَصِلْ حِبَالَ البعيدِ إِنْ وَصَلَ ال ... حَبْلَ وأقْصِ القَريبَ إن قَطَعَهْ
واقبل من الدَّهْرِ ما آَتاكَ بِهِ ... مَنْ قَرَّ عيناً بعيشِهِ نَفَعَهْ
مَا بَال مَنْ سَرَّهُ مُصَابُكَ لا ... يَمْلِكُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِهِ وَرَعَهْ
أَذُودُ عَنْ حَوْضِهِ وَيَدْفَعُنِي ... يا قومِ من عَاذِرِي من الخُدَعَهْ
حَتّى إِذَا مَا انْجَلَتْ عَمَايَتُه ... أَقْبَلَ يَلْحَى وَغَيُّهُ فَجَعَهْ
عَديُّ بن زَيْد العِبادي
لا يخرج من شعر شاعر من الجاهلية، من محكم الشعر وحكمه، وما يصلح للتمثل به مع حُسن الديباجة وصفاء الزجاجة، ما يخرج من شعر عَديّ، وكان يسكن الحيرة، ويجاور الريف، فرق شعره، وعذب منطقُه. وكان يونس النحوي إذا أُنشِد قوله في الاعتبار بذهاب القُرون وذهاب الملوك:
أَيّهَا الشامِتُ المُعَيّرُ بِالدَّهْر ... آَاَنْتَ المُبَرَّأ الموفُورُ
أَمْ لَدَيْكَ العَهْدُ الوثيقُ مِنَ الأ ... يامِ أم أَنْتَ جاهِلٌ مغرورُ
стр. 96
أَينَ كِسرى كِسْرَى أنوشر ... وان أم أينَ قبلهُ سابورُ
وأَخو الحَضْرِ إِذْ بَناهُ وَإذْ دِ ... جْلَةُ تُجْبَى إِليه وَالخابُورُ
شَادَهُ مَرْمَراً وَجَلَّلَهُ كِلْ ... ساً فَلِلطَّير في ذُرَاهُ وُكُورُ
وَبَنُوا الأصفَرِ الكرامُ مُلوكُ الرُّ ... ومِ لَمْ يَبْقَ منهُم مذكورُ
وَتَفَكَّرَ رَبُّ الخَوَرْنَقِ إذ أَش ... رَفَ يوماً وللهَوى تفكيرُ
سَرَّهُ مُلكُهُ وكَثْرَةُ ما يحويه ... والبحرُ مُعْرِضاً وَالسَّدِيرُ
فَارْعَوَى قَلْبُهُ فقال: وما غِب ... طَةُ حيّ إلى المماتِ يصير
ثُمَّ أَضْحَوْا كَأَنهُمْ وَرقٌ جَفَّ ... فَأَلْوَتْ بهِ الصبا والدَّبُورُ
ثُمَّ بعد الفَلاحِ والمُلْكِ والأمَّة ... وارتْهُمُ هناك القُبُورُ
يقول: لو تمنيت أن أقول شعراً ما تمنيت إلاّ هذا.
ومن أمثاله السائرة:
كفى واعظاً للمرءِ أيامُ دهرِه ... تروحُ له بالواعظاتِ وتغتدي
عَنِ المَرْءِ لاَ تَسأَلْ وسَل عن قرينِهِ ... فَإنَ القَرينَ بالمقارِن يَقتَدِي
وظلمُ ذوي القربى أشَدُ مَضاضةً ... على الحُرِّ من وقعِ الحُسام المهنَّدِ
وقوله في حبس النُعمان بن المُنذِر:
أَبلِغ النُّعمانِ عَنِّي مأْلكاً ... أَنهُ قد طال حبسي وانْتِظاري
لو بغيرِ الماءِ حَلقِي شَرِقٌ ... كنتُ كالغَصَّانِ بالماءِ اعتِصاري
وقوله:
فَهَلْ مِنْ خَالدٍ إمَّا هلَكْنَا ... وهل بِالمَوْتِ يا للنَّاسِ عَارُ
стр. 97
الحارث بن حِلِّزة اليشكَري
قال الصُّولي: ما يوصفُ تأهُّبُ القومِ للسفرِ وإقبالهم على جمعِ الآلاتِ للارتحالِ بأحسن من قول الحارث:
أَجْمَعُوا أمْرُهُمْ عِشَاءً فَلَمَا ... أَصْبَحُوا أَصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوضاءُ
مِنْ مُنَادٍ وَمِنْ مُجيب وَمِنْ ... تَصْهَالِ خَيْلٍ خِلالَ ذَاكَ رُغاءُ
أُميَّة بن أبي الصَّلْت
له في التوحيد والحكمة شعر كثير، وفيه يقول المصطفى صلّى اللَه تعالى عليه وسلم: " آمن شعرُه وكَفَر قلبُه ". ويقال: إنه أول من تلطف للسؤال في قوله لعبد الله ابن جدعان:
آَاَذْكُرُ حاجتي أمْ قد كَفاني ... حياؤُكَ إِنَّ شيمَتَكَ الحياءُ
وَعِلمُكَ بالحقوقِ وأنت قَرْمٌ ... لَكَ الخُلُقُ المهذَّب والسَّنَاءُ
كَريمٌ لا يُغَيرهُ صباحٌ ... عن الخُلُقِ الحميد ولا مساءُ
إذا أَثنى عليكَ المرءُ يوماً ... كفاه من تعرُّضِهِ الثناءُ
ومن غرر شعره قوله:
عَطاكَ زين لامرىءٍ إن حَبوتَه ... بخيرٍ وما كل العطاءِ يزينُ
وليس بشَيْنٍ لامرىءٍ بذلُ وجههِ ... إليك كما بعضُ السؤالِ يَشِيْنُ
قُسّ بن ساعدة الإيادي
في الذّاهبين الأوَلين ... مِنَ القُرون لنا بَصَائرْ
стр. 98
لما رأيتُ موارِداً ... لِلمَوْتِ ليس لها مَصَادرْ
ورأيتُ قَومي نَحْوَهَا ... يَمْضِي الأصاغر والأكابرْ
لا يَرْجِع الماضي إليَّ ... ولا من الباقين غابرْ
أَيْقَنْتُ أنِّي لا مَحَالةَ ... حَيث صار القَوْمُ صائر
أنشد النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم هذه الأبيات، فلما سمعها قال فيها: " إنه يُبعث أمةً على حِدة ".
المثقب العَبدي
واسمه عائذ بن محصن، ولقّب المثقّب لقوله، في قصيدة أولها:
أَفاطِمَ قبلَ بيْنِكِ مَتّعيني ... وَمَنْعُكِ ما سَأَلت كأنْ تبيني
ومنها:
وثقبن الوصاوصَ للعيون
وأمير شعره قوله في هذه القصيدة:
فلا تَعِدي مواعِدَ كاذباتٍ ... تَمُرُّ بها رياح الصَّيفِ دوني
فلو أني تُعاندُني شِمَالي ... لما أتبعتها أبداً يميني
إذاً لَقَطعْتُها وَلَقُلْت بيني ... كذلك أَجْتوي مَنْ يجتويني
فإمَّا أن تكون أخي بحَقِّ ... فأعرفَ منكَ غَثِّي من سَميني
وإلاّ فاطَرحْني وَاتَّخِذني ... عدُوّاَ أتقِيكَ وتتَّقيني
فما أدْري إذا يَمَمْتُ أَرضاً ... أُريدُ الخيرَ أيُّهما يَليني
آَاَلْخَيْرُ الذي أنا أبْتَغيه ... أمَ الشرُّ الذي هو يبتغيني
стр. 99
ومن أمثاله أيضاً قوله:
لا تَقولَن إذا ما لم تُرِدْ ... أَنْ تُتِم الوَعْدَ في شَيءٍ نَعَمْ
حَسَنِّ قَبل نَعَمْ قولك لا ... وقبيح القولِ لا بَعْدَ نَعَمْ
إِن لاَ بَعْدَ نَعَمْ فَاحِشَةٌ ... فَبِلاَ فَآبْدَأْ إِذَا خِفْتَ النَّدَمْ
وَآعْلَمَ أنَّ الذَّمَ نَقْصٌ لِلفَتَى ... وَمتى لا تَتَّقي الذَّمَّ تُذَمْ
أَكْرِم الجَارَ وَارع حَقهُ ... إِنَ عِرفَانَ الفَتَى الحقَّ الكَرمْ
لا تَرَانِي راتِعاً في مَجْلِس ... في لُحومِ النَّاسِ كالسَّبْعِ الضَّرِمْ
إِنَّ شَرَّ النَاسِ مَنْ يكْشِرُ لِي ... حينَ يَلْقَانِي وإِنْ غِبْتُ شَتَمْ
وكَلاَمٍ سَيىءٍ قَدْ وُقِرَتْ ... عنه أذناي وما بي صَمَمْ
فَتَعَزَّيْتُ خَشاة أنْ يَرَى ... جاهِلٌ آَني كما كانَ زَعَمْ
ولبَعْضُ الصَّفْحِ وَالإعْرَاضِ عَنْ ... ذِي الخَنى أَبْقَى وإِن كان ظَلَمْ
الممزَّق العَبْدي
واسمه شأس بن نَهار بن أسود بن جريك بن حيي بن غشاش وكان ابن أخت المثقب، وإنما لقب بالممزّق لبيت قاله لبعض الملوك وكان أسيراً عنده:
أحقاً أبيتَ اللعن أن ابن فرتنا ... على غير إجرام بِرِيقي مُشْرِقي
فَإِن كنتُ مأكولاً فكُنْ خيرَ آكِلٍ ... وإلا ّفأدركني وَلَمَّا أُمَزَّقِ
وكتب عثمان رضي الله تعالى عنه - وهو محاصر - إلى عليّ رضي الله تعالى عنه بهذا البيت الأخير. قال أحمد بن عبيد: إنما هو ممزِّق بكسر الزاي ولقب ببيته هذا:
فَمَنْ مُبْلغُ النُّعْمانِ أَن ابْن أُخْتِهِعَلَى العَيْنِ يعتادُ الصَّفَا وَيُمَزِّقُ
أَي: يُغنّي. والتمزيق: الغناء، وعين محلم: موضع بالبحرين.
стр. 100
يزيد بن خذاق الشني
روى له أبو عبيدة قوله:
هَلْ لِلْفَتَى من بَنَاتِ الدَّهْرِ من وَاقِ ... أَمْ هَلْ لَهُ من حِمامِ الموتِ من رَاقِ
ومنها قوله الذي سار مثلاً:
هَوِّنْ عَلَيْكَ ولاَ تُولَعْ بِإِشْفَاقِ ... فَإِنَما مالُنا لِلْوَارِثِ الباقي
ومن غرر شعره:
لن يجمعوا أَوْدي ومعرفتي ... أوْ يُجمعُ السيفانِ في غِمدِ
ورواه أبو عبيدة: أَوَ يُجمع، على الاستفهام.
عبدُ قَيْسِ بنُ خُفَافٍ
من غرر البراجم من غرر مواعظه لابنه ووصاياه:
فاللَه فَاتقِهِ وَأَوْفِ بنَذْره ... وإِذَا حَلَفْت مُمارِياً فَتَحَلَّلِ
وَالضيْفَ فأكْرمْه فَإن مَبيتَه ... حَقٌّ وَلا تَكُ لُعْنَةً لِلنُّزَّلِ
وَأعْلمْ بأَن الضيفَ مُخْبرُ أًهْلِهِ ... بمَبيتِ لَيْلَتِهِ وَإنْ لَمْ يُسْأَلِ
وَصِلِ الَمُواصِلِ ما صَفَا لَكَ وُدُهُ ... واحَذَرْ حِبَالَ الخائِنِ المُبتذلِ
وَأتْرُكْ مَحَل السَّوءِ لاَ تَحْلُل به ... وإِذَا نَبَا بِكَ مَنْزِلٌ فَتَحَوَّلِ
دَارُ الهَوَانِ لِمَنْ رآهَا دَارَه ... أفرَاحِلٌ عَنْهَا كَمَن لَمْ يَرْحَلِ
وإِذَا هَمَمْتَ بِأَمْرِ شَر فَاتئدْ ... وَإِذَا هَمَمْتَ بأَمْرِ خيْرٍ فاعجلِ
وَإِذَا آَتتْكَ مِنَ العَدُوِّ قَوارِصٌ ... فَآقْرُصْ هُناَكَ وَلا تَقُلْ لَمْ أَفْعَلِ
الشَّنفرى
أمير شعره قصيدته التي أولها:
стр. 101
ألا أمُ عَمْرِو أجْمَعَتْ فَاسْتَقَلَتِ ... وَمَا وَدعَتْ جِيرانَهَا إِذْ تَوَلَّتِ
وبيت القصيدة قوله في وصف امرأة:
فَدَقَّتْ وَجَلَّتْ واسبَكَرَّتْ وأظلمت ... فَلَوْ جُن إِنْسَان منَ الحُسْنِ جُنَّتِ
أي دقّت خاصرتها، وجلت عجيزتها، وامتدّ قوامها، واسودّ شعرها، فلو كان إنسان يُجَنُّ من فرْط الحُسن لجُنّت هذه.
عُروة بن الوَرْد
أمير شعره وغرّة كلامه في الخطاب بالنفيس لطلب المال قوله:
فَمنْ يكُ مثلي ذا عيالٍ ومقتراً ... من المالِ يطرح نفسه كل مطرحِ
ليبلغ عُذراً أو ينالَ رغيبةً ... ومُبلغُ نفسٍ عذرَها مثلُ منجحِ
وقوله أيضاً:
إذا آذاكَ مالُك فامتهنْه ... لجادِيه وإنْ قَرَعَ المِراح
أي: إذا أعانك مالك فابذله لمن سألك إياه، وإن بقيت صفراً منه.
أُفنون التّغلِبي
كان بعضُ الكهّان أنذره بهلاكه من لَدغة تصيبه، وكان يتحرز منها بجهده ولا ينام إلا على ظهر راحلته، فبينما هو ذات ليلةٍ على ناقة له وهي ترعى إذ التوت حية على مشرفها فاضطربت فرمت بها إليه فلدغته فقال بوقته:
لَعَمْرُكَ مَا يَدْرِي الفَتَى كيفَ يَتقيِ ... إذا هُوَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ اللَّهُ واقِيا
ثم خَرَّ ميتاً لساعته.
стр. 102
قيس بن الخطِيْمُ
أمير شعره قصيدته التي أولها:
أَتعْرِفُ رَسماً كَاطّرادِ المذاهِبِ ... لعَمْرَةَ وَحْشاً غَيرَ مَوْقِفِ راكِبِ
وبيت القصيدة قوله في وصف امرأة:
تَرَاءَت لنا كَالشَمْسِ بين غَمامةٍ ... بَدا حاجِبٌ مِنْها وبانَتْ بِحاجِبِ
وَلمَّا رأيْتُ الحَرْبَ قد جدَّ جدُّها ... لَبِسْتُ مَعَ البُرْدَيْنِ ثَوْبَ المُحَارِبِ
يقول: قد جمعت بين ثوب الصُّلح وثوب المحارب لأكون على بصيرة من أمري في الحالين وفيها:
إِذَا قَصُرَتْ أَسْيافنا كانَ وَصْلُها ... خُطانا إلَى أَعْدائِنا بالتقاربِ
وفيها:
لَوْ أنكَ تُلْقي حَنْظَلاً فوق بَيْضِنا ... تَدَحْرَجَ عن ذِي سامِهِ المتقارِبِ
أُحَيحَة بن الجلاح
غرة شعره التي يتمثل بها قوله:
إسْتَغْنِ أَوْ مُتْ وَلاَ يَغرُرْكَ ذُو نَسَبٍ ... من ابن عَم ولا عَم ولاَ خَالِ
إنِّي مقيم على الزَوْراءَ أعمرُهَا ... إِنَّ الحَبِيبَ إِلَى الإخوانِ ذو المالِ
وقوله:
وَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتَى غِنَاهُ ... وَمَا يَدْرِي الغَنيُّ مَتَى يَعِيلُ
стр. 103
عامر بن الطّفيل
يقع قوله في هذا في كل اختيار لاشتمال اِلحسن والجودة على لفظه ومعناه:
إِنِّي وَإِنْ كُنتُ ابنَ سَيِّدِ عَامِرٍ ... وَفَارِسَهَا المشهور في كُلِّ مَوْكِبِ
فَمَا سَوَّدَتْني عَامِرٌ عَنْ وراثَةٍ ... أَبَى اللَّهُ أَنْ أَسْمُو بأُمٍّ ولا أَبِ
وَلَكِنَّنِي أَحْمِي حِمَاهَا وَأتَّقي ... أَذَاهَا وأرْمِي مَنْ رَمَاهَا بِمَنْكبي
أبو الطمحان القَينيّ
واسمه الشرقي بن حَنظلة، قال دِعبل: إن أمْدَح بيت قالته العرب في الجاهلية قول أبي الطمحان:
وإنَّ بني أوس لأم أُرومةٌ ... عَلَتْ فوقَ صَعْبٍ لا تُرام مَراقِبُهْ
أَضاءَتْ لهم أحسابُهم وَوجهُهم ... دُجَى الليل حتَى نَظّمَ الجَزْعَ ثاقِبُه
وكان أبو بكر الخوارزمي يقول: ربما أردت البكاء في بعض مواطنه فيمتنع عليّ، فما هو إلاّ أن أنشد أبيات أبي الطمحان القيني، فيما بيني وبين نفسي حتى ينحل عقد الدمع وهي:
أَلاَ عَلِّلاني قبلَ صدحِ النوائح ... وقبلَ ارتقاءِ النَّفْسِ فوقَ الجَوانحِ
وَقَبلَ غَدٍ يَا لَهفَ نفسي على غدٍ ... إذا راح أصحابي ولستُ برائح
إذا راحَ أصحابي تفيضُ دموعهم ... وغودرتُ في لحدٍ عليَّ صفائحي
يقولونَ هل أصلحتُم لأخيكم ... وما اللحدُ في الأرض الفضاء بصالحِ
قال صاحب خط الأصل المنقول منه: إذا استجلبت ماء العين أيضاً في وقته
стр. 104
فأبى، أنشدت قول بعض المحدثين فيما بيني وبين نفسي فما هو إلاّ أن أَمِرَّه ببالي، وقد جاءت العبرات:
ولتطلعن الشمسُ بعد فراقِنا ... بيضاء لم تأسفْ على فقداننا
كم من غداة يُستطاب نسيمُها ... ويد البِلى تقضي على أبدانِنا
الأعشى
واسمه: ميمون بن قيس، وكان يقال: صناجة العرب، لكثرة ما تفنن في شعره، وهو أحد الأربعة الذين وقع الاتفاق على أنهم أشعر العرب، وقد تقدّم ذكرهم، وهو على ساقة الجاهليين ومقدمة المخضرمين، وكان قد أدرك المبعث ومدح المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلّم، إلا أنه لم يُرزَق الإسلام، فمن أمثاله السائرة قوله في الخمر:
وَكَأْسٍ شَرِبْتُ على لَذةٍ ... وَأخْرَى تَداوَيْتُ مِنْهَا بِهَا
لِكَيْ يَعْلَمَ النَاسُ أنّي امْرُؤٌ ... آَتيْتُ المروءةَ مِنْ بابِها
وله البيت الذي وقع الاتفاق عليه أنه أهجى بيت للجاهلية وهو قوله لعَلقَمة بن عُلاثة:
تَبيتون في المَشْتى مِلاءَ بُطُونكُم ... وجاراتكُم غَرثى يَبِتْنَ خَمائِصا
ويروى أنّ علقمة لما سمع هذا البيت بكى وقال: اللهم أخزه واجزه عني إن كان كاذباً. ومن غرر شعر الأعشى وأبيات قصائده وواسطة قلائده قوله:
وإن القَريبَ مَنْ يُقَرِّبُ نَفْسَهُلَعَمْرُ أَبِيكَ الخَيْرَ لاَ مَنْ تَنَسَّبَا
وَمَن يَغْتَرِبْ عَنْ قَوْمِهِ لاَ يَزل يَرَى ... مَصارعَ مَظلومٍ مَجَرّاً وَمَسْحَبَا
وَتُدفن منه الصالحاتُ وَإِنْ يُسِىءْ ... يَكُنْ مَا أَسَاءَ النارَ في رَأْسِ كَبْكَبَا
ومن أمثاله السائرة قوله:
стр. 105
أَلسْتَ مُنْتهِياً مِنْ تَحْتِ أثَلَتِنَا ... ولَسْتَ ضائِرَهَا ما أَطتِ الإِبِلُ
كَناطِحِ صَخْرة يوماً ليقلعَها ... فَلَمْ يَضِرْهَا وَأَوْهَى قَرْنَهُ الوَعِلُ
وقوله:
عَوَّدْتَ كِنْدَةَ عَادَةً فاصْبِرْ لَهَا ... اغْفِرْ لِجَاهِلِهَا وَرُدّ سِجَالَها
أوْ كُنْ لَهَا جَملاً ذَلُولاً ظَهْرُهُ ... واحْمِلْ فأنت معوّد تِحْمَالَها
ومن أمثاله السائرة قوله:
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ منِ التقىوَلاَقَيْتَ بَعْدَ المَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا
نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لاَ تكون كَمِثْلِهِ ... فترصَّد لِلأَمْرِ الذي كان أَرْصَدَا
لَبيدُ بن رَبيعة العامري
مخضرم عاش في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام مثلها، وكان عَذبَ المنطق رقيق حواشي الكلام، وفي الخبر: أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد:
أَلاَ كُل شيء ما خَلا اللَهَ بَاطِلُ ... وكلُّ نَعِيمٍ لاَ مَحَالَةَ زائِلُ
سوى جَنَّةِ الفردوسِ إنَ نعيمَها ... يدومُ فإن الموتَ لا بد نازلُ
وسُئل لبيد عن أشعر الناس فقال: الملك، يعني امرأ القيس، قيل: ثم من؟. قال: الغلام القتيل، يعني طرفة، قيل: ثم من؟. قال: صاحب العُكّاز، يعني الشيخ أبا عقيل وهو نفسه. وسمعَ الفرزدقُ رجلاً ينشد قول لبيد:
وجلا السيولَ عن الطلولِ كأنها ... زُبُرٌ تجُدُّ مُتُونَها أقلامُها
فسجد فقيل: ما هذا يا أبا فراس؟ فقال: أنتم تعرفون سجدة القرآن وأنا أعرف سجدة الشعر. وروي أنه لما أنشد قصيدته هذه في الجاهلية وبلغ قوله:
يعلو طريقةَ متنِها متواترٌ ... في ليلةٍ كَفَرَ النجومَ غمامُها
стр. 106
سجد له شعراء زمانه. وقيل لبشار بن برد: أخبرنا عن أجود بيت قالته العرب، فقال: إن تفضيل بيت واحد على الشعرِ كلّه لشديد، ولكنْ أحسن كلَّ الإحسان لبيد في قوله:
أكذِبِ النفسَ إذا حدَّثتَها ... إنّ صدقَ النفسِ يُزري بالأملْ
وإذا رُمتَ رحيلاً فارتحلْ ... واعصِ ما يأمُرُ توصيمُ الكَسَلْ
ومن أمثاله السائرة قوله في قصيدة:
وما المالُ والأهلونَ إلاّ وديعةٌ ... ولا بدَّ يوماً أن تُردَّ الودائِعُ
وما المرءُ إلا كالشهابِ وضوئِه ... يجود رَماداً بعدَ إذ هو ساطعُ
ومنها:
أليس ورائي إن تراختْ مَنيتي ... لزومُ العصا تُحنى عليها الأصابعُ
أُخبِّر أخبارَ القرونِ التي مَضَتْ ... أَدِبُّ كأني كلما قُمتُ راكعُ
لعمرُك ما يدري المسافرُ هل له ... نجاحٌ ولا يدري متى هو راجعُ
ومنها:
أتجزعُ مما أحدثَ الدهرُ للفتى ... وأيُ كريمٍ لم تُصبْه القوارعُ
ومن أمثاله السائرة قوله:
ذَهَب الذين يُعاش في أكنافهم ... وبقيتُ في خلفٍ كجلدِ الأجربِ
وقوله:
فقوما وقولا بالذي قد علمتما ... ولا تخمِشا خدّاً ولا تحلقا الشَّعَرْ
إلى الحولِ ثم اسمُ السلامِ عليكما ... ومن يبكِ حولاً كاملاً فقد اعتذرْ
وحكي أنه لم يقل في الإسلام غير بيت واحد وهو:
الحمدُ للَه إذْ لم يأتني أَجَلي ... حتى اكتسيتُ من الإسلام سِرْبالا
стр. 107
وحكى ابن دريد أن لبيداً عاش مائة وخمساً وأربعين سنه: خمساً وخمسين في الإسلام وتسعين في الجاهلية، وقد كان معاوية هَمّ بأن يُنقص عطاءَه، فأرسل إليه: إنما أنا هامة اليوم أو غد فأعرني اسمها فلعلي أن لا أقبضها، فمات قبل أن يقبضها. وكانت ابنتاه تأتيان فجلس أبي جعفر فتؤنبانه، فلا تألوان، فبقيا على ذلك حولاً كاملاً ثم كفتا.
كَعْبُ بن زُهير بن أبي سُلمى
مُخضرَم وكان له عند النبي صلّى الله تعالى عليه وسلّم ذَنْب، وحين أوعده ﵇ قدم عليه وأنشده قصيدته التي يقول فيها:
نبئْتُ أَن رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي ... والوَعْدُ عندَ رَسولِ اللَهِ مَأْمُولُ
إِنَ الرَّسولَ لنورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ ... وصارم مِنْ سُيوفِ اللَهِ مَسْلُولُ
قوله، ويقال إنه لأبيه:
إِذَا أَنتَ لَمْ تُعرض عن الجَهْلِ والغنى ... أَصَبْتَ لئيماً أو أصابَك جاهلُ
العَلاء بن الحَضْرمي
وفد العلاء على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلّم فقال له: " أتقرأ شيئاً من القرآن؟ "، فقرأ سورة عبس، ثم زاد فيها من عنده: " وهو الذي أخرج من الحبلى نسمةً تَسعى من بين شَرَاسِيف وحَشَا ". فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: " كُفّ فإنَ الصورة كافية ". ثم قال: " أتقول شيئاً من الشعر؟ ". فأنشده:
وحي ذَوي الأضغان تَسْبِ قلوبَهم ... تَحَبُّبُكَ الأذى فقد يدبغ النَّعَلْ
فَإِنْ دَحَسُوا بالكُرْه فاعفُ تكرُّماً ... وإن أخنَسُوا عنكَ الحديثَ فلا تَسَلْ
فَإنَ الذي يُؤْذيكَ منه استماعه ... وإنَ الذي قالوا وراءك لم يقلْ
стр. 108
فقال النبي صلّى الله تعالى عليِه وسلم: " إنَ من البيانِ لسحراً وإن من الشعر لحِكماً ".
النَّمِر بن تَولب العُكلي
عُمِّر في الجاهلية وأدرك الإسلام وقد خرف، وكان شاعراً فصيحاً، شجاعاً جواداً كريماً، وكان هجِّيراه في خرفه: أصبحوا الضَّيف أغبقوا الضيف كعاداته التي كان عليها، وكانت امرأة في زمانه خرِفت أيضاً فكان دأبها أن تقول: خضِّبوني كحلوني زوَجوني رجَلوني، وبلغ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ذلك عنهما فقال: " لما لهج به أخو عكل أكرم مما لهجت به خرفة بني فلان ". ومن أمثاله قوله:
يريد الفَتَى طولَ السلامةِ جاهداً ... وكيفَ يَرى طول السلامة يفعلُ
وقوله:
خَاطِرْ بنَفْسِكَ كَيْ تَنالَ رَغِيبَةَ ... إِنّ القُعودَ مَعَ العِيَالِ قَبِيحُ
إِن المخاَطرَ مالكٌ أو هالكٌ ... والجدُّ يُحدي مرةً فيريح
وقوله:
ومَتَى تُصبْك خَصاصة فارجُ الغنى ... وإلى الذي يَهبُ الرغائبَ فآرغبِ
لا تغضبَنَ على امرىءٍ في مالِهِ ... وعلى كرائِمِ أصل مالِكِ فَاغضَبِ
حسانُ بن ثابت
شاعر النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم والمناضل عنه، وله قال: " اهج
стр. 109
مشركي قريش ومعك روحُ القدس واللَهِ إنَ كلامَك لأشدُّ عليهم من وقعِ السهام في غَلَس الظلامِ. ومن غُرر شِعره قصيدته التي يقول فيها:
إِذَا مَا الأشْرِباتُ ذُكِرْنَ يوماً ... فهُن لِطيّبَ الرَّاحِ الفِداءَ
وَنَشْرَبُهَا فتتركُنَا مُلُوكاً ... وَأُسْداً ما يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ
ولما أنشدها رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم وانتهى إلى قوله:
هَجَوْتَ مُحمداً فَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللَهِ فِي ذاكَ الجَزَاءُ
قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: " جزاؤك على الله الجنة "، فلما انتهى إلى قوله:
فَإنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنكُم وِقَاءُ
قال ﵇: " وقَاكَ الله هَوْلَ المطلع ". فلما انتهى إلى قوله:
أَتهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنَدٍّ ... فَشَرُكُما لِخَيْرِكُمَا الوِقَاءُ
قال من حضر: " هذا واللَهِ أنصفُ بيت قالته العرب ". وكان في الجاهلية مداحاً لبني جَفْنة ملوك غسان. ويقال: إن من غرر شعره قوله فيهم:
أَوْلادُ جَفْنَةَ حَوْلَ قَبْرِ أَبِيهِم ... قَبْرِ ابْنِ مَارِيَةَ الكَرِيم المُفْضِلِ
بِيضُ الوُجُوهِ نَقِيَّةٌ أَحْسَابُهُمَ ... شُمُّ الأُنُوفِ مِنَ الطَرَازِ الأَوَّلِ
يُغْشَوْنَ حَتَّى مَا تَهِرُّ كِلاَبُهُم ... لاَ يَسْألونَ عَنِ السَّوَادِ المُقْبِلِ
ومن أمثاله السائرة قوله:
رُبَّ حِلم أضاعَه عدمُ المالِ ... وجَهلٍ غطى عليه الثراءُ
ومنها:
مَا أُبالِي آَنبَّ بِالحَزْنِ تَيْسٌ ... أَمْ لَحَانِي بِظَهْرِ غَيْبٍ لَئِيمُ
стр. 110
وواسطة القلادة قولهُ:
وَإنَ امْرَءاً يُمْسِي وَيُصْبِحُ سَالِماً ... مِنَ النَّاسِ إِلاَّ مَا جَنَى لَسَعِيدُ
فأجازه ابنه عبد الرحمن يقول:
وإِنَ امْرءاً نَالَ الغِنَى ثُم لَمْ يَنَلْ ... صَدِيقاً وَلاَ ذا حَاجَةٍ لزَهِيدُ
ثم أجازهما أبو الحَسَن الحَسَني:
وإِن امْرءاً عَادىَ أناساً عَلَى الغِنَى ... وَلَمْ يَسْأَلِ اللَهَ الغِنَى لَحَسُودُ
ثم أجازهما سعيد بن عبد الرحمن يقول:
وإن امرءاً قد عاشَ سبعين حجةً ... ولم يُرضِ فيها ربَّه لطريدُ
النابغةُ الجَعْدي
وهو قيس بن عبد الله من المخضرمين المعَمَرين، وأميرُ شعره قصيدته التي يقول فيها للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم:
أَتيتُ رَسولُ اللَهِ إِذْ جَاءَ بالهدى ... وَيَتْلو كتاباً كَالمجرّةِ نَيِّرا
بلغْنا السماءَ مجدُنا وسَنَاؤنا ... وإنا لنَرجو فوقَ ذلك مظهرا
وَلا َخَيْرَ في حِلْمٍ إِذا لم تكن لَهُ ... بَوادِرُ تَحْمِي صفْوهُ أنْ تكدَّرا
فقال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم: " إلى أين يا أبا ليلى ". فقال: إلى الجنة. فقال ﵇: " إن شاء الله ". ويروى أنه ﵇ لما أنشده البيتين فقال: " لا فَضَّ اللَهُ فاك ". فعُمَّر وهو أحسن الناس ثَغراً على كبره، ولم يُفضّ له سِن.
ومن غرر شعره قوله في مرثية صديق له:
فَتًى كان فيه ما يَسرُّ صديقَهُ ... على أَنَّ فيهِ ما يسوءُ الأَعادِيا
следующие страницы →