وسمي الفداء عدلا؛ لأنه مثل للشيء، ويقال لأحد جانبي الحجل: عدل بالكسر؛ لأن كلّ واحد من العدلين مثل لصاحبه، فمعنى الآية: وإن تفتدي بكلّ فداء لا يؤخذ منها.
وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ؛﴾ أي وجيع؛ ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٧٠)؛أي بما كانوا يجحدون في الدّنيا بمحمّد ﷺ والقرآن.
قوله : ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا؛﴾ أي قل يا محمّد لكفّار مكّة الذين يدعونكم إلى دين آبائهم: أنعبد سوى الله من الأصنام ما لا ينفعنا إن عبدناه في رزق ولا معاش، ولا يضرّنا إن تركناه في رزق ولا معاش، ﴿وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ؛﴾ عطف على الاستفهام؛ أي كيف نرجع إلى الكفر بعد إذ هدانا الله لدينه، وأكرمنا بمعرفته، فيكون مثلنا؛ ك؛مثل؛ ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ؛﴾ فأذهبه؛ ﴿فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ؛﴾ ضالا، لا يقال: كالذي زيّنت له الشياطين هواه؛ فهو يعمل في الأرض بالمعاصي. وقيل: معناه: كالذي استفرسته الغيلان في المهامة فأضلّوه؛ فهو حائر. و ﴿(حَيْرانَ)﴾ نصب على الحال.
قرأ الأعمش وحمزة: «(كالّذي استهواه)» بالألف والإمالة، وقرأ طلحة بالألف، وقرأ الحسن: «(استهوته الشّياطين).» وفي مصحف عبد الله: «(استهواه الشّيطان).» قوله تعالى: ﴿لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا؛﴾ أي له أصحاب يدعونه إلى الطريق المستقيم: أن ائتنا واتّبعنا؛ فإنّا على الطريق، فأبى أن يأتهم ويطيعهم.
وقيل: إن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر حين دعا أباه إلى الكفر، (١) فأنزل الله تعالى: ﴿(قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا)﴾. وقوله: ﴿(كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ)﴾ هو عبد الرّحمن بن أبي بكر. وقوله تعالى: ﴿(لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ﴾
стр. 1017
﴿إِلَى الْهُدَى)﴾ قيل: كان أمّه وأبوه يدعوانه إلى الإسلام، وكان الشياطين والكفّار يزيّنون له الكفر إلى أن منّ الله عليه بعد ذلك بقبول الإسلام. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ؛﴾ أي قل لهم: إنّ دين الله هو الإسلام؛ وأمرنا لنخلص العبادة؛: ﴿لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٧١).
قوله : ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ؛﴾ عطف على قوله:
﴿لِنُسْلِمَ؛﴾ أي أمرنا لنسلم؛ فقيل لنا: أسلموا وأقيموا الصلاة بركوعها وسجودها، ﴿(وَاتَّقُوهُ)﴾ أي اتّقوا سخطه؛ ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٧٢)؛أي تجمعون يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي لإقامة أمر الحقّ؛ وهو الثواب والعقاب في الآخرة، ولم يخلقها باطلا لغير شيء، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ؛﴾ أي وخلق الخلائق يوم يقول كن فيكون. وقيل: معناه: واتّقوه يوم يقول كن فيكون. وقيل: واذكروا يوم يقول ليوم القيامة: كن فيكون مكوّنا بإذن الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ؛﴾ أي الآخرة (١) في أمر يوم القيامة حقّ كائن لا محالة، وله الملك يومئذ. وتخصيص ذلك اليوم بالملك؛ لأنّ اليوم الذي لا يظهر فيه من أحد سوى الله نفع ولا ضرّ كما قال الله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ (٢).والصّور: قرن ينفخ فيه إسرافيل نفختين؛ فتغشى الخلائق كلّهم بالنفخة الأولى؛ ويحيون بالنفخة الثانية، فتكون النفخة الأولى لانتهاء الدّنيا؛ والثانية لابتداء الآخرة (٣).قوله تعالى: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ؛﴾ أي وعالم ما غاب عن العباد وما علموه؛ ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ؛﴾ في أمره، ﴿الْخَبِيرُ﴾ (٧٣)؛بأعمال عباده.
стр. 1018
قوله : ﴿*وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً؛﴾ أي اذكر يا محمّد إذ قال إبراهيم لأبيه آزر، من قرأ «(آزر)» بالنصب فموضعه خفض بدل من (أبيه) إلا أنه لا ينصرف؛ لأنه اسم أعجميّ، ومن رفعه فعلى النداء؛ أي يا آزر (١).وكان آزر مسكنه (كوت) قرية من سواد الكوفة.
قال السّدّيّ والحسن: (آزر اسم لأبي إبراهيم) (٢).وقال الفرّاء: (هو صفة عيب وسبّ؛ ومعناه في كلامهم: المعوجّ) (٣).وقيل: معناه: الشيخ لهم. وقيل: قال إبراهيم لأبيه المخطئ، أو قال لأبيه: يا مخطئ. وكان على هذا القول اسم أندتارخ بن ياجوراء. وقال سعيد بن المسيب ومجاهد: (آزر اسم صنم) (٤) وهو على هذا التأويل في موضع نصب، وفي الكلام تقديم وتأخير؛ تقديره: اتّخذ آزر أصناما آلهة من دون الله.
وقيل: كان إبراهيم قال لأبيه: لا تتّخذوا آزر إلها، أتتّخذ أصناما آلهة، ﴿إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ؛﴾ عن الحق؛ ﴿مُبِينٍ﴾ (٧٤)؛أي ظاهر الضّلالة في ذهاب عن الحقّ بيّن.
قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي كما أرينا إبراهيم النصرة في دينه والحقّ في مخالفة قومه؛ نريه ملكوت السّماوات والأرض؛ أي ملكها ونريه القدرة التي يقوّي بها دلالته على توحيد الله تعالى، وهو ما رأى من السماء والأرض والكواكب والقمر والشمس.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: (معنى: ﴿(وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾ أي آيات السّماوات والأرض؛ وذلك أنّه أقيم على صخرة وكشف له عن السّماوات والأرض حتّى العرش وأسفل الأرضين، ونظر إلى مكانه
стр. 1019
في الجنّة؛ وذلك قوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا﴾ (١) يعني أريناه مكانه في الجنّة) (٢).
وقيل: معنى الآية: كما أرينا إبراهيم قبح ما كان عليه أبوه وقومه من المذهب؛ كذلك نريه ملكوت السموات والأرض. والملكوت: عبارة عن أعظم الملك؛ زيدت الواو والتاء للمبالغة؛ كما يقال: رهبوت خير من رحموت، هذا مثل يقوله العرب؛ معناه: لئن ترهب خير من أن ترحم. فملكوت السموات: الشمس والقمر والنجوم؛ وملكوت الأرض: الجبال والشجر. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٧٥)؛أي نريه الملكوت ليستدلّ بذلك على توحيد الله ويثبت على اليقين.
قوله : ﴿(فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي)﴾ قال المفسرون:
إنّ إبراهيم ولد في زمان النّمرود بن كنعان، وكان النمرود أول من دعا الناس إلى عبادته، وكان له كهّان ومنجّمون، فقالوا له: إنه يولد في هذه السنة غلام يغيّر دين أهل الأرض، ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه.
قال السديّ: (رأى النّمرود في منامه كأنّ كوكبا طلع فذهب بضوء الشّمس والقمر حتّى لم يبق لهما ضوءا، ففزع من ذلك ودعا السّحرة والكهّان؛ وسألهم عن ذلك فقالوا: هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السّنة؛ يكون هلاكك على يديه.
فأمر بذبح كلّ غلام يولد في ناحيته في تلك السّنة، وأمر الرّجال باعتزال النّساء، وجعل عليهم الحرّاس، فمكث كذلك ما شاء الله).
قال السديّ: (خرج النّمرود بالرّجال إلى العسكر، ونهاهم عن النّساء مخافة من ذلك المولود، فبدت له حاجة إلى المدينة، فلم يأتمن عليها أحدا من قومه إلاّ
стр. 1020
آزر، فدعاه وأمره لحاجته إلى المدينة، وقال له: إنّك ثقتي؛ فأقسمت إليك أن لا تدنو من امرأتك ولا تواقعها، ثمّ أوصاه بحاجته. فلمّا دخل المدينة وقضى حاجته، قال: لو دخلت على أهلي فرأيت كيف حالهم، فلمّا نظر إلى امرأته لم يتمالك حتّى وقع عليها، وكانت قد طهرت من الحيض، فحملت بإبراهيم ﵇، فلمّا حملت به؛ قالت الكهنة للنّمرود: إنّ الغلام الّذي أخبرناك به قد حملت به أمّه اللّيلة، فأمر النّمرود بذبح كلّ ولد من الغلمان.
فلمّا دنت ولادة أمّ إبراهيم وأخذها المخاض، خرجت هاربة مخافة أن يطّلع عليها فيقتل ولدها، فوضعته في موضع، ثمّ لفّته في خرقة وجعلته في الحلفاء، ثمّ رجعت إلى زوجها فأعلمته، فانطلق أبوه إليه وحفر له سربا في ذلك المكان وجعله فيه، وسدّ عليه بصخرة مخافة أن تأكله السّباع، وكانت أمّه تختلف إليه سرّا فترضعه، وكان إذا بكى على أمّه أتاه جبريل ﵇ فوضع إصبعه في فمه فيخرج منها اللّبن، فكان يمصّ سبّابة نفسه) (١).
وقال أبو روق: (كانت أمّ إبراهيم كلّما جاءته لتنظر إليه وجدته يمصّ أصابعه، وقالت: ذات يوم نظرت إلى أصابعه، فوجدته يمصّ من إصبع ماء؛ ومن إصبع لبنا؛ ومن إصبع عسلا؛ ومن إصبع سمنا).
وقال بعضهم: لمّا وضعت أمّ إبراهيم حملها، ذهبت به وحفرت له حفرة وألقته فيها وسدّتها عليه بصخرة، ورجعت فسألها أبوه آزر: ما فعل حملك؟ قالت: وضعت غلاما فمات، فصدّقها وسكت عنها. وكان إبراهيم يشبّ في اليوم مثل ما يشبّ غيره في الشهر، ويشبّ في الشهر ما يشبّ غيره في السنة، فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر يوما، ثم أخبرت أمّه أزر بخبره وما صنعت به، فلمّا شبّ إبراهيم في المغارة وعقل وتكلّم، أتته أمّه ذات يوم فقال لها: من ربي؟ قالت: أنا! قال: ومن ربّك؟ قالت: أبوك! قال: ومن ربّ أبي؟ قالت: النمرود! قال: ومن ربّ النمرود؟ قالت:
اسكت! فسكت) (٢).
стр. 1021
ثم رجعت إلى أبيه وأخبرته بذلك، فأتاه آزر؛ قال له: يا أبتاه من ربي؟ قال:
أمّك؛ قال: ومن ربّ أمّي؟ قال: أنا! قال: ومن ربّك؟ قال: النمرود! قال: ومن ربّ النمرود؟ فلطمه؛ وقال: اسكت؛ فسكت.
ثم أنه خرج بعد ذلك من السرب حين غربت الشمس، فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم فقال: لا بدّ أن يكون لهذه ربّ وخالق، ثم تفكّر في خلق السموات والأرض، وقال: إنّ الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني هو ربي، ما لي إله غيره.
﴿(فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ)﴾ أي غشيه الليل؛ رأى الزهرة؛ ﴿(قالَ هذا رَبِّي.)﴾ ﴿(فَلَمّا أَفَلَ)﴾ ذلك النجم؛ قال: لا أحبّ ربّا ليس بدائم. ثم نظر؛ فرأى القمر طالعا في آخر الليل؛ ﴿(قالَ هذا رَبِّي)،﴾ فلما رآه يسري وينتقل من مكان إلى مكان، علم أنه محدث لا يصلح أن يكون ربّا؛ ف ﴿(قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ، فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ)﴾ طالعة قد ملأت كلّ شيء، ﴿(قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ)﴾ مما قبله، ﴿(فَلَمّا أَفَلَتْ)﴾ جاء إلى قومه فرآهم يعبدون الأصنام، ف ﴿(قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ)﴾.
قوله : ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ؛﴾ وأظلم أي غطّاه، والتظلّم، يقال: يجنّ جنّة الليل؛ وأجنّه وجنّ عليه؛ إذا أظلم، وجنت الميّت وأجنته إذا دفنته (١).وقوله تعالى: ﴿رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي؛﴾ في هذا القول ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه قال هذا ربي في ظنّي؛ لأنه كان في حال فكرة واستدلال، وكان في ذلك الوقت مهلة له للتروّي والنظر، فلما رأى الكوكب في علوّه وضيائه، قرّر في نفسه على ما ينقسم حكمه من كونه ربّا خالقا أو مخلوقا مربوبا، فلما رآه طالعا آفلا ومتحرّكا زائلا، قضى بأنه محدث بمقارنته، أما ذات الحدث وأنه ليس بربّ، وأنّ المحدث غير قادر على إحداث الأجسام، وأن ذلك يستحيل منه، كما استحال ذلك من نفسه إذا كان محدثا، فحكم بمساواته له من جهة الحدوث وامتناع كونه خالقا.
стр. 1022
ثم لمّا طلع القمر فوجد صفته في العظم والإشراق وانبساط النور أكبر، قرّر في نفسه أيضا على ما ينقسم حكمه فقال: هذا ربي، فلما رآه وتأمّله وجده في معنى الكوكب في الطّلوع والأفول، فحكم عليه بحكمه، وإن كان أكثر منه ضوءا.
ثم لمّا رأى الشمس في عظمها وإشراقها وتكامل ضيائها، قال: هذا ربي؛ لأنّها كانت تخالف الكواكب والقمر في هذه الأوصاف، فلما رآها أفلت، حكم لها بالحدوث وأنّها في حكم الكوكب والقمر منتقلة؛ لوجود دلالة الحدث في الجميع.
قالوا: والذي يؤيّد هذا التأويل الذي ذكرناه: أن قول إبراهيم على وجه النّظر والتّفكّر، ما ذكره الله عنه أنه ﵇ قال: ﴿(لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ)﴾.
والثاني؛ وهو الأقرب إلى الصحة: أن إبراهيم إنّما قال هذا في حال الطّفولة قبل كمال عقله حين حركة الخواطر للفكرة، والنظر في دلائل توحيد الله تعالى.
فإن قيل: كيف يحمل أن هذا القول من إبراهيم كان على ابتداء النظر، وقد تقدّم إنكاره على أبيه وقومه عبادة الأصنام لقوله: ﴿(أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً)؟﴾ قيل: تقدّم الآية في التلاوة لا يوجب أنّها مقدّمة في الحال، ولا يمتنع أن إبراهيم ﵇ أنكر على أبيه وقومه بعد هذا النّظر الذي ذكرناه.
والثالث: أنّ قوله: ﴿(هذا رَبِّي)﴾ كان على وجه الإنكار الذي يكون مع إلغاء الاستفهام، وكان قصده من هذا القول استدراج قومه لإقامة الحجّة عليهم وتقربهم إلى الهدى، فإنّهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، كأنه قال لهم:
هذا ربي في زعمكم، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (١).
﴿فَلَمّا أَفَلَ؛﴾ الكوكب وتبيّن ((أنه)) (٢) مسخّر مذلّل؛ ﴿قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (٧٦)؛أي لا أعظّمه تعظيم الرّب . وقوله تعالى: ﴿(قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ)﴾ معناه على هذا القول: لئن لم يثبتني ربي على الهدى؛ لأنّ
стр. 1023
الله تعالى أثنى على إبراهيم ﵇ في آية أخرى بقوله: ﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١) والسليم: الّذي لا شكّ فيه وفي سلامته من كلّ عيب.
وقوله : ﴿فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً؛﴾ معناه: فلمّا رأى القمر طالعا؛ ﴿قالَ هذا رَبِّي؛﴾ يقال: بزغ القمر إذا ابتدأ الطّلوع، وقوله تعالى:
﴿فَلَمّا أَفَلَ﴾ أي فلما غاب، ﴿قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي؛﴾ أي لئن لم يرشدني ربي ويثبّتني على الطريق المستقيم، ﴿لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ﴾ (٧٧) عن الهدي.
قوله : ﴿فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ﴾ أي فلمّا رأى الشمس طالعة؛ قال: هذا الطالع ربي وهذا النور ربي، ﴿فَلَمّا أَفَلَتْ؛﴾ أي غابت الشمس، ﴿قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ (٧٨) بالله من الأصنام والأوثان والشّمس والقمر والكواكب.
قالوا: فمن تعبد أنت يا إبراهيم؟ قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ؛﴾ أي إنّي أخلصت ديني وعبادتي وجعلت قصدي للّذي ابتدأ خلق السّماوات والأرض، ﴿حَنِيفاً؛﴾ أي مائلا من الأديان الباطلة إلى دين الحقّ ميلا لا رجوع فيه، ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٧٩)؛أي لست على دينكم أيها المشركون.
قوله : ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ؛﴾ وذلك أنّ قوم إبراهيم خاصموه في مخالفته إياهم في دينهم وخوّفوه بآلهتهم، وقالوا:
أما تخاف آلهتنا وأنت تشتمها أن تخبلك وتفسدك؟! وقالوا له: إنّ موضع أهل كذا قد تركوا عبادة الأصنام فأمحنوا وقحطوا، وأهل موضع كذا أحسنوا عبادة الأصنام فرزقوا السّعة والخصب. فأجابهم إبراهيم ﵇: ﴿(أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ)﴾ أي أتخاصموني في توحيد الله ودينه، وقد نصرني الله وعرّفني دينه وتوحيده بما نصب لي من الدلائل.
стр. 1024
قوله تعالى: ﴿وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ؛﴾ أي لا أخاف من هذه الأشياء التي تعبدونها وهي ممّا لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضرّ. قوله تعالى:
﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً؛﴾ استثناء منقطع؛ أي ولكن أخاف مشيئة ربي أن يعذّبني ببعض ذنوبي أو يبلوني بشيء من محن الدّنيا. وموضع ﴿(أَنْ يَشاءَ)﴾ نصب على تقدير: لا أخاف إلا مشيئة الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً؛﴾ أي أحاط علم ربي بكلّ شيء، وملأ كلّ شيء علما، وهو يعلم أنّكم على غير الحقّ، وقوله تعالى: ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (٨٠)؛تنبيه على التّفكّر فيما كان بقوله لهم.
قوله : ﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ؛﴾ وكيف أخاف الأصنام التي أشركتموها مع الله، وهي لا تملك الضّرّ والنفع، بل لا تعرف من عبدها ومن ترك عبادتها، ﴿وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ؛﴾ الذي يملك النفع والضرّ ويعلم من عبده ومن لم يعبده، ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً؛﴾ أي عذرا وحجّة لكم؛ ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ؛﴾ أي الموحّدون أم المشركون، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٨١)،ذلك.
فلم يجيبوا، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ؛﴾ أي الذين أقرّوا بتوحيد الله ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، ﴿أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ؛﴾ من العذاب؛ ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٨٢)؛إلى الحجّة، وقيل: إلى الجنّة. وقيل: إنّ قوله: ﴿(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ)﴾ قول إبراهيم ﵇.
وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (لمّا نزلت هذه الآية؛ شقّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، وقالوا: وأيّنا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال ﷺ : [إنّه ليس كذلك، ألا تسمعون إلى قول لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١)؟] (٢).
стр. 1025
قوله : ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ؛﴾ أي تلك المقالة التي حاجّ بها إبراهيم حجّتنا أعطيناها ولقّنّاها إبراهيم؛ ليحتجّ بها على قومه، ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ؛﴾ في الدّنيا بالحجّة والنّصرة، وفي الآخرة بالثواب والفضيلة. ومن قرأ «(درجات)» بالتنوين لا على الإضافة فمعناه: نرفع من نشاء درجات، ﴿إِنَّ رَبَّكَ؛﴾ يا محمّد: ﴿حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٨٣)؛في تفضيل بعض الناس على بعض، وتخصيص بعضهم بالنّبوّة.
قوله : ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا؛﴾ أي وهبنا لإبراهيم إسحاق نبيّا لصلبه ويعقوب نافلة، ﴿(كُلاًّ)﴾ يعني أنّ إبراهيم وإسحاق ويعقوب هديناهم للنّبوة والإسلام ﴿وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ﴾ (١) من قبل إبراهيم، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ؛﴾ أي ومن ذريّة نوح، وهذا قول بعضهم؛ جعلوا الهاء راجعة إلى نوح؛ لأنّها أقرب إلى اسمه؛ ولأنه ذكر في جملة المعطوفين على داود وسليمان ممّن ليس من ذريّة إبراهيم وهو من ذريّة نوح كيونس ﵇ وكلوط ﵇ الذي كان ابن أخ إبراهيم ولم يكن من ولده.
وقال بعضهم: هي راجعة إلى إبراهيم؛ لأنه هو المقصود بالذّكر فيما تقدّم من الآية، ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٨٤)؛أي كما تفضّلنا على هؤلاء الأنبياء بالنبوّة وما يتّصل بها من العزّ والكرامة، كذلك نتفضّل على المحسنين.
قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٨٥)؛ معناه: ومن ذريّة إبراهيم ﴿(زَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ)﴾ المرسلين. قال الضّحاك: (كان إلياس من ولد إسماعيل بن إبراهيم).وقال بعضهم: معنى الآية:
وهدينا ﴿(زَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ)﴾. وفي الآية حجّة على من أنكر في الحسن والحسين أنّهما أبناء رسول الله ﷺ ؛ لأنه تعالى جعل عيسى-ولا أب له-من ذريّة إبراهيم (٢).
стр. 1026
قوله تعالى: ﴿وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً؛﴾ معناه: وهدينا إسماعيل واليسع؛ وهو تلميذ إلياس وخليفته من بعده. وقال محمد بن إسحاق: (هو ابن أخي موسى ﵇.و «(اليسع)» فيه قراءتان: بالتشديد والتخفيف (١)، ﴿وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٨٦)؛أي وكلّ هؤلاء الأنبياء فضّلناهم بالنبوّة والإسلام على عالمي زمانهم.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ؛﴾ أي هدينا بعض آبائهم من قبلهم مثل آدم وشيت وإدريس، وبعض ذرياتهم من بعدهم؛ وهم أولاد يعقوب.
ومن جملة ذرياتهم نبيّنا محمّد ﷺ . وقوله تعالى: ﴿(وَإِخْوانِهِمْ)﴾ هم إخوة يوسف في عصرهم، ويحتمل أن يكون المراد بهم كلّ من آمن معهم، فإنّهم كلّهم داخلون في هداية الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿وَاجْتَبَيْناهُمْ؛﴾ أي اصطفينا هؤلاء الأنبياء بالنبوّة والإخلاص، وجمعنا فيهم خصال الاجتباء؛ مأخوذ من قولهم: جبيت الماء في الحوض واجتبيته؛ إذا جمعته. وقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٨٧)؛أي أثبتناهم على طريق الحقّ وهو دين الإسلام.
قوله : ﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ؛﴾ أي إنّ ذلك الطريق المستقيم دين الله يوفّق له من يشاء ممّن كان أهلا لذلك، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا؛﴾ أي لو أشرك هؤلاء الأنبياء طرفة عين مع اصطفاء الله تعالى إيّاهم، ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما؛﴾ أي لبطلت أعمالهم التي؛ ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٨٨)؛ من الطاعة، فكيف أنتم يا أهل مكّة؟!
стр. 1027
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ؛﴾ أي أولئك الأنبياء صلوات الله عليهم أعطيناهم الكتاب المنزّل، والحكم بين الناس، وأكرمناهم بالنبوّة والرسالة، ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها﴾ أي بملّة هؤلاء الأنبياء، ﴿هؤُلاءِ؛﴾ يعني قريشا؛ ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا بِها؛﴾ أي فقد قام بها، ﴿قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ (٨٩) وهم أهل المدينة وأتباع النبيّ ﷺ .
وقيل: هم الملائكة، وإنّما قال: ﴿(فَقَدْ وَكَّلْنا بِها)﴾ ولم يقل: فقد قام بها، تشريفا للملائكة بالإضافة إلى نفسه على معنى: أكرمنا ووفّقنا إلى الإيمان بها. يقال: معناه: فقد أكرمنا بها قوما ليسوا بها بكافرين؛ فقاموا بها.
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ؛﴾ أي أولئك الأنبياء الذين ذكرناهم من قبل هم الذين أكرمهم الله بالطريقة الحسنة؛ فاقتد بسيرتهم؛ واصبر كما صبروا حتى تستحقّ من الثواب ما استحقّوا. وأما الهاء في قوله تعالى: ﴿(اقْتَدِهْ)﴾ فإذا أثبتّ الهاء في الوقف تتبين بها كسرة (١) الدال (٢)،فإن وصلت قلت: (اقتد قل لا أسألكم) (٣).
قوله: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً؛﴾ معناه: قل يا محمّد: لا أسألكم على الإيمان والقرآن جعلا، ﴿إِنْ هُوَ؛﴾ يعني القرآن، ﴿إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ (٩٠)؛إلا عظة بليغة للجنّ والإنس. وفي الآية دليل على أن شرائع الأنبياء تلزمنا ما لم نعلم نسخه؛ لأن اسم الهدى يقع على التوحيد والشّرائع.
قوله تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ؛﴾ قال ابن عبّاس وسعيد بن جبير في معنى هذه الآية: (جاء رجل من اليهود إلى رسول الله ﷺ يقال له مالك بن الصّيف، وكان رأس اليهود؛ فقال له النّبيّ ﷺ :
стр. 1028
[أنشدك الله يا مالك بالّذي أنزل التّوراة على موسى ﵇؛ أتجد فيها أنّ الله يبغض الحبر السّمين؟] قال: نعم. قال: [فأنت الحبر السّمين، وقد سمّنتك مأكلتك الّتي تطعمك اليهود، ولست تصوم-أي ولست تمسك-] فضحك به بعض القوم، فغضب مالك، وكان حبرا سمينا، ثمّ التفت إلى عمر ﵁ وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء. فأنزل الله هذه الآية) (١).
وقال السّدّيّ: (نزلت في فنحاص بن زوراء؛ وهو قائل هذه المقالة).وقال محمد بن كعب: (جاء ناس من اليهود إلى النّبيّ ﷺ ؛ وهو محتب (٢)،فقالوا: يا أبا القاسم، ألا تأتينا بكتاب من عند الله، كما جاء به موسى من عند الله؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ (٣).فقال رجل من اليهود: ما أنزل الله عليك، ولا على موسى، ولا على عيسى، ولا على أحد شيئا. فأنزل الله هذه الآية) (٤).
ومعناها: ما عظّموا الله حقّ عظمته، ولا عرفوه حقّ معرفته إذ جحدوا فقالوا:
ما أنزل الله على بشر من شيء؛ أي من كتاب ولا وحي، ﴿قُلْ؛﴾ لهم يا محمّد:
﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى؛﴾ يعني التوراة؛ ﴿نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ؛﴾ أي ضياء للناس وبيانا لهم من الضّلالة، ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ؛﴾ يكتبونه صحائف، ﴿تُبْدُونَها؛﴾ يظهرون ما فيها مما ليس فيه صفة النّبيّ ﷺ وزمانه ومبعثه ونبوّته، ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيراً؛﴾ أي يسترون ما فيه صفة النبيّ ﷺ وبعثه وآية الرّجم.
وقوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ؛﴾ يحتمل أن يكون خطابا للمسلمين، أي علّمتم أنتم أيّها المؤمنون من الأحكام والحدود ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم. والأظهر: أنه خطاب لليهود؛ لأنه مسوق على ما سبق، معناه:
стр. 1029
علمتم بالقرآن ما كنتم أخفيتموه قبل نزول القرآن؛ لأنّهم قد ضيّعوا شيئا كثيرا من القرآن والأحكام، وكانوا يعاندون ولا يعملون حتى صاروا كأنّهم لم يعلموه.
قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهُ؛﴾ معناه: إن هم أجابوك وقالوا: أعلمنا الله، وإلا فقل: الله علّمكم. ويقال معناه: قل الله أنزل الكتاب على موسى، ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٩١)؛أي دعهم واتركهم في باطلهم يلهون، ويقال لكلّ من عمل ما لا ينفعه: إنّما أنت لاعب.
قال ابن عبّاس: (فلمّا رجع مالك بن الصّيف من عند رسول الله ﷺ إلى قومه، قالوا له: ويلك! ما هذا الّذي بلغنا عنك، زعمت أنّه ما أنزل الله على بشر من شيء! أرأيت كتابنا من جاء به إلى موسى وهو بشر؟! قال: إنّه قد أغضبني، فلذلك قلت ما قلت. قالوا: إذا غضبت قلت غير الحقّ، والله لا تلي لنا شيئا، فنزعوه عمّا كان يلي لهم، وولّوا مكانه كعب بن الأشرف) (١).قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء فيها على الإخبار، وقرأ الباقون بالتّاء على الخطاب.
قوله : ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ؛﴾ يعني القرآن الذي كذب به أهل الكتاب ومشركو قريش؛ هو ﴿(كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ)﴾ أي فيه بركة ومغفرة للذنوب لمن آمن به، والبركة: ثبوت الخير على النّماء والزيادة. وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ؛﴾ هو موافق للتوراة والإنجيل وسائر كتب الله في أصل الدّين، ويقال: المراد ب ﴿(الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)﴾ النشأة الثانية.
قوله تعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها؛﴾ أي أنزلناه للبركة، ولتخوّف به أهل أمّ القرى، وسميت مكة أمّ القرى لأنّها أصل القرى دحيت الأرض من تحتها، ويقال: لأنّها أعظم القرى شأنا، وقيل: لأنّها قبلة تأمّها الناس بالصلوات إليها.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ؛﴾ أي الذين يقرّون ويصدّقون بالبعث يؤمنون بالقرآن، وفي هذا بيان أنّ الإيمان بالحساب والجزاء يقتضي
стр. 1030
الإيمان بالقرآن، ولا ينفع بدون الإيمان به وبمحمّد ﷺ . وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ (٩٢)؛أي يداومون على الصلوات الخمس بركوعها وسجودها ومواقيتها.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في مالك بن الصّيف ومسيلمة الكذاب الّذي كان يدّعي النّبوّة، وفي عبد الله بن سعد بن سرح القرشيّ، كان عبد الله بن سعد يتكلّم بالإسلام، وكان يكتب للنّبيّ ﷺ القرآن الّذي ينزل عليه في بعض الأحيان، وكان إذا أملى عليه النّبيّ ﷺ أنّ الله عزيز حكيم، كتب من قلبه: أنّ الله غفور رحيم، وقال: هذا وذاك سواء.
فلمّا نزلت الآية الّتي في سورة قد أفلح: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً﴾،ثمّ أملاها رسول الله ﷺ ، فلمّا أملى عليه قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ عجب عبد الله بن سعد من تفصيل خلق الإنسان، فجرى على لسانه: فتبارك الله أحسن الخالقين، فقال ﷺ : أكتب، هكذا أنزل عليّ. فشكّ عبد الله حينئذ، وقال: لئن كان محمّد صادقا فقد أوحي إليّ كما أوحي إليه، ولإن كان كاذبا فلقد قلت كما قال. فأنزل الله هذه الآية).
ومعناها: أيّ أحد أكفر وأشدّ غبنا في كفره ممن اختلق على الله كذبا، بأن جعل له شريكا وولدا كما قال المشركون ومالك بن الصيف: (ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله)،والمراد بالذي ﴿(قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ)﴾ مسيلمة الكذاب وكان يسجع ويتكهّن ويدّعي النبوّة ويزعم أنّ الله أوحى إليه. وأما عبد الله بن سرح فارتدّ
стр. 1031
ولحق بالمشركين وقال: أنا أعلمكم بمحمّد، فلقد كان يملي عليّ فأغيره وأكتب كما شئت (١).
قوله : ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ؛﴾ أي لو رأيت الظالمين ﴿(فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ)﴾ لرأيت لهم عذابا عظيما. والظالمون هم الكافرون، وقيل: المنافقون رآهم رسول الله ﷺ يوم بدر في صفوف المشركين، وقد نرى مسلمين بمكّة فأخرجهم أهل مكة معهم كرها، فلما رأوا قلّة المؤمنين رجعوا إلى الشّرك، فقالوا: غرّ هؤلاء دينهم، عنوا به المؤمنين، وقاتلوا مع المشركين فقتلوا جميعا عامّتهم.
قوله تعالى: ﴿(فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ)﴾ أي في سكراته ونزعاته وشدائده، وقوله تعالى: ﴿(وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ)﴾ معناه: أنّ ملك الموت وأعوانه من ملائكة العذاب يبسطون أيديهم عليهم بالعذاب ويقولون لهم: ﴿(أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ)﴾ أي خلّصوا أنفسكم، ولستم تقدرون على خلاص. وقيل: معناه فارقوا أرواحكم الخبيثة، كما يقول: لأحرقنّك بالعذاب، لأخرجنّ نفسك (٢).
قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ؛﴾ أي يقال لهم يوم قبض الرّوح، وقيل: يوم القيامة حين معاينة العذاب: اليوم تجزون العذاب الشّديد الذي تهانون فيه، ﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ،﴾ بكذبكم، ﴿عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٩٣)،وبما كنتم تتعظّمون عن الإيمان بمحمّد ﷺ والقرآن.
стр. 1032
قوله : ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ؛﴾ أي جئتمونا بلا مال ولا ولد كما خلقناكم في الابتداء، والمعنى: أنه يقال لهم: ﴿(وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى)﴾. وفي الخبر: أنّهم يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا، قالت عائشة ﵂: (وا سوأتاه! الرّجل والمرأة كذلك) فقال ﷺ : [لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، لا ينظر الرّجال إلى النّساء، ولا النّساء إلى الرّجال، شغل بعضهم عن بعض] (١).
قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ؛﴾ أي وخلّفتم ما أعطيناكم من الأموال لغيركم أي خلّف عليها غيركم في دار الدّنيا، ولم تقدّموها لأنفسكم، ﴿وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ،﴾ آلهتكم، ﴿الَّذِينَ،﴾ التي، ﴿زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ،﴾ يشفعون لكم ويقرّبونكم إليّ، ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ؛﴾ أي وصلكم (٢).
ومن قرأ «(بينكم)» بالنصب فمعناه: تقطع ما بينكم؛ أي ما كنتم فيه من الشّركة، ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٩٤)؛أنّها شفعاؤكم عند الله حين لم يقدروا عن دفع شيء من العذاب عنكم.
وقال الحسن: (معنى قوله: ﴿(وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى)﴾ أي كلّ واحد على حدة) (٣).وقال ابن كيسان: (مفردين من المعبودين).وقيل: (فرادى) أي وحدانا لا
стр. 1033
مال لكم ولا زوج ولا ولد ولا خدم. فرادى: جمع فرد، مثل سكران وسكارى، كسلان وكسالى. ويقال أيضا: فرادى بجزم الرّاء وكسرها وفتحها، وجمعه أفراد.
وقرأ الأعرج: «(فردى)» بغير ألف مثل سكرى.
قوله تعالى: ﴿(كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)﴾ أي حفاة عراة غرلا، (وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم) أي ما أعطيناكم وملّكناكم من الأموال والأولاد والخدم وراء ظهوركم في الدنيا. قوله تعالى: ﴿(لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ)﴾ قرأ أهل الحجاز والحسن ومجاهد والكسائيّ وحفص بالنصب؛ وهي قراءة أبي موسى الأشعري، وقرأ الباقون بالرفع.
قوله : ﴿*إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى؛﴾ أي خالق الحب والنّوى، كقوله تعالى: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) أي خالقهما. وقال الحسن وقتادة: ﴿(فالِقُ الْحَبِّ)﴾ أي شاقّ الحبّة عن السّنبلة، والنّواة عن النّخلة. والحبّ: جمع حبّة، والنّوى: جمع نواة.
وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ؛﴾ أي يخرج الإنسان من النّطفة، والنطفة من الإنسان. وسميت النطفة ميتا؛ لأنّها من جملة الموات. وقيل: معناه: يخرج النبات الغضّ الطريّ من الحب اليابس، ويخرج الحبّ اليابس من النبات.
وكلّ ما يكون ناميا عند أهل اللغة بمنزلة الحيّ، وما لا يكون ناميا فهو بمنزلة الميت. ويقال: معناه: يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن، وقوله:
﴿ذلِكُمُ اللهُ؛﴾ أي ذلكم الله الذي يفعل هذا الفعل؛ هو الله، ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٩٥)؛أي فمن أين تصرفون عن الحقّ. والإفك في اللّغة: هو قلب الشّيء وصرفه.
قوله تعالى: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ؛﴾ أي شاقّ عمود الصّبح عن سواد الليل، وقال ابن عبّاس: (معناه: خالق الإصباح).قال الزجّاج: (الإصباح والصّبح واحد،
стр. 1034
والأصباح جمع الصّبح).ويقال: الإصباح بكسر الألف المصدر؛ ومعناه الدخول في ضوء النّهار.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً؛﴾ لتسكنوا فيه من ظلمته في أوطانكم.
وقرأ الحسن: «(فالق الأصباح)» بالفتح جمع صبح، «(وجاعل اللّيل سكنا)» يسكن فيه خلقه. وقرأ النخعيّ: «(وجعل اللّيل سكنا)» على الفعل في معناه: نوّر النهار بالنور؛ لتبتغوا من فضله، وجعل اللّيل سكنا.
وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً؛﴾ نصب الشّمس على معنى:
(وجعل)؛لأنّ في (جاعل) معنى جعل؛ أي جعل منازل الشمس والقمر بحسبان معلوم لا يختلف، إذا انتهى إلى أقصى منازله رجع، فإن الشّمس تدور على الفلك كلّه في ثلاثمائة وخمسة وستّين يوما وربع يوم، والقمر يدور على الفلك كلّه في ثمان وعشرين ليلة، ويكون مستورا في ليلتين، ثم يعود إلى ما كان، فيعرف الناس بذلك آجال عقودهم، وأوقات معاملاتهم وعباداتهم، وسنين أعمارهم.
والحسبان: مصدر، يقال: فلان حسبانه على الله؛ أي حسابه على الله. ويقال:
إنّ الحسبان جمع حساب، كما يقال: شهاب وشهبان. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٩٦)؛أي ذلك الذي وصف تدبير العزيز المنيع في سلطانه، الغالب الذي لا يغلب، العالم بمصالح مملكته.
وقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ؛﴾ أي هو الّذي جعل لكم النّجوم التي تختلف مواضعها من جهة الشّمال والجنوب والدبور والصبا، لتعرفوا بها الطّرق من بلد إلى بلد ﴿(فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)﴾ أي في المفاوز ولجج البحار في الليلة المظلمة في السّفن. فإنّ من النّجوم ما يجعله السائر تلقاء وجهه، ومنها ما يجعله خلفه، ومنها ما يجعله على يمينه، ومنها ما يجعله على شماله؛ لتظهر له الطريق التي تؤدّيه إلى بغيته. وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ؛﴾ أي بيّنا العلامات مفصّلة، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٩٧).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ؛﴾ أي أنشأ خلقكم من نفس آدم ﵇ وحدها؛ فإنه خلقنا جميعا منه، وخلق أمّنا حوّاء من ضلع من أضلاع
стр. 1035
آدم ﵇، وإنّما منّ علينا بهذا؛ لأنّ الناس إذا رجعوا إلى أصل واحد كانوا أقرب إلى أن يألف بعضهم بعضا.
وقوله تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ؛﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «(فمستقرّ)» بكسر القاف على معنى فمنكم مستقرّ، وقرأ الباقون بفتحها على معنى: ذلك مستقرّ.
قال ابن عبّاس: (معنى قوله: ﴿(فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ)﴾ أي مستقرّ في أرحام الأمّهات، ومستودع في أصلاب الآباء) (١).وقال بعضهم على الضدّ من هذا، إلا أنّ لفظ ال (مستقرّ) فيمن خلّف، كلفظ المستودع فيمن لم يخلّف أقرب.
وقال ابن مسعود: (معناه: فمستقرّ في الرّحم إلى أن يولد، ومستودع في القبر إلى أن يبعث) (٢).وقال الحسن: (مستقرّ في الدّنيا، ومستودع في القبر).وقال مجاهد:
(فمستقرّ على ظهر الأرض في الدّنيا، ومستودع عند الله في الآخرة) (٣).وقال أبو العالية: (مستقرّها أيّام حياتها، ومستودعها حين تموت وحين تبعث).وقال بعضهم:
مستقرّ في الرّحم، ومستقرّ فوق الأرض، ومستقرّ تحت الأرض، اقرأ: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٤) و ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ (٥).وقيل: المستقرّ في القبر، والمستودع في الدنيا. قال الحسن: (يا ابن آدم، أنت وديعة في أهلك، ويوشك أن تلحق بصاحبك (٦)،وأنشد قول لبيد:
وما المال والأهلون إلاّ وديعة ... ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع
وقال آخر:
فجع الأحبّة بالأحبّة قبلنا ... والنّاس مفجوع به ومفجّع
مستقرّ أو مستودع قد خلا ... والمستقرّ يزوره المستودع
стр. 1036
قوله : ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ؛﴾ أي بيّنا العلامات الدالاّت على توحيد الله مفصّلة، ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ (٩٨)؛أي لقوم يستدلّون بمعاني الآيات.
والفقه في اللّغة: هو الفهم لمعنى الكلام، إلا أنه قد جعل في العرف عبارة عن علم الغيب، على معنى أنه استدراك معنى الكلام بالاستنباط عن الأصول، ولهذا لا يجوز أن يوصف الله تعالى بأنه فقيه؛ لأنه يوصف بالعلم؛ والعلم حجّة الاستنباط، ولكنه عالم بجميع الأشياء على وجه واحد.
قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ؛﴾ أي أنزل من السّماء المطر، فإن الله تعالى منزّل المطر من السماء إلى السّحاب، وينزّل من السحاب إلى الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿(فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ)﴾ أي فأخرجنا بالمطر نبات كلّ صنف من أصناف الحبوب معاشا لهم.
فإن قيل: كيف قال الله تعالى: ﴿(فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ)﴾ فجعل المطر سببا للنبات، والفاعل بالسبب يكون مستعينا بفعل السبب، والله تعالى مستغن عن الأسباب؟
قيل: إنّما قال الله تعالى: ﴿(فَأَخْرَجْنا بِهِ)؛﴾ لأن المطر سبب يؤدّي إلى النّبات، وليس بمولود له، والله تعالى قادر على إنبات النبات بدون المطر، وإنّما يكون الفاعل بالسبب مستعينا بذلك السبب إذا لم يمكنه فعل ذلك الشّيء إلا بذلك السبب، كما أنّ الإنسان إذا لم يمكنه أن يصعد السطح إلا بالسّلّم، كان السّلّم آلة الصّعود، والطائر إذا صعد السطح بالسّلّم، لم يكن السّلّم آلة له؛ لأنه يمكنه أن يصعد السطح بدون السّلم.
قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً؛﴾ أي أخرجنا من المطر نباتا أخضر؛ وهو ساق السّنبلة، وقوله تعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً؛﴾ أي نخرج من ساق السّنبلة ما قد ركب بعضه بعضا؛ يعني سنابل البرّ والشعير والأرزّ والذرّة وسائر الحبوب، يركب بعضه بعضا.
стр. 1037
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ؛﴾ أي عروق قريبة المتناول ينالها القاعد. والقنوان: جمع القنو؛ مثل صنو وصنوان. والقنو: عذق النّخلة والعذق؛ بفتح العين: النّخلة. قال الزّجاج: (في الآية محذوف؛ أي دانية وغير دانية؛ وهي الّتي تكون بعيدة المتناول).
وقرأ الأعرج: «(قنوان)» بضمّ القاف؛ وهي لغة قيس. وقال مجاهد: [معنى قوله:
﴿(دانِيَةٌ)﴾].وقال الضّحاك: (ملزقة بالأرض). (١)
وقوله تعالى: ﴿وَجَنّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ؛﴾ عطف على قوله تعالى: ﴿(خَضِراً)﴾ أي وأخرجنا جنّات؛ أي بساتين وأشجار ملتفّة، وكل نبات متكاتف يستر بعضه بعضا فهو جنّة، من جنّ إذا استتر. وقرأ الأعمش ويحيى بن يعمر وعاصم: «(وجنّات)» بالرفع عطفا على ﴿(قِنْوانٌ)﴾ لفظا، وإن لم تكن في المعنى من جنسها، وكذلك قوله تعالى: ﴿(وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ)﴾ بالرفع أيضا.
وقوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ؛﴾ أي وأخرجنا من شجر الزّيتون وشجر الرّمّان، ﴿(مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ)؛﴾ أي منها ما يشبه غيره في الصّورة واللّون، ومنها ما لا يشبه. وقيل: معناه: متشابها في المنظر واللّون، وغير متشابه في الطّعم مثل الرّمّان الحامض والحلو. والفائدة في الجمع بين شجر الزيتون وشجر الرّمان في هذه الآية: بأنّهما شجرتان يشتمل ورقهما على الغصن من أوّله إلى آخره مشتبه بأوراقهما، ومختلف ثمارهما. (٢)
قوله تعالى: ﴿اُنْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ؛﴾ أي انظروا إلى خروج الثمر نظر الاعتبار إذا عقد وهو غضّ، وينعه إذا نضج وأخذ اللون من بين أصفر وأبيض وأحمر، فمعناه: ﴿(انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ)﴾ أي ونضجه وإدراكه. وقرأ
стр. 1038
أبو رجاء: «(ويانعه)» بالألف، وقوله تعالى: ﴿(انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ)﴾ قرأ أهل الكوفة غير عاصم: «(ثمره)» بضمّ الثاء والميم على جمع الثّمار، فيكون جمع الجمع؛ لأن الثّمر جمع الثمار.
ومعنى الآية: انظروا إلى الثّمر في ابتداء طلوعه، وانظروا إليه في انتهاء حاله وقت إدراكه، ﴿إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٩٩)؛أي إنّ في خلق هذه الأشياء، وتصريفها ونقلها من حال إلى حال لعلامات دالّة على البعث لقوم يؤمنون بالله. وهذه الآية دالة للمؤمنين وغيرهم، إلا أنه خصّ المؤمنين بالذكر؛ لأنّهم هم الذين ينتفعون بالاستدلال بها.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في الزّنادقة؛ قالوا: إنّ الله تعالى وإبليس أخوان؛ فالله تعالى خالق النّاس والدّواب والأنعام وكلّ خير، وإبليس خالق السّباع والحيّات والعقارب وكلّ شرّ، فذلك قوله تعالى: ﴿(وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ)﴾. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ (١)) (٢).وقال مقاتل: (نزلت الآية في جهينة وخزاعة، قالوا: إنّ صنفا من الملائكة يقال لهم الجنّ: بنات الله) (٣) تعالى عمّا يقولون علوّا كبيرا.
وانتصب ﴿(الْجِنَّ)﴾. لكونه بدلا من ﴿(شُرَكاءَ)﴾. أو لأنه مفعول ثان على تقدير:
وجعلوا الجنّ شركاء لله؛ كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً﴾. (٤)
قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَهُمْ؛﴾ يجوز أن يكون الهاء والميم عائدة إلى أهل الشّرك، ويجوز أن تكون عائدة على الجنّ، على أن المعنى: أنّ الله خالق الجنّ؛ فكيف يكونوا شركاء له؟!
стр. 1039
وقوله تعالى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛﴾ أي وكذبوا بنسبة البنين والبنات إلى الله تعالى، فإنّ مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الله، والنصارى قالوا: المسيح بن الله، واليهود قالوا: عزير بن الله. وكذبوا كلّهم لعنة الله عليهم، يقال: خرق؛ واخترق؛ واختلق؛ وافترى: إذا كذب.
وقرأ أهل المدينة: «(وخرّقوا)» بالتشديد على التكثير. وقوله تعالى: ﴿(بِغَيْرِ عِلْمٍ)﴾ أي بجهلهم بلا حجّة؛ ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ (١٠٠)؛كلمة تنزيه وتبعيد لله تعالى عن كلّ سوء؛ أي سبحوه أيّها المؤمنون عمّا يقول عليه الجاهلون. وقوله تعالى: ﴿(تَعالى)﴾ علوّا من العلوّ؛ أي استعلى عمّا وصفوه به. ويجوز في صفات الله تعالى: (علا) ولا يجوز: ارتفع؛ لأن العلوّ قد يكون بالاقتدار؛ والارتفاع يقتضي الجهة والمكان.
قوله : ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي مبتدع السّماوات والأرض ومنشؤهما ابتداء على غير مثال سبق. وقوله تعالى: ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ؛﴾ أي من أين يكون له ولد؛ وكيف يكون له ولد ولم تكن له زوجة، ولا يكون الولد إلا من زوجة.
وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ؛﴾ نفي للزوجة والولد؛ أي كيف يكون له ولد وصاحبة وقد خلق الأشياء كلّها، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١٠١)؛من خلق العباد ومصالحهم؛ وجهل الكفّار وعنادهم.
قوله تعالى: ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ؛﴾ معناه: إنّ الذي خلق الأشياء كلّها وعملها وأشركتم به هو الله تعالى ربّكم لا إله غيره خالق كلّ شيء من الخلق فأطيعوه ووحّدوه ولا تشركوا بينه وبين غيره في العبادة؛ ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (١٠٢)؛أي حافظ.
قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ؛﴾ أي لا تدرك الأبصار كنهه؛ ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ؛﴾ أي يعلم كنهها وماهيّتها؛ فإنه لا أحد يعلم أنّ الإنسان لم صار يبصر من عينيه ولا يبصر بغيرهما؛ وما الشيء الذي يصير به الإنسان مبصرا؛
стр. 1040
وكيف حقيقة البصر، فأعلم الله تعالى أنّ خلقا من خلقه لا يدرك كنهه ولا يحيطون بعلمه؛ فكيف يحيطون بالله؟!
فمن حمل الآية على هذا التأويل؛ لم يكن فيه ما ينفي الرؤية في الآخرة؛ لأن معنى الرؤية غير معنى الإحاطة بحقيقة الشيء. وقال بعض المفسّرين: (إنّ الإدراك إذا قرن بالبصر؛ كان المراد منه الرّؤية، فإنّه يقال: أدركت ببصري؛ ورأيت ببصري، بمعنى واحد، كما يقال: أدركت بأذني؛ وسمعت بأذني، بمعنى واحد) (١).
قالوا: وأصل الإدراك: اللّحوق؛ نحو قولك: أدركت زمان فلان؛ وأدرك فلان أبا حنيفة؛ وأدرك الزرع والثمرة؛ وأدرك الغلام إذا لحق حال الرّجال. وإدراك البصر الشيء ولحوقه به برؤيته إيّاه، إلا أنه لا يمتنع أن تكون هذه الآية عامّة من جهة اللفظ والمراد منها الخصوص توفيقا بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ (٢).قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٠٣)؛أي اللّطيف بعباده في التّدبير، الخبير بمصالحهم.
قوله تعالى: ﴿قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ؛﴾ أي جاء كم القرآن الذي فيه البيان. والبصائر: جمع البصيرة؛ وهي الحجّة البيّنة، فمن أبصر فلنفسه نفعه، ﴿وَمَنْ عَمِيَ؛﴾ عن الحقّ والقرآن؛ ﴿فَعَلَيْها؛﴾ فعلى نفسه ضرر ذلك، ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (١٠٤)؛أي برقيب أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، فإنّ الله يجازيكم على أعمالكم.
وقيل: معناه: لست عليكم بحفيظ فأحول بينكم وبين إضراركم بأنفسكم، وإنّما أنا رسول أبلّغكم رسالات ربكم وهو الحفيظ عليكم، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.
قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ؛﴾ أي مثل ما صرّفنا الآيات وبيّناها فيما تلي عليك؛ نصرّف الآيات ونبيّنها في المستقبل لئلاّ يقولوا:
стр. 1041
تختلقه من تلقاء نفسك، ولئلاّ يقولوا درست؛ أي قرأت كتب أهل الكتاب. ومن قرأ «(دارست)» فمعناه: ذاكرت أهل الكتاب. وكان أهل مكّة يقولون: إنّما يتعلّمه من جبر ويسار؛ وكانا غلامين عبرانيّين بمكّة (١).
ومعنى (درست) أدرست هذه الأخبار التي تتلوها علينا، ومعنى (دارست) أي قارأت أهل الكتاب: تعلّمت منهم وقرأت عليهم وقرءوا عليك.
وقرأ قتادة: «(درّست)» أي قريت وتليت، وقرأ الحسن وابن عامر ويعقوب:
«(درست)» بفتح الدال والرّاء والسين وجزم التاء؛ يعني: تقادمت وانمحت وانمضت، وذكر الأخفش: «(درست)» بضمّ الراء؛ ومعناها: درست؛ إلا أن ضمّ الراء أشدّ مبالغة.
وقرأ ابن مسعود والأعمش: «(درس)» بفتح السّين من غير تاء؛ يعنون النّبيّ ﷺ .
قوله تعالى: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١٠٥)؛أي ولنبيّن القرآن والتصريف لقوم يعلمون.
قوله تعالى: ﴿اِتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ؛﴾ أي اعمل يا محمّد بما أنزل إليك من القرآن من حلاله وحرامه، ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ؛﴾ أنزله. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٠٦)؛أي اتركهم في ضلالتهم. وهذا منسوخ بآية السّيف. وقيل: معناه: أعرض عنهم استجهالا لهم.
стр. 1042
قوله : ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا؛﴾ أي لو شاء الله لوفّقهم إلى الإيمان، ﴿وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً؛﴾ أي يمنعهم عما يضرّهم، ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ (١٠٧)؛أي وما أمرنا أن تلزمهم الإيمان شاءوا أم أبوا، فإنّك لا يمكنك أن تفعل ذلك بهم، وإنّما هو الذي يقدر على فعل هذا، ولكنّه لم يفعل حتى لا يزول التكليف.
وإنّما جمع بين حفيظ ووكيل لاختلاف معناهما، فإن الحافظ للشيء هو الذي يصونه عما يضرّه، والوكيل بالشيء هو الذي يجلب الخير إليه.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ؛﴾ وذلك حين قال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ. لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ (١) قال المشركون: لئن لم تنته يا محمّد عن سب آلهتنا وعيبها لنسبّنّ إلهك الذي تعبده، فأنزل الله تعالى هذه الآية. أي لا تسبّوا معبودهم الذي يعبدونه من دون الله فيسبّوا الله عدوا وظلما.
ونصب ﴿(عدُواً)﴾ على المصدر؛ أي يعدون عدوا. ويقال: نصب على إرادة اللام؛ أي يسبّون بالعدو. وقوله تعالى: ﴿(بِغَيْرِ عِلْمٍ)﴾ أي بجهلهم يحملهم الغيظ على أن يسبّوا معبودكم.
وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا أراد أن يأمر غيره بالمعروف، ويعلم أنّ المأمور يقع بذلك فيما هو أشدّ ممّا هو فيه من شتم أو ضرب أو قتل، كان الأولى أن لا يأمره ويتركه على ما هو فيه. وقرأ بعضهم: «(عدوّا بغير علم)» أي أعداء؛ نصب على الحال. وقال قتادة: (كان المسلمون يسبّون أصنام الكفّار، فنهاهم الله تعالى عن ذلك لئلاّ يسبّوا الله، فإنّهم قوم جهلة) (٢).
стр. 1043
قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ؛﴾ أي كما زيّنا لك دينك وعملك؛ زيّنّا لهم دينهم وعملهم، ﴿(كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ)﴾ الذي يعملونه بميل الطّبائع إليه مجازاة لهم على فعلهم، كما قال تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ (١).وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ؛﴾ أي مصيرهم ومنقلبهم إلى الله تعالى، ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ؛﴾ فيجزيهم؛ ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٠٨)؛في الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها؛﴾ أي حلفوا بالله واجتهدوا في المبالغة في اليمين ﴿(لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ)﴾ أي علامة لنبوّتك ليصدّقن بها. وعنوا بالآية الآيات التي كانوا يقترحونها عليه، ﴿قُلْ؛﴾ لهم يا محمّد: ﴿إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ؛﴾ إنّ مجيء الآيات من عند الله؛ إن شاء أنزلها وإن شاء لم ينزلها، وإنما ينزل على حسب المصلحة.
وقوله تعالى: ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ؛﴾ خطاب للمؤمنين؛ ﴿أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠٩)؛أي وما يدريكم أيّها المؤمنون؛ أنّها إذا جاءتهم لا يؤمنون لما سبق لهم في علم الله تعالى من الشّقاوة.
وقرأ مجاهد وقتادة وأبو عمرو وابن كثير: «(إنّها)» بالكسر على الابتداء؛ وخبره:
﴿(لا يُؤْمِنُونَ)﴾. وقرأ الباقون بالفتح؛ ومعناه عند الخليل وسيبويه: لعلّها إذا جاءت لا يؤمنون. وقرأ ابن عامر وحمزة: «(لا تؤمنون)» بالتاء على مخاطبة الكفّار؛ أي وما يشعركم يا أهل مكّة أنّها إذا جاءت لا تؤمنون. وقرأ الباقون بالياء. وقرأ الأعمش:
(وما يشعركم أنّها إذا جاءتهم لا يؤمنون).
قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ؛﴾ أي نترك أفئدتهم وأبصارهم منقلبة كما هي في الحيرة التي بهم؛ والغفلة التي فيهم؛ فلا نوفّقهم مجازاة لهم فلا يؤمنون ﴿(كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ)﴾ أي أوّل ما رأوا من الآيات.
стр. 1044
وقيل: معناه: ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم على جمر جهنّم ونارها؛ جزاء على ترك الإيمان وعقوبة عليه، ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١١٠)؛أي نتركهم في ضلالتهم يتحيّرون ويتردّدون.
وقوله تعالى: ﴿*وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ؛﴾ نزلت هذه الآية في رهط من أهل مكّة من المستهزءين، وهم: الوليد بن المغيرة؛ والعاص بن وائل؛ والأسود بن عبد يغوث؛ وغيرهم. قالوا: يا محمّد؛ ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك: أحقّ ما تقول أم باطل؟ فنؤمن بك، وأرنا الملائكة يشهدون أنّك رسول الله، وائتنا بالله والملائكة قبيلا-أي كفيلا-على ما تقول إنه الحقّ. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ومعناها: ﴿(وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ)﴾ معاينة للشّهادة على نبوّتك كما سألوك، ﴿(وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى)﴾ بأنك رسول الله، وأنّ القرآن كلامه، وجمعنا عندهم كلّ شيء من الطّير والوحوش والسّباع وسائر الدواب كفيلا يكفلون بصحّة ما تقول يا محمّد، ما كانوا ليؤمنوا بك إلا أن يوفّقهم الله للإيمان، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ (١١١)؛أنّ الله قادر على ذلك.
ويجوز أن يكون معنى (قبلا) (١) أي قبيلا يقابلهم ويواجههم من المقابلة، ويقال: جماعة على معنى أن القبل جمع القبيل، والقبيل جمع القبيلة؛ كسفينة وسفن.
قرأ أهل المدينة والشام: «(قبلا)» بكسر القاف وفتح الباء؛ أي معاينة؛ والمعنى: لو ناطقتهم الأرض والسّماء والطير والوحوش أن محمّدا رسول الله، وأن ما أتاكم به حقّ، قالوا لهم ذلك معاينة ومشافهة؛ ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله.
قوله : ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ أي كما جعلنا لك ولأمّتك أعداء مثل أبي جهل وأصحابه، كذلك جعلنا لمن تقدّمك من الأنبياء وأممهم عدوّا. و (شياطين) نصب على البدل من (عدوّا) ومفسّرا له، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا.
стр. 1045
قال ابن عبّاس في معنى هذه الآية: (إنّ إبليس قسّم جنده فريقين، فبعث فريقا منهم إلى الإنس؛ وفريقا إلى الجنّ. فشياطين الإنس وشياطين الجنّ يلتقي بعضهم ببعض، فيقول بعضهم لبعض: أضللت صاحبي بكذا وكذا، أتيته من قبل الشّهوات واللّذات، ومن قبل المراكب والملابس والطّعام والشّراب، فإن أعياني من وجه أتيته من وجه آخر، فأضلل صاحبك بمثله).
فذلك قوله : ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ؛﴾ أي يلقي بعضهم إلى بعض ويملي بعضهم إلى بعض؛ ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً؛﴾ أي المموّه الذي يكون فيه تزيين الأعمال القبيحة. وقوله تعالى: ﴿(غُرُوراً)﴾ نصب على المصدر؛ كأنه قال:
يغرون به غرورا.
وذهب بعض المفسّرين: (إلى أنّ الشّياطين اسم لكلّ عات متمرّد؛ من الجنّ ومن الإنس شياطين).كما روي عن أبي ذرّ ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو في المسجد، فأمرني أن أصلّي ركعتين؛ فصلّيت وجلست إليه؛ فقال لي: [يا أبا ذرّ؛ تعوّد بالله من شياطين الإنس والجنّ].فقلت: يا رسول الله؛ أومن الإنس شياطين؟! فقال: [أو ما تقرأ قوله تعالى: ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ؟﴾] (١).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ؛﴾ أي لو شاء ربّك أن يمنع الشياطين من الوسوسة ما فعلوه، ولكن يمتحن عباده بما يعلم أنه أبلغ في الحكمة وأجزل في الثواب. قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾ (١١٢)؛أي اتركهم وافترائهم وكذبهم على استجهالاتهم، فإنّي القادر عليهم.
قوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ﴾ عطف على (غرورا)؛أي يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول الغرور، ولتميل إليه أفئدة الذين لا يقرّون بالبعث، ولكن يرضوا القول الزخرف ويكتسبون من الإثم؛ وهو ما قضي عليهم في اللّوح المحفوظ، يقال: اقترف فلان ذنبا؛ إذا عمله. وقيل:
стр. 1046
معنى ﴿(لِيَقْتَرِفُوا)﴾ أي ليختلقوا ويكذبوا. وقرأ النخعيّ: «(ولتصغي)» بضمّ التاء وكسر الغين؛ أي تميل، والإصغاء: الإمالة؛ ومنه الحديث: [إنّ رسول الله ﷺ كان يصغي الإناء للهرّة] (١).
والأفئدة: جمع فؤاد؛ مثل أغربة وغراب. ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ (١١٣) أي فليكتسبوا ما هم مكتسبون. وقال ابن زيد: (وليعملوا ما هم عاملون).يقال:
اقترف فلان مالا؛ أي اكتسبه، وقارفت الأمر: أي واقعته؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ (٢).ومن قرأ: «(وليرضوه وليقترفوا)» بجزم اللام على لفظ الأمر؛ فمعناه: التهديد؛ أي اعملوا ما شئتم.
قوله : ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً؛﴾ وذلك أن نفرا من أهل مكّة قالوا: يا محمّد؛ اجعل بيننا وبينك حكما من اليهود والنّصارى، فإنّهم قرءوا الكتب قبلك. فأنزل الله هذه الآية.
ومعناها: قل لهم يا محمّد: أفغير الله أطلب ربّا ومعبودا يساوي حكمه حكم الله؛ فأجعله حكما وهو الّذي أنزل إليكم القرآن مفصّلا مبيّنا أمره ونهيه بلغة تعرفونها. ويقال: متفرّقا سورة سورة؛ وآية آية.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ؛﴾ أي التّوراة؛ هم عبد الله بن سلام وأصحابه؛ ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ؛﴾ أي القرآن؛ ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ؛﴾ بما تقدّم لهم من البشارة في كتبهم بأنّ الله يبعث في آخر الزمان نبيّا من ولد إسماعيل، وينزّل عليه القرآن. وقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ؛﴾ أي بما أقام لهم من البراهين على ذلك.
стр. 1047
وقوله تعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١١٤)؛أي لا تكوننّ يا محمّد من الشّاكّين في أنّهم يعلمون ذلك. ويقال: هذا خطاب للنّبيّ ﷺ والمراد به غيره، كأنه قال: لا تكوننّ أيها الجاهل بأمر محمّد ﷺ من الشّاكّين في أمره. وقرأ الحسن والأعمش وابن عامر وحفص: «(منزّل)» بالتشديد من التّنزيل؛ لأنه أنزل نجوما مرّة بعد مرّة، وقرأ الباقون بالتخفيف من الإنزال.
قوله : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ؛﴾ قرأ أهل الكوفة ويعقوب: «(كلمة)» على التوحيد، وقرأ الباقون: «(كلمات)» على الجمع.
ومعنى الآية: وتمّ إلزام الحجّة على وجه الحكمة، لا ينقصان في ذلك (١).قوله (صدقا) أي مخبره على ما أخبر به فيما وعد وأوعد، و (عدلا) أي أحكامه كلّها عدل، و ﴿(لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ)﴾ أي لا مغيّر لحكمه ودينه، فإن اليهود والنصارى-وإن غيّروا التوراة والإنجيل-لن يمكنهم أن يأتوا بحكم حتى يقوم مقام حكمه.
وقيل: معناه: ﴿(وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ)﴾ أي وجب قول ربك بأنه ناصر محمّدا ﷺ وأنّ عاقبة الأمر له صدقا وعدلا؛ لا مغيّر لقوله: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ (٢).وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١١٥)؛ظاهر المعنى.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ وذلك أنّ أهل مكّة كانوا يستحلّون أكل الميتة، ويدعون المسلمين إلى أكلها، وكانوا يقولون: إنّما ذلك ذبح الله؛ فهو أحلّ ممّا ذبحتم أنتم بسكاكينكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ومعناها: إن تطع-يا محمّد-أكثر من في الأرض يصرفونك عن دين الله، وإنّما قال: ﴿(أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ)﴾ لأنّ أكثرهم كفّار ضلاّل.
стр. 1048
قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ؛﴾ معناه: إن أكثرهم يتّبعون أكابرهم بالشّكّ؛ يتبعونهم فيما يعملون ((ويظنون)) (١) أنّهم على الحق، وإنّما يعذبون على هذا الظنّ؛ لأنّهم اقتصروا على الظّنّ والجهل واتّبعوا أهواءهم، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ (١١٦)؛أي ما هم إلا يكذبون في قولهم: ما قتل الله أحقّ أن تأكلوه ممّا قتلتم بسكاكينكم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ؛﴾ أي عن دين الإسلام وشرائعه؛ ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١١٧)؛بمحمّد والإسلام، وإنّما قال: (أعلم) لأنّ الله تعالى يعلم الشيء من كلّ جهاته، وغيره يعلم الشيء من بعض جهاته.
قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ؛﴾ عطف على ما دلّ عليه الكلام الذي قبله، كأنه قال: كونوا على الهدى فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه من الذبائح، ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (١١٨)؛هذا للترغيب في اعتقاد صحّة إباحته وفي أكله.
قوله تعالى: ﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ؛﴾ يعني من الذبائح، وموضع (أن) نصب لأنّ (في) سقطت، ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ؛﴾ أي وقد بين لكم ما حرّم عليكم من الميتة والدّم والخنزير على ما تقدّم في سورة المائدة.
قرأ الحسن وقتادة وأهل المدينة وحفص: «(وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم)» بالفتح فيهما على معنى: فصّل الله. وقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو بضمّهما جميعا. وقرأ أهل الكوفة إلا حفصا: «(فصّل)» بالفتح «(وحرّم)» بالضّمّ. وقرأ عطية العوفيّ: «(فصل)» بالتخفيف مفتوحا؛ يعني قطع الحكم فيما حرّم عليكم.
وقوله تعالى: ﴿إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ؛﴾ أي إلا ما دعتكم الضرورة إلى أكله، فقد رخّص لكم حينئذ. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً؛﴾ يعني الكفار يأكلون
стр. 1049
الميتة والذبائح التي لم يذكر اسم الله عليها عمدا، والتي يذبحونها لآلهتهم بلا علم عندهم ولا بصيرة، يتّبعون الهوى والشّهوات في ذلك.
قوله تعالى: ﴿لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛﴾ قرأ الحسن وأهل الكوفة بضمّ الياء لقوله: ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ (١).وقرأ الباقون بفتحها لقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ﴾. فمعنى من قرأ بضمّ الياء: أنّهم يصرفون الناس عن الهدى بالدّعاء إلى أكل الميتة على وجه الجدال والخداع، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ (١١٩)؛أي أعلم بعقوبة المتجاوزين من الحلال إلى الحرام.
قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ؛﴾ أي لا تقربوا ما حرّم الله عليكم جهرا ولا سرّا، ويقال: أراد بظاهر الإثم: الزّنا الظاهر، وبباطنه: الزّنا السّر.
فالعرب كانوا يرون الزّنا ظاهرا معصية، ولا يرونه في الخفية معصية. وقوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ (١٢٠)؛أي إنّ الذين يعملون المعصية ظاهرا وباطنا سيعاقبون في الآخرة بما كانوا يكسبون في الدّنيا من المعاصي والفواحش.
قوله : ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ؛﴾ يعني الذبائح.
روي عن عبد الله بن عمر: (أنّه أتى حرّا ذبح شاة نسي أن يذكر اسم الله عليها، فأمر ابن عمر غلامه أن يقوم عنده، فإذا جاء إنسان يشتري منه قال: إنّ ابن عمر يقول: إنّه لم يذكر عليها اسم الله، فلا تشتري).
وقال ابن سيرين: (إذا ترك التّسمية ناسيا؛ لم تؤكل) (٢).إلاّ أن أكثر أهل العلم على أن نسيانها لا يوجب التحريم. هكذا روي عن عليّ وابن عبّاس ومجاهد وعطاء وابن المسيّب؛ قالوا: (إن ترك التّسمية ناسيا لا بأس بأكلها؛ لأنّ خطاب الآية يتناول العامد، إذ النّاسي في حال نسيانه لا يكون مكلّفا).
стр. 1050
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ؛﴾ أي إنّ أكله لفسق. وقيل: إن ترك التسمية، وقيل: المذبوح بغير تسمية الله فسق فيه حين ذبح على غير وجه الحقّ؛ كقوله: ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ؛﴾ أي إنّ الشياطين ليوسوسون لأوليائهم من الإنس؛ وهم: أبو الأخوص الخثعميّ وبدين ابن ورقاء الخزاعيّ وغيرهما من أهل مكّة؛ كانوا يخاصمون النّبيّ ﷺ في أكل الميتة واستحلالها. والوحي: إلقاء المعنى إلى النّفس في الخفية، ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ؛﴾ في أكل الميتة واستحلالها من غير اضطرار، ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (١٢١)؛مثلهم.
وفي هذا دليل على أنّ من استحلّ شيئا ممّا حرّم الله، أو حرّم شيئا مما أحلّ الله؛ فهو مشرك. وإنّما سمي مشركا؛ لأنه اتّبع غير الله فأشرك بالله غيره.
قوله : ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ،﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت في عمّار بن ياسر، وأبي جهل).ويقال: إنّ المراد بالآية النبيّ ﷺ وأبو جهل. ومعنى الآية على القول الأوّل: أو من كان كافرا، فهديناه إلى المغفرة والإسلام، ﴿وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً؛﴾ وهو نور القرآن والإيمان والحكمة؛ ﴿يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ؛﴾ يضيء بذلك النور فيما بين النّاس؛ ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ؛﴾ أي كمثل من هو في الضّلالة وظلمات الكفر، ﴿لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها؛﴾ أبدا.
بيّن الله تعالى بهذه الآية أنّ أبا جهل ليس بخارج من الضّلالة أبدا. وقال بعضهم: المثل زائد؛ تقديره: كمن في الظّلمات.
وعن ابن عبّاس أيضا: (أنّ معناه: ﴿(أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ)﴾ يريد حمزة بن عبد المطّلب ﴿(كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها)﴾ أبا جهل؛ رمى رسول الله ﷺ وحمزة كافر، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه يفوت وبيده قوس، فأقبل وهو غضبان حتّى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرّع ويستكين ويقول: أما ترى ما جاء به محمّدا، قد سفّه عقولنا وسبّ آلهتنا وخالف آباءنا. فقال حمزة: ومن أسفه
стр. 1051
منكم؟! تعبدون الحجارة من دون الله، أنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله. فأنزل الله تعالى هذه الآية) (١).
قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٢٢)؛ أي كما زيّن لأبي جهل عمله الذي كان يعمل؛ كذلك زيّن للكافرين أعمالهم مجازاة لهم على كفرهم. وقال الحسن: (ما زيّنها لهم إلاّ الشّيطان).
قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها؛﴾ أي جعلنا في كلّ قرية ذا نور يمشي به في الناس، كذلك جعلنا في كلّ قرية رؤساءها وكبراء وعظماء أهلها مجرميها. وقيل: معناه: جعلنا في أهل مكّة عظماؤهم مجرميها، كذلك جعلنا في كلّ قرية. وقوله تعالى: ﴿(لِيَمْكُرُوا فِيها)﴾ أي ليصير أمرهم إلى أن يمكروا بالتّكبّر وتكذيب الرسل، ﴿وَما يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (١٢٣)،أنّ كلّ وبال أمرهم يرجع إليهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ؛﴾ أي إذا جاءت الأكابر المذكورين، وقيل: أهل مكّة؛ إذا جاءتهم دلالة واضحة على نبوّة رسول الله ﷺ ؛ قالوا: لا نصدّق حتى نعطى من الآيات مثل ما أعطي رسل الله المعجزات والدّلائل.
وذلك أنّ الوليد بن المغيرة قال: والله لو كانت النّبوّة حقّا لكنت أولى بها منك؛ لأنّي أكبر منك سنّا (٢) وأكثر منك مالا. وقال مقاتل: (قال أبو جهل: زاحمنا بنوا عبد المطّلب في الشّرف؛ حتّى إذا كنّا كفرسي رهان؛ قالوا: منّا نبيّ يوحى إليه، والله لا نؤمن به ولا نتّبعه أبدا؛ إلاّ أن يأتينا وحي كما يأتيه. فأنزل الله تعالى هذه الآية) (٣).
стр. 1052
يقول الله تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ؛﴾ أي هو أعلم من يرسل ومن يختصّ بالرسالة ومن هو أهل لها. وهذا جواب يمنعهم أن يكونوا رسلا حين أنفوا أن يكونوا أتباعا للرّسل بعد قيام حجّة النبيّ ﷺ .
بيّن الله تعالى أنه إنّما يجعل الرسالة عند من يقوم بأدائها، ولا يجعلها عند من يضيّع ولا يصبر على المكاره. وقيل: إنّما لم يجعل الله الرسل في الرؤساء والأغنياء؛ لأنّ الناس يتبعونهم وإن لم يأتوا بالحجج، فيقول من بعدهم: إنّما اتّبعوهم لأنّهم كانوا رؤساء وأكابر.
وقوله تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ؛﴾ أي سيصيب الذين اكتسبوا الجرم مذلّة وهوان ثابت لهم عند الله؛ ﴿وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ (١٢٤)؛أي بكفرهم وتكذيبهم الرسل.
قال ابن عبّاس ﵄: (ثمّ رجع إلى ذكر عمّار وأبي جهل) فقال : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ؛﴾ أي فمن يرد الله أن يوفّقه للإسلام يوسع قلبه ويليّنه لقبول الإسلام، ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ؛﴾ أي أن يخذله ويجعله في ضلالة الكفر، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً﴾.
﴿حَرَجاً﴾ (١)؛قيل: الحرج: موضع الشّجر الملتف (٢)؛يعني أنّ قلب الكافر لا تصل إليه الحكمة كما لا تصل الراعية إلى الموضع الذي التفّ فيه الشجر.
стр. 1053
وقال أهل اللغة: الحرج: أضيق الضيّق. وقال مجاهد: (الحرج: الشّكّ) (١) وقال قتادة: (حرجا ملتبسا) (٢).وقال النّضر بن شميل: (قلقا)،وقال الكلبيّ: (ليس للخير فيه منفذ).قرأ ابن كثير: «(ضيقا)» بالتخفيف، وشدّده الباقون؛ وهما لغتان مثل هيّن وليّن. وقوله تعالى: «(حرجا)» قرأ أهل المدينة وأبو بكر بكسر الرّاء، وفتحها الباقون؛ وهما لغتان مثل دنف ودنف.
قوله تعالى: ﴿كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ؛﴾ يعني: يشقّ عليه الإيمان ويمتنع ويعجز عنه، كما يشقّ عليه صعود السّماء. واختلف القرّاء في قوله تعالى:
﴿(يَصَّعَّدُ)﴾ فقرأ أهل المدينة والبصرة والكوفة إلا أبا بكر: «(يصّعّد)» بتشديد الصّاد والعين من غير ألف، وقرأ طلحة والنخعيّ وأبو بكر: «(يصّاعد)» بتشديد الصّاد وبألف بعدها، بمعنى يتصاعد. وقرأ الأعرج وأبو رجاء وابن كثير: «(يصعد)» مخفّفا؛ أي لا يجد مخرجا يمينا ولا شمالا، فكأنه من الضّيق يصعد إلى السّماء ولا يستطيعه. وقرأ عبد الله «(كأنّما يتصعّد)».
وقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ؛﴾ أي مثل ما قصصنا عليك يجعل الله اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة؛ ﴿عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٢٥)؛أي لا يرغبون ولا يصدّقون بالتوحيد.
روي: أنّه لمّا نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله؛ كيف يشرح الله صدره للإسلام؟ قال: [إذا دخل النّور في القلب انشرح واستوسع] قالوا: وما علامة ذلك؟ قال: [التّجافي عن دار الغرور؛ والإنابة إلى دار الخلود؛ والاستعداد للموت قبل نزول الموت] (٣).
стр. 1054
وقال بعض المفسّرين في معنى الآية: ﴿(فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ)﴾ في الآخرة إلى الثّواب ونيل الكرامة ﴿(يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ)﴾ في الدّنيا بالدّلالات. ومن يرد أن يقيله عن ثوابه ونيل كرامته في الآخرة ﴿(يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً)﴾ في الدّنيا عقوبة له على كفره.
قوله : ﴿وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً؛﴾ (هذا) إشارة إلى الإسلام، وقيل: إلى بيان القرآن، سمي ذلك مستقيما؛ لأنه يستقيم بمن يسلكه؛ فلا يعرج فيه حتّى يورده إلى الجنّة، وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ؛﴾ أي أتينا بآية على إثر آية مفصّلة مبيّنة؛ ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١٢٦)؛أي يتّعظون بآيات الله، ويتفكّرون في دلالات القرآن، فلم يبق لأحد عذر في التّخلّف عن الإيمان بعد هذا البيان.
قوله تعالى: ﴿*لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ؛﴾ قال ابن عبّاس: (الله السّلام، وداره الجنّة) (١).كأنه قيل لهم: جنّة الله. وقال الفرّاء: (معناه: لهم دار السّلام الدّائمة من كلّ آفة وبليّة).وقوله تعالى: ﴿(عِنْدَ رَبِّهِمْ)﴾ أي في الآخرة. وقيل:
معناه: مقيمون عند ربهم؛ ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ؛﴾ أي يتولّى أمرهم بنصرهم في الدّنيا وإكرامهم في الآخرة، ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٢٧)؛من الطاعة.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ معناه: يوم نحشر الخلائق كلّهم إلى الجزاء، يقول: يا معشر الجنّ قد استكثرتم من الإنس ممّن أضللتموهم؛ أي أضللتم كثيرا من الإنس وكثير متّبعوكم منهم، ﴿وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ؛﴾ أي قرناء الجنّ؛ ﴿مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾.
أما استمتاع الإنس بالجن فما روى الحسن: (أنّ العرب كانوا إذا سافروا فنزلوا واديا؛ خافوا على أنفسهم فقالوا: نعوذ بسيّد هذا الوادي من سفهاء قومه؛ فيبيتون في جوار منهم، وكانوا يرون ذلك استجارة بالجنّ).
стр. 1055
وأما استمتاع الجنّ بالإنس؛ فكان عظماء الجنّ يقولون: قد سدنا الإنس مع الجنّ؛ حتى أن الإنس يعوذون بنا، فيزدادون بذلك شرفا في قومهم وعظما في أنفسهم.
وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا؛﴾ أي أدركنا وقتنا الذي وقّت لنا. قيل: إنّ المراد به وقت البعث، وقيل: إن المراد وقت الموت. وفي هذا دليل على أنه لا يكون للمقتول أجلان بخلاف ما يقول بعض القوم: إنّ المقتول لو لم يقتل لكان يبقى حيّا لا محالة. لأنه قد كان في هؤلاء مقتولون وقد أخبروا كلّهم أنّهم قد بلغوا أجلهم الذي أجّله الله لهم.
قوله تعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ؛﴾ أي قال الله تعالى: النّار مقرّكم ومنزلكم؛ فإنكم قد أقررتم على أنفسكم باستحقاق العذاب ولزوم الحقّ عليكم، قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها إِلاّ ما شاءَ اللهُ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وكان ما شاء الله بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (٢)).
وقيل: معناه: ﴿(إِلاّ ما شاءَ اللهُ)﴾ ما بين البعث من القبر إلى وقت الفراغ من الحساب؛ فإنه لا يكون لهم عذاب في ذلك الوقت. وقيل: معناه: ﴿(إِلاّ ما شاءَ اللهُ)﴾ أن يعذّبهم من صنوف العذاب. قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ؛﴾ في عقابه؛ ﴿عَلِيمٌ﴾ (١٢٨)؛بقدر ما يستحقّون من العذاب.
قوله : ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٢٩) أي مثل ما قصصنا عليك من تسليط الجنّ على الإنس؛ كذلك نسلّط بعض المجرمين على بعض، ثم ينتقم منهما جميعا في الآخرة بالنّار. وقال بعضهم: معناه: