قوله : ﴿قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ؛﴾ أي قل يا محمّد لكفار مكّة: لمن ملك ما في السّماوات والأرض، فإن أجابوك وقالوا: لله، وإلا فقل لهم ((لله)) (١) إذ هم يعلمون ويقرّون أن الأصنام لا تملك خلق شيء، وإنّما الله يملك ذلك.
وقوله تعالى: ﴿(كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)﴾ أي أوجب على نفسه الرّحمة فضلا وكرما. أو قيل: معناه: أوجب على نفسه الثواب لمن أطاعه؛ وقيل: أوجب على نفسه الرحمة بإمهال من عصاه؛ ليستدرك ذلك بالتوبة ولم يعاجله بالعقوبة، وهذا استعطاف من الله للمتولّين عنه إلى الإقبال، وإخبار بأنه رحيم بعباده لا يعجّل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم الإنابة والتوبة.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لمّا خلق الله تعالى الخلق؛ كتب فوق العرش: إنّ رحمتي سبقت غضبي] (٢).وقال عمر ﵁ لكعب الأحبار: (ما أوّل شيء ابتدأ الله به؟ فقال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه بقلم ولا مداد؛ كتابه الزّبرجد واللّؤلؤ والياقوت: إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا، سبقت رحمتي غضبي) (٣).
وفي الخبر: أنّ لله تعالى مائة رحمة كلّها ملئ السّماوات والأرض، فأهبط الله تعالى منها رحمة واحدة لأهل الدّنيا، فهم بها يتراحمون؛ وبها يتعاطفون؛ وبها يتراحم الإنس والجنّ وطير السّماء وحيتان الماء؛ وما بين الهواء ودواب الأرض وهو امّها، وأخّر تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ؛﴾ بدل من الرحمة وتفسير لها، فكأنّه قال: ليجمعنّ بين المؤمنين والكفار، بين المؤمن والكافر في الرّزق والنّعمة والدّولة إلى يوم القيامة، لا شكّ فيه عند المؤمنين أنه حقّ كائن، ثم تكون العاقبة بدل البعث للمؤمنين.
стр. 982
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ؛﴾ ابتدأ كلامه؛ وجوابه ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٢)؛لأنّ (الّذين) في موضع شرط؛ وتقدير الآية: الذين غبنوا (١) أنفسهم وأهليهم ومنازلهم وخدمهم في الجنّة في سابق علم الله لا يؤمنون؛ أي لا يصدّقون بمحمّد ﷺ والقرآن.
وذهب بعضهم إلى أنّ قوله تعالى: ﴿(لَيَجْمَعَنَّكُمْ)﴾ كلام مبتدأ على وجه القسم، و ﴿(الَّذِينَ)﴾ بدل من الكاف والميم في ﴿(لَيَجْمَعَنَّكُمْ)،﴾ كأنه قال: ليجمعنّ هؤلاء المشركين ﴿(الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ)﴾ إلى هذا اليوم الذي يجحدونه ويكفرونه. ويحتمل أن يكون قوله: ﴿(الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ)﴾ راجعا إلى المكذّبين، كأنه قال: عاقبة المكذبين ﴿(الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ)﴾.
قوله : ﴿*وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١٣) قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ كفّار مكّة أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمّد؛ قد علمنا ما يحملك على ما تدعونا إليه إلاّ الحاجة، فنحن نجعل لك من أموالنا حتّى تكون أغنانا رجلا، وترجع عمّا أنت عليه. فأنزل الله تعالى هذه الآية) (٢).
ومعناه: ولله ملك ما استقرّ ﴿(فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ)﴾ من الخلائق كلّهم، وهذا اللفظ يشتمل على جميع المخلوقات؛ لأنّ من الحيوانات ما يتصرّف بالنهار ويسكن بالليل، ومنها ما يتصرف بالليل ويسكن بالنّهار. وقال محمد بن جرير: (كلّ ما طلعت عليه الشّمس وغربت فهو من ساكن اللّيل والنّهار، والمراد: جميع ما في الأرض؛ لأنّه لا شيء من خلق الله تعالى إلاّ وهو ساكن في اللّيل والنّهار) (٣).
وقال أهل المعاني: في الآية إضمار تقديره: وله ما سكن وتحرّك في الليل والنهار. فإن قيل: فلم قال: ﴿(وَلَهُ ما سَكَنَ)﴾ ولم يقل: وله ما تحرّك؟ قيل: لأنّ
стр. 983
الساكن في الأشياء أعمّ؛ لأنه ما من متحرّك إلا وسكن؛ وفي الأشياء الساكنة ما لا يتحرك البتّة. قوله تعالى: ﴿(وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)﴾ معناه: السميع لمقالة الكفّار، العليم بهم وبعقوبتهم. ويقال: هو السميع للأصوات والأقوال، العليم بالأشياء والأرزاق.
وقوله : ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: أسوى الله أعبد ربّا وأتّخذ ناصرا، وقوله تعالى: ﴿(فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾ أي خالقهما ومبدعهما، قال ابن عبّاس: (ما كنت أدري ما ﴿(فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾ حتّى أتاني أعرابيّان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه:
أنا فطرتها، أي ابتدأتها، يعني ابتدأت حفرها) (١).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ؛﴾ أي يرزق ولا يرزق ولا يعاون على الرّزق. وقرأ الأعمش: «(ولا يطعم)» بفتح الياء؛ أي يرزق ولا يأكل؛ أي لا يجوز عليه الحاجة. قوله تعالى: ﴿(فاطِرِ السَّماواتِ)﴾ انخفض لأنه نعت لا اسم لله تعالى، ويجوز نصبه على معنى: أعني فاطر السّماوات، ويجوز رفعه على إضمار (هو).
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: إنّي أمرت أن أكون أوّل من أخلص لله بالتوحيد والعبادة من أهل هذا الزّمان.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٤)؛لا يجوز أن يكون عطفا على قوله: ﴿(قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ)﴾ لأنه غير مأمور بأن يقول:
﴿(وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)﴾ وإنّما هو نهي معطوف على أمر من حيث المعنى دون اللّفظ؛ لأنّ معنى الآية: قيل لي كذا: أوّل من أسلم ولا تكوننّ من المشركين.
قوله : ﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٥) أي قل يا محمّد: إنّي أعلم أنّي إن عصيت ربي وعبدت غيره، أن ينزل بي عذاب يوم عظيم شأنه وهو يوم القيامة.
стр. 984
قوله تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ؛﴾ أي من يصرف الله عنه العذاب العظيم يوم القيامة فقد رحمه، ﴿وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ (١٦)؛أي النجاة الوافرة الظّاهرة. قرأ أهل الكوفة إلا حفصا: «(من تصرف)» بفتح التّاء وكسر الراء؛ وتفسيره ما ذكرناه. وقرأ الباقون «(يصرف)» على ما لم يسمّ فاعله؛ أي من يصرف عنه العذاب بأمر الله؛ فقد سبقت رحمة الله له بإيجاب الثّواب.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ؛﴾ إن يصبك الله بفقر أو مرض أو بلاء، فلا يقدر أحد من الأصنام وغيرها على كشف ذلك الضّرّ إلا الله، وإنّما أطلق هذا اللفظ وإن كان يتصوّر أن يكشف الإنسان عن صاحبه كربة من الكرب؛ لأن كاشف الضّرّ في الحقيقة هو الله تعالى، إمّا أن يكشفه بفضله أو نسبة له.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ؛﴾ أي بفضل وسعة في الرزق وصحّة في الجسم، فلا مزيل لها إلا هو. إلا أنه لم يقل: فلا مزيل لها إلا هو؛ لأنه لمّا أكّد هذا في الضّرّ دلّ على هذا في الخير فاستغنى عن إعادته. وإنّما قال ﴿(يَمْسَسْكَ)﴾ مع أن كون المسّ المعيّن من صفة الأجسام؛ لأنّ المعنى يمسسك الله تعالى الضّرر. قوله تعالى:
﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٧)؛أي لا يقدر أحد أن يمنعه عن فعل ما أراد فعله من كشف ضرّ أو غيره.
وعن ابن عبّاس ﵄ قال: (أردفني رسول الله ﷺ وراءه وهو راكب على بغلة، فلمّا سار بي مليّا التفت إليّ وقال لي: [يا غلام].قلت: لبّيك يا رسول الله، قال: [احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرّخاء يعرفك في الشّدّة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وقد مضى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقض الله لك؛ ما قدروا على ذلك، ولو جهدوا أن يضرّوك بما لم يكتب الله عليك؛ لما قدروا عليه. واعلم: أنّ النّصر مع الصّبر، وأنّ مع الكرب الفرج،
стр. 985
وأنّ مع العسر يسرا] (١).
قوله : ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ؛﴾ أي هو الغالب على أمر عباده. والقهر: هو الاستعلاء بالاقتدار على الغلبة. وأراد بقوله: (فوق) أنّهم تحت التسخير والتذليل عمّا علاهم من الاقتدار عليهم، لا ينهاك أحد منهم. قوله:
﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (١٨)؛أي المحكم لصنعه؛ الخبير بأعمال الخلق.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ رؤساء مكّة أتوا رسول الله ﷺ ؛ فقالوا: يا محمّد؛ أما وجد الله رسولا يرسله غيرك؟! ما نرى أحدا يصدّقك بما تقول؛ ولقد سألنا عنك اليهود والنّصارى؛ فزعموا أنّه ليس لك عندهم ذكر ولا صفة ولا نعت، فأرنا من شهد أنّك رسول الله كما تزعم. فأنزل الله هذه الآية) (٢).
ومعناها: قل لهم يا محمّد: أيّ أحد أعظم وأعدل برهانا وحجّة؟ فإن أجابوك وقالوا: الله، وإلاّ فقل: الله أكبر شهادة من خلقه، وهو شهيد بيني وبينكم، بأنّي رسول الله، وأنّ هذا القرآن كلامه. والشاهد هو المبيّن للدعوى، وقد بيّن الله تعالى دعوى رسوله بالبراهين والمعجزات والآيات الدالّة على توحيد الله ونبوّة محمّد ﷺ .
قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ؛﴾ معناه: أنزل إليّ هذا القرآن لأخوّفكم به بما فيه من الدلائل؛ وأخبار الأمم السّالفة؛ والإنباء بما يكون؛ والتأليف الذي عجز عنه العرب. قوله تعالى: ﴿(وَمَنْ بَلَغَ)﴾ أي وأنذر من بلغه القرآن سواكم من العجم، وغيرهم من الجنّ والإنس إلى أن تقوم الساعة؛ لأنه ليس من بعد القرآن كتاب، ولا من بعد محمّد رسول.
стр. 986
قوله تعالى: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ؛﴾ استفهام بمعنى الإنكار؛ أي إن كنتم تشهدون بإثبات شريك لله؛ فأنا لا أشهد بما تشهدون به. وإنّما قال: ﴿(أُخْرى)﴾ ولم يقل أخر (١)؛لأن الجمع تذكّر بلفظ وحدان التأنيث (٢)،كما قال تعالى: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ﴾ (٣) ومثله كثير.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ؛﴾ لا شريك له ولا ولد، ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ (١٩)؛به من الأصنام والأوثان.
قوله : ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ؛﴾ أي الذين أعطيناهم التوراة والإنجيل يعرفون محمّدا ﷺ بما يجدونه مكتوبا عندهم من صفته ونعته، كما يعرفون أبناءهم إذا رأوهم بين الغلمان. كما روي في الخبر: (أنّ عمر رضى الله عنه قال لعبد الله بن سلام: يا أبا حمزة؛ أتعرف محمّدا ﷺ كما تعرف ابنك؟ قال: يا عمر؛ إنّ معرفتي به أشدّ من معرفتي بابني؛ لأنّ أمين السّماء-يعني جبريل قد جاء بنعته إلى أمين الأرض وهو موسى ﵇. فقال عمر: وكيف ذلك؟ قال:
أشهد أنّه رسول الله حقّ من الله تعالى، وقد نعته الله تعالى في كتابنا فعرفته، وأمّا ابني فلا أدري ما أحدث النّساء بعدي. فقال عمر رضى الله عنه: وفّقك الله يا ابن سلام) (٤).
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٠)؛ابتداء كلام معناه: والّذين غبنوا أنفسهم بذهاب الدّنيا والآخرة عنهم، وهم المعاندون الذين يعرفون ويجحدون من رؤساء اليهود والنصارى، فهم لا يقرّون بمحمّد ﷺ والقرآن.
стр. 987
قوله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ؛﴾ معناه: أيّ أحد أظلم في فاحشة أتاها ممّن اختلق على الله كذبا بإضافته إلى الله ما لم يضفه إلى نفسه من صفة أو أمر وقول، وهم الذين إذا فعلوا فاحشة قالوا: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها؛ قل: إنّ الله لا يأمر بالفحشاء. قوله تعالى: ﴿(أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ)﴾ أي بدلائله؛ ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ (٢١)؛أي لا يؤمن من عذاب الله ولا يصل إلى مراده؛ وبغيته القوم الكافرون.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً؛﴾ أي واذكروا يوم نبعث الكفّار وآلهتهم جميعا للحساب والجزاء. وقال بعضهم: الواو عاطفة على قوله: ﴿(لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ)﴾ كأنّه قال: لا يفلحون في الدّنيا ويوم نحشرهم. والحشر: جمع النّاس إلى موضع معلوم.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا؛﴾ معناه: ثمّ نقول للّذين أشركوا بالله غيره: ﴿أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ؛﴾ آلهتكم؛ ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ؛﴾ التي كنتم تعبدون من دون الله؛ و؛ ﴿تَزْعُمُونَ﴾ (٢٢)،أنّهم شركاء الله وشفعاؤكم.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ (٢٣)؛ أي ثمّ لم تكن معذرتهم يوم القيامة إلا مقالتهم: ﴿(وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ)﴾ في دار الدّنيا. وإنّما سميت المعذرة فتنة؛ لأنّها عين الفتنة.
ومن قرأ «(فتنتهم)» بالنصب فعلى خبر ﴿(لَمْ تَكُنْ)﴾ واسمها ﴿(أَنْ قالُوا)﴾.ومن قرأ «(ربّنا)» بالنصب فمعناه النداء. وقراءة حفص على البدل، ويجوز الرفع على إضمار (هو).وقيل: المراد بالفتنة محبّتهم للأوثان التي كانوا مفتتنين بها في الدّنيا، فأعلم الله تعالى أنه لم يكن افتتانهم بشركهم وإقامتهم عليه، إلا أن تبرّءوا منه وانتهوا عنه، فحلفوا أنّهم ما كانوا مشركين.
قوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ؛﴾ أي انظر يا محمّد كيف صار وبال الكذب عليهم؟ ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ؛﴾ أي عزب عنهم افتراؤهم بما لحقهم من الدّهول والدّهش، قال الضحّاك: (وذلك حين نطقت الجوارح، وشهدت عليهم
стр. 988
أيديهم وأرجلهم بعد حلفهم ﴿(وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ)﴾ يقول الله تعالى: ﴿(انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ)﴾ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢٤).
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ أبا سفيان والوليد بن المغيرة وعتبة وشيبة والنّضر بن الحارث وأبيّ بن خلف وجماعة من أهل مكّة؛ كانوا يسمعون إلى حديث النّبيّ ﷺ ، قالوا للنّضر: ما يقول محمّد؟ قال: لا أدري ما يقول؟ إلاّ أنّي أراه محرّكا شفتيه ويتكلّم بشيء ولا يقول إلاّ أساطير الأوّلين مثل ما كنت أحدّثكم عن القرون الماضية. وكان النّضر كثير الحديث عن القرون الأوّلين وأخبارهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية) (١).
ومعناها: ومن أهل مكة من يستمع إلى حديثك وقراءتك، وجعلنا على قلوبهم أغطية كراهة أن يفقهوه؛ وفي آذانهم ثقلا وصمما، فلا يسمعون الهدى. وموضع ﴿(أَنْ يَفْقَهُوهُ)﴾ نصب على أنه مفعول له؛ أي جعلنا على قلوبهم أكنّة لكراهة أن يفقهوه.
والوقر بفتح الواو: الثّقل في الأذن، والوقر بكسر الواو: ما يحمل على الظّهر.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها؛﴾ أي وإن يروا كلّ حجّة ودلالة لا يقرّوا ولا يصدّقوا بها.
قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ؛﴾ أي يخاصمونك بالباطل؛ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢٥)؛أي يقول النّضر بن الحارث وأصحابه: ما هذا إلا أحاديث الأوّلين وأباطيلهم.
قوله : ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ؛﴾ قال مقاتل: (نزلت في أبي طالب، كان رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام، فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون سوءا بالنّبيّ ﷺ ، فقال أبو طالب:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتّى أوسّد في التّراب دفينا
стр. 989
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وأبشر بذاك وقرّ منك عيونا
ودعوتني وزعمت أنّك ناصحي ... فلقد صدقت وكنت ثمّ أمينا
وعرضت دينا لا محالة أنّه ... من خير أديان البريّة دينا
لولا الملامة أو حذار مسبّة ... لوجدتني سمحا بذاك يقينا (١)
فأنزل الله تعالى: ﴿(وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ)﴾ وينهون الناس عن أذى رسول الله ﷺ ﴿(وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ)﴾ أي يتباعدون عمّا جاء به من الهدى، فلا يصدّقونه.
وقال السّدّيّ والضحّاك: (نزلت الآية في جميع كفّار مكّة) يعني وهم ينهون الناس عن اتّباع محمّد ﷺ والإيمان؛ ويبعدون أنفسهم عنه. ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ؛﴾ بذلك؛ ﴿إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (٢٦)؛وما يعلمون أنّهم يهلكون أنفسهم.
قوله : ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا؛﴾ أي ولو ترى يا محمّد كفار قريش إذ حبسوا على النّار؛ إذ عاينوها ودخلوها وعرفوا عذابها؛ فقالوا يا ليتنا نردّ ولا نكذّب بآيات ربنا؛ تمنّوا الرجعة إلى الدّنيا.
وقرأ ابن السميقع: «(وقفوا)» فبفتح الواو والقاف من الوقوف. والقراءة الأولى من الوقف، وجواب (لا) محذوف وتقديره: ولو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجبا، وقيل: لعلمت ماذا ينزل بهم من الخزي والندامة، ورأيت حسرة يا لها من حسرة.
قوله تعالى: ﴿(وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا)﴾ ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢٧)؛قرأ حمزة ويعقوب وحفص: «(ولا نكذّب)» «(ونكون)» بالنصب على جواب التّمنّي، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصبه بالفاء، كما قالوا: يا ليتك تصير إلينا ونكرمك، أو فنكرمك فكلاهما بالنصب.
وقرأ ابن عامر «(ولا نكذّب)» بالرفع «(ونكون)» بالنصب؛ لأنّهم تمنّوا الردّ وأن يكونوا مؤمنين وأخبروا أنّهم لا يكذبون بآيات ربهم وإن ردّوا إلى الدنيا. ومعناه: يا
стр. 990
ليتنا نردّ، ويا ليتنا لا نكذب، كأنّهم تمنّوا الردّ والتوفيق بالتصديق. ويجوز أن يكون ذلك رفعا على معنى: ونحن لا نكذّب بآيات ربنا، رددنا أو لم نردّ.
قوله : ﴿بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ؛﴾ أي بل ظهر للذين يتّبعون الغواة ما كان الغواة يخفون عنه من أمر البعث والنّشور، وما كان رؤساؤهم يخفون من سفلتهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ؛﴾ أي لو ردّوا إلى الدنيا كما سألوا لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والشّرك. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (٢٨)؛يعني وإنّهم لكاذبون في قولهم: ﴿(وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)﴾ لأنّهم لا يؤمنون لسابق علم الله تعالى فيهم أنّهم خلقوا للنار.
قوله تعالى: ﴿وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا؛﴾ أي قال كفّار مكّة: ما حياتنا إلا كحياة الدّنيا، ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٢٩)؛بعد الموت.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ؛﴾ أي لو ترى يا محمّد إذ حبسوا عند ربهم للسؤال والحساب. ويقال: عرفوا ما وعدهم ربّهم من البعث والقيامة والجنّة والنار. ﴿قالَ؛﴾ يقول الله تعالى لهم: ﴿أَلَيْسَ هذا؛﴾ البعث والعذاب، ﴿بِالْحَقِّ؛﴾ أي بالصّدق، ﴿قالُوا بَلى وَرَبِّنا؛﴾ إنه لحقّ؛ أي لصدق، ﴿قالَ؛﴾ يقول الله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٣٠) في الدّنيا.
وإنّما ذكر الذوق بمعنى الخلود؛ ليبيّن أن حالهم في كلّ وقت كحال من يعذب بالعذاب المبتدأ. ومعنى ﴿(وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ)﴾ أي على حكم ربهم وقضائه، فتقول لهم الملائكة بأمر الله تعالى: أليس هذا العذاب بالحقّ، قالوا بلى وربنا إنه حقّ.
قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ؛﴾ أي قد غبن الذين كذبوا بالبعث بعد الموت، ﴿حَتّى إِذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً؛﴾ أي فجأة ندموا في وقت لا ينفعهم الندامة. وسميّت القيامة ساعة؛ لتوهّم قيامها في كلّ ساعة.
стр. 991
وقوله تعالى: ﴿قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها؛﴾ أي على ما قصّرنا وضيّعنا في الدّنيا من عمل الآخرة، ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ؛﴾ معناه:
والكفّار يحملون أثقال آثامهم فوق ظهورهم بذنوبهم، والذنب من أثقل ما يحمل.
وقيل: معناه ﴿(عَلى ما فَرَّطْنا فِيها)﴾ أي في الصفقة.
وقوله تعالى: ﴿(وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ)﴾ قال السّدّيّ: (ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره إلاّ أتاه رجل قبيح الوجه؛ أسود اللّون؛ منتنّ الرّائحة؛ عليه ثياب دنسة، فإذا رآه الظّالم قال له: ما أقبحك! فيقول: أنا عملك في الدّنيا، فيكون معه في قبره، فإذا بعث يوم القيامة قال له: طالما كنت أحملك على اللّذة والشّهوات، فأنت اليوم تحملني. فيركبه وفي يده مقمعة فيضرب بها رأسه؛ فيفضحه على رءوس الخلائق حتّى يدخله النّار، فذلك قوله: ﴿(يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ)﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ (٣١)؛أي بئس الشيء الذي يحملون من الآثام. ويقال: بئس الشيء شيئا يزرونه؛ أي يحملونه.
قوله : ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ؛﴾ معناه: ما زينة الدّنيا وزهرتها إلا استمتاع؛ يعني من قريب، ثمّ يعقبه حسرة وندامة. وسمّي ذلك لعبا تشبّها بلعب الصّبيان، يبنون بناء ثم يهدمونه، يلعبون بشيء فيلهون به، كذلك أهل الدّنيا يجمعون ما لا يأكلون؛ ويبنون ما لا يسكنون؛ ويأملون ما لا يدركون.
وهذا مثل ضربه الله تعالى لكفّار مكّة، يفعلون ما لا يرجون به الثواب، ولا يخشون منه العقاب، ولا يتفكّرون في العاقبة كالصبيان والبهائم. واللّعب شغل النّفس عمّا لا حقيقة له ولا قصد. واللهو: طلب المزح بمثل ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ؛﴾ يعني الجنّة أفضل للذين يتّقون الشرك والكبائر والفواحش، ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٣٢)؛أن الآخرة الباقية خير من الدنيا الفانية. قرأ ابن عامر: «(ولدار الآخرة)» بلام واحدة على الإضافة.
стр. 992
قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ؛﴾ معناه: قد نعلم إنّه ليحزنك ما يقول كفار مكّة من تكذيبهم إيّاك في العلانية وجحودهم بالله، ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ؛﴾ في السرّ ولا بقلوبهم؛ أي هم يعلمون أنك صادق وكنت تسمّى فيهم (الأمين) قبل الرسالة، فلا يحزنك تكذيبهم إيّاك فيما يعلمون صدقك فيه، ﴿وَلكِنَّ الظّالِمِينَ؛﴾ المشركين، ﴿بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٣٣)؛بألسنتهم ما تشهد به قلوبهم بكذبهم فيه.
وقال السّدّيّ: (التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل؛ فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم؛ أخبرني عن محمّد؛ أصادق هو أم كاذب؛ فإنّه ليس هاهنا أحد يسمع كلامنا؟ فقال أبو جهل: والله إنّ محمّدا لصادق؛ وما كذب محمّد قطّ، ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللّواء والسّقاية والحجابة والنّبوّة؛ فماذا يكون لسائر قريش. فأنزل الله تعالى هذه الآية) (١).وقال: (معنى: ﴿(لا يُكَذِّبُونَكَ)﴾ لا يقدرون أن يقولوا لك فيما أنبأت به ممّا في كتب الأنبياء قبلك: كذبت!.
وقرأ نافع والكسائيّ: «(يكذبونك)» بالتخفيف. ومعناه: لا يجدونك كاذبا، يقال:
كذبت فلانا بالتشديد إذا قلت له: كذبت، وأكذبت فلانا؛ إذا رأيت ما أتى به كذبا.
وقرأ نافع «(ليحزنك)» بضمّ الياء، والمعنى واحد.
قوله : ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا؛﴾ تسلية للنبيّ ﷺ ليصبر على أذى الكفار، ومعناه: أنّ الرسل قبلك كذبهم قومهم كما كذبك هؤلاء، وآذوهم كما آذوك؛ فصبر الرّسل على تكذيبهم وإيذائهم ﴿(حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا)﴾ أي أتاهم نصرنا بإهلاك قومهم، فاصبر أنت أيضا على تكذيب قومك إيّاك وإيذائهم لك حتى يأتيك نصرنا.
قوله تعالى: ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ؛﴾ أي لا مغيّر لما وعدك الله من النصر والظّفر بقوله: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ (٢)، ﴿وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣٤) أي من خبر المرسلين قبلك ما يكون لك فيه سلوة، فاعتبر بأخبارهم.
стр. 993
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ؛﴾ أي إن كان عظم وثقل عليك يا محمّد إعراضهم عن القبول منك وقولهم: لولا أنزل عليه ملك، وسؤالهم كلّ معجزة شاءوا، ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ؛﴾ فإن استطعت أن تطلب مسلكا نافذا في الأرض؛ كنفق اليربوع، فتدخله هاربا متواريا؛ أو تطلب شيئا يسلمك إلى السّماء فتأتيهم بالآية التي سألوكها، فافعل، وليس في القرآن فافعل؛ لأنه قد يحذف ما يكون في الكلام دليلا عليه مثل قول الرجل: إن رأيت أن تمضي معي إلى فلان، ولا يذكر فافعل.
وقد بيّن الله تعالى في هذه الآية: إنّ ما تأتي من الآيات بما أحبّ، وإنّ رسول الله ﷺ بشر لا يقدر على الإتيان إلا بما شاء الله، وكان قد علم أنه لو أنزل عليهم الملك وكلّ آية سألوها لم يؤمنوا، فلم ينزل إلا ما تثبت به الحجّة عليهم، فتؤجر بالصبر والثّبات على الإيمان بالآية.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى؛﴾ أي لو شاء الله لاضطرّهم إلى الإيمان كما قال: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ (١).وقيل: معناه: ولو شاء الله لأطبقهم على الهدى. وقيل: لوفّقهم.
وقوله تعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٣٥)؛أي لا تكوننّ من الجاهلين بترك الصّبر وإظهار الجزع؛ واستشعار الغمّ لإعراضهم عنك، فإن هذا من فعال الجاهلين. ويقال: معناه: لا تكوننّ من الجاهلين بمقدوري عليهم.
قوله : ﴿*إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ؛﴾ معناه: إنّما يجيب الذين يقبلون الحقّ، وأمّا الذي لا يقبل الحقّ فكأنه أصمّ أو ميّت، قوله تعالى:
﴿وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ؛﴾ أراد به كفار مكة؛ سمّاهم موتى لأنّهم لم يتدبّروا ولم يتأمّلوا، ولم ينتفعوا بحياتهم، فكانوا بمنزلة الموتى وإن كانوا في صورة أحياء، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (٣٦)؛في الآخرة فيجازيهم بأعمالهم.
стр. 994
قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ؛﴾ أي قال كفّار قريش:
لولا نزّل على محمّد علامة لنبوّته من ربه؛ يعنون الآيات التي كانوا يقترحونها، ﴿قُلْ؛﴾ يا محمّد؛ ﴿إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً؛﴾ على ما تقترحونها أنتم، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٧)؛ما عليهم من المضرّة في إنزال هذه الآية، إذ الحكمة تقتضي التعذيب بعذاب الاستئصال لمن كفر بعد إنزال الآية المقترحة.
قوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ؛﴾ أي ما من دابّة تدبّ وتتحرّك على وجه الأرض، ولا طائر يطير بجناحيه في الهواء، إلا أمم أمثالكم، في الفقر والفاقة والحاجة إلى مدبر يدبرهم في أغذيتهم وأكنّتهم وهدايتهم إلى مراشدهم ومصالحهم.
وقيل: معناه: إلا أمم أمثالكم في الخلق والرزق والموت والبعث؛ لأنه قال:
﴿(وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ)﴾ فيكون معناه: ﴿(وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ)﴾ في أنّ الله يميتها ويبعثها للجزاء. وقيل: معناه: ﴿(إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ)﴾ يفقه بعضه عن بعض، كما يفقه بعضكم عن بعض.
وذكر الجناحين في الآية على جهة التّأكيد؛ لأنه يقال: طار فلان في الأمر؛ أي أسرع، وفلان طير من الطّيور؛ لسرعته في الأمور. وقيل: ذكر الجناحين في الآية لبيان أنّ المراد به الطير.
قوله تعالى: ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ؛﴾ معناه: ما تركنا في اللّوح المحفوظ شيئا إلا كتبناه فيه. ويقال: ما تركنا بيان شيء في القرآن فيما يحتاجون إليه من أحكام الدّين والدّنيا، بل قد بيّنّا في الكتاب كلّ شيء إما مفصّلا أو مجملا، أما المفصّل كقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ (١) وأما المجمل كقوله: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢).
стр. 995
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (٣٨)؛معناه: أنّ الطيور والدوابّ يجمعون مع سائر الخلق يوم القيامة للحساب والجزاء، كما روي في الخبر عن رسول الله ﷺ أنّه قال: [إنّ الله تعالى يحشر الخلق كلّهم يوم القيامة؛ والبهائم والدّوابّ والطّير وكلّ شيء؛ فيبلغ من عدل الله تعالى يومئذ أن يأخذ للجمّاء من القرناء، فإذا ميّز بين أهل الجنّة والنّار؛ قال للبهائم والوحوش والطّيور: كونوا ترابا تستوي بكم الأرض، فتكون ترابا، فعند ذلك يتمنّى الكافر فيقول: يا ليتني كنت ترابا] (١).
والمراد بهذا الإفناء للبهائم بعد أن أحياها أنه إفناء لا يكون فيه ألم.
قوله : ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ؛﴾ معناه:
الذين جحدوا بمحمّد ﷺ والقرآن صمّ عن الخير لا يسمعون الهدى، خرس لا يتكلمون بخير؛ أي يكون حالهم كحال الأصمّ الأبكم. وحذف التشبيه من قوله:
﴿(صُمٌّ وَبُكْمٌ)﴾ على جهة المبالغة في الوصف، كما يقال في وصف القوم بالبلادة: هؤلاء حمر.
قوله: ﴿(فِي الظُّلُماتِ)﴾ أي في ضلالات الكفر في ظلمة السّمع والبصر والقلب، ﴿مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ؛﴾ أي من شاء الله يتركه في ضلالة الكفر، فلا يخرجه منه، ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣٩)؛ومن يشأ يرشده ويوفّقه للإسلام فيثبّته على ذلك حتّى يموت عليه، ويقال: معناه: من يشأ الله يضلله في الآخرة عن طريق الجنّة إلى طريق النّار، ومن يشأ يجعله على طريق الجنّة.
قوله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّاعَةُ؛﴾ أي قل يا محمّد لأهل مكّة: أرأيتم، والكاف زائدة في بيان الخطاب للتأكيد كما في (ذلك) و (أولئك).والمعنى: قل أرأيتم إن أتاكم عذاب الله، كما أتى الأمم الماضين قبلكم المكذبين لرسلهم، أو أتتكم القيامة بأهوالها وشدائدها. ويقال: أراد ب ﴿(السّاعَةُ)﴾ الوقت الذي يصعق فيه العباد، فيموتون كلّهم.
стр. 996
قوله تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ؛﴾ أي أغير الله تدعون في كشف ذلك العذاب ودفع تلك الأهوال عنكم، أم تدعون الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٠)؛أي في مقالتكم أنّ الأصنام شركاء لله؛ فهلاّ تدعون الأصنام عند الشدائد. وهو احتجاج من الله عليهم بما لا يدعونه؛ لأنّهم كانوا إذا مسّهم الضرّ دعوا الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ؛﴾ أي بل تدعون الله في كشف العذاب والأهوال، و (بل) للاستدراك بعد النّفي، ﴿(فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ)﴾ أي يكشف عنكم الضّرّ الذي من أجله دعوتموه فكشفه. وقوله تعالى:
﴿(إِنْ شاءَ)﴾ إنّما قرن بالمشيئة؛ لأنّ كشف العذاب فضل من الله تعالى، وفضل الله يعطيه من يشاء.
وقوله تعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ (٤١)؛أي وتتركون دعوة آلهتكم عند الشّدة إذا أشرفتم على الهلاك؛ واضطربت بكم الأمواج في لجج البحار؛ وفي غير ذلك من السّجن والأوجاع التي لا صبر عليها، وقد يذكر النّسيان بمعنى التّرك كما في قوله: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (١) أي تركوا ذكر الله، فتركهم الله في العذاب.
قوله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ﴾ أي ولقد أرسلنا رسلا إلى أمم من قبلك، كما أرسلناك إلى قومك فلم يؤمنوا، فأخذناهم بالبأساء والضّرّاء. والضّرّاء. هي الشّدّة النّازلة؛ والبأساء مأخوذة من البأس، وقيل: من البؤس؛ وهو الفقر. والضرّاء هي الأمراض والأوجاع؛ وهي مأخوذة من الضّرر. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٤٢)؛أي لكي تخشع القلوب، وتتضرّع النفوس عند الشّدة؛ فيرجعون إلى الله فيؤمنون به؛ فيكشف عنهم؛ فلم يفعلوا.
قوله : ﴿فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا؛﴾ أي فهلاّ حين جاء هم بأسنا؛ أي عذابنا؛ دعوا الله وآمنوا به، ﴿وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ؛﴾ أي
стр. 997
يبست وجفّت قلوبهم؛ فأقاموا على كفرهم؛ إذ لم يكن في قلوبهم رقة، ولا خوف من الله تعالى، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ؛﴾ أي حسّن لهم، ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤٣)؛في كفرهم؛ بأن أغواهم ودعاهم إلى اللّذة والراحة دون التّفكّر والتدبّر ببيان الحقّ من الباطل.
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ؛﴾ أي فلمّا تركوا ما وعظوا به وأمروا به ﴿(فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ)﴾ ممّا كان مغلقا عليهم من الخير والرّزق والخصب والمطر. وأخصبت بلادهم وكثر خيرهم، ﴿حَتّى إِذا فَرِحُوا؛﴾ أعجبوا؛ ﴿بِما أُوتُوا؛﴾ أي بما أعطوا من النّعم والسّعة والصّحّة؛ ﴿أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً؛﴾ أي فجأة بالعذاب بعد أن ابتليناهم في النعمة والشدّة؛ فلم يزدادوا إلا كفرا، ﴿فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (٤٤)؛أي فإذا هم عند نزول العذاب بهم آيسون من كلّ خير؛ متحسّرون غاية الحسرة. والمبلس:
البائس الحزين الشّديد الحسرة، ويقال: هو المنقطع عن الحجّة.
فإن قيل: لم أنعم الله عليهم حين نسوا ما ذكّروا به؛ وهذا موضع العقوبة دون الإنعام؟ قيل فيه قولان: أحدهما: أنه أنعم عليهم بالدعاء لهم إلى الطاعة، فإن الدعاء إلى الطاعة تارة يكون بالعنف والتشديد، وتارة باللّين والإنعام.
والثاني: أنه إنّما فعل ذلك بهم؛ لأنّ من ينقل من النعمة والراحة إلى العذاب يجمع عليه العذاب والحسرة على ما فاته؛ فيكون ذلك أشدّ عليه ممن ينقل من الشدّة إلى العذاب.
قوله : ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا؛﴾ أي استؤصل بالهلاك آخر من بقي من القوم الكافرين. ودابر القوم: آخرهم من نسلهم وغيرهم، بحيث لا يبقى لهم بعد ذلك باقية، ﴿وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٤٥)؛يجوز أن يكون حمدا من الله تعالى لنفسه على إهلاكه القوم الكافرين والمعاندين بعد أن أعذرهم وأنذرهم. ويجوز أن يكون قوله: ﴿(وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)﴾ تعليما من الله ((للنّاس)) يحمدونه على إهلاك الظالمين.
стр. 998
وقد قطع الله دابر المعاندين من أهل مكّة يوم بدر كما قطع دابر المكذبين قبلهم. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [إذا رأيت الله تعالى يعطي عبدا في الدّنيا على معصيته ما يحبّ؛ فإنّ ذلك منه استدراج، ثمّ قرأ ﷺ : ﴿(فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ)﴾ الآية] (١).
قوله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ؛﴾ أي قل يا محمّد لكفّار مكة: إن سلب الله سمعكم وأبصاركم التي هي أشرف ما قبلكم من الأعضاء، وختم على قلوبكم؛ فإن سلب عقولكم حتى لا تفهموا بها فعاقبكم بذلك على تكذيبكم الرسل؛ هل من إله غير الله يردّ عليكم ما سلبه الله تعالى؟ وهل يقدر على ذلك غيره؟ ﴿اُنْظُرْ؛﴾ يا محمّد؛ ﴿كَيْفَ نُصَرِّفُ؛﴾ نبيّن لهم؛ ﴿الْآياتِ؛﴾ في القرآن؛ ونخوّفهم بها؛ ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ (٤٦)؛أي يعرضون عما وضح لهم مكذّبين به، لا تتحرك أفئدتهم. والتصريف توجيه المعنى في الجهات تظهره أتمّ الإظهار.
قوله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً؛﴾ أي أرأيتم إن أتاكم وهذا حالكم في الإصرار على الكفر عذاب الله فجأة وعلانية؛ نهارا جهارا، ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ (٤٧)؛إلا أنتم وما أشبهكم؛ لأنكم كفرتم معاندين، فقد علمتم أنكم ظالمون. وإنّما قابل البغتة بالجهرة وإن كان ضدّ الجهرة الخفية؛ لأن ما يأتي فجأة فإنّما يأتي خفية.
قوله تعالى: ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ؛﴾ أي ليس على الرسل أن يأتوا الناس بما يقترحون عليهم من الآيات، إنّما نرسلهم بالتبشير بالجنّة للمطيعين؛ والتحذير بالنار للكافرين، ﴿فَمَنْ آمَنَ؛﴾ بالرسل والكتب؛ ﴿وَأَصْلَحَ؛﴾ العمل فيما بينه وبين ربه؛ فأقام على إيمانه وتوبته؛ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ؛﴾ حين يخاف أهل النار، ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤٨)؛إذا حزنوا.
стр. 999
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٤٩) أي يصيبهم العذاب بفسقهم وجحودهم بمحمّد ﷺ والقرآن.
وقوله : ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ؛﴾ نزلت هذه الآية جوابا عن قول الكفار للنبيّ ﷺ : يا محمّد؛ لولا أنزل عليك كنز فتستغني به؛ فإنك فقير محتاج! وعن قولهم: لولا أنزل عليه ملك، وقولهم: لولا أنزل عليه آية.
ومعناها: قل لهم يا محمّد: ﴿(لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ)﴾ أي لا أدّعي أن مفاتيح الرزق بيدي؛ فأقبض وأبسط، وليس خزائن الله مثل خزائن العباد، إنّما خزائن الله مقدوراته التي لا توجد إلا بتكوينه إيّاها، ﴿(وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ)﴾ أي لا أدّعي علم الغيب فيما مضى وما سيكون، ﴿(وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ)﴾ من السّماء شاهدت ما لم تشاهد البشر، ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ؛﴾ أي لا أعلم ولا أقول إلا بما نزّله الله على لسان بعض الملائكة، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ؛﴾ أي الكافر والمؤمن، ويقال: الجاهل والعالم، ﴿أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥٠)؛في آيات الله ومواعظه.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ؛﴾ أي أنذر بالقرآن وخوّف به ﴿(الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ)﴾ وخوّف به الذين يعلمون أنّ حشرهم إلى ربهم؛ أي إلى موضع لا يملك فيه أحد نفعهم ولا ضرّهم إلا الله تعالى. قالوا: والذين يخافون البعث أحد رجلين؛ إما مسلم فينذر ليؤدّي حقّ الله في إسلامه، وإما رجل من أهل الكتاب فهو مقرون بأن الله تعالى خلقهم وأنّهم مبعوثون محاسبون. ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٥١).
قوله : ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ؛﴾ قال عبد الله بن مسعود: (مرّ جماعة من المشركين برسول الله ﷺ وعنده صهيب وخبّاب بن الأرتّ وبلال وعمّار بن ياسر وغيرهم من ضعفاء المسلمين؛ فأرادوا الحيلة على رسول الله ﷺ ليطردوا أصحابه، فقالوا: يا محمّد، لو طردت هؤلاء السّفلة والعبيد عنك أتاك أشراف قومك ورؤساؤهم يستمعون مقالتك
стр. 1000
ويصدّقونك، وذكروا ذلك أيضا لعمر ﵁، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ حرصا على إسلام أشراف قومه، فهمّ رسول الله ﷺ أن يفعل بعض الّذي طلبوه، فأنزل الله هذه الآية) (١).يعلّمه أنه لا يجب أن يفضّل غنيا ولا شريفا على فقير وضعيف؛ لأن طريقه فيما أرسل به الدّين دون أحوال الدّنيا.
فذلك قوله تعالى: ﴿(وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ)﴾ أي يعبدون ربّهم بالصلاة المفروضة غدوّا وعشيّا وهم ضعفة الصحابة وصفهم الله بالمواظبة على عبادته في طرفي النّهار؛ ثم شهد لهم أنّهم مخلصون في الإيمان بقوله: ﴿(يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)﴾ أي يريدون وجه الله تعالى بذلك؛ ويطلبون رضاه. وذكر الوجه على سبيل التفخيم كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ (٢).معناه: إلاّ هو.
قوله تعالى: ﴿ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ؛﴾ أي ما عليك من حساب عملهم وباطن أمرهم من شيء، ﴿وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ؛﴾ أي ما عليهم من باطن أمرك شيء ولا يسألون عن عملك ولا تسأل أنت عن عملهم.
وقيل: معناه: ما عليك من رزقهم من شيء، وما من رزقك عليهم من شيء.
قوله تعالى: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ؛﴾ جواب ﴿(ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ)﴾. وقوله تعالى:
﴿فَتَكُونَ؛﴾ جواب ﴿(وَلا تَطْرُدِ)﴾. ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٥٢)،ومعناه:
فتكون من الضارّين لنفسك أن لو طردتهم.
وتقدير الآية: ولا تطرد الّذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ، فتكون من الظّالمين، ما عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء، فتطردهم. وقال سلمان وخبّاب: (فينا نزلت هذه الآية، فجاء الأقرع بن حابس التّميميّ وعيينة بن حصين الفزاريّ وأصحابهم من المؤلّفة، فوجدوا النّبيّ ﷺ قاعدا
стр. 1001
مع بلال وصهيب وعمّار وخبّاب في ناس من ضعفاء المسلمين، فلمّا رأوهم حوله حقّروهم؛ وقالوا: يا محمّد؛ لو جلست في صدر المسجد، ونفيت عنّا هؤلاء ورائحة جبابهم لجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك، وكان عليهم جباب من صوف لم يكن عليهم غيرها.
فقال ﷺ : [ما أنا بطارد المسلمين] فقالوا: إنّا نحبّ أن تجعل لنا مجلسا تعرف العرب به فضلنا، فإنّ وفود العرب تأتيك؛ فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنّا، فإذا نحن قمنا فأقعدهم معك إن شئت.
فأجابهم إلى ذلك، فقالوا: أكتب لنا عليك بذلك كتابا. فدعا بصحيفة ودعا عليّا ﵁ ليكتب.
قال: فبينما نحن قعود في ناحية المسجد؛ إذ نزل جبريل ﵇ بهذه الآية:
﴿(وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)﴾ الآية. فألقى رسول الله ﷺ الصّحيفة من يده، ثمّ دعانا فأتيناه وهو يقول: [سلام عليكم كتب ربّكم على نفسه الرّحمة] فكنّا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم ويتركنا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ (١).
قال: فكان رسول الله ﷺ يقعد فندنو منه حتّى تكاد ركبنا أن تمسّ ركبته، فإذا بلغ السّاعة الّتي يقوم فيها قمنا وتركناه حتّى يقوم، وقال: [الحمد لله الّذي لم يمتني حتّى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمّتي، معكم المحيا ومعكم الممات] (٢).
وقال مجاهد: (قالت قريش: لولا بلال وابن أمّ عبد لتابعنا محمّدا. فأنزل الله هذه الآية) (٣).وقال عكرمة: (جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عديّ ونوفل ابن الحارث وعمر بن نوفل إلى أبي طالب؛ قالوا له: لو أنّ ابن أخيك محمّدا
стр. 1002
يطرد عنه موالينا؛ فإنّما هم عبيدنا وعتقاؤنا، كان أعظم في صدورنا وأطوع لله عندنا، وأدنى لاتّباعنا إيّاه وتصديقنا. فأتى أبو طالب إلى النّبيّ ﷺ ؛ فحدّثه بالّذي كلّموه.
فقال عمر بن الخطّاب ﵁: لو فعلت ذلك يا رسول الله؛ حتّى تنظر ما الّذي يريدون؛ وإلى ما يضمرون من قولهم. فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿(وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ)﴾ (١).قال ابن عبّاس: (يعبدون ربّهم بالصّلاة المكتوبة ﴿(بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ)﴾ يعني صلاة الصّبح وصلاة العصر) (٢).
قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا؛﴾ قال ابن عبّاس: معناه: (وكذلك ابتلينا ﴿(بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ):﴾
العربيّ بالموالي؛ والغنيّ بالفقير؛ والشّريف بالوضيع؛ ليقول الأغنياء والأشراف مثل عيينة بن حصين الّذي دخل على النّبيّ ﷺ وقال له: لو طردت هؤلاء السّفلة، ومثل أصحابه؛ كانوا يقولون: هؤلاء-يعنون سلمان وأصحابه-منّ الله عليهم بالمغفرة والإسلام من بيننا) (٣).وقال الكلبيّ: (هو أنّ الشّريف إذا نظر إلى الوضيع قد أسلم قبله استنكف أن يسلم، وقال: قد سبقني هذا بالإسلام؛ فلا يسلم).
ومعنى (اللام) في قوله: ﴿(ليَقُولُوا)﴾ لام العاقبة؛ ومعناه: ليكون عاقبة أمرهما؛ قال الأغنياء والأشراف: أهؤلاء المستضعفون فضّلهم الله علينا. ونظير هذه اللاّم في هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ (٤)،ومعلوم أنّهم لم يلتقطوه لأجل أن يكون لهم عدوّا وحزنا، ولكن عاقبة التقاطهم إياه أن صار لهم عدوّا وحزنا.
وقال بعضهم: اللام في قوله: ﴿(ليَقُولُوا)﴾ معناها الاستفهام؛ أي ليقول بعضهم لبعض استفهاما لا إنكارا: أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا بالإيمان.
стр. 1003
والفائدة في ذلك أن الأغنياء كانوا شاكّين في أن سبق الفقراء إلى الإيمان وصبرهم على طريقة الدّين؛ هل يوجب أن تكون نعمة من الله عظيمة عليهم، فأمرهم الله تعالى أن يستفهموا من الرسول ﷺ ما لأجله يقوم الفقراء بحضرة الرسول ﷺ واستحقّوا الإعظام، فيظهر عند الاستفهام جواب النبيّ ﷺ ، ويكون في سماعهم لذلك مصلحة عظيمة توجب رضاهم بتقديم النبيّ ﷺ أهل الدين. قوله تعالى:
﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ (٥٣)؛استفهام بمعنى التحقيق على معنى أنّ الله أعلم بمن هو من أهل التوحيد والثّواب.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥٤)؛اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية؛ فقال عكرمة:
(نزلت في الّذين نهى الله نبيّه ﷺ عن طردهم، وكان ﷺ إذا رآهم بدأهم بالسّلام وقال: [الحمد لله الّذي جعل في أمّتي من أمرني أن أبدأهم بالسّلام]) (١).
وقال ابن عبّاس والكلبيّ: (لمّا نزلت هذه الآية ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية، جاء عمر ﵁ معتذرا من مقالته؛ فأنزل الله تعالى: ﴿(وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا)﴾ الّذين يصدّقون بمحمّد ﷺ والقرآن ﴿(فقل سلام عليكم)﴾ أي قبل الله معذرتهم وتوبتهم).ومعنى السّلام: السلامة من جميع الآفات.
стр. 1004
وقيل: إنّ الله تعالى أمر نبيّه ﷺ أن يسلّم على المستضعفين إذا جاءوا إليه، وإنّما أمره بأن يبدأهم بالسّلام مع أن العادة أن يسلّم على القاعد حتى ينبسط إليهم بالسّلام عليهم؛ لئلاّ يحتشموا من الانبساط إليه. قال عطاء: (نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وأبي عبيدة وبلال وسالم ومصعب بن عمير وحمزة وجعفر وعثمان ابن مضعون وعمّار بن ياسر) (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (أتى رسول الله ﷺ رجال فقالوا: إنّا أصبنا ذنوبا عظيمة كبيرة، فسكت عنهم رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿(وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)﴾ (٢).
واختلفوا في قوله: ﴿(سُوءاً بِجَهالَةٍ)﴾ قال مجاهد: (معناه: لا يعرف حلالا من حرام، فمن جهالته ركب الأمر).وقيل: جاهل بما يورثه ذلك الذنب. وقيل: جهل حين آثر المعصية على الطاعة، واللذة اليسيرة الفانية على الكثيرة الباقية الدائمة، فعلى هذا يسمّى مرتكب المعصية جاهلا.
واختلف القرّاء في قوله تعالى: ﴿(أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ)﴾ وقوله: ﴿(فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)﴾ فكسرهما جميعا ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائيّ وخلف والأعمش على الاستئناف. ونصبهما الحسن وابن عامر وعاصم ويعقوب بدلا من الرحمة. وفتح نافع الأول على معنى: وكتب أنّه من عمل، وكسر الثاني على الاستئناف.
قوله : ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ؛﴾ أي نبيّن بيانا الأمر والنهي في القرآن من قبل، وكذا نبيّن وننزّل الآيات متفرقة شيئا بعد شيء. وقوله تعالى:
﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٥٥)؛معطوف على مضمر تقديره: ليظهر الحقّ من الباطل ولتستبين طريق المجرمين.
стр. 1005
وإنّما لم يقل: سبيل المؤمنين؛ لأن في الكلام ما يدلّ عليه؛ لأن معناه ولتستبين سبيل المجرمين من سبيل المؤمنين. ويقرأ «(وليستبين)» بالياء؛ لأن السبيل يذكّر ويؤنّث، فتميم تذكّره؛ وأهل الحجاز تؤنّثه.
ودليل التذكير قوله تعالى: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ (١) ولم يقل بها، ودليل التأنيث قوله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي﴾ (٢) ولم يقل هذا سبيلي. وقرأ أهل المدينة: «(سبيل)» بالنصب على خطاب النبيّ ﷺ ؛ معناه: ولتعرف يا محمّد سبيل المجرمين؛ فالخطاب للنبيّ ﷺ والمراد به عامّة المسلمين؛ كأنه ولتستبينوا وتزدادوا معرفة بطريق المجرمين.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ أي قل يا محمّد لعيينة وأصحابه: إنّي نهيت عن عبادة الذي تعبدون من الأصنام من دون الله، ﴿قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ؛﴾ فإنّكم قد عبدتموه وسألتموه طرد سلمان وبلال وأصحابهما عن طريق الهدى، لا على طريق البيّنة والبرهان، وقوله تعالى:
﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً؛﴾ أي قد ضللت إن عبدتها؛ معناه إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق، وسلكت غير سبيل الهدى.
وقرأ يحيى بن وثاب وأبو رجاء: «(قد ضللت)» بكسر اللام؛ وهما لغتان؛ إلا أنّ الفتح أفصح؛ لأنّها لغة أهل الحجاز. وقوله: ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ؛﴾ (٥٦) عطف على ﴿(ضَلَلْتُ)؛﴾ أي إن أتّبع أهواءكم فما أنا من الذين سلكوا طريق الهدى.
وقوله : ﴿قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ؛﴾ أي قل يا محمّد: إنّي على بصيرة وبيان من أمر ربي؛ لا متّبع للهوى، ﴿(وَكَذَّبْتُمْ بِهِ)﴾ أي بالبيان، وإنّما ذكر الكناية لأن البيّنة والبيان بمعنى واحد. ويجوز أن يكون معناه: وكذبتم بما آتيتكم به؛ وهو القرآن. ومعنى البيّنة:
الدلالة بين الحقّ والباطل.
стр. 1006
قوله تعالى: ﴿(ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ)﴾ روي: أنّ رؤساء قريش كانوا يستعجلون العذاب، حتى قام النضر بن الحارث في الحطيم وقال: اللهمّ إن كان ما يقول محمّد حقّا فأتنا بالعذاب، فنزلت هذه الآية.
وقيل: معناه: ﴿(ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ)﴾ من الآيات التي تقترحونها.
قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ؛﴾ أي ما القضاء وتنزيل الآيات إلاّ لله، ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ؛﴾ أي يحكم بالعدل ويقضي القضاء الحقّ، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ﴾ (٥٧)؛أي أعدل الفاصلين.
ومن قرأ «(يقضّ الحقّ)» بالضاد المشدّدة؛ فمعناه: يبيّن ويأمر به، ومن قرأ «(يقضي)» أي يحكم. وقرأ ابن عبّاس: «(يقضي بالحقّ).» وأما سقوط الياء في قراءة من قرأ «(يقضّ)» فإنّها سقطت في الخطّ لالتقاء السّاكنين، كما في قوله تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ (١) ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ (٢).وفي جميع المصاحف: ﴿(يَقُصُّ)﴾ بغير ياء (٣).
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ؛﴾ أي قل يا محمّد: ﴿(لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ)﴾ من العذاب، ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ؛﴾ أي لأهلكتكم؛ وانقطع ما بيني وبينكم من مطالبتي إياكم بالإخلاص في طاعة الله وعبادته، وامتناعكم من ذلك، ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ (٥٨)؛أي بعقوبتكم ووقت عذابكم.
قوله : ﴿*وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ؛﴾ قرأ ابن السّميقع: «(مفاتيح الغيب)» بالياء. واختلفوا في معنى ﴿(مَفاتِحُ الْغَيْبِ)﴾ فروى عبد الله بن
стр. 1007
عمر: أنّ رسول الله ﷺ قال: [مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلاّ الله: علم السّاعة، ونزول الغيث، وعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأيّ أرض تموت] (١).وقال السّدّيّ: (مفاتح الغيب: خزائن الغيب) (٢) وهي المقدورات الّتي يفتح بها ما في الغيب، وسمّيت الخزانة مفتاحا؛ لأنّه ينفتح منه الأمر).
وقيل: ﴿(مَفاتِحُ الْغَيْبِ)﴾ ما ينفتح به علم ما في الغيب من وقت نزول العذاب الذي كانوا يستعجلون به وغير ذلك. وقيل: معناه: ﴿(وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ)﴾ أي نزول العذاب لا يعلم متى ينزل ما غاب عنكم من الثواب والعقاب، وما يصير إليه من أمري وأمركم إلا هو. وقيل: معناه: ﴿(مَفاتِحُ الْغَيْبِ)﴾ الآجال وأحوال العباد من السّعادة والشّقاوة، وعواقب الأمور، وخواتم الأعمال. وقال ابن مسعود ﵁: (أوتي نبيّكم ﵇ كلّ شيء إلاّ مفاتح الغيب) (٣).والمفاتح جمع مفتح، والمفاتيح جمع مفتاح؛ وهو معرفة المغيّب.
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ؛﴾ أي يعلم ما في البرّ من النبات والخلق؛ وما في البحر من الدواب والعجائب. وقيل: يعلم رزق كلّ من في البرّ والبحر، يسوق إلى كلّ ذي روح رزقه.
وقوله تعالى: ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها؛﴾ قال ابن عبّاس:
(ما من شجرة في البرّ إلاّ وبها ملك موكّل يعلم ما يؤكل منها، وما يسقط من ورقها، ويعلم عدد ما بقي على الشّجرة من الورق وما يسقط منه).وقيل: معنى الآية: ﴿(وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ)﴾ من أوراق الشّجر، ﴿(إِلاّ يَعْلَمُها)﴾ الله ثابتة وساقطة، ويعلم متى سقوطها وموضع سقوطها.
стр. 1008
قوله تعالى: ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ؛﴾ أي كلّ حبّة تكون في الأرض حتى الحبّة التي تكون تحت الصخرة التي هي أسفل الأرضين يعلمها الله، وقيل: أراد كلّ حبّة تكون في شقوق الأرض ممّا يخرج منها النبات. ومن قرأ «(ولا حبّة)» بالرفع فعلى الابتداء؛ وخبره ﴿(إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ)﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٥٩)؛أراد بالرّطب الماء والخضر، وباليابس الحجر والمدر، كلّ ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ؛ أثبت الله تعالى فيه كلّ ما يخلق قبل أن يخلقه، كما قال تعالى: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها﴾ (١).
واعلم: أنه قد أثبت ما خلق قبل خلقه. والرطب واليابس عبارة عن جميع الأشياء التي تكون في السّماوات والأرض؛ لأنّها تخلق من أحد هاتين الصّفتين. وعن النبيّ ﷺ أنه قال: [ما زرع على الأرض ولا ثمار على الأشجار؛ إلاّ عليها مكتوب:
بسم الله الرّحمن الرّحيم، رزق فلان بن فلان] (٢).
فإن قيل: ما الفائدة في كون ذلك مكتوبا في اللّوح مع أنّ الله لا يخفى عليه شيء؛ وأنه كان عالما بذلك قبل أن يخلقه وقبل أن يكتبه؛ ولم يكتبها ليحفظها ويدريها. قيل: فائدته أن الحوادث إذا حدثت موافقة للمكتوب، ازدادت الملائكة بذلك علما ويقينا بعظم صفات الله (٣).
قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ؛﴾ معناه: هو الذي يقبضكم عن التصرّف بالنوم وما تصيرون في منامكم بالليل في قبضته لا تملكون لأنفسكم تصريفا في أموركم.
стр. 1009
والتّوفّي في اللغة: هو القبض؛ إلاّ أن روح النائم لا تصير مقبوضة في حال نومه على جهة الحقيقة؛ لأن النائم يستمدّ من الهواء على حسب ما يفعله المنتبه، ولكنّ الله يحدث في حال النوم من بدن النائم ضربا من الاسترخاء في إغماء منه، إمّا بسلب عقله، أو بإحداث فعل في البدن يكون ذلك الفعل سببا لراحة البدن، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً﴾ (١) فلما صار النائم كالميت في أنه لا يعقل وفي أن تصرفه لا يقع على تمييز؛ شبه بالميت من حيث التوفّي على هذا الوجه، كما ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: [النّوم أخو الموت، وأهل الجنّة لا يموتون ولا ينامون] (٢).
وعلى هذا الوجه يتأوّل قوله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ (٣) إلى آخر الآية.
وذهب بعضهم إلى أن الروح تخرج من البدن في المنام، ولكن لا تنقطع حركة النائم؛ لأن نظر الروح لم ينقطع عن البدن؛ إذ هو على العود في كلّ وقت وفي كل ساعة؛ وقال: لا يخرج منه الروح، وإنّما يخرج منه الذهن.
قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ؛﴾ أي كسبتم من الخير والشرّ بالنهار، يقال: جرح واجترح؛ بمعنى كسب واكتسب، وأصل الاجتراح: عمل الجوارح. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ؛﴾ أي ينبهكم من نومكم في النهار على علم منه بما اجترحتم من قبل وما تجترحون من بعد، ﴿لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أي لتبلغوا الوقت المقدور الذي قدّره الله بحيويّتكم؛ فتنقطع أرزاقكم وأعمالكم التي تعملون في الدّنيا من خير أو شرّ.
стр. 1010
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ؛﴾ أي ثم إلى الله مصيركم ومتقلّبكم بعد الموت، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٦٠)؛أي ثم يخبركم في الآخرة بما كنتم تعملون في الدّنيا؛ فيجازي كلّ عامل ما عمل.
قوله : ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ؛﴾ أي هو الغالب لعباده المستعلي عليهم بالقدرة، وليس معنى (فوق) معنى المكان؛ لاستحالة إضافة الأماكن إلى الله، وإنّما معناه الغلبة والقدرة، ونظيره: فلان فوق فلان في العلم؛ أي أعلم منه.
قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً؛﴾ معناه: والمرسل عليكم حفظة، فاكتفى بالفعل عن الاسم. والحفظة: هم الملائكة يحفظون على العباد أعمالهم على ما تقدّم.
وقد ورد في الخبر: أن على كلّ واحد منّا ملكين بالليل؛ وملكين بالنهار، يكتب أحدهما الحسنات؛ والآخر السيّئات، وصاحب اليمين أمير على صاحب الشّمال، فإذا عمل العبد حسنة؛ كتب له بعشر أمثالها؛ وإذا عمل سيّئة فأراد صاحب الشّمال أن يكتب؛ قال له صاحب اليمين: أمسك، فيمسك عنه ستّ ساعات أو سبع ساعات، فإن هو استغفر الله تعالى؛ لم يكتب عليه، وإن لم يستغفر يكتب عليه سيّئة واحدة.
قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ (٦١) معناه: حتّى إذا حضر أحدكم الموت؛ قبض روحه ملك الموت وأعوانه، وهم لا يقصّرون ولا يؤخّرونه طرفة عين، فإن قيل: كيف هنا ﴿(تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا)﴾ وقال في آية أخرى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ (١)؟ قيل: إنّ ملك الموت هو الذي يقبض الأرواح كلّها وهو القائم بذلك؛ إلا أنّ له أعوانا؛ فتارة أضاف قبض الروح إلى ملك الموت؛ لأنه هو المختصّ بذلك، وتارة أضافه إليه وإلى غيره؛ لأنّهم يصدرون في ذلك عن أمره.
стр. 1011
وقال مجاهد: (جعلت الأرض لملك الموت كالطّشت يتناول من حيث شاء، وله أعوان يتوفّون الأنفس، ثمّ يقبضها منهم) (١).ويقال: إنّ أعوان ملك الموت يستخرجون الروح من الأعضاء عضوا عضوا، حتى إذا جمعوه في صدره وجعل يغرغر به؛ قبضه حينئذ ملك الموت.
وقد روي عن رسول الله ﷺ : أنّه دخل على مريض يعوده، فرأى ملك الموت عند رأسه؛ فقال: [يا ملك الموت؛ ارفق به، فإنّه مؤمن، فقال ملك الموت: يا محمّد؛ أبشر وطب نفسا وقرّ عينا؛ فإنّي بكلّ مؤمن رفيق، إنّي لأقبض روح المؤمن فيصعق أهله فأعتزل في جانب الدّار، فأقول: ما لي من ذنب، وإنّي لمأمور، وإنّ لي لعودة فالحذر الحذر، وما من أهل بيت مدر ولا وبر، في بحر أو برّ، إلاّ وأنا أتصفّحهم في كلّ يوم خمس مرّات، حتّى أنّي لأعلم بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله لو أردت أن أقبض روح بعوضة لما قدرت عليها حتّى يأمرني الله تعالى بقبضها] (٢).
قوله : ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ؛﴾ أي ثم ردّهم الملائكة إلى الموضع الذي لا يملك أحد الحكم فيه إلا الله تعالى، وقوله: ﴿(مَوْلاهُمُ الْحَقِّ)﴾ أي مولاهم من كلّ جهة، فإنه يملك خلقهم وإنشاءهم وتربيتهم وإماتتهم وإحياءهم وضرّهم ونفعهم، وهو الذي دبّر في الابتداء أمرهم حيث أنشأهم. ومعنى قوله تعالى:
﴿(مَوْلاهُمُ الْحَقِّ)﴾ أي الذي عبادته حقّ، ويعطي الثواب الحقّ، ويتولّى العقاب بالحقّ، وقيل: إنّ هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى؛ لأنه لا مردّ للعبد أحسن من مردّه إلى مولاه.
قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ؛﴾ كلمة بيّنة؛ أي اعلموا أنّ بيّنة القضاء بين العباد يوم القيامة يحكم فيهم ما شاء وكيف شاء. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ﴾
стр. 1012
﴿الْحاسِبِينَ﴾ (٦٢)؛إذا حاسب فحسابه يسير سريع؛ لأنه لا يحاسب بحقد ولا يتكلّم بآلة، ولا يحجزه الكلام مع بعضهم عن الكلام مع غيرهم، بل يحاسب الجميع في دفعة واحدة. ومعنى المحاسبة: تعريف كلّ واحد ما يستحقّه من ثواب أو عقاب؛ حتّى روي في الخبر: أنّه يكون حسابه في مقدار حلب شاة.
قوله : ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: من ينجّيكم من شدائد البرّ والبحر وأهوالهما.
تقول العرب لليوم الذي فيه شدّة: يوم مظلم؛ حتى أنّهم يقولون: يوم دو كواكب؛ إذا اشتدّت ظلمته حتى صار كالليل. ويقال: أراد بالظلمات ظلمة الليل، وظلمة الغيم، وظلمة الأمواج.
وقوله تعالى: ﴿(تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً)﴾ أي تدعونه علانية وسرّا، والتّضرّع:
إظهار الضّراعة؛ وهي شدّة الفقر والحاجة إلى الشّيء. وقرأ أبو بكر: «(وخفية)» بكسر الخاء، وقرأ الأعمش: «(وخيفة)» من الخوف كما في آخر الأعراف (١).
قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (٦٣)؛في موضع الحال؛ معناه: قائلين: لئن أنجيتنا من هذه الشدائد لنكوننّ من المؤمنين الموحّدين المطيعين.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ؛﴾ قل الله ينجّيكم من شدائد البرّ والبحر ومن كلّ غمّ، ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ (٦٤)؛به الأصنام في الرّخاء بعد النجاة، وبعد قيام الحجّة عليكم.
وقوله : ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ؛﴾ راجع إلى مشركي مكّة؛ أي قل لهم يا محمّد: ﴿(هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ)﴾ كما بعث على قوم نوح ولوط من الطوفان والحجارة، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ؛﴾ أي هو القادر على أن يخسف بكم، كما فعل بقارون وقومه. ويقال:
أراد بقوله: ﴿(عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ)﴾ الظلمة، ﴿(أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ)﴾ أو يغلّب عليكم سفهاءكم.
стр. 1013
قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً؛﴾ معناه: أو يخلطكم فرقا مختلفي الأهواء، بأن يضرب بعضكم ببعض بما يلقيه بينكم من العداوة. وقيل: معنى: ﴿(يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً)﴾ يكلكم إلى أنفسكم ويخليكم من الطاعة بذنوبكم؛ فتختلفوا حتى يذوق بعضكم شدّة بعض بالحرب والقتال. وقال: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ؛﴾ يعني بالسّيوف يقتل بعضكم بعضا.
وقوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ؛﴾ أي انظر يا محمّد كيف نبيّن لهم الآية على إثر آية، ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (٦٥)؛أي لكي يفقهوا أوامر الله، ثم هم لا يفقهون.
قال ابن عبّاس: (لمّا نزلت هذه الآية؛ شقّ ذلك على رسول الله ﷺ ، فقال: [يا جبريل، ما بقاء أمّتي على هذه الخصال الأربع؟!] فقال: إنّما أنا عبد مثلك، فادع ربّك واسأله لأمّتك. فقام رسول الله ﷺ ؛ فتوضّأ وأحسن الوضوء؛ ثمّ قام فصلّى وأحسن الصّلاة؛ ثمّ سأل الله أن لا يبعث على أمّته عذابا من فوقهم ولا من تحت أرجلهم، ولا يلبسهم شيعا، ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فنزل جبريل ﵇؛ فقال:
يا محمّد؛ إنّ الله قد سمع مقالتك، وإنّه قد أجارهم من خصلتين: أن لا يبعث عليهم عذابا من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم، ولم يخرجهم من الخصلتين الأخرتين) (١).
وقال ﷺ : [سألت ربي أن لا يبعث على أمّتي عذابا من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم؛ فأعطاني ذلك. وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم؛ فمنعني ذلك، وأخبرني جبريل أنّ فناء أمّتي بالسّيف] (٢).
قوله : ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ؛﴾ أي كذب بالقرآن قومك وهو الصدق، ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (٦٦)؛أي بحفيظ أحفظ أعمالكم
стр. 1014
وأجازيكم عليها، وقيل: معناه: لست أقدر أن أحول بينكم وبين الكفر الذي يضرّكم، كما يدفع الوكيل الضرر عن موكّله. وعن ابن عبّاس: (أنّ معناه: لست بموكّل عليكم؛ أخبركم عن الإيمان، قال: ثمّ نسخ هذا بآية السّيف).
وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ؛﴾ معناه: لكلّ وعد ووعيد وقت، وأجل غاية؛ منه ما يكون في الدّنيا، ومنه ما يكون في الآخرة، ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٦٧)؛يا أهل مكّة ذلك إذا نزل بكم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ؛﴾ معناه: وإذا رأيت المشركين الذين يكذّبون ويستهزءون بك وبالقرآن ﴿(فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ)﴾ أي اتركهم ولا تجالسهم على وجه الإنكار عليهم، إلا أن يتركوا استهزاءهم ويخوضوا في حديث غير القرآن. وذلك أن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين؛ وقعوا في رسول الله ﷺ فسبّوه واستهزءوا به، فنهى الله المؤمنين عن مجالستهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٦٨)؛معناه: وإمّا يوقعنّك الشّيطان في النّسيان بعد النهي فتجلس معهم، فلا شيء عليك في تلك الحال التي تكون فيها ناسيا، فلا تقعد بعد الذّكرى مع قوم إذا ذكرت، ودع مجالسة المشركين فتأثم. قرأ ابن عبّاس وابن عامر: «(ينسينّك)» بالتشديد.
فلما نزلت هذه الآية قال المسلمون: يا رسول الله، لئن كنّا كلما استهزأ المشركون بالقرآن قمنا وتركناهم، لا نستطيع أن نجلس في المسجد الحرام، ولا أن نطوف بالبيت؟
فنزل قوله : ﴿وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ،﴾ أي ما على الذين يتّقون الشرك والمعاصي والخوض في آثامهم، ومخالفتهم أمر الله من شيء من العقاب، ﴿وَلكِنْ ذِكْرى؛﴾ أي ولكن ذكّروهم بالقرآن ذكرى إذا فعلوا وعظوهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٦٩)؛الشرك والاستهزاء والخوض. فموضع (ذكرى) نصب على المصدر، ويجوز أن يكون في موضع رفع؛ أي هو ذكرى.
стр. 1015
قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا؛﴾ أي ذر الكفّار الذين اختاروا في أنفسهم اللّعب والباطل والاستهزاء.
ويقال: معناه: الذين اتّخذوا دينهم بهوى أنفسهم، ومن اتّخذ دينه بهوى نفسه فهو لاعب. وقال الفرّاء في معنى الآية: (ليس من قوم إلاّ ولهم عيد يلهون فيه، إلاّ أمّة محمّد ﷺ فإنّ أعيادهم صلاة وتكبير وبرّ وخير) (١).وقوله تعالى: ﴿(وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا)﴾ معناه: وشغلتهم الحياة الدّنيا بما فيها من زهرتها وزينتها.
قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ؛﴾ أي ذكّر بالقرآن وعظ به كراهة أن تبسل نفس بما كسبت. ويقال: قبل أن تبسل نفس. ويقال:
لئلا تبسل نفس؛ أي لئلا تهلك نفس. وقال الحسن ومجاهد وعكرمة والسدي:
(تبسل: أي تسلّم للهلكة) (٢).
وقال ابن زيد: (معناه: وذكّر به أن تبسل؛ أي لئلاّ تبسل؛ أي لئلاّ تؤخذ) (٣).
وعن ابن عبّاس: (أن تفضح) (٤).وقال الأخفش: (أن تبسل: أن تجازى) (٥).وقال الفرّاء: (ترتهن)،وقال عطية العوفي: (من قبل أن تبسل نفس؛ أي من قبل أن تسلّم إلى خزنة جهنّم).والمتبسّل: المستسلم (٦).
قوله : ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ؛﴾ أي ليس لتلك النفس من دون الله وليّ ولا شفيع؛ أي قريب يمنع العذاب عنها ولا شفيع يشفع لها في الآخرة. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها؛﴾ أي لو جاءت مكانها بكلّ ما كان في الأرض جميعا افتداء عن نفسها لا يقبل منها.
стр. 1016
وسمي الفداء عدلا؛ لأنه مثل للشيء، ويقال لأحد جانبي الحجل: عدل بالكسر؛ لأن كلّ واحد من العدلين مثل لصاحبه، فمعنى الآية: وإن تفتدي بكلّ فداء لا يؤخذ منها.
وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ؛﴾ أي وجيع؛ ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٧٠)؛أي بما كانوا يجحدون في الدّنيا بمحمّد ﷺ والقرآن.
قوله : ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا؛﴾ أي قل يا محمّد لكفّار مكّة الذين يدعونكم إلى دين آبائهم: أنعبد سوى الله من الأصنام ما لا ينفعنا إن عبدناه في رزق ولا معاش، ولا يضرّنا إن تركناه في رزق ولا معاش، ﴿وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ؛﴾ عطف على الاستفهام؛ أي كيف نرجع إلى الكفر بعد إذ هدانا الله لدينه، وأكرمنا بمعرفته، فيكون مثلنا؛ ك؛مثل؛ ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ؛﴾ فأذهبه؛ ﴿فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ؛﴾ ضالا، لا يقال: كالذي زيّنت له الشياطين هواه؛ فهو يعمل في الأرض بالمعاصي. وقيل: معناه: كالذي استفرسته الغيلان في المهامة فأضلّوه؛ فهو حائر. و ﴿(حَيْرانَ)﴾ نصب على الحال.
قرأ الأعمش وحمزة: «(كالّذي استهواه)» بالألف والإمالة، وقرأ طلحة بالألف، وقرأ الحسن: «(استهوته الشّياطين).» وفي مصحف عبد الله: «(استهواه الشّيطان).» قوله تعالى: ﴿لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا؛﴾ أي له أصحاب يدعونه إلى الطريق المستقيم: أن ائتنا واتّبعنا؛ فإنّا على الطريق، فأبى أن يأتهم ويطيعهم.
وقيل: إن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر حين دعا أباه إلى الكفر، (١) فأنزل الله تعالى: ﴿(قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا)﴾. وقوله: ﴿(كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ)﴾ هو عبد الرّحمن بن أبي بكر. وقوله تعالى: ﴿(لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ﴾
стр. 1017
﴿إِلَى الْهُدَى)﴾ قيل: كان أمّه وأبوه يدعوانه إلى الإسلام، وكان الشياطين والكفّار يزيّنون له الكفر إلى أن منّ الله عليه بعد ذلك بقبول الإسلام. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ؛﴾ أي قل لهم: إنّ دين الله هو الإسلام؛ وأمرنا لنخلص العبادة؛: ﴿لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٧١).
قوله : ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ؛﴾ عطف على قوله:
﴿لِنُسْلِمَ؛﴾ أي أمرنا لنسلم؛ فقيل لنا: أسلموا وأقيموا الصلاة بركوعها وسجودها، ﴿(وَاتَّقُوهُ)﴾ أي اتّقوا سخطه؛ ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٧٢)؛أي تجمعون يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي لإقامة أمر الحقّ؛ وهو الثواب والعقاب في الآخرة، ولم يخلقها باطلا لغير شيء، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ؛﴾ أي وخلق الخلائق يوم يقول كن فيكون. وقيل: معناه: واتّقوه يوم يقول كن فيكون. وقيل: واذكروا يوم يقول ليوم القيامة: كن فيكون مكوّنا بإذن الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ؛﴾ أي الآخرة (١) في أمر يوم القيامة حقّ كائن لا محالة، وله الملك يومئذ. وتخصيص ذلك اليوم بالملك؛ لأنّ اليوم الذي لا يظهر فيه من أحد سوى الله نفع ولا ضرّ كما قال الله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ (٢).والصّور: قرن ينفخ فيه إسرافيل نفختين؛ فتغشى الخلائق كلّهم بالنفخة الأولى؛ ويحيون بالنفخة الثانية، فتكون النفخة الأولى لانتهاء الدّنيا؛ والثانية لابتداء الآخرة (٣).قوله تعالى: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ؛﴾ أي وعالم ما غاب عن العباد وما علموه؛ ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ؛﴾ في أمره، ﴿الْخَبِيرُ﴾ (٧٣)؛بأعمال عباده.
стр. 1018
قوله : ﴿*وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً؛﴾ أي اذكر يا محمّد إذ قال إبراهيم لأبيه آزر، من قرأ «(آزر)» بالنصب فموضعه خفض بدل من (أبيه) إلا أنه لا ينصرف؛ لأنه اسم أعجميّ، ومن رفعه فعلى النداء؛ أي يا آزر (١).وكان آزر مسكنه (كوت) قرية من سواد الكوفة.
قال السّدّيّ والحسن: (آزر اسم لأبي إبراهيم) (٢).وقال الفرّاء: (هو صفة عيب وسبّ؛ ومعناه في كلامهم: المعوجّ) (٣).وقيل: معناه: الشيخ لهم. وقيل: قال إبراهيم لأبيه المخطئ، أو قال لأبيه: يا مخطئ. وكان على هذا القول اسم أندتارخ بن ياجوراء. وقال سعيد بن المسيب ومجاهد: (آزر اسم صنم) (٤) وهو على هذا التأويل في موضع نصب، وفي الكلام تقديم وتأخير؛ تقديره: اتّخذ آزر أصناما آلهة من دون الله.
وقيل: كان إبراهيم قال لأبيه: لا تتّخذوا آزر إلها، أتتّخذ أصناما آلهة، ﴿إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ؛﴾ عن الحق؛ ﴿مُبِينٍ﴾ (٧٤)؛أي ظاهر الضّلالة في ذهاب عن الحقّ بيّن.
قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي كما أرينا إبراهيم النصرة في دينه والحقّ في مخالفة قومه؛ نريه ملكوت السّماوات والأرض؛ أي ملكها ونريه القدرة التي يقوّي بها دلالته على توحيد الله تعالى، وهو ما رأى من السماء والأرض والكواكب والقمر والشمس.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: (معنى: ﴿(وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾ أي آيات السّماوات والأرض؛ وذلك أنّه أقيم على صخرة وكشف له عن السّماوات والأرض حتّى العرش وأسفل الأرضين، ونظر إلى مكانه
стр. 1019
في الجنّة؛ وذلك قوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا﴾ (١) يعني أريناه مكانه في الجنّة) (٢).
وقيل: معنى الآية: كما أرينا إبراهيم قبح ما كان عليه أبوه وقومه من المذهب؛ كذلك نريه ملكوت السموات والأرض. والملكوت: عبارة عن أعظم الملك؛ زيدت الواو والتاء للمبالغة؛ كما يقال: رهبوت خير من رحموت، هذا مثل يقوله العرب؛ معناه: لئن ترهب خير من أن ترحم. فملكوت السموات: الشمس والقمر والنجوم؛ وملكوت الأرض: الجبال والشجر. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٧٥)؛أي نريه الملكوت ليستدلّ بذلك على توحيد الله ويثبت على اليقين.
قوله : ﴿(فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي)﴾ قال المفسرون:
إنّ إبراهيم ولد في زمان النّمرود بن كنعان، وكان النمرود أول من دعا الناس إلى عبادته، وكان له كهّان ومنجّمون، فقالوا له: إنه يولد في هذه السنة غلام يغيّر دين أهل الأرض، ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه.
قال السديّ: (رأى النّمرود في منامه كأنّ كوكبا طلع فذهب بضوء الشّمس والقمر حتّى لم يبق لهما ضوءا، ففزع من ذلك ودعا السّحرة والكهّان؛ وسألهم عن ذلك فقالوا: هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السّنة؛ يكون هلاكك على يديه.
فأمر بذبح كلّ غلام يولد في ناحيته في تلك السّنة، وأمر الرّجال باعتزال النّساء، وجعل عليهم الحرّاس، فمكث كذلك ما شاء الله).
قال السديّ: (خرج النّمرود بالرّجال إلى العسكر، ونهاهم عن النّساء مخافة من ذلك المولود، فبدت له حاجة إلى المدينة، فلم يأتمن عليها أحدا من قومه إلاّ
стр. 1020
آزر، فدعاه وأمره لحاجته إلى المدينة، وقال له: إنّك ثقتي؛ فأقسمت إليك أن لا تدنو من امرأتك ولا تواقعها، ثمّ أوصاه بحاجته. فلمّا دخل المدينة وقضى حاجته، قال: لو دخلت على أهلي فرأيت كيف حالهم، فلمّا نظر إلى امرأته لم يتمالك حتّى وقع عليها، وكانت قد طهرت من الحيض، فحملت بإبراهيم ﵇، فلمّا حملت به؛ قالت الكهنة للنّمرود: إنّ الغلام الّذي أخبرناك به قد حملت به أمّه اللّيلة، فأمر النّمرود بذبح كلّ ولد من الغلمان.
فلمّا دنت ولادة أمّ إبراهيم وأخذها المخاض، خرجت هاربة مخافة أن يطّلع عليها فيقتل ولدها، فوضعته في موضع، ثمّ لفّته في خرقة وجعلته في الحلفاء، ثمّ رجعت إلى زوجها فأعلمته، فانطلق أبوه إليه وحفر له سربا في ذلك المكان وجعله فيه، وسدّ عليه بصخرة مخافة أن تأكله السّباع، وكانت أمّه تختلف إليه سرّا فترضعه، وكان إذا بكى على أمّه أتاه جبريل ﵇ فوضع إصبعه في فمه فيخرج منها اللّبن، فكان يمصّ سبّابة نفسه) (١).
وقال أبو روق: (كانت أمّ إبراهيم كلّما جاءته لتنظر إليه وجدته يمصّ أصابعه، وقالت: ذات يوم نظرت إلى أصابعه، فوجدته يمصّ من إصبع ماء؛ ومن إصبع لبنا؛ ومن إصبع عسلا؛ ومن إصبع سمنا).
وقال بعضهم: لمّا وضعت أمّ إبراهيم حملها، ذهبت به وحفرت له حفرة وألقته فيها وسدّتها عليه بصخرة، ورجعت فسألها أبوه آزر: ما فعل حملك؟ قالت: وضعت غلاما فمات، فصدّقها وسكت عنها. وكان إبراهيم يشبّ في اليوم مثل ما يشبّ غيره في الشهر، ويشبّ في الشهر ما يشبّ غيره في السنة، فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر يوما، ثم أخبرت أمّه أزر بخبره وما صنعت به، فلمّا شبّ إبراهيم في المغارة وعقل وتكلّم، أتته أمّه ذات يوم فقال لها: من ربي؟ قالت: أنا! قال: ومن ربّك؟ قالت: أبوك! قال: ومن ربّ أبي؟ قالت: النمرود! قال: ومن ربّ النمرود؟ قالت:
اسكت! فسكت) (٢).