← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

منكم؟! تعبدون الحجارة من دون الله، أنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله. فأنزل الله تعالى هذه الآية) (١). قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٢٢)؛ أي كما زيّن لأبي جهل عمله الذي كان يعمل؛ كذلك زيّن للكافرين أعمالهم مجازاة لهم على كفرهم. وقال الحسن: (ما زيّنها لهم إلاّ الشّيطان). قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها؛﴾ أي جعلنا في كلّ قرية ذا نور يمشي به في الناس، كذلك جعلنا في كلّ قرية رؤساءها وكبراء وعظماء أهلها مجرميها. وقيل: معناه: جعلنا في أهل مكّة عظماؤهم مجرميها، كذلك جعلنا في كلّ قرية. وقوله تعالى: ﴿(لِيَمْكُرُوا فِيها)﴾ أي ليصير أمرهم إلى أن يمكروا بالتّكبّر وتكذيب الرسل، ﴿وَما يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (١٢٣)،أنّ كلّ وبال أمرهم يرجع إليهم. قوله تعالى: ﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ؛﴾ أي إذا جاءت الأكابر المذكورين، وقيل: أهل مكّة؛ إذا جاءتهم دلالة واضحة على نبوّة رسول الله ﷺ ؛ قالوا: لا نصدّق حتى نعطى من الآيات مثل ما أعطي رسل الله المعجزات والدّلائل. وذلك أنّ الوليد بن المغيرة قال: والله لو كانت النّبوّة حقّا لكنت أولى بها منك؛ لأنّي أكبر منك سنّا (٢) وأكثر منك مالا. وقال مقاتل: (قال أبو جهل: زاحمنا بنوا عبد المطّلب في الشّرف؛ حتّى إذا كنّا كفرسي رهان؛ قالوا: منّا نبيّ يوحى إليه، والله لا نؤمن به ولا نتّبعه أبدا؛ إلاّ أن يأتينا وحي كما يأتيه. فأنزل الله تعالى هذه الآية) (٣).

стр. 1052

يقول الله تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ؛﴾ أي هو أعلم من يرسل ومن يختصّ بالرسالة ومن هو أهل لها. وهذا جواب يمنعهم أن يكونوا رسلا حين أنفوا أن يكونوا أتباعا للرّسل بعد قيام حجّة النبيّ ﷺ . بيّن الله تعالى أنه إنّما يجعل الرسالة عند من يقوم بأدائها، ولا يجعلها عند من يضيّع ولا يصبر على المكاره. وقيل: إنّما لم يجعل الله الرسل في الرؤساء والأغنياء؛ لأنّ الناس يتبعونهم وإن لم يأتوا بالحجج، فيقول من بعدهم: إنّما اتّبعوهم لأنّهم كانوا رؤساء وأكابر. وقوله تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ؛﴾ أي سيصيب الذين اكتسبوا الجرم مذلّة وهوان ثابت لهم عند الله؛ ﴿وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ (١٢٤)؛أي بكفرهم وتكذيبهم الرسل. قال ابن عبّاس ﵄: (ثمّ رجع إلى ذكر عمّار وأبي جهل) فقال : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ؛﴾ أي فمن يرد الله أن يوفّقه للإسلام يوسع قلبه ويليّنه لقبول الإسلام، ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ؛﴾ أي أن يخذله ويجعله في ضلالة الكفر، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً﴾. ﴿حَرَجاً﴾ (١)؛قيل: الحرج: موضع الشّجر الملتف (٢)؛يعني أنّ قلب الكافر لا تصل إليه الحكمة كما لا تصل الراعية إلى الموضع الذي التفّ فيه الشجر.

стр. 1053

وقال أهل اللغة: الحرج: أضيق الضيّق. وقال مجاهد: (الحرج: الشّكّ) (١) وقال قتادة: (حرجا ملتبسا) (٢).وقال النّضر بن شميل: (قلقا)،وقال الكلبيّ: (ليس للخير فيه منفذ).قرأ ابن كثير: «(ضيقا)» بالتخفيف، وشدّده الباقون؛ وهما لغتان مثل هيّن وليّن. وقوله تعالى: «(حرجا)» قرأ أهل المدينة وأبو بكر بكسر الرّاء، وفتحها الباقون؛ وهما لغتان مثل دنف ودنف. قوله تعالى: ﴿كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ؛﴾ يعني: يشقّ عليه الإيمان ويمتنع ويعجز عنه، كما يشقّ عليه صعود السّماء. واختلف القرّاء في قوله تعالى: ﴿(يَصَّعَّدُ)﴾ فقرأ أهل المدينة والبصرة والكوفة إلا أبا بكر: «(يصّعّد)» بتشديد الصّاد والعين من غير ألف، وقرأ طلحة والنخعيّ وأبو بكر: «(يصّاعد)» بتشديد الصّاد وبألف بعدها، بمعنى يتصاعد. وقرأ الأعرج وأبو رجاء وابن كثير: «(يصعد)» مخفّفا؛ أي لا يجد مخرجا يمينا ولا شمالا، فكأنه من الضّيق يصعد إلى السّماء ولا يستطيعه. وقرأ عبد الله «(كأنّما يتصعّد)». وقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ؛﴾ أي مثل ما قصصنا عليك يجعل الله اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة؛ ﴿عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٢٥)؛أي لا يرغبون ولا يصدّقون بالتوحيد. روي: أنّه لمّا نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله؛ كيف يشرح الله صدره للإسلام؟ قال: [إذا دخل النّور في القلب انشرح واستوسع] قالوا: وما علامة ذلك؟ قال: [التّجافي عن دار الغرور؛ والإنابة إلى دار الخلود؛ والاستعداد للموت قبل نزول الموت] (٣).

стр. 1054

وقال بعض المفسّرين في معنى الآية: ﴿(فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ)﴾ في الآخرة إلى الثّواب ونيل الكرامة ﴿(يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ)﴾ في الدّنيا بالدّلالات. ومن يرد أن يقيله عن ثوابه ونيل كرامته في الآخرة ﴿(يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً)﴾ في الدّنيا عقوبة له على كفره. قوله : ﴿وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً؛﴾ (هذا) إشارة إلى الإسلام، وقيل: إلى بيان القرآن، سمي ذلك مستقيما؛ لأنه يستقيم بمن يسلكه؛ فلا يعرج فيه حتّى يورده إلى الجنّة، وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ؛﴾ أي أتينا بآية على إثر آية مفصّلة مبيّنة؛ ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١٢٦)؛أي يتّعظون بآيات الله، ويتفكّرون في دلالات القرآن، فلم يبق لأحد عذر في التّخلّف عن الإيمان بعد هذا البيان. قوله تعالى: ﴿*لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ؛﴾ قال ابن عبّاس: (الله السّلام، وداره الجنّة) (١).كأنه قيل لهم: جنّة الله. وقال الفرّاء: (معناه: لهم دار السّلام الدّائمة من كلّ آفة وبليّة).وقوله تعالى: ﴿(عِنْدَ رَبِّهِمْ)﴾ أي في الآخرة. وقيل: معناه: مقيمون عند ربهم؛ ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ؛﴾ أي يتولّى أمرهم بنصرهم في الدّنيا وإكرامهم في الآخرة، ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٢٧)؛من الطاعة. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ معناه: يوم نحشر الخلائق كلّهم إلى الجزاء، يقول: يا معشر الجنّ قد استكثرتم من الإنس ممّن أضللتموهم؛ أي أضللتم كثيرا من الإنس وكثير متّبعوكم منهم، ﴿وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ؛﴾ أي قرناء الجنّ؛ ﴿مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾. أما استمتاع الإنس بالجن فما روى الحسن: (أنّ العرب كانوا إذا سافروا فنزلوا واديا؛ خافوا على أنفسهم فقالوا: نعوذ بسيّد هذا الوادي من سفهاء قومه؛ فيبيتون في جوار منهم، وكانوا يرون ذلك استجارة بالجنّ).

стр. 1055

وأما استمتاع الجنّ بالإنس؛ فكان عظماء الجنّ يقولون: قد سدنا الإنس مع الجنّ؛ حتى أن الإنس يعوذون بنا، فيزدادون بذلك شرفا في قومهم وعظما في أنفسهم. وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا؛﴾ أي أدركنا وقتنا الذي وقّت لنا. قيل: إنّ المراد به وقت البعث، وقيل: إن المراد وقت الموت. وفي هذا دليل على أنه لا يكون للمقتول أجلان بخلاف ما يقول بعض القوم: إنّ المقتول لو لم يقتل لكان يبقى حيّا لا محالة. لأنه قد كان في هؤلاء مقتولون وقد أخبروا كلّهم أنّهم قد بلغوا أجلهم الذي أجّله الله لهم. قوله تعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ؛﴾ أي قال الله تعالى: النّار مقرّكم ومنزلكم؛ فإنكم قد أقررتم على أنفسكم باستحقاق العذاب ولزوم الحقّ عليكم، قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها إِلاّ ما شاءَ اللهُ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وكان ما شاء الله بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (٢)). وقيل: معناه: ﴿(إِلاّ ما شاءَ اللهُ)﴾ ما بين البعث من القبر إلى وقت الفراغ من الحساب؛ فإنه لا يكون لهم عذاب في ذلك الوقت. وقيل: معناه: ﴿(إِلاّ ما شاءَ اللهُ)﴾ أن يعذّبهم من صنوف العذاب. قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ؛﴾ في عقابه؛ ﴿عَلِيمٌ﴾ (١٢٨)؛بقدر ما يستحقّون من العذاب. قوله : ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٢٩) أي مثل ما قصصنا عليك من تسليط الجنّ على الإنس؛ كذلك نسلّط بعض المجرمين على بعض، ثم ينتقم منهما جميعا في الآخرة بالنّار. وقال بعضهم: معناه:

стр. 1056

يتبع بعضهم بعضا في النار من الموالاة. وقال بعضهم: يسلّط بعضهم على بعض، يدلّ عليه قوله ﷺ : [من أعان ظالما سلّطه الله عليه] (١). قوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي؛﴾ أي يقول لهم يوم القيامة: يا معشر الجنّ والإنس؛ لماذا فعلتم ما فعلتم ألم يأتكم رسل منكم يقرءون عليكم القرآن، «وينذرونكم؛» أي ويخوّفونكم؛ ﴿لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا؛﴾ وهو يوم القيامة. قال ابن عبّاس: (كانت الرّسل تبعث إلى الإنس؛ وبعث محمّد ﷺ إلى الجنّ والإنس).قال: (وهذا كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ (٢) يخرج من الملح منهما، وكذلك الرّسل من الإنس). وقوله تعالى: ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا؛﴾ يعني أنّهم لا يجدون جوابا إلاّ الاعتراف بذنوبهم؛ ويقولون: أقررنا على أنفسنا، أنّهم بلّغوا الرسالة، وكفرنا بهم. يقول الله تعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا؛﴾ أي بزهرتها ونعيمها، ﴿وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ؛﴾ في الآخرة؛ ﴿أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾ (١٣٠)؛في الدّنيا؛ أي أقرّوا. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ (١٣١) (ذلك) أي ذلك الأمر. وقيل: أراد الإشارة إلى إرسال الرّسل. وقوله تعالى: ﴿(أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ)﴾ أي معناه: لأجل أنه لم يكن ربّك معذّب أهل القرى (بظلم) أي بشركهم وذنوبهم ﴿(وَأَهْلُها غافِلُونَ)﴾ عن الأمر والنّهي وتبليغ الرّسل؛ أي لم يكن يهلكهم بذنوبهم قبل أن يأتيهم رسول يبيّن لهم، وينهاهم عمّا هم عليه من المعصية، فإن رجعوا وإلا عذبهم الله. وقيل: معناه: لا يهلكهم بظلم منه؛ ولا يعذبهم وهم غافلون لما كلّفوا من غير إقامة الحجّة بما يقبّح ويحسّن من غير تنبيه لهم من الرّسل.

стр. 1057

قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا؛﴾ أي لكلّ عامل من الفريقين مراتب في عمله، لأهل الخير درجات في الجنّة بعضها فوق بعض، ولأهل الشّرك درجات في النار بعضها أشدّ عذابا من بعض، ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ (١٣٢)؛أي لا يجري عليه السّهو عن طاعة المطيعين ومعصية العاصين، فيجزي كلّ عامل بما عمل. قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ؛﴾ أي هو الغنيّ عن إيمان العباد وطاعتهم. والغنيّ: الّذي لا يحتاج إلى شيء؛ فيكون وجود كلّ شيء عنده وعدمه سواء. وقوله تعالى: ﴿(ذُو الرَّحْمَةِ)﴾ بيان أنه تعالى مع كونه غنيّا عن شكر العباد وطاعتهم ذو إنعام عليهم. والمعنى: وربّك الغنيّ عن خلقه ذو الرحمة بهم، ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ؛﴾ أي إن يشاء يهلككم يا أهل مكّة؛ ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ؛﴾ ويخلف من بعدكم؛ أي من بعد إهلاككم؛ ﴿ما يَشاءُ؛﴾ خلقا آخر أطوع لله منكم؛ ﴿كَما أَنْشَأَكُمْ؛﴾ أي مثل ما ابتدأ خلقكم قرنا بعد قرن؛ ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ؛﴾ أي من أولاد؛ ﴿قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ (١٣٣)؛هالكين. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ؛﴾ أي إنّ الذي تخافون من البعث والعذاب لكائن لا خلف فيه، ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (١٣٤)؛أي فائتين لستم تقدرون أن تعجزوا الله عن إدراككم. قوله تعالى: ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: اثبتوا على حالتكم وعلى عملكم القبيح الذي أنتم عليه وعلى منازلكم؛ ﴿إِنِّي عامِلٌ؛﴾ في أمري على منزلتي، وهذا على سبيل الوعيد والتّهديد، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ؛﴾ أي ﴿(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)﴾ أيّنا يكون له العاقبة المحمودة في الدّنيا؛ وفي الآخرة، ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ (١٣٥)؛أي لا يظفرون بمرادهم. وقرأ السلميّ وعاصم «(على مكاناتكم)» على لفظ الجماعة. وقرأ مجاهد وأهل الكوفة إلا عاصما: «(من يكون)» بالياء؛ لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي. وقوله : ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ أهل

стр. 1058

الجاهليّة كانوا إذا حرثوا حرثا؛ جعلوا لله خطّا؛ وقالوا: ما دون هذا الخطّ لآلهتنا ينفق عليها وعلى خدّام الأصنام، وما وراء هذا الخطّ لله يتصدّق به على أهل الحاجة والمسكنة والسّائلين. وكانوا إذا أرسلوا الماء فيما سمّوه لله تعالى، فانفجر منه إلى الّذي جعلوه لآلهتهم تركوه؛ وقالوا: هذا أحوج والله غنيّ عنه، وإذا انفجر من الّذي جعلوه لأصنامهم؛ ردّوه وقالوا: ليس لآلهتنا بدّ من النّفقة. وكانوا إذا هلك الّذي لآلهتهم؛ وكثر الّذي لله؛ أخذوا الّذي لله وأنفقوه على الأصنام، وإذا هلك الّذي لله؛ وكثر الّذي للأصنام قالوا: لو شاء الله لأزكى الّذي له) (١). ومعنى الآية: وجعل المشركون من أهل مكّة لله ممّا خلق من الزّرع والأنعام نصيبا، وللأصنام نصيبا؛ فقالوا: هذا نصيب الله بقولهم، ولم يأمرهم الله تعالى بذلك، وهذا النصيب الآخر لآلهتنا. وفي الآية إضمار تقديره: وجعلوا لله نصيبا ولشركائهم نصيبا. وقوله تعالى: ﴿(بِزَعْمِهِمْ)﴾ قرأ السلميّ والأعمش والكسائيّ بضمّ الراء، والباقون بفتحها، وهما لغتان. وقوله تعالى: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ؛﴾ أي ما كان من نصيب آلهتهم فلا يرجع إلى الذي جعلوه لله، ﴿وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ؛﴾ اى يرجع الى الذى جعلوه لشركائهم ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ (١٣٦) أي بئس ما يقضون؛ يوفّون نصيب الأصنام وينقصون نصيب الرّحمن، فبئس الحكم حكمهم في الإشراك وبالقسمة. وكانوا يفعلون بالأنعام الثمانية أزواج ونحوها كذلك. قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ؛﴾ قال ابن عبّاس: (كان أهل الجاهليّة يدفنون بناتهم أحياء كراهية للبنات، وكان الرّجل منهم يحلف لئن ولد له كذا وكذا غلاما لينحر أحدهم كما حلف عبد المطّلب على ابنه عبد الله. وكان لآلهتهم خدّام يقومون

стр. 1059

عليهم الّذين كانوا يزيّنون للمشركين قتل أولادهم) (١). ومعنى الآية: وكما زيّن تحريم الحرث والأنعام؛ زيّن لكثير من المشركين دفن بناتهم أحياء كراهية لهنّ ومخافة الفقر، وقوله تعالى: ﴿(شُرَكاؤُهُمْ)﴾ أي قرناؤهم وشياطينهم، وقيل: سدنة آلهتهم؛ يعني خدّام أصنامهم. قرأ بعضهم: «(زيّن)» على ما لم يسمّ فاعله، ورفع قوله: «(قتل أولادهم شركاؤهم)» يحمل على المعنى على الفاعل؛ كأنه قال: من زيّن لهم، ثم قال ﴿(شُرَكاؤُهُمْ)﴾ على إضمار (زيّنه).وقرأ ابن عامر بضمّ الزاي، وقيل: بضمّ اللام «(أولادهم)» بالنصب و «(شركائهم)» بالكسر. ومعنى ذلك: على التقديم والتّأخير؛ كأنه قال: زيّن لكثير من المشركين قتل شركايهم (٢) أولادهم، فيكون معنى الشركاء الكفار القاتلون، المتقدّمون منهم والباقون. وقوله تعالى: ﴿(لِيُرْدُوهُمْ)﴾ أي ليهلكوهم. يجوز أن تكون هذه لام العاقبة، إن لم يكن غرضهم بذلك الأمر إهلاكهم، ويجوز أن تكون لام الغرض؛ لأنه قد كان فيهم معاندون وغير معاندين؛ فغلبت صفة المعاندين. قوله تعالى: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ؛﴾ أي ليخلطوا ويشبهوا عليهم دينهم دين إسماعيل ﵇. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ؛﴾ أي لو شاء الله لمنعهم من دفن البنات أحياء، ﴿فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾ (١٣٧)؛أي اتركهم وافتراءهم على الله أنه أمرهم بدفن بناتهم أحياء، فإنّ الله تعالى مع قدرته عليهم تركهم؛ فاتركهم أنت، فإنّ لهم موعدا يحاسبون فيه.

стр. 1060

وقرئ: «(قتل أولادهم شركائهم)» كلاهما بالكسر، فتكون الشركاء من نعت الأولاد (١)؛لأن أولادهم شركاؤهم في أموالهم. قوله : ﴿وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ؛﴾ أي قالوا: هذه الأنعام والحرث التي جعلوا بعضها لله وبعضها للأوثان حجر؛ أي حرام لا يأكلها ولا يذوقها إلا من يأذن له في أكلها؛ وهم الرجال دون النّساء، ﴿(بِزَعْمِهِمْ)﴾ أي بقولهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها؛﴾ هي البحيرة والسّائبة والحام؛ حرّموا الركوب عليها، وأما الوصيلة فإنّها كانت من الغنم خاصّة. قوله تعالى: ﴿وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا؛﴾ أي وأنعام أخر كانوا يذبحونها للأصنام تقرّبا إليها؛ زعموا أنّ الله أمرهم بذلك. قوله تعالى: ﴿اِفْتِراءً عَلَيْهِ؛﴾ أي على الله، نصب على معنى: ﴿(لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا)﴾ كذبا على الله أنه أمرهم بذلك. وقيل: نصب على المصدر؛ أي افتروا افتراء. وقوله تعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (١٣٨)؛أي سيكافئهم بكذبهم وافترائهم على الله. قوله تعالى: ﴿وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا؛﴾ أي قال أهل الجاهليّة: إنّ الأجنّة التي في بطون هذه الأنعام -التي زعموا أنّها لأوثانهم-إذا انفصلت عن الأمّهات؛ فهي حلال لرجالنا منافعها وألبانها، ومحرّم على نسائنا ما دامت تلك حيّة. وأمّا تأنيث ال (خالصة)؛فعلى معنى: سألهم. قال جماعة: ما في بطون هذه الأنعام أو الأنعام التي في بطون هذه الأنعام. وأما تذكير قوله: ﴿(وَمُحَرَّمٌ)﴾ فلأنه مردود على لفظ (ما).وقرأ الأعمش: «(خالص لذكورنا)» بغيرها، وردّه إلى (ما).ومن نصب (خالصة) فعلى القطع؛ تقديره: ما في بطون هذه الأنعام لذكورنا خالصا. وقرأ ابن عبّاس: «(خالصة)» بالإضافة إلى الهاء.

стр. 1061

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً؛﴾ أي قالوا: وإن تكن أجنّة هذه الأنعام ميتة؛ ﴿فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ؛﴾ الرّجال والنساء. قرأ أبو جعفر وابن عامر: «(وإن تكن)» بالتاء «(ميتة)» بالرفع على معنى وإن يقع. وقرأ ابن كثير كذلك إلا أنه بالياء، وقرأ أبو بكر التاء «(تكن ميتة)» بالنصب على معنى: وإن تكن الأجنة ميتة. وقرأ الباقون «(يكن)» بالياء والنصب، وردّوه إلى ما يؤيّد ذلك قوله: ﴿(فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ)﴾ ولم يقل: فيها. قوله تعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ؛﴾ أي سيجزيهم في الآخرة بوصفهم الذي وصفوا في هذه الأنعام، إلا أنه لمّا حذف الباء انتصب، ويجوز أن يكون معناه: سيجزيهم جزاء وصفهم، إلا أنه حذف الجزاء، وأجرى إعرابه على ﴿(وَصْفَهُمْ)،﴾ ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ؛﴾ في مجازاتهم؛ ﴿عَلِيمٌ﴾ (١٣٩)؛بمقدار جزائهم. والمعنى: سيجزيهم على وصفهم الكذب على الله. قوله : ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ؛﴾ أي الذين قتلوا بناتهم أحياء جهلا منهم، ﴿(بِغَيْرِ عِلْمٍ)﴾ أي بلا بيان ولا حجّة. نزلت في ربيعة ومضر الذين كانوا يدفنون بناتهم أحياء مخافة السّبي والفقر، إلا من كان من بني كنانة، فإنّهم كانوا لا يفعلون ذلك (١).وقرأ الحسن والسلميّ وأهل مكة والشّام: «(قتّلوا)» بالتشديد على التّكثير، وخفّف الباقون. قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِراءً عَلَى اللهِ؛﴾ أي حرّموا على أنفسهم ما أعطاهم الله من الرّزق ومن الأنعام والحرث، يعني: أنّ هؤلاء الكفّار لجهلهم يقتلون البنات أحياء مخافة الفقر والإنفاق، ثم يجعلون طائفة من أموالهم للأوثان، ويحرّمونها على إناث أولادهم. وقوله: ﴿(افْتِراءً عَلَى اللهِ)﴾ أي يفترون ذلك افتراء على الله؛ بأنّ الله حرّم هذه الأشياء. قوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا؛﴾ أي ضلّوا في فعلهم هذا عن الهدى، ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١٤٠)؛من الضّلالة.

стр. 1062

قوله تعالى: ﴿*وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ؛﴾ أول هذه الآية راجع إلى ما قبلها، كأنه قال: افتراء على الله وهو الّذي أنشأ جنّات؛ أي هو الذي خلق بساتين معروشات؛ وهي الكروم رفع بعض أغصانها على بعض، ﴿(وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ)﴾ وهي الشّجر والزّرع وكلّ ما لا يرتفع بعضه على بعض، هكذا روي عن ابن عبّاس والحسن. ويقال: معنى ﴿(مَعْرُوشاتٍ)﴾ ما لا يرفع له حيطان، ﴿(وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ)﴾ ما لا يجعل له حائط، وقيل: ﴿(مَعْرُوشاتٍ)﴾ ما انبسط على الأرض وأنبت مما يغرس مثل الكرم والقرع والبطّيخ وشبهها، ﴿(وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ)﴾ ما قام على ساق فطال مثل النّخل والزّرع وسائر الأشجار. وقال الضّحاك: ﴿(مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ)﴾ الكرم خاصّة؛ منها ما غرس؛ ومنها ما لم يغرس).وروي عن ابن عبّاس ﵄ أيضا: (أنّ ال (معروشات) ما نبته النّاس، ﴿(وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ)﴾ ما أخذ من البراري والجبال من الثّمار) (١).يدلّ عليه قراءة علي ﵁ «(مغروسات وغير مغروسات)» بالغين والسين (٢). قوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ؛﴾ معناه: وأنشأ النخل والزرع، وهذا تخصيص بعض ما دخل في عموم الأوّل؛ لكونهما أعمّ نفعا من جملة ما يكون في البساتين. وقوله تعالى: ﴿(مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ)﴾ أي مختلفا جملة من الألوان كلّها، ومختلف في الطّعم من الحلو والحامض والمرّ؛ والجيّد والرّديء. ونصب (مختلفا) على الحال؛ أي أنشأه في حال اختلاف أكله. وقد يقال: ارتفع (أكله) بالابتداء (مختلفا) نعته، إلا أنه لمّا تقدّم النعت على الاسم نصب، كما يقال: عندي طبّاخا غلام، قال الشاعر: الشّرّ مستتر يلقاك عن غرض ... والصّالحات عليها مغلقا باب

стр. 1063

قوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ؛﴾ أي وأنشأ شجر الزّيتون والرّمّان، ﴿مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ؛﴾ أي منها ما هو متشابه؛ ومنها ما هو غير متشابه. وقيل: (متشابها) بالنّظر (وغير متشابه) في الطّعم؛ نحو: كالرّمّانتين لونهما واحد؛ وطعمهما مختلف. قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ؛﴾ هذا أمر إباحة لا أمر إيجاب، والفائدة في قوله تعالى: ﴿(إِذا أَثْمَرَ)﴾ إباحة الأكل من قبل إخراج الحقّ الذي وجب فيه شائعا للمساكين. قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ؛﴾ أي أعطوا حقّ الله تعالى يوم يحصد، أرادوا العشر فيما سقته السّماء، ونصف العشر فيما سقي بغرب ودالية. قال ابن عبّاس والحسن وقال ابن عمر ﵁: (﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ؛﴾ ما يتطوّع به الإنسان عند رفع الغلّة والتّصدّق به) (١). قال مجاهد: (إذا حصدت فحضرك المساكين، فاطرح لهم منه، وإذا درسته وذرّيته فاطرح لهم منه، فإذا عرفت كيله فأخرج زكاته) (٢).قال إبراهيم النّخعيّ: (هذه الآية منسوخة بالعشر ونصف العشر) (٣).وفي قوله: «(حصاده)» قراءتان بكسر الحاء وفتحها. قوله تعالى: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١٤١)؛هذا خطاب للأئمّة؛ أي لا تأخذوا فوق حقّكم، وقيل: خطاب لأرباب الأموال لا يتصدّقوا بالجميع؛ فلا تبقوا للعيال شيئا. قال ابن عبّاس: (كانوا يتسرّعون بالمعروف عند الحصاد، فيعطون المساكين والفقراء، فعمد ثابت بن قيس بن شمّاس من بينهم خاصّة، فصرم خمسمائة نخلة وقسّمها في موضع واحد، ولم يترك لأهله شيئا، فكره

стр. 1064

الله ذلك وأنزل قوله تعالى: ﴿(وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)﴾. أي لا تجاوزوا الحدّ فتحتاجوا إلى ما عند الناس. وقال الأزهريّ: (الإسراف: هو الإنفاق في معصية الله تعالى).وقال مجاهد: (لو كان أبو قبيس ذهبا فأنفقته في طاعة الله لم تكن سرفا، ولو أنفقت درهما أو دونه في معصية الله تعالى لكنت مسرفا) (١). قوله تعالى: ﴿(إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)؛﴾ ظاهر المعنى، فقيل: معنى ﴿(لا تُسْرِفُوا)﴾ لا تنقصوا عن العشر أو نصف العشر؛ فتمنعوا الصدقة وتأكلوا حقّ المساكين. قوله : ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً؛﴾ الحمولة: كبار الإبل الّتي يمكن الحمل عليها، والفرش: صغارها الّتي لا يمكن الحمل عليها، سميت فرشا لاستوائها في الصّغر والانحطاط كما سوّي ما يفرش. وقيل: سميت فرشا؛ لقربها من الإبل، وتسمى أيضا الغنم: فرشا. والمعنى: مما نشاء من الأنعام حمولة وفرشا. ويقال: أراد بالفرش ما يفرش من الثّياب والبسط التي تعمل من الوبر. إلا أنّ القول الأوّل أقرب؛ لأنّ الله تعالى ذكر في الآية بعدها: ﴿(ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ)؛﴾ أي أنشأ الله في الحمولة والفرش ثمانية أزواج. قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ؛﴾ إذن في الأكل من الحرث والأنعام، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ؛﴾ في تحريم الحرث والأنعام؛ أي ولا تتّبعوا طرق الشيطان، فإنه لا يدعوكم إلاّ إلى المعصية، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١٤٢)؛أي ظاهر العداوة؛ وقد بانت عداوته لأبيكم آدم ﵇. قوله تعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ؛﴾ معناه: وأنشأ لكم ﴿(ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ)﴾ أي أصناف، ﴿(مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ)﴾ ذكر وأنثى، يعني بالذكر زوجا وبالأنثى زوجا، يقال لكلّ من له قرين: زوج، كما قال تعالى: ﴿اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٢).

стр. 1065

قوله تعالى: ﴿(وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ)﴾ أي ذكر وأنثى زوجين اثنين. والضّأن: ذوات الإلية، وهو جمع ضائن، كما يقال: تاجر وتجر، وقيل: واحده ضائنة. والمعز: ذوات الأذناب القصار، وفيه قراءتان: تسكين العين؛ وفتحها. قوله: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أي قل لهم يا محمّد: من أين جاء هذا التحريم الذي تذكرونه أيّها الكفار في الولد السّابع في الغنم أنه حرام على النساء؛ حرّم الله الذكر من الضأن؛ والذكر من المعز؛ فحرّم ولدهما لحرمة الإناث؟ فإن جاء هذا التحريم من قبل ذكورهما؛ فيجب أن تكون كلّ أنثى حرام عليكم، وإن كان من قبل اشتمال أرحام الأنثيين؛ فيجب أن يكون كلّ أولادهما من الذكر والأنثى حراما عليكم؛ لأنّ الأرحام تشتمل عليهما جميعا. قوله تعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٤٣)؛أي قل للكافرين خبروني وفسّروا لي ما حرّم عليكم ببيان حجّة إن كنتم صادقين في مقالتكم: إنّ الله حرّم الوصيلة ونحوها. وإنّما قال: ﴿(إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)﴾ لأن الصّدق لا يمكن إلا بعلم. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ؛﴾ أي وأنشأ من الإبل اثنين؛ ذكر وأنثى من جملة الثمانية الأزواج، ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ؛﴾ ذكر وأنثى، ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: إنّكم تحرّمون الولد من الجاموس والإبل والبقر على النّساء، فمن أين جاء هذا التحريم؛ من قبل الذكور؛ ﴿أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ؛﴾ أي من قبل الإناث؟ ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ؛﴾ أي من الذي اشتملت عليه أرحام الأنثيين، ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا؛﴾ أي أم شاهدتم الله تعالى حرّم هذه الأشياء التي تحرّمونها وأمركم بتحريمها. يعني إذا كنتم لا تقرّون بنبيّ من الأنبياء؛ فمن أين علمتم تحريم الله؛ أبالقياس؟ لأنّ الله تعالى أمر نبيّه ﵊ أن يناظرهم، ويبيّن بالحجّة فساد قولهم وبطلان اعتقادهم، فلمّا نزلت هذه الآية قرأها رسول الله ﷺ على أبي الأحوص

стр. 1066

الجشمي ومالك بن عوف (١) -وكان هو الّذي يحرّم لهم، وكانوا يرجعون إليه فيه- فسكت مالك وتحيّر في الجواب. فقال ﷺ : [ما لك يا مالك لا تتكلّم؟] فقال له مالك: بل تكلّم أنت؛ أنا أسمع (٢). فنزل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛﴾ هذا استفهام بمعنى التّوبيخ والتّعجّب؛ معناه: أيّ أحد أعتى وأجرا على الله ممّن اختلق على الله كذبا ﴿(لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ)﴾ أي ليصرف الناس عن دينه وحكمه بالجهل، ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٤٤)؛أي لا يهديهم إلى الحجّة فيما افتروا على الله، ويقال: لا يهديهم إلى حجّته وثوابه. فلما نزلت هذه الآية قال مالك بن عوف: فيم هذا التحريم الذي حرّمه آباؤنا من السّائبة والوصيلة والحام والبحيرة؟ فأنزل الله : ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ؛﴾ فقرأ النبيّ ﷺ الآية، ثمّ قال: [يا مالك؛ أسلم] فقال: إنّي امرؤ من قومي فأخبرهم عنك. فأبى قومه؛ فقالوا: كيف رأيت؟ فقال: رأيت رجلا معلّما. وذكر لهم؛ فقالوا: إنّا وجدنا آباءنا على أمّة وإنّا على آثارهم مقتدون (٣). ومعنى الآية: قل لهم يا محمّد: لا أجد في ما أوحي إليّ من القرآن شيئا محرّما على آكل يأكله إلاّ أن يكون ميتة لم يذكّ؛ وهي تموت حتف أنف. فمن قرأ «(إلاّ أن يكون)» بالياء فعلى معنى: إلاّ أن يكون المأكول ميتة. ومن قرأ بالتاء؛ فعلى

стр. 1067

معنى: إلا أن تكون تلك الأشياء ميتة. وقرأ عليّ ﵁: «(يطّعمه)» بتشديد الطاء، فأدغم التاء في الطاء. قوله تعالى: ﴿(أَوْ دَماً مَسْفُوحاً)﴾ أي دما مصبوبا سائلا، فكانوا إذا ذبحوا أكلوا الدم كما يأكلون اللّحم. وفي الآية دليل على أن الدّم إذا لم يكن سائلا مثل الدم الذي يكون في عروق اللّحم المذكّى؛ فإنه لا يكون محرّما؛ هكذا قال عكرمة وقتادة، وقال عمران بن حدير: (سألت أبا مجلز عمّا يتلطّخ باللّحم من الدّم حتّى يرى فيه حمرة الدّم؛ قال: لا بأس به؛ إنّما نهي عن الدّم المسفوح وهو المهراق السّائل، لكن يحرم لعينه) (١).وقوله تعالى: ﴿(أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ)﴾ فيه بيان أنّ لحم الخنزير لا يحرم لكونه ميتة، لكن يحرم لعينه. وقوله تعالى: ﴿(أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ)﴾ عطف على قوله: ﴿(أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ)﴾. والمراد بالفسق: المذبوح للصّنم؛ وهو الذي يذكر على ذبحه اسم غير الله. ومعنى: ﴿(أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ)﴾ أي رفع به؛ مأخوذ من الإهلال الذي هو رفع الصّوت؛ ومنه إهلال المحرم في الحجّ، ومنه قوله ﷺ : [إذا استهلّ الصّبيّ ورث وصلّى عليه] (٢). وأما الرّجس؛ فمعناه: الحرام، وكلّ ما استقذرته فهو رجس، والرّجس العذاب في غير هذا الموضع. قوله : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ؛﴾ أي من دعته الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرّمات؛ غير طالب التلذّذ بتناوله، ولا متجاوز قدر المباح منه؛ ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٤٥)؛إذ رخّص لكم تناول هذه الأشياء عند الضّرورة؛ أي أكل شيء من هذه المحرّمات. فإن قيل: لم قصر التحريم في هذه الآية على الأشياء المذكورة فيه؛ مع أنه تعالى قد حرّم أشياء غيرها في أوّل سورة المائدة؟ قيل: لأنّ هذه الآية مكيّة؛ نزلت في جواب الذين جادلوا رسول الله ﷺ في تحريم البحيرة ونحوها، فكانت هذه الأربع

стр. 1068

المحرّمات المذكورات في هذه الآية محرّمة يوم المجادلة، ثم نزلت بعد هذه الآية تحريم غيرها بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ في سورة المائدة (١). وهذه الآية لا تمنع شيئا آخر لخبر الآحاد، والقياس على المحرّمات المنصوصة لاتّفاق الفقهاء على تحريم أشياء غير مذكورة في هذه الآية كالخمر ولحم القرد والنجاسات. وأما الخبر المرويّ عن رسول الله ﷺ أنه: [نهى عن أكل كلّ ذي ناب من السّباع؛ وكلّ ذي مخلب من الطّير] (٢) فهو بمنزلة آية من كتاب الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣). قوله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ؛﴾ في هذه الآية بيان ما حرّم الله على اليهود. قال ابن عبّاس: (أراد بقوله: ﴿(كُلَّ ذِي ظُفُرٍ)﴾ الإبل والنّعام والبطّ والإوزّ وما أشبه ذلك ممّا لا يكون منفرج الأصابع) (٤).وقيل: أراد به ما يصيد بالظّفر مثل النّسور والبراري وما يشاكل ذلك من السّباع والكلاب. وقال ابن زيد: (هي الإبل فقط) (٥) قرأ الحسن: «(كلّ ذي ظفر)» بكسر الظّاء وإسكان الفاء. وقرأ أبو السّمال: «(ظفر)» بكسرهما جميعا (٦)؛وهي لغة. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما؛﴾ من الشّحم وهو السّمن، ﴿أَوِ؛﴾ ما حملت؛ ﴿الْحَوايا؛﴾ وهي المباعر والأمعاء التي عليها الشّحم من داخلها؛ واحدتها حاوية وحاوياء

стр. 1069

وحويّة؛ سميت بذلك لأنّها تحوي ما في البطن. وقوله: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ؛﴾ أراد به ما يكون من الشّحم المخلّط من اللّحم على عظم الجنب. وأما الإلية؛ فقد كانت داخلة في التحريم. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ؛﴾ أي ذلك التحريم عاقبناهم بظلمهم، ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ (١٤٦)؛فيما نقول إنّ هذه الأشياء كانت حلالا في الأصل؛ فحرّمناها على اليهود بمعصيتهم ومخالفتهم لأنبيائهم، وكانت اليهود مع هذا التحريم يجملون الشّحوم فيبيعونها؛ فيستحلّون تمنها؛ كما قال ﷺ : [لعن الله اليهود؛ حرّمت عليهم الشّحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها؛ إنّ الله تعالى إذا حرّم شيئا حرّم بيعه وأكل ثمنه] (١). فلمّا نزلت هذه الآية؛ قال ﷺ : [هذا ما أوحى الله تعالى إليّ أنّه محرّم منه على المسلمين، ومنه على اليهود] (٢).فقال المشركون: إنّك لم تصب فيما قلت، فقال الله : ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ؛﴾ أي إن أنكروا ولم يقبلوا قولك؛ فقل: ﴿(رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ)﴾ بالإمهال بأن لن يعاجلكم بالعقوبة؛ ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١٤٧)؛أي لا يردّ عذابه عن المشركين واليهود إذا جاء وقت العذاب. قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا؛﴾ أي آباؤنا من قبلنا الذين استننّا بهم، ﴿وَلا حَرَّمْنا؛﴾ على أنفسنا؛ ﴿مِنْ شَيْءٍ؛﴾ من الحرث والأنعام، ولكنه شاء لنا الشّرك والتحريم. قال الله تعالى: ﴿كَذلِكَ كَذَّبَ؛﴾ أي قال؛ ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ أي هكذا كذب الذين من قبلهم رسلهم كما كذب قومك، ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا؛﴾ أي عذابنا. ومن قرأ «(كذلك كذب الّذين)» بالتخفيف؛ فمعناه: كما كذب قومك على الله؛ كذلك كذب من قبلهم من الأمم الخالية على الله؛ حتى ذاقوا عذابنا.

стр. 1070

قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: هل عندكم من علم من بيان وحجّة غير ما في القرآن؛ فبيّنوه لنا، ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ؛﴾ يعني ظنّهم في تحريم البحيرة والسّائبة والوصيلة والحام. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ (١٤٨)؛أي ما أنتم إلاّ تكذبون على الله. قال المشركون: لو شاء الله ما أشركنا، على وجه الاستهزاء؛ فكذبهم الله في ذلك، وإن كانت المشيئة حقّا كما في سورة (المنافقون): ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ (١) فكذبهم الله في قولهم: إنّك لرسول الله؛ وإن كان ذلك حقّا؛ لأنّهم قالوا على وجه الاستهزاء. قوله تعالى: ﴿(وَلا آباؤُنا)﴾ عطف على المضمر المتّصل؛ معناه: ما أشركنا نحن ولا آباؤنا. ثمّ اعلم أنّ بعضهم قال: إنّ مشيئة المعاصي إذا أضيفت إلى الله تعالى كان معناها الخذلان مجازاة لهم على سوء أفعالهم، وإصرارهم على المعصية. قوله : ﴿قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١٤٩)؛ أي إنّ الله قد أبلغكم حجّته؛ وهو ما أحلّه من الثمانية أزواج؛ فلو شاء لوفّقكم لدينه وأكرمكم بمعرفته. وقال الحسن: (معناه: قد قامت عليكم الحجّة وجاءكم الرّسول؛ فلو شاء لوفّقكم وأجبركم على الإيمان).و ﴿(الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ):﴾ التّامّة الكافية (٢). قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: هاتوا شهداءكم الّذين يشهدون أنّ الله حرّم هذه الأشياء، ﴿فَإِنْ شَهِدُوا؛﴾ بأنّ الله حرّمها، ﴿فَلا تَشْهَدْ،﴾ أنت يا محمّد، ﴿مَعَهُمْ؛﴾ لأنّهم لا يشهدون إلاّ الباطل.

стр. 1071

قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ؛﴾ أي لا تعمل بهوى الذين جحدوا بك وبالقرآن؛ ولا بهوى الذين لا يصدّقون بالبعث. وإنّما فصل بين الفريقين؛ لأنّ من الكفار من يؤمن بالبعث كأهل الكتاب؛ ومنهم من لا يؤمن بذلك كعبدة الأوثان. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (١٥٠)؛أي يسوّون بالله تعالى في الطاعة. قوله : ﴿*قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ؛﴾ أي قل يا محمّد لمالك بن عوف الجشمي ولأصحابه: هلمّوا واجتمعوا أقرأ عليكم الذي حرّم ربّكم عليكم. وقوله تعالى: ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً؛﴾ أي أوصيكم وآمركم أن لا تشركوا. ويقال: أتلو عليكم أن لا تشركوا كما في قوله: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً؛﴾ أي وأوصيكم بالوالدين؛ أي بالإحسان إلى الوالدين برّا بهما وعطفا عليهما، ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ؛﴾ أي لا تدفنوا بناتكم أحياء مخافة الفقر. والإملاق في اللغة: نفاد الزّاد والنّفقة، يقال: أملق الرجل؛ إذا نفد زاده ونفقته، ومنه الملق؛ وهو بذل المجهود في تحصيل المراد. قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ؛﴾ أي علينا رزقكم ورزقهم جميعا. قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ؛﴾ أي لا تقربوا الزنا مسرّين ولا معلنين، ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي إلاّ بإحدى ثلاث خلال: زنا بعد إحصان؛ وكفر بعد إيمان؛ وقتل نفس بغير حقّ. وروي أن عثمان ﵁ حين أرادوا قتله أشرف عليهم وقال: (علام تقتلوني؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لا يحلّ دم امرئ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان؛ فعليه الرّجم، ورجل قتل عمدا، أو ارتدّ بعد إسلامه].فو الله ما زنيت في جاهليّة ولا إسلام؛ ولا قتلت أحدا فأفتدي نفسي منه؛ ولا ارتددت منذ أسلمت؛

стр. 1072

إنّي أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله ﷺ (١). قوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ؛﴾ أي هذا الذي ذكر لكم أمركم الله في كتابه لكي تفعلوا ما أمركم به، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١٥١). قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ؛﴾ أي لا تقربوا مال اليتيم الذي لا أب له إلا لحفظه وتمييزه وإصلاحه، ﴿(حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ)﴾. قال الشعبيّ: (هو بلوغ الحلم؛ حيث تكتب الحسنات وتكتب عليه السّيّئات). وقال السّدّيّ: (الأشدّ: أن يبلغ ثلاثين سنة) (٢).وقال الكلبيّ: (ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة).وجعل أبو حنيفة غاية الأشدّ: (خمسا وعشرين سنة؛ فإذا بلغها دفع إليه ماله ما لم يكن معتوها). قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ؛﴾ أي أتمّوا الكيل والوزن بالعدل عند البيع والشّراء، ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها؛﴾ أي إلاّ طاقتها وجهدها. وهذه الآية أصل في جواز الاجتهاد في الأحكام، وإنّ كلّ مجتهد مصيب؛ فإذا اجتهد الإنسان في الكيل والوزن، ووقعت فيه زيادة يسيرة أو نقصان يسير لم يؤاخذه الله به إذا اجتهد جهده، وإنه اعتاد الكيل على ذلك فزاد أو نقص أثبت التراجع إذا كان ذلك القدر من التفاوت مما يقع بين الكيلين. قوله تعالى: ﴿وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى؛﴾ أي إذا قلتم فاعدلوا في المقالة. قيل: معناه: قولوا الحقّ إذا شهدتم وحكمتم ولو كان المشهود عليه أولي قرابة من الشاهد.

стр. 1073

قوله تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا؛﴾ أي أتمّوا فرائض الله التي أمركم بها، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ﴾ (١).ويقال: أراد بالعهد في هذه الآية: النّذر واليمين، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ﴾ (٢).قوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١٥٢)؛أي في هذا الذي ذكره الله لكم وأمركم الله به في الكتاب لكي تتّعظوا فتمتنعوا عن المحرّمات. قوله : ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً؛﴾ في الجنّة. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ؛﴾ أي اعتقدوا حلال هذا الدين وحرامه ومأمورة ومنهيّه، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ؛﴾ أي ولا تتّبعوا اليهوديّة والنصرانيّة وسائر ملل الكفر؛ فإنّها سبيل الشّيطان وهي طريق النّار. قوله تعالى: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ؛﴾ أي فيضلّكم ذلك السّبل الذي تتّبعونه بهواكم عن دين الله الذي هو الإسلام، ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ؛﴾ أي هذا الذي أمركم الله به في القرآن، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٥٣)؛أي لتتّقوا السّبل المختلفة وتستقيموا على الإيمان. قال ابن عبّاس ﵄: (هذه الثّلاث آيات من المحكمات؛ وهنّ إمام في التّوراة والإنجيل والزّبور والفرقان؛ لم ينسخهنّ شيء في جميع الكتب؛ وهي محرّمات على بني آدم كلّهم؛ وهنّ أمّ الكتاب؛ من عمل بهنّ دخل الجنّة؛ ومن تركهنّ دخل النّار) (٣).قال كعب الأحبار: (والّذي نفس كعب بيده؛ إنّ هذه لأوّل شيء في التّوراة: بسم الله الرّحمن الرّحيم؛ ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾.إلى آخر الآيات الثّلاث) (٤).

стр. 1074

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ؛﴾ معناه: بل آتينا موسى الكتاب. وقيل: معنى (ثمّ) معنى العطف كأنه قال تعالى: أتل ما حرّم ربّكم عليكم ثم أتل ما آتاه الله موسى من التّوراة. قوله: ﴿(تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ)﴾ أي تماما للأحسن على المحسنين النّبيّ موسى ﵇ أحدهم. ويقال: معناه: تماما على ما أحسن موسى ﵇. وكان موسى ﵇ محسنا في معرفة العلم وكتب المتقدّمين، فأعطيناه التوراة زيادة على ذلك. و (تماما) نصب على القطع. وقيل: على التّفسير. وقرأ ابن عمر: «(على الّذي أحسن)» بالرفع على معنى: على الذي هو أحسن. قوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (١٥٤)؛أي تتميما بالإحسان إليهم؛ وتبيينا لكلّ شيء من الحلال والحرام؛ والهدى من الضّلالة؛ والنجاة من العذاب لمن آمن به وعمل بما فيه؛ لعلّهم بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال يقرّون ويصدّقون. قوله تعالى: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ؛﴾ أي وهذا القرآن كتاب أنزلناه فيه بركة وخير كثير لمن آمن به. ومعنى البركة: ثبوت الخير وديمومته، ﴿فَاتَّبِعُوهُ؛﴾ أي اقتدوا به في أوامره ونواهيه، ﴿وَاتَّقُوا،﴾ مخالفته وسخطه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١٥٥)؛لتكونوا على رجاء الرّحمة. قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا؛﴾ أي كراهة أن يقولوا: إنّما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا؛ أراد به التوراة لليهود؛ والإنجيل للنصارى، ﴿وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ (١٥٦)؛أي وقد كنّا عن قراءة كتبهم التوراة والإنجيل لغافلين عمّا فيه. وقيل: معناه: وما كنّا عن قراءة كتبهم التوراة والإنجيل إلاّ غافلين عمّا فيهما. قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ؛﴾ أي وكراهة أن يقولوا: لو أنّا أنزل علينا الكتاب كما أنزل على اليهود والنصارى، لكنّا أسرع إجابة منهم. وذلك: أنّ أهل مكّة كانوا يقولون: قاتل الله اليهود؛ كيف كذبوا على أنبيائهم، والله لو جاءنا نذير وكتاب لكنّا أهدى منهم.

стр. 1075

قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ؛﴾ أي القرآن بيانا ودلالة من ربكم، ﴿وَهُدىً؛﴾ من الضّلالة؛ ﴿وَرَحْمَةٌ؛﴾ لمن آمن به واتّبعه، رحم الله بإنزاله عباده. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ؛﴾ أي لا أجد أعتى ولا أجرأ على الله ممّن كذب بآيات الله، ﴿وَصَدَفَ عَنْها؛﴾ أي أعرض عنها، ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ (١٥٧)؛أي سنعاقب الذين يعرضون عن آياتنا بأقبح العذاب وأشدّه بإعراضهم وتكذيبهم. قوله : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ؛﴾ أي ما ينظر أهل مكة بعد نزول الآيات وقيام الحجج عليهم إلا إتيان ملك الموت وأعوانه لقبض أرواحهم؛ أي لم يبق إلاّ هذا. قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ؛﴾ معناه: أو يأتي أمر ربك بإهلاكهم والانتقام منهم؛ إمّا بعقاب عاجل أو بالقيامة. وقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ؛﴾ يعني طلوع الشّمس من مغربها. قال الحسن: (أو يأتي بعض آيات ربك الحاجّة من التّوبة)،قال رسول الله ﷺ : [بادروا بالأعمال ستّا: طلوع الشّمس من مغربها؛ ودابّة الأرض؛ وخروج الدّجّال؛ والدّخان؛ وخويصة أحدكم-يعني موته-،وأمر العامّة-يعني القيامة]. (١) وقال ﷺ : [باب التّوبة مفتوح من قبل المغرب مسيرة أربعين سنة، وملك قائم على ذلك الباب يدعو النّاس إلى التّوبة، فإذا أراد الله أن تطلع الشّمس من مغربها؛ طلعت من ذلك الباب سوداء لا نور لها؛ فتوسّطت السّماء ثمّ رجعت، فيغلق الباب وتردّ التّوبة، ثمّ ترجع إلى شرقها لتطلع بعد ذلك مائة وعشرين سنة، إلاّ

стр. 1076

أنّها سوداء تمرّ مرّا]. (١) وعن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا غربت الشّمس؛ رفع بها إلى السّماء السّابعة في سرعة طيران الملائكة، وتحبس تحت العرش، فيستأذن من أين تطلع؛ أمن مطلعها أم من مغربها، وكذا القمر، فلا يزالا كذلك حتّى يأتي الله بالوقت الّذي وقّته لتوبة عباده. وتكثر المعاصي في الأرض، ويذهب المعروف فلا يأمر به أحد، ويكثر المنكر فلا ينهى عنه أحد، فإذا فعلوا ذلك حبست الشّمس تحت العرش، فإذا مضى مقدار ليلة سجدت، واستأذنت ربّها من أين تطلع، فلم يجئ لها جواب حتّى يوافقها القمر، فيسجد معها؛ فلا يعرف مقدار تلك اللّيلة إلاّ المتهجّدون في الأرض؛ وهم يومئذ عصابة قليلة في هوان من النّاس. فينام أحدهم تلك اللّيلة مثل ما ينام قبلها من اللّيالي، ثمّ يقوم فيتهجّد ورده؛ فلا يصبح؛ فينكر ذلك، فيخرج وينظر إلى السّماء؛ فإذا هي باللّيل مكانها والنّجوم مستديرة، فينكر ذلك ويظنّ فيه الظّنون، فيقول: خفّت قراءتي؛ أو قصرت صلاتي؛ أم قمت قبل حين؟! ثمّ يقوم فيعود إلى مصلاّه، فيصلّي نحو صلاته في اللّيلة الثّانية، ثمّ ينظر؛ فلا يرى الصّبح، فيخرج فإذا هو باللّيل كما هو، فيخالطه الخوف، ثمّ يعود وجلا خائفا إلى مصلاّه، فيصلّي مثل ورده كلّ ليلة، ثمّ ينظر فلا يرى الصّبح؛ فيشتدّ به الخوف. فيجتمع المتهجّدون في كلّ ليلة من تلك اللّيالي في مساجدهم، ويجأرون إلى الله تعالى بالبكاء والتّضرّع. فيرسل الله تعالى جبريل ﵇ إلى الشّمس والقمر فيقول لهما: إنّ الله يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منه، فإنّه لا ضوء لكما عندنا ولا نور، فيبكيان عند ذلك وجلا من الله بكاء يسمعه أهل السّماوات السّبع وأهل سرادقات العرش، ثمّ يبكي من فيهما من الخلائق من خوف الموت والقيامة.

стр. 1077

فبينما المتهجّدون يبكون ويتضرّعون والغافلون في غفلاتهم؛ إذا بالشّمس والقمر قد طلعتا من المغرب أسودان لا ضوء للشّمس ولا نور للقمر كصفتهما في كسوفهما، فذلك قوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (١)،فيرتفعان كذلك مثل البعيرين ينازع كلّ واحد منهما استباقا، فيتصارخ أهل الدّنيا حينئذ ويبكون. فأمّا الصّالحون فينفعهم بكاؤهم، ويكتب لهم عبادة، وأمّا الفاسقون فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ، ويكتب ذلك عليهم حسرة وندامة. فإذا بلغ الشّمس والقمر سرّة السّماء ومنتصفها، جاء جبريل فأخذ بقرونهما فردّهما إلى المغرب؛ فيغربان في باب التّوبة]. فقال عمر: بأبي وأمّي أنت يا رسول الله؛ ما باب التّوبة؟ قال: [يا عمر؛ خلق الله بابا للتّوبة خلف المغرب؛ له مصراعان من ذهب؛ ما بين المصراع إلى المصراع أربعون سنة للرّاكب، فذلك الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك اللّيلة عند طلوع الشّمس والقمر من مغربهما، فإذا غربا في ذلك الباب ردّ المصراعان والتأم ما بينهما، فيصير كأن لم يكن بينهما صدع. فإذا أغلق باب التّوبة لم يقبل للعبد توبة بعد ذلك، ولم ينفعه حسنة يعملها إلاّ من كان قبل ذلك محسنا، فإنّه يجري عليه ما كان يجري قبل ذلك اليوم. فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً،﴾ قال السّدّيّ: (لا ينفع أحدا فعل الإيمان ولا فعل الخير في تلك الحالة، فإنّما ينفع فعل هذا قبل تلك الحال) (٢). وقيل: معنى (خيرا) إخلاصا؛ أي إذا لم تكن النفس مخلصة قبل مجيء الآيات؛ لا ينفعها الإخلاص بعد مجيء الآيات، ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (١٥٨)، فقال أبيّ بن كعب: يا رسول الله؛ وكيف بالشّمس والقمر بعد ذلك؟ وكيف بالنّاس

стр. 1078

والدّنيا؟ فقال: [يا أبيّ؛ إنّ الشّمس والقمر يكبتان الضّوء بعد ذلك، ثمّ يطلعان ويغربان كما كانا قبل ذلك يطلعان ويغربان. فإنّ النّاس رأوا ما رأوا في فظاعة تلك الآية، يلحون على الدّنيا (١) حتّى تجري إليها الأنهار ويغرسوا فيها الأشجار، ويبنوا فيها البنيان]. فقال حذيفة بن أسيد والبراء بن عازب: كنّا نتذاكر السّاعة إذ أشرف علينا رسول الله ﷺ ؛ فقال: [ما تتذاكرون؟] قلنا: السّاعة يا رسول الله، قال: [إنّها لا تقوم حتّى يخرج الدّجّال؛ ودابّة الأرض؛ ويأجوج ومأجوج؛ ونار تخرج من قعر عدن؛ ونزول عيسى؛ وطلوع الشّمس من مغربها] (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تقوم السّاعة حتى تطلع الشّمس من مغربها؛ فإذا طلعت ورآها النّاس؛ آمنوا جميعا، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا] (٣). قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ؛﴾ قرأ حمزة والكسائيّ: «(فارقوا)» بالألف؛ أي خرجوا من دينهم وتركوه؛ وهي قراءة عليّ ﵁ (٤).وقرأ الباقون «(فرّقوا)» بالتّشديد بغير ألف؛ وهي قراءة ابن مسعود وابن عبّاس وأبيّ بن كعب؛ أي جعلوا دين الله فرقا يتهوّد قوم، ويتنصّر قوم، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿(وَكانُوا شِيَعاً)﴾ أي فرقا مختلفة. وقال مجاهد: (أراد بهم اليهود) (٥) فإنّهم كانوا يمالئون المشركين على المسلمين لشدّة عداوتهم. وقال قتادة: (هم اليهود والنّصارى؛ فإنّ بعضهم يكفّر

стр. 1079

بعضا) (١).وعن أبي هريرة أنه قال: (هم أهل البدع والضّلالة من هذه الأمّة، فإنّ بعضهم يكفّر بعضا بالجهالة) (٢). قوله : ﴿وَكانُوا شِيَعاً؛﴾ أي فرقا مختلفة، والشّيع: جمع الشّيعة؛ وهي الفرقة التي يتبع بعضها بعضا؛ يقال: شايعه على الأمر؛ إذا اتّبعه، وقيل: أصل الشّيع الظّهور؛ يقال: شاع الحديث يشيع؛ إذا ظهر. قوله تعالى: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ؛﴾ أي لست من مذاهبهم الباطلة في شيء؛ أي أنت بريء من جميع ذلك، ﴿إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ؛﴾ أي مصيرهم ومنقلبهم إلى الله، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ؛﴾ ثم يجزيهم في الآخرة، ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١٥٩)؛أي بما كانوا يعملون في الدّنيا، فيندم المبطل، ويفرح المحقّ. قوله : ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها؛﴾ أي من جاء بخصلة من الطاعات فله عشر حسنات، ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها؛﴾ أي من جاء بخصلة من المعصية فلا يجزى إلاّ مثلها، ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١٦٠)؛ بالزيادة على مقدار ما يستحقّون من العقاب، وإنّما قال ذلك لأنّ الفضل بالنّعم جائز، والابتداء بالعقاب لا يجوز. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير ويعقوب: «(فله عشر)» بالتنوين «(أمثالها)» بالرّفع على معنى: فله حسنات عشر أمثالها. وقد تكلّم أهل العلم بالحسنات العشر التي وعد الله في هذه الآية؛ فقال بعضهم: المراد بها التحديد بالعشرة. وقال بعضهم: المراد بها التضعيف دون التّحديد بالعشرة؛ كما يقول القائل: لإن أسديت إليّ معروفا لأكافئنّك بعشرة أمثاله. ثمّ اختلفوا؛ فقال بعضهم: هو كلّه بفضل وثواب غير ذلك؛ كأنه قال تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر حسنات من النّعم والسّرورة زيادة على ثواب حسنته.

стр. 1080

قالوا: ولا يجوز أن تساوى منزلة التفضيل بمنزلة الثواب؛ لأن الثواب لا بدّ أن يقارنه التعظيم والإجلال. وقال بعضهم: هذه الحسنات العشر تفضّل من الله تعالى؛ قالوا: ويجوز أن يتفضّل على من لا يعمل مثل ثواب العامل ابتذالا منه؛ وتفضل في فعله على من لا يستحق عليه شيء. وعن رسول الله ﷺ : أنّه [إذا حسن إسلام أحدكم؛ فكلّ حسنة يعملها يكتب له عشر أمثالها؛ إلى سبعمائة ضعف؛ إلى ما شاء الله. وكلّ سيّئة يعملها؛ يكتب له مثلها إلى أن يلقى الله تعالى] (١). وعن خريم بن فاتك قال: قال رسول الله ﷺ : [الأعمال ستّة: موجبتان؛ ومثل بمثل؛ وحسنة بحسنة؛ وحسنة بعشر؛ وحسنة بسبعمائة. فأمّا الموجبتان؛ فهو من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنّة، ومن مات وهو مشرك بالله دخل النّار. وأمّا مثل بمثل؛ فمن عمل سيّئة؛ فجزاء سيّئة بمثلها. وأمّا حسنة بحسنة؛ فمن همّ بحسنة حتّى يشعر بها نفسه ويعلمها الله من قلبه؛ كتب له حسنة. وأمّا حسنة بعشر؛ فمن عمل حسنة فله عشر أمثالها. وأمّا حسنة بسبعمائة؛ فالنّفقة في سبيل الله] (٢). قوله : ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: إنّني وفّقني ربي وأرشدني إلى دين الحقّ الذي أدعو الخلق إليه. قوله تعالى: ﴿دِيناً قِيَماً؛﴾ أي دينا هو غاية في الاستقامة. قرأ أهل الكوفة والشّام: «(قيما)» بكسر القاف وفتح الياء مخفّفا؛ فمعناه: المصدر؛ كالصّغر والكبر، ولم يقل: قوما؛ لأنه من قولك: قام يقوم قياما وقيما. وقرأ الباقون

стр. 1081

بالتشديد. وتصديق التشديد: ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (١) ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٢).والقيّم: المستقيم. واختلف النّحاة في نصبه؛ فقال الأخفش: (هداني دينا قيّما).وقيل: عرّفني دينا. وقيل: أعني دينا. وقيل: انتصب على الإغراء؛ أي التزموا دينا واتّبعوا دينا. قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً؛﴾ أي دين إبراهيم؛ وهو بدل من قوله (دينا).وقوله ﴿(حَنِيفاً)﴾ أي مائلا عن الشّرك وجميع الأديان الباطلة ميلا لا رجوع فيه، وهو نصب على الحال؛ كأنه قال: عرّفني دين إبراهيم في حال حنيفيّته. وقوله تعالى: ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٦١)؛أي ما كان إبراهيم ﵇ على دين المشركين. وإنّما أضاف هذا الدين إلى إبراهيم؛ لأن إبراهيم كان معظّما في عيون العرب، وفي قلوب سائر أهل الأديان؛ إذ أهل كلّ دين يزعمون أنّهم يبجّلون دين إبراهيم ﵇. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٦٢)؛أي قل لهم يا محمّد: إنّ صلاتي بعد الصّلوات الخمس المفروضة؛ (ونسكي) أي طاعتي، وأصل النّسك: كلّ ما يتقرّب به إلى الله تعالى، ومنه قولهم للعابد: ناسك. وقال ابن جبير: (معناه: ﴿(وَنُسُكِي)﴾ في الحجّ والعمرة لله رب العالمين).ويقال: أراد بالصلاة صلاة العيد، وبالنّسك الأضحية. وقوله تعالى: ﴿(وَمَحْيايَ وَمَماتِي)﴾ أي وحياتي وموتي لله رب الخلائق كلّهم. وإنّما أضاف المحيا والممات إلى الله وإن لم يكن ذلك ممّا يتقرّب به إليه؛ لأن الغرض بالآية التبري إلى الله تعالى من كلّ حول وقوّة والإقرار له بالعبوديّة. وقيل: المراد بذلك أنّ الله تعالى هو المختصّ بأن يحييه ويميته؛ لا شريك له في ذلك. قوله تعالى: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ؛﴾ أي أمرني بذلك، ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١٦٣)؛أي أوّل من استقام على الإيمان من أهل هذا الزمان. قرأ أهل المدينة: «(ومحياي)» بسكون الياء. وقرأ الباقون بفتحها كيلا يجتمع ساكنان. وقرأ السلميّ: «(ونسكي)» بإسكان السّين.

стр. 1082

وعن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ ؛ أنّه قرّب كبشا أملح أقرن؛ فقال: [لا إله إلاّ الله؛ والله أكبر؛ إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له] الآية، ثمّ ذبح فقال: [شعره وصوفه فداء لشعري من النّار، وجلده فداء لجلدي من النّار، وعروقه فداء لعروقي من النّار] فقالوا: يا رسول الله؛ هنيئا مريئا؛ هذا لك خاصّة؟ فقال: [لا؛ بل لأمّتي عامّة إلى أن تقوم السّاعة، أخبرني بذلك جبريل ﵇ عن ربي ]. قوله : ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ؛﴾ أي قل يا محمّد: أغير الله أطلب إلها لي ولكم ﴿(وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ)﴾ أي هو مالكي ومالككم ومالك كلّ شيء؛ فكيف أطلب النفع من مربوب مثلي ومثلكم، وأدع سؤال ربي يملكني ويملككم؛ فهل يجوز هذا؟ وهل يحسن هذا؟ لا بدّ أن يكون جوابه: لا. قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها؛﴾ أي لا تعمل كلّ نفس طاعة ولا معصية إلاّ عليها. قال أهل الإشارة: ولا تكسب كلّ نفس من خير أو شرّ إلاّ عليها، أما الشّرّ فهو مأخوذ به، وأمّا الخير فهو مطلوب منه صحّة قصده وخلوّه من الرّياء والعجب والافتخار به. قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى؛﴾ أي ما تحمل حاملة ثقل أخرى، والمعنى: لا يحمل أحدا ذنب غيره، بل كلّ نفس مأخوذة بجرمها وعقوبة إثمها. والوزر في اللغة: هو الثّقل. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ؛﴾ أي مصيركم ومنقلبكم، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ؛﴾ أي فيجزيكم؛ ﴿بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (١٦٤)؛في دار الدّنيا. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ؛﴾ أي جعلكم يا أمّة محمّد خلفا في الأرض، والخلائف: جمع الخليفة، وكلّ قرن خليفة للقرن الذين كانوا قبلهم في الأرض. وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ؛﴾ أي فضّل بعضكم في المال والمعاش والجاه؛ تقديره: إلى درجات، ثم حذف (إلى) وانتصب (درجات).ويقال: إنّ الدرجات مفعول على تقدير: ورفعكم درجات، كما يقال: كسوت فلانا ثوبا.

стр. 1083

قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ؛﴾ أي ليختبركم فيما أعطاكم؛ يختبر الغنيّ بالفقير؛ والفقير بالغنيّ، فيظهر للناس شكر الشاكرين وصبر الصابرين. قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٦٥)؛أي إذا عاقب فإنه سريع العقاب مع أنه موصوف بالحلم والإمهال؛ لأنّ كلّ ما هو آت قريب. وقيل: أراد بقوله: ﴿(سَرِيعُ الْعِقابِ)﴾ سريع الحساب. وقوله تعالى: ﴿(وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ)﴾ أي غفور لمن تاب من الذنوب، (رحيم) بمن مات على التوبة. وقال عطاء: (سريع العقاب لأعدائه، غفور رحيم لأوليائه) (١).والله أعلم. آخر تفسير سورة (الأنعام) والحمد لله رب العالمين تمّ الجزء الأوّل من تفسير كتاب الله العزيز (٢)

стр. 1084

بسم الله الرّحمن الرّحيم وبه التّوفيق والإعانة سورة الأعراف سورة الأعراف أربعة عشر ألف حرف وثلاثمائة حرف وعشرة أحرف؛ وثلاثة آلاف كلمة وثلاثمائة وخمس وعشرون كلمة؛ ومائتان وستّ آيات، وهي مكّيّة (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قوله : ﴿المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)؛قال ابن عبّاس: في قوله: ﴿(المص)﴾: (معناه: أنا الله أعلم وأفصّل) (٢).وقيل: اللاّم افتتاح اسمه: لطيف؛ والميم افتتاح اسمه: مجيد ومالك؛ والصاد افتتاح اسمه: صمد وصادق الوعد وصانع المصنوعات. وقيل: هي حرف اسم الله الأعظم. وقيل: هي حروف تحوي معان كثيرة. وموضعه رفع بالابتداء، و (كتاب) خبره؛ كأنه قال: المص حروف كتاب أنزل إليك. وقيل: (كتاب) خبر مبتدأ مضمر؛ أي هذا كتاب. وقيل: رفع على التقديم والتأخير؛ يعني: أنزل إليك كتاب؛ وهو القرآن. قوله: ﴿(فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ)﴾ أي فلا يقع في نفسك شكّ منه؛ خاطب به النبيّ ﷺ وعنى به الخلق كلّهم؛ أي لا ترتابوا وتشكّوا. ويقال: الحرج: الضيّق؛ أي لا يضيق صدرك من تأدية ما أرسلت به، ولا تخافنّ من إبلاغ الرّسالة، فإنك في

стр. 1085

أمان الله؛ والله يعصمك من الناس. قوله تعالى: ﴿(لِتُنْذِرَ)﴾ أي أنزل إليك لتخوّف ﴿(بِهِ)﴾ بالقرآن أهل مكة. ﴿(وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ)﴾ أي وليكون عظة لمن اتّبعك. قوله تعالى: ﴿اِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ؛﴾ أي اعملوا بما أنزل إليكم من ربكم. وحقيقة اتّباع القرآن تصرف الناس تصريف القرآن لهم وتدبّرهم بتدبيره. قوله تعالى: ﴿(وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ)﴾ أي لا تتّخذوا من دونه أوثانا، ولا تتولّوا أحدا إلا لوجهه. قوله تعالى: ﴿قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ (٣)؛أي قليلا ما تتّعظون. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ﴾ (٤) أي وكم من قرية أهلكنا أهلها بأنواع العذاب فجاءها بأسنا ليلا. وسمّى الليل بياتا؛ لأنه بيات فيه. قوله تعالى: ﴿(أَوْ هُمْ قائِلُونَ)﴾ أي وقت الظّهيرة؛ يعني نهارا في وقت القائلة. و ﴿(قائِلُونَ)﴾:نائمون وقت الهاجرة. وإنّما خصّ هذين الوقتين بنزول العذاب؛ لأنّهما من أوقات الرّاحة. وقيل: من أوقات الغفلة. ومجيء العذاب في حال الراحة أغلظ وأشدّ؛ أهلك الله قوم شعيب في نصف النهار، وفي حرّ شديد وهم قائلون. وفائدة هذه الآية: التهديد والوعيد على معنى: إن لم تتّعظوا أتاكم العذاب ليلا أو نهارا كما أتى الأوّلين الذين لم يتّعظوا. ثم أخبر جلّ ذكره عن حال من أتاهم العذاب فقال : ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاّ أَنْ قالُوا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ (٥)؛معناه: لم يكن قولهم ودعاؤهم حين جاءهم عذابنا إلا الاعتراف بالظلم والشّرك؛ أي اعتبروا بهم؛ فكما لم ينفعهم تضرّعهم عند رؤية البأس؛ كذلك لا ينفعكم إذا جاءكم العذاب تضرّعكم. قال سيبويه: (إنّ الدّعوى تصلح في معنى الدّعاء، ويجوز أن يقال: اللهمّ أشركنا في صالح دعوى المسلمين ودعاء المسلمين) (١).فإن قيل: إنّ الهلاك يكون

стр. 1086

بعد البأس؛ فكيف قال: ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ﴾ (١) ﴿أَهْلَكْناها﴾ (٢) ﴿فَجاءَها بَأْسُنا؟﴾ قيل: إنّهما يقعان معا كما يقال: أعطيتني فأحسنت. ويجوز أن يكون التقدير: أهلكناها في حكمنا فجاءها بأسنا. قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٦) إخبار عن حالهم يوم القيامة. ودخول الفاء أوّل في هذه الآية لتقريب ما بين الهلاك وسؤال يوم القيامة. والمعنى: فلنسألنّ الّذين أرسل إليهم: هل بلّغتكم الرسل الرسالة؟ وماذا أجبتموهم؟ ولنسألنّ المرسلين: هل بلّغتم قومكم ما أرسلتم به؟ وماذا أجابوكم؟ قوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ (٧)؛أي لنجزينّهم بما عملوا بعلم منّا؛ معناه: إنّا لنسألهم لنعلم أنّ ما نسألهم لإقامة الحجّة عليهم. قوله: ﴿(وَما كُنّا غائِبِينَ)﴾ معناه: إنّا كنّا عالمين بكلّ شيء من تبليغ الرّسالة وجواب الأمم. قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ؛﴾ أي وزن الأعمال يوم القيامة الحقّ؛ فلا ينقص من إحسان محسن؛ ولا يزاد على إساءة مسيء. وقال مجاهد: (معناه: والقضاء يومئذ العدل) (٣). قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٨)؛أي من رجحت حسناته على سيّئاته فأولئك هم الظّافرون بالمراد، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أي رجحت سيّئاته على حسناته، ﴿فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ عموا حظّ أنفسهم، ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ (٩)؛أي بما كانوا بمحمّد ﷺ يجحدون. فالخسران: ذهاب رأس المال؛ ورأس مال الإنسان نفسه؛ فإذا هلك بسوء عمله فقد خسر نفسه.

стр. 1087

وقد تكلّموا في ذكر الموازين يوم القيامة؛ قال ابن عبّاس: (توزن الحسنات والسّيّئات في ميزان له لسان وكفّتان توضع فيه أعمالهم، فأمّا المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة؛ فيوضع في كفّة الميزان؛ فتثقل حسناته على سيّئاته؛ فيوضع عمله في الجنّة عند منازله، ثمّ يقال له: الحق بعملك؛ فيأتي منازله في الجنّة فيعرفها بعمله. وأمّا الكافر؛ فيؤتى بعمله في أقبح صورة؛ فيوضع في كفّة الميزان؛ فيخفّ -والباطل خفيف-ثمّ يرفع فيوضع في النّار، ثمّ يقال له: الحق بعملك؛ فيلحق فيأتي منازله في النّار) (١). وقيل: إنّ المراد بالعمل في هذا الخبر أنّ الله يجعل للحسنات صورة حسنة؛ وللسيّئات صورة قبيحة، إلاّ أن عين الأعمال توزن؛ لأنّ الأعمال أعراض منقضية لا تعاد. وقال ابن عمر: (يؤتى بصحف الطّاعات وصحف المعاصي، فتوزن الصّحف). وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [يؤتى بالعبد المؤمن يوم القيامة إلى الميزان، ثمّ يؤتى بتسعة وتسعين سجلا؛ كلّ واحد منهم مدّ البصر؛ فيها خطاياه وذنوبه؛ فتوضع في كفّة الميزان، ثمّ تخرج بطاقة من تحت العرش بمقدار أنملة؛ فيها شهادة أن لا إله إلاّ الله؛ فتوضع في الكفّة الأخرى. فيقول العبد: يا رب؛ ما تزن هذه البطاقة مع هذه الصّحائف؟! فيأمر الله أن توضع؛ فإذا وضعت في الكفّة طاشت الصّحف ورجحت البطاقة] (٢).

стр. 1088

وقال بعضهم: يوزن الإنسان، كما قال ﷺ : [يؤتى بالرّجل الأكول الشّروب العظيم فيوزن؛ فلا يزن جناح بعوضة؛ اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾] (١). وأما ذكر الموازين بلفظ الجماعة؛ فلأنّ الميزان يشتمل على الكفّتين والخيوط والشاهدين (٢).فإن قيل: ما الحكمة في وزن الأعمال، والله قادر عالم بمقدار كلّ شيء قبل خلقه إيّاه وبعده؟ قيل: لإقامة الحجّة عليهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣) فأخبر بنسخ الأعمال وإثباتها مع علمه بها لما ذكرنا. وقيل: الحكمة فيه تعريف الله العباد ما لهم عنده من جزاء على الخير والشرّ. وقيل: جعله الله علامة للسعادة والشقاوة. وقيل: لامتحان الله عباده بالإيمان به في الدّنيا. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ؛﴾ أي مكّنّاكم بالتمليك والإقرار ودفع الموانع، وجعلنا لكم في الأرض معايش؛ وهو ما تعيشون به من الرّزق؛ وهو ما يخرج من الأرض من الحبوب والأشجار والثّمار. وقيل: معنى (المعايش):التواصل إلى ما يعاش به من الحراثة والتجارة، وأنواع الحرف والزراعات. قوله تعالى: ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ (١٠)؛أي شكركم فيما صنع إليكم قليل. وقيل: معنى قوله: ﴿(وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ)﴾ أي تعيشون بها أيّام حياتكم من المآكل والمشارب. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ؛﴾ أي خلقنا آدم الذي هو أصل خلقتكم، ثم صوّرناه إنسانا، ﴿ثُمَّ قُلْنا؛﴾ من بعد خلقه من التراب وتصويره؛ ﴿لِلْمَلائِكَةِ؛﴾ الذين كانوا في الأرض مع إبليس: ﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ؛﴾ سجدة تحيّة؛ ﴿فَسَجَدُوا؛﴾ المأمورون؛ ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ (١١)؛لآدم.

стр. 1089

وقيل: معنى الآية: ولقد خلقناكم في بطون أمّهاتكم نطفا؛ ثم علقا؛ ثم مضغا؛ ثم عظاما؛ ثم لحما، ثم صوّرناكم: الحسن والذميم؛ والطويل والقصير، وصوّرنا لكم عضوا من العين والأنف والأذن واليد والرّجل وأشباه ذلك. قوله تعالى: ﴿(ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ)﴾ قال الأخفش: ((ثمّ) هاهنا في معنى الواو) (١) أي وقلنا للملائكة اسجدوا لآدم الآن. قوله تعالى للملائكة: ﴿(اسْجُدُوا لِآدَمَ)﴾ قبل خلقنا وتصويرنا. وأنكر الخليل وسيبويه أن تكون (ثمّ) بمعنى (الواو)،ولكن تكون للتراخي. ويجوز أن يكون معنى (ثمّ) هاهنا التّراخي من حيث الإخبار دون ترادف الحال. قوله تعالى: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ؛﴾ أي ما منعك أن تسجد، و (لا) زائدة في الكلام كما في قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ (٢) أي ليعلم أهل الكتاب. وقيل: معناه: ما دعاك إلى أن لا تسجد، وقد علم الله ما منعه من السجود، ولكن مسألته إياه توبيخ له وإظهار أنه معاند ركب المعصية. وعن يحيى بن ثعلب أنه قال: (كان بعضهم يكره أن لا ويقول: تقديره: من قال لك لا تسجد؟). قوله تعالى: ﴿قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (١٢)؛ ليس هذا الجواب عمّا سأله تعالى من جهة اللفظ؛ لأن هذا الجواب جواب: أيّكما خير؟ إلاّ أن هذا جواب من جهة المعنى، فإن معناه: إنّما منعني من السجود له إلا أنّي كنت أفضل منه. وكان هذا القول من اللّعين تجهيلا منه بخالقه؛ كأن قال: إنّك فضّلت الظّلمة على النّور وليس ذلك من الحكمة. فأعلم الله تعالى أنه صاغر بهذا القول، وليس الأمر على ما قاله الملعون؛ لأنه رأى أنّ جوهر النار أفضل من جوهر الطّين في المنفعة، وليس كذلك لأن عامّة الثّمار والحبوب والفواكه من الطّين، وكذلك الملابس كلّها لا تخرج إلا من الطّين، وعمارة الأرض من الطين، وهو موضع القرار عليه لا

стр. 1090

استغناء عنه في حال من الأحوال. وأما النّار فهي للخراب، وإن كان فيها بعض المنافع. قال ابن عبّاس: (أوّل من قاس فأخطأ القياس إبليس لعنه الله، فمن قاس الدّين بتبع من رأيه قرنه الله مع إبليس). (١) وكان قياس إبليس أنه قال: النار خير وأفضل وأصفى وأنور من الطّين. وقال ابن سيرين: (أوّل من قاس إبليس، وما عبدت الشّمس والقمر إلاّ بالمقاييس). (٢) وقد أخطأ عدوّ الله حين فضّل النّار على الطّين، بل الطّين أفضل من النّار من وجوه كثيرة؛ أحسنها: (٣) إنّ جوهر الطّين السّكون والوقار والحياء والصّبر والحلم، وذلك هو الدّاعي لآدم بعد السّعادة الّتي سبقت له إلى التّوبة والتّواضع، فأورثه المغفرة والاجتباء والهداية والتّوبة. ومن جوهر النّار الخفّة والطّيش والحدّة والارتفاع والاضطراب، وذلك هو الدّاعي لإبليس بعد الشّقاوة الّتي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار، فأورثه العذاب والهلاك واللّعنة والشّقاء. والثّاني: أنّ الطّين سبب لجمع الأشياء، والنّار سبب لتفرّقها. والثّالث: أنّ الخبر ناطق بأنّ تراب الجنّة مسك أذفر، (٤) ولم ينطق الخبر أنّ في الجنّة نارا وفي النّار ترابا. والرّابع: أنّ النّار سبب عذاب الله تعالى لأعدائه، وليس التّراب للعذاب. والخامس: أنّ التّراب مستغن عن النّار، والنّار تخرج إلى المكان ومكانها التّراب).
следующие страницы →