بعد البأس؛ فكيف قال: ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ﴾ (١) ﴿أَهْلَكْناها﴾ (٢) ﴿فَجاءَها بَأْسُنا؟﴾ قيل: إنّهما يقعان معا كما يقال: أعطيتني فأحسنت. ويجوز أن يكون التقدير: أهلكناها في حكمنا فجاءها بأسنا.
قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٦) إخبار عن حالهم يوم القيامة. ودخول الفاء أوّل في هذه الآية لتقريب ما بين الهلاك وسؤال يوم القيامة. والمعنى: فلنسألنّ الّذين أرسل إليهم: هل بلّغتكم الرسل الرسالة؟ وماذا أجبتموهم؟ ولنسألنّ المرسلين: هل بلّغتم قومكم ما أرسلتم به؟ وماذا أجابوكم؟
قوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ (٧)؛أي لنجزينّهم بما عملوا بعلم منّا؛ معناه: إنّا لنسألهم لنعلم أنّ ما نسألهم لإقامة الحجّة عليهم. قوله: ﴿(وَما كُنّا غائِبِينَ)﴾ معناه: إنّا كنّا عالمين بكلّ شيء من تبليغ الرّسالة وجواب الأمم.
قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ؛﴾ أي وزن الأعمال يوم القيامة الحقّ؛ فلا ينقص من إحسان محسن؛ ولا يزاد على إساءة مسيء. وقال مجاهد:
(معناه: والقضاء يومئذ العدل) (٣).
قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٨)؛أي من رجحت حسناته على سيّئاته فأولئك هم الظّافرون بالمراد،
﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أي رجحت سيّئاته على حسناته، ﴿فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ عموا حظّ أنفسهم، ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ (٩)؛أي بما كانوا بمحمّد ﷺ يجحدون. فالخسران: ذهاب رأس المال؛ ورأس مال الإنسان نفسه؛ فإذا هلك بسوء عمله فقد خسر نفسه.
стр. 1087
وقد تكلّموا في ذكر الموازين يوم القيامة؛ قال ابن عبّاس: (توزن الحسنات والسّيّئات في ميزان له لسان وكفّتان توضع فيه أعمالهم، فأمّا المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة؛ فيوضع في كفّة الميزان؛ فتثقل حسناته على سيّئاته؛ فيوضع عمله في الجنّة عند منازله، ثمّ يقال له: الحق بعملك؛ فيأتي منازله في الجنّة فيعرفها بعمله.
وأمّا الكافر؛ فيؤتى بعمله في أقبح صورة؛ فيوضع في كفّة الميزان؛ فيخفّ -والباطل خفيف-ثمّ يرفع فيوضع في النّار، ثمّ يقال له: الحق بعملك؛ فيلحق فيأتي منازله في النّار) (١).
وقيل: إنّ المراد بالعمل في هذا الخبر أنّ الله يجعل للحسنات صورة حسنة؛ وللسيّئات صورة قبيحة، إلاّ أن عين الأعمال توزن؛ لأنّ الأعمال أعراض منقضية لا تعاد. وقال ابن عمر: (يؤتى بصحف الطّاعات وصحف المعاصي، فتوزن الصّحف).
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [يؤتى بالعبد المؤمن يوم القيامة إلى الميزان، ثمّ يؤتى بتسعة وتسعين سجلا؛ كلّ واحد منهم مدّ البصر؛ فيها خطاياه وذنوبه؛ فتوضع في كفّة الميزان، ثمّ تخرج بطاقة من تحت العرش بمقدار أنملة؛ فيها شهادة أن لا إله إلاّ الله؛ فتوضع في الكفّة الأخرى. فيقول العبد: يا رب؛ ما تزن هذه البطاقة مع هذه الصّحائف؟! فيأمر الله أن توضع؛ فإذا وضعت في الكفّة طاشت الصّحف ورجحت البطاقة] (٢).
стр. 1088
وقال بعضهم: يوزن الإنسان، كما قال ﷺ : [يؤتى بالرّجل الأكول الشّروب العظيم فيوزن؛ فلا يزن جناح بعوضة؛ اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾] (١).
وأما ذكر الموازين بلفظ الجماعة؛ فلأنّ الميزان يشتمل على الكفّتين والخيوط والشاهدين (٢).فإن قيل: ما الحكمة في وزن الأعمال، والله قادر عالم بمقدار كلّ شيء قبل خلقه إيّاه وبعده؟ قيل: لإقامة الحجّة عليهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣) فأخبر بنسخ الأعمال وإثباتها مع علمه بها لما ذكرنا. وقيل:
الحكمة فيه تعريف الله العباد ما لهم عنده من جزاء على الخير والشرّ. وقيل: جعله الله علامة للسعادة والشقاوة. وقيل: لامتحان الله عباده بالإيمان به في الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ؛﴾ أي مكّنّاكم بالتمليك والإقرار ودفع الموانع، وجعلنا لكم في الأرض معايش؛ وهو ما تعيشون به من الرّزق؛ وهو ما يخرج من الأرض من الحبوب والأشجار والثّمار.
وقيل: معنى (المعايش):التواصل إلى ما يعاش به من الحراثة والتجارة، وأنواع الحرف والزراعات. قوله تعالى: ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ (١٠)؛أي شكركم فيما صنع إليكم قليل. وقيل: معنى قوله: ﴿(وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ)﴾ أي تعيشون بها أيّام حياتكم من المآكل والمشارب.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ؛﴾ أي خلقنا آدم الذي هو أصل خلقتكم، ثم صوّرناه إنسانا، ﴿ثُمَّ قُلْنا؛﴾ من بعد خلقه من التراب وتصويره؛ ﴿لِلْمَلائِكَةِ؛﴾ الذين كانوا في الأرض مع إبليس: ﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ؛﴾ سجدة تحيّة؛ ﴿فَسَجَدُوا؛﴾ المأمورون؛ ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ (١١)؛لآدم.
стр. 1089
وقيل: معنى الآية: ولقد خلقناكم في بطون أمّهاتكم نطفا؛ ثم علقا؛ ثم مضغا؛ ثم عظاما؛ ثم لحما، ثم صوّرناكم: الحسن والذميم؛ والطويل والقصير، وصوّرنا لكم عضوا من العين والأنف والأذن واليد والرّجل وأشباه ذلك.
قوله تعالى: ﴿(ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ)﴾ قال الأخفش: ((ثمّ) هاهنا في معنى الواو) (١) أي وقلنا للملائكة اسجدوا لآدم الآن. قوله تعالى للملائكة:
﴿(اسْجُدُوا لِآدَمَ)﴾ قبل خلقنا وتصويرنا.
وأنكر الخليل وسيبويه أن تكون (ثمّ) بمعنى (الواو)،ولكن تكون للتراخي.
ويجوز أن يكون معنى (ثمّ) هاهنا التّراخي من حيث الإخبار دون ترادف الحال.
قوله تعالى: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ؛﴾ أي ما منعك أن تسجد، و (لا) زائدة في الكلام كما في قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ (٢) أي ليعلم أهل الكتاب. وقيل: معناه: ما دعاك إلى أن لا تسجد، وقد علم الله ما منعه من السجود، ولكن مسألته إياه توبيخ له وإظهار أنه معاند ركب المعصية. وعن يحيى بن ثعلب أنه قال: (كان بعضهم يكره أن لا ويقول: تقديره: من قال لك لا تسجد؟).
قوله تعالى: ﴿قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (١٢)؛ ليس هذا الجواب عمّا سأله تعالى من جهة اللفظ؛ لأن هذا الجواب جواب: أيّكما خير؟ إلاّ أن هذا جواب من جهة المعنى، فإن معناه: إنّما منعني من السجود له إلا أنّي كنت أفضل منه.
وكان هذا القول من اللّعين تجهيلا منه بخالقه؛ كأن قال: إنّك فضّلت الظّلمة على النّور وليس ذلك من الحكمة. فأعلم الله تعالى أنه صاغر بهذا القول، وليس الأمر على ما قاله الملعون؛ لأنه رأى أنّ جوهر النار أفضل من جوهر الطّين في المنفعة، وليس كذلك لأن عامّة الثّمار والحبوب والفواكه من الطّين، وكذلك الملابس كلّها لا تخرج إلا من الطّين، وعمارة الأرض من الطين، وهو موضع القرار عليه لا
стр. 1090
استغناء عنه في حال من الأحوال. وأما النّار فهي للخراب، وإن كان فيها بعض المنافع.
قال ابن عبّاس: (أوّل من قاس فأخطأ القياس إبليس لعنه الله، فمن قاس الدّين بتبع من رأيه قرنه الله مع إبليس). (١) وكان قياس إبليس أنه قال: النار خير وأفضل وأصفى وأنور من الطّين. وقال ابن سيرين: (أوّل من قاس إبليس، وما عبدت الشّمس والقمر إلاّ بالمقاييس). (٢)
وقد أخطأ عدوّ الله حين فضّل النّار على الطّين، بل الطّين أفضل من النّار من وجوه كثيرة؛ أحسنها: (٣) إنّ جوهر الطّين السّكون والوقار والحياء والصّبر والحلم، وذلك هو الدّاعي لآدم بعد السّعادة الّتي سبقت له إلى التّوبة والتّواضع، فأورثه المغفرة والاجتباء والهداية والتّوبة. ومن جوهر النّار الخفّة والطّيش والحدّة والارتفاع والاضطراب، وذلك هو الدّاعي لإبليس بعد الشّقاوة الّتي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار، فأورثه العذاب والهلاك واللّعنة والشّقاء.
والثّاني: أنّ الطّين سبب لجمع الأشياء، والنّار سبب لتفرّقها. والثّالث: أنّ الخبر ناطق بأنّ تراب الجنّة مسك أذفر، (٤) ولم ينطق الخبر أنّ في الجنّة نارا وفي النّار ترابا. والرّابع: أنّ النّار سبب عذاب الله تعالى لأعدائه، وليس التّراب للعذاب.
والخامس: أنّ التّراب مستغن عن النّار، والنّار تخرج إلى المكان ومكانها التّراب).
стр. 1091
قوله تعالى: ﴿قالَ فَاهْبِطْ مِنْها؛﴾ أي من الجنّة. وقيل: من السّماء إلى الأرض، فإنّ السّماء ليس بموضع للمتكبرين. وقيل: معناه: فاهبط من الأرض؛ أي اخرج منها والحق بجزائر البحار، فإنّما تسلط به في الجزائر فلا تدخل الأرض إلا كهيئة السّارق عليه أطمار يروع فيها، حتى يخرج من الأرض.
قوله تعالى: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها؛﴾ أي ليس لك أن تتعظّم في الأرض على بني آدم، ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ (١٣)؛أي من الأذلاّء.
والصّغار هو الذّلّ.
قوله تعالى: ﴿قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١٤)؛أي قال إبليس حين خشي أن يعاجله الله بالعقوبة: أمهلني وأخّر جزائي إلى يوم يبعثون من قبورهم؛ وهي النفخة الأخيرة عند قيام السّاعة.
أراد الخبيث أن لا يذوق الموت، ﴿قالَ؛﴾ الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ (١٥)؛أي المؤخّرين المؤجّلين إلى يوم الوقت المعلوم؛ وهي النفخة الأولى عند موت الخلق كلّهم.
وهذا ليس بإجابة إلى ما سأل؛ لأنه سأل الله الإمهال إلى النفخة الثانية، فأبى الله أن يعطيه ذلك، ﴿قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (١) يعني إلى النفخة الأولى يموت حينئذ أهل السّماوات والأرض، ويموت إبليس معهم. وبين النفخة الأولى والثانية أربعين سنة.
واختلفوا في أنّ الله تعالى هل يجيب دعوة الكافر أم لا؟ قال بعضهم: لا يجيب؛ لأنّ إجابة الدّعاء تكون تعظيما للدّاعي؛ ولهذا يرجو الإنسان أنه مجاب الدّعوة، ولا يحسن من الله تعالى أن يعلم أحدا مدّة حياته لما في ذلك من الإغراء بالمعاصي. وكيف يجوز أن يجيب الله تعالى إبليس إلى ما سأل، ولم يكن سؤاله على جهة التّضرّع والخشوع والرّغبة إلى الله، وإنّما سأل ليغوي الناس ويضلّهم. وقال بعضهم: يجوز إجابة دعاء الكافر استدراجا واستضلالا له ولغيره، ولا تكون إجابة الكافر تعظيما له بحال أبدا.
стр. 1092
قوله تعالى: ﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي؛﴾ أي فبما أضللتني عن الهدى، ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١٦)؛أي لأرصدنّ على طريق بني آدم، وأصدّهم عن دينك المستقيم. وقال الحسن: (معنى: ﴿(أَغْوَيْتَنِي)﴾ لعنتني).وقيل:
(أغويتني) خيّبتني، وقد يكون الغوى بمعنى الخيبة. وقيل: (أغويتني) أي أهلكتني.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ؛﴾ قال ابن عبّاس: (معناه: أنّ إبليس قال: لآتينّهم من قبل آخرتهم؛ فلأخبرنّهم أنّه لا جنّة ولا نار، ولا بعث ولا حساب). (١) ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ؛﴾ أي من قبل دنياهم؛ فلآمرنّهم بجمع المال مخافة الفقر وأن لا يؤدوا حقّه، ﴿وَعَنْ أَيْمانِهِمْ؛﴾ أي من قبل دينهم فأبيّن لهم ضلالتهم، وإن كانوا على هدى شبّهته عليهم حتى أخرجهم منه، ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ؛﴾ أي من قبل اللّذات والشّهوات فأزيّنها لهم، ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ (١٧)؛لنعمتك.
وقال السّدّيّ: (معنى: ﴿(ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ)﴾ أراد الدّنيا أغويهم إليها، (٢) ﴿(وَمِنْ خَلْفِهِمْ)﴾ فمن الآخرة أشكّكهم فيها وأبعدها عليهم، ﴿(وَعَنْ أَيْمانِهِمْ)﴾ قال:
الحقّ أشكّكهم فيه، ﴿(وَعَنْ شَمائِلِهِمْ)﴾ قال: الباطل أخفيه عليهم وأرغّبهم فيه). (٣)
وقيل: أراد بقوله ﴿(وَعَنْ أَيْمانِهِمْ)﴾ من جهة الحسنات أغفلهم عنها، ﴿(وَعَنْ شَمائِلِهِمْ)﴾ يعني من جهة السيّئات، فإنّ الحسنات تضاف إلى اليمين، والسيّئات تضاف إلى الشمال. وقيل: معنى الآية: ثم لأحتالنّ في إغوائهم من كلّ وجه. قال قتادة:
(أتاك يا ابن آدم من كلّ وجه، غير أنّه لا يستطيع أن يحول بينك وبين رحمة ربك، إنّما تأتيك الرّحمة من فوقك). (٤)
стр. 1093
وقال شقيق بن إبراهيم: (ما من صباح إلاّ قعد لي الشّيطان على أربعة مراصد: من بين يديّ، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي. أمّا ما بين يديّ؛ فيقول لي: لا تحزن فإنّ الله غفور رحيم، فأقول: ذلك لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثمّ اهتدى.
وأمّا من خلفي؛ فيخوّفني الضّيعة على درّيّتي ومن خلفي، فأقول: وما من دابّة في الأرض إلاّ على الله رزقها. وأمّا من قبل يميني؛ فيأتيني من قبل النّساء، فأقول:
والعاقبة للمتّقين. وأمّا من قبل شمالي؛ فيأتيني من اللّذات والشّهوات، فأقول: وحيل بينهم وبين ما يشتهون).
وإنّما ذكر (من) في قوله: ﴿(مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ)﴾ وذكر (عن) في قوله:
﴿(وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ)﴾ لأن القدّام والخلف يكون لابتداء الغاية، والغاية تذكر بحرف (من).وأمّا جهة اليمين والشمال فإنّها تكون للانحراف، فذكرها ب (عن).
فإن قيل: من أين علم إبليس أنه لا يكون أكثرهم شاكرين؛ أي أكثر الناس شاكرين؟ قيل: إنّه ظنّ بهم ظنّا، فوافق ظنّه مظنونه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾. (١) وإنّما ظنّ ذلك؛ لأنه لمّا تمكّن من استزلال آدم وحوّاء؛ علم أنّ أولادهما أضعف منهما، فيكون تمكّنه منهم أكثر.
قوله تعالى: ﴿قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً؛﴾ أي أخرج من الجنّة.
وقيل: من السّماء، (مذءوما) أي مذءوما معيبا، والذأم والذّيم: شدّة العيب، يقال:
ذامت الرّجل ذومة وذأمة؛ إذا عبته وذمته. قوله: (مدحورا) أي مبعدا من الخير والرحمة. والدّحر: الدّفع على وجه الهوان والذّلّ.
وقال ابن عبّاس: (مذءوما) ممقوتا. (٢) وقال مجاهد: (مذءوما) صاغرا. وقال أبو العالية: (مذءوما) أي مزدرا. وقال عطاء: (مذءوما) أي ملعونا. وقال الكسائيّ:
(المذموم: المقبوح).
стр. 1094
قوله تعالى: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١٨)؛ واللاّم في قوله: (لمن) لام القسم دخلت على لفظ الشّرط والجزاء بمعنى التأكيد والمبالغة؛ كأنه قال تعالى: من تبعك لأبالغنّ في تعذيبه عذابا شديدا، كذلك قوله تعالى: ﴿(لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ)﴾ أي منك ومن ذرّيّتك ومن كفّار ذرّيّة آدم ﵇.
قوله تعالى: ﴿وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ؛﴾ أي اسكن أنت وزوجتك الجنّة؛ لأن الإضافة إليه دليل على ذلك، وحذف التاء أحسن؛ لما فيه من الإيجاز من غير إخلال بالمعنى. وأمّا الجنّة التي أسكنهما الله فيها؛ فهي جنّة الخلد في أكثر أقوال أهل العلم، بخلاف ما يقوله بعضهم: إنّها كانت بستانا في السّماء غير جنّة الخلد. وذلك أنّ الله تعالى عرّف الجنّة بالألف واللام على جهة التّشريف.
قوله تعالى: ﴿فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما؛﴾ أي من أيّ شيء شئتما موسعا عليكما، ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (١٩)؛يجوز أن يكون منصوبا؛ لأنّه جواب النّهي، ويجوز أن يكون مجزوما عطفا على النّهي، ومعناه:
فتكونا من الضّارّين أنفسكما.
قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ؛﴾ أي زيّن لهم الشيطان الأكل من الشجرة؛ ليظهر لهما ما ستر من عوراتهما. والوسوسة: إلقاء المعنى إلى النّفس بصوت خفيّ. والفرق بين وسوس له ووسوس إليه: أنّ معنى وسوس له:
أوهمه، ومعنى وسوس إليه: ألقى إليه.
وإنّما سميت العورة سوأة؛ لأنه يسوء الإنسان انكشافها. قوله تعالى: ﴿(إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ)﴾ قرأ بعضهم: «(ملكين)» بكسر اللاّم، ومعناه: إلاّ أن تكونا ملكين تعلمان الخير والشرّ، وإن لم تكونا ملكين تكونا من الخالدين لا تموتان.
стр. 1095
قوله تعالى: ﴿أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ (٢٠)؛أي لا تموتان فتفنيان أبدا، فذلك قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ أي على شجرة من أكل منها لم يمت. وقوله تعالى: ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ أي جديد لا يفنى. وعلى قراءة من قرأ «(ملكين)» بكسر اللاّم استدلالا له بقوله تعالى:
﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾.
قيل: كيف أوهمهما أنّهما إذا أكلا من تلك الشجرة تغيّرت صورتهما إلى صورة الملك، أو يزداد في حياتهما؟ قيل: أوهمهما أنّ من حكمة الله أن من أكل منها صار ملكا أو ليزيد حياته. وقيل: إنّه لم يطمعهما في أن تصير صورتهما كصورة الملك، وإنّما أطمعهما في أن تصير منزلتهما منزلة الملك في العلوّ والرّفعة.
قوله تعالى: ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ (٢١)؛أي حلف لهما إنّي لكما لمن النّاصحين فيما أقول. وإنّما قال: ﴿(وَقاسَمَهُما)﴾ على لفظ المفاعلة؛ لأنه قابلهما بالحلف، وهذا كما يقال: عاقبت اللّصّ؛ وناولت الرّجل.
قال قتادة: (حلف لهما حتّى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله تعالى، وقال لهما: إنّي خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتّبعاني أرشدكما).وكان بعض العلماء يقول: (من خادعنا بالله خدعنا). وقال ﷺ : [المؤمن غرّ كريم، والفاجر خبّ لئيم].
стр. 1096
وأنشد نفطويه بعضهم:
إنّ الكريم إذا تشاء خدعته ... وترى اللّئيم مجرّبا لا يخدع
قوله تعالى: ﴿فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ؛﴾ أي حدرهما من أعلى إلى أسفل؛ لأنّ الخير عال والشّرّ سافل. وقال بعضهم: معناه: قرّبهما مما أراد من التّورية؛ وهي التقريب مأخوذ من أدلى الدّلو، ويقال: فلان يدلي فلانا بالغرور؛ أي يخدعه بكلام زخرف باطل.
وقال مقاتل: (فدلاّهما بغرور) أي زيّن لهما الباطل. فدلاّهما بغرور؛ الغرور ما تقدّم ذكره بقوله لهما: ﴿(ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ)﴾. وفي بعض الرّوايات: أنّ آدم ﵇ كان يقول وقت توبته: ما ظننت يا رب أنّ أحدا يجرأ فيحلف باسمك كاذبا.
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما؛﴾ فيه دليل أنّهما لم يبالغا في الأكل، ولكن لمّا وصل إلى جوفهما تهافت عنهما لباسهما، وظهر لكلّ منهما عورة صاحبه فاستحيا، ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ؛﴾ أي عمدا فأخذا يلزقان عليهما من ورق التّين.
والخصف: الإلزاق بعضه إلى بعض، كما يعمل الخصّاف الذي يرقّع النّعل.
ومعنى (طفقا) أخذا في العمل، يقال: بات يفعل كذا إذا فعله ليلا، وظلّ يفعل كذا إذا فعله نهارا، وطفق يفعل كذا إذا فعل في أيّ وقت كان.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [إنّ آدم كان رجلا طوالا كأنّه نخلة سحوق كثير شعر الرّأس، فلمّا وقع بالخطيئة بدت سوأته وكان لا يراها، فانطلق هاربا في الجنّة، فعرضت له شجرة من شجر الجنّة فحبسته بشعره، قال لها: أرسليني! فقالت: لست مرسلتك. فناداه ربّه: يا آدم؛ أمنّي تفرّ؟ قال: لا، ولكن استحييت]. (١)
стр. 1097
وقال ابن عبّاس: (قال الله: يا آدم، ألم يكن لك فيما أبحت لك من الجنّة مندوحة عن الشّجرة؟ قال: بلى، ولكن وعزّتك ما ظننت أنّ أحدا من خلقك يحلف بك كاذبا. قال: فو عزّتي لأهبطنّك إلى الأرض، ثمّ لا تنال العيش إلاّ بكدّ. فأهبط إلى الأرض هو وحوّاء، فعلّم صنعة الحديد، وأمر بالحرث، فحرث وزرع، وسقى وحصد، ثمّ درس وروى، ثمّ طحن، ثمّ عجن، ثمّ خبز، ثمّ أكل. فلم يبلغ إلى الأكل حتّى بلغ ما شاء الله أن بلغ).
قوله تعالى: ﴿وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٢٢)؛قال محمد بن قيس: (ناداه ربّه: يا آدم، لم أكلت منها وقد نهيتك؟ قال: يا رب؛ أطعمتني حوّاء. قال: يا حوّاء؛ لم أطعمته؟ قالت: أمرتني الحيّة (١).فقيل للحيّة: لم أمرتها؟ قالت: أمرني إبليس. قال الله تعالى:
أمّا أنت يا حوّاء؛ فكما أدميت الشّجرة تدمين كلّ شهر، وأمّا أنت يا حيّة فأقطع قوائمك، فتمشين في التّراب على وجهك، وسيشدخ رأسك كلّ من لقيك، وأمّا أنت يا إبليس فملعون مدحور) (٢).
قوله : ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا؛﴾ أي ضررناها بالمعصية، وهذا اعتراف بالخطيئة على أنفسهما، ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٢٣)؛بالعقوبة.
قوله تعالى: ﴿قالَ اهْبِطُوا؛﴾ أي قال اهبطوا من الجنّة إلى الأرض، ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ،﴾ أي في حال عداوة، ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ؛﴾ أي ولكم في الأرض مستقرّ ومنفعة، ﴿إِلى حِينٍ﴾ (٢٤)؛أي إلى منتهى آجالكم.
قوله تعالى: ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ؛﴾ أي في الأرض تعيشون، ﴿وَفِيها تَمُوتُونَ؛﴾ وفي الأرض تقبرون، ﴿وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ (٢٥)؛أي من قبوركم للبعث.
стр. 1098
قوله تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً؛﴾ أي أنزل الله المطر من السّماء فكانت الكسوة منه، يعني أنّ لباسهم من نبات الأرض من القطن والكتّان. وهو ماء السّماء، وما يكون من الكسوة من أصواف الأغنام، فقوام الأنعام أيضا من نبات ماء السّماء، كذا قال ابن عبّاس ﵄:
(وقوله: ﴿(يُوارِي سَوْآتِكُمْ)﴾ قوله تعالى: ﴿(وَرِيشاً)﴾ يعني مالا) هكذا قال ابن عبّاس ومجاهد والضحّاك والسّدّيّ (١).
ويقال: تريّش الرّجل؛ إذ تموّل. وقال ابن زيد: (الرّيش: الجمال) (٢).وقرأ عثمان بن عفّان والحسن وقتادة: «(ورياشا)» بالألف وهو جمع ريش (٣)،مثل ذئب وذئاب. وقال الأخفش: (الرّياش: الخصب والمعاش).وقيل: معنى الرّيش: ما يتأثث به في البيت من متاعه.
قوله تعالى: ﴿وَلِباسُ التَّقْوى؛﴾ قال قتادة والسّدّيّ: (هو العمل الصّالح) (٤)، ﴿ذلِكَ خَيْرٌ؛﴾ لأنّه يقي من العذاب والعقاب، كأنّه قال: لباس التّقوى خير من الثياب؛ لأنّ الفاجر وإن كان حسن الثياب فهو بادي العورة. قال الشاعر:
إنّي كأنّي أرى من لا حياء له ... ولا أمانة وسط القوم عريانا
стр. 1099
وقال ابن جريج: (لباس التّقوى هو الإيمان) (١).وقال معبد الجهنيّ: (هو الحياء) (٢).وقيل: هو السّمت الحسن بالوجه. وقال وهب: (الإيمان عريان؛ ولباسه التّقوى؛ وريشه الحياء؛ وماله الفقه؛ وثمرته العمل الصّالح) (٣).وقيل: لباس التقوى ما يلبس من الثّياب للتّضرّع والتّخشّع مثل الصّوف والثّياب الخشنة، وهو خير من لباس الكبر.
قرأ أهل المدينة والشّام والكسائيّ: «(ولباس)» بالنصب عطفا على قوله: (لباسا).
وقرأ الباقون بالرّفع على الابتداء؛ وخبره (خير).وجعلوا (ذلك) صلة في الكلام، ولذلك قرأ ابن مسعود وأبيّ بن كعب: «(ولباس التّقوى خير)».
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ؛﴾ معناه: إنّ إنزال اللّباس من دلائل الله على إثبات وحدانيّته ونعمه، ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٢٦)،أي لكي يتّعظون فيعرفوا أنّ ذلك كلّه من الله تعالى.
قوله : ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ؛﴾ أي لا يضرّنّكم الشيطان بالدعاء إلى الغيّ والمعصية كما استزلّ أبويكم آدم وحوّاء من الجنّة ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما،﴾ فتسبّب في نزع لباسهما لحملهما على المعصية، وقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما؛﴾ أي ليظهر لهما عوراتهما أنّ ذلك يغيظهما، وإنّما أضاف الإخراج من الجنّة إلى الشيطان؛ لأن ذلك كان بوسوسته وإغوائه.
واختلفوا في لباسهما في الجنّة؛ فقال بعضهم: كان من لباس الجنّة، عن ابن عبّاس: (أنّ لباسهما كان من الظّفر؛ أي كان يشبه الظّفر، فإنّه كان مخلوقا عليهما خلقة الظّفر) (٤).وقال وهب: (كان لباسهما من النّور) (٥).ومعنى قوله: ﴿(لا يَفْتِنَنَّكُمُ﴾
стр. 1100
﴿الشَّيْطانُ)﴾ أي كونوا على حذر من ذلك، فإنه عدوّ لكم. وهذا اللفظ أبلغ من أن تقول: لا تقبلوا فتنة الشيطان.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ؛﴾ أي إنّ الشيطان ونسله يرونكم وأنتم لا ترونهم، وإنّما قال هكذا؛ لأنّا إذا لم نراهم لم نعرف قصدهم بالكيد والإغواء حتى نكون على حذر في نجدة نفوسنا من وساوسه.
وفي هذا بيان أنّ أحدا من البشر لا يرى الجنّ، بخلاف ما يقول بعضهم: إنّ منّا من يراهم. وإنّما لا يراهم البشر؛ لأنّهم أجسام رقيقة تحتاج في رؤيتك إلى أفضل شعاع، والله تعالى لم يعطنا من الشّعاع قدر ما يمكننا أن نراهم، وأمّا هم فإنّهم يروننا؛ لأنّهم يرى بعضهم بعضا مع أنّهم أجسام رقيقة، فلأن يرونا ونحن أجسام كثيفة أولى.
وذهب بعض الناس إلى أنه يجوز أن يراهم البشر، بأن يكشفوا أجسامهم، وقال: وهم ممكّنون من ذلك. وقيل: إنّ هذا لا يصلح؛ لأنه لو أمكنهم أن يكشفوا أجسام أنفسهم أمكنهم أن يكشفوا أجسام غيرهم. وقال مالك بن دينار: (إنّ عدوّا يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلاّ من عصم الله) (١).
وقيل: هو زيّن لآدم فسكن له، ويجري من ابن آدم مجرى الدّم، وأنت لا تقاومه إلا بعون الله، والشيطان يراك وأنت لا تراه، وهو لا ينساك وأنت تنساه. وفيه يقول بعضهم:
ولا أراه حيثما يراني ... وعند ما أنساه لا ينساني
فيبدي إن لم يكن سباني ... كما سبى آدم من جنان
وقال ذو النّون: (إن هو يراك من حيث لا تراه، فإنّ الله يراه من حيث لا يرى الله، فاستعن بالله عليه، فإنّ كيد الشّيطان كان ضعيفا).
قوله تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٧)؛أي جعلناهم قرناء للذين لا يؤمنون بالله.
стр. 1101
قوله تعالى: ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا؛﴾ معناه: أنّ كفّار مكّة كانوا إذا فعلوا معصية يعظم قبحها نحو طوافهم بالبيت عراة، وتحريمهم ما أحلّ الله تعالى من البحيرة والسّائبة، قالوا: وجدنا عليها آباءنا وأسلافنا، ﴿وَاللهُ أَمَرَنا بِها؛﴾ أي بهذه الأشياء، ﴿قُلْ؛﴾ لهم يا محمّد: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ؛﴾ أي لا يأمرنا بالمعاصي، ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢٨) استفهام بمعنى الإنكار على جهة إلزام الحجّة؛ لأنّهم إن قالوا: نقول على الله ما لم نعلم، فضحوا أنفسهم، وإن قالوا: لا نقول على الله ما لا نعلم، لزمتهم الحجّة؛ لأنّهم لم يكن لهم حجّة على ما قالوا.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ؛﴾ أي بالعدل والصّواب، وقال ابن عبّاس: (لا إله إلاّ الله) (١)،وقال الضّحاك: (بالتّوحيد). ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ؛﴾ قال مجاهد والسّدّيّ: (أي توجّهوا إلى القبلة في الصّلاة أداء عند كلّ مسجد)،وقال الكلبيّ: (معناه: إذا حضرت الصّلاة وأنتم في مسجد، فصلّوا فيه ولا يقولنّ أحدكم: أصلّي في مسجدي، وإذا لم يكن عنده فليأت أيّ مسجد شاء، وليصلّ فيه).
وهذه الآية تدلّ على وجوب فعل الصّلاة المكتوبة في الجماعة، وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [من سمع النّداء فلم يجبه، فلا صلاة له] (٢).وقال ﷺ : [لقد هممت أن آمر رجلا يصلّي بالنّاس، ثمّ أنظر إلى قوم يتخلّفون عن الجماعات، فأحرّق عليهم بيوتهم] (٣).
قوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ؛﴾ أي مخلصين له الطاعة والعبادة، قوله تعالى: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (٢٩)؛أي خلقكم حين خلقكم
стр. 1102
مؤمنا وكافرا؛ وشقيّا وسعيدا، فكما خلقكم فكذلك تعودون إليه يوم القيامة،
﴿فَرِيقاً هَدى؛﴾ وهم المؤمنون، ﴿وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ؛﴾ وهم أهل الكفر، وهذا قول ابن عبّاس، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (١) ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنا وكافرا، فيبعث المؤمن مؤمنا؛ والكافر كافرا (٢).
وقال الحسن ومجاهد: (معناه: كما بدأكم فخلقكم في الدّنيا ولم تكونوا شيئا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء) (٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ أي إنّ أهل الضّلالة اتّخذوا الشياطين أولياء بطاعتهم فيما دعوهم إليه، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣٠)؛أي يظنّون أنّهم على الهدى.
قوله تعالى: ﴿*يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ ذلك أنّ أهل الجاهليّة كانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون: لا نطوف في الثياب التي أذنبنا فيها ودنّسناها بالذنوب، فكانت المرأة منهم تطوف بالبيت عريانة باللّيل، إلا أنّها كانت تتّخذ سيورا مقطّعة تشدّ في حقويها، فكانت السّيور لا تسترها سترا تامّا.
قال المفسّرون (٤):كانت بنو عامر في الجاهليّة يفعلون ذلك، كان رجالهم يطوفون عراة بالنّهار، ونساؤهم ليلا. وحكي أنّ امرأة كانت تطوف عريانة وهي تقول (٥).
اليوم يبدو بعضه أو كلّه ... فما بدا منه فلا أحلّه
стр. 1103
وكانوا إذا قدموا منه طرح أحدهم ثيابه في رجله، فإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت منه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿(يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)﴾ يعني الثّياب (١).وقال مجاهد: (يعني: ما يواري عورتكم ولو عباءة) (٢).
وقال الكلبيّ: (كانت بنو عامر لا يأكلون من الطّعام إلاّ قوتا، ولا يأكلون دسما في أيّام حجّهم، يعظّمون بذلك حجّهم. وكانت قريش وكنانة يفعلون. فقال المسلمون: يا رسول الله، نحن أحقّ أن نفعل ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا)﴾. ﴿وَلا تُسْرِفُوا؛﴾ أي البسوا ثيابكم عند كلّ مسجد، وكلوا اللّحم والدّسم، واشربوا من ألبان السّوائب والبحائر، ﴿(وَلا تُسْرِفُوا)﴾ أي لا تجاوزوا تحريم ما أحلّ الله لكم.
والإسراف: مجاوزة الحدّ؛ فتارة تكون مجاوزة الحلال إلى الحرام؛ وتارة تكون مجاوزة الحدّ في الإنفاق؛ وتارة تكون بأن يأكل الإنسان فوق الشّبع فيؤدّي به ذلك إلى الضّرر.
ويروى: أنّ هارون الرّشيد كان له طبيب نصرانيّ حاذق، فقال لعليّ بن الحسين ابن واقد (٣):أليس في كتابكم من علم الطب شيء؟ والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان، فقال له: إنّ الله تعالى قد جمع الطبّ كلّه بنصف آية من كتابنا. قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا)﴾. فقال النصرانيّ: هل يؤثر عن رسولكم شيء من الطب؟ قال: نعم؛ جمع رسولنا ﷺ الطبّ في ألفاظ يسيرة. قال: وما هي؟ قال: قوله: [المعدة بيت الدّاء، والحمية رأس كلّ دواء، وعوّدوا كلّ جسم ما اعتاد] (٤).فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيّكم لجالينوس طبّا (٥).
стр. 1104
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣١)؛أي لا يرضى عملهم، ولا يثني عليهم. فلما نزلت هذه الآية طاف المسلمون في ثيابهم، وأكلوا اللّحم والدسم، فعيّرهم المشركون بذلك، فأنزل الله:
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ أي قل لهم يا محمّد: من حرّم الثياب التي يتزيّن بها الناس، ومن حرّم المستلذات من الرّزق؟ ويقال: أراد بالطيّبات: الحلال من الرّزق، وفي قوله تعالى: ﴿(خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)﴾ أمر للإنسان أن يلبس أحسن ثيابه في الأعياد والجمع.
قوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ قال ابن عبّاس: (معناه: أنّ المسلمين يشاركون المشركين في الطّيّبات في الدّنيا، فأكلوا من طيّبات طعامهم؛ ولبسوا من خيار ثيابهم؛ ونكحوا من صالح نسائهم، ثمّ يخلص الله تعالى الطّيّبات في الآخرة للّذين آمنوا وليس للمشركين فيها شيء) (١).
وتقدير الآية: قل هي للّذين آمنوا مشتركة في الدّنيا، خالصة يوم القيامة.
وقيل: معناه: هي للمؤمنين في الدّنيا غير خالصة من الهموم والأحزان والمشقّة.
وقرأ ابن عبّاس وقتادة ونافع: «(خالصة)» بالرفع؛ أي قيل: خالصة. وقرأ الباقون بالنصب على الحال والقطع، لأنّ الكلام قد تمّ دونه. قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ؛﴾ أي كما فصّلنا لكم الدلائل والأوامر والنواهي، هكذا تفصيلها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣٢)؛أي يفقهون أوامر الله تعالى.
ثم بيّن الله تعالى ما حرّم عليهم فقال : ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ؛﴾ معناه: أنّ الله تعالى لم يحرّم الثياب ولا الطيبات من الرّزق، وإنّما حرّم الذّنوب.
والفواحش: هي الكبائر، وقوله تعالى: ﴿(ما ظَهَرَ مِنْها)﴾ أي ما عمل علانية، ﴿(وَما بَطَنَ)﴾ يعني سرّا. ﴿(وَالْإِثْمَ)﴾ يتناول كلّ ذنب وأن يكون فيه حدّ. وفائدة ذكر الإثم:
стр. 1105
بيان أنّ التحريم غير مقصور على الكبائر. ﴿(وَالْبَغْيَ)﴾ يتناول الإقدام على الغير ﴿(بِغَيْرِ الْحَقِّ)﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ؛﴾ معناه: وحرّم عليكم أن تشركوا بالله، ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً؛﴾ أي عذرا ولا حجّة. ثم بيّن الله تعالى ما يصير جامعا للمحرّمات كلّها؛ وهو تحريم القول الذي لا علم لقائله به فقال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٣٣).
وقيل: يعني بالفواحش: الطواف عراة، ويعني بقوله: ﴿(ما ظَهَرَ مِنْها)﴾ طواف الرّجال عراة بالنّهار، ﴿(وَما بَطَنَ)﴾ طواف النّساء بالليل عراة. وقيل: أراد بقوله: ﴿(ما ظَهَرَ مِنْها)﴾ التعرّي عن الثياب في الطّواف، ﴿(وَما بَطَنَ)﴾ يعني الزّنا، ويعني ب ﴿(الْإِثْمَ)﴾ كلّ المعاصي. وقوله تعالى: ﴿(وَالْبَغْيَ)﴾ طلب التّرؤس على الناس بالقهر والاستطالة عليهم بغير حقّ.
وقال الحسن: (يعني ب (الإثم) الخمر) (١).قال بعضهم:
شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول
قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٣٤) تخويف ووعيد من الله تعالى لهم، معناه: ولكلّ أهل دين مهلة؛ ولكلّ وقت مؤقّت، فإذا انقضت مهلتهم فلا يستأخرون من بعد الأجل ساعة ولا يستقدمون في الأجل. وليس ذكر السّاعة في الآية على وجه التحديد، فإنّهم لا يستأخرون ولا يستقدمون ساعة ولا أقلّ من ساعة، ولكن ذكرت السّاعة لأنّها أقلّ أسماء الأوقات بين الناس.
فإن قيل: لم قال: ﴿(يَسْتَأْخِرُونَ)﴾ ولم يقل: يتأخّرون؟ قيل: معناه: لا يطلبون التّأخّر عن ذلك لأجل اليأس عنه. وقرأ ابن سيرين: «(فإذا جاء آجالهم)».
قوله تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي؛﴾ معناه: يا بني آدم إمّا أن يأتيكم رسل من جنسكم يقرءون عليكم ويعرضون عليكم
стр. 1106
كتابي وكلامي، ﴿فَمَنِ اتَّقى،﴾ الله وأطاع الرسول، ﴿وَأَصْلَحَ؛﴾ العمل، ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ؛﴾ حين يخاف أهل النار، ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣٥)؛على ما خلّفوا في الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٣٦)؛ظاهر المعنى. وقيل: معناه: وتكبّروا عن الإيمان بمحمّد ﷺ والقرآن.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ؛﴾ أي حظّهم مما قضى الله عليهم في الكتاب؛ وهو سواد الوجوه وزرقة الأعين؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ (١).
وقال الحسن: (معناه: ما كتب لهم من العذاب) (٢).وقال مجاهد: (ما سبق من الشّقاوة) (٣).وقال الربيع: (يعني ينالهم ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال) (٤).فإذا فرغت وفنيت؛ ﴿(جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ)﴾ أي يقبضون أرواحهم؛ يعني ملك الموت وأعوانه) (٥).
قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ؛﴾ يعني إذا جاءتهم ملائكة العذاب يذيقونهم عذابا في الآخرة كما قال تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ (٦). ﴿قالُوا؛﴾ أي فتقول لهم الملائكة-وهم خزنة جهنّم:
﴿أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ يعنون الأصنام. يقولون لهم ذلك توبيخا وتنكيرا وحسرة عليهم، ﴿قالُوا؛﴾ فيقول الكفّار عند ذلك: ﴿ضَلُّوا﴾
стр. 1107
﴿عَنّا؛﴾ أي ذهب الأصنام عنّا؛ فلم يقدروا لنا على نفع ولا دفع ضرّ، ﴿وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ؛﴾ أي أقرّوا على أنفسهم، ﴿أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾ (٣٧)؛في الدّنيا. قال مقاتل: (يشهدون على أنفسهم بعد ما شهدت عليهم الجوارح بما كتمت الألسن).
قوله تعالى: ﴿قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النّارِ؛﴾ معناه: قال الله لهم: ادخلوا النار مع أمم قد خلت من قبلكم من الجنّ والإنس في النّار.
قوله تعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها؛﴾ في الدّين والملّة. ولم يقل:
أخاها؛ لأنه عنى بها الأمم والجماعة؛ فلعنت المشركون المشركين؛ واليهود اليهود؛ والنصارى النصارى؛ والمجوس المجوس، ويلعن الأتباع القادة ويقولون: لعنكم الله أنتم عزّرتمونا. قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذَا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعاً؛﴾ أي تلاحقوا واجتمعوا في النّار.
قرأ الأعمش: «(حتّى إذا تداركوا فيها)».وقرأ النخعيّ: «(حتّى إذا ادّرّكوا فيها)» بتشديد الدّال من غير ألف. والمعنى: حتّى إذا اجتمعوا في النّار القادة والأتباع؛ ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ؛﴾ أي قالت أخرى الأمم المكذّبة لأوّل الأمم ﴿رَبَّنا هؤُلاءِ؛﴾ المقدّمون؛ ﴿أَضَلُّونا؛﴾ عن الهدى بإلقاء الشّبهة علينا؛ ﴿فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النّارِ؛﴾ أي زدهم في عذابهم، واجعل عذابهم مضاعفا ممّا علينا، ﴿قالَ؛﴾ الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ؛﴾ أي لكلّ من الأوّلين والآخرين ضعف من العذاب، ﴿وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٣٨)؛أنتم شدّة ما عليهم.
ومن قرأ «(ولكن لا يعلمون)» بالياء؛ فمعناه: لا يعلم كلّ فريق منهم مقدار عذاب الفريق الآخر. وقال مقاتل: (معناه: ﴿(قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ)﴾ أي (أخراهم) دخولا النّار الأتباع (لأولاهم) وهم القادة) (١).وقال السّدّيّ: (أخراهم الّذين أتوا في آخر الزّمان، لأولاهم يعني الّذين شرّعوا لهم ذلك الدّين) (٢).
стр. 1108
قوله تعالى: ﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي قالت أوّل الأمم لآخر الأمم، والمتبوعون للتابعين: لم يكن لكم علينا فضل في شيء حتى تطلبوا من الله أن يزيد في عذابنا وينقص من عذابكم، وأنتم كفرتم كما كفرنا، ونحن وأنتم في الكفر سواء، وكذا نكون في العذاب سواء. قوله تعالى:
﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (٣٩)؛يجوز أن يكون هذا من قول الأوّلين للآخرين، ويجوز أن يكون قال الله لهم ذلك.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ؛﴾ أي الذين جحدوا بآياتنا وتعظّموا عن الإيمان بها؛ لا تفتح لأرواحهم أبواب السّماء إذا ماتوا هوانا، وتفتح للمؤمنين كرامة لهم. وقيل: معناه: لا تفتح لأعمالهم أبواب السّماء؛ لأنّها خبيثة، بل يهوي بعملهم إلى الأرض السّابعة، وترقم في الصّخرة التي تحت الأرضين كما قال الله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ. وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ. كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿(لا تُفَتَّحُ لَهُمْ)﴾ قراءة الأكثرين بالتّاء المشدّدة راجعة إلى جماعة الأبواب. وقرأ بعضهم بالياء والتخفيف؛ لأن تأنيث الأبواب ليس بحقيقيّ.
قوله تعالى: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ؛﴾ أي لا يدخلون الجنّة أبدا كما لا يدخل البعير في خرم الإبرة. وهذا تمثيل في الدّلالة على يأس الكفّار من دخولهم الجنّة. والعرب إذا أرادت تأكيد النّفي علّقته بما يستحيل كونه، كما قال الشاعر:
إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القار كاللّبن الحليب
والخياط والمخيط بمعنى واحد. وعن ابن مسعود ﵁ (أنّه سئل عن الجمل؛ فقال: هو زوج النّاقة؛ كأنّه استجهل من سأله وتعجّب منه) (٢).وفي قراءة ابن عبّاس:
«(حتّى يلج الجمّل)» بضمّ الجيم وتشديد الميم، وهو حبل يسمى القلس. وقال
стр. 1109
عكرمة: (هو الحبل الّذي يصعد به النّخل).قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ (٤٠)؛أي هكذا يجزون.
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ؛﴾ أي لهم فراش من النار يضطجعون ويقعدون وفوقهم غوائل؛ أي غاشية من فوق غاشية، كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ﴾ (١).وقال ﷺ : [يلبس الكافر لوحين من النّار في قبره، فذلك قوله تعالى: لهم من جهنّم مهاد] (٢).
و (غواش):وأصل غواش: غواشي بإثبات الياء مع الضّمّة، فحذفت الضّمّة والياء استثقالا، وأدخل الثقل ذهاب حركتها ويائه. قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ (٤١)؛يعني الكافرين.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها؛﴾ أي إنّ الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا الطاعات بمقدورهم وبوسعهم. ﴿(لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها)﴾ أي طاقتها وقدرتها، ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٤٢)؛باقون دائمون.
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ؛﴾ أي نزعنا ما في قلوبهم من غشّ وحسد وعداء بعضهم على بعض في الدّنيا، وألقينا في قلوبهم التّوادد في الآخرة حتى لا يحسد بعض أهل الجنّة بعضا أعلى درجة منه. قوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ؛﴾ أي من تحت شجرهم وغرفهم الأنهار في حال نزعنا ما في قلوبهم؛ تكون (تجري) في موضع الحال.
قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة وابن مسعود وعمّار بن ياسر وسلمان وأبي ذرّ، ينزع الله في الآخرة ما كان في قلوبهم من غشّ بعضهم لبعض في العداوة والثّقل الّذي كان بعد رسول الله ﷺ ،
стр. 1110
والأمر الّذي اختلفوا فيه، فيدخلون إخوانا متقابلين).
قال: (فأوّل ما يدخلون الجنّة تعرض لهم عينان تجريان، فيشربون من أحد العينين، فيذهب الهمّ من غلّ، ثمّ يدخلون العين الأخرى، فيغتسلون فيها فتشرق ألوانهم، وتصقل وجوههم، ويلبسون بهاء النّور، ويطيّب الله ريحهم به) (١).
﴿وَقالُوا؛﴾ فعند ذلك يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا؛﴾ أي أرشدنا إلى ما صرنا به ربّنا واغتسلنا من العينين. قوله تعالى: ﴿وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ؛﴾ قرأ ابن عامر: «(ما كنّا)» بغير واو. وقرأ الباقون بالواو: «(وما كنّا لنهتدي إلى هذا الذي أكرمنا الله به لولا أنّ الله هدانا إليه)» وقال ﷺ : [كلّ أهل النّار يرى منزله في الجنّة فيقولون: لولا هدانا الله، فتكون عليهم حسرة. وكلّ أهل الجنّة يرى منزله في النّار فيقولون: لولا أنّ الله هدانا] (٢).
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ؛﴾ شهادة منهم بإرساله للحقّ إليهم؛ أي جاءوا بالصّدق؛ فصدّقناهم. قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤٣)؛معناه: نادتهم الملائكة: أنّ هذه الجنّة التي وعدتموها في الدّنيا بأعمالكم. وقيل: معنى (أورثتموها) أنزلتموها. وفي الخبر: أنه يقال لهم يوم القيامة: جوزوا الصّراط بعفوي؛ وادخلوا الجنّة برحمتي لا بأعمالكم.
قوله تعالى: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ؛﴾ وذلك حين يستقرّ أهل الجنّة في الجنّة؛ وأهل النّار في النار؛ ينادي أصحاب الجنّة أصحاب النار: أن قد وجدنا ما وعدنا ربّنا من الثّواب والكرامة حقّا، فهل وجدتم ما وعد ربّكم من العذاب حقّا؟ قالوا نعم، فاعترفوا في وقت لا ينفعهم الاعتراف. وفي (نعم) قراءتان؛ قراءة الكسائيّ: «(نعم)» بكسر العين في القرآن، وقرأ الباقون بالفتح؛ وهما لغتان.
стр. 1111
وإنّما سأل أهل الجنة أهل النار؛ لأنّ الكفار كانوا يكذّبون المؤمنين فيما يدعون لأنفسهم من الثواب ولهم من العقاب، فلذا سألهم المسلمون تبكيتا لهم، ليكون ذلك حسرة للكافرين وسرورا للمؤمنين.
قوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ (٤٤)؛ روي في الخبر: [أنّ مناديا ينادي بين الجنّة والنّار؛ يسمعه الخلائق كلّهم: أنّ رحمة الله تعالى على المحسنين، و ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾] أي على الكافرين. وقرأ بعضهم: «(أنّ لعنة الله)» بالتشديد ونصب اللّعنة.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ؛﴾ أي عن الدّين الذي هو طريق الله إلى جنّته، ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجاً؛﴾ أي يطلبون لها غيرا أو زيفا بإلقاء الشّبهة التي يلبسون بها على النّاس، ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ (٤٥)؛أي هم جاحدون بالبعث بعد الموت.
قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ؛﴾ أي بين الجنّة والنار سور يحجب بين الفريقين، كما قال تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ (١).قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ؛﴾ أي وعلى أعالي السّور باب؛ يقال: أعالي عرف وجمعه أعراف؛ ومنه عرف الدّيك؛ وعرف الأضراس.
والأعراف: سور بين الجنّة والنّار؛ سمّي أعرافا لأن أصحابه، ﴿يَعْرِفُونَ؛﴾ الناس؛ ﴿كُلاًّ بِسِيماهُمْ؛﴾ يعرفون أهل الجنّة ببياض وجوههم؛ وأهل النّار بسواد الوجوه.
قال عبد الله بن عبّاس: (أصحاب الأعراف: قوم استوت حسناتهم وسيّئاتهم، فحالت حسناتهم بينهم وبين النّار، وحالت سيّئاتهم بينهم وبين الجنّة، فلم يكن لهم حسنات فاضلة يدخلون بها الجنّة، ولا سيّئات فاضلة يدخلون بها النّار، فوقفوا على السّور بين الجنّة والنّار يعرفون الكلّ بسيماهم. فمن دخل الجنّة عرفوه ببياض وجهه
стр. 1112
أغرّ محجّلا من أثر الوضوء؛ ضاحكا مستبشرا. ومن دخل النّار عرفوه بسواد وجهه وزرقة عينيه) (١).
وعن أبي مجلز ﵀ أنه قال: (هم الملائكة) (٢).فبلغ ذلك مجاهد فقال:
(كذب أبو مجلز؛ يقول الله تعالى: ﴿(وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ)﴾. فبلغ ذلك أبا مجلز؛ فقال:
(هم الملائكة، والملائكة ذكور ليس بإناث؛ صورهم صور الرّجال).
وقيل: قوم استوت حسناتهم وسيّئاتهم، فوقفوا هناك حتى يقضي الله فيهم ما يشاء، ثم يدخلون الجنّة بفضل رحمته؛ وهم آخر من يدخل الجنة قد عرفوا أهل الجنّة وأهل النار. فإذا أراد الله أن يعافيهم انطلق بهم إلى نهر يقال له: نهر الحياة؛ كأفتات الذهب؛ مكلّل باللّؤلؤ؛ ترابه المسك. فيلقوا فيه حتى تصبح ألوانهم في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، ثم يؤتى بهم فيدخلون الجنّة، يسمّون مساكين أهل الجنّة.
وسأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! من أصحاب الأعراف؟ قال:
[هم رجال غزوا في سبيل الله عصاة لآبائهم؛ فقتلوا فأعتقوا من النّار بقتلهم في سبيل الله، وحبسوا عن الجنّة بمعصيتهم آباءهم، فهم آخر من يدخل الجنّة] (٣).
وروي عن ابن عبّاس أيضا أنه قال: (هم أولاد الزّنا).وعن مجاهد: (أنّهم قوم رضي عنهم آباؤهم دون أمّهاتهم، أو أمّهاتهم دون آبائهم، فيحبسون في الأعراف إلى أن يقضي الله بين خلقه، ثمّ يدخلون الجنّة).
قوله تعالى: ﴿وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ (٤٦)؛معناه: أنّ أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أصحاب الجنّة قالوا لهم: سلام عليكم، فيردّ أهل الجنّة ﵈. قوله تعالى: ﴿(لَمْ يَدْخُلُوها)﴾ أي لا (٤) يدخل أصحاب الأعراف الجنّة وهم يطمعون في دخولها، بأن يغفر الله لهم
стр. 1113
سيّئاتهم ويدخلهم الجنّة بحسناتهم. وما جعل الله الطمع في قلوبهم إلاّ لكرامة يزيدهم بها.
قوله تعالى: ﴿*وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٤٧)؛معناه: وإذا نظر أصحاب الأعراف إلى أصحاب النّار، دعوا الله تعالى واستعاذوا من النّار وقالوا: ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين في النّار؛ أي يدعون بذلك خوفا من الله لأجل معاصيهم.
قوله تعالى: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٤٨)؛قال ابن عبّاس: (إنّ أصحاب الأعراف ينادون الكبار من الكفّار الّذين كانوا عظماء في الكفر كالوليد بن المغيرة وأبي جهل وسائر رؤسائهم).يعرفونهم بسيماهم ينادونهم وهم على السّور: يا وليد ابن المغيرة! يا أبا جهل بن هشام! يا فلان ابن فلان؛ ما أغنى عنكم جمعكم في الدّنيا من المال والولد، وما كنتم تستكبرون؛ أي تتعظّمون عن الإيمان بالله .
ثم ينظرون إلى الجنّة؛ فيرون فيها الضعفاء والمساكين ممّن كان يستهزئ بهم كفار مكّة؛ مثل صهيب وخبّاب وعمّار وسلمان وبلال وأشباههم، فينادون:
﴿أَهؤُلاءِ؛﴾ الضعفاء هم، ﴿الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ؛﴾ أي حلفتم أيّها المشركون وأنتم في الدّنيا، ﴿لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ؛﴾ يا من أقسمتم لا يدخلهم الله الجنّة.
قال ابن عبّاس: (فيقول الله تعالى لأصحاب الأعراف: ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (٤٩)).
فإن قيل: كيف يصحّ هذا التأويل في الحجاب بين الجنّة والنار؛ ومعلوم أنّ الجنة في السّماء والنار في الأرض؟ قيل: لم يبيّن الله حال الحجاب بالمذكور في الآية، ولا قدر المسافة، فلا يمتنع أن يكون بين الجنّة والنار وإن بعدت المسافة.
وقرأ بعضهم: «(وما كنتم تستكثرون)» بالثّاء؛ أي تجمعون المال الكثير. وقال مقاتل في تفسير هذه الآية: (إذا قال أصحاب الأعراف لأصحاب النّار: ما أغنى عنكم جمعكم. قال لهم أصحاب النّار: وأنتم ما أغنى عنكم جمعكم، وأقسموا لتدخلنّ النّار معنا).
стр. 1114
فيقول الله تعالى، أو تقول الملائكة لأهل النّار: أهؤلاء الّذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة؛ أي لا يصيبهم برحمته. ثم يقال لأصحاب الأعراف: ادخلوا الجنّة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون.
قوله تعالى: ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّه لمّا سكن أهل الجنّة الجنّة؛ وسكن أهل النّار النّار؛ وحرم أهل النّار الماء والثّمار مع ما هم فيه من ألوان العذاب، نادوا أصحاب الجنّة: أن اسقونا شيئا من الماء، أو صبّوا وأفرغوا علينا، وأطعمونا شيئا ممّا رزقكم الله من ثمار الجنّة).فيجيبهم أهل الجنّة: ﴿قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٥٠)،أي شراب الجنّة وثمارها. وإنّما جعل شراب الكافرين الحميم الذي يصهر به ما في بطونهم والجلود، وطعامهم الضّريع والزّقّوم.
وقيل: إنّ أهل النار ينادون أهل الجنّة بعد أن يستغيثوا فيغاثوا بماء كالمهل، ثم يستغيثوا بالطعام فيغاثوا بالزّقّوم والضّريع، فيقبلون على الصّبر فلا يغني عنهم، فيقولون: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا، ثم ينادون حينئذ أهل الجنة: يا أهل الجنّة! يا أهل السّعادة! منكم الآباء والأمّهات؛ والأبناء والأخوات؛ والجيران والمعارف والأصدقاء، أفيضوا علينا من الماء حتى تطفئوا حرّ ما نجد من العطش، أو ممّا رزقكم الله من الطعام فنأكله لعلّه يطفئ عنّا الجوع. فلا يؤذن لأهل الجنّة في الجواب مقدار أربعين سنة، ثم يؤذن لهم في جوابهم؛ فيقولون: إنّ الله حرّمهما على الكافرين، يعنون الماء والطعام.
وفي الآية بيان أنّ الإنسان لا يستغني عن الطعام والشراب وإن كان في العذاب، قال أبو الجوزائيّ: سألت ابن عبّاس: أيّ الصّدقة أفضل؟ قال: (الماء، أرأيت أهل النّار لمّا استغاثوا بأهل الجنّة قالوا: أفيضوا علينا من الماء) (١).
стр. 1115
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا؛﴾ أول الآية نعت للكافرين؛ ومعناه: أنّهم اتّخذوا دينهم لهو أنفسهم؛ لاهين لاعبين. ويقال: هم الذين اختاروا في دينهم الباطل واللّعب والفرح والهزء، ﴿(وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا)﴾ أي غرّهم ما أصابوه من زينة الدّنيا مع ما كانوا فيه من طول الأمل، وكذلك كانوا يستهزءون بالمسلمين، كما روي في الخبر: أنّ أبا جهل بعث إلى رسول الله ﷺ رجلا يستهزئ به: أن أطعمني من عنب جنّتك أو شيئا من الفواكه! فقال أبو بكر ﵁: (قل إنّ الله حرّمهما على الكافرين).
قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا؛﴾ (﴿فَالْيَوْمَ)﴾ أي يوم القيامة، معناه: اليوم نتركهم كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا. ويقال: معنى قوله: ﴿(نَنْساهُمْ)﴾ نتركهم، ﴿(كَما نَسُوا)﴾ أي كما أعرضوا عن العمل للقاء يومهم هذا اعراض الناسي للشيء. وقوله تعالى: ﴿وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ (٥١) في موضع الجرّ عطف على (ما نسوا)؛المعنى: وبجحدهم بآياتنا الدالّة على التوحيد «ننساهم اليوم كما نسوا لقاء يومهم هذا» (١).
قوله : ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ؛﴾ أي لقد أتيناهم بالقرآن الذي أتينا به آية بعد آية؛ وسورة بعد سورة على علم منّا بأن ذلك أقرب للتّدبّر. وقوله تعالى: ﴿هُدىً وَرَحْمَةً؛﴾ في موضع نصب على تقدير: هاديا وذا رحمة، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٢)؛أي يصدّقون أنه من عند الله.
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ؛﴾ معناه: ما ينظر أهل مكّة إلا عاقبة ما وعدهم الله به في القرآن أنه كائن، منه ما يكون في الدّنيا؛ ومنه ما يكون في الآخرة.
ويقال معناه: هل ينظرون إلى ما يؤول إليه أمرهم من البعث والعذاب وورود النّار.
وقوله تعالى: ﴿(يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ)﴾ أي يوم يأتي عاقبة ما وعدوا فيه؛ وهو يوم القيامة، يقول الّذين كفروا وتركوا العمل له في دار الدّنيا: قد جاءت رسل ربنا
стр. 1116
بالصّدق في أمر البعث بعد الموت فكذبناهم، ﴿فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ؛﴾ أي يقولون هذا القول حين يرون الشّفعاء يشفعون للمؤمنين، فيقال لهم: ليس لكم شفيع، فيقولون: هل نردّ إلى الدّنيا فنصدّق الرسل، ونعمل الأعمال الصالحة؟ فذلك قوله تعالى: ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾. وجواب الاستفهام بالفاء يكون نصبا.
قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ؛﴾ أي غبنوا حظّ أنفسهم من الجنّة، فورثهم المؤمنون. وقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٥٣)؛ أي بطل عنهم فلم ينفعهم، وذهب عنهم آلهتهم؛ وهي التي كانوا يفترون بها على الله تعالى أنّها شفعاؤهم. ويقال: معناه: وضلّ عنهم حينئذ افتراؤهم على الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ؛﴾ وذلك: أنّ الله تعالى لمّا عيّر المشركين بعبادة الأصنام بقوله: ﴿(وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ)﴾ سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمّد؛ من ربّك الذي تدعونا إليه؟ فأرادوا بذلك أن يجحدوا معنى في أسمائه، وفي شيء من أفعاله، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فتحيّروا وعجزوا عن الجواب.
ومعنى الآية: أنّ خالقكم ورازقكم هو الله الذي ابتدأ خلق السّماوات والأرض لا على مثال سابق؛ فوحّدوه يا أهل مكّة واعبدوه وأطيعوه؛ ودعوا هذه الأصنام؛ فإنّها لم تخلق سماء ولا أرضا.
قوله تعالى: ﴿(فِي سِتَّةِ أَيّامٍ)﴾ قال ابن عبّاس: (أوّلها الأحد وآخرها يوم الجمعة).قال الحسن: (هي ستّة أيّام من أيّام الدّنيا).ويقال: في ستّة ساعات من ستة أيّام من أوّل أيّام الدّنيا. ولو شاء لخلقها في أسرع من اللّحظة، ولكنه علّم عباده التّأنّي والرّفق والتدبير والتثبّت في الأمور.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ؛﴾ اختلف المفسّرون في ذلك؛ قال بعضهم: يطلق الاستواء كما نطق به القرآن ولا يكيّف، كما أثبت الله ولا نكيّفه.
وهذا القول محكيّ عن مالك بن أنس، فإنه سئل عن معنى هذه الآية؛ فقال:
стр. 1117
(الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والجحود به كفر، والسّؤال عنه بدعة).
وقال بعضهم: معنى (استوى):استولى، كما يقال: استواء الأمير على بلد كذا؛ أي استولى عليه واحتوى وأحرزه، ولا يراد بذلك الجلوس. قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
أراد بذلك بشر بن مروان، واستواءه على العراق: لا الملك.
وقال بعضهم: لفظ الاستواء في الآية كناية عن نفاذ الأمر وعظم القدرة. وقيل: معناه: ثمّ أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه، وكذلك ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ﴾ (١) أي عمد إلى خلق السّماء.
فإن قيل: ما معنى دخول (ثمّ) في قوله تعالى: ﴿(ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ)،﴾ و ﴿(ثُمَّ)﴾ تكون للحادث، واستيلاء الله تعالى واقتداره وملكه للأشياء ثابت فيما لم يزل ولا يزال؟ قيل: معناه: ثمّ رفع العرش فوق السّماوات واستولى عليه (٢).وإنّما أدخل (ثمّ) متّصلة في اللفظ بالاستواء؛ لأن الدلالة قد دلّت من جهة العقل على أنّ اقتداره على الأمور ثابت فيما لم يزل. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ﴾ (٣) أي حتى يجاهد المجاهدون منكم ونحن عالمون بهم.
ويقال: معنى (ثمّ) هنا بمعنى الواو على طريق الجمع والعطف دون التّراخي، فإنّ خلق العرش والاستيلاء عليه كان قبل خلق السّماوات والأرض. وقد ورد في الخبر: [أنّ أوّل شيء خلقه الله القلم، ثمّ اللّوح، فأمر الله القلم أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. ثمّ خلق العرش، ثمّ خلق السّماوات والأرض] (٤).
стр. 1118
قوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ؛﴾ أي يغشي بظلمة الليل ضوء النّهار، ولم يقل: ويغشي النهار الليل؛ لأنّ الكلام دليل عليه، وقد بيّن في آية أخرى فقال : ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ (١).وقرأ «(يغشّي)» و «(يغشي)» بالتشديد والتخفيف. وقوله تعالى: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثاً؛﴾ أي يطلب سواد الليل ضوء النّهار سريعا؛ حتى يغلب بسواده بياضه، وكلّ واحد منهما في طلب صاحبه وتسييره ما بقيت الدّنيا. والحثّ: السريع في السّوق من غير فتور.
قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ؛﴾ أي وخلق منه الأشياء مذلّلات بالمسير في ساعات الليل والنّهار، جاريات على مجاريهنّ بمنافع بني آدم بأمر الله وتدبيره وصنعه. ومن قرأ «(والشّمس والقمر والنّجوم مسخّرات)» كلّها بالرفع فعلى الابتداء.
قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ؛﴾ كلمة تنبيه؛ معناه: اعلموا أنّ خلق الأشياء كلّها لله، وأنّ الأمر-وهو القضاء-نافذ في خلقه. وقوله تعالى: ﴿تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٥٤)؛أي تعالى الله وهو ثابت لم يزل ولا يزال. ويقال:
(تبارك) تفاعل من البركة؛ أي البركة كلّها من الله تعالى، واسمه بركة لمن ذكره.
وقوله تعالى: ﴿(رَبُّ الْعالَمِينَ)﴾ أي خالق الخلق أجمعين. قال رسول الله ﷺ : [من لم يحمد الله على «ما عمل من» عمل صالح وحمد نفسه، قلّ شكره (٢) وحبط عمله. ومن زعم أنّ الله جعل للعباد من الأمر شيئا، فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه لقوله تعالى: ﴿(أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)﴾] (٣).قال الشاعر:
إلى الله كلّ الأمر في خلقه معاني ... وليس إلى المخلوق شيء من الأمر
стр. 1119
قوله تعالى: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً؛﴾ أي ادعوه علانية وسرّا، فإنّ التّضرّع من الضّراعة وهي إظهار شدّة الحاجة. ويقال: معنى التّضرّع: التّملّق والتّخشّع والميل في الجهاد، يقال: ضرع يضرع ضرعا إذا مال بإصبعيه يمينا وشمالا خوفا وذلاّ.
قوله تعالى: ﴿(وَخُفْيَةً)﴾ أي ادعوا بالخضوع في السّرّ دون العلانية، فكأنّ الله تعالى أمر في الدعاء أن يجمع بين أن يخفيه وبين أن يفعله في غاية الخضوع والانقطاع إليه؛ لأنّ ذلك أبعد من الرّياء.
وهذا القول أصحّ من الأوّل لقوله ﷺ : [خير الذّكر الخفيّ] (١).وعن الحسن أنه قال: (كانوا يجتهدون في الدّعاء فلا تسمع إلاّ همسا).
وعن عمر ﵁ قال: [كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدّعاء لا يردّهما حتّى يمسح بهما وجهه] (٢).وعن أبي موسى الأشعريّ ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ في سفر، فأشرفوا على واد، فجعل النّاس يكبرون ويهلّلون ويرفعون أصواتهم، فقال: [إنّكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا، إنّكم تدعون سميعا قريبا؛ وإنّه معكم] (٣).
وقال الله في مدح العبد الصّالح ورضي دعاءه: ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ (٤).
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ؛﴾ (٥٥) أي لا يحبّ المتجاوزين في الدّعاء. وفي الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: [إيّاكم والاعتداء في الدّعاء، فإنّ الله لا يحبّ المعتدين] (٥).
стр. 1120
واختلفوا في الاعتداء في الدّعاء؛ قال بعضهم: هو أن يدعو باللّعن والخزي؛ فيقول: لعن الله فلانا؛ أخزى الله فلانا. أو يدعو بما لا يحلّ فيجاوز حدّ العبوديّة.
وقال بعضهم: هو أن يسأل لنفسه منازل الأنبياء، أو يسأل الله شيئا من حكمته أنه يفعله في الدّعاء. وقيل: هو أن يقول: أسألك بحقّ جبريل وبحقّ الأنبياء أن تعطيني كذا. وقيل: هو أن يدعو بالصياح. وقيل: هو أن يعمل عمل الفجّار ويسأل مسألة الأبرار.
قوله تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها؛﴾ أي لا تفسدوا فيها بالشّرك والمعصية بعد إصلاح الله إيّاها ببعث الرّسل إليها، فأمروا فيها بالحلال ونهوا عن الحرام، فتصلح الأرض بالطّاعة. وقيل: معناه: لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر عنها، ويهلك الحرث بمعاصيكم. وقيل: معناه: لا تجوروا في الأرض فتخرّبوها؛ لأنّ الأرض قامت بالعدل، وقد أصلحها الله بالنّعمة.
قوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً؛﴾ أي واعبدوه خائفين من عذابه؛ طامعين في رحمته وثوابه. وقال الربيع: ﴿(خَوْفاً وَطَمَعاً)﴾ أي رغبا ورهبا. وقال ابن جريج: (خوف العدل وطمع الفضل).وقال عطيّة: (خوفا من النّيران وطمعا في الجنان).وقال ذو النون المصريّ: (خوفا من الفراق وطمعا في التّلاق).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥٦)؛معناه:
إنّ إنعام الله قريب من المحسنين. ويقال: إنّ المحسن من أخلص حسناته من الإساءة. وإنّما قال: (قريب) ولم يقل: قريبة؛ لأنّ الرحمة والعفو والغفران في معنى واحد، وما لم يكن فيه تأنيث حقيقيّ كنت بالخيار، إن شئت ذكّرته وإن شئت أنّثته.
وقال ابن جبير: (الرّحمة هنا الثّواب).وقال الأخفش: (هي المطر).فيكون القريب نعتا للمعنى دون اللفظ كقوله: ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى﴾
стр. 1121
﴿وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ (١) ولم يقل: منها؛ لأنه أراد بالقسمة الميراث والمال، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ﴾ (٢)،والصّاع مذكّر إلاّ أنه أراد به السرقة والسّقاية. وقال الكسائيّ: (أراد إنّ إتيان رحمة الله قريب، كقوله: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ (٣)؛أي لعلّ إتيانها قريب).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ؛﴾ قرأ عاصم «(بشرا)» بالباء المضمومة والشّين المجزومة؛ يعني أنه ينشر بالمطر، يدلّ عليه قوله: ﴿الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ (٤).وقرأ «(بشرا)» بضمّ الباء والشّين على جمع (بشر)؛مثل نذر ونذير. وقرأ ابن عامر: «(نشرا)» بالنون المضمومة وإشكال الشّين. وقرأ حمزة والكسائيّ:
«(نشرا)» بالنون المفتوحة، وجزم الشّين على التخفيف. وقرأ مسروق: «(نشرا)» بفتحتين؛ أراد منشورا. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: «(نشرا)» بالنون المضمومة وضمّ الشّين.
وقرأ بعضهم: «(وهو الّذي يرسل الرّيح)» بلفظ الوحدان. واختار أبو عبيد لفظ الجماعة، وكان يقول: (كلّ ما في القرآن من الرّياح ذكر فهو للرّحمة، وما كان من ذكر الرّياح أنثى فهو للعذاب).واحتجّ بما روي عن النبيّ ﷺ أنه كان يقول إذا هبّت ريح: [اللهم اجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا] (٥).
والنّشر: جمع النّشور؛ وهي الرّياح الّتي تهبّ من كلّ جانب؛ فتثير السّحاب كصبور وصبر. ومن قرأ «(نشرا)» بضمّة واحدة فللتخفيف، كما يقال: رسل ورسل.
ومن قرأ «(نشرا)» بنصب النون على معنى ننشر السّحاب نشرا. والنّشر خلاف الطّيّ كنشر الثّوب بعد طيّه، قال الفرّاء: (النّشر من الرّياح: الطّيّبة اللّيّنة الّتي تنشئ السّحاب) (٦).ومن قرأ «(بشرا)» بالباء والضمّ؛ فهو جمع بشير.
стр. 1122
قوله تعالى: ﴿(بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ)﴾ أي قدّام المطر، وقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ؛﴾ أي سقنا السّحاب بأمر الله إلى أرض ليس فيها نبات، قال ابن عبّاس: (يرسل الله الرّياح فتحمل السّحاب، فتمرّ به كما يمرّ الرّجل النّاقة والشّاة حتّى تدرّ ثمّ تمطر، فيخرج بالمطر من كلّ الثّمرات).
وقوله تعالى: ﴿(سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ)﴾ أو لأحيا بلدا ميّتا لا نبات فيه. وقيل: لا تمطر السّماء حتى يرسل الله أربعة أرياح: فالصّبا تهيّجه، والشّمال تجمعه، والجنوب تدرّه، والدّبور تصرفه.
قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ؛﴾ أي بالسّحاب، وقيل: بالبلد الميّت الذي لا ماء فيه ولا كلأ، ينزل الله به المطر، ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ؛﴾ أي فيخرج به ألوان؛ ﴿كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى؛﴾ أي مثل ذلك الإخراج الذي ذكرناه في إحياء الأرض الميّتة، كذلك نخرج الموتى من قبورهم يوم القيامة، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ بما ينالكم، ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ (٥٧)؛أي تستدلّون على توحيد الله وأنه يبعث من في القبور.
وقال ابن عبّاس وأبو هريرة (١): (إذا مات النّاس كلّهم في النّفخة الأولى، مطرت السّماء أربعين يوما قبل النّفخة الأخيرة مثل منيّ الرّجال، فينبتون من قبورهم من ذلك المطر كما ينبتون في بطون أمّهاتهم، وكما ينبت الزّرع من الماء، حتّى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيها الرّوح، ثمّ يلقي عليهم نومة فينامون في قبورهم، فإذا نفخ في الصّور النّفخة الثّانية-وهي نفخة البوق-جلسوا وخرجوا من قبورهم، وهم يجدون طعم النّوم في رءوسهم، كما يجد النّائم إذا استيقظ من نومه، فعند ذلك يقولون: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا. فيناديهم: هذا ما وعد الرّحمن وصدق المرسلون).
стр. 1123
قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ؛﴾ يعني: أنّ المكان الزّاكي من الأرض يخرج ريعه بلا كدّ ولا عناء ولا مشقّة فينتفع به، ﴿وَالَّذِي خَبُثَ؛﴾ ترابه؛ وهي الأرض السّبخة، ﴿لا يَخْرُجُ؛﴾ ريعها؛ ﴿إِلاّ نَكِداً؛﴾ أي في كدّ وعناء. قال ابن عبّاس: (هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، فإنّ المؤمن يسمع الموعظة فينتفع بها، وينفعه القرآن كما ينفع المطر البلد الطّيّب، والكافر لا يسمع الموعظة ولا يعمل عملا من الطّاعة إلاّ شيئا يسيرا) (١).
والنّكد في اللّغة: هو القليل الّذي لا ينتفع به. وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿(لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً)﴾ أي عسرا قليلا بعناء ومشقّة. وقرأ أبو جعفر: «(نكدا)» بفتح الكاف؛ أي بالنّكد. وقيل: هي لغة في نكد، ويقرأ «(نكد)» بإسكانها لغة أيضا. ويقال: رجل (نكدا) (٢)؛إذا كان عسرا ممتنعا من إعطاء الحقّ على وجه البخل.
قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ؛﴾ أي كما صرّفنا لكم آية في إثر آية؛ هكذا نبيّن الآيات، ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ (٥٨)؛نعم الله تعالى ويعتبرون بآياته وأمثاله.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ؛﴾ وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس. وكان نوح نجّارا بعثه الله إلى قومه وهو ابن خمسين سنة (٣)، ﴿فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ؛﴾ أي وحّدوه وأطيعوه، ولا تعبدوا معه غيره.
قوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ؛﴾ قرأ أبو جعفر ويحيى بن وثّاب والأعمش والكسائيّ: «(غيره)» بالخفض نعتا للإله. وقرأ الباقون بالرفع على معنى: ما لكم إله غيره. وقيل: على نيّة التقديم وإن كان مؤخّرا في اللفظ؛ تقديره: ما لكم غير الله من إله. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٥٩)؛
стр. 1124
معناه: إنّي أخاف عليكم إن لم تؤمنوا عذاب يوم القيامة. وقد يذكر الخوف ويراد به اليقين.
قوله تعالى: ﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ؛﴾ (٦٠) أي قال الأشراف والرّؤساء من قومه: إنّا لنراك يا نوح في ذهاب من الحقّ بيّن لنا لمخالفتك.
قوله تعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ؛﴾ أي ليس بي ذهاب عن الحقّ فيما أدعوكم إليه، ﴿وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٦١)؛أي ولكن أرسلني ربّ العالمين الذي يملك كلّ شيء. وإنّما لم يقل: ليست بي ضلالة؛ لأنّ معنى الضلالة الضّلال. قوله تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي؛﴾ أي أؤدّي إليكم ما حمّلني الله من الرّسالة. وإنّما قال: (رسالات) لأن الرسالة تتضمّن أشياء كثيرة من الأمر والنّهي؛ والتّرغيب والتّرهيب؛ والوعد والوعيد، فذكر تارة بلفظ يدلّ على الفعل؛ وتارة بلفظ يدلّ على الوحدان.
قرأ أبو عمرو: «(وأبلغكم)» بالتخفيف في جميع القرآن كقوله تعالى: ﴿أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي﴾ (١)،و ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ (٢).وقرأ الباقون مشدّدا كما قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ (٣).
قوله تعالى: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ؛﴾ أي أنصح لكم فيما أدعوكم إليه وأحذّركم منه. والنّصح: إخراج الغشّ من القول والفعل، يقال: نصحته ونصحت له؛ وشكرته وشكرت له. قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٦٢) أي أعلم إن لم تتوبوا من الشّرك أتاكم العذاب.
قوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ الألف في أوّل هذه الآية ألف استفهام، دخل على واو العطف على جهة الإنكار، فبقيت الواو مفتوحة كما كانت. ومعناها: أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على
стр. 1125
آدميّ منكم مثلكم تعرفون نسبه فيكم، ﴿لِيُنْذِرَكُمْ؛﴾ أي ليعلمكم بموضع المخافة، ﴿وَلِتَتَّقُوا؛﴾ الشّرك والمعاصي، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٦٣)؛أي ولكي تطيعوا فترحموا.
قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ؛﴾ أي فكذبوا نوحا فأنجيناه من الطّوفان والمؤمنين الذين كانوا معه في السّفينة، وكانوا نحوا من ثمانين إنسانا-كذا قال الكلبيّ-أربعين رجلا وأربعين امرأة. وقيل: سام وحام ويافث وأزواجهم، وستّة أناس غيرهم.
قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا؛﴾ أي بدلائلنا وآياتنا كما؛ ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ﴾ (٦٤)؛أي قد عموا عن الحقّ والإيمان.
وواحد ال (عمين):عم؛ وهو الذي قد عمي عن الحقّ. وقيل: معناه: أنّهم كانوا قوما جاهلين لأمر الله. وقيل: (كفّارا).وقيل: عمين عن نزول الغرق بهم.
قوله تعالى: ﴿*وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً؛﴾ أي وأرسلنا إلى عاد؛ وهم قوم من أهل اليمن، وكان اسم ملكهم عادا، فنسبوا إليه، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح (١).قوله تعالى: ﴿(أَخاهُمْ هُوداً)﴾ أي أخوهم في النّسب لا في الدّين، وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الجارود بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. وقيل: هو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. وإنّما أرسل الله إليهم منهم؛ لأنّهم له أفهم وإليه أسكن. ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (٦٥)؛ الآية ظاهرة المعنى.
وقوله تعالى: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ؛﴾ أي قال الأشراف والرّؤساء الذين كفروا منهم: إنّا لنراك في جهالة.
والسّفاهة في اللغة: خفّة الحلم والرّأي. وقوله تعالى: ﴿وَإِنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٦٦)؛يعني إنّهم كذبوه في دعوى الرسالة ونزول العذاب بهم،
﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ؛﴾ أي ليس بي جهالة، ﴿وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ﴾