← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

﴿وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ (١) ولم يقل: منها؛ لأنه أراد بالقسمة الميراث والمال، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ﴾ (٢)،والصّاع مذكّر إلاّ أنه أراد به السرقة والسّقاية. وقال الكسائيّ: (أراد إنّ إتيان رحمة الله قريب، كقوله: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ (٣)؛أي لعلّ إتيانها قريب). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ؛﴾ قرأ عاصم «(بشرا)» بالباء المضمومة والشّين المجزومة؛ يعني أنه ينشر بالمطر، يدلّ عليه قوله: ﴿الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ (٤).وقرأ «(بشرا)» بضمّ الباء والشّين على جمع (بشر)؛مثل نذر ونذير. وقرأ ابن عامر: «(نشرا)» بالنون المضمومة وإشكال الشّين. وقرأ حمزة والكسائيّ: «(نشرا)» بالنون المفتوحة، وجزم الشّين على التخفيف. وقرأ مسروق: «(نشرا)» بفتحتين؛ أراد منشورا. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: «(نشرا)» بالنون المضمومة وضمّ الشّين. وقرأ بعضهم: «(وهو الّذي يرسل الرّيح)» بلفظ الوحدان. واختار أبو عبيد لفظ الجماعة، وكان يقول: (كلّ ما في القرآن من الرّياح ذكر فهو للرّحمة، وما كان من ذكر الرّياح أنثى فهو للعذاب).واحتجّ بما روي عن النبيّ ﷺ أنه كان يقول إذا هبّت ريح: [اللهم اجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا] (٥). والنّشر: جمع النّشور؛ وهي الرّياح الّتي تهبّ من كلّ جانب؛ فتثير السّحاب كصبور وصبر. ومن قرأ «(نشرا)» بضمّة واحدة فللتخفيف، كما يقال: رسل ورسل. ومن قرأ «(نشرا)» بنصب النون على معنى ننشر السّحاب نشرا. والنّشر خلاف الطّيّ كنشر الثّوب بعد طيّه، قال الفرّاء: (النّشر من الرّياح: الطّيّبة اللّيّنة الّتي تنشئ السّحاب) (٦).ومن قرأ «(بشرا)» بالباء والضمّ؛ فهو جمع بشير.

стр. 1122

قوله تعالى: ﴿(بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ)﴾ أي قدّام المطر، وقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ؛﴾ أي سقنا السّحاب بأمر الله إلى أرض ليس فيها نبات، قال ابن عبّاس: (يرسل الله الرّياح فتحمل السّحاب، فتمرّ به كما يمرّ الرّجل النّاقة والشّاة حتّى تدرّ ثمّ تمطر، فيخرج بالمطر من كلّ الثّمرات). وقوله تعالى: ﴿(سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ)﴾ أو لأحيا بلدا ميّتا لا نبات فيه. وقيل: لا تمطر السّماء حتى يرسل الله أربعة أرياح: فالصّبا تهيّجه، والشّمال تجمعه، والجنوب تدرّه، والدّبور تصرفه. قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ؛﴾ أي بالسّحاب، وقيل: بالبلد الميّت الذي لا ماء فيه ولا كلأ، ينزل الله به المطر، ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ؛﴾ أي فيخرج به ألوان؛ ﴿كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى؛﴾ أي مثل ذلك الإخراج الذي ذكرناه في إحياء الأرض الميّتة، كذلك نخرج الموتى من قبورهم يوم القيامة، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ بما ينالكم، ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ (٥٧)؛أي تستدلّون على توحيد الله وأنه يبعث من في القبور. وقال ابن عبّاس وأبو هريرة (١): (إذا مات النّاس كلّهم في النّفخة الأولى، مطرت السّماء أربعين يوما قبل النّفخة الأخيرة مثل منيّ الرّجال، فينبتون من قبورهم من ذلك المطر كما ينبتون في بطون أمّهاتهم، وكما ينبت الزّرع من الماء، حتّى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيها الرّوح، ثمّ يلقي عليهم نومة فينامون في قبورهم، فإذا نفخ في الصّور النّفخة الثّانية-وهي نفخة البوق-جلسوا وخرجوا من قبورهم، وهم يجدون طعم النّوم في رءوسهم، كما يجد النّائم إذا استيقظ من نومه، فعند ذلك يقولون: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا. فيناديهم: هذا ما وعد الرّحمن وصدق المرسلون).

стр. 1123

قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ؛﴾ يعني: أنّ المكان الزّاكي من الأرض يخرج ريعه بلا كدّ ولا عناء ولا مشقّة فينتفع به، ﴿وَالَّذِي خَبُثَ؛﴾ ترابه؛ وهي الأرض السّبخة، ﴿لا يَخْرُجُ؛﴾ ريعها؛ ﴿إِلاّ نَكِداً؛﴾ أي في كدّ وعناء. قال ابن عبّاس: (هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، فإنّ المؤمن يسمع الموعظة فينتفع بها، وينفعه القرآن كما ينفع المطر البلد الطّيّب، والكافر لا يسمع الموعظة ولا يعمل عملا من الطّاعة إلاّ شيئا يسيرا) (١). والنّكد في اللّغة: هو القليل الّذي لا ينتفع به. وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿(لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً)﴾ أي عسرا قليلا بعناء ومشقّة. وقرأ أبو جعفر: «(نكدا)» بفتح الكاف؛ أي بالنّكد. وقيل: هي لغة في نكد، ويقرأ «(نكد)» بإسكانها لغة أيضا. ويقال: رجل (نكدا) (٢)؛إذا كان عسرا ممتنعا من إعطاء الحقّ على وجه البخل. قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ؛﴾ أي كما صرّفنا لكم آية في إثر آية؛ هكذا نبيّن الآيات، ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ (٥٨)؛نعم الله تعالى ويعتبرون بآياته وأمثاله. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ؛﴾ وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس. وكان نوح نجّارا بعثه الله إلى قومه وهو ابن خمسين سنة (٣)، ﴿فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ؛﴾ أي وحّدوه وأطيعوه، ولا تعبدوا معه غيره. قوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ؛﴾ قرأ أبو جعفر ويحيى بن وثّاب والأعمش والكسائيّ: «(غيره)» بالخفض نعتا للإله. وقرأ الباقون بالرفع على معنى: ما لكم إله غيره. وقيل: على نيّة التقديم وإن كان مؤخّرا في اللفظ؛ تقديره: ما لكم غير الله من إله. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٥٩)؛

стр. 1124

معناه: إنّي أخاف عليكم إن لم تؤمنوا عذاب يوم القيامة. وقد يذكر الخوف ويراد به اليقين. قوله تعالى: ﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ؛﴾ (٦٠) أي قال الأشراف والرّؤساء من قومه: إنّا لنراك يا نوح في ذهاب من الحقّ بيّن لنا لمخالفتك. قوله تعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ؛﴾ أي ليس بي ذهاب عن الحقّ فيما أدعوكم إليه، ﴿وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٦١)؛أي ولكن أرسلني ربّ العالمين الذي يملك كلّ شيء. وإنّما لم يقل: ليست بي ضلالة؛ لأنّ معنى الضلالة الضّلال. قوله تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي؛﴾ أي أؤدّي إليكم ما حمّلني الله من الرّسالة. وإنّما قال: (رسالات) لأن الرسالة تتضمّن أشياء كثيرة من الأمر والنّهي؛ والتّرغيب والتّرهيب؛ والوعد والوعيد، فذكر تارة بلفظ يدلّ على الفعل؛ وتارة بلفظ يدلّ على الوحدان. قرأ أبو عمرو: «(وأبلغكم)» بالتخفيف في جميع القرآن كقوله تعالى: ﴿أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي﴾ (١)،و ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ (٢).وقرأ الباقون مشدّدا كما قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ (٣). قوله تعالى: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ؛﴾ أي أنصح لكم فيما أدعوكم إليه وأحذّركم منه. والنّصح: إخراج الغشّ من القول والفعل، يقال: نصحته ونصحت له؛ وشكرته وشكرت له. قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٦٢) أي أعلم إن لم تتوبوا من الشّرك أتاكم العذاب. قوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ الألف في أوّل هذه الآية ألف استفهام، دخل على واو العطف على جهة الإنكار، فبقيت الواو مفتوحة كما كانت. ومعناها: أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على

стр. 1125

آدميّ منكم مثلكم تعرفون نسبه فيكم، ﴿لِيُنْذِرَكُمْ؛﴾ أي ليعلمكم بموضع المخافة، ﴿وَلِتَتَّقُوا؛﴾ الشّرك والمعاصي، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٦٣)؛أي ولكي تطيعوا فترحموا. قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ؛﴾ أي فكذبوا نوحا فأنجيناه من الطّوفان والمؤمنين الذين كانوا معه في السّفينة، وكانوا نحوا من ثمانين إنسانا-كذا قال الكلبيّ-أربعين رجلا وأربعين امرأة. وقيل: سام وحام ويافث وأزواجهم، وستّة أناس غيرهم. قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا؛﴾ أي بدلائلنا وآياتنا كما؛ ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ﴾ (٦٤)؛أي قد عموا عن الحقّ والإيمان. وواحد ال (عمين):عم؛ وهو الذي قد عمي عن الحقّ. وقيل: معناه: أنّهم كانوا قوما جاهلين لأمر الله. وقيل: (كفّارا).وقيل: عمين عن نزول الغرق بهم. قوله تعالى: ﴿*وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً؛﴾ أي وأرسلنا إلى عاد؛ وهم قوم من أهل اليمن، وكان اسم ملكهم عادا، فنسبوا إليه، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح (١).قوله تعالى: ﴿(أَخاهُمْ هُوداً)﴾ أي أخوهم في النّسب لا في الدّين، وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الجارود بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. وقيل: هو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. وإنّما أرسل الله إليهم منهم؛ لأنّهم له أفهم وإليه أسكن. ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (٦٥)؛ الآية ظاهرة المعنى. وقوله تعالى: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ؛﴾ أي قال الأشراف والرّؤساء الذين كفروا منهم: إنّا لنراك في جهالة. والسّفاهة في اللغة: خفّة الحلم والرّأي. وقوله تعالى: ﴿وَإِنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٦٦)؛يعني إنّهم كذبوه في دعوى الرسالة ونزول العذاب بهم، ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ؛﴾ أي ليس بي جهالة، ﴿وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ﴾

стр. 1126

﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٦٧)؛إليكم فيما يأمركم به من عبادته وتوحيده. وفي الآية موضع أدب لخلق وتعلّم من الله حسن جواب السّفهاء؛ لأنّ هودا ﵇ اقتصر على دفع ما نسبوه إليه بنفي ما قالوه فقط، ولم يقابلهم بشيء من الكلام القبيح، وكذلك فعله نوح ﵇؛ فقال: ليس بي ضلالة. قوله تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ﴾ (٦٨)؛ على التوبة. وقوله: (ناصح) أي أدعوكم إلى التّوبة، وقد كنت فيكم قبل اليوم أمينا، فكيف تتّهمونني اليوم. قوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ؛﴾ قد تقدّم تفسيره. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ؛﴾ أي واذكروا هذه النّعمة العظيمة بأن أورثكم الأرض بعد هلاك قوم نوح. والخلفاء: جمع الخليفة على غير لفظ الوحدان؛ لأن لفظه يقتضي أن يجمع على خلائف كما يقال: صحيفة وصحائف، إلاّ أنه مثل ظريف وظرفاء. قوله تعالى: ﴿وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً؛﴾ أي فضيلة في الطّول، قال ابن عبّاس: (أطولهم مائة ذراع، وأقصرهم ستّون ذراعا).وقال وهب: (كان رأس أحدهم كالقبّة العظيمة، وكان عين أحدهم يفرّخ فيها السّباع وكذلك مناخرهم) (١).قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ؛﴾ أي نعم الله عليكم واعملوا بما تقتضيه نعمه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦٩)؛أي لتظفروا بالنّجاة والبقاء. قوله تعالى: ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا؛﴾ أي قالوا: يا هود؛ أتأمرنا أن نعبد ربّا واحدا، ونترك ما كان يعبد آباؤنا من الآلهة، فقال لهم: إن لم تفعلوا ما آمركم به أتاكم العذاب، قالوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا؛﴾ أي تخوّفنا من العذاب، ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ؛﴾ (٧٠) أنّك رسول من عند الله.

стр. 1127

قوله تعالى: ﴿قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ؛﴾ أي قد وجب عليكم من ربكم عذاب وسخط. والرّجس والرّجز بمعنى واحد. قوله تعالى: ﴿أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ؛﴾ أي تخاصمونني في آلهتكم وأنتم صنعتموها بأيديكم، ﴿ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ؛﴾ أي في عبادتها، ﴿فَانْتَظِرُوا؛﴾ حصول العذاب بكم، ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (٧١)؛أن يهلككم الله بعذاب من عنده. قوله : ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا؛﴾ أي خلّصناه من العذاب والذين معه بنعمة منّا عليهم؛ وأمرناهم بالخروج من بين الكفّار قبل إنزال العذاب عليهم، ﴿وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا؛﴾ أي استأصلناهم بالرّيح العقيم، فما بقي منهم أحد. قوله تعالى: ﴿وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٧٢) أي ما أهلكهم الله إلاّ وكان في علمه أنه لو لم يهلكهم ما كانوا مؤمنين. فصل: وكانت قصة عاد وإهلاكهم على ما ذكره السّدّيّ وغيره من المفسرين: (أنّ عادا كان مساكنهم اليمن، وكان مساكنهم الأساف؛ وهي رمال يقال لها: رمل عالج ودهمان ونيران، ما بين عمان إلى حضرموت، وكانوا قد فشوا في الأرض، وقهروا أهلها بقوّتهم التي أعطاهم الله إيّاها، وكانوا يعبدون الأوثان. فبعث الله إليهم هودا نبيّا ﵇ من أوسطهم في النّسب، وأفضلهم في الحسب، فأمرهم أن يوحّدوا الله ولا يعبدوا غيره، وأن يكفّوا عن ظلم الناس، فأبوا عليه وكذبوه وقالوا: من أشدّ منّا قوّة؟! وتجبّروا في الأرض وبطشوا بطشة الجبّارين، فلما فعلوا ذلك أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك. وكان الناس في ذلك الزّمان إذا أنزل بهم بلاء وجهد مضوا إلى البيت الحرام بمكّة مسلمهم وكافرهم وسألوا الله الفرج، وكلّ الناس مسلمهم وكافرهم معظّما لمكّة حرسها الله، عارفا بحرمتها. وكان أهل مكّة يومئذ العماليق، أبوهم عمليق بن لاود بن سام بن نوح، وكان رئيس العماليق يومئذ بمكة رجلا يقال له: معاوية بن بكر، وكانت أمّه من عاد.

стр. 1128

فلمّا قحط المطر من عاد وجهدوا؛ قالوا: جهّزوا منكم وفدا إلى مكّة يستسقي، فبعثوا قيل بن عنز، ولقيم بن هزال في سبعين رجلا، فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو في خارج مكّة، فأنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنّيهم الجرادتان؛ وهما قينتان لمعاوية. فلما رأى طول مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوّثون من البلاء الذي أصابهم؛ شقّ ذلك عليه فقال: إخواني وأصهاري وهؤلاء مقيمون عندي وهم ضيفي، والله لا أدري ما أصنع بهم، أستحي أن آمرهم بالخروج إلى حاجتهم، فيظنّون أن ذلك لضيق مكانهم عنده، وقد هلك قومهم من ورائهم جهدا وعطشا، فشكا ذلك إلى قينتيه الجرادتين؟ فقالتا: قل شعرا لنغنّيهم به لا يدرون من قاله، لعلّ ذلك يخرجهم. فقال معاوية: ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعلّ الله يسقينا غماما فيسقي أرض عاد إنّ عادا ... قد أمسوا لا يبينون الكلاما من العطش الشّديد فليس نرجو ... به الشّيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهم بخير ... فقد أمست نساؤهم أيامى وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التّماما فقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقوا التّحيّة والسّلاما فلمّا غنّتهم الجرادتان بهذا، قال بعضهم لبعض: يا قوم، لقد أبطأتم على أصحابكم، فقوموا وادخلوا الحرم واستسقوا، فتقدّموا إلى الحرم. فقام قيل بن عنز يستسقي في المسجد، فقال: اللهمّ إنّي لم أجيء لمريض فأداويه، ولا لأسير فأفاديه، اللهمّ اسقنا فإنا قد هلكنا، اللهمّ اسق عاد ما كنت تسقيهم. وقال قومه: اللهمّ أعط قيلا ما سألك، واجعل سؤالنا مع سؤله. فأنشأ الله سحابة بيضاء؛ وسحابة حمراء؛ وسحابة سوداء، ونودي: يا قيل؛ اختر لنفسك ولقومك من هذا السّحاب ما شئت. فقال: اخترت السوداء لأنّها أكثر السّحاب ماء. فنودي: اخترت رمادا رمدا لا يبقي من آل عاد ولدا ولا شيوخا إلا صاروا همّدا.

стр. 1129

ثم ساق الله السّحابة السوداء التي اختارها قيل بما فيها من النّقمة والبلاء إلى عاد، حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال لهم: المغيث. فلمّا رأوها فرحوا وقالوا: هذا عارض ممطرنا. يقول الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها﴾ (١) أي كلّ شيء مرّت به، فسخّرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيّام حسوما؛ أي دائبة. فكانت الريح تحمل الضّعن ما بين السّماء والأرض وتدمغهم الحجارة، وكانوا قد حفروا لأرجلهم في الأرض وغيّبوها إلى ركبهم، فجعلت الريح تدخل تحت أقدامهم، وترفع كلّ اثنين وتضرب بأحدهما على الآخر في الهواء، ثم تلقيهما في الوادي، والباقون ينظرون حتى رفعتهم كلّهم، ثم رمت بالتراب عليهم، فكان يسمع أنينهم من تحت التّراب. فاعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حضيرة، فما كان يصيبهم من الرّيح إلاّ ما يليّن جلودهم وتلذّ به أنفسهم (٢). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه؛ قال: [لمّا أراد الله إرسال الرّيح العقيم إلى عاد، أوحى الله إلى الرّيح أن تخرج إلى عاد فينتقم منهم، فخرجت على قدر منخر ثور حتّى رجفت الأرض ما بين المشرق والمغرب. فقالت الخزّان: يا رب؛ لن يطيقها ولو خرجت على حالها لأهلكت ما بين مشارق الأرض ومغاربها. فأوحى الله: أخرجي على قدر خرق الخاتم، فخرجت على قدر ذلك].قال السّدّيّ: (فلمّا بعث الله على عاد الرّيح العقيم ودنت منهم، نظروا إلى الإبل والرّجال تطير بهم الرّيح بين السّماء والأرض، فتبادروا إلى البيوت، فأخرجتهم الرّيح من البيوت حتّى أهلكتهم على ما ذكرناه) (٣). وعن عليّ ﵁ أنّه سأل رجلا من حضرموت: (هل رأيت كثيبا أحمر تخالطه ندرة حمراء فيه أراك وسدر كثير في ناحية كذا من حضرموت؟) قال: نعم يا أمير

стр. 1130

المؤمنين؛ والله إنّك نعتّه نعت رجل قد رآه! قال: (إنّي لم أره؛ ولكنّي حدّثت عنه). قال: يا أمير المؤمنين؛ وما شأنه؟ قال: فيه قبر هود ﵇ (١). وعن عبد الرّحمن بن السّائب (٢)؛قال: (بين الرّكن والمقام وزمزم تسعة وتسعين نبيّا، وإنّ قبر هود وشعيب وصالح وإسماعيل في تلك البقعة) (٣).وفي بعض الأخبار: أنه كان إذا هلك قوم نبيّ ونجا هو ومن معه، أتى مكّة بمن معه، فيعبدون الله فيها حتّى يموتوا. قوله تعالى: ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ؛﴾ أي وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا في النّسب. وثمود: اسم للقبيلة؛ سمّوا بهذا الاسم لأنّهم كانوا على عين قليلة الماء، وموضعهم بالحجر بين الشّام والمدينة، والثّمد: الماء القليل. وثمود في كتاب الله مصروف وغير مصروف، قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ﴾ (٤) فصرف الأوّل دون الثاني، فمن صرفه جعله اسما للحيّ؛ فيكون مذكّرا سمّي به مذكّر، ومن لم يصرفه جعله اسما للقبيلة. قوله تعالى: ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ؛﴾ أي دلالة فاصلة بين الحقّ والباطل من ربكم. وقوله تعالى: ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً؛﴾ إشارة إلى ناقة بعينها. قال ابن عبّاس: (أتاهم صالح ﵇ بناقة من الصّخرة الملساء بمسألتهم، فتحرّكت الصّخرة بدعائه، فانصدعت عن ناقة عشراء، فلم يؤمنوا).وفي بعض الرّوايات: أخرج الله من الصخرة ناقة، خلفها سقبها (٥) الّذي ولدته. قوله تعالى: ﴿(لَكُمْ آيَةً)﴾ أي علامة لنبوّتي، فتعتبروا وتوحّدوا ربّكم.

стр. 1131

قوله تعالى: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ؛﴾ أي دعوها ترتع في أرض الحجر من العشب، ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ؛﴾ أي بقتل أو ضرب أو مكروه، ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧٣)؛أي مؤلم إن فعلتم ذلك. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ﴾ أي واذكروا إذ استخلفكم في الأرض من بعد هلاك عاد، ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً؛﴾ أي وأنزلكم في الأرض الحجر تبنون في سهولها قصورا في العيص (١)، ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً؛﴾ في طول الشّتاء. وقيل: إنّهم لطول أعمارهم كانوا يحتاجون أن ينحتوا من الجبال؛ لأن السّقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم. قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ؛﴾ أي احفظوا نعم الله عليكم، ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٧٤)؛أي ولا تعملوا في الأرض بالمعاصي والدّعاء إلى غير عبادة الله تعالى. قوله تعالى: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ؛﴾ أي قال الأشراف الرّؤساء منهم الذين تعظّموا عن الإيمان به ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ للّذين استضعفوا من المؤمنين: أتعلمون أنّ صالحا مرسل إليكم من ربه؟ وفي هذا ذمّ للكافرين من وجهين؛ أحدهما: الاستكبار؛ وهو رفع النّفس فوق قدرها وجحود الحقّ. والآخر: أنّهم استضعفوا من كان يجب أن يعظّموه ويبجّلوه. وفي؛ ﴿قالُوا؛﴾ أي قول قوم صالح: ﴿إِنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (٧٥)؛مدح لهم حيث ثبتوا على الحقّ، وأظهروه مع ضعفهم من مقاومة الكفّار. وقوله تعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ (٧٦)؛أي قال رؤساؤهم الذين تعظّموا عن الإيمان بصالح ﵇: إنّا بالّذي صدّقتم به من رسالته جاحدون.

стр. 1132

قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ؛﴾ معناه: فعقروا النّاقة التي جعل الله لهم آية ودلالة على نبوّة نبيّهم، وقد كان صالح ﵇ قال لهم: ﴿(هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ)﴾. وإنّما أضافها إلى الله على التّخصيص والتّفصيل، كما يقال: بيت الله. وقيل: أضيفت إلى الله بأنّها كانت بالتّكوين من غير اجتماع ذكر وأنثى ولم تكن في صلب ولا رحم، ولم يكن للخلق فيها سعي. قوله تعالى: (آية) نصب على الحال. وقوله تعالى: ﴿(وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ)﴾ أي تجاوزوا الحدّ في الكفر والفساد. ﴿وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا؛﴾ به من العذاب على قتل النّاقة، ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٧٧). قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ؛﴾ أي أخذتهم الزّلزلة ثمّ صيحة جبريل ﵇ كما قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ﴾ (١).والصّاعقة: هي الاحتراق؛ أي احترقوا، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (٧٨)؛أي ميتين قد همدوا رمادا جثوما. والجثوم: البروك على الرّكب. وقيل: معنى الصّيحة والصاعقة واحد، فإن الصاعقة اسم لما يصعقون به؛ أي يموتون. قوله تعالى: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ؛﴾ معناه: فأعرض صالح عنهم حين عقروا الناقة، وعرف أنّ العذاب يأتيهم وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم في أداء الرّسالة إليكم، ﴿وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ (٧٩)؛أي من ينصح لكم. قال ابن عبّاس: (فخرج صالح ومن معه من المؤمنين؛ وهم مائة وعشرة؛ حتّى إذا فصل من عندهم وهو يبكي، التفت خلفه فرأى الدّخان ساطعا، فعرف أنّ القوم قد هلكوا، وكان عددهم ألفا وخمسمائة. فلمّا هلكوا رجع صالح ومن آمن معه، فسكنوا ديارهم حتّى توالدوا وماتوا فيها).

стр. 1133

فإن قيل: قوله تعالى: ﴿(فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ)﴾ عطف على قوله: ﴿(فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ)؛﴾ فكيف تكون الصّيحة بعد هلاكهم؟ قيل: إنّ الفاء في قوله: ﴿(فَتَوَلّى عَنْهُمْ)﴾ للتّعقيب والإخبار لا لترادف الحال، وهذا راجع إلى حال عقرهم الناقة، لكنّ الله ساق القصّة في أمرهم إلى آخرها، ثم عطف على ذلك ما فعله صالح للكشف عن عذره في مسألة إنزال العذاب بهم بعد كثرة نصحه لهم وإصرارهم على فعلهم. وجواب إخوانه لا يمنع أنّ صالحا قال هذا القول بعد هلاك القوم ليعتبر بذلك من كان معه من المؤمنين. فصل: وقصّتهم ما حكاه السّدّيّ وغيره: (أنّ عادا لمّا هلكت عمّرت ثمود بعدها، واستخلفوا في الأرض، فنزلوا فيها وكثروا، وكانوا في سعة من عيشهم، فعتوا على الله، وأفسدوا في الأرض وعبدوا غير الله، فبعث الله إليهم صالحا من أوسطهم نسبا، فدعاهم إلى الله حتى شمط (١) وكبر ولا يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون. فلما ألحّ عليهم في الدّعاء والتّخويف سألوه أن يريهم آية تكون مصداقا لقوله، فقال لهم: أيّ آية تريدون؟ فأشاروا له إلى صخرة منفردة من ناحية الحجر، وقالوا له: أخرج لنا من هذه الصّخرة ناقة جوفاء عشراء، فإن فعلت آمنّا بك وصدّقناك. فأخذ عليهم صالح ﵇ المواثيق، ففعلوا، فصلّى ركعتين ودعا ربّه، فتمخّضت الصخرة تمخّض النّتوج بولدها، ثم تحرّكت وانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء، كما وصفوا وهم ينظرون، ثم نتجت سقياء مثلها في العظم، فلمّا خرجت الناقة قال لهم صالح: هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم. فمكثت الناقة ومعها سقبها في أرض ثمود ترعى الشّجر وتشرب الماء، فكانت ترد الماء غبّا، فإذا كان يومها وضعت رأسها في بئر يقال لها بئر النّاقة، فما ترفعها حتى قد شربت كلّ ما فيها، لا تدع قطرة واحدة، ثم ترفع رأسها فتنفشج كما تنفحج (٢)

стр. 1134

لهم، فيحلبون ما شاءوا من لبنها، فيشربون ويدّخرون، ويملئون آنيتهم كلّها، ثم تصدر من على الفجّ (١) الذي وردت منه؛ لأنّها لا تعد أن تصدر من ماء ترد لضيقه. قال أبو موسى الأشعريّ: أتيت أرض ثمود فذرعت مصدر النّاقة، فوجدته ستّين ذراعا (٢). وكانوا إذا جاء يومهم وردوا الماء فيشربون ويسقون مواشيهم، ويدّخرون من الماء ما يكفيهم اليوم الثاني، فكانوا كذلك، وكانت الناقة إذا رأتها مواشيهم تنفر منها، وكانت الناقة ترعى في وادي الحجر، فكبر ذلك على أهل المواشي منهم، فاجتمعوا وتشاوروا على عقر الناقة. وكان في ثمود امرأة يقال لها: صدوق، وكانت جميلة الخلق غنيّة ذات إبل وبقر وغنم، وكانت من أشدّ الناس عداوة لصالح ﵇، وكانت تحبّ عقر الناقة؛ لأنّها أضرّت بمواشيها، فطلبت من ابن عمّ لها يقال له: مصدع، وجعلت له نفسها إن عقر الناقة، وكانت من أحسن الناس وأكثرهم مالا، فأجابها إلى ذلك. ثمّ طلبت قدار بن سالف، وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا يزعمون أنه ولد زنى، ولكنّه ولد على فراش سالف، فقالت له: يا قدار؛ أزوّجك أيّ بناتي شئت على أن تعقر الناقة، وكان منيعا في قومه، فأجابها أيضا. فانطلق قدار ومصدع فاستغووا غواة ثمود، فأتاهم تسعة رهط، فاجتمعوا على عقر الناقة، فأوحى الله إلى صالح: أنّ قومك سيعقرون النّاقة. فقال لهم صالح بذلك، فقالوا: ما كنّا لنفعل. ثم تقاسموا بالله لنبيّتنّه وأهله. وقالوا: نخرج فيرى الناس أنا قد خرجنا إلى سفر، فنأتي الغار فنكون فيه، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى مسجده قتلناه، ثم رجعنا إلى الغار فكنّا فيه، فإذا رجعنا قلنا: ما شهدنا مهلك أهله وإنّا لصادقون؛ أي يعلمون أنّا خرجنا في سفر لنا.

стр. 1135

وكان صالح ﵇ لا ينام في القرية، وكان له مسجد خارج القرية يقال له: مسجد صالح يبيت فيه، فإذا أصبح أتاهم ووعظهم، فإذا أمسى خرج إلى المسجد. فانطلقوا ودخلوا الغار، فلما كان بالليل سقط عليهم الغار فقتلهم، فلما أصبحوا رآهم رجل فصاح في القرية فقال: ما رضي صالح حتى قتلهم، فاجتمع أهل القرية على عقر النّاقة) (١). وقال ابن إسحاق: (إنّما اجتمع التّسعة الّذين عقروا النّاقة، فقالوا: هلمّ لقتل صالح، فإن كان صادقا فأعجلنا قتله، وإن كان كاذبا ألحقناه بناقته. فأتوه ليلا ليبيّتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة) (٢). وقال بعضهم: انطلق قدار ومصدع وأصحابهما التسعة، فرصدوا الناقة حين صدرت على الماء، وقد كمن بها قدار في أصل صخرة على طريقها، وكمن لها مصدع في أصل صخرة أخرى، فمرّت على مصدع فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها، ثم خرج قدار فعقرها بالسّيف، فجرت ترغو، ثم طعنها في لبّتها ونحرها، وخرج أهل البلد واقتسموا لحمها. فلما رآها سقبها على ذلك، هرب يرغو فرغا ثلاثا ودموعه تنحدر حتى أتى الصخرة التي خلق منها، فانفتحت له فدخلها. فبلغ صالحا ﵇ عقر النّاقة، فأقبل إليهم، فجعلوا يعتذرون إليه ويقولون: إنّما عقرها فلان ولا ذنب لنا. فقال صالح: انظروا؛ هل تدركون سقبها؟ فإن أدركتموه فعسى أن يرفع عنكم العذاب. فخرجوا في طلبه فلم يجدوه، فقال صالح: يا قوم؛ لكلّ دعوة أجل؛ يا قوم تمتّعوا في داركم ثلاثة أيّام، ذلك وعد غير مكذوب. وقال ابن إسحاق: (عقروا النّاقة وسقبها، وألقوا لحمه ولحم أمّه، فقال لهم صالح: أبشروا بعذاب الله ونقمته. فقالوا له: وما علامة ذلك؟ قال: تصبحون غدا وجوهكم مصفرّة، وبعد غد محمرّة، وبعد ذلك مسودّة. وكانوا عقروها يوم الأربعاء.

стр. 1136

فأصبحوا يوم الخميس كأنّ وجوههم طليت بزعفران؛ صغيرهم وكبيرهم؛ وذكرهم وأنثاهم، فأيقنوا بالعذاب، وعلموا أنّ صالحا قد صدق، فطلبوه ليقتلوه، فهرب منهم واختفى في موضع فلم يجدوه، فجعلوا يعذّبون أصحابه الّذين آمنوا منهم ليدلّوهم عليه. فلمّا أصبحوا يوم الجمعة أصبحت وجوههم محمرّة كأنّها خضّبت بالدّماء؛ فصاحوا بأجمعهم وضجّوا وبكوا، وعرفوا أنّ العذاب قد دنا إليهم، وجعل كلّ واحد منهم يخبر الآخر بما يرى في وجهه. ثمّ أصبحوا يوم السّبت وجوههم مسودّة كأنّما طليت بالقار والنّيل، فصاحوا جميعا: ألا قد حضر العذاب. فلمّا أصبحوا يوم الأحد، خرج المسلمون إلى صالح ﵇، فمضى بهم إلى الشّام، فلمّا اشتدّ الضّجّ يوم الأحد، أتتهم صيحة من السّماء عظيمة، فيها صوت كلّ صاعقة، فانفطرت قلوبهم في صدورهم وتقطّعت، فلم يبق منهم كبير ولا صغير إلاّ هلك، كما قال الله تعالى: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ (١)). وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: لمّا مرّ النّبيّ ﷺ بالحجر في غزوة تبوك-يعني مواضع ثمود-قال لأصحابه: [لا يدخلنّ أحد منكم هذه القرية إلاّ أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم] ثمّ قال: [لا تسألوا رسولكم الآيات، فإنّ هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية، فبعث الله إليهم النّاقة، فكانت ترد من هذا الفجّ؛ وتصدر من هذا الفجّ؛ فتشرب ماءهم يوم ورودها] وأراهم مرتقى الفصيل حين ارتقى، ثمّ أسرع رسول الله ﷺ السّير حتّى جاوزوا الوادي (٢). وعن رسول الله ﷺ أنّه قال لعليّ ﵁: [أتدري من أشقى الأوّلين؟] قال: الله ورسوله أعلم، قال: [عاقر النّاقة].ثمّ قال: [أتدري من أشقى الآخرين؟]

стр. 1137

قال: الله ورسوله أعلم، قال: [قاتلك!] (١). قوله تعالى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (٨٠)؛معناه: وأرسلنا لوطا إذ قال لقومه: أتأتون السّيّئة؛ وهي إتيان الذّكور في الأدبار. والفاحشة: السّيّئة العظيمة القبح. وقوله تعالى: ﴿(ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ)﴾ أي لم يفعلها أحد قبلكم. قال ابن عبّاس ﵄: (أوّل ما عملوا عملهم الخبيث أن خصبت بلادهم فانتجعها أهل البلدان، فتمثّل لهم إبليس في صورة شابّ، ثمّ دعا إلى دبره فنكح، فعبثوا بذلك العمل زمانا، فلمّا كثر فيهم عجّت الأرض إلى ربها، فسمعت السّماء فعجّت إلى ربها، فسمع العرش فعجّ إلى ربه، فأمر الله السّماء أن تحصبهم، والأرض أن تخسف بهم) (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ؛﴾ أي إنّكم لتأتون الرّجال في أدبارهم شهوة، وتتركون إتيان النّساء التي أباح الله لكم، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (٨١)؛أي متجاوزون عن الحلال إلى الحرام. قوله تعالى: ﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ أي ما كان جوابهم إذ قالوا لهم ذلك، إلا أن قالوا؛ أي قال بعضهم لبعض: أخرجوا لوطا ومن آمن معه من بلدكم، ﴿إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (٨٢) أي يتنزّهون عن فعلنا ويقذّروننا. والعرب تسمّي المدينة قرية. قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ؛﴾ أي خلّصناه وابنتيه زعوراء وريئياء. وأهل الرّجل: هم المختصّون به اختصاص القرابة، وقوله: ﴿(إِلاَّ امْرَأَتَهُ)﴾ أي

стр. 1138

إلاّ زوجته كانت على دينهم، وقوله تعالى: ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٨٣)؛ أي من الباقين في الغبراء؛ غبرت فيمن غبر. ومعناه: بقيت في العذاب ولم تذهب معه، فهلكت مع القوم فيمن هلكوا. قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٨٤)؛قال ابن عبّاس: (أمطرت الحجارة على مسافرهم وعلى الّذين لم يكونوا معهم بالمدينة حتّى هلكوا، فأمّا المدينة فقد جعل الله عاليها سافلها).ويقال: أمطروا أوّلا بالحجارة، ثم خسفت بهم الأرض. وأما الألف في قوله: ﴿(وَأَمْطَرْنا)؛﴾ قال بعضهم: يقال لكلّ شيء من العذاب: أمطرت بالألف؛ وللرّحمة: مطرت. وقال بعضهم: أمطرت ومطرت بمعنى واحد. قوله تعالى: ﴿(فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ)﴾ أي فانظر من معك في آخر أمر الكافرين المكذّبين كيف فعلنا بهم. قوله تعالى: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ؛﴾ معناه: ولقد أرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا. قال الضّحاك: (كان شعيب أفضلهم نسبا؛ وأصدقهم حديثا؛ وأحسنهم وجها) يقال: إنه بكى من خشية الله حتى ذهب بصره وصار أعمى. وأما مدين؛ فإنه مدين بن إبراهيم خليل الله، تزوّج ريثاء بنت لوط؛ فولدت له وكثر نسله، فصارت مدين مدينتهم أو قبيلتهم. قوله تعالى: ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ؛﴾ أي برهان ودلالة من ربكم على نبوّتي، ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ؛﴾ أي أدّوا حقوق الناس بالمكيال والميزان على التّمام، ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ؛﴾ أي ولا تنقصوا شيئا من حقوقهم، ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ أي لا تعلوا فيها بالمعاصي بعد إصلاح الله إيّاها بالمحاسن. وقيل: معناه: لا تظلموا الناس في الأرض بعد أن منّ الله فيها بالعدل، ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ؛﴾ أي إيفاء الحقوق وترك الفساد في الأرض خير لكم،

стр. 1139

﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٨٥)؛أي مصدّقين بالله ورسوله. وقد كان لشعيب ﵇ آية تدلّ على نبوّته، كما قال تعالى: ﴿(قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ)﴾ إلا أنّها لم تذكر في القرآن كما أنّ أكثر معجزات نبيّنا ﷺ «ليست» مذكورة في القرآن. قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ؛﴾ أي لا تقعدوا على طريق تخوّفون وتصرفون عن دين الله وطاعته من آمن بالله، وذلك أنّهم كانوا يخوّفون بالقتل كلّ من قصد شعيبا بالإيمان به. وقوله تعالى: ﴿وَتَبْغُونَها عِوَجاً؛﴾ أي تطلبون بها غيرا وزيغا وعدولا عن الحقّ. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ؛﴾ أي احفظوا نعم الله عليكم إذ كنتم قليلا في العدد (فكثّركم) فكثّر عددكم، ويقال: معنى (فكثّركم):جعلكم أغنياء ذوي قدرة بعد أن كنتم ضعفاء فقراء. وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٨٦)؛أي تفكّروا كيف كان آخر أمر من كان قبلكم من الكفّار في إهلاك الله تعالى لهم، وإنزال العذاب بهم، فتحذروا من سلوك مسالكهم. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا؛﴾ معناه: وإن كان جماعة منكم صدّقوا بالّذي أرسلت به، وجماعة لم يصدّقوا، ﴿فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا؛﴾ أي حتّى يقضي الله بين المؤمنين والكافرين، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ (٨٧)؛وهو أعدل القاضين؛ سيجزي كلّ واحد من الفريقين ما يستحقّه على عمله في الدنيا والآخرة. فقضى الله بهلاك قوم شعيب. قوله تعالى: ﴿*قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا؛﴾ أي قال الّذين تعظّموا عن الإيمان به: لنخرجنّك يا شعيب والّذين آمنوا معك من قريتنا أو لترجعنّ إلى ديننا، ولا ندعكم في أرضنا على مخالفتنا. ﴿قالَ؛﴾ شعيب: ﴿أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ (٨٨)؛ معناه: أتعيدوننا في ملّتكم وتجبروننا على ذلك وإن كرهنا.

стр. 1140

فإن قيل: كيف قالوا لشعيب: ﴿(أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا)﴾ وشعيب ﵇ لم يكن في ملّتهم قط؛ لأنّ الأنبياء ﵈ لا يجوز عليهم الكفر في حال من الأحوال؟ قيل: يجوز أن يكون المراد بهذا الخطاب قومه الذين كانوا على ملّتهم؛ فأدخلوه معهم في الخطاب. ويحتمل أنّهم توهّموا أنّ شعيبا كان على ملّتهم؛ لأنّهم لم يروا منه المخالفة لهم إلاّ في وقت ما دعاهم إلى نبوّته. قوله تعالى: ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها؛﴾ أي قد اختلقنا على الله الكذب فيما دعوناكم إليه إن عدنا في ملّتكم بعد إذ خلّصنا الله منها بالدلالة على بطلانها وتبيين الحقّ لنا وقبولنا له. قوله تعالى: ﴿وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا؛﴾ قال بعضهم: معناه: ما نعود فيها إلاّ أن يكون في علم الله ومشيئته أن نعود فيها. وقال بعضهم: معناه: إلاّ أن يشاء الله أن نكره عليها بالقتل، فنظهر كلمة الكفر مع طمأنينة القلب بالإيمان. قوله تعالى: ﴿وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً؛﴾ أي أحاط ربّنا بكلّ شيء علمه، فهو يعلم ما هو أصلح لنا فيتعبّدنا به، وهو يعلم بأنّا هل ندخل في ملّتكم أو لا ندخل. قوله تعالى: ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا؛﴾ أي به وثقنا في الانتصار عليكم، قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ؛﴾ أي اقض بيننا وبينهم بما يدلّ على أنّا على الحقّ وهم على الباطل، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ (٨٩)؛والفاتح هنا: الحاكم بلغة أهل عمان؛ يسمّى فاتحا؛ لأنه يفتح المشكلات ويفصل الأمور. ويجوز أن يكون معنى الفتح: أظهر أمرنا بإهلاك العدوّ حتى ينفتح ما بيننا وبينهم؛ أي يظهر ويكشف. قوله تعالى: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ (٩٠)؛معناه: قال الأشراف الّذين كذبوا شعيبا: لئن اتّبعتم شعيبا فيما دعاكم إليه إنّكم إذا بمنزلة من ذهب رأس ماله لإفنائكم العمر في ترك الشّهوات، فتكونون مغبونين جاهلين.

стр. 1141

قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ؛﴾ أي الزّلزلة الشّديدة. وقال ابن عبّاس: (رجفت بهم الأرض وأصابهم حرّ شديد، ورفعت لهم سحابة، فخرجوا إليها يطلبون الرّوح منها، فلمّا كانوا تحتها سالت عليهم بالعذاب ومعه صيحة جبريل ﵇ (١).قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (٩١)؛أي بقرب دارهم تحت الظّلّة كما قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿(جاثِمِينَ)﴾ أي ميّتين على وجوههم وركبهم. وروي: أنّهم احترقوا تحت السّحابة، فصاروا ميّتين بمنزلة الرّماد الجاثم أجسام ملقاة على الأرض. قال ابن عبّاس: (فتح الله عليهم بابا من جهنّم، فأرسل عليهم منه حرّا شديدا، فأخذ بأنفاسهم فدخلوا جوف البيوت، فلم ينفعهم ماء ولا ظلّ، فأنضجهم الحرّ، فبعث الله سحابة فيها ريح طيّبة، فوجدوا برد الرّيح وطيبها وظلّ السّحابة، فتنادوا: عليكم بها؛ فخرجوا نحوها، فلمّا اجتمعوا تحتها رجالهم ونساؤهم وصبيانهم؛ ألهبها الله نارا عليهم، ورجفت بهم الأرض؛ فأحرقوا كما يحترق الجراد المقتول وصاروا رمادا، وهو عذاب يوم الظّلّة) (٣). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا؛﴾ يقول الله تعالى: الّذين كذبوا شعيبا كأن لم ينزلوا في دارهم. ويقال معنى ﴿(كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا)﴾ كأن لم يقيموا فيها مقام المستغني. ويقال: معناه: كأن لم يعيشوا ولم يكونوا. قال الأصمعيّ: (المغنى: المنزل؛ والمغاني المنازل الّتي كانوا فيها، يقال: غنينا بمكان كذا؛ أي نزلنا فيه). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ﴾ (٩٢)؛فيه بيان أنّ الخسران حلّ بهم دون المؤمنين، وإنّما أعاد ذكر ﴿(الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً)﴾ للتّغليظ عليهم.

стр. 1142

قوله تعالى: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ (٩٣)؛معناه: فلمّا رأى العذاب مقبلا عليهم أعرض عنهم بعد الإياس منهم، وخرج من بين أظهرهم. وقوله: ﴿(فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ)﴾ أي كيف يشتدّ جزعي على قوم كافرين حلّ بهم العذاب باستحقاقهم له بعد أن نصحتهم فلم يقبلوا. والأسى: الحزن؛ والأسى: الصّبر. قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ (٩٤)؛أي وما أرسلنا في مدينة من رسول فكذبوا إلاّ عاقبنا أهلها بالبأساء والضّرّاء. فالبأساء: ما نزل بهم من الشّدّة في نفوسهم، والضّرّاء: ما نزل فيهم من الضّرر في أموالهم. وقيل على عكس هذا، وقيل: البأساء: البؤس والشّدّة وضيق العيش، والضّرّاء: الفقر والجوع. قوله تعالى: ﴿(لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ)﴾ أي لكي يتضرّعوا ويتوبوا. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا؛﴾ أي ثم حوّلنا مكان الشّدّة والكرب العاقبة والخصب والسّعة حتى كثروا وكثرت أموالهم ومعاشهم. وإنّما سمّيت الشّدّة سيئة؛ لأنّها تسوء الإنسان؛ كما الإحسان حسنة؛ لأنه يحسن أثره على الإنسان، وإلاّ فالسيّئة هي الفعلة القبيحة، والله تعالى لا يفعل القبيح. وقال الحسن: (عفوا) أي سمنوا؛ وأراد به السّمن في المال لا في تعظيم الجسم).وقال قتادة: ﴿(حَتّى عَفَوْا)﴾ حتّى أشروا وبطروا ولم يشكروا ربّهم).وأصله من الكثرة؛ قال ﷺ : [احفوا الشّوارب وأعفوا اللّحية] (١).قال الشاعر: عفوا من بعد إقلال وكانوا ... زمانا ليس عندهم بعير وقال ابن عبّاس: (حتّى عفوا) أي جموا (٢).وقال ابن زيد: (حتّى كبروا كما يكبر النّبات والرّيش) (٣).

стр. 1143

قوله تعالى: ﴿وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرّاءُ وَالسَّرّاءُ؛﴾ أي قالوا: هكذا عادة الزّمان؛ أي يسيء تارة ويحسن أخرى، وهكذا كانت عادته مع آبائنا. فثبتوا على دينهم ولم يقيلوا عنه، فاثبتوا أنتم على دينكم ولا تقيلوا عنه، يقول الله تعالى: ﴿فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً؛﴾ أي أخذناهم بالعذاب فجأة، ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٩٥) أي من حيث لا يشعرون بالعذاب. والمعنى: أخذناهم بالعذاب وهم في أمن وهم لا يشعرون بنزوله. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ؛﴾ معناه: لو أنّ أهل القرى الذين أهلكناهم بتكذيبهم الرسل قالوا: آمنّا بالله وبالرّسل واتّقوا الشّرك والمعاصي لفتحنا عليهم بركات نامية من السّماء وهي المطر؛ ومن الأرض وهي النبات والثّمار، ﴿وَلكِنْ كَذَّبُوا؛﴾ الرسل؛ ﴿فَأَخَذْناهُمْ؛﴾ بالعذاب؛ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٩٦)؛من المعاصي. وفي الآية دلالة أنّ الكفاية والسّعة في الرّزق من سعادة المرء؛ أي إذا كان شاكرا. والمراد بقوله: ﴿لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ﴾ (١) الكثرة التي تكون وبالا على من لا يشكر الله تعالى. قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ﴾ (٩٧) معناه: أفأمن أهل القرى المكذّبة لك يا محمّد أن ينزل بهم عذابنا ليلا وهم نائمون في فرشهم ومنازلهم، لا يشعرون بالعذاب لغفلتهم. قوله تعالى: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٩٨) معناه: أو أمن أهل القرى المكذّبة لك أن يأتيهم عذابنا نهارا وهم مشغولون بلهوهم ولعبهم. والضّحى: صدر النّهار عند ارتفاع الشّمس. قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ؛﴾ معناه: أبعد هذا كلّه أمنوا عذاب الله لهم من حيث لا يعلمون. وإنّما سمّي العذاب مكرا على جهة الاتّساع والمجاز؛

стр. 1144

لأن المكر ينزل بالممكور من الماكر من حيث لا يشعر، وأما المكر الذي هو الاحتيال للإظهار بخلاف الإضمار؛ فذلك لا يجوز على الله. قوله تعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٩٩). فإن قيل: أليس الأنبياء قد أمنوا عذاب الله وليسوا من القوم الخاسرين؟ قيل: معنى الآية: لا يأمن عذاب الله من المذنبين. والأنبياء صلوات الله عليهم لا يأمنون عذاب الله على المعصية؛ ولهذا لا يعصون بأنفسهم. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ؛﴾ قرأ قتادة: «(أولم نهد)» بالنّون على التعظيم، ومعنى الآية: أولم يبيّن الله للّذين يخلفون في الأرض من بعد أهلها الذين أهلكهم الله بتكذيبهم الرّسل. وقوله تعالى: ﴿(أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ)﴾ أي أولم نبيّن لهم مشيئتنا أصبناهم بعقاب ذنوبهم، كما أخذنا من كان قبلهم بذنوبهم. وقوله تعالى: ﴿وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ؛﴾ أي نختم عليها عقوبة لهم، وليس هو عطفا على ﴿(أَصَبْناهُمْ)﴾ لأنه لو عطف عليه لقال: ولطبعنا؛ لأنّ قوله: ﴿(أَصَبْناهُمْ)﴾ على لفظ الماضي، وكان معنى ﴿(وَنَطْبَعُ)﴾:ونحن نطبع. ومعنى الختم على قلوبهم: بأنّهم لا يؤمنون على جهة الذمّ. وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ (١٠٠)؛أي لا يقبلون الوعظ. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها؛﴾ أي تلك القرى التي أهلكنا أهلها بجحودهم لآيات الله نقصّ عليك يا محمّد في القرآن من أخبارها كيف أهلكت؛ لما في ذلك من العبرة لمن تدبّر حالهم. ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ؛﴾ أي بالحجج والبراهين القاطعة التي لو اعتبروا بها لاهتدوا. وقوله تعالى: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا؛﴾ قال مجاهد: (معناه: فما أهلكناهم إلاّ وقد كان معلومنا أنّهم لا يؤمنون أبدا).وقال الحسن: (معناه: فما كانوا ليؤمنوا لعتوّهم وتمرّدهم في الباطل)، ﴿بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ﴾ (١٠١)؛أي على قلوب الكافرين بك.

стр. 1145

ومعنى الآية: ﴿(تِلْكَ الْقُرى)﴾ أي هذه القرى التي ذكرت لك يا محمّد أمرها وأمر أهلها، يعني قرى قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط وشعيب. وقوله تعالى: ﴿(فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا)﴾ قال أبيّ بن كعب: (معناه: فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرّسل لما سبق في علم الله أنّهم يكذّبون) (١). قوله تعالى: ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ؛﴾ أي ما وجدنا لأكثر المهلكين من وفاء فيما أمروا به. تقول العرب: فلان لا عهد له؛ أي لا وفاء له بالعهد. وهذا العهد المذكور في الآية يجوز ما أودع الله العقول من شكر النّعمة؛ والقيام بحقّ المنعم؛ ووجوب طاعة المحسن. ويجوز أن يكون ما أخذ عليهم على ألسنة الرّسل من هذه الأمور. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ﴾ (١٠٢)؛أي إنّا وجدنا أكثرهم ناقضين للعهد؛ تاركين لما أمروا به من الحلال والحرام. وأمّا دخول (أن) واللام في مثل هذا، فعلى وجه التّأكيد كما يقال: إن ظننت زيدا لقائما، وتريد بذلك تأكيد الظّنّ. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها؛﴾ معناه: ثمّ بعثنا من بعد أولئك الرّسل الذين سبق ذكرهم موسى بدلائلنا وحججنا من العصا واليد والطّمس وغير ذلك إلى فرعون وأشراف قومه. ويعني بالرّسل الذين بعث موسى من بعدهم: نوحا؛ وهودا؛ وصالحا؛ ولوطا؛ وشعيبا. واسم (فرعون) أعجميّ لا ينصرف؛ اجتمع فيه العجمة والتّعريف، وكانوا يسمّون كلّ من ملك مصر بهذا الاسم؛ واسمه: الوليد بن مصعب، وكان من القبط، وعمّر أكثر من أربعمائة سنة. قوله تعالى: ﴿(فَظَلَمُوا بِها)﴾ أي جحدوا بالآيات. وسماه ظلما لأنّهم جعلوا بدل وجوب الإيمان بها الكفر، وذلك من أبين الظّلم.

стр. 1146

قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١٠٣)؛أي فانظر كيف صار آخر أمر المفسدين في العقاب. قال ابن عبّاس: (كان طول عصا موسى عشرة أذرع على طوله، فكانت من آس الجنّة، وكان يضرب بها الأرض فيخرج بها النّبات، ويلقيها فإذا هي حيّة تسعى، ويضرب بها الحجر فيتفجّر، وضرب بها باب فرعون ففزع منها؛ فشاب رأسه؛ فاستحيا فخضّب بالسّواد، وأوّل من خضّب بالسّواد فرعون). قوله تعالى: ﴿وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٠٤) وذلك أنّ موسى دخل على فرعون ومعه أخوه هارون، بعثهما الله إليه بالرّسالة، فقال موسى: يا فرعون! إنّي رسول من رب العالمين. فقال له فرعون: كذبت! فقال موسى: ﴿حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ؛﴾ أي جدير بأن لا أقول على الله إلاّ الحقّ. وقرأ نافع: «(عليّ)» بالتشديد؛ أي واجب عليّ أن لا أقول على الله إلاّ الحقّ. وقوله تعالى: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ؛﴾ أي برهان وحجّة من ربكم، ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (١٠٥)؛أي فأطلق بني إسرائيل، ولا تستعبدهم لأحملهم إلى الأرض المقدّسة. وكان فرعون وقومه القبط يكلّفون بني إسرائيل الأعمال الشّاقّة، مثل حمل الطّين والماء وبناء المنازل وأشباه ذلك. وقوله تعالى: ﴿قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ،﴾ معناه: قال فرعون: إن كنت جئت بعلامة لنبوّتك، ﴿فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (١٠٦)؛في أنّك رسول الله؛ ﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ (١٠٧)؛أي ثعبان بيّن لا لبس فيه ولا تشبيه على أحد أنه ثعبان. فالثّعبان: الحيّة الصّفراء الذكر الأشعر أعظم الحيّات؛ لها عرف كعرف الفرس. روي أنّها: ملأت دار فرعون، ثم فتحت فاها وأخذت قبّة فرعون بين فكّيها، وتضرّع فرعون إلى موسى، وهرب الناس واستغاثوا بموسى، فأخذها موسى فإذا هي عصا بيده كما كانت.

стр. 1147

قال ابن عبّاس والسّدّيّ (١): (لمّا فغرت فاها كان بين لحييها ثمانون ذراعا، وضعت لحيها الأسفل في الأرض، ولحيها الأعلى على سور القصر، ثمّ توجّهت نحو فرعون لتأخذه، فوثب من سريره وهرب، وهرب النّاس وانهزموا، وكانوا خمسة وعشرين ألفا. فصاح فرعون: يا موسى! خذها وأنا أؤمن بربك، وأرسل معك بني إسرائيل. فأخذها؛ فعادت عصا كما كانت. فقال له فرعون: هل معك آية أخرى؟ قال: نعم؛ ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ (١٠٨)؛أي فأدخل يده في جيبه؛ ثم نزعها فإذا هي بيضاء لها شعاع يغلب نور الشّمس. قوله تعالى: ﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ (١٠٩)؛ أي قال الأشراف من قوم فرعون: إنّ هذا لساحر حاذق بالسّحر ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ؛﴾ أي قال الأشراف: يريد موسى أن يستميل قلوب بني إسرائيل إلى نفسه، ويتقوّى بهم فيقتلكم ويخرجكم من بلادكم، ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ (١١٠) أي تشيرون في أمره. كأنّهم خاطبوا فرعون، ويجوز أن يكون قوله: ﴿(يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ)﴾ من مقالة فرعون لقومه، ويعني بقوله: ﴿(مِنْ أَرْضِكُمْ)﴾ أرض مصر. وكان بين اليوم الذي دخل يوسف فيه مصر وبين اليوم الذي دخلها موسى فيه رسولا أربعمائة عام. قوله تعالى: ﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ؛﴾ أي قالوا لفرعون: احبسه وأخاه إلى آخر أمرهما، ولا تعجل بقتلهما؛ فتكون عجلتك حجّة عليك، ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ (١١١)؛أي ابعث الشّرط في المدائن التي حولك يحشرون السّحرة إليك (٢). والسّحر في اللّغة: لطف الحيلة في إظهار الأعجوبة، وأصل ذلك من خفاء الأمر، ومن ذلك سمّي آخر الليل سحرا لخفاء الشّخص بفيء ظلمته، والسّحر: الرئة؛ سميت بذلك لخفاء أمرها بانتفاخها تارة وضمورها أخرى.

стр. 1148

قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (١١٢)؛قال ابن عبّاس: (كانوا سبعين ساحرا غير رئيسهم، وكان اللّذان يعلّمانهم مجوسيّين من أهل نينوى) (١).وقال محمد بن إسحاق: (كانوا خمسة عشر ألف ساحر، مع كلّ واحد منهم حبل وعصا) (٢).وقال كعب: (كانوا عشرين ألفا) (٣).وقال ابن المنكدر: (كانوا ثمانين ألفا).وقال مقاتل: (كان رئيس السّحرة شمعون). ﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ،﴾ فلما اجتمعوا، ﴿قالُوا؛﴾ لفرعون: ﴿إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ﴾ (١١٣)؛أي جعلا ومالا؛ ﴿قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (١١٤)؛عندي في المنزلة. قال الكلبيّ: (أي أوّل من يدخل عليّ وآخر من يخرج). قوله تعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ (١١٥) أي قالت السّحرة: يا موسى! إمّا أن تلقى ما معك من العصا، وإمّا أن نلقي نحن ما معنا من العصيّ والحبال قبلك. ﴿قالَ أَلْقُوا؛﴾ ما معكم من الحبال والعصيّ، ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا؛﴾ ذلك؛ ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ؛﴾ أي أخذوا بها أعين النّاس، واستدعوا رهبتهم حتى رهبهم الناس، ﴿وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (١١٦)؛في أعين النّاس. وكانوا قد جعلوا فيها الزّئبق بعد أن صوّروها بصورة الحيّات، فلمّا أوقفوها في الشّمس اضطربت باضطراب ما فيها من الزّئبق؛ لأنه لا يستقرّ؛ ومتى يزداد مكثه في الشمس زادت حركته، وخيّل إلى موسى أنّ حبالهم وعصيّهم حيّات كما كانت عصا موسى ﵇. فإن قيل: كيف يجوز من موسى ﵇ أن يأمرهم بالإلقاء؛ وكان إلقاؤهم إرادة منهم مغالبة موسى؛ وذلك كفر؛ ولا يجوز على الأنبياء أن يأمروا بالكفر؟ قيل:

стр. 1149

معناه: ألقوا إن كنتم محقّين على زعمكم. ويجوز أن يكون أمرهم بالإلقاء لتأكيد معجزته. قوله تعالى: ﴿*وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ؛﴾ من يدك؛ فألقاها؛ ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ (١١٧)؛أي تلتقم وتبتلع ما كانوا يكذّبون أنّها حيّات. والإفك: الكذب. وقرئ: «(تلقف)» بجزم اللاّم خفيفة. وقرأ سعيد بن جبير: «(تلقم)». قال ابن عبّاس: (لمّا كثرت حيّاتهم جعلت عصا موسى تزداد عظما حتّى سدّت الأفق، ثمّ فتحت فاها فابتلعت جميع ما ألقوا من حبالهم وعصيّهم، ثمّ هوت بذنبها فعلّقته برأس قبّة فرعون وهو فيها، وفتحت فاها لتبتلعه، فصرخ إلى موسى، فأخذها فإذا هي عصا كما كانت. (١) ونظر السّحرة فإذا حبالهم وعصيّهم قد ذهبت، فذلك قوله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١١٨)؛أي ظهر الحقّ وبطل ما كانوا يعملون من السّحر، وقال النّضر بن شميل: (فوقع الحقّ) أي صدعهم وأفزعهم، ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ (١١٩)؛أي رجعوا ذليلين. قوله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ (١٢٠)؛قال الأخفش: (من شدّة سرعة سجودهم؛ كأنّهم ألقوا، وقد كانوا في اللّوح المحفوظ سعداء شهداء). قوله تعالى: ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٢١)؛فقال لهم فرعون: إيّاي تعنون؟ قالوا: ﴿رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ (١٢٢)؛فبهت فرعون وندم على ما نالهم، فظهر للنّاس إنّهم آمنوا بالله . قوله تعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ؛﴾ أي قال لهم فرعون: أصدّقتم برب موسى وهارون قبل أن آذن لكم في الأيمان، ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها؛﴾ أي إنّ هذا لشيء واطأتموه عليه حين يدّعى النّبوّة، ثم تظهرون مخالفته في ابتداء الأمر، حتى إذا غلبكم أظهرتم

стр. 1150

موافقته بعد ذلك. أراد فرعون بهذا القول أن يموّه على الناس؛ ليصرف وجوههم إلى نفسه، ثم قال للسّحرة: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (١٢٣)؛ماذا ينزل بكم من النّكال. قوله تعالى: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ؛﴾ أي لأقطّعنّ أيديكم اليمنى وأرجلكم اليسرى من خلاف، ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١٢٤)؛على شاطئ نهر مصر على جذوع النّخل حتى تموتوا من الجوع والعطش والألم. قوله تعالى: ﴿قالُوا إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ (١٢٥)؛أي فقالت السّحرة: إنّا لا نبالي من فعلك وعقوبتك، فإنّ مرجعنا إلى الله يوم القيامة، فإن الحياة وإن طالت؛ فإنّها تختم بالممات، قوله تعالى: ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا؛﴾ أي قالت السّحرة: ما تعيب علينا ولا تنكر علينا إلا لأنّا صدّقنا بعلامات توحيد ربنا؛ لمّا ظهر لنا أنّ ذلك حقّ من الله. ثم ألهموا الدّعاء فقالوا: ﴿رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ (١٢٦) أي أصبب علينا صبرا وأنزله علينا؛ ووفّقنا على الثّبات على الإيمان إلى وقت الوفاة. قال ابن عبّاس: (فأخذ فرعون السّحرة فقطّعهم، ثمّ صلبهم على شاطئ نيل مصر، وخلّى سبيل موسى وهارون ولم يتعرّض لهما). (١) قوله تعالى: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ؛﴾ من القبط: ﴿أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي أتتركهم ليغيّروا عليك دينك في أرض مصر ويدعو الناس إلى مخالفتك؛ فينتقض بذلك أمرك وملكك؛ ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ؛﴾ أي يدعك ولا يعبدك؛ ويدع أصنامك التي أمرت بعبادتها. قال الحسن: (كان فرعون يستعبد النّاس ويعبد الأصنام بنفسه). (٢) وقال السّدّيّ: (كان يعبد هو ما استحسن من البقر، ومنه أخذ السّامريّ عبادة البقر). (٣)

стр. 1151

وقيل: كان فرعون قد صنع أصناما صغارا، وأمر قومه بعبادتها، وقال: أنا ربّ هذه الأصنام الأعلى، وهم أربابكم. وقرأ الحسن: «(وما تنقم)» بفتح القاف لغتان، قال الضّحاك: (معناه: وما تطغى علينا).وقال عطاء: (ما لنا عندك من ذنب تعذّبنا عليه إلاّ أن آمنّا بآيات ربنا).وقرأ الحسن: «(ويذرك)» بالرّفع عطفا على (أتذر).وقرأ ابن مسعود وابن عبّاس والضحّاك: «(وآلهتك)» أي عبادتك، فلا يعبدك. وقيل: أراد بالآلهة الشّمس، وكان فرعون وقومه يعبدونها. وقال ابن عبّاس: (كان لفرعون بقرة يعبدها، وكانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها، فكذلك أخرج لهم السّامريّ عجلا).وروي: أنه قيل للحسن: هل كان فرعون يعبد شيئا؟ قال: (نعم؛ كان يعبد تيسا). قوله تعالى: ﴿قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ؛﴾ أي قال فرعون: سنعود إلى قتل أبنائهم واستخدام نسائهم عقوبة له كما كنّا نفعل وقت ولادة موسى. وقوله تعالى: ﴿وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ﴾ (١٢٧)؛أي مستعلون عليهم بالقوّة. فشكت بنو إسرائيل إلى موسى ف، ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا؛﴾ أي استعينوا بالله على دفع بلاء فرعون عنكم، واصبروا على دينكم، ﴿إِنَّ الْأَرْضَ؛﴾ التي أنتم فيها؛ ﴿لِلّهِ يُورِثُها؛﴾ أي يسكنها، ﴿مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ؛﴾ فيورثكم هذه الأرض بعد إهلاك فرعون وقومه، ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١٢٨)؛أي آخر الأمر للذين يتّقون الله. وقيل: أراد بالعاقبة الجنة في الآخرة. وقيل: النصر والظّفر. وقيل: السعادة والشهادة. قوله تعالى: ﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ فرعون عاد إلى قتل أبنائهم، وزاد في إتعابهم في العمل، إذ كان يستعملهم قبل مجيء موسى بضرب اللّبن والبناء، فلمّا أتاهم موسى غضب وكلّفهم أيضا أشدّ من ذلك).

стр. 1152

قال وهب: (جعلهم أصنافا في خدمته: قوم يحملون السّواري من الجبال؛ وقد قرحت أعناقهم وعوانقهم ودبرت ظهورهم من ثقل ذلك، وقوم قد جرحوا من ثقل الحجارة والطّين للبناء، وقوم يبنون الطّين ويطبخون الآجرّ، وقوم نجّارون، وقوم حدّادون. وأمّا الضّعفاء الّذين لا يطيقون العمل؛ فجعل عليهم الخراج يؤدّونه كلّ يوم، فمن خرجت عليه الشّمس قبل أن يؤدّي غلّت يمينه إلى عنقه. وأمّا النّساء فيغزلن الكتّان وينسجنه). فلما شكوا إلى موسى (قالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا)، ﴿قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ؛﴾ يعني فرعون وقومه، ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي ويجعل لكم سكنا في أرض مصر من بعدهم. و (عسى) كلمة إطماع وما أطمع الله فيه فهو واجب؛ لأن الكريم إذا أطمع وإذا وعد وفّى، فيصير كأنه أوجبه على نفسه. وقوله تعالى: ﴿(وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ)﴾ ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١٢٩)؛أي فيرى عملكم كيف تشكرون صنعه، كأنه قال: ويستخلفكم في الأرض؛ لكي تعملوا بطاعة الله. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ؛﴾ أي أخذنا قوم فرعون وأهل دينه بالجوع عاما بعد عام إلى تسعة أعوام. وآل الرّجل: خاصّته الّذين يؤول أمره إليهم؛ وأمرهم إليه. والسّنون في كلام العرب: الجدب؛ يقال: مسّتهم السّنون؛ أي الجدب. وقوله تعالى: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ؛﴾ أي زيادة في القحط؛ لأن الثمار قوت الناس وغذاؤهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١٣٠)؛أي لكي يتّعظوا فيؤمنوا، فلم يتّعظوا. وقيل: أراد بقوله: ﴿(وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ)﴾ الغلاء. قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ؛﴾ أي إذا جاءهم الخصب والخير قالوا: نحن أهل لهذه الحسنة وأحقّ بها، فمن عادة بلادنا أنّها تأتي بالسّعة والخصب. ولم يروا ذلك منّا وتفضّلا من الله، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ؛﴾ جدوبة وقحط وبلاء وشدّة؛ ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ؛﴾ أي يتشاءموا بموسى

стр. 1153

وأصحابه؛ فقالوا: أصابنا هذا البلاء من شؤم هؤلاء. والطّيرة في اللغة: الشّأمة كما روي [أنّ النّبيّ ﷺ كان يحبّ الفأل ويكره الطّيرة]. (١) والأصل في هذا: أن العرب كانوا يتفاءلون بالطّير؛ فإن جاءهم طائر من جهة اليمين وهو السّانح؛ (٢) تبرّكوا به، وإن جاءهم من جهة الشّمال وهو البارح يتشاءموا به، ثم كثر قولهم في الطير حتى استعملوه في كلّ ما تشاءموا به. ومعنى الآية: ﴿(يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ)﴾ أي تشاءموا بهم وقالوا: ما أصابنا بلاء حتى رأيناكم. وقرأ طلحة «(تطيّروا)» بالتاء وتخفيف الطّاء على الفعل الماضي، قال سعيد بن جبير: (كان ملك فرعون أربعمائة سنة، فعاش ثلاثمائة سنة لا يرى مكروها، ولو رأى في تلك المدّة جوع يوم، أو حمّى يوم، أو وجع ساعة لما ادّعى الرّبوبيّة). قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ؛﴾ معناه: الذي أصابهم من الخصب والجدب والخير والشرّ كلّ ذلك من عند الله، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٣١)؛أنه أصابهم من عند الله. وقال ابن عبّاس: (معناه: ألا إنّما مصابهم عند الله).وقال ابن جريج: (الأمر كلّه من قبل الله). وقيل: معناه: ألا إنّما الشؤم الذي يلحقكم هو الذي وعدوا به في الآخرة لا ما نالهم من الدّنيا، فإن القحط الذي هم فيه قليل في جنب عقوبة الآخرة. وقرأ الحسن: «(ألا إنّما طيرهم عند الله)» بغير الألف، والمعنى واحد. قوله تعالى: ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها؛﴾ قال الخليل: (أصل (مهما):مأما، أبدلت الألف الأولى هاء لتخفيف اللّفظ).وقال بعضهم: معنى (مه):اكفف، ثم قال: ﴿(مَهْما تَأْتِنا بِهِ)﴾ بمعنى الشرط؛ أي ما تأتنا به من علامة يا موسى ﴿(لِتَسْحَرَنا بِها)﴾ أي لتوهمنا أنّها الحقّ، ﴿فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١٣٢) أي بمصدّقين بالرسالة.

стр. 1154

وكان موسى ﵇ رجلا حديدا، فدعا عليهم؛ فأرسل عليهم الطوفان كما قال : ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ؛﴾ اختلفوا في الطّوفان ما هو؟ قال الضحّاك: (الغرق).وقال عطاء ومجاهد: (الموت الغالب الشّائع). (١) وقال وهب: (الطّوفان: هو الطّاعون بلغة أهل اليمن).وقال أبو قلابة: (هو الجدريّ؛ وهم أوّل من عذّبوا به، وبقي في النّاس إلى الآن).وقال الأخفش: (هو السّيل الشّديد).وقال مقاتل: (هو الماء طغى فوق حروثهم). وقال بعضهم: هو كثرة المطر والريح. والأظهر ما قاله ابن عبّاس: (أنّه المطر الدّائم، أرسل الله المطر عليهم ليلا ونهارا من السّبت إلى السّبت، حتّى خربت أبنيتهم، وكاد أن يصير المطر بحرا، فخافوا الغرق). قال ابن عبّاس وسعيد بن جبير وقتادة: (٢) (لمّا آمنت السّحرة واغتلب فرعون، وأبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتّمادي في الشرّ، أخذهم الله بالسّنين، ونقص من الثمرات، فلما عالجهم موسى بالآيات الأربع: العصا؛ واليد؛ والسّنين؛ ونقص من الثّمرات، دعا فقال: يا رب! إنّ عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتى، وإن قومه قد نقضوا عهدك وأخلفوا وعدك، ربي فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة ولقومي عظة ولمن بعدهم من الأمم عبرة. فبعث الله عليهم الطوفان؛ وهو الماء أرسله عليهم من السّماء حتى كادوا يهلكون، وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشبكة مختلطة بعضها ببعض، فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم من جلس منهم غرق، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة واحدة، فأقام ذلك عليهم سبعة أيّام. فقالوا: يا موسى! أدع لنا ربّك يكشف عنا المطر، فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا ربّه فكشف عنهم ذلك، وأرسل الريح فجفّفت الأرض، وخرج من

стр. 1155

النبات شيء لم يروا مثله، فقالوا: هذا الذي كنّا نتمنّاه، وما كان هذا الماء إلا نعمة علينا وخصبا، فلا والله لا نؤمن بك يا موسى، ولا نرسل معك بني إسرائيل. فنقضوا العهد، وعصوا ربّهم واقاموا على كفرهم شهرا، فبعث الله عليهم الجراد، وغشى مصر منه أمر عظيم حال بينهم وبين الماء وغطّى الشمس؛ ووقع على الأرض بعضه على بعض ذراعا، فأكل جميع ما ينبت في الأرض؛ وأكل الأشجار؛ حتى أكل الأبواب وسقوف البيوت والخشب والثياب والأمتعة؛ حتى مسامير الحديد، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منه شيء، فعجّلوا إلى موسى و؛ ﴿قالُوا:﴾ يا أيّها الساحر! ﴿اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾،وأرادوا بالساحر العالم يعظّمونه. فدعا موسى ربّه، فكشف عنهم الجراد بعد أن أقام في أرضهم سبعة أيام فلم يبق في الأرض جرادة واحدة، ثم نظروا فإذا في بعض المواضع من نواحي مصر بقيّة من كلأ وزرع، فقالوا: هذا يكفينا بقيّة عامنا هذا، فلا والله لا نؤمن لك يا موسى ولا نرسل معك بني إسرائيل، فأرسل الله عليهم القمّل؛ وهم صغار الجراد يقال له الدباء. وقيل: أرسل الله عليهم سوس الحنطة، فمكث في أرضهم سبعة أيام، فلم يبق لهم عودا خضرا إلا أكله، ولحس جميع ما بقي في أرضهم. وقال سعيد بن جبير: (القمّل: هو السّوس الّذي يخرج من الحبوب). (١) يقال: إنّ موسى ﵇ أتى إلى كثيب من كثب قرى مصر، وكان كثيبا أهيل عظيما، فضربه بعصاه، فانبعث قملا، فأكل جميع ما على الأرض حتى لحسها، وكان يدخل بين ثيابهم وجلودهم، فينهشهم ويأكل أشعارهم وحواجبهم وأشعار عيونهم، ومنعهم النوم والقرار، وظهر بهم منه الجدري، وكان أحدهم لا يأكل لقمة إلا مملوءة قملا. فصرخوا إلى موسى: أدع لنا ربّك في هذه المرّة، ونعطيك عهودا ومواثيق لنؤمننّ لك ولنرسلنّ معك بني إسرائيل.

стр. 1156

فدعا ربّه فكشف عنهم بعد أن أقام سبعة أيام، ثم قالوا: وما عسى ربّك أن يفعل بنا وقد أهلك كلّ شيء من نبات أرضنا، فعلى أيّ شيء نؤمن بك؟ اذهب فما استطعت أن تفعله فافعله! فدعا عليهم موسى، فأرسل الله عليهم الضّفادع، خرجت عليهم من البحر مثل اللّيل الدامس، فملأت بيوتهم وطرقهم وأطعمتهم، فلا يكشف أحدهم طعاما ولا شرابا إلا وجد فيه الضّفادع. وكان الرجل إذا جلس تراكبت عليه الضفادع حتى يكون إلى فمه، فإذا همّ أن يتكلّم وثبت الضفدع إلى فمه فانشدخت، وكان أحدهم إذا اضطجع تراكب عليه حتى يكونوا ركاما فوق الذراع بعضه على بعض، حتى لا يستطيع أن ينقلب إلى جنب آخر، ولا يقدر على القيام، وكان إذا فتح أحدهم فمه ليأكل لقمة وثبت الضفدع في فمه فسبقت اللقمة، وكانوا لا يوقدون نارا إلا امتلأت ضفادع، وكان بعضهم لا يسمع كلام بعض من كثرة صراخ الضفادع، وكانوا إذا قتلوا واحدا منها جاف ما حوله حتى لا يستطيعون الجلوس فيه). قال عكرمة وابن عباس: (كانت الضفادع برّيّة، فلما أرسلها الله على قوم فرعون سمعت وأطاعت، فجعلت تقذف نفسها في القدر وهي تغلي، وفي التّنانير وهي تفور، فأثابها الله بحسن طاعتها بالماء، فلما ضاقت الأرض على قوم فرعون، عجّوا وشكوا إلى موسى وبكوا؛ وقالوا: يا موسى! هذه المرة نتوب ولا نعود، ونحلف لك لئن دفعت عنا هذه الضفادع لنؤمننّ لك، فأخذ عهودهم ومواثيقهم، ثم دعا ربّه فكشفها عنهم بريح عظيمة نبذتها في البحر، فقال لهم موسى: ويحكم! أي لم تسخطون ربّكم، أرسلوا معي بني إسرائيل. فأبوا ونقضوا العهود والمواثيق وعادوا لكفرهم وتكذيبهم، فدعا عليهم، فأرسل الله عليهم الدّم، فجرت أنهارهم وآبارهم دما أحمر عبيطا، وبنو إسرائيل في الماء العذب الطيّب، وكان الإسرائيليّ يستسقي ماء عذبا صافيا، فإذا أخذه القبطيّ تحوّل دما، وكانت القبطيّة تقول للإسرائيليّة: مجّي الماء من فمك إلى فمي، فكانت تمجّه في فمها فيصير في فم القبطيّة دما عبيطا.

стр. 1157

وكان فرعون يجمع بين الرّجلين على الإناء الواحد؛ القبطيّ والإسرائيليّ، فيكون مما يلي الإسرائيليّ ماء، ومما يلي القبطيّ دم، وكانا يستقيان من جرّة واحدة، فيخرج للإسرائيليّ ماء عذب زلال صافي، ويخرج للقبطي دم عبيط. وكان النيل ماؤه طيّبا، فإذا أخذه القبطيّ عاد في إنائه وفي فمه دما. فمكثوا على هذا سبعة أيام لا يشربون إلا الدّم؛ حتى مات كثير منهم، ثم إن فرعون أجهده العطش واشتدّ به، فيأتون بأوراق الأشجار الرطبة، فيمصّها فتصير دما عبيطا وملحا أجاجا، فكانوا لا يأكلون إلا الدّم، ولا يشربون إلا الدم، فقال فرعون: أقسم بإلهك يا موسى! لئن كشفت عنا الدّم لنؤمننّ لك. فدعا موسى ربّه، فأذهب عنهم الدم، وعذب ماؤهم، فعادوا لكفرهم إلى أن كان من أمر الغرق ما كان. (١) قوله تعالى: ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ؛﴾ أي دلالات واضحات بعضها منفصل من بعض، كلّ آية من السّبت إلى السبت، وبين كلّ آيتين شهر. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾ (١٣٣)؛أي مقيمين على كفرهم، فمكث موسى في آل فرعون بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم الآيات. قوله تعالى: ﴿وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ؛﴾ معناه: ولمّا وقع عليهم العذاب الذي تقدّم ذكره من الطّوفان وغيره. وقال عكرمة: (الرّجز: الدّم؛ لأنّه نغّص عيشهم).وقال ابن جبير: (هو الطّاعون). وذلك أنّ موسى أرى قومه وبني إسرائيل من بعد ما جاء قوم فرعون بالآيات الخمس: الطوفان وغيره، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فأرسل عليهم الطاعون، فهلك منهم سبعون ألفا، فقال فرعون عند ذلك: ﴿(يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ)﴾ أي بما تقدم به إليك أنه يجيب دعاءك إذا دعوته كما أجاب دعاءك في إنزال هذه الآيات، ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ؛﴾ أي هذا الطاعون. وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد: «(الرُّجْز)» وهما لغتان كالعُضْو والعِضْو. قوله تعالى: ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ؛﴾ أي لنصدّقنّك، ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (١٣٤)؛أي لنطلقنّهم من التسخير والأعمال الشاقّة.

стр. 1158

قوله تعالى: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ؛﴾ أي العذاب، ﴿إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ؛﴾ وهو الوقت الذي علم الله من حالهم أن صلاح غيرهم مقالهم إلى ذلك الوقت؛ يعني وقت الغرق، وقوله تعالى: ﴿إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ (١٣٥) يعني ينكثون العهد. وقوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا؛﴾ وذلك أن الله تعالى أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل، فاستعار نسوة بني إسرائيل من نساء آل فرعون حليّهم، وقلن: إن لنا خروجا إلى عيد. فخرج موسى ببني إسرائيل في أوّل الليل، وهم ستمائة ألف من رجل وامرأة وصبيّ، فبلغ الخبر فرعون، فركب ومعه ألفا ألف ومائتا ألف، فأدركهم فرعون حين طلعت الشمس، وانتهى موسى إلى البحر، فضرب البحر؛ فانفلق اثنا عشر طريقا، وكانت بنو إسرائيل اثنا عشر سبطا، فعبر كلّ سبط طريقا. فأقبل فرعون ومن معه، فدخلوا بعدهم من حيث دخلوا، فلما صاروا جميعا في البحر، أمر الله البحر فالتطم عليهم فغرقوا، فقال بنو إسرائيل لموسى أن يريهم فرعون، فدعا ربّه فلفظهم البحر ولفظ فرعون، فنظروا إليه وإلى من معه، فلا يقبل الماء غريقا بعد ذلك أبدا، ورجع موسى ببني إسرائيل، فسكنوا الأرض أرض مصر. ومعنى قوله: ﴿(فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ)﴾ أي في البحر بلسان العبرانيّة. وقوله تعالى: ﴿(بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا)﴾ أي بتكذيبهم الآيات التّسع التي أتاهم بها موسى: اليد؛ والعصا؛ والسّنون؛ ونقص الثمرات؛ والطوفان؛ والجراد؛ والقمل؛ والضفادع؛ والدم. قوله تعالى: ﴿وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ (١٣٦)؛أي عاقبناهم بتعرّضهم لأسباب الغفلة. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ﴾ التي كانوا فيها، ﴿وَمَغارِبَهَا؛﴾ معناه: أورثنا القوم الّذين كانوا يستضعفونهم القبط؛ وهم بنو إسرائيل مشارق الأرض التي كانوا فيها ومغاربها. وقيل: أراد بهذه الأرض الأرض المقدسة: الأردنّ وفلسطين، ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها؛﴾ بارك الله فيها

стр. 1159

بكثرة المياه والأشجار والثّمار، قال ابن عبّاس: (إنّ المياه كلّها تخرج من تحت الصّخرة الّتي ببيت المقدس). قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ؛﴾ أي وتمّت عدّة ربك؛ يعني قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (١) وقوله: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢).قال ابن عبّاس: (فأهلك الله فرعون وقومه، وأورثهم أرض مصر والشّام).وقوله: ﴿بِما صَبَرُوا؛﴾ أي بصبرهم على دينهم أن يرجعوا إلى دين فرعون. قوله تعالى: ﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ؛﴾ من المكائد، وقوله تعالى: ﴿وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (١٣٧)؛أي وما كانوا يبنون من البيوت والقصور والكروم والشّجر، ويستخدمون بني إسرائيل في بنائها ورفعها. قرأ ابن عامر وأبو بكر: «(يعرشون)» بضمّ الراء، وهما لغتان فصيحتان. قوله تعالى: ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ؛﴾ أي أمرناهم بمجاوزته ويسّرناه عليهم حين خلفوا البحر وراءهم على سلامة، وذلك من أعظم نعم الله تعالى، ﴿فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ؛﴾ أي يعبدون ويواظبون على عبادة أصنام لهم؛ وهم أهل الرّقة؛ أناس كفروا بعد إبراهيم؛ مرّت بهم بنو إسرائيل وهم قعود حول أصنامهم، ﴿قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً؛﴾ نعبده، ﴿كَما لَهُمْ آلِهَةٌ؛﴾ يعبدونها. وفي هذا بيان غاية جهلهم وعنادهم، فإن الله خلّصهم من عدوّهم ونجّاهم من الغرق، وقالوا هذا القول حين رأوا هؤلاء القوم يعبدون الأصنام. قوله تعالى: ﴿قالَ؛﴾ لهم موسى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ؛﴾ (١٣٨) صفات الله وما يجوز عليه وما لا يجوز؛ أي لا يعرفون أن الذي يتّخذ إلها هو خالق الأجسام. ثمّ بيّن أن هؤلاء سيهلكون ويهلك ما يعبدونه فقال: قال الله تعالى:

стр. 1160

﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ؛﴾ أي مهلك ما هم فيه؛ ﴿وَبَطَلَ؛﴾ وضلال؛ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٣٩)،والتّبار: هو الهلاك. قوله تعالى: ﴿قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً؛﴾ أي قال لهم: أسوى الله أطلب لكم ربّا تعبدونه، ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (١٤٠)؛عالمي زمانكم من القبط وغيرهم بعد ما كنتم مستعبدين أذلاّء. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ أي يولّونكم سوء العذاب ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ؛﴾ أي يذبحونهم، ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ؛﴾ أي يستبقونهم للاستخدام، ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (١٤١)؛قرأ حمزة والكسائي: «(يعكفون)» بكسر الكاف والباقون بضمّها وهما لغتان. وقرأ أهل الشّام «(وإذ أنجاكم من آل فرعون)».وقرأ الباقون على التكثير (أنجيناكم).وقوله تعالى: ﴿(يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ)﴾ قرأ نافع بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد على التّكثير. وقوله تعالى: ﴿*وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ؛﴾ قال مجاهد: (كان الله وعد موسى أن يعطيه التّوراة لثلاثين ليلة؛ يعني ذا القعدة وعشرا من ذي الحجّة، كأنّه قال شهرا وعشرة أيّام) (١). وقال بعضهم: أمر الله موسى إلى موضع بيّنه له أن يعبده في ذلك الموضع ثلاثين يوما، يصوم النهار ويقوم الليل؛ لينزل عليه التوراة، فلمّا صام ثلاثين أنكر خلوف فمه، فاستاك بعود خرنوب، فقالت الملائكة: كنا نستنشق منك رائحة المسك فأفسدته بالسّواك، فأمره الله أن يصوم عشرا بعد ذلك الخلوف، فذلك قوله ﴿(وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ)﴾. وقوله تعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً؛﴾ أي تمّ الوقت الذي أمر الله بالعبادة فيه أربعين ليلة. قوله تعالى: ﴿وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي؛﴾ أي قال موسى لهارون قبل انطلاقه إلى الجبل الذي أمر بالعبادة فيه: قم مقامي في قومي،
следующие страницы →