← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

التوراة والإنجيل أن أوحيه إليك. وقيل: ﴿(الم)﴾ ابتداء؛ و ﴿(ذلِكَ)﴾ ابتداء آخر؛ و ﴿(الْكِتابُ)﴾ خبره، والجملة خبر الأول. وقال بعض المفسرين: اختلف في ﴿(ذلِكَ الْكِتابُ)،﴾ فقال الحسن وابن عباس وقتادة ومجاهد: (هو القرآن).فعلى هذا يكون ﴿(ذلِكَ)﴾ بمعنى (هذا) كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ (١) أي هذه حجّتنا (٢).وقيل: معناه: ﴿(ذلِكَ الْكِتابُ)﴾ الذي ذكرته في التوراة والإنجيل. وقوله : ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ؛﴾ أي لا شكّ فيه. ونصب ﴿(رَيْبَ)﴾ لتعميم النفي؛ ألا ترى أنك تقول: لا رجل في الدار؛ بالنصب، فيكون نفيا عامّا. وإذا قلت: لا رجل في الدار؛ بالرفع، جاز أن يكون في الدار رجلان أو ثلاثة (٣).

стр. 107

قوله : ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢)؛نصب على الحال؛ إما من ﴿(ذلِكَ الْكِتابُ)؛﴾ كأنه قال: ذلك الكتاب هاديا. وإما من ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ كأنه قال ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في حال هدايته. ويجوز أن يكون موضعه رفعا على إضمار (هو)،أو ﴿(فِيهِ)﴾. فإن قيل: لم خصّ المتقين؛ وهو هدى لهم ولغيرهم؟ قيل: تخصيص الشيء بالذكر لا يدلّ على نفي ما عداه، وفائدة التخصيص تشريف المتقين، ومثله: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ (١) ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ؛﴾ أي بالبعث والحساب والجنّة والنار. وقيل: (الغيب) هو الله. قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ،﴾ أي الصّلوات الخمس بشرائطها في مواقيتها. قوله تعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣)؛يعني الزكاة؛ وهو الأظهر؛ لأن الله تعالى قرن بين الصلاة والزكاة في مواضع كثيرة، وإقامة الصلاة طهارة الأبدان؛ وإعطاء الزكاة طهارة الأموال. وبالأموال قوام الأبدان، وقد قيل: هو نفقة الرجل على أهله.

стр. 108

قيل: لمّا نزل قوله : ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ الآية، قالت اليهود: نحن نؤمن بالغيب ونقيم الصلاة وننفق مما رزقنا الله؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ،﴾ والذي أنزل إليه القرآن والذي أنزل من قبله التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزّلة؛ فنفروا من ذلك. فإن قيل: لم قال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٤)،ولم يقل يؤمنون؟ قيل: لأنّ الإيقان توكيد الإيمان؛ واليقين بالآخرة يقين خبر ودلالة، ومعنى الآية: وبالدار الآخرة هم يعلمون ويستيقنون أنّها كائنة (١). قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥). أي أهل هذه الصفة على رشد وثبات وصواب من ربهم. والمفلحون: الناجون الفائزون بالجنة، ونجوا من النار. وقيل: هم الباقون بالثواب والنعيم المقيم. قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٦)،يعني مشركي العرب. وقال الضحّاك: (نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته).وقال الكلبيّ (٢): (يعني اليهود) وقيل: المنافقين. والكفر: هو الجحود والإنكار (٣).قوله تعالى: ﴿(أَأَنْذَرْتَهُمْ)﴾ الإنذار: التحذير والتخويف. ﴿(أَمْ لَمْ﴾

стр. 109

﴿تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)﴾ وهذه الآية خاصّة فيمن حقّت عليه كلمة العذاب والشقاوة في سابق علم الله. قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾. أي طبع على قلوبهم؛ والختم والطبع بمعنى واحد؛ وهو التغطية للشيء. والمعنى طبع الله على قلوبهم؛ أي

стр. 110

أغلقها وأقفلها؛ فليست تفقه خيرا ولا تفهمه. ﴿(وَعَلى سَمْعِهِمْ)﴾ فلا يسمعون الحقّ ولا ينتفعون به؛ وإنّما وحّده وقد تخلّل بين جمعين؛ لأنه مصدر؛ والمصدر لا يثنى ولا يجمع. وقيل: أراد سمع كلّ واحد منهم كما يقال: أتاني برأس كبشين؛ أراد برأس كلّ واحد منهما. وقال سيبويه: (توحيد السّمع يدلّ على الجمع؛ لأنّه توسّط جمعين) كقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ (٢) يعني الأنوار والإيمان؛ وقرأ ابن عبلة: «(وعلى أسماعهم)». وتمّ الكلام عند قوله: ﴿(وَعَلى سَمْعِهِمْ)﴾ ثم قال: ﴿وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾. أي غطاء وحجاب فلا يرون الحقّ. وقرأ المفضّل بن محمّد: «(غشاوة)» بالنصب؛ كأنه أضمر فعلا أو جملة على الختم؛ أي ختم على أبصارهم غشاوة، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ (٣).وقرأ «(غشاوة)» بضمّ الغين. وقرأ الجحدريّ: «(غشاوة)» بفتح الغين. وقرأ أصحاب عبد الله: «(غشوة)» بفتح الغين بغير ألف. ومن رفع «(غشاوة)» فعلى الابتداء. قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٧)،يعني القتل والأسر. وقال الخليل: (العذاب ما يمنع الإنسان من مراده).وقيل: هو إيصال الألم إلى الحيّ مع الهوان به؛ ولهذا لا يسمّى ما يفعل الله بالبهائم والأطفال عذابا؛ لأنه ليس على سبيل الهوان. قوله : ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٨)،نزلت هذه الآية في المنافقين: عبد الله بن أبي بن أبي سلول؛

стр. 111

ومعتّب بن قشير (١)؛وجدّ بن قيس (٢) ومن تابعهم، كانوا يقولون للصّحابة: آمنّا بالذي آمنتم به ونشهد أنّ صاحبكم صادق؛ وليس هم كذلك في الباطن إذا خلوا، وكانوا يقولون فيما بينهم: هذه خلّة نسلم بها عن محمّد وأصحابه ونكون مع ذلك

стр. 112

متمسّكين بديننا؛ فقال الله : ﴿(وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)﴾ وإنّما وحّد في أوّل الآية وجمع الضمير في آخرها؛ لأنّ لفظ (من) للوحدان، ومعناه يصلح للمذكّر والمؤنّث؛ والاثنين والجماعة؛ فعدل تارة إلى اللّفظ وتارة للمعنى؛ ومنه قوله تعالى: ﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ الآية، ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية. قوله : ﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ أي يخالفون الله ويكذبونه ويكذبون المؤمنين. ويخالفونهم في ضمائرهم وهم المنافقون. وأصل الخدع في اللغة الاختفاء؛ ومنه قيل للبيت الذي يخبّأ فيه المتاع: مخدع؛ فالمخادع يظهر خلاف ما يضمر. وقال بعضهم: أصل الخداع في اللغة: الفساد. وقال الشاعر: أبيض اللّون لذيذ طعمه ... طيّب الرّيق إذا الرّيق خدع أي فسد، فيكون المعنى: مفسدون ما أظهروا بألسنتهم مما أضمروا في قلوبهم. وقيل: معناه: يخادعون رسول الله ﷺ كقوله تعالى: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ أي آسفوا نبيّنا. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي أولياء الله؛ لأنّ الله تعالى لا يؤذى ولا يخادع. وقد يكون المفاعلة من واحد كالمسافرة. فإن قيل: ما وجه مخادعتهم الله؛ وهو لا يخفى عليه شيء؟ وما وجه مخادعة المؤمنين ومخادعة أنفسهم؟ قيل: المخادعة الإخفاء، يقال: انخدعت الضّبية في جحرها. والله تعالى لا يخادع في الحقيقة، ولكن أطلق عليه اسم المخادعة لمّا فعلوا فعل المخادعين. ولو كان يصحّ لهم خداعهم لقال: يخدعون الله. وقيل: معناه: يخادعون رسول الله. وأما مخادعة المؤمنين؛ فإظهارهم لهم الإسلام تقية؛ وقيل: إظهار الإسلام لهم ليكرموهم ويبجّلوهم. وقيل: أظهروا لهم ذلك ليفشوا إليهم سرّهم فينقلوه إلى

стр. 113

أعدائهم. وأمّا مخادعة أنفسهم فضرر ذلك عليهم. قال الله تعالى: ﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ؛﴾ لأنّ وبال الخداع عائد إلى أنفسهم فكأنّهم في الحقيقة إنّما يخدعون أنفسهم (١). قوله تعالى: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ (٩)؛أي وما يعلمون أنه كذلك. والشعر: هو العلم الدقيق الذي يكون حادثا من الفطنة؛ وهو من شعار القلب؛ ومنه سمي الشاعر شاعرا لفطنته لما يدقّ من المعنى والوزن، ومنه الشعر لدقّته. ويقال: ما شعرت به؛ أي ما علمت به. وليت شعري ما صنع فلان؛ أي ليت علمي. واختلف القرّاء في قوله تعالى: ﴿(وَما يَخْدَعُونَ)﴾ فقرأ نافع؛ وابن كثير؛ وأبو عمرو: «(يخادعون)» بالألف. وقرأ الباقون: «(يخدعون)» بغير ألف على أشهر اللغتين وأفصحهما؛ واختاره أبو عبيد. ولا خلاف في الأول أنه بالألف. قوله : ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ؛﴾ أي شكّ ونفاق، وسمي النفاق مرضا لأنه يهلك صاحبه؛ ولأنه يضطرب في الدّين يوالي المؤمنين باللسان؛ والكفار بالقلب؛ فحاله كحال المريض الذي هو مضطرب بين الحياة والموت. وقيل: إنّ الشكّ؛ أي بالقول: ألم القلب، والمرض: ألم البدن. فسمّي الشكّ مرضا لما فيه من الهمّ والحزن. وقيل: سمي النفاق مرضا؛ لأنه يضعف الدّين واليقين كالمرض الذي يضعف البدن وينقص قواه؛ ولأنه يؤدّي إلى الهلاك بالعذاب كما أن المرض في البدن يؤدّي إلى الهلاك بالموت. قوله تعالى: ﴿فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً؛﴾ أي شكّا ونفاقا وعذابا وهلاكا. والفاء في ﴿(فَزادَهُمُ اللهُ)﴾ بمعنى المجازاة. وقيل: على وجه الدّعاء، ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ؛﴾ أي موجع يخلص وجعه إلى قلوبهم؛ وهو بمعنى مؤلم. قوله تعالى: ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (١٠)؛قال بعضهم: الباء في (بما) صلة؛ أي لهم عذاب أليم بكذبهم وتكذيبهم الله ورسوله في السرّ؛ فيكون (ما) مصدرية؛ والأولى إعمال الحروف. و (ما) وجد لها مساغ؛ أي بالشّيء الذي يكذّبون.

стр. 114

وفي قوله: (يكذبون) خلاف بين القرّاء، فقرأ أهل الكوفة بفتح الياء وتخفيف الذّال؛ أي بكذبهم إذ قالوا: آمنّا، وهم غير مؤمنين (١). قوله : ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ؛﴾ قرأ الكسائيّ؛ ويعقوب؛ وهشام: «قيل» و «حيل» (٢)،و «سيق» (٣)،و «جئ» و «سيء» (٤) بإشمام الضمّة (٥).ومعنى الآية: وإذا قيل للمنافقين وقيل لليهود؛ أي إذا قال لهم المؤمنون: لا تفسدوا في الأرض بالكفر والمعصية والمداهنة وتعويق النّاس عن الإيمان بمحمّد ﷺ والقرآن، ﴿قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (١١)؛أي عاملون بالطّاعة ومصلحون بالمداهنة؛ لأنّهم كانوا يقولون: لا نعادي المؤمنين ولا الكفار؛ نداري هؤلاء وهؤلاء؛ حتى إذا غلب أحد الفريقين لا يأتينا من دائرتهم شيء (٦). يقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ،﴾ (ألا) كلمة تنبيه، والمعنى: ألا إنّهم هم المفسدون بالمداهنة والعاملون بالمعصية، وقوله تعالى: (هم) عماد وتأكيد. قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (١٢)؛أي لا يعلمون ما أعدّ الله لهم من العذاب. وقيل: لا يعلمون أنّهم كذلك. قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ؛﴾ أي إذا قيل للمنافقين: صدّقوا كما صدّق أصحاب رسول الله ﷺ ، ﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ؛﴾ أي أنصدّق كما صدّق الجهّال، يقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ﴾

стр. 115

﴿السُّفَهاءُ؛﴾ أي هم الجهّال بتركهم التصديق في السرّ؛ ﴿وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٣)؛أنّهم جهّال. وقيل: قالوا: أنصدّق (كما) صدّق الجهال بقول الله تعالى، ﴿(أَلا إِنَّهُمْ)﴾ .. وقيل: معناه: آمنوا كما آمن عبد الله ابن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب. والسّفهاء: جمع سفيه، وهو البهّات الكذّاب المتعمد بخلاف ما يعلم. وقال قطرب: (السّفيه: العجول الظّلوم القائل خلاف الحقّ) (١). قوله : ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا؛﴾ قال جويبر عن الضحّاك عن ابن عبّاس: (كان عبد الله بن أبيّ بن سلول الخزرجيّ عظيم المنافقين من رهط سعد بن عبادة، وكان إذا لقي سعدا قال: نعم الدّين دين محمّد، وكان إذا رجع إلى رؤساء قومه من أهل الكفر قال: شدّوا أيديكم بدين آبائكم. فأنزل الله هذه الآية). وقال الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس؛ قال: (نزلت هذه الآية في عبد الله ابن أبيّ وأصحابه، وذلك أنّهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله ﷺ . فقال عبد الله لأصحابه: انظروا كيف أردّ هؤلاء السّفهاء عنكم؟ فذهب فأخذ بيد أبي بكر ﵁ فقال: مرحبا بالصّدّيق وسيّد بني تميم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله في الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله ﷺ . ثمّ أخذ بيد عمر ﵁، وقال: مرحبا بسيّد بني عديّ بن كعب الصّادق القويّ في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله ﷺ . ثمّ أخذ بيد عليّ كرّم الله وجهه؛ فقال: مرحبا يا ابن عمّ رسول الله ﷺ وختنه وسيّد بني هاشم ما خلا رسول الله ﷺ . فقال عليّ ﵁: اتّق الله ولا تنافق؛ فإنّ المنافقين شرّ خليقة الله. فقال: مهلا يا أبا الحسن، والله إنّ إيماننا كإيمانكم وتصديقنا كتصديقكم. وفي رواية: والله إنّي مؤمن بالله ورسوله. ثمّ افترقوا، فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، فإذا رأيتموهم فافعلوا كما

стр. 116

فعلت. فأثنوا عليه؛ وقالوا: لا نزال بخير ما عشت. فرجع المسلمون إلى رسول الله ﷺ فأخبروه بذلك، فأنزل الله هذه الآية).ومعناها: وإذا لقوا الذين آمنوا، أبا بكر وأصحابه؛ قالوا: أمنّا كإيمانكم. وقرأ محمد بن السّميقع: «(وإذا لاقوا)» وهما بمعنى واحد، وأصل (لقوا):لقيوا؛ فاستثقلت الضمّة على الياء فنقلت إلى القاف وسكّنت الواو والياء، فحذفت الياء لالتقاء السّاكنين. قوله تعالى: ﴿وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ؛﴾ أي مع شياطينهم؛ وهم رؤساؤهم في الضّلالة. قال الأخفش: (كلّ عاقّ متمرّد فهو شيطان).ومعنى ﴿(خَلَوْا)﴾ أي جمعوا. ويجوز أن يكون من الخلوة؛ يقال: خلوت به وخلوت معه وخلوت إليه؛ كلّها بمعنى واحد. قال ابن عبّاس: «﴿(شَياطِينِهِمْ)﴾ رؤساؤهم وكبراؤهم وكهنتهم وهم خمسة نفر من اليهود).ولا يكون كاهن إلاّ ومعه شيطان، منهم كعب بن الأشرف بالمدينة؛ وأبو بردة في بني أسلم؛ وعبد الدار في جهينة؛ وعوف بن عامر في بني أسد؛ وعبد الله بن السّوداء في الشام. والشيطان المتمرّد العاتي من كلّ شيء؛ ومنه قيل للحيّة النّصناص: شيطان؛ قال الله تعالى: ﴿طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ﴾ (١) أي الحيّات. وقوله تعالى: ﴿قالُوا إِنّا مَعَكُمْ؛﴾ أي على دينكم وأنصاركم، قوله : ﴿إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ (١٤)؛أي بمحمّد وأصحابه بإظهار قول لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله. قوله : ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١٥) أي يجازيهم على استهزائهم فسمّى الجزاء باسم الابتداء؛ إذ كان مثله في الصورة؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ (٢) فسمّى جزاء السيئة سيئة. وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ (٣) والثاني ليس باعتداء.

стр. 117

قوله تعالى: ﴿(وَيَمُدُّهُمْ فِي)﴾ أي يمهلهم ويتركهم في ضلالتهم يتحيّرون؛ يقال: مدّ في الشّرّ؛ ويمدّ في الخير؛ وقال يونس: (المدّ التّرك؛ والإمداد في معنى الإعطاء). وقيل: مدّه وأمدّه بمعنى واحد. وقال الأخفش: ﴿(وَيَمُدُّهُمْ)﴾ أي يمدّ لهم؛ فحذف اللاّم).والطغيان: مجاوزة الحدّ؛ يقال: طغى الماء إذا جاوز حدّه؛ وقيل لفرعون: ﴿إِنَّهُ طَغى﴾ (١) أي أسرف في الدعوى حيث قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ (٢). وقرأ ابن محيصن: «(ويمدّهم)» بضم الياء وكسر الميم؛ وهما لغتان. إلا أن المدّ أكثر ما يجيء في الشرّ، قال الله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا﴾ (٣)،والإمداد في الخير قال الله تعالى: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ﴾ (٤)،وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ﴾ (٥).وقيل: معنى ﴿(اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)﴾ أي يوبخهم ويعيبهم ويجهّلهم. وقيل: معناه: الله يظهر المؤمنين على نفاقهم. وقال ابن عبّاس: (هو أن يطلع الله المؤمنين يوم القيامة وهم في الجنّة على المنافقين وهم في النّار، فيقولون لهم: أتحبّون أن تدخلوا الجنّة؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم باب إلى الجنّة ويقال لهم: ادخلوا، فيأتون يتقلّبون في النّار، فإذا انتهوا إلى الباب سدّ عليهم وردّوا إلى النّار؛ ويضحك المؤمنون منهم. فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ. وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ. وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ. وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ. فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾) (٦). وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [يؤمر بناس من المنافقين إلى الجنّة حتّى إذا دنوا منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى ما أعدّ الله لأهلها من الكرامة، نودوا أن اصرفوهم عنها؛ فيرجعون بحسرة وندامة لم ترجع الخلائق بمثلها؛ فيقولون: يا ربّنا لو أدخلتنا النّار قبل أن ترينا ما أريتنا كان أهون علينا؟ فيقول الله تعالى: هذا الّذي أردت بكم؛ هبتم النّاس ولم تهابوني؛ أجللتم النّاس ولم تجلّوني؛ كنتم تراءون

стр. 118

النّاس بأعمالكم خلاف ما كنتم تروني من قلوبكم، فاليوم أذيقكم من عذابي ما حرمتكم من ثوابي] (١). فإن قيل: لم أمر الله تعالى بقتال الكفار المعلنين الكفر ولم يأمر بقتال المنافقين وهم في الدّرك الأسفل من النار؛ وخالف بين أحكامهم وأحكام الكفار المظهرين الكفر وأجراهم مجرى المسلمين في التوارث والأنكحة وغيرها؟ قيل: عقوبات الدنيا ليست على قدر الإجرام؛ وإنّما هي على ما يعلم الله من المصالح؛ ولهذا أوجب رجم الزاني المحصن ولم يزل عنه الرجم بالتوبة؛ والكفر أعظم من الزنا ولو تاب منه قبلت توبته. وكذلك أوجب الله على القاذف بالزنا الجلد ولم يوجبه على القاذف بالكفر؛ وأوجب على شارب الخمر الحدّ ولم يوجبه على شارب الدم. قوله : ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى؛﴾ أي أخذوا الضّلالة وتركوا الهدى؛ واختاروا الكفر على الإيمان. وإنّما أخرجه بلفظ الشراء والتجارة توسّعا؛ لأن الشراء والتجارة راجعان إلى الاستبدال والاختيار؛ لأنّ كل واحد من المتبايعين يختار ما بيد صاحبه على ما في يده. قوله : ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ؛﴾ أي فما ربحوا في تجارتهم؛ تقول العرب: ربح بيعك وخسرت صفقتك؛ ونام ليلك؛ توسّعا. قال الله تعالى: ﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ (٢).وقرأ ابن أبي عبلة: «(فما ربحت تجاراتهم)» على الجمع. وقوله تعالى: ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١٦)؛أي من الضّلالة؛ وقيل: معناه وما كانوا مصيبين في تجارتهم. قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً؛﴾ أي مثل المنافقين في إظهارهم الإسلام وحقنهم دماءهم وأموالهم كمثل رجل في مفازة في ليلة مظلمة

стр. 119

يخاف السّباع على نفسه، فيوقد نارا ليأمن بها السباع، ﴿فَلَمّا أَضاءَتْ،﴾ النار، ﴿ما حَوْلَهُ﴾ المستوقد؛ طفئت. فبقي في الظلمة؛ كذلك المنافق يخاف على نفسه من قبل النبيّ ﷺ وأصحابه فيسلم دماء الناس فيحقن دمه، ويناكح المسلمين فيكون له نور بمنزلة نور نار المستوقد؛ فإذا بلغ آخرته لم يكن لإيمانه أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله، سلب نور الإيمان عند الموت فيبقى في ظلمة الكفر، نستعيذ بالله. وقوله تعالى: ﴿(اسْتَوْقَدَ)﴾ يعني أوقد، قال الشاعر (١): وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب وقوله تعالى: ﴿(كَمَثَلِ الَّذِي)﴾ بمعنى (الذين) دليله سياق الآية؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٢).فإن قلت: كيف يجوز تشبيه الجماعة بالواحد؟ قلت: لأن (الّذي) اسم ناقص، فيتناول الواحد والاثنين ك (من) و (ما)،وفي الآية ما يدلّ على أن معناه الجمع، وهو قوله تعالى: ﴿(وَتَرَكَهُمْ)﴾. وقد يجوز تشبيه فعل الجماعة بفعل الواحد مثل قوله تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (٣).وقوله تعالى: ﴿(أَضاءَتْ)﴾ يقال: ضاء القمر يضوء ضوءا، وأضاء يضيء إضاءة؛ وإضاءة غيره يكون لازما ومتعدّيا. وقرأ محمّد بن السّميقع: «(ضاءت)» بغير ألف؛ و «(حوله)» نصب على الظرف. قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ؛﴾ أي أذهب الله نورهم. وإنّما قال: ﴿(بِنُورِهِمْ)﴾ والمذكور في أوّل الآية النار؛ لأنّ النار فيها شيئان: النّور والحرارة؛ فذهب نورهم؛ وبقي الحرارة عليهم، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ (١٧). وفي بعض التفاسير: قال ابن عبّاس؛ وقتادة؛ والضحّاك: (معنى الآية: مثلهم في الكفر ونفاقهم كمن أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة فاستضاء به، واستدفأ ورأى ما حوله، فاتّقى ما يحذر ونجا ممّا يخاف وأمن؛ فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره؛ فبقي مظلما خائفا متحيّرا؛ فكذلك المنافقون إذا أظهروا كلمة الإيمان

стр. 120

واستناروا بنورها واعتزّوا بعزّها، فناكحوا المسلمين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم وأمنوا على أموالهم وأولادهم؛ فإذا ماتوا عادوا في الظّلمة والخوف وبقوا في العذاب والنّقمة). وقوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ؛﴾ أي هم صمّ عن الهدي لا يسمعون الحقّ، بكم لا يتكلمون بخير؛ عمي لا يبصرون الهدي؛ أي بقلوبهم كما قال الله تعالى: ﴿وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (١).وقيل: معناه صمّ يتصامّون عن الحقّ؛ بكم يتباكمون عن قول الحقّ؛ عمي يتعامون عن النّظر إلى الحقّ؛ يعني الاعتبار. وقرأ عبد الله: «(صمّا بكما عميا)» بالنصب على معنى وتركهم كذلك. وقيل: على الذّمّ، وقيل: على الحال. وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (١٨)؛أي من الضّلالة والكفر إلى الهدى والإيمان. قوله : ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ؛﴾ هذا مثل آخر ضربه الله تعالى لهم أيضا؛ معطوف على المثل الأول؛ أي مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ومثلهم أيضا كصيّب. قال أهل المعاني: (أو) بمعنى الواو؛ يريد (وكَصَيِّبٍ) كقوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٢) وأنشد الفرّاء (٣): وقد علمت سلمى بأنّي فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها أي: وعليها فجورها. ومعنى الآية: مثل المنافقين مع النبيّ ﷺ والقرآن (كصيّب) أي كمطر نزل ﴿(مِنَ السَّماءِ)﴾ ليلا على قوم في مفازة ﴿(فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ)﴾ كذلك القرآن نزل من الله، ﴿(فِيهِ ظُلُماتٌ)﴾ أي بيان الفتن وابتلاء المؤمنين بالشّدائد في الدّنيا، ﴿(وَرَعْدٌ)﴾ أي زجر وتخويف، ﴿(وَبَرْقٌ)﴾ أي تبيان وتبصرة. فجعل أصحاب المطر أصابعهم في آذانهم من الصّواعق مخافة الهلاك، كذلك المنافقون كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم من بيان

стр. 121

القرآن ووعده ووعيده وما فيه من الدّعاء إلى الجهاد مخافة أن يقتلوا في الجهاد. ويقال: مخافة أن تميل قلوبهم إلى ما في القرآن. وعن الحسن أنه قال: (في الآية تشبيه الإسلام بالصّيّب؛ لأنّ الصّيّب يحيي الأرض، والإسلام يحيي الكفّار. قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ﴾) (١). وقوله تعالى: (كصيّب) أي كأصحاب الصّيّب؛ لاستحالة تشبيه الحيوان بالصّيب تمثيل العاقل بغير العاقل. وقوله تعالى: ﴿(مِنَ الصَّواعِقِ)﴾ جمع صاعقة: وهي صوت وبرق فيه قطعة من النار لا تأتي على شيء إلا أحرقته. وقوله تعالى: ﴿(مِنَ السَّماءِ)﴾ كل ما علاك فهو سماء؛ والسماء تكون واحدا وجمعا، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ (٢).وقيل: هو جمع واحده: سماوة؛ والسّماوات جمع الجمع، مثل جرادة وجراد وجرادات. والسّماء تذكّر وتؤنّث، قال الله تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ (٣) و ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿(فِيهِ ظُلُماتٌ)﴾ أي في الصيّب؛ وقيل في الليل: كناية عن غير مذكور. وظلمات: جمع ظلمة؛ وضمّه اللام على الاتباع لضمة الظاء. وقرأ الأعمش: «(ظلمات)» بسكون اللام على أصل الكلام؛ لأنّها ساكنة في التوحيد. وقرأ أشهب العقيلي: «(ظلمات)» بفتح اللام؛ لأنه لمّا أراد تحريك اللام حرّكها إلى أخفّ الحركات؛ كقول الشاعر: فلمّا رأونا باديا ركباننا ... على موطن لا تخلط الجدّ بالهزل قوله تعالى: ﴿(وَرَعْدٌ)﴾ الرعد: هو الصوت الذي يخرج من السحاب، ﴿(وَبَرْقٌ)﴾ وهي النار التي تخرج منه. قال مجاهد: (الرّعد: ملك يسبح بحمده؛ ويقال لذلك الملك: رعد، ولصوته أيضا رعد).وقال عكرمة: (الرّعد: ملك موكّل بالسّحاب

стр. 122

يسوقها كما يسوق الرّاعي الإبل) (١).وقال شهر بن حوشب: (هو ملك يزجر السّحاب كما يزجر الرّاعي الإبل).والصواعق أيضا المهالك؛ وهي جمع صاعقة؛ والصاعقة والصّامعة (٢) والمصعمة (٣):كالهلاك. ومنه قيل: صعق الإنسان إذا غشي عليه؛ وصعق إذا مات. قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ؛﴾ أي مخافة الموت. وهو نصب على المصدر. وقيل: بنزع الخافض. وقرأ قتادة: «(حذير الموت)».قوله تعالى: ﴿وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ (١٩)؛أي عالم بهم؛ يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ (٤).وقيل: معناه: والله مهلكهم وجامعهم في النار؛ دليله ﴿أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ (٥) أي تهلكوا جميعا. قوله : ﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ؛﴾ أي يختلس أبصار المسافرين من شدّة ضوئه؛ كذلك البيان من القرآن يكاد يذهب بأبصار المنافقين؛ فيأخذهم إلى الله لمّا قلبوا الدين. ومعنى (يكاد) أي يقرب من ذلك ولم يفعل (٦).وقرأ ابن أبي

стр. 123

إسحاق: «(يخطّف)» بنصب الخاء وتشديد الطاء؛ أي يختطف؛ فأدغم. قوله تعالى: ﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ؛﴾ أي كلّما أضاء البرق للمسافرين مشوا في ضوئه، ﴿وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا،﴾ بقوا في ظلمة القبر. وفي مصحف عبد الله: (مضوا فيه). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ﴾. أي لذهب بسمع المسافرين بالرعد وأبصارهم بالبرق؛ كذلك لو شاء الله لذهب بسمع المنافقين وأبصارهم بزجر القرآن ووعده ووعيده والبيان الذي فيه وجعلهم صمّا وعميا في الحقيقة عقوبة لهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٠)؛أي من إذهاب السّمع والبصر. قوله : ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢١)،قال ابن عبّاس: ((يا أيّها النّاس) خطاب لأهل مكّة؛ و (يا أيها الذين آمنوا) خطاب لأهل المدينة).وهو هاهنا عامّ؛ وقوله تعالى: ﴿(اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)﴾ أي وحّدوه وأطيعوه. وقوله تعالى: ﴿(الَّذِي خَلَقَكُمْ)﴾ أي أوجدكم وأنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئا. وقوله تعالى: ﴿(وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)﴾ أي وخلق الذين من قبلكم. ﴿(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)﴾ أي لكي تنجوا من العذاب والسّخط. قال سيبويه: (لعلّ وعسى حرفا ترجّ) وهما من الله تعالى واجبان. قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً﴾. أي هو الذي جعل؛ وقيل: اعبدوا ربّكم الذي جعل لكم الأرض فراشا أي بساطا؛ وقوله تعالى: ﴿(وَالسَّماءَ بِناءً)﴾ إنّما أطلق البناء على السماء دون الأرض؛ لأنّ خلقها بعد خلق الأرض. قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ﴾ (١) قال ابن عباس: (كلّ سماء مطبقة على الأخرى كالقبّة؛ وسماء الدّنيا ملتزقة أطرافها بالأرض).

стр. 124

قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً،﴾ أي من السّحاب؛ سمّي ماء لقربه من السّماء؛ وقيل: معناه من نحو السماء، وقيل: لأنّ الله تعالى ينزل المطر من السماء إلى السّحاب؛ ومن السّحاب إلى الأرض، وقيل: يخلق الله المطر في السحاب ثم ينزله منه إلى الأرض. قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ؛﴾ ظاهر المراد. قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً؛﴾ أي أمثالا ونظراء. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢٢)،أنّ الله خلق كافّة الأشياء دون غيره، وأن ليس للأصنام عليكم نعمة تستحقّ بها عبادتكم. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ؛﴾ أي في شكّ، ﴿مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا،﴾ محمّد ﷺ أنه ليس منّي، وأنّ محمدا يختلقه من نفسه، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ؛﴾ أي من بشر مثله؛ والهاء في (مثله) عائدة إلى النّبيّ ﵇. وقيل: معناه فأتوا بسورة من مثله ممّا نزّلنا. قوله : ﴿وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ أي آلهتكم ومن رجوتم معونته في الإتيان بسورة مثله، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٣)،أنه ليس من الوحي. وقوله تعالى: (فأتوا) أمر تعجيز؛ لأنه تعالى علم عجز العباد عنه. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا؛﴾ أي فإن لم تأتوا بمثله ولن تأتوا بذلك أبدا، ﴿فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ؛﴾ أي حطبها الناس والحجارة. وقيل: المراد بالحجارة: حجارة الكبريت؛ لأنّها أسرع وقودا وأبطأ جمودا وأنتن رائحة وأشدّ حرّا وألصق بالبدن، ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾. (٢٤) قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ؛﴾ أي بأنّ لهم، موضع أنّ نصب بنزع الخافض، وقوله تعالى: ﴿جَنّاتٍ؛﴾ أي بساتين، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا؛﴾ أي من تحت شجرها، ومساكنها وغرفها، ﴿الْأَنْهارُ؛﴾ أي أنهار الماء والعسل واللّبن والخمر.

стр. 125

قوله تعالى: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ؛﴾ أي كلما أطعموا من أنواع الثمرات بالبكر والعشيّات؛ إذا أوتوا به بكرة قالوا: هذا الذي أوتينا به عشية؛ وإذا أوتوا به عشية قالوا: هذا الذي أوتينا به بكرة؛ فإذا طعموه وجدوا طعمه غير الطعم الذي طعموه من قبل. وقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً؛﴾ أي في المنظر مختلفا في الطعم. قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ؛﴾ أي نساء وجوار لا يحضن ولا يستحلمن ولا يلدن ولا يحتجن إلى ما يتطهّرن منه؛ ولا يحسدن ولا يغرن ولا ينظرن إلى غير أزواجهن؛ مهذّبات في الخلق والخلق؛ طاهرات من كل دنس وعيب. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٥)؛ أي هم مع هذه الكرامات دائمون لا يموتون ولا يخرجون أبدا. وسئل الرّسول ﷺ مرّة: ما بال أهل الجنّة عملوا في عمر قصير فخلّدوا في الجنّة؛ وما بال أهل النّار عملوا في عمر قصير فخلّدوا في النّار؟ فقال: [كلّ واحد من الفريقين يعتقد أنّه لو عاش أبدا عمل ذلك العمل]. والبشارة المطلقة هو الخبر السارّ الذي يحدث عند الاستبشار والسرور، وإن كان قد يستعمل مقيّدا فيما يسوء، كما قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (١).ولهذا

стр. 126

قال علماؤنا فيمن قال: أيّ عبيدي بشّرني بقدوم فلان فهو حرّ، فبشّره جماعة من عبيده واحد بعد واحد؛ أنّ الأوّل يعتق دون غيره؛ لأن البشارة حصلت بخبره خاصّة؛ بخلاف ما إذا قال: أيّ عبيدي أخبرني بقدوم فلان، فأخبره واحد بعد واحد فإنّهم يعتقون جميعا (١). قوله تعالى: ﴿*إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها،﴾ هذا مثل آخر للمنافقين؛ وسببه لمّا ذكر الله في المنافقين المثلين المتقدّمين قالوا: إنّ الله تعالى أجل وأعلى من أن يضرب هذه الأمثال؛ فأنزل الله هذه الآية لأن البعوضة تحيى ما دامت جائعة فإذا شبعت هلكت؛ فكذلك المنافقون يحيون ما افتقروا وإذا شبعوا بطروا وهلكوا. فكأنّه قال تعالى: كيف أستحي من ضرب المثل في المنافقين وأنا أضربه بالبعوض الذي هو مثلهم. وقيل: إنّ المشركين لمّا نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ (٣) قالوا: إن الله تعالى يضرب المثل بالذّباب والعنكبوت؛ فأنزل الله هذه الآية كأنه قال: لا أستحي بضرب المثل بالبعوض والعنكبوت مع صغرهما فإنّهما يعجزان آلهتهم. ومعنى الآية: أنّ الله لا يمنعه الحياء أن يضرب الحقّ شبها ما بعوضة فما أكبر منها مثل الذّباب وغيره. وقيل: فما فوقها في الصّغر. قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ؛﴾ أي فيعلمون أنّ المثل حقّ من ربهم؛ وأما الكافرون فيقولون: أيّ شيء أراد الله بذكر البعوض والذباب مثلا.

стр. 127

قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: يضلّ ويخذل بالمثل كثيرا من الناس، ويوفّق لمعرفته كثيرا، ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ﴾ (٢٦)؛يعني الخارجين عن طاعة الله. قيل: هم اليهود في هذه الآية. وأمّا في قوله: ﴿(مَثَلاً ما)﴾ قيل: نكرة معناه أن يضرب مثالا شيئا من الأشياء بعوضة فما فوقها. وقيل: الأصحّ أنّها زائدة مثل ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ (١) ولا إعراب لها فيتخطّاها الناصب والخافض إلى ما بعدها. وقيل: نصب بعوضة على معنى ما بين بعوضة إلى ما فوقها؛ فإذا ألقى (بين) و (إلى) نصب (٢).ويقال في الكلام: هي أحسن الناس ما قرنا (٣)،ومدّ ﴿(ما)﴾.قوله تعالى ﴿(مَثَلاً)﴾ نصب على القطع عند الكوفيّين؛ غير أنّه قطع الإضافة؛ أي بهذا المثل. وعند البصريّين على الحال؛ أي ما أراد الله بالمثل في هذه الحالة. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ؛﴾ نعت للفاسقين. ومن جعله مبتدأ وقف على الفاسقين. وقوله تعالى: ﴿(يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ)﴾ أي يتركون أمر الله ووصيّته من بعد تغليظه وتوكيده. والعهد: ما أخذه الله على النبيّين ومن اتّبعهم أن لا يكفروا بالنبيّ ﷺ ويبيّنوا نعته وصفته. وقوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ،﴾ يعني الرحم الذي أمرهم بصلته، ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٢٧).

стр. 128

قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً؛﴾ أي وكنتم نطفا في أصلاب آبائكم، ﴿فَأَحْياكُمْ،﴾ في أرحام أمهاتكم، وأخرجكم نسما صغارا، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ،﴾ عند انقضاء آجالكم، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ،﴾ للبعث، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٨)،في الآخرة. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً؛﴾ يعني من الشّجر والثمار والدواب، ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ،﴾ فإن قيل: هذه الآية تقتضي أن خلق السماء بعد الأرض؛ وقال تعالى في آية أخرى: ﴿أَمِ السَّماءُ بَناها﴾ ثم قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها؟﴾ قيل: مجموع الآيتين يدلّ على أن خلق الأرض قبل السّماء؛ إلا أنّ بسط الأرض بعد خلق السّماء، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٩). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً؛﴾ يعني آدم وذريّته. واختلفوا في معنى الخليفة، فروي: أنّ رجلا سأل طلحة والزّبير وكعبا وسلمان: ما الخليفة؛ وما الملك؟ فقال طلحة والزّبير: (ما ندري) وقال سلمان: (الخليفة: هو الّذي يعدل في رعيّته ويقسم بينهم بالسّويّة ويشفق عليهم شفقة الرّجل على أهله والوالد على ولده؛ ويقضي بكتاب الله تعالى).فقال كعب: (ما كنت أحسب أن أحدا يفرّق الخليفة من الملك غيري؛ ولكنّ الله ملأ سلمان علما وحلما وعدلا). وروي أنّ عمر ﵁ قال لسلمان: أملك أنا أم خليفة؟ قال سلمان: (إن أنت جبيت أرض المسلمين درهما أو أكثر أو أقلّ؛ ووضعته في غير حقّه!! فأنت ملك. وإن أنت فعلت بالعدل والإنصاف فأنت خليفة) فاستغفر عمر ﵁. وروي أنّ معاوية كان يقول إذا جلس على المنبر: (يا أيّها النّاس إنّ الخلافة ليست بجمع المال ولا تفريقه؛ ولكنّ الخلافة العمل بالحقّ؛ والحكم بالعدل؛ وأخذ النّاس بأمر الله (١).

стр. 129

قوله تعالى: ﴿قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها؛﴾ أي يعصيك فيها؛ ﴿وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؛﴾ أي نبرّيك من السّوء ونصلّي لك ونطهّر أنفسنا لك. وقيل: اللام في ﴿(نُقَدِّسُ لَكَ)﴾ زائدة؛ أي نقدّسك. وقوله تعالى: ﴿قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٣٠)،أي أعلم أنه سيكون فيهم أنبياء وقوم صالحون يسبحون بحمدي ويقدّسون لي ويطيعون أمري. وروي: (أنّ الله لمّا خلق الأرض جعل سكّانها الجنّ بني الجان؛ وجعل سكّان السّماوات الملائكة؛ لأهل كلّ سماء عبادة أهون من الّتي فوقها، وكان إبليس مع جند من الملائكة في سماء الدّنيا؛ وكان رئيسهم واسمه عزازيل. فلمّا أفسدت الجنّ بني الجان الّذين سكنوا الأرض فيما بينهم وسفكوا الدّماء وعملوا المعاصي بعث الله إليهم إبليس مع جنده؛ فهبطوا إلى الأرض وأجلوا الجنّ منها؛ وألحقوهم بجزائر البحار؛ وسكن إبليس والجند الّذين معه في الأرض. فلمّا أراد الله أن يخلق آدم وذرّيّته؛ قال للملائكة الّذين كانوا مع إبليس في الأرض: ﴿(إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)﴾. فتعجّبوا (١) من ذلك؛ و ﴿(قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها)﴾ كما فعلت الجنّ بنو الجان ﴿(وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)﴾ فلمّا قالوا هذا القول خرجت لهم نار من الحجب واحترقت عشرة آلاف ملك منهم وأعرض الرّبّ سبحانه عن الباقين حتّى طافوا حول العرش سبع سنين يقولون: لبّيك اللهمّ لبّيك اعتذارا إليك. قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها؛﴾ وذلك أنّ الله لمّا قال للملائكة: ﴿(إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)﴾ قالوا فيما بينهم: يخلق ربّنا ما يشاء؛ فلن يخلق خلقا أفضل ولا أكرم عليه منّا. وإن كان خيرا منّا فنحن أعلم منه؛ لأنّا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره؛ فلمّا أعجبوا بعملهم وعبادتهم فضّل الله آدم عليهم بالعلم فعلّمه الأسماء كلّها؛ وهي أسماء الملائكة؛ وقيل: أسماء ذرّيّته؛ وقال ابن عبّاس:

стр. 130

[أسماء كلّ شيء من الدّواب والطّيور والأمتعة حتّى الشّاة والبقر والبعير وحتى القصعة والسّكرّجة (١)] (٢).وقيل: أسماء كلّ شيء من الحيوان والجمادات وغيرها؛ فقيل: هذا فرس وهذا حمار وهذا بغل حتى أتى على آخرها. ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ،﴾ أي عرض تلك الشّخوص المسمّيات، ﴿عَلَى الْمَلائِكَةِ،﴾ ولم يقل عرضها ردّة إلى الشخوص المسميات؛ لأن الأعراض لا تعرض؛ وإن شئت قلت: لأن فيهم من يعقل فغلبهم. وفي قراءة أبي: «(ثمّ عرضها)». وقال الضحّاك: (علّم الله آدم أسماء الخلق والقرى والمدن والأجيال وأسماء الطّير والشّجر؛ وأسماء ما كان وما يكون وكلّ نسمة الله باديها إلى يوم القيامة). وعرض تلك الأسماء على الملائكة؛ ﴿فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٣١)؛بأن الخليفة الذي أجعله: يفسد فيها ويسفك الدّماء؟ أراد بذلك: كيف تدّعون علم ما لم يكن وأنتم لا تعلمون علم ما ترون وتعاينون؟! وقال الحسن وقتادة: (معناه إن كنتم صادقين أنّي لا أخلق خلقا إلاّ كنتم أعلم منه وأفضل!!) (٣). فقالت الملائكة إقرارا بالعجز واعتذارا: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا؛﴾ أي تنزيها لك عن الاعتراض في حكمك وتدبيرك، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٣٢)،في أمرك. و ﴿(سُبْحانَكَ)﴾ منصوب على المصدر؛ أي نسبح سبحانا في قول الخليل؛ وقيل: على النّداء المضاف؛ أي يا سبحانك. قوله تعالى: ﴿(الْحَكِيمُ)﴾ له معنيان؛ أحدهما: المحكم للفعل كقولهم: عذاب أليم؛ أي مؤلم. وضرب وجميع؛ أي موجع؛ فعلى هذا هو صفة فعل. والآخر: بمعنى الحاكم؛ فحينئذ يكون صفة ذات.

стр. 131

قوله تعالى: ﴿قالَ يا آدَمُ؛﴾ الأدمة: لون مشرّب بسواد؛ وقيل: هي كلّ لون يشبه لون التّراب؛ فلما ظهر عجز الملائكة قال الله تعالى: يا آدم؛ ﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ؛﴾ أي أخبرهم بأسمائهم؛ فسمّى كلّ شيء باسمه وألحق كلّ شيء بجنسه، ﴿فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ،﴾ الله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ،﴾ يا ملائكتي، ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،﴾ وما كان فيها وما يكون، ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ،﴾ من الخضوع والطّاعة لآدم، ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٣٣)؛في أنفسكم له من العداوة؛ وقيل: ما تبدون من الإقرار بالعجز والاعتذار وما كنتم تكتمون من الكراهة في استخلاف آدم ﵇. وقيل: معناه: أعلم ما أظهرتم من الطاعة وما أضمر إبليس من المعصية لله تعالى في الأمر بالطاعة لآدم ﵇؛ وذلك أنّ الله تعالى لمّا صوّر آدم ورآه إبليس قال للملائكة الذين معه: أرأيتم هذا الذي لم تروا من الخلائق مثله إن أمركم الله بطاعته ماذا تصنعون؟ قالوا: نطيع. وأضمر الخبيث في نفسه أنه لا يطيع. وقيل: معناه: ﴿(أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ)﴾ يعني قولهم: ﴿(أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها)،﴾ ﴿(وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)﴾ يعني قولهم: لن يخلق الله خلقا أفضل ولا أكرم ولا أعلم عليه منّا. فإن قيل في قوله تعالى: ﴿(أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ)﴾ أمر تكليف ما لا يطاق؛ فهل يجوز تكليف ما لا يطاق؟ قلنا: الصحيح أنه ليس بتكليف. وهذا كمن يلقي المسألة على من يتعلّم منه، فيقول: أخبرني بجواب هذه المسألة؟ ولا يريد بذلك أن يأمره بجوابها؛ لأنه يعلم أنه لا يعرفه. بل يقصد أن يقرر عليه أنه لا يعرف جوابها؛ ليكون أشدّ حرصا على تعلّم تلك المسألة. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ (٣٤)؛ظاهر الآية: أن إبليس كان من الملائكة؛ لأنه مستثنى منهم، وإلى هذا ذهب جماعة من العلماء، وقالوا: معنى قوله في آية أخرى: ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ (١) يعني من خزّان الجنان. وذهب جماعة آخرون

стр. 132

إلى أنه من أولاد الجانّ؛ لأنه مخلوق من نار وله ذرية، والملائكة من نور وليس لهم ذرية. فعلى هذا يكون مستثنى منقطعا؛ مثل قوله تعالى: ﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ (١). وقيل: سبب كونه مع الملائكة: إن الملائكة لمّا حاربت الجنّ سبوا إبليس صغيرا فنشأ معهم؛ فلما أمرت الملائكة بالسّجود امتنع وكفر وعاد إلى أصله. وقوله تعالى: ﴿(اسْجُدُوا لِآدَمَ)﴾ هو سجود تعظيم وتحيّة لا سجود صلاة وعبادة؛ نظيره في قصّة يوسف ﵇: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ (٢) وكان ذلك تحيّة الناس وتعظيم بعضهم بعضا؛ ولم يكن وضع الوجه على الأرض وإنّما كان الانحناء. فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسّلام؛ وفي الحديث: أنّ معاذ بن جبل لمّا رجع من اليمن سجد لرسول الله ﷺ ، فتغيّر وجه رسول الله ﷺ وقال: [ما هذا؟] قال: رأيت اليهود يسجدون لأحبارهم والنّصارى يسجدون لقسّيسهم. فقال رسول الله ﷺ : [مه يا معاذ! كذب اليهود والنّصارى؛ إنّما السّجود لله ] (٣).

стр. 133

وقال بعضهم: سجدوا على الحقيقة؛ جعل آدم قبلة لهم؛ والسجود لله كما جعلت الكعبة قبلة لصلاة المؤمنين والصلاة لله . وإنّما سمّي آدم لأنه خلق من التّراب؛ والتراب بلسان العبرانيّة آدم بالمدّ؛ ومنهم من قال: سمّي بذلك لأنه كان آدم اللّون. وكنيته: أبو محمّد؛ وأبو البشر. وقوله: ﴿(إِلاّ إِبْلِيسَ)﴾ منصوب على الاستثناء؛ ولا ينصرف للعجمة والمعرفة. وقوله تعالى: ﴿(وَاسْتَكْبَرَ)﴾ أي تكبّر وتعظّم عن السجود لآدم. وقوله تعالى: ﴿(وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ)﴾ أي وصار من الكافرين كقوله تعالى: ﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (١).وقال أكثر المفسّرين: معناه: وكان في علمه السابق من الكافرين الذين وجبت لهم الشقاوة. قال رسول الله ﷺ : [إذا قرأ ابن آدم السّجدة وسجد، اعتزل الشّيطان يبكي؛ ويقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسّجود فسجد فله الجنّة؛ وأمرت بالسّجود فأبيت فلي النّار] (٢). قوله : ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ؛﴾ وذلك أنّ آدم كان في الجنّة وحشيّا؛ لم يكن له من يجالسه ويؤانسه؛ فنام نومة فخلق الله تعالى زوجته حوّاء من قصيراه؛ من شقّه الأيسر من غير أن أحسّ آدم بذلك ولا وجد له ألما؛ ولو ألم من ذلك لما عطف رجل على امرأة؛ فلمّا هبّ آدم من نومه إذ هو بحوّاء جالسة عند رأسه كأحسن ما خلق الله. قال لها: من أنت؟ قالت: زوجتك! خلقني الله لك.

стр. 134

فقالت الملائكة عند ذلك امتحانا له: ما هذه يا آدم؟ قال: امرأة، قالوا: وما اسمها؟ قال: حوّاء، قالوا: ولم سمّيت حوّاء. قال: لأنّها خلقت من حيّ، قالوا: يا آدم أتحبّها؟ قال: نعم، قالوا لحوّاء: أتحبينه يا حوّاء؟ قالت: لا، وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حبه، فلو صدقت امرأة في حبها لزوجها لصدقت حوّاء. قوله تعالى: ﴿وَكُلا مِنْها رَغَداً؛﴾ أي واسعا كثيرا، ﴿حَيْثُ شِئْتُما؛﴾ وأين شئتما وكيف شئتما، ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ؛﴾ قيل: هي الكرم؛ وقيل: التين؛ وقيل: شجرة من أحسن أشجار الجنّة عليها كلّ نوع من أطعمة الجنّة؛ ثمرها مثل كلية البقرة؛ ألين من الزّبد؛ وأحلى من الشّهد؛ وأشدّ بياضا من اللّبن. قوله تعالى: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٣٥)،أي فتصيرا من الضارّين لأنفسكما بالمعصية؛ وأصل الظّلم: وضع الشّيء في غير موضعه. قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها؛﴾ أي عن الجنّة؛ ومعنى أزلّهما استزلّهما، وقراءة حمزة: «(فأزالهما الشّيطان)» وهو إبليس؛ وهو فيعال من شطن؛ أي بعد، سمّي بذلك لبعده عن الخير وعن رحمة الله. وقوله : ﴿فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ؛﴾ أي من النّعيم. وذلك أنّ إبليس أراد أن يدخل الجنّة ليوسوس لآدم؛ فمنعه الخزنة؛ فأتى الحيّة وكانت من أحسن الدّواب لها أربع قوائم كقوائم البعير، وكانت من خزّان الجنة؛ ولإبليس صديقا، فسألها أن تدخله في فمها فأدخلته في فمها؛ ومرّت به على الخزنة وهم لا يعلمون. فلما دخل الجنّة وقف بين يدي آدم وحوّاء فناح عليهما نياحة وبكى؛ وهو أوّل من ناح. فقالا له: ما يبكيك؟ قال: أبكي عليكما تموتان وتفارقان ما أنتما فيه من النعيم والكرامة. فاغتمّا لذلك! فقال: يا آدم هل أدلّك على شجرة الخلد؟ فأبى أن يقبل منه. فقاسمهما بالله إنّي لكما من الناصحين. فاغترّا. وما كانا يظنّان أن أحدا يحلف بالله كاذبا. فبادرت حوّاء إلى أكل الشجرة؛ ثم ناولت آدم حتى أكلها (١).

стр. 135

روي: أن سعيد بن المسيب كان يحلف بالله ما يستثني: ما أكل آدم من الشّجرة وهو يعقل، ولكن حوّاء سقته الخمر حتى إذا سكن مأربه إليها فأكل، فلما أكل تهافتت عنهما ثيابهما؛ وبدت سوءاتهما وأخرجا من الجنّة. قيل: إن آدم دخل الجنة عند الضّحوة؛ وأخرج ما بين الصّلاتين، مكث نصف يوم من أيّام الآخرة؛ وهي خمسمائة عام. مسألة: قالت القدرية: إن الجنّة التي أسكنها آدم لم تكن جنّة الخلد، وإنّما كانت بستانا من بساتين الدّنيا؟ قالوا: لأنّ الجنّة لا يكون فيها ابتلاء؛ ولا تكليف. الجواب: أنّا قد أجمعنا على أنّ أهل الجنّة مأمورون فيها بالمعروف ومكلّفون ذلك. وجواب آخر: أن الله قادر على الجمع بين الأضداد؛ فأري آدم المحنة في الجنّة؛ وأري إبراهيم النعيم في النار؛ لئلاّ يأمن العبد ربّه؛ ولا يقنط من رحمته. وليعلم: أن الله له أن يفعل ما يشاء. واحتجّوا بأن من دخل الجنّة يستحيل عليه الخروج منها. فالجواب: أن من دخلها للثواب لا يخرج منها أبدا؛ وآدم لم يدخلها للثواب، ألا ترى أن رضوان وخزّان الجنان يدخلونها ثم يخرجون منها وإبليس كان خازن الجنّة فأخرج منها. قوله : ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ؛﴾ أي قلنا لآدم وحواء وإبليس والحيّة والطاوس: انزلوا إلى الأرض ﴿(بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)﴾ فإبليس عدوّ لآدم وذريته؛ والحيّة تلدغ ابن آدم؛ وابن آدم يشدخ رأسها. قيل: إن إبليس قال لآدم وحوّاء: أيّكما أكل من الشجرة كان مسلّطا على صاحبه؛ فابتدءا إلى الشجرة؛ فسبقت حوّاء فأكلت منها؛ وأطعمت آدم. وقيل: إن آدم قال لها: يا حوّاء ويحك ما تعلمين أن الله قد نهانا عنها. فقالت: أما تعلم سعة رحمة الله، فأكلت منها وأطعمته. قيل: إن إبليس لمّا دخل إلى الجنة في فم الحية سأل الطاوس عن الشجرة التي نهى الله آدم وحوّاء عنها؛ فدلّ عليها. فغضب الله على الطاوس فأهبطه بميسان؛ وهو موضع بسواد العراق. وأهبط إبليس بساحل بحر أيليّة؛ وهي مدينة إلى جنب البصرة. وأهبطت الحيّة بأصبهان.

стр. 136

قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ (٣٦)؛أي إلى وقت انقضاء آجالكم ومنتهى أعماركم. روي: أن إبراهيم بن أدهم كان يقول: (أورثتنا تلك الأكلة حزنا طويلا). قوله تعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ؛﴾ قرأ ابن كثير بنصب ﴿(آدَمُ)﴾ ورفع ﴿(كَلِماتٍ)﴾ بمعنى جاءت الكلمات آدم من ربه. وفي قوله تعالى: ﴿(فَتابَ عَلَيْهِ)﴾ اختصار وتقليب المذكور؛ وإلا فهو قد تاب عليه وعلى حوّاء. واختلفوا في الكلمات التي تلقّاها آدم، قيل: نزل بها جبريل؛ وهي: [سبحانك لا إله إلاّ أنت وبحمدك؛ عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي وارحمني وأنت خير الرّاحمين، سبحانك لا إله إلاّ أنت وبحمدك؛ عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنّك أنت الغفور الرّحيم؛ سبحانك لا إله إلاّ أنت وبحمدك؛ عملت سوءا وظلمت نفسي فتب عليّ إنّك أنت التّوّاب الرّحيم].هكذا روي عن رسول الله ﷺ (١). وعن ابن عباس أنّها: [ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين] (٢).وروي أنه قال: [يا ربّ؛ أرأيت ما أتيت؛ شيء أبتدعه من نفسي، أو شيء قدّرته عليّ قبل أن تخلقني؟ فقال: بل شيئا قدّرته عليك قبل أن أخلقك، قال: يا رب فكما قدّرته عليّ فاغفر لي] (٣).

стр. 137

وعن رسول الله ﷺ قال: [تحاجّ آدم وموسى؛ فقال له موسى: أنت آدم الّذي أغويت النّاس؛ وأخرجتهم من الجنّة إلى الأرض، فقال له آدم: أنت موسى الّذي أعطاك الله علم كلّ شيء؛ واصطفاك على النّاس بالرّسالة. قال: نعم. قال: أتلومني على أمر كان قد كتب عليّ أن أفعله من قبل أن أخلق. فحجّ آدم موسى] (١). وعن شهر بن حوشب قال: [بلغني أنّ آدم لمّا أهبط إلى الأرض مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه حياء من الله ].وقال ابن عباس: [بكى آدم وحوّاء على ما فاتهما من نعيم الجنّة؛ ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوما؛ ولم يقرب آدم حوّاء مائة سنة]. وقوله تعالى: ﴿(فَتابَ عَلَيْهِ)﴾ أي تجاوز عنه، ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣٧)؛ أي يقبل توبة عباده؛ رحيم بخلقه. وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً؛﴾ آدم وحواء وإبليس والحية والطاوس، ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً؛﴾ أي كتاب ورسول، ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ،﴾ فيما يستقبلهم، ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣٨)،على ما خلّفوا. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا؛﴾ يعني القرآن، ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٣٩)،لا يخرجون منها (٢). قوله : ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ؛﴾ أي يا أولاد يعقوب. ومعنى إسرائيل يعني: صفوة الله، و (إيل) هو الله. وقيل: (إسر) هو العبد، و (إيل) هو الله، فمعناه: عبد الله. وهو خطاب لليهود والنصارى. وإنّما سمي يعقوب؛ لأن يعقوب وعيصا كانا توأمين، فاقتتلا في بطن أمهما؛ فأراد يعقوب أن يخرج فمنعه عيص وقال: والله لإن خرجت قبلي لأعترضنّ في بطن

стр. 138

أمي فأقتلها، فتأخّر يعقوب وخرج عيص وأخذ يعقوب بعقبه فخرج بعده فسمي يعقوب؛ فلذلك سمي عيصا لمّا عصي فخرج قبل يعقوب وكان عيص أحبهما إلى أبيه؛ وكان يعقوب أحبّهما إلى أمه؛ وكان عيص صاحب صيد؛ فلما كبر إسحاق وعمي قال لعيص: يا بنيّ أطعمني لحم صيد واقترب مني حتى أدعو لك بدعاء دعا لي به أبي إبراهيم ﵇ وكان عيص رجلا أشعر؛ وكان يعقوب أجرد، فخرج عيص وطلب الصيد، فقالت أمه ليعقوب: يا بنيّ اذهب إلى الغنم فاذبح شاة منها ثم اشوها والبس جلدها وقدّمها إلى أبيك، وقل أنا ابنك عيص، ففعل ذلك يعقوب، فلما جاء قال: يا أبتاه، كل. قال: من أنت؟ قال: ابنك عيص. فمسّه فقال: المسّ مسّ عيص والريح ريح يعقوب، فقالت أمه: هو ابنك عيص فادع له. قال: قدّم طعامك. فقدمه فأكل منه، ثم قال: ادن مني، فدنى منه فدعا له أن يجعل الله في ذرّيته الأنبياء والملوك. وذهب يعقوب فجاء عيص، فقال: قد جئتك بالصيد الذي أردته، قال: يا بني قد سبقك أخوك يعقوب، فغضب وقال: والله لأقتلنّه. فقال إسحاق: يا بني قد بقيت لك دعوة فهلمّ أدعو لك بها، فدعا أن تكون ذريته عدد التراب؛ وأن لا يملكهم أحد غيرهم (١). قوله تعالى: ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ؛﴾ أي احفظوا واشكروا. قال الحسن: (ذكر النّعمة شكرها) (٢).قال رسول الله ﷺ : [المتحدّث بنعم الله شاكر، وتاركها كافر] (٣).وقوله تعالى: (نعمتي) أراد نعمي؛ لفظها واحد ومعناها

стр. 139

جمع؛ نظيرها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ (١).والعدد لا يقع على الواحد. وقوله تعالى: ﴿(أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ)﴾ أي على أجدادكم وأسلافكم؛ وذلك أن الله تعالى فلق لهم البحر فأنجاهم من فرعون وأهلك عدوّهم وأورثهم ديارهم وأموالهم وظلّل عليهم الغمام في التيه تقيهم حرّ الشمس، وجعل لهم عمودا من نور يضيء لهم بالليل؛ إذا لم يكن ضوء القمر، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وفجّر لهم اثني عشر عينا؛ وأنزل عليهم التوراة فيها بيان كلّ شيء يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم، فهذه نعم من الله كثيرة لا تحصى. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي؛﴾ أي الذي عهدت إليكم في التوراة، ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ،﴾ أي أدخلكم الجنة وأنجز لكم ما وعدتكم. وقرأ الزهري: (أوفّ) بالتشديد على التأكيد؛ يقال: وفى ووافى ووفّى بمعنى واحد. قيل: إن الله تعالى كان قد عهد إلى بني إسرائيل في التّوراة: إنّي باعث من بني إسماعيل نبيّا أمّيا فاتبعوه، فمن تبعه وصدّق بالنور الذي يأتي به غفرت له ذنوبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين؛ أجرا باتّباعه ما جاء به موسى والأنبياء من بني إسرائيل؛ وأجرا باتباعه ما جاء به محمّد ﷺ . وقال قتادة: (هو العهد الّذي أخذه الله عليهم في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ إلى قوله: ﴿قَرْضاً حَسَناً﴾ فهذا قوله

стр. 140

﴿(وَأَوْفُوا بِعَهْدِي)،﴾ ثمّ قال: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ الآية، فهذا قوله: ﴿(أُوفِ بِعَهْدِكُمْ»﴾. وقيل: معناه: أوفوا إليّ بشرط العبوديّة أوف بشرط الرّبوبيّة. وقال أهل الإشارة: أوفوا بعهدي في دار محنتي بحفظ حرمتي أوف بعهدكم في دار نعمتي على بساط كرامتي بقربي ورؤيتي. قوله تعالى: ﴿وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٤٠)،أي خافوني في نقض العهد. قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ،﴾ يعني القرآن، ﴿مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ؛﴾ أي موافقا لما معكم من التّوراة والإنجيل وسائر الكتب في التّوحيد والنبوّة وبعض الشرائع. نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه من علماء اليهود ورؤسائهم. ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ؛﴾ أي لا تكونوا أوّل من يكفر بالقرآن فيتابعكم اليهود على ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً؛﴾ وذلك أنّ علماء اليهود ورؤساءهم كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وعوامّهم؛ يأخذون منهم شيئا معلوما كلّ عام من زرعهم وضروعهم ونقودهم؛ فخافوا أنّهم إن سمعوا محمّدا ﷺ وتابعوه وآمنوا به تفوتهم تلك المآكل والرئاسة واختاروا الدّنيا على الآخرة. والهاء في قوله ﴿(كافِرٍ بِهِ)﴾ عائدة إلى ما أنزلت على محمّد؛ ويجوز أن تكون عائدة إلى قوله: ﴿(لِما مَعَكُمْ)﴾ لأنّهم كتموا نعت محمّد ﷺ وصفته في التّوراة؛ فإذا كفروا بالقرآن فقد كفروا بالتوراة. وقوله تعالى: ﴿وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (٤١)؛أي فاخشون في أمر محمّد ﷺ ولا ما يفوتكم من الرئاسة والمآكل. قوله : ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ،﴾ قال مقاتل: (وذلك لأنّ اليهود أقرّوا ببعض صفة محمّد ﷺ وكتموا بعضها ليصدّقوا في ذلك؛ فقال الله تعالى: ﴿(وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ)﴾ الّذي تقرّون به وتبيّنونه ﴿بِالْباطِلِ،﴾ الّذي تكتمونه. فالحقّ

стр. 141

بيانه والباطل كتمانه).وقيل: معناه: لا تكتموا الحقّ بالباطل هو إيمانهم ببعض ما جاء به النبيّ ﷺ وكفرهم ببعضه. ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ؛﴾ يعني نعت النبيّ ﷺ وصفته. قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤٢)؛أي تعلمون أنه نبيّ مرسل؛ وقوله تعالى: ﴿(وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ)﴾ يحتمل أن يكون تكتموا جزما على النهي. ويحتمل أن يكون نصبا على معنى: وأن تكتموا؛ أي لا تجمعوا بين اللّبس والكتمان، فهذا مثل: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إن فعلت عظيم (١) وقوله: ﴿(وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ)﴾ أي لا تختلطوا، يقال: لبست عليه الأمر؛ أي خلطته. قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ؛﴾ أي حافظوا على الصّلوات الخمس لمواقيتها بركوعها وسجودها، وأدّوا زكاة أموالكم المفروضة. وقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ (٤٣)؛أي صلّوا مع المصلّين محمّد وأصحابه في الجماعات إلى الكعبة؛ يخاطب اليهود فعبّر بالركوع عن الصلاة، إذ كان ركنا من أركانها؛ كما عبّر باليد عن الجسد في قوله: ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ (٢) وبالعنق عن النّفس كقوله تعالى: ﴿أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ (٣).والفائدة في تكرار ذكر الصلاة لئلا يتوهّم متوهّم أن الصلاة لا تجب إلا على من تجب عليه الزكاة، وقيل: إن اليهود كانوا يصلّون بغير ركوع فأمر بالركوع في الصلاة. قوله : ﴿*أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ؛﴾ خطاب لعلماء اليهود، كانوا يخبرون مشركي العرب قبل بعث النبي ﷺ : بأنّ رسولا سيظهر يدعو إلى الحق فاتبعوه وأجيبوا دعوته. فلما بعث النبيّ ﷺ ؛ حسدوه وكفروا به؛ فأنزل الله هذه الآية مذكّرا لهم ما كان منهم.

стр. 142

وقوله تعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ؛﴾ أي تتركون أنفسكم فلا تتّبعونه، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ،﴾ يعني التوراة وما فيه، وتعلمون ما فيها من وجوب اتباعه، ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٤٤)،أنّ ذلكم حجّة عليكم وأنه نبيّ حقّ فتصدقونه وتتبعونه. قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ؛﴾ أي استعينوا على ما استقبلكم من أنواع البلايا. وقيل: على طلب الآخرة بالصبر على أداء الفرائض؛ وبالصلاة على تمحيص الذنوب. وقيل: استعينوا بالصّبر والصلاة على ما يذهب منكم من الرئاسة والمأكلة باتّباع محمّد ﷺ . وقال مجاهد: (الصّبر في هذه الآية الصّوم).وقيل: (الواو) هنا بمعنى (على)؛ تقديره: استعينوا فيما ينوبكم بالصبر على الصلاة؛ كقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ (١). وروي أن ابن عباس نعيت إليه بنت له وهو في سفر؛ فاسترجع، ثمّ قال: (عورة سترها الله؛ ومئونة كفاها الله؛ وأجر ساقه الله).ثمّ نزل فصلّى ركعتين. ثمّ قال: (صنعنا ما أمرنا الله به: واستعينوا بالصّبر والصّلاة) (٢). وأصل الصّبر هو الحبس، يقال: قتل فلان صبرا؛ إذا حبس حيّا حتى مات؛ وقيل: الصّبر هو الصوم؛ ويسمّى شهر رمضان شهر الصّبر، وسمي الصوم صبرا؛ لأن صاحبه يحبس نفسه عن الطعام والشراب. قوله : ﴿وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ﴾ (٤٥)؛يحتمل أنّ الهاء كناية عن الصلاة؛ لأنّها أشرف الطاعات، ويحتمل أن تكون عن الاستعانة، ويحتمل أن يكون المراد بها الصبر والصلاة جميعا، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ﴾

стр. 143

﴿يُرْضُوهُ﴾ (١) فاكتفى بذكر أحدهما دلالة على الآخر. ونظير القول الأول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها﴾ (٢) ردّ الكناية إلى الفضة لأنّها أغلب وأعم. وقال تعالى: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها﴾ (٣) ردّ الكناية إلى التجارة لأنّها الأهم والأفضل. وقال الأخفش: (ردّ الكناية إلى كلّ واحدة منهما؛ أراد كلّ خصلة منهما الكبيرة كقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ (٤) يعني كلّ واحدة منهما، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ (٥) ولم يقل آيتين؛ أراد جعلنا كلّ واحد منهما آية). قوله تعالى: ﴿(وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ)﴾ أي ثقيلة شديدة إلا على الخاشعين؛ أي المؤمنين. وقيل: إلا العابدين المطيعين. وقيل: الخائفين. وقيل: المتواضعين. وقال الزجّاج: (الخاشع الّذي يرى أثر الذّلّ والخشوع عليه؛ ويقال: خشع؛ إذا رمى ببصره إلى الأرض، وأخشع إذا طأطأ رأسه للسّجود).والخشوع والخضوع نظيران؛ إلا أن الخضوع يكون بالبدن والخشوع بالبصر والصوت والقلب كما قال تعالى: ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ﴾ (٦) ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ﴾ (٧) ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ (٨). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ؛﴾ أي الذين يعلمون ويستيقنون؛ لأنّهم لو كانوا شاكّين لكانوا كافرين. ومثله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ (٩) أي أيقنت. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (٤٦)؛فيجزيهم بأعمالهم.

стр. 144

قوله : ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٤٧)؛أي عالمي زمانكم. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً؛﴾ معناه: واخشوا يوما؛ أي عذاب يوم، ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً؛﴾ أي لا تكفي ولا تغني. وفيه إضمار؛ تقديره: واتّقوا يوما لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا من الشدائد والمكاره. وقيل: معناه: لا تغني نفس مؤمنة ولا كافرة عن نفس كافرة شيئا. قوله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ؛﴾ لأنّها كافرة، وكانت اليهود تزعم أنّ آباءهم الأنبياء؛ كإبراهيم وإسحاق ويعقوب يشفعون لهم؛ فآيسهم الله تعالى بهذه الآية. وقرأ أهل مكة والبصرة «(تقبل)» بتاء التأنيث (الشّفاعة).وقرأ الباقون بالياء بتقديم الفعل؛ أو لأنّ تأنيثه غير حقيقي. وقرأ قتادة: «(لا يقبل منها شفاعة)» بياء مفتوحة، ونصب ال (شفاعة) يعني لا يقبل الله. قوله تعالى: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ؛﴾ أي فداء كما كانوا يأخذون في الدّنيا. وسمّي الفداء عدلا؛ لأنه يساوي المفدى ويماثله، قال الله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً﴾ (١) والفرق بين العدل والعدل: أن العدل بكسر العين: مثل الشيء من جنسه، وبفتحها بدله؛ قد يكون من جنسه أو من غير جنسه، مثل قوله: ﴿طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً﴾. وقوله ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٤٨)؛أي لا يمنعون من عذاب الله. قوله : ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ؛﴾ يعني نجّينا أسلافكم؛ وإنّما عدّها منّة عليهم؛ لأنّهم نجوا بنجاتهم. وقرأ إبراهيم النخعي: «(نجيتكم)» على التوحيد. و ﴿(آلِ فِرْعَوْنَ)﴾ أشياعه وأتباعه وأسرته وعشيرته وأهل بيته. وفرعون هو الوليد بن مصعب، وكان من العماليق؛ جمع عملاق، وهي قبيلة.

стр. 145

وقوله : ﴿(يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ)﴾ أي يكلّفونكم ويذيقونكم أشدّ العذاب وأسوأه؛ وذلك أن فرعون جعل بني إسرائيل خدما وخولا. فصنف يبنون؛ وصنف يحرثون ويزرعون؛ وصنف يخدمونه، ومن لم يكن منهم في عمل من هذه الأعمال فعليه الجزية، فذلك سوء العذاب. وقيل: إنّهم كلّفوا الأعمال القذرة. وقيل: تفسيره ما بعده: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ؛﴾ وقرأ ابن محيص: «يذبحون» بالتخفيف. ومن قرأ بالتشديد فعلى التكثير؛ وذلك أن فرعون رأى في منامه نارا أقبلت من بيت المقدس فأحرقت مصر وأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل. فسأل الكهنة، فقالوا: يولد في بني إسرائيل غلام؛ يكون هلاكك على يديه. فأمر فرعون بقتل كلّ غلام يولد في بني إسرائيل؛ وترك كل أنثى؛ ففعلوا ذلك. وأسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل؛ فقال القبط لفرعون: إن الموت وقع في مشيخة بني إسرائيل وأنت تذبح صغارهم فيوشك أن يقع العمل علينا؛ فأمروا أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة؛ فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها؛ فترك. وولد موسى في السنة التي يذبحون فيها. قوله: ﴿(وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ)﴾ أي يتركوهنّ أحياء فلا يذبحوهن بل يستخدموهن. وقيل: معناه يستحيون من الحياء الذي هو الرّحم؛ فإن القوم كانوا ينظرون إلى فروج نساء بني إسرائيل فيعلموا هل هنّ حبّل أم لا!! قوله: ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٤٩)؛يعني في سومهم إياكم سوء العذاب محنة وفتنة عظيمة. وقيل: معناه: وفي إنجاء آبائكم منهم نعمة عظيمة. والبلاء ينصرف على وجهين: النعمة والمحنة. قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (١). وقوله : ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ،﴾ وذلك أنه لمّا دنا هلاك فرعون أمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل من مصر؛ فأمر موسى قومه أن يسرجوا في بيوتهم إلى الصّبح. وألقى الله على القبط الموت؛ فاشتغلوا بدفنهم، وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألفا سوى الذّرية. وكان موسى على ساقتهم
следующие страницы →