← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بيانه والباطل كتمانه).وقيل: معناه: لا تكتموا الحقّ بالباطل هو إيمانهم ببعض ما جاء به النبيّ ﷺ وكفرهم ببعضه. ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ؛﴾ يعني نعت النبيّ ﷺ وصفته. قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤٢)؛أي تعلمون أنه نبيّ مرسل؛ وقوله تعالى: ﴿(وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ)﴾ يحتمل أن يكون تكتموا جزما على النهي. ويحتمل أن يكون نصبا على معنى: وأن تكتموا؛ أي لا تجمعوا بين اللّبس والكتمان، فهذا مثل: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إن فعلت عظيم (١) وقوله: ﴿(وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ)﴾ أي لا تختلطوا، يقال: لبست عليه الأمر؛ أي خلطته. قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ؛﴾ أي حافظوا على الصّلوات الخمس لمواقيتها بركوعها وسجودها، وأدّوا زكاة أموالكم المفروضة. وقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ (٤٣)؛أي صلّوا مع المصلّين محمّد وأصحابه في الجماعات إلى الكعبة؛ يخاطب اليهود فعبّر بالركوع عن الصلاة، إذ كان ركنا من أركانها؛ كما عبّر باليد عن الجسد في قوله: ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ (٢) وبالعنق عن النّفس كقوله تعالى: ﴿أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ (٣).والفائدة في تكرار ذكر الصلاة لئلا يتوهّم متوهّم أن الصلاة لا تجب إلا على من تجب عليه الزكاة، وقيل: إن اليهود كانوا يصلّون بغير ركوع فأمر بالركوع في الصلاة. قوله : ﴿*أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ؛﴾ خطاب لعلماء اليهود، كانوا يخبرون مشركي العرب قبل بعث النبي ﷺ : بأنّ رسولا سيظهر يدعو إلى الحق فاتبعوه وأجيبوا دعوته. فلما بعث النبيّ ﷺ ؛ حسدوه وكفروا به؛ فأنزل الله هذه الآية مذكّرا لهم ما كان منهم.

стр. 142

وقوله تعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ؛﴾ أي تتركون أنفسكم فلا تتّبعونه، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ،﴾ يعني التوراة وما فيه، وتعلمون ما فيها من وجوب اتباعه، ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٤٤)،أنّ ذلكم حجّة عليكم وأنه نبيّ حقّ فتصدقونه وتتبعونه. قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ؛﴾ أي استعينوا على ما استقبلكم من أنواع البلايا. وقيل: على طلب الآخرة بالصبر على أداء الفرائض؛ وبالصلاة على تمحيص الذنوب. وقيل: استعينوا بالصّبر والصلاة على ما يذهب منكم من الرئاسة والمأكلة باتّباع محمّد ﷺ . وقال مجاهد: (الصّبر في هذه الآية الصّوم).وقيل: (الواو) هنا بمعنى (على)؛ تقديره: استعينوا فيما ينوبكم بالصبر على الصلاة؛ كقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ (١). وروي أن ابن عباس نعيت إليه بنت له وهو في سفر؛ فاسترجع، ثمّ قال: (عورة سترها الله؛ ومئونة كفاها الله؛ وأجر ساقه الله).ثمّ نزل فصلّى ركعتين. ثمّ قال: (صنعنا ما أمرنا الله به: واستعينوا بالصّبر والصّلاة) (٢). وأصل الصّبر هو الحبس، يقال: قتل فلان صبرا؛ إذا حبس حيّا حتى مات؛ وقيل: الصّبر هو الصوم؛ ويسمّى شهر رمضان شهر الصّبر، وسمي الصوم صبرا؛ لأن صاحبه يحبس نفسه عن الطعام والشراب. قوله : ﴿وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ﴾ (٤٥)؛يحتمل أنّ الهاء كناية عن الصلاة؛ لأنّها أشرف الطاعات، ويحتمل أن تكون عن الاستعانة، ويحتمل أن يكون المراد بها الصبر والصلاة جميعا، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ﴾

стр. 143

﴿يُرْضُوهُ﴾ (١) فاكتفى بذكر أحدهما دلالة على الآخر. ونظير القول الأول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها﴾ (٢) ردّ الكناية إلى الفضة لأنّها أغلب وأعم. وقال تعالى: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها﴾ (٣) ردّ الكناية إلى التجارة لأنّها الأهم والأفضل. وقال الأخفش: (ردّ الكناية إلى كلّ واحدة منهما؛ أراد كلّ خصلة منهما الكبيرة كقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ (٤) يعني كلّ واحدة منهما، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ (٥) ولم يقل آيتين؛ أراد جعلنا كلّ واحد منهما آية). قوله تعالى: ﴿(وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ)﴾ أي ثقيلة شديدة إلا على الخاشعين؛ أي المؤمنين. وقيل: إلا العابدين المطيعين. وقيل: الخائفين. وقيل: المتواضعين. وقال الزجّاج: (الخاشع الّذي يرى أثر الذّلّ والخشوع عليه؛ ويقال: خشع؛ إذا رمى ببصره إلى الأرض، وأخشع إذا طأطأ رأسه للسّجود).والخشوع والخضوع نظيران؛ إلا أن الخضوع يكون بالبدن والخشوع بالبصر والصوت والقلب كما قال تعالى: ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ﴾ (٦) ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ﴾ (٧) ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ (٨). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ؛﴾ أي الذين يعلمون ويستيقنون؛ لأنّهم لو كانوا شاكّين لكانوا كافرين. ومثله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ (٩) أي أيقنت. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (٤٦)؛فيجزيهم بأعمالهم.

стр. 144

قوله : ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٤٧)؛أي عالمي زمانكم. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً؛﴾ معناه: واخشوا يوما؛ أي عذاب يوم، ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً؛﴾ أي لا تكفي ولا تغني. وفيه إضمار؛ تقديره: واتّقوا يوما لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا من الشدائد والمكاره. وقيل: معناه: لا تغني نفس مؤمنة ولا كافرة عن نفس كافرة شيئا. قوله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ؛﴾ لأنّها كافرة، وكانت اليهود تزعم أنّ آباءهم الأنبياء؛ كإبراهيم وإسحاق ويعقوب يشفعون لهم؛ فآيسهم الله تعالى بهذه الآية. وقرأ أهل مكة والبصرة «(تقبل)» بتاء التأنيث (الشّفاعة).وقرأ الباقون بالياء بتقديم الفعل؛ أو لأنّ تأنيثه غير حقيقي. وقرأ قتادة: «(لا يقبل منها شفاعة)» بياء مفتوحة، ونصب ال (شفاعة) يعني لا يقبل الله. قوله تعالى: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ؛﴾ أي فداء كما كانوا يأخذون في الدّنيا. وسمّي الفداء عدلا؛ لأنه يساوي المفدى ويماثله، قال الله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً﴾ (١) والفرق بين العدل والعدل: أن العدل بكسر العين: مثل الشيء من جنسه، وبفتحها بدله؛ قد يكون من جنسه أو من غير جنسه، مثل قوله: ﴿طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً﴾. وقوله ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٤٨)؛أي لا يمنعون من عذاب الله. قوله : ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ؛﴾ يعني نجّينا أسلافكم؛ وإنّما عدّها منّة عليهم؛ لأنّهم نجوا بنجاتهم. وقرأ إبراهيم النخعي: «(نجيتكم)» على التوحيد. و ﴿(آلِ فِرْعَوْنَ)﴾ أشياعه وأتباعه وأسرته وعشيرته وأهل بيته. وفرعون هو الوليد بن مصعب، وكان من العماليق؛ جمع عملاق، وهي قبيلة.

стр. 145

وقوله : ﴿(يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ)﴾ أي يكلّفونكم ويذيقونكم أشدّ العذاب وأسوأه؛ وذلك أن فرعون جعل بني إسرائيل خدما وخولا. فصنف يبنون؛ وصنف يحرثون ويزرعون؛ وصنف يخدمونه، ومن لم يكن منهم في عمل من هذه الأعمال فعليه الجزية، فذلك سوء العذاب. وقيل: إنّهم كلّفوا الأعمال القذرة. وقيل: تفسيره ما بعده: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ؛﴾ وقرأ ابن محيص: «يذبحون» بالتخفيف. ومن قرأ بالتشديد فعلى التكثير؛ وذلك أن فرعون رأى في منامه نارا أقبلت من بيت المقدس فأحرقت مصر وأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل. فسأل الكهنة، فقالوا: يولد في بني إسرائيل غلام؛ يكون هلاكك على يديه. فأمر فرعون بقتل كلّ غلام يولد في بني إسرائيل؛ وترك كل أنثى؛ ففعلوا ذلك. وأسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل؛ فقال القبط لفرعون: إن الموت وقع في مشيخة بني إسرائيل وأنت تذبح صغارهم فيوشك أن يقع العمل علينا؛ فأمروا أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة؛ فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها؛ فترك. وولد موسى في السنة التي يذبحون فيها. قوله: ﴿(وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ)﴾ أي يتركوهنّ أحياء فلا يذبحوهن بل يستخدموهن. وقيل: معناه يستحيون من الحياء الذي هو الرّحم؛ فإن القوم كانوا ينظرون إلى فروج نساء بني إسرائيل فيعلموا هل هنّ حبّل أم لا!! قوله: ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٤٩)؛يعني في سومهم إياكم سوء العذاب محنة وفتنة عظيمة. وقيل: معناه: وفي إنجاء آبائكم منهم نعمة عظيمة. والبلاء ينصرف على وجهين: النعمة والمحنة. قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (١). وقوله : ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ،﴾ وذلك أنه لمّا دنا هلاك فرعون أمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل من مصر؛ فأمر موسى قومه أن يسرجوا في بيوتهم إلى الصّبح. وألقى الله على القبط الموت؛ فاشتغلوا بدفنهم، وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألفا سوى الذّرية. وكان موسى على ساقتهم

стр. 146

وهارون على مقدّمتهم، فخرج فرعون على طلبهم وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف، وسار بنو إسرائيل حتى وصلوا البحر والماء في غاية الزيادة، ونظروا فإذا هم بفرعون وقومه وذلك حين أشرقت الشمس. فبقوا متحيّرين؛ قالوا: يا موسى كيف نصنع؛ وما الحيلة وفرعون خلفنا والبحر أمامنا؟ فقال موسى: (كلاّ؛ إنّ معي ربي سيهديني).فأوحى الله إليه: (أن اضرب بعصاك البحر) فضربه فلم ينفلق. فأوحى الله إليه: أن كنّه؛ فضربه بعصاه وقال: انفلق أبا خالد بإذن الله . ﴿فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (١).وظهر فيه اثنا عشر طريقا؛ لكل سبط طريق، وأرسل الله الريح والشمس على قعر البحر فصار يبسا؛ فخاضت بنو إسرائيل البحر كل سبط في طريق، وعن جانبيه الماء كالجبل الضّخم لا يرى بعضهم بعضا، فخافوا! وقال كلّ سبط: قد قتل إخواننا، فأوحى الله إلى جبال الماء: تشبّكي فصار الماء شبكات يرى بعضهم بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض؛ حتى عبروا البحر سالمين. فذلك قوله تعالى: ﴿(وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ)﴾ أي فلقناه وصيّرنا الماء يمينا وشمالا. وقوله: ﴿(فَأَنْجَيْناكُمْ)﴾ أي من الغرق ومن آل فرعون. وقوله: ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ؛﴾ وذلك أنّ فرعون لمّا وصل إلى البحر ورآه منفلقا. قال لقومه: انظروا إلى البحر انفلق من هيبتي حتى أدرك أعدائي وعبيدي الذين أبقوا فأقتلهم؛ ادخلوا البحر. فهاب قومه أن يدخلوه؛ ولم يكن في خيل فرعون أنثى، فجاء جبريل على فرس أنثى ودنا فتقدّمهم وخاض البحر، فلما شمّت خيول فرعون ريحها اقتحمت البحر في أثرها حتى خاضوا كلّهم البحر، وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يحثّهم ويقول لهم: الحقوا بأصحابكم، حتى إذا خرج جبريل من البحر وهمّ أوّلهم أن يخرج. أمر الله البحر أن يأخذهم؛ فالتطم عليهم؛ فغرقوا جميعا وذلك بمرأى من بني إسرائيل، فذلك قوله تعالى: ﴿(وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ)﴾ ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٥٠)؛إلى مصارعهم. قوله : ﴿وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً؛﴾ وذلك أن بني إسرائيل لمّا أمنوا عدوّهم ودخلوا مصر لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليها، فوعد الله

стр. 147

موسى أن ينزّل عليهم التوراة؛ فقال موسى لقومه: إنّي ذاهب لميقات ربي؛ فآتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون وما تذرون. وواعدهم ثلاثين ليلة من ذي القعدة وعشرا من ذي الحجة؛ واستخلف عليهم أخاه هارون. فلما أتى الوعد جاء جبريل ﵇ على فرس يقال له فرس الحياة؛ لا يصيب شيئا إلا حيى به، فلما رأى السامريّ جبريل ﵇ على ذلك الفرس؛ قال: إنّ لهذا شأنا؛ وكان رجلا منافقا، قد أظهر الإسلام فأخذ قبضة من تربة حافر فرس جبريل، وكان بنو إسرائيل قد استعاروا حليا كثيرة من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر بعلّة عرس؛ فأهلك الله قوم فرعون وبقيت تلك الحليّ في أيدي بني إسرائيل. فلما لم يرجع موسى، قال السامريّ لبني إسرائيل: إن الأمتعة والحليّ التي استعرتموها من قوم فرعون غنيمة لا تحلّ لكم فاحفروا حفيرة فادفنوها فيها حتى يرجع موسى. ففعلوا ذلك. فلما اجتمعت الحليّ صاغها السامري وكان رجلا صائغا، وجعل عليها القبضة التي أخذها من أثر حافر فرس جبريل؛ فأخرج عجلا من ذهب فخار؛ فذلك قوله تعالى: ﴿عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ﴾ (١) فعبدوه من دون الله. قال السدي: (كان يخور والسامريّ يقول: هذا إلهكم وإله موسى (فنسيه) أي تركه هاهنا وخرج بطلبه).فلما رأوا العجل وسمعوا قول السامري افتتن بالعجل ثمانية آلاف منهم فعبدوه من دون الله. وقال بعضهم: معنى الآية: واذكروا إذ أخبر الله موسى أن يؤتيه الألواح فيها التوراة على رأس ثلاثين يوما من ذي القعدة، وأمره أن يصومها؛ فوجد من فيه خلوفا؛ أي تغيّر رائحة، فاستاك، فأمره الله أن يصوم عشرة أخرى من أول ذي الحجة؛ كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ (٢).فقال السامريّ في الأيام العشرة لبني إسرائيل: قد تمّت الثلاثون ولم يرجع موسى وإنكم قد استعرتم من نساء آل فرعون حليّهم حين سار بكم من مصر؛ فلما لم تردّوا عليهنّ حليّهن لم يردّ الله علينا موسى، فهاتوا ما معكم من الحليّ حتى نحرقه؛ فلعلّ الله أن يردّ علينا موسى،

стр. 148

فجمعوا الحليّ وكان السامريّ صائغا فاتخذ من ذلك عجلا، فصار العجل جسدا له خوار، فعبدوه فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ (٥١). قال ابن عباس: (فصار عجلا له لحم ودم وشعر).وقيل: جعل فيه خروقا فكان الريح تقع في تلك الخروق فيسمع منها مثل الخوار، فأوهمهم أن ذلك الصوت خواره. وقوله تعالى: ﴿(مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ)﴾ أي من بعد انطلاق موسى إلى الجبل، ﴿(وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ)﴾ أي ضارّون لأنفسكم بالمعصية؛ واضعون العبادة في غير موضعها. وفي قوله: ﴿(واعَدْنا)﴾ خلاف بين القرّاء؛ فقرأ أبو عمرو ويعقوب: «(وعدنا)» بغير ألف في جميع القرآن. وقرأ الباقون بالألف؛ وهي قراءة ابن مسعود. فمن قرأ بغير ألف؛ قال: لأنّ الله تعالى هو المنفرد بالوعد. والقرآن ينطق به كقوله: ﴿وَعَدَ اللهُ﴾ (١) و ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ (٢) ونحوها. ومن قرأ بالألف فقال: قد تجيء المفاعلة من واحد؛ كقولهم: عاقبت اللّصّ؛ وعافاك الله؛ وطارقت النعل؛ وسافر؛ ونافق. قال أهل اللغة: الوعد في الخير؛ والوعيد في الشّرّ؛ قال الشاعر (٣): وإنّي إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز وعدي والعجل والعجول: ولد البقرة. إنّما قرن التاريخ بالليل دون النهار؛ لأن العرب وضعت التاريخ على سنين القمر؛ وإنّما يهلّ بالليل. وقيل: لأن الظلمة أقدم من الضوء؛ والليل خلق قبل النهار؛ قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾ (٤).

стр. 149

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ؛﴾ أي تركناكم فلم نستأصلكم؛ من قوله ﵇: [اعفوا اللّحى] (١).وقيل: محونا ذنوبكم من قول العرب: عفت الرياح المنزل فعفا. وقوله : ﴿(مِنْ بَعْدِ ذلِكَ)﴾ أي من بعد عبادتكم العجل. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٥٢)؛أي لكي تشكروا عفوي عنكم وصنيعي إليكم. واختلف العلماء في ماهية الشّكر؛ فقال ابن عباس: (هو الطّاعة بجميع الجوارح لرب الخلائق في السّرّ والعلانية).وقال الحسن: (شكر النّعمة ذكرها). وقال الفضيل: (شكر كلّ نعمة أن لا يعصى الله تعالى بعدها).وقال أبو بكر الرازي: (حقيقة الشّكر معرفة المنعم؛ وأن لا تعرف لنفسك في النّعمة حظّا؛ بل تراها من الله .قال الله: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ (٢).ويدل عليه قوله ﷺ : [قال موسى: يا رب كيف آدم أن يؤدّي شكر ما أجريت عليه من النّعم؟ خلقته بيدك؛ وأسجدت له ملائكتك؛ وأسكنته جنّتك. فأوحى الله إليه: أنّ آدم علم أنّ ذلك كلّه منّي ومن عندي؛ فذلك شكره]. وقال الجنيد: حقيقة الشكر العجز عن الشكر (٣).وقال بعضهم: الشكر أن لا ترى النعمة البتة؛ بل ترى المنعم. وقال أبو عثمان الحيّري (٤):صدق الشكر أن لا تمدح بلسانك غير المنعم. وروي عن الشّبل (٥) أنه قال: الشكر التواضع تحتويه المنّة. وقيل: الشكر خمسة أشياء: مجانبة السيئات؛ والمحافظة على الحسنات؛ ومخالفة الشهوات؛ وبذل الطاعات؛ ومراقبة رب السموات.

стр. 150

وسئل أبو الحسن علي بن عبد الرحيم: من أشكر الشاكرين؟ فقال: الطاهر من الذنوب يعدّ نفسه من المذنبين؛ والمجتهد بعد أداء الفرائض يعدّ نفسه من المقصّرين؛ والراضي من الدنيا بالقليل يعدّ نفسه من الراغبين؛ والقاطع بذكر الله دهره يعدّ نفسه من الغافلين؛ هذا أشكر الشاكرين. وقوله : ﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٥٣) قال مجاهد والفرّاء: (هما شيء واحد يعني التّوراة؛ وما يفرّق به بين الحقّ والباطل). وقد سمّى الله تعالى التوراة فرقانا في موضع آخر وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً﴾ (١)،وسمّى الله النّصرة يوم بدر على الكفار فرقانا كما قال: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾ (٢) أراد به يوم بدر؛ وإنّما عطف الشيء على نفسه وكرّره؛ لأن العرب تكرّر الشيء إذا اختلف ألفاظه، قال عنترة (٣): حيّيت من ظلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم وقال الكسائيّ: الفرقان: بعث الكتاب؛ يريد: ﴿(وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ)﴾.والفرقان: فرق بين الحلال والحرام؛ والكفر والإيمان؛ والوعد والوعيد، فزيدت الواو فيه كما تزاد في النعوت؛ من قولهم: فلان حسن وطويل. ودليل هذا التأويل: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤). وقال قطرب: (أراد بالفرقان: القرآن). وفي الآية إضمار معناه: وإذا آتينا موسى الكتاب ومحمّدا الفرقان. قوله تعالى: ﴿(لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)﴾ أي بهذين الكتابين، وقال بعضهم: أراد بالفرقان انفراق البحر وهو من عظيم الآيات، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾.

стр. 151

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ؛﴾ يعني الذين عبدوا العجل: ﴿يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ؛﴾ أي أضررتم أنفسكم، ﴿بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ؛﴾ إلها. فقالوا: فإيش نصنع؛ وما الحيلة؟ فقال: ﴿فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ؛﴾ أي فارجعوا إلى خالقكم. وكان أبو عمرو يختلس الهمزة إلى الجزم في قوله: (باريكم، ويأمركم، ويشعركم، وينصركم) طلبا للخفّة. وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ؛﴾ أي يقتل البريء المجرم، قوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ؛﴾ يعني القتل. قال ابن عباس: (أبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل إلاّ بالحال الّذي كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل). وقال قتادة: (جعل الله توبتهم القتل؛ لأنّهم ارتدّوا. والكفر يبيح الدّم).وقرأ قتادة: «(فاقتالوا أنفسكم)» من الإقالة؛ أي استقيلوا العثرة بالتوبة. فلما أمرهم موسى بالقتل قالوا: نصبر لأمر الله تعالى، فجلسوا بالأفنية محسّبين وأصلب عليهم القوم الخناجر؛ فكان الرجل يرى ابنه وأخاه وأباه وقريبه وصديقه فلا يمكنهم إلا المضيّ لأمر الله. وقيل لهم: من حلّ جيوبه أو مدّ طرفه إلى قاتله أو اتّقى بيده أو رجله فهو ملعون مردودة توبته؛ فكانوا يقتلونهم إلى المساء. فلما كثر فيهم القتل عاد موسى وهارون وبكيا وتضرّعا وقالا: يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية؛ فأمرهم الله تعالى أن يرفعوا السلاح عنهم ويكفّوا عن القتل وقد قتل منهم ألوف كثيرة فاشتدّ ذلك على موسى، فأوحى الله تعالى إليه أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول الجنة؛ فكان من قتل منهم شهيدا ومن بقي منهم كفّر عنه ذنوبه، وذلك قوله تعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ؛﴾ أي ففعلتم ما أمركم به فتاب عليكم؛ أي فتجاوز عنكم، ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٥٤). وفي بعض التفاسير: أن موسى ﵇ قال لهم بعد ما رجع من الجبل وأعطاه الله التوراة: أنكم ظلمتم أنفسكم بعبادتكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم؛ أي ليقتل الذين لم يعبدوا العجل الذين عبدوا العجل. فقالوا: يا موسى نحن نفعل ذلك، فأخذ عليهم المواثيق ليصبرنّ على القتل، فأصبحوا بأفنية البيوت كل بني أب على حدة فأتاهم هارون والاثنا عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل بالسيوف، فقال لهم

стр. 152

هارون: هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين السيوف فاتّقوا الله واصبروا، فلعن الله رجلا حلّ حبوته أو قام من مجلسه أو مدّ طرفه إليهم أو اتّقاهم بيده أو رجله. فقالوا: آمين. فجعلوا يقتلونهم إلى المساء. وقام موسى يدعو ربّه لمّا شقّ عليه من كثرة الدماء. فنزلت التوراة، وقيل له: ارفع السيف، فإنّي قد قبلت توبتهم جميعا من قتل منهم ومن لم يقتل، وجعلت ذلك القتل لهم شهادة وغفرت لمن بقي منهم. فكان القتلى سبعين ألفا والقاتلون اثنا عشر ألفا. وكان السبب في امتحانهم بذلك: أنه كان فيهم من عرف بطلان عبادة العجل؛ إلا أنّهم لم ينهوا الآخرين لخشية وقوع القتل فيما بينهم، فابتلاهم الله بما تركوا النهي عن المنكر لأجله. قوله : ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً؛﴾ وذلك أن الله أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل؛ فاختار موسى من قومه سبعين رجلا من خيارهم؛ وقال لهم: صوموا وتطهّروا وطهّروا ثيابكم. ففعلوا ذلك، فخرج بهم موسى إلى طور سيناء لميقات ربه؛ فلما بلغوا هنالك أمرهم موسى بالمكث في أسفل الجبل وصعد هو؛ فقالوا لموسى: أطلب لنا نسمع كلام الله؛ فوقع على الجبل غمام أبيض؛ فغشاه كله. وكان موسى ﵇ إذا ناجى ربه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه؛ فضرب دونه الحجاب؛ ودنا القوم حتى دخلوا في الغمام؛ وخرّوا سجّدا؛ فسمعوه وهو يكلّم موسى يأمره وينهاه، فأسمعهم الله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا﴾ (١) أخرجتكم من مصر فاعبدوني ولا تعبدوا غيري؛ فلما فرغ موسى وانكشف الغمام؛ وأقبل إليهم، قالوا: ﴿(لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً)﴾ أي لا نصدّق حتى نرى الله عيانا وعلانية، ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ؛﴾ أي فأخذتهم الصاعقة؛ أي نزلت نار من السماء فأحرقتهم جميعا. ويقال: سمعوا صوتا فماتوا. يقال: صعق فلان؛ أي هلك، ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٥٥).

стр. 153

قرأ عمر وعثمان وعليّ بغير ألف «(الصّعقة)».وقرأ ابن عباس: «(جهرة)» بفتح الهاء وهما لغتان. فلبثوا موتى يوما وليلة. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٥٦)؛ وذلك أنّهم لمّا هلكوا جعل موسى يبكي ويتضرّع؛ ويقول: ماذا أقول لبني إسرائيل إذ أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؛ لو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا، فلم يزل يناشد ربّه حتى أحياهم الله جميعا رجلا بعد رجل؛ ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون. فإن قيل: كيف يقبل الله التوبة بعد الموت قبل البعث في دار الدنيا كالانتباه من النوم؛ لأن الله ردّهم إلى التكليف في الدنيا وأحياهم ليتوفّوا بقية آجالهم وأرزاقهم. قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ؛﴾ أي في التيه يقيكم حرّ الشمس؛ وذلك أنّهم كانوا في التيه ولم يكن لهم كنّ (١) يسترهم؛ فشكوا ذلك إلى موسى؛ فأنزل الله عليهم غماما أبيض؛ أي سحابا رقيقا ليس بغمام المطر؛ لكن أرقّ وأطيب منه؛ فأظلهم وكان يدلي لهم بالليل عمودا من السماء من نور فيسير معهم بالليل حيث ساروا مكان القمر. فقالوا: هذا الظل قد حصل فأين الطعام؛ فأنزل الله عليهم المنّ. قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى،﴾ المنّ؛ قال مجاهد: (هو شيء كالصّمغ كان يقع على الأشجار؛ وطعمه كالشّهد).وقال الضحّاك: (هو الزّنجبين (٢)).وقال وهب: (هو الخبز الرّقاق).وقال السديّ: (عسل كان يقع على الشّجر باللّيل. وكان ينزل عليهم هذا المنّ كلّ ليلة؛ يقع على أشجارهم مثل الثّلج؛

стр. 154

لكلّ إنسان منهم صاع كلّ ليلة؛ فإن أخذ أكثر من ذلك دوّد وفسد. ويوم الجمعة يأخذ صاعين كأنّه كان لم يأتهم يوم السّبت). وقيل: هو شيء حلو؛ كان يسقط على الشجر كالشهد المعجون بالسّمن، وكان يأخذ كل واحد منهم كل غداة صاعا يكفيه يومه وليلته، فإن أخذ أكثر من ذلك فسد عليه (١). فقالوا: يا موسى! قتلنا هذا المنّ بحلاوته، فادعوا لنا ربك يطعمنا لحما، فدعا فأنزل عليهم السّلوى: وهو طائر يشبه السّمانيّ؛ كذا قال ابن عباس. وأكثر المفسرين بعث الله سحابة مطرت السمانيّ في عرض ميل وقدر طول رمح في السماء بعضهم على بعض. وقال المؤرّج (٢): (السّلوى هو العسل بلغة كنانة؛ فيأخذ كلّ واحد منهم ما يكفيه يوما وليلة، ويوم الجمعة يأخذ ما يكفيه يومين). قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ؛﴾ أي وقلنا لهم: كلوا من حلائل ما رزقناكم ولا تدّخروا لغد؛ فادّخروا لغد، فقطع الله عنهم ذلك، ودوّد وفسد ما ادّخروا. قال رسول الله ﷺ : [لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطّعام، ولم يخنز اللّحم، ولولا حوّاء لم تخن أنثى زوجها] (٣). قوله تعالى: ﴿وَما ظَلَمُونا؛﴾ أي ما ضرّونا بالمعصية، ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٥٧)؛أي يضرّون باستيجابهم عذابي وقطع مادة الرزق الذي

стр. 155

كان ينزل عليهم بلا كلفة ولا مشقّة في الدنيا ولا حساب ولا تبعة في العقبى وهذا كله في التيه. قوله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ؛﴾ أي قلنا لبني إسرائيل بعد انقضاء التّيه؛ على لسان يوشع بعد موت موسى وهارون: ادخلوا مدينة أريحا بقرب بيت المقدس؛ وهي قرية الجبّارين؛ وكان فيها قوم من بقيّة عاد يقال لهم العمالقة. قال الضحّاك: (هذه القرية يعني الرّملة والأردنّ وفلسطين) (١).وقال مجاهد: (بيت المقدس).وقال مقاتل: (إيليّا). قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً؛﴾ أي واسعا بلا حساب. وقوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً؛﴾ يعني بابا من أبواب القرية، وكان لها سبعة أبواب، وقال: باب مسجد بيت المقدس. (سجّدا) أي ركّعا منحنين متواضعين. وقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ؛﴾ أي قولوا: مسألتنا حطّة. قال ابن عباس: (أمروا بالاستغفار).وقيل: أمروا أن يقولوا لا إله إلا الله. وقيل: قولوا إنما قيل لنا حقّ. وقال قتادة: وحطّ عنا خطايانا. وعن ابن عباس أيضا: قيل معناه: قولوا: لا إله إلاّ الله؛ لأنّها تحطّ الذّنوب وما كان يحطّ الذّنوب فيصحّ أن يترجم عنه بحطّة. وذلك أنّهم كانوا قد أذنبوا بإبائهم دخول أريحا، فلما فصلوا عن التيه أحبّ الله أن يستنقذهم من الخطيئة. وحطّة: رفع على الحكاية في قول أبي عبيدة. وقال الزجّاج: (تقديره: مسألتنا حطّة) (٢).ومن قرأ «(حطّة)» بالنصب معناه: حطّ عنا ذنوبنا حطّة.

стр. 156

قوله تعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ،﴾ قرأ أهل المدينة بياء مضمومة؛ وأهل الشام بتاء مضمومة، والباقون بنون مفتوحة. ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥٨)؛إحسانا وثوابا. قوله : ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ؛﴾ أي خالفوا فقالوا: حطّا سمتانا (١)؛أي حنطة حمراء بلغتهم. قالوا هذا القول منهم استهزاء وتبديلا مكان القول الذي أمروا به أن يقولوا: حطّة. وقال الحسن: (أمروا أن يقولوا: حطّة، فقالوا: حنطة. وأمروا أن يدخلوا الباب ركّعا فدخلوا حبوا على أستاههم) (٢).وقيل: منحرفين. قال مجاهد: (طوطئ لهم الباب ليخفضوا رءوسهم فلم يخفضوا ولم يركعوا ودخلوا زحفا) (٣).وانتصب (قولا) على المصدر؛ أي وقالوا قولا غير الّذي قيل لهم. وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً؛﴾ أي عذابا، ﴿مِنَ السَّماءِ،﴾ أرسل الله عليهم طاعونا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا فجأة. وقيل: نزلت بهم نار فأحرقتهم لتبديلهم ما أمروا به. وقوله تعالى: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٥٩)؛أي يعصون ويخالفون ما أمر الله. قوله تعالى: ﴿*وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ؛﴾ أي سأل لهم السّقيا، وذلك أنّهم عطشوا في التّيه فقالوا: يا موسى من أين لنا الشراب، وكان قولهم له حال نزولهم في الأرض القفر بعد غرق فرعون؛ فاستسقى لهم موسى، ﴿فَقُلْنَا؛﴾ أي

стр. 157

فأوحى الله إليه: أن؛ ﴿اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ؛﴾ وكانت عصاه من آس الجنّة طولها عشرة أذرع على طول موسى؛ ولها شعبتان تتّقدان في الظلمة نورا، وكان آدم حملها معه من الجنّة إلى الأرض فتوارثتها الأنبياء صاغرا عن كابر حتى وصل إلى شعيب فأعطاها موسى. وأما الحجر الذي أمر موسى بضربه فقد اختلف فيه المفسرون، قال وهب بن منبه: كان موسى يضرب لهم أقرب حجر من عرض الحجارة؛ فتفجّر عيونا لكلّ سبط عينا، وكانوا اثنى عشر سبطا، ثمّ تسيل كلّ عين في جدول إلى السّبط الّذي أمر أن يسقيهم. ثم إنّهم قالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشا، فأوحي إليه: يا موسى، لا تقرعنّ الحجارة، ولكن كلّمها تطعك لعلهم يعتبرون. فقالوا: كيف بنا إذا أفضينا إلى الأرض التي ليس فيها حجارة؟ فحمل موسى معه حجرا، فحيثما نزلوا ألقاه. وقال آخرون: كان حجرا مخصوصا بعينه؛ والدليل على ذلك إدخال الألف واللام عليه وذلك للتعريف؛ ثم اختلفوا فيه ما هو؟ قال ابن عباس: (كان حجرا خفيفا مربّعا مثل رأس الرّجل يحمله معه، فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه وضربه بعصاه).وروي أنه كان رخاما. وقيل: كان حجرا فيه اثنا عشر حفرة تنبع من كل حفرة عين ماء عذب فرات؛ فإذا اتخذوا حاجتهم من الماء؛ وأراد موسى حمله ضربه بعصاه، فغار الماء وانقطع. وكان يسقي كلّ يوم ستمائة ألف. وقال سعيد بن جبير: (هو الّذي وضع موسى عليه ثوبه ليغتسل حين رموه بالأدرة؛ فنفر الحجر بثوبه ومرّ به على ملإ من بني إسرائيل حتّى علموا أنّه ليس بآدرّ؛ فلمّا وقف الحجر أتاه جبريل ﵇؛ فقال: يا موسى إنّ الله يقول لك: ارفع هذا الحجر فلي فيه قدرة ولك فيه معجزة. وقد ذكر الله تعالى ذلك في قوله: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا﴾ (١) فحمله موسى ووضعه

стр. 158

في مخلاته، وكان إذا احتاج إلى الماء ضربه بعصاه) (١). وقصّة ذلك الحجر ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة؛ ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؛ وكان موسى يغتسل وحده. فقالوا: ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلاّ أنّه أدرّ، فذهب يغتسل مرّة؛ فوضع ثوبه على حجر، ففرّ الحجر بثوبه، فجمح موسى بأثره يقول: ثوبي يا حجر ثوبي يا حجر، حتّى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى؛ فقالوا: والله ما بموسى من بأس فقام بعد ما نظر بنو إسرائيل إليه؛ فأخذ موسى ثوبه فطفق بالحجر ضربا] (٢). قيل: ضربه موسى اثنا عشر ضربة. وكان يظهر على كل ضربة مثل ثدي المرأة ثم يتفجّر بالأنهار المطّردة، فذلك قوله تعالى: ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً،﴾ وفي الآية إضمار واختصار؛ تقديره: ﴿(فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ)﴾؛ فضرب؛ ﴿(فَانْفَجَرَتْ)﴾ أي سالت. وأصل الانفجار: الانشقاق والانتشار، ومنه: فجر النّهار؛ لأنه ينشقّ من الظلام. وأما قوله في موضع آخر: ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ (٣) فالانبجاس: أوّل ما يتقاطر من الماء وينشقّ، والانفجار حين السيلان. وكان الانبجاس في أول القصة؛ والانفجار في آخرها. والانبجاس أقلّ من الانفجار. وقال بعضهم: هو حجر أمر الله موسى أن يأخذه من أسفل البحر حين مرّ فيه مع قومه. وقيل: إنه من الجنة. وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ؛﴾ أي موضع مشربهم؛ ويكون بمعنى المصدر مثل المدخل؛ والمخرج؛ والمطلع. وكان كل سبط يشربون من عين لا يخالطهم فيها غيرهم للعصبية التي كانت بينهم.

стр. 159

قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ؛﴾ أي قلنا: كلوا من المنّ والسلوى واشربوا من الماء؛ فهذا كله من رزق الله الذي يأتيكم به بلا مشقّة ولا مئونة ولا تعب. قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٦٠)،العيث والعثواء: شدّة الفساد؛ وإنّما جمع بين العيث والفساد وإن كان معناهما واحدا تأكيدا كما يقال: كذب وزور؛ وظلم وجور؛ أي قيل لهم: كلوا واشربوا ولا تسرعوا إلى الفساد في الأرض عاثيين. والدليل على أن العيث هو الفساد قول الشاعر (١): لولا الحياء وأنّ رأسي قد عثى ... فيه المشيب لزرت أمّ القاسم قوله : ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ؛﴾ وذلك أنّهم وحموا (٢) المنّ والسّلوى وملّوهما. قال الحسن: كانوا أناسا أهل كراش (٣)؛كرّاث؛ وأبصال؛ وأعداس؛ ففزعوا إلى عكرهم عكر السّوء؛ واشتاقت طبائعهم إلى ما جرت عليه عاداتهم؛ فقالوا: ﴿(لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ)﴾ يعنون به المنّ والسلوى. وإنما قال: ﴿(طَعامٍ واحِدٍ)﴾ وهما اثنان؛ لأن العرب تعبر عن الاثنين بلفظ الواحد؛ وعن الواحد بلفظ الاثنين؛ كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ (٤) وإنما يخرج من الملح دون العذب. وقال عبد الرحمن بن يزيد: (كانوا يعجنون المنّ والسّلوى ليصير طعاما واحدا فيأكلونه). قوله تعالى: ﴿فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها،﴾ قرأ يحيى بن وثّاب وطلحة بن مصرف: «(وقثائها)» بضم القاف، وهي

стр. 160

لغة تميم. قوله تعالى: ﴿وَفُومِها؛﴾ قال ابن عباس: (الفوم: الخبز) (١) تقول العرب: فوموا لنا؛ أي اخبزوا لنا. ويقال لسائر الحبوب الّتي تختبز: الفوم (٢).يقول الرجل لجاريته: فومي؛ أي اختبزي. وقال عطاء: هي الحنطة؛ وهي لغة قديمة. وقال الكلبي: هو الثّوم. قال حسّان: وأنتم أناس لئام الأصول ... طعامكم الفوم والحوقل يريد: الثوم والبصل. والعرب تعاقب بين الفاء والثاء. فتقول للحقير: حدث وحدف؛ ودليل هذا التأويل أنّها في مصحف عبد الله: (وثومها) بالثاء. قوله تعالى: ﴿وَعَدَسِها وَبَصَلِها؛﴾ قال رسول الله ﷺ : [عليكم بالعدس فإنّه مبارك مقدّس؛ وإنّه يرقّ القلب ويكثر الدّمع، وإنّه بارك فيه سبعون نبيّا آخرهم عيسى ﵇] (٣).فقال لهم موسى: ﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾. وفي مصحف أبيّ: ﴿(أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى)﴾ أي أخسّ وأردى ﴿(بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)﴾ يعني المنّ والسّلوى. وقوله تعالى: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ؛﴾ معناه إن أبيتم إلا ذلك فاهبطوا مصرا من الأمصار؛ ولو أراد مصرا بعينها لم يصرفه كقوله تعالى: ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ (٤).وقال الضحّاك: (هي مصر موسى وفرعون).ودليل هذا القول قراءة الحسن وطلحة: «(مصر)» بغير تنوين جعلاها معرفة؛ فاجتمع فيها التعريف والتأنيث من حيث أراد البقعة فلم ينصرف. قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ؛﴾ أي الذلّ والهوان بالجزية، ﴿وَالْمَسْكَنَةُ؛﴾ أي زيّ الفقر فتراهم كأنّهم فقراء وإن كانوا مياسير. وقيل: فقراء القبل فلا يرى في أهل الملل أذلّ ولا أحرص على المال من اليهود. قوله تعالى:

стр. 161

﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ؛﴾ أي رجعوا؛ وقيل: استحقّوا، والباء صلة. وقيل: احتملوا واقروا به، ومنه الدعاء المأثور: [أبوء بنعمتك عليّ؛ وأبوء بذنبي] (١). وغضب الله عليهم: ذمّه إياهم وتوعّده لهم في الدنيا، وإنزال العقوبة بهم العقبى. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ؛﴾ أي ذلك الغضب؛ ﴿بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ؛﴾ أي بصفة محمّد وآية الرجم في التوراة والإنجيل والفرقان. قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ؛﴾ قرأ السلمي: «(ويقتّلون)» بالتشديد؛ و «(النّبيّين)» في جميع القرآن بالتشديد من غير همزة، وتفرّد نافع بهمز «(النّبيئين)» فمن همز فمعناه: المخبر؛ من قول العرب: أنبأ ينبئ إنباء، ومن حذف الهمزة؛ فإنه أراده؛ لكن حذفه الهمزة طلبا للخفّة؛ لكثرة استعمالها. وقيل: لأنه بمعنى الرّفيع مأخوذ من النبوّة وهي المكان المرتفع. يقال: نبا الشيء بغير همز إذا ارتفع. وقوله تعالى: ﴿(وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)﴾ أي بلا جرم مثل زكريّا ويحيى وسائر من قتل اليهود من الأنبياء. وفي الخبر: أنّ اليهود قتلوا سبعين نبيّا في أوّل النهار، وقامت سوق بقلهم في آخر النهار. وقيل: قتلوا في يوم واحد ثلاثمائة نبيّ. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٦١)؛أي يتجاوزون أمري ويرتكبون محارمي. قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ أي إنّ الذين آمنوا بموسى والتوراة ثم لم يتهوّدوا؛ والذين آمنوا بعيسى ولم يقسموا بالنصرانيّة، ﴿وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصّابِئِينَ،﴾ أي والذين تهودوا وتنصّروا وتصابئوا، ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦٢).

стр. 162

اختلف العلماء في تسمية الذين هادوا بهذا الاسم؛ فقالوا: بعضهم سمّوا بذلك لأنّهم هادوا؛ أي تابوا من عبادة العجل، قوله تعالى: إخبارا عنهم: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ (١) أي تبنا. وقال بعضهم: لأنّهم هادوا؛ أي مالوا عن الإسلام وعن دين موسى ﵇؛ يقال: هاد يهود هودا؛ إذا مال. واختلفوا أيضا في تسمية النّصارى بذلك؛ قال مقاتل: (لأنّ أصلهم من قرية يقال لها ناصرة؛ كان ينزلها عيسى وأمّه؛ فنسبوا إليها).وقال الزّهريّ: (سمّوا بذلك لأنّ الحواريّين قالوا: نحن أنصار الله). «(والصّابيين)» قرأ أهل المدينة بترك الهمزة. وقرأ الباقون بالهمزة وهو الأصل. يقال: صبا يصبوا صبوا، إذا مال وخرج من دين إلى دين. واختلفوا في الصابئين من هم؟ فقال عمر: هم طائفة من أهل الكتاب ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب؛ وبه قال السديّ. وقال ابن عباس: (لا دين لهم؛ ولا تحلّ ذبائحهم؛ ولا مناكحة نسائهم).وقال مجاهد: (قبيلة نحو الشّام بين اليهود والمجوس لا دين لهم؛ وكان لا يراهم من أهل الكتاب).وقال مقاتل وقتادة: (هم يقرّون بالله؛ ويعبدون الملائكة؛ ويقرءون الزّبور؛ ويصلّون إلى الكعبة، أخذوا من كلّ دين شيئا). وقال الكلبيّ: (هم قوم بين اليهود والنّصارى يحلقون أوساط رءوسهم ويحنّون مذاكيرهم).وقال عبد العزيز بن يحيى: (قد انقرضوا فلا عين ولا أثر). قوله تعالى: ﴿(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا)﴾ أي على التحقيق وعقد التصديق؛ وهم الذين آمنوا بعيسى ثم لم يتهوّدوا ولم يتنصّروا ولم يتصابئوا؛ وانتظروا خروج محمّد ﷺ قبل مبعثه. وقيل: هم طلاب الدّين؛ منهم حبيب النجار؛ وقسّ بن ساعدة؛ وورقة بن نوفل؛ وزيد بن عمرو بن نفيل؛ وأبو ذرّ الغفاريّ؛ وسلمان الفارسي؛ وبحيرا الراهب، آمنوا بالنبيّ ﷺ قبل مبعثه؛ فمنهم من أدركه وتابعه ومنهم من لم يدركه. وقيل: هم مؤمنو الأمم الماضية. وقيل: هم المؤمنون من هذه الأمّة.

стр. 163

قوله: ﴿(وَالَّذِينَ هادُوا)﴾ أي الذين كانوا على دين موسى ولم يبدّلوا ولم يغيّروا. (والنّصارى) الذين كانوا على دين عيسى ولم يبدّلوا وماتوا على ذلك، ﴿(وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)﴾ من مات منهم وهو مؤمن. وقوله تعالى: ﴿(وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ)،﴾ إنّما ذكره بلفظ الجمع؛ لأن لفظة (من) تصلح للواحد؛ والاثنين؛ والجمع؛ والمذكّر؛ والمؤنث، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (١) ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ (٢).قال الفرزدق في التّثنية (٣): تعال فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان فإن قيل: ما معنى إعطاء أجر المؤمن وهو عامل لنفسه؟ قيل: لمّا حمل على نفسه المشقّة وحرمها شهواتها؛ فآجره في الآخرة عوضا عما فاته من اللّذّات في الدّنيا. وقوله تعالى: ﴿(وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)؛﴾ فيما تعاطوا من الحرام، ﴿(وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)،﴾ على ما اقترفوا من الآثام، لما سبق لهم في الإسلام. وقيل: ﴿(لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)﴾ في الكبائر فأنا أغفرها، ﴿(وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)﴾ على الصغائر فإنّي أكفّرها. قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ؛﴾ أي ﴿(وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ)﴾ يا معشر اليهود ﴿(وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ)﴾ وهو الجبل بالسّريانية في قول بعضهم. وقالوا: ليس من لغة في الدّنيا إلاّ وهي في القرآن! وقال الحذّاق من العلماء: لا يجوز أن يكون في القرآن لغة غير لغة العرب؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ (٤) وقال: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ﴾ (٥) وإنّما قال هذا وأشباهه وفاقا وقع بين اللّغتين؛ وقد وجدنا الطّور في كلام العرب، قال جرير: فإن ترسل ما الجنّ نسوا بها ... وإن يرسل ما صاحب الطّور ينزل

стр. 164

والمأخوذ عليهم ميثاقان؛ الأوّل: حين أخرجهم من صلب آدم كالذّرّ. والثاني: الذي أخذ عليهم في التوراة وسائر الكتب. والمراد في هذه الآية الثاني؛ وذلك أنّ الله تعالى أنزل التوراة فأمر موسى قومه بالعمل بأحكامها فأبوا أن يقبلوا ويعملوا بها للآصار والأثقال التي كانت فيها، وكانت شريعته ثقيلة فأمر الله جبريل فقطع جبلا على قدر عسكرهم؛ وكان فرسخا في فرسخ، فرفعه فوق رءوسهم مقدار قامة الرّجل. عن ابن عبّاس: (أمر الله جبلا من جبال فلسطين فانقطع من أصله حتّى قام على رءوسهم مثل الظّلّة).وقال عطاء: (رفع الله فوق رءوسهم الطّور، وبعث نارا من قبل وجوههم؛ وأتاهم البحر الملح من خلفهم).وقيل لهم: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ؛﴾ أي اقبلوا ما آتيناكم بجدّ ومواظبة في طاعة الله تعالى. وفيه إضمار؛ أي وقلنا لهم خذوا. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا ما فِيهِ؛﴾ أي احفظوه واعملوا بما فيه. وقيل: معناه: واذكروا ما فيه من الثواب والعقاب. وفي حرف أبي بكر: (وادّكروا) بدال مشدّدة وكسر الكاف. وفي حرف عبد الله: (وتذكّروا ما فيه) ومعناهما اتّعظوا به. قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٦٣)؛أي لكي تنجوا من العذاب في العقبى والهلاك في الدّنيا إن قبلتموه وفعلتم ما أمرتم به؛ وإلا وضحتكم بهذا الجبل وأغرقتكم في البحر وأحرقتكم بهذه النار. فلما رأوا أن لا مهرب منه قبلوا ذلك وسجدوا خوفا، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود مخافة أن يقع عليهم؛ فصارت صفة في اليهود لا يسجدون إلاّ على أنصاف وجوههم؛ فلمّا رأوا الجبل قالوا: يا موسى سمعنا وأطعنا ولولا الجبل ما أطعنا. قوله : ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ؛﴾ أي أعرضتم وعصيتم من بعد أخذ الميثاق ورفع الجبل، ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ،﴾ بتأخير العذاب عنكم، ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٦٤)؛أي لصرتم من المغبونين في العقوبة وذهاب الدّنيا والآخرة.

стр. 165

قوله : ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ؛﴾ وذلك أنّهم كانوا في زمن داود بأرض يقال لها: أيلية على ساحل البحر بين المدينة والشّام، وكانت مسكن بني إسرائيل. وكان الله قد حرّم عليهم صيد السّمك يوم السبت، وكان إذا دخل يوم السبت لم يبق حوت إلا اجتمع هناك حتى يخرجن خراطيمهن من الماء لأمنها في ذلك اليوم. فإذا مضى يوم السبت تفرّقن ولم يخرجن ولزمن لجّة البحر، فذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ (١) فعمد رجال فحفروا حفيرة عشيّة الجمعة حيث يدخل السمك وساقوا إليها الماء من البحر، فأقبل الموج بالحيتان فحبسوا السّمك فيها يوم السبت، وأخذوا منها ليلة الأحد ويوم الأحد، وقالوا: نحن لا نصطاد يوم السبت. وكان في القرية نحوا من سبعين ألفا؛ فصنف منهم أمسك عن الاصطياد ونهى؛ وصنف أمسك ولم ينه؛ وصنف منهم انتهوا؛ وصنف منهم انتهكوا الحرمة. وكان الذين نهوا اثني عشر ألفا؛ فلما أبى المجرمون قبول نصحهم قال النّاهون: والله لاساكنّاكم في قرية واحدة، فقسّموا القرية بجدار ولعنهم داود ﵇ وغضب الله لإصرارهم على المعصية، فخرج النّاهون ذات يوم من بابهم، والمجرمون لم يفتحوا بابهم ولا خرج منهم أحد؛ فلما أبطئوا تسوّروا عليهم الحائط فإذا هم جميعا قردة. فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا. ولم يمكث ممسوخ مسخ فوق ثلاثة أيام، ولم يتوالدوا، فذلك قوله تعالى: ﴿فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ (٦٥)؛أي صاغرين مطرودين بلغة كنانة، قاله مجاهد وقتادة والربيع. وقال أبو روق: يعني (خرسا لا يتكلّمون)،دليله قوله تعالى: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ (٢).وقيل: مبعدون من كلّ خير، روي عن ابن مسعود: (أنّهم لم يلدوا بعد ما مسخوا) قال: (ولذلك الممسوخ لا يكون له نسل).وقيل: إنّهم كانوا رجالا ونساء فمسخهم الله تعالى الذكر ذكر والأنثى أنثى؛ وكانوا يتعاوون، وكان تسيل

стр. 166

دموعهم ولم يأكلوا ولم يشربوا، ثم أهلكهم الله تعالى. فجاءت ريح فهبّت بهم وألقتهم في الماء، وما مسخ الله تعالى أمّة إلا أهلكها. قوله : ﴿فَجَعَلْناها نَكالاً؛﴾ أي القردة؛ وقيل: المسخة؛ وقيل: العقوبة؛ وقيل: القرية. وقوله تعالى: ﴿(نَكالاً)﴾ أي عقوبة وعبرة وفضيحة، ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها؛﴾ أي عقوبة لما مضى من ذنوبهم وعبرة لمن بعدهم. وقال قتادة: (معناه جعلنا تلك العقوبة جزاء لما تقدّم من ذنوبهم قبل نهيهم عن الصّيد؛ وما خلفها من العصيان بأخذ الحيتان بعد النّهي).وقيل: لما بين يديها من عقوبة الآخرة؛ وما بعدها من فضيحة في دنياهم، فتذكرون بها إلى يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٦٦)؛أي عظة وعبرة للمؤمنين من أمّة محمّد ﷺ الذين يتّقون الشّرك والكبائر والفواحش، فلا يفعلون مثل فعلهم. قوله : ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً؛﴾ هذه الآية نزلت بعد قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيها﴾ (١) وإن كانت مقدّمة في التلاوة؛ لأن قتل النفس كان قبل ذبح البقرة. والقصّة فيه ما روي: أنّ بني إسرائيل قيل لهم في التّوراة: أيّما قتيل وجد بين قريتين فليقس إلى أيّهما أقرب؛ ثمّ ليؤخذ لأهل تلك القرية وليحلف خمسون شيخا من شيوخهم بالله ما قتلوه ولا علموا له قاتلا. فقتل رجلان من بني إسرائيل ابن عمّ لهما اسمه عاميل ليرثاه؛ وكانت لهما ابنة عمّ حسنة، فخافا أن ينكحها؛ فقتلاه لذلك وحملاه إلى جانب قرية فأخذ أهل تلك القرية به فجاءوا إلى موسى ﵇، وقالوا: أدع الله تعالى أن يطلعنا على قاتله، فأوحى الله إليه: امرهم أن يذبحوا بقرة، فأمرهم بذلك ليضرب المقتول ببعض تلك البقرة فيحيى فيخبرهم بمن قتله. ف: ﴿قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً؛﴾ أي تستهزئ بنا يا موسى حين سألناك عن القتل وتأمرنا بذبح بقرة!! وإنّما قالوا ذلك لتباعد الأمرين في الظاهر؛ ولم يدروا ما الحكمة فيه.

стр. 167

وقرأ ابن محيصن: «(أيتّخذنا)» بالياء يعنون الله . ولا يستبعد هذا من جهلهم؛ لأنّهم هم الذين قالوا: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (١).وفي قوله : ﴿(هُزُواً)﴾ ثلاث لغات: (هزوا) بالتخفيف والهمز ومثله كفوا؛ وهي قراءة الأعمش وحمزة وخلف. و «(هزؤا)» و «(كفؤّا)» مهموزان مثقّلان، وهي قراءة أبي عمرو وأهل الحجاز والشام والكسائي. وهزوا وكفوا مثقّلان بغير همز هي قراءة حفص عن عاصم، وكلها لغات صحيحة فصيحة معناها الاستهزاء. ف: ﴿قالَ؛﴾ لهم موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٦٧)؛ أي أمتنع بالله أن أكون من المستهزءين بالمؤمنين. فلمّا علم القوم أن ذبح البقرة عزم من الله، ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ،﴾ أي ما هذه البقرة؛ كبيرة أم صغيرة؟ وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [والّذي نفس محمّد بيده؛ لو أنّهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزت، ولكن شدّدوا على أنفسهم بالمسألة فشدّد الله عليهم] (٢).إنّما كان تشديدهم تقديرا من الله وحكمة منه. وكان السبب فيه: أن رجلا من بني إسرائيل كان بارّا بأبويه، وبلغ من برّه أنّ رجلا أتاه بلؤلؤة فابتاعها بخمسين ألفا، وكان فيها فضل. فقال: إن أبي نائم ومفتاح الصندوق تحت رأسه، فأمهلني حتى يستيقظ وأعطيك الثمن. قال: فأيقظه وأعطني الثمن. قال: ما كنت لأفعل، قال: أزيدك عشرة آلاف إن أيقظت أباك وعجّلت النقد. فقال: وأنا أزيدك عشرين ألفا إن انتظرت انتباه أبي؛ ففعل ولم يوقظ الرجل أباه؛ فأعقبه الله ببرّه أباه أن جعل البقرة تلك بعينها عنده. وأمر بني إسرائيل أن يذبحوا تلك البقرة بعينها.

стр. 168

وقال ابن عبّاس: (كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل؛ وكان له عجلة، فأتى بالعجلة إلى غيضة؛ وقال: اللهمّ إنّي أستودعك هذه العجلة لابني حتّى يكبر. ومات الرّجل فنشأت العجلة في الغيضة وصارت عوانا؛ وكانت تهرب من كلّ من رآها، فلمّا كبر الابن وكان بارّا بأمّه، كان يقسم اللّيلة أثلاثا؛ يصلّي ثلثا؛ وينام ثلثا؛ ويجلس عند رأس أمّه ثلثا، فإذا أصبح ذهب يحتطب على ظهره ويبيعه في السّوق، ثمّ يتصدّق بثلثه؛ ويأكل ثلثه؛ ويعطي أمّه ثلثه. فقالت له أمّه يوما: إنّ أباك ورّثك عجلة، وذهب بها إلى غيضة كذا واستودعها الله، فانطلق إليها وادع إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب أن يردّها عليك؛ فإنّ من علامتها أنّك إذا نظرت إليها يخيّل إليك أنّ شعاع الشّمس يخرج من جلدها. وكانت تسمّى المذهّبة لحسنها وصفرتها وصفاء لونها. فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى؛ فصاح بها وقال: أعزم عليك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، فأقبلت تسعى حتّى قامت بين يديه؛ فقبض على عنقها وقادها. فتكلّمت البقرة بإذن الله تعالى؛ وقالت: أيّها الفتى البارّ بوالديه! اركبني فإنّ ذلك أهون عليك. قال: إنّ أمّي لم تأمرني بذلك! ولكن قالت: قودها بعنقها، فقالت: وحقّ إله بني إسرائيل؛ لو ركبتني ما كنت تقدر عليّ أبدا، فانطلق فإنّك لو أمرت الجبل أن ينقطع من أصله وينطلق معك لفعل لبرّك بأمّك! فجاء بها إلى أمّه فقالت له: يا بنيّ إنّك فقير؛ وشقّ عليك الاحتطاب بالنّهار؛ والقيام باللّيل، فاذهب وبع هذه البقرة فخذ ثمنها. فقال: بكم؟ فقالت: بثلاثة دنانير؛ ولا تبعها بغير رضاي ومشورتي! وكان ثمن البقرة في ذلك الوقت ثلاثة دنانير. فانطلق بها إلى السّوق، فبعث الله ملكا في صورة بشر ليختبر كيف برّ الفتى بوالديه! فقال الملك: بكم تبيع هذه البقرة؟ قال: بثلاثة دنانير؛ وأشرط عليك رضى والدتي. فقال الملك: بستّة دنانير؛ ولا تستأذن أمّك. فقال: لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلاّ برضاء والدتي! فردّها إلى أمّه. فقالت: بعها بستّة دنانير على رضى منّي. فانطلق بها وقال للملك: إنّها أمرتني أن لا أنقصها من ستّة دنانير على أن أستأمرها. فقال الملك: أنا أعطيك اثنى عشر على أن لا تستأمرها، فأبى، ورجع إلى أمّه

стр. 169

فأخبرها بذلك. فقالت: يا بنيّ إنّ الّذي يأتيك ملك في صورة بشر؛ فقل له: أتأمرنا أن نبيعها أم لا؟ فأتى إليه؛ فقال له ما قالت أمّه. فقال له: اذهب إلى أمّك وقل لها: أمسكي هذه البقرة، فإنّ موسى يشتريها منكم لقتيل يقتل من بني إسرائيل، فلا تبيعوها إلاّ بملء مشكها ذهبا. وقدّر الله على بني إسرائيل ذبحها مكافأة له على برّ والديه فضلا منه ورحمة). وروي أنّها كانت لرجل يبيع الجوهر، فجاءه إبليس بجراب من اللّؤلؤ يساوي مائتي ألف، فعرضه عليه بمائة ألف، فوجد الجوهريّ المفتاح تحت رأس أبيه وهو نائم، وقال: كيف أوقظ أبي لربح مائة ألف؟! فكره أن يوقظه، فرجع وقال: إنّ أبي نائم والمفتاح تحت رأسه. فقال له إبليس: اذهب أيقظه فأنا أبيعك بخمسين ألفا. فذهب فلم يحتمل قلبه ذلك، فرجع، فلم يزل إبليس يحطّ من الثمن حتى بلغ عشرة دراهم، فلم يوقظ أباه وترك الشراء، فجعل الله في ماله البركة حتى اشتروا بقرته بملء مشكها ذهبا. قوله : ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ؛﴾ وفي مصحف عبد الله: «(سل لنا ربّك يبيّن لنا)».ومعنى الآية: ﴿(قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما)﴾ سنّها؟. ﴿(قالَ)﴾ موسى: ﴿(إِنَّهُ)﴾ يعني الله ﴿(يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ)﴾ لا كبيرة ولا صغيرة. وارتفع (فارض) و (بكر) بإضمار (هي)؛أي لا هي فارض ولا هي بكر. قال مجاهد والأخفش: (الفارض: الكبيرة المسنّة الّتي لم تلد. والبكر: الفتيّة الصّغيرة الّتي لم تلد).قال السديّ: (البكر: الّتي لم تلد قطّ إلاّ واحدا).وقيل: معناه لا فارض؛ أي ليست بكبيرة قد ولدت بطونا كثيرة، ولا بكرا؛ أي لم تلد. قوله تعالى: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ؛﴾ أي وسط بين الصغيرة والكبيرة قد ولدت بطنا أو بطنين؛ وجمعها عون. قوله تعالى: ﴿فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ (٦٨)؛أي افعلوا ما تؤمرون به من الذّبح، ولا تكثروا السؤال. ثم عادوا في السؤال ف: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها؛﴾ موضع (ما) رفع بالابتداء؛ و (لونها) خبره. وقرأ الضحّاك: «(ما لونها)» نصبا كأنه

стр. 170

أعمل فيه التبيين وجعل (ما) صلة. ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها؛﴾ قيل: يعني سوداء مثل قوله: ﴿جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ (١) أي سود، كذا قال الحسن. والعرب تسمي الأسود أصفر. قال الشاعر (٢): تلك خيلي منه وتلك ركابي ... هنّ صفر أولادها كالزّبيب والصحيح: أنّها صفراء؛ لأن السوداء لا تؤكّد بالفاقع، وإنّما تؤكّد بالحالك، يقال في المبالغة في الوصف: أصفر فاقع؛ وأحمر قان؛ وأسود حالك؛ وأخضر ناضر؛ وأبيض ناصع. ويقال: أبيض نقيّ، فمعنى (فاقع) أي صاف شديد الصّفرة. وقال ابن عبّاس: (صفراء فاقع لونها شديدة الصّفرة).وقال العتيبيّ: (غلط من قال: الصّفراء هاهنا السّوداء؛ لأنّ هذا غلط في نعوت البقر، وإنّما هو في نعوت الإبل). قوله تعالى: ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ (٦٩)؛أي تعجب الناظرين إليها؛ لتمام خلقها؛ وكمال حسنها؛ ونصوع لونها. قال عليّ ﵁: (من لبس نعلا صفراء قلّ همّه؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾).فإن قيل: لم أمروا بذبح البقرة دون غيرها؟ قيل: لأن القربان تكون من الإبل والبقر والغنم؛ وكانوا يحرّمون لحم الإبل؛ كما قال تعالى: ﴿إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ (٣) يعني لحوم الإبل؛ وكان ذبح البقرة أفضل من ذبح الغنم فخصّت بذلك. قوله : ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ؛﴾ أسائمة أم عاملة؟ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا؛﴾ هذه قراءة العامة؛ وقرأ محمّد الأمويّ (٤): (إنّ الباقر) هو جمع البقر. قال قطرب: يقال في جمع البقرة: بقر وباقر وباقور وبقور. فإن قيل: لم قال (تشابه) والبقر جمع؛ ولم يقل تشابهت؟ قيل: فيه

стр. 171

ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ذكّر لتذكير لفظ البقر كقوله: ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (١). وسئل عن هذا سيبويه فقال: (كلّ جمع حروفه أقلّ من حروف لفظ واحده؛ فإنّ العرب تذكّره).وقال الزجّاج: (معناه أنّه أراد جنس البقر). وقوله تعالى: ﴿(تَشابَهَ)﴾ فيه سبع قراءات: «(تشابه)» بفتح التاء والهاء وتخفيف الشّين؛ وهي قراءة العامّة. وقراءة الحسن: «(تشابه)» بالتخفيف وهاء مضمومة؛ يعني تتشابه. وقراءة الأعرج: «(تشابه)» بفتح التاء والتشديد وضمّ الهاء على معنى: تتشابه. وقرأ مجاهد: «(تشّبّه)» كقراءة الأعرج إلا أنه بغير ألف. وفي مصحف أبيّ: (تشابهت) أنّثه لتأنيث البقر. وقرأ ابن إسحاق: «(تشّابهت)» بالتشديد (٢).وقرأ الأعمش: «(متشابه)». قوله تعالى: ﴿وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ (٧٠)؛يعني إلى وصفها. قال رسول الله ﷺ : [واسم الله لو لم يستثنوا لما بيّنت لهم إلى آخر الأبد] (٣). قوله تعالى: ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ؛﴾ أي لا مذلّلة بالعمل، ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ؛﴾ أي ليست بحراثة، ﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ؛﴾ أي ليست ناضحة لا يسقى عليها الزرع. قوله تعالى: ﴿مُسَلَّمَةٌ؛﴾ أي بريّة من العيوب. وقال الحسن: (مسلّمة القوائم ليس فيها أثر العمل).قوله تعالى: ﴿لا شِيَةَ فِيها؛﴾ أي لا عيب فيها. وقال قتادة: (لا بياض فيها أصلا).وقال مجاهد: (لا بياض فيها ولا سواد).وقيل: ليس فيها لون يفارق سائر لونها. والذّلول في الدواب: بمنزلة الذليل في الناس؛ يقال: رجل ذليل؛ ودابّة ذلول. وقوله تعالى: ﴿قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي بالوصف البيّن التامّ؛ فطلبوها؛ فلم يجدوها بكمال وصفها إلا عند الفتى البارّ بوالديه؛ فاشتروها منه بملء

стр. 172

مشكها (١) ذهبا. وقال السديّ: (بوزنها عشر مرّات ذهبا).وقوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٧١)؛أي من غلاء ثمنها. وقيل: وما كادوا يجدونها باجتماع أوصافها. وقيل: لأن كلّ واحد منهم خشي أن يكون القاتل من قبيلته. قوله : ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيها؛﴾ يعني: عاميل. وهذه الآية أوّل القصّة؛ ومعناها: واذكروا إذ قتلتم نفسا فادّارأتم فيها؛ أي اختلفتم فيها، كذا قال ابن عبّاس ومجاهد؛ ومنه قول النبيّ ﷺ : [كنت خير شريك لا تداري ولا تماري] (٢).وقال الضحّاك: (﴿فَادّارَأْتُمْ فِيها﴾؛أي اختصمتم).وقال عبد العزيز بن يحيى: (شككتم).وقال الربيع: (تدافعتم).وأصل الدّرء الدفع. يعني إلقاء ذاك على هذا؛ وهذا على ذاك يدافع كلّ واحد عن نفسه كقوله: ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٧٢)؛أي مظهر ما كتمتم من أمر القاتل. قوله : ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها؛﴾ أي اضربوا المقتول ببعض البقرة؛ أي بعضو منها. واختلفوا في هذا البعض ما هو؟ فقال ابن عبّاس: (العضو الّذي يلي الغضروف وهو المقتل).وقال الضحّاك: (بلسانها).وقال سعيد بن جبير: (معجب ذنبها؛ وهو العصعص؛ لأنّه أساس البدن الّذي ركّب عليه؛ وهو أوّل ما يخلق وآخر ما يبلى).وقال مجاهد: (بدنها).وقيل: بفخذها. وقيل: فخذها الأيمن. وقال السديّ: (البضعة الّتي بين كتفيها).ففعلوا ذلك، فلما ضربوه قام القتيل حيّا

стр. 173

بإذن الله تعالى وأوداجه تشخب دما. فسألوه: من قتلك فقال: فلان وفلان؛ لابني عمّ له. ثم اضطجع ميتا. فأخذا فقتلا. وفي الآية اختصار تقديره: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ فضربوه فحيى. قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى؛﴾ أي كما أحيا عاميل بعد موته كذلك يحيي الله الموتى. ﴿وَيُرِيكُمْ آياتِهِ؛﴾ أي عجائب قدرته ودلالته، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٧٣)؛أي لكي تفهموا إحياء الموتى وغير ذلك. قال الواقديّ (١): (كلّ شيء في القرآن (لعلّكم) فهو بمعنى (لكي) غير الّذي في الشّعراء: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ (٢) فإنّه بمعنى كأنّكم تخلدون فلا تموتون) (٣). والله تعالى كان قادرا على إحيائه بغير هذا السبب؛ إلا أنّ الله أمرهم بذلك؛ لأن إحياء الميت بالميت آكد دليلا وأبين قدرة. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ،﴾ قال الكلبي: قالوا بعد ذلك: لم نقتله نحن؛ وأنكروا؛ ولم يكن أعمى قلبا ولا أشدّ تكذيبا منهم لنبيّهم عند ذلك، فقال الله تعالى: ﴿(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ)﴾. قال الكلبيّ: (قست؛ أي يبست وفسدت).وقال أبو عبيد: (حقدت).وقال الواقديّ: (جفّت فلم تلن).وقيل: اسودّت. وقال الزجّاج: (تأويل القسوة ذهاب اللّين والخشوع والخضوع).وقيل: قست؛ أي غلظت. وقوله تعالى: ﴿(مِنْ بَعْدِ ذلِكَ)﴾ أي من بعد إحياء الميت. وقيل: من بعد هذه الآيات التي تقدّمت من مسخ القردة والخنازير؛ ورفع الجبل؛ وخروج الأنهار من الحجر؛ وغير ذلك. ﴿فَهِيَ كَالْحِجارَةِ؛﴾ في غلظها وشدّتها ويبسها؛

стр. 174

﴿أَوْ أَشَدُّ؛﴾ يبسا وغلظا. ومعنى (أو أشدّ):بل أشدّ، كقوله: ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ (١).وقيل: (أو) بمعنى الواو؛ أي وأشدّ، ﴿قَسْوَةً،﴾ وقوله تعالى: ﴿بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ﴾ (٢) ومثل: ﴿لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ (٣)،وقوله تعالى: ﴿آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ (٤).وقرأ أبو حيوة: «(أو أشدّ قساوة)». ثم عذر الله الحجارة وفضّلها على القلب القاسي، فأخبر أنّ منها ما يكون فيه رطوبة؛ وأنّ منها لما يتردّى من أعلى الجبل إلى أسفله مخافة الله فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ،﴾ وقرأ مالك بن دينار: «(نتفجّر)» بالنون كقوله ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾. وفي مصحف أبيّ «(منها الأنهار)» ردّ الكناية إلى الحجارة. ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ ٥ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ،﴾ قرأ الأعمش: «(يتشقّق)». وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ؛﴾ أي ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله من خشية الله؛ وقلوبكم يا معشر اليهود لا تلين ولا تخشع ولا تأتي بخير. قيل: لا يهبط من الجبال حجر بغير سبب ظاهر إلا وهو مجعول فيه التمييز. قوله تعالى: ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٧٤)؛وعيد وتهديد؛ أي ما الله بتارك عقوبة ما تعملون؛ بل يجازيكم به. قوله تعالى: ﴿*أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ؛﴾ خطاب للنبيّ ﷺ وأصحابه: أفترجون أيّها المؤمنون أن تصدّقكم اليهود فيما آتاكم به نبيكم محمّد، ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ؛﴾ أي طائفة، ﴿مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ؛﴾؛يعني التوراة، ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ؛﴾ أي يغيّرونه، ﴿مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ؛﴾ أي من بعد ما فهموه وعلموه كما غيّروا آية الرّجم وصفة النبيّ ﷺ . وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧٥) (٦)؛أي وهم يعلمون أنّهم كاذبون، هذا قول مجاهد وعكرمة والسديّ وقتادة.

стр. 175

وقال ابن عبّاس ومقاتل والكلبيّ: (نزلت هذه الآية في السّبعين الّذين اختارهم موسى لميقات ربه لمّا أخذتهم الرّجفة وأحياهم الله تعالى بدعاء موسى؛ حين قالوا: يا موسى أسمعنا كلام الله؟ فطلب ذلك؛ فأجابه الله: مرهم أن يتطهّروا ويطهّروا ثيابهم ويصوموا؛ ففعلوا، ثمّ خرج بهم موسى حتّى أتوا الطّور؛ فلمّا غشيهم الغمام سمعوا صوتا كصوت الشّبّور (١)؛فسجدوا، فسمعوا كلام الله يقول: (إنّي أنا الله ربّكم لا إله إلاّ أنا الحيّ القيّوم، لا تعبدوا إلها غيري ولا تشركوا بي شيئا؛ وأوصيكم ببرّ الوالدين؛ وأن لا تحلفوني كاذبين؛ ولا تزنوا؛ ولا تسرقوا؛ ولا يقتل بعضكم بعضا؛ ولا يشهد بعضكم على بعض شهادة زور؛ وأطعموا المساكين؛ وصلوا القرابة؛ ولا تظلموا اليتيم؛ ولا تقهروا الضّعيف) (٢). فلمّا سمعوا خرجت أرواحهم ثمّ ردّت إليهم. فقالوا: يا موسى إنّا لا نطيق أن نسمع كلام الله يقول في آخر كلامه: (إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا، ولا بأس).والمعنى بهذه الآية تقرّ به الصحابة في أنّ اليهود إن كذّبوا النبيّ فلهم سابقة في الكفر والتّحريف. قوله : ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا؛﴾ قرأ ابن السّميقع «(وإذا لاقوا)» قيل: يعني المنافقين من أهل الكتاب في وقت موسى؛ فإنه كان في قومه منافقون، كما في أمّتنا. وقيل: المراد به منافقو هذه الأمة، وإنّما ذكرهم الله تعالى هنا مع اليهود؛ لأن أكثرهم كانوا منهم من اليهود قبل مبعث النبيّ ﷺ . معناه: ﴿(وَإِذا لَقُوا)﴾ المنافقون من اليهود ﴿(الَّذِينَ آمَنُوا)﴾،يعني أبا بكر وأصحابه من المؤمنين. قالوا: ﴿(آمَنّا)﴾ كإيمانكم وشهدنا بأن محمّدا صادق ونجده في كتابنا بنعته وصفته، ﴿وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ،﴾ أي وإذا خلوا إلى رؤسائهم، ﴿قالُوا؛﴾ قال لهم رؤساؤهم-كعب بن أشرف؛ وكعب بن أسد؛ ووهب بن

стр. 176

يهودا، وغيرهم-من رؤساء اليهود: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ؛﴾ أي تخبرونهم أنّهم على الحقّ ليكون لهم الحجّة عليكم عند الله في الدنيا والآخرة إذ كنتم مقرّين بصحة أمرهم ولم تتّبعوهم. وقال الكلبيّ: (معناه: أتحدّثونهم بما قضى الله عليكم في كتابكم أنّ محمّدا حقّ وقوله صدق).ومنه قيل للقاضي: الفتّاح. وقال الكسائيّ: بما بيّنه الله لكم. وقال الواقديّ: بما أنزل الله عليكم؛ نظيره: ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ﴾ (١)؛أي أنزلنا. وقال أبو عبيد والأخفش: (بما منّ الله عليكم وأعطاكم). قوله تعالى: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ؛﴾ أي ليخاصموكم ويحتجّوا بقولكم عليكم عند ربكم. وقال بعضهم: هو أن الرجل من المسلمين يلقى قرينه وصديقه من اليهود فيسأله عن أمر محمّد ﷺ فيقول: إنه حقّ وهو نبيّ؛ فيرجعون إلى رؤسائهم فيلومونهم على ذلك. وقيل: إن كعب بن الأشرف وغيره من رؤساء الكفار كانوا يقولون لعبد الله بن أبي وأصحابه: إذا أقررتم بنبوّة هذا النبيّ وأنّ ذكره في التوراة حقّ؛ تأكّدت حجته عليكم. وقال مجاهد: (إنّ النّبيّ ﷺ سبّ يهود بني قريظة؛ فقال لهم: [يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة الطّاغوت] فقال بعضهم لبعض: من أخبر محمّدا بهذا؟ ما سمعه إلاّ منكم؛ أو ما خرج إلاّ منكم!) (٢). وأصل الفتح: فتح المغلق؛ ثم استعمل في مواضع كثيرة من فتح البلدان؛ وفتحك على القارئ. وقد يكون الفتح بمعنى الحكم؛ كما في هذه الآية ومنه قوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا﴾ (٣).ويسمّى القاضي: الفاتح بلغة عثمان. وقد يكون الفتح بمعنى النّصر مثل قوله تعالى: ﴿وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤) أي يطلبون النّصرة عليهم. وقوله تعالى: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٧٦)؛أي أفليس لكم ذهن الإنسانيّة.

стр. 177

قوله تعالى: ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ (٧٧) أي ما يسرّون من تكذيب النبيّ ﷺ فيما بينهم، وما يعلنون مع الصّحابة من التصديق. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ؛﴾ أي ومن اليهود من لا يحسن القراءة ولا الكتابة إلا أن يحدثهم كبارهم بشيء فيظنّونه حقّا؛ فيصدقونهم وهو كذب. قوله تعالى: ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ﴾. اختلفوا في معنى الأماني، قال الكلبيّ: معناه لا يعلمون إلاّ ما يحدّثهم به علماؤهم. وقال أبو روق: (القراءة من ظهر القلب ولا يقرءون في الكتب) ودليل هذا قوله تعالى: ﴿إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (١) أي إلاّ إذا قرأ ألقى الشّيطان في قراءته. قال الشاعر (٢): تمنّى كتاب الله أوّل ليلة ... وآخره لاقى حمام المقادر وقال مجاهد: (الأمانيّ الكذب والأباطيل؛ كقول عثمان ﵁: (ما تمنّيت منذ أسلمت) أي ما كذبت).وأراد بالأمانيّ الأشياء التي كتبها علماؤهم من عند أنفسهم ثم أضافوها إلى الله تعالى من تغيير صفة النبيّ ﷺ . وقال الحسن: (معنى: يتمنّون على الله الكذب والباطل مثل قوله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً﴾ (٣) وقوله: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى﴾ (٤) وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ (٥)). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ (٧٨)؛أي ما هم إلاّ يظنّون ظنّا وتوهّما لا حقيقة ويقينا، قاله قتادة والربيع. وقال مجاهد: معناه: (وإن هم إلاّ يكذبون). قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ؛﴾ نزلت هذه الآية في علماء اليهود الذين غيّروا صفة النبيّ ﷺ في التوراة فكتبوها: محمّد سبطا؛ طويلا؛ أزرقا؛ شبط الشّعر. وكانت صفته في التوراة: حسن الوجه؛ جعد الشعر؛ أسمر ربعة. فبدّلوا وقالوا: هذا من عند الله، وإذا سئلوا عن

стр. 178

صفته قرءوا ما كتبوه؛ فيجدونه مخالفا لصفته فيكذّبونه. وإنّما فعلت اليهود ذلك؛ لأنّهم خافوا ذهاب ملكهم وزوال رئاستهم حين قدم النبيّ ﷺ المدينة؛ فاحتالوا في تغيير صفته ليمنعوا الناس عن الإيمان به. والويل: الشّدّة في العذاب. وقيل: الهلاك. وقيل: الخزي؛ ويكنّى عنه ب (ويس) و (ويح) (١).وقيل: هو واد في جهنّم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يقع إلى قعره. وقيل: يسيل فيه صديد أهل النار. وقيل: لو جعلت فيه جبال الدّنيا لماعت من شدّة حرّه. وقوله تعالى: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً؛﴾ يعني ما كان لهم من المأكلة والهدايا من أغنيائهم؛ ألحق الله بهم ثلاث ويلات فيما غيّروا من الكتاب. وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ (٧٩)؛أي مما يصيبون من المآكل والهدايا. ولفظ الأيدي للتأكيد كقولهم: مشيت برجلي؛ ورأيت بعيني. قال الله تعالى: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً؛﴾ اختلفوا في هذه الأيّام (٣) ما هي؟ قال ابن عبّاس ومجاهد: (قدم رسول الله ﷺ المدينة واليهود تقول: مدّة الدّنيا سبعة آلاف سنة؛ وإنّما نعذّب بكلّ ألف سنة يوما واحدا، ثمّ ينقطع العذاب عنّا بعد سبعة أيّام. فأنزل الله هذه الآية) (٤).

стр. 179

وقال قتادة وعطاء: (يعنون الأربعين يوما الّتي عبد آباؤهم فيها العجل؛ وهي مدّة غيبة موسى ﵇. وفي بعض التّفاسير: اختلف في مقدار عبادتهم العجل؛ فقيل: عشرة أيام. وقيل: سبعة أيّام. وقيل: أربعون يوما. فقال الله تعالى تكذيبا لهم: ﴿قُلْ؛﴾ يا محمّد: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً؛﴾ أي موثقا أنّ لا يعذّبكم إلاّ هذه المدّة، ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٨٠). وروي أنه يقال لهم عند مضيّ الأجل: يا أعداء الله قد مضى الأجل وبقي الأبد. ولفظ ال (معدودة) للقلّة كقوله: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (١)،وفي الصّوم: ﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ﴾ (٢).واحتجّ أصحابنا بقوله ﵊: [المستحاضة تدع الصّلاة أيّام أقرائها] (٣) وقوله ﷺ : [دعي الصّلاة أيّام أقرائك] (٤) أن أقلّ الأيام ثلاثة وأكثرها عشرة؛ لأنه يقال لما دون الثلاثة: يوم

стр. 180

ويومان، وفيما زاد على العشرة أحد عشر؛ وليس لأحد أن يعترض على هذا بقوله في ليلة الصّيام: ﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ﴾ أراد بها الشهر كلّه؛ لأنه ظاهر لفظ الأيّام من الثلاثة إلى العشرة. إلاّ أنه قد يذكر ويراد به الزيادة، وقد فسّر الله تعالى أيام الصوم بالشّهر، فانعقد بذلك التفسير. وأما أيام الحيض فمبهمة؛ فلا بدّ أن تكون محصورة؛ لأن الأحكام تختلف بحال الحيض والطّهر، فكان حمل اللفظ على ظاهره وحقيقته أولى (١).
следующие страницы →