← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

فدعا ربّه فكشف عنهم بعد أن أقام سبعة أيام، ثم قالوا: وما عسى ربّك أن يفعل بنا وقد أهلك كلّ شيء من نبات أرضنا، فعلى أيّ شيء نؤمن بك؟ اذهب فما استطعت أن تفعله فافعله! فدعا عليهم موسى، فأرسل الله عليهم الضّفادع، خرجت عليهم من البحر مثل اللّيل الدامس، فملأت بيوتهم وطرقهم وأطعمتهم، فلا يكشف أحدهم طعاما ولا شرابا إلا وجد فيه الضّفادع. وكان الرجل إذا جلس تراكبت عليه الضفادع حتى يكون إلى فمه، فإذا همّ أن يتكلّم وثبت الضفدع إلى فمه فانشدخت، وكان أحدهم إذا اضطجع تراكب عليه حتى يكونوا ركاما فوق الذراع بعضه على بعض، حتى لا يستطيع أن ينقلب إلى جنب آخر، ولا يقدر على القيام، وكان إذا فتح أحدهم فمه ليأكل لقمة وثبت الضفدع في فمه فسبقت اللقمة، وكانوا لا يوقدون نارا إلا امتلأت ضفادع، وكان بعضهم لا يسمع كلام بعض من كثرة صراخ الضفادع، وكانوا إذا قتلوا واحدا منها جاف ما حوله حتى لا يستطيعون الجلوس فيه). قال عكرمة وابن عباس: (كانت الضفادع برّيّة، فلما أرسلها الله على قوم فرعون سمعت وأطاعت، فجعلت تقذف نفسها في القدر وهي تغلي، وفي التّنانير وهي تفور، فأثابها الله بحسن طاعتها بالماء، فلما ضاقت الأرض على قوم فرعون، عجّوا وشكوا إلى موسى وبكوا؛ وقالوا: يا موسى! هذه المرة نتوب ولا نعود، ونحلف لك لئن دفعت عنا هذه الضفادع لنؤمننّ لك، فأخذ عهودهم ومواثيقهم، ثم دعا ربّه فكشفها عنهم بريح عظيمة نبذتها في البحر، فقال لهم موسى: ويحكم! أي لم تسخطون ربّكم، أرسلوا معي بني إسرائيل. فأبوا ونقضوا العهود والمواثيق وعادوا لكفرهم وتكذيبهم، فدعا عليهم، فأرسل الله عليهم الدّم، فجرت أنهارهم وآبارهم دما أحمر عبيطا، وبنو إسرائيل في الماء العذب الطيّب، وكان الإسرائيليّ يستسقي ماء عذبا صافيا، فإذا أخذه القبطيّ تحوّل دما، وكانت القبطيّة تقول للإسرائيليّة: مجّي الماء من فمك إلى فمي، فكانت تمجّه في فمها فيصير في فم القبطيّة دما عبيطا.

стр. 1157

وكان فرعون يجمع بين الرّجلين على الإناء الواحد؛ القبطيّ والإسرائيليّ، فيكون مما يلي الإسرائيليّ ماء، ومما يلي القبطيّ دم، وكانا يستقيان من جرّة واحدة، فيخرج للإسرائيليّ ماء عذب زلال صافي، ويخرج للقبطي دم عبيط. وكان النيل ماؤه طيّبا، فإذا أخذه القبطيّ عاد في إنائه وفي فمه دما. فمكثوا على هذا سبعة أيام لا يشربون إلا الدّم؛ حتى مات كثير منهم، ثم إن فرعون أجهده العطش واشتدّ به، فيأتون بأوراق الأشجار الرطبة، فيمصّها فتصير دما عبيطا وملحا أجاجا، فكانوا لا يأكلون إلا الدّم، ولا يشربون إلا الدم، فقال فرعون: أقسم بإلهك يا موسى! لئن كشفت عنا الدّم لنؤمننّ لك. فدعا موسى ربّه، فأذهب عنهم الدم، وعذب ماؤهم، فعادوا لكفرهم إلى أن كان من أمر الغرق ما كان. (١) قوله تعالى: ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ؛﴾ أي دلالات واضحات بعضها منفصل من بعض، كلّ آية من السّبت إلى السبت، وبين كلّ آيتين شهر. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾ (١٣٣)؛أي مقيمين على كفرهم، فمكث موسى في آل فرعون بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم الآيات. قوله تعالى: ﴿وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ؛﴾ معناه: ولمّا وقع عليهم العذاب الذي تقدّم ذكره من الطّوفان وغيره. وقال عكرمة: (الرّجز: الدّم؛ لأنّه نغّص عيشهم).وقال ابن جبير: (هو الطّاعون). وذلك أنّ موسى أرى قومه وبني إسرائيل من بعد ما جاء قوم فرعون بالآيات الخمس: الطوفان وغيره، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فأرسل عليهم الطاعون، فهلك منهم سبعون ألفا، فقال فرعون عند ذلك: ﴿(يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ)﴾ أي بما تقدم به إليك أنه يجيب دعاءك إذا دعوته كما أجاب دعاءك في إنزال هذه الآيات، ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ؛﴾ أي هذا الطاعون. وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد: «(الرُّجْز)» وهما لغتان كالعُضْو والعِضْو. قوله تعالى: ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ؛﴾ أي لنصدّقنّك، ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (١٣٤)؛أي لنطلقنّهم من التسخير والأعمال الشاقّة.

стр. 1158

قوله تعالى: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ؛﴾ أي العذاب، ﴿إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ؛﴾ وهو الوقت الذي علم الله من حالهم أن صلاح غيرهم مقالهم إلى ذلك الوقت؛ يعني وقت الغرق، وقوله تعالى: ﴿إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ (١٣٥) يعني ينكثون العهد. وقوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا؛﴾ وذلك أن الله تعالى أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل، فاستعار نسوة بني إسرائيل من نساء آل فرعون حليّهم، وقلن: إن لنا خروجا إلى عيد. فخرج موسى ببني إسرائيل في أوّل الليل، وهم ستمائة ألف من رجل وامرأة وصبيّ، فبلغ الخبر فرعون، فركب ومعه ألفا ألف ومائتا ألف، فأدركهم فرعون حين طلعت الشمس، وانتهى موسى إلى البحر، فضرب البحر؛ فانفلق اثنا عشر طريقا، وكانت بنو إسرائيل اثنا عشر سبطا، فعبر كلّ سبط طريقا. فأقبل فرعون ومن معه، فدخلوا بعدهم من حيث دخلوا، فلما صاروا جميعا في البحر، أمر الله البحر فالتطم عليهم فغرقوا، فقال بنو إسرائيل لموسى أن يريهم فرعون، فدعا ربّه فلفظهم البحر ولفظ فرعون، فنظروا إليه وإلى من معه، فلا يقبل الماء غريقا بعد ذلك أبدا، ورجع موسى ببني إسرائيل، فسكنوا الأرض أرض مصر. ومعنى قوله: ﴿(فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ)﴾ أي في البحر بلسان العبرانيّة. وقوله تعالى: ﴿(بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا)﴾ أي بتكذيبهم الآيات التّسع التي أتاهم بها موسى: اليد؛ والعصا؛ والسّنون؛ ونقص الثمرات؛ والطوفان؛ والجراد؛ والقمل؛ والضفادع؛ والدم. قوله تعالى: ﴿وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ (١٣٦)؛أي عاقبناهم بتعرّضهم لأسباب الغفلة. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ﴾ التي كانوا فيها، ﴿وَمَغارِبَهَا؛﴾ معناه: أورثنا القوم الّذين كانوا يستضعفونهم القبط؛ وهم بنو إسرائيل مشارق الأرض التي كانوا فيها ومغاربها. وقيل: أراد بهذه الأرض الأرض المقدسة: الأردنّ وفلسطين، ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها؛﴾ بارك الله فيها

стр. 1159

بكثرة المياه والأشجار والثّمار، قال ابن عبّاس: (إنّ المياه كلّها تخرج من تحت الصّخرة الّتي ببيت المقدس). قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ؛﴾ أي وتمّت عدّة ربك؛ يعني قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (١) وقوله: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢).قال ابن عبّاس: (فأهلك الله فرعون وقومه، وأورثهم أرض مصر والشّام).وقوله: ﴿بِما صَبَرُوا؛﴾ أي بصبرهم على دينهم أن يرجعوا إلى دين فرعون. قوله تعالى: ﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ؛﴾ من المكائد، وقوله تعالى: ﴿وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (١٣٧)؛أي وما كانوا يبنون من البيوت والقصور والكروم والشّجر، ويستخدمون بني إسرائيل في بنائها ورفعها. قرأ ابن عامر وأبو بكر: «(يعرشون)» بضمّ الراء، وهما لغتان فصيحتان. قوله تعالى: ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ؛﴾ أي أمرناهم بمجاوزته ويسّرناه عليهم حين خلفوا البحر وراءهم على سلامة، وذلك من أعظم نعم الله تعالى، ﴿فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ؛﴾ أي يعبدون ويواظبون على عبادة أصنام لهم؛ وهم أهل الرّقة؛ أناس كفروا بعد إبراهيم؛ مرّت بهم بنو إسرائيل وهم قعود حول أصنامهم، ﴿قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً؛﴾ نعبده، ﴿كَما لَهُمْ آلِهَةٌ؛﴾ يعبدونها. وفي هذا بيان غاية جهلهم وعنادهم، فإن الله خلّصهم من عدوّهم ونجّاهم من الغرق، وقالوا هذا القول حين رأوا هؤلاء القوم يعبدون الأصنام. قوله تعالى: ﴿قالَ؛﴾ لهم موسى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ؛﴾ (١٣٨) صفات الله وما يجوز عليه وما لا يجوز؛ أي لا يعرفون أن الذي يتّخذ إلها هو خالق الأجسام. ثمّ بيّن أن هؤلاء سيهلكون ويهلك ما يعبدونه فقال: قال الله تعالى:

стр. 1160

﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ؛﴾ أي مهلك ما هم فيه؛ ﴿وَبَطَلَ؛﴾ وضلال؛ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٣٩)،والتّبار: هو الهلاك. قوله تعالى: ﴿قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً؛﴾ أي قال لهم: أسوى الله أطلب لكم ربّا تعبدونه، ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (١٤٠)؛عالمي زمانكم من القبط وغيرهم بعد ما كنتم مستعبدين أذلاّء. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ أي يولّونكم سوء العذاب ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ؛﴾ أي يذبحونهم، ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ؛﴾ أي يستبقونهم للاستخدام، ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (١٤١)؛قرأ حمزة والكسائي: «(يعكفون)» بكسر الكاف والباقون بضمّها وهما لغتان. وقرأ أهل الشّام «(وإذ أنجاكم من آل فرعون)».وقرأ الباقون على التكثير (أنجيناكم).وقوله تعالى: ﴿(يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ)﴾ قرأ نافع بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد على التّكثير. وقوله تعالى: ﴿*وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ؛﴾ قال مجاهد: (كان الله وعد موسى أن يعطيه التّوراة لثلاثين ليلة؛ يعني ذا القعدة وعشرا من ذي الحجّة، كأنّه قال شهرا وعشرة أيّام) (١). وقال بعضهم: أمر الله موسى إلى موضع بيّنه له أن يعبده في ذلك الموضع ثلاثين يوما، يصوم النهار ويقوم الليل؛ لينزل عليه التوراة، فلمّا صام ثلاثين أنكر خلوف فمه، فاستاك بعود خرنوب، فقالت الملائكة: كنا نستنشق منك رائحة المسك فأفسدته بالسّواك، فأمره الله أن يصوم عشرا بعد ذلك الخلوف، فذلك قوله ﴿(وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ)﴾. وقوله تعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً؛﴾ أي تمّ الوقت الذي أمر الله بالعبادة فيه أربعين ليلة. قوله تعالى: ﴿وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي؛﴾ أي قال موسى لهارون قبل انطلاقه إلى الجبل الذي أمر بالعبادة فيه: قم مقامي في قومي،

стр. 1161

﴿وَأَصْلِحْ؛﴾ فيما بينهم، ﴿وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١٤٢) منهم، ولا ترض بعملهم، وذلك أنّ موسى كان يشاهد كثرة خلافهم حالا بعد حال، فأوصاه في أمرهم. ومن قرأ «(هارون)» بالرفع فمعناه: قال هارون. قوله تعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ؛﴾ أي لمّا انتهى موسى إلى المكان الذي وقّتنا له، وأمرناه بالسّير إليه وهو مدين، وقوله تعالى: ﴿(وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ)﴾ أي كلّمه من غير ترجمان ولا سفير، كما كلّم الأنبياء على ألسنة الملائكة. فلما ناجاه ربّه استحلى كلامه، واشتاق إلى رؤية ربه وطمع فيها، ف ﴿قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ؛﴾ أي اعطني أنظر إليك، ﴿قالَ لَنْ تَرانِي؛﴾ ولست تطيق النظر إليّ في الدّنيا، فمن نظر إليّ مات، فقال: إني سمعت كلامك واشتقت إلى رؤيتك، ولأن أنظر إليك ثم أموت أحبّ إليّ من أن أعيش ولا أراك، فقال الله تعالى: ﴿وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ؛﴾ أي إلى أعظم جبل لمدين وهو جبل زبير، ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾. قوله تعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ؛﴾ أي ظهر له من نوره ما شاء، ويقال ألقى عليه نورا من الأنوار، ﴿جَعَلَهُ دَكًّا؛﴾ أي كسّره جبالا صغارا، تقطّع الجبل من هيبة الله ، فصار ثماني فرق، أربع قطع منه وقعن بمكّة: ثور وثبير وحراء وغار ثور، وأربع قطع وقعن بالمدينة: أحد وروق ورضوى والمهراس. وقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً؛﴾ أي سقط مغشيّا عليه، ﴿فَلَمّا أَفاقَ﴾ من غشيته، ﴿قالَ سُبْحانَكَ؛﴾ أي تنزيها لك من قولي ومن كلّ سوء، ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ؛﴾ من مسألتي للرّؤية، ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٤٣) من أهل هذا الزّمان إنك لا ترى في الدّنيا. وقال الحسن: (قال الله تعالى لموسى: أعرض رؤيتي على الجبل، فإن لم يحملها مع عظمه وبقائه على مرّ الزّمان، فأنت أيضا لا تحملها) (١).قال: (معنى قوله

стр. 1162

﴿(فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ)﴾ أي أوحى ربّه).قال: (وما رأى موسى ربّه قط، ولكن أوحى الله إلى الجبل هل تطيق رؤيتي، فساخ الجبل وموسى ينظر) (١). وقيل: إنّ الله تعالى أبرز من العرش مقدارا الظّفر فتدكدك الجبل؛ لأن أجسام الدّنيا لا تحتمل آيات القيامة والأجسام العلويّة، إذ من حكم الدّنيا أن تفنى بآيات القيامة، فلا تحتملها الدّنيا. وقرأ بعضهم «(دكّاء)» بالهمز والمدّ؛ أي طار أعلى الجبل وبقي أسفله دكّا، والدّكأ واحد الدّكوات؛ وهي روابي الأرض التي تكون ناشزة لا تبلغ أن تكون جبلا، وناقة دكّاء اذا لم يكن لها سنام. ويحتمل أن يكون معنى الدّكّ دقّ الجبل على الأرض، يقال دكدكت الشيء اذا دققته. وقرأ عاصم «(دكّا)» ههنا بالقصر والتنوين، والتي في الكهف بالمدّ من غير تنوين، ومدّهما حمزة والكسائيّ والباقين مقصورين منوّنين. وقيل: لمّا سأل موسى ربّه أرسل الله الضباب والصواعق والظّلمة والرعد والبرق، فأحاطت بالجبل الذي عليه موسى وأمر الله ملائكته يعرضوا على موسى، فقال لهم: اهبطوا إلى عبدي موسى الذي أراد أن يراني، فهبطوا عليه في يد كلّ ملك منهم مثل النّخلة الطويلة نارا شديدة الضوء أشدّ ضوءا من الشمس، ولباسهم كلهب النار، كلّهم يقولون بشدّة أصواتهم: سبّوح قدّوس ربّ العزّة أبدا لا يموت، وفي رأس كلّ منهم أربعة أوجه. فلما رآهم موسى فزع وجعل يسبح معهم وهو يبكي ويقول: رب اذكرني ولا تنس عبدك، فقال له رئيس الملائكة: اصبر لما سألت، ثم رفعت الملائكة أصواتهم، وارتجّ الجبل واندكّ وخرّ العبد موسى صعقا على وجهه، فلما أفاق قال: سبحانك آمنت وصدّقت أنه لا يراك أحد في الدّنيا، فإذا كان من نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه، فما أعظمك يا رب. وعن سهل: (أنّ الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نورا قدر الدّرهم فجعل الجبل دكّا).

стр. 1163

قوله تعالى: ﴿(وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً)﴾ قال ابن عبّاس: (مغشيّا عليه) (١)،وقال قتادة: (ميّتا) (٢)،وقول ابن عبّاس أظهر؛ لأن الله تعالى قال ﴿(فَلَمّا أَفاقَ)﴾ ولا يقال للميت: أفاق من موته، ولكن يقال: بعث من موته، كما قال تعالى في حديث السّبعين ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ (٣). قوله تعالى: ﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي؛﴾ أي قال الله: يا موسى إنّي اتخذتك صفوة برسالتي التي أرسلنا إليك وبكلامي معك من غير وحي، ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ؛﴾ أي اعمل بما علّمتك من التوراة، ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٤)؛لما أعطيتك وأكرمتك. قوله : ﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي في تسعة ألواح من الزّبرجد الأخضر، وقيل: من الياقوت الأحمر أعطاها الله موسى وفيها التوراة كنقش الخاتم، طول كلّ لوح عشرة أذرع. وقوله تعالى: ﴿(مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)﴾ يعني من أمور الدّين، وقوله تعالى: ﴿مَوْعِظَةً؛﴾ يعني ما يدعو إلى الطاعة، وزجر عن المعصية بالوعد والوعيد وأخبار الأمم الماضين. وقوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ؛﴾ معناه: لكلّ أمر من أمور الدّين من الحلال والحرام والأمر والنّهي. قوله تعالى: ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ؛﴾ أي اعمل بها بجدّ في طاعة الله ومواظبة عليها. قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها؛﴾ أي أمر قومك يعملوا بأحسن ما بيّن لهم فيها؛ أي أمروا بالخير ونهوا عن الشرّ، وعرفوا ما لهم في ذلك، فمرهم يأخذوا بالأحسن. ويقال: مرهم يأخذوا بالفرائض والنوافل دون المباح الذي لا حمد فيه ولا ثواب. وقيل: معناه (يأخذوا) بالناسخ والمنسوخ.

стр. 1164

قوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ (١٤٥)؛أي سوف أريكم جهنّم في الآخرة هي دار الخارجين عن طاعة الله، ويقال: أراد به ما مرّوا عليه في سفرهم من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا بالتكذيب. وقال قتادة: (معناه سأدخلكم النّار وأريكم منازل الكافرين) (١).وقيل: معناه سأريكم دار فرعون وقومه وهي مصر. قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ؛﴾ أي سأجعل جزاء المتكبرين الذين لا يؤمنون بالمعجزة الإضلال عن الهدى، وعن معرفة ما أودع الله في الكتاب يقرءونه ولا يفهمون ما أراد الله به. وقيل: معناه: سأصرفهم عن الاعتراض على آياتي بالإبطال، وقيل: معناه: سأصرف عن نيل ما في آياتي من العزّ والكرامة، ويعني بالذين يتكبّرون في الأرض بغير الحقّ هم الذين يرون أنّهم أفضل الخلق، وأنّ لهم ما ليس لغيرهم. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها؛﴾ معناه: وإن يروا كلّ آية تدلّ على وحدانيّة الله ونبوّة الأنبياء لا يصدّقوا بها، ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ؛﴾ أي سبيل الإسلام، ﴿لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً؛﴾ دينا لأنفسهم، يعني هؤلاء المتكبرين. وقرأ حمزة ومجاهد والأعمش والكسائيّ بالفتح الاستقامة في الدّين، والرّشد بضمّ الراء الاصلاح. وقرأ أبو عبد الرحمن: «(وإن يروا سبيل الرّشاد)» بالألف. وقرأ مالك بن دينار: «(وإن يروا)» بضمّ الياء. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا؛﴾ يحتمل أن يكون ذلك موضع الرفع على معنى أمرهم ذلك، ويحتمل أن يكون نصبا على معنى فعل الله ذلك بهم بتكذيبهم بآياتنا، قال مقاتل: (أراد بقوله بآياتنا التّسع) كأنه ذهب إلى أنه هذا كلّه خطاب موسى. وقال الكلبيّ: (معنى ﴿(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا)﴾ بمحمّد ﷺ والقرآن) (٢) وذهب إلى أنّ قوله: (سأصرف) خطاب

стр. 1165

لنبيّنا ﷺ . قوله تعالى: ﴿وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ (١٤٦)؛أي عنها لاهين ساهين، لا يتفكّرون فيها ولا يتّعظون بها. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ؛﴾ أي بالبعث بعد الموت، ﴿حَبِطَتْ؛﴾ بطلت، ﴿أَعْمالُهُمْ؛﴾ التي عملوها على جهة البرّ، ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ؛﴾ في الآخرة، ﴿إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٤٧)؛في الدّنيا. قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ موسى كان وعد قومه بالانطلاق إلى الجبل ثلاثين يوما، فلمّا تأخّر رجوعه قال لهم السّامريّ-وكان رجلا مطاعا-:إنّكم اتّخذتم الحليّ من آل فرعون فعاقبكم الله بتلك الجناية، ومنع موسى عنكم، فاجمعوا حتّى أحرقها؛ لعلّ الله أن يردّ علينا موسى. فجمعوا الحليّ، وكان السّامريّ صائغا، فجعل الحليّ في النّار واتّخذ منه عجلا ونفخ فيه التّراب الّذي كان أخذه من أثر فرس جبريل، وكان ذلك الفرس فرس الحياة، ما وضع حافره في موضع إلاّ اخضرّ، فلمّا نفخ فيه شيئا من ذلك التّراب صار عجلا جسدا له خوار، فعبدوه وزفّوا حوله) (١). وقيل: إن السامريّ حين صاغ العجل جعل فيه خروقا تجري فيها الريح، فكان يسمع من تلك الخروق شبه الخوار، فأوهم بني إسرائيل أنه حيّ يخور. قال الزجّاج: (معنى قوله: ﴿(جَسَداً لَهُ خُوارٌ)﴾ أي جثّة لا تعقل، ليس له روح ولا عقل ولا كلام إنّما له خوار فقط).وأما إضافة الخوار إلى العجل في الآية فهو كما يقال: صوت الحجر، صوت الطّشت، وأمّا الحليّ فهو جمع الحلية وهو ما يتزيّن به من ذهب وفضّة. وقال عليّ ﵁: (له جؤار) بالجيم والهمز وهو الصوت (٢).

стр. 1166

وقوله تعالى: ﴿(حُلِيِّهِمْ)﴾ قرأ يعقوب بفتح الحاء وجزم اللام، وقرأ حمزة والكسائي «(حليّهم)» بكسر الحاء واللام وتشديد الياء أتبعا الحاء كسرة اللام، وقرأ الباقون بضمّ الحاء وكسر اللام وتشديد الياء وهما لغتان. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً؛﴾ معناه: ألم ينظروا إلى العجل لا يكلّمهم بما يجري عليهم نفعا ويدفع عنهم ضرّا، ولا يرشدهم طريقا إلى خير ليأتوه ولا الى شرّ لينتهوا عنه، ولو كان إلها لهداهم؛ لأنّ الإله لا يهمل عباده. قوله تعالى: ﴿اِتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ﴾ (١٤٨)؛يجوز أن يكون معناه: لا يرشدهم الطريق الذي يتّخذونه، ويجوز أن يكون ابتداء على معنى: عبدوه وكانوا بعبادتهم إياه ظالمين. قوله تعالى: ﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا؛﴾ أي ندموا على عبادتهم العجل، ورأوا أنّهم قد ضلّوا عن الحقّ، ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا؛﴾ عملنا؛ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (١٤٩)؛ بالعقوبة. قال الزجاج: (يقال للنّادم على ما فعل المتحسّر على ما فرّط منه: قد سقط فلان في يده، وأسقط بمعنى سقط النّدم في أيديهم). قوله تعالى: ﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً﴾ أي رجع موسى من الجبل إلى قومه شديد الغضب حزينا، ﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي؛﴾ فعلتم خلفي في غيبتي بعبادة العجل، ﴿(أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ؛﴾ معناه: استبطأتم وعد ربكم الذي وعد في أربعين ليلة، ﴿وَأَلْقَى الْأَلْواحَ؛﴾ من يده التي كانت فيها التوراة وألقاها من يده، ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ؛﴾ قال ابن عبّاس: (أخذ رأسه بيده اليمنى ولحيته بيده اليسرى) (١). قوله تعالى: ﴿قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي؛﴾ أي قهروني واستذلّوني وهمّوا بقتلي، وكان هارون أخاه لأبيه وأمّه ولكنّه قال ﴿(ابْنَ أُمَّ)﴾ لترفّقه عليه، وعلى هذه طريقة العرب.

стр. 1167

قوله تعالى: ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ؛﴾ لا تفرّحهم عليّ ولا تظنّ أنّي رضيت بفعل القوم الظالمين، ﴿وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (١٥٠)؛ فلا تجعلني مع عبدة العجل في الغضب عليّ، وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين، وأحبّ إلى بني إسرائيل من موسى. قرأ ابن عبّاس والكوفيّون إلاّ حفصا «(يا ابن أمّ)» بكسر الميم هنا، وفي طه فحذفوا ياء الإضافة؛ لأنّ مبنى النداء على الحذف، وبقيت الكسرة على الميم دليلا على ياء الإضافة كقوله (يا عباد، ويا قوم)،وقرأ ابن السّميقع «(يا ابن أمّي)» باثبات الياء، وقرأ الباقون بفتح الميم على معنى يا ابن أمّاه (١). وقوله تعالى ﴿(اسْتَضْعَفُونِي)﴾ بعبادة العجل، وقوله تعالى: ﴿(فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ)،﴾ قرأ مجاهد ومالك بن دينار: «(فلا تشمت)» بفتح التاء والميم (٢)،ورفع «(الأعداء)»،والشّماتة هي سرور العدوّ. فإن قيل: لم جاز لموسى أن يجرّ برأس هارون ولحيته، والانبياء لا يجوز لأحد أن يستخفّ بهم، وكان هارون نبيّا؟ قيل: إنّ هذا كان منه على جهة العتاب لا على جهة الهوان. وقيل: لأنه أجراه مجرى نفسه من حيث أنّهما كانا في النبوّة والأخوّة كالنفس الواحدة، وقد يقبض الإنسان عند الغيظ على لحية نفسه، ويعضّ إبهاميه وشفتيه، كما روي (أنّ عمر ﵁ كان إذا حزبه أمر فتل شاربه). إلاّ أنّ هارون خاف أن يتوهّم جهّال بني إسرائيل أنّ موسى غضبان عليه كغضبه على من عبد العجل، فقال: ﴿(ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي ... )﴾ الآية. وقيل: إنّ موسى فعل هذا بهارون في حالة الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه، وكان ذلك صغيرة منه، كما ألقى الألواح لشدّة الغضب، وكان الواجب عليه أن يعظّمها. قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي؛﴾ ما كان منه من التقصير في ردّ القوم عن عبادة العجل، ﴿وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ؛﴾ أي في جنّتك، ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (١٥١)؛أي أرحم بنا منّا، وأرحم بنا من أبنائنا وأمّهاتنا.

стр. 1168

قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ؛﴾ معناه: إنّ الذين اتّخذوا العجل إلها سيصيبهم عذاب من ربهم في الآخرة. والغضب من الله: إرادة الانتقام على ما سلف. وقوله تعالى: ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ أراد به ما أمروا به من استسلامهم للفعل بقعودهم، ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ (١٥٢) أي كما جزينا هؤلاء فكذلك نجزي الكاذبين على الله. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا؛﴾ قيل: أراد بالسّيئات الشّرك وسائر المعاصي إذا تاب صاحبها عنها، ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٥٣)؛ظاهر المعنى. قوله تعالى: ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ؛﴾ أي سكن عن موسى الغضب وزالت قوّة غضبه. وقيل: معناه: سكت موسى عن الغضب، وهذا من المقلوب، كما يقال: أدخلت قلنسوة في رأسي، يريد أدخلت رأسي في قلنسوة. وقوله تعالى: ﴿(أَخَذَ الْأَلْواحَ)﴾ بعد ما كان ألقاها وبعد ما تكسّرت، وذهب منها ستّة أسباعها. قوله تعالى: ﴿وَفِي نُسْخَتِها؛﴾ قال عطاء: (وفيما بقي منها ولم يذهب)، ويقال: معناه: فيما نسخه موسى مما تكسّر. وقوله تعالى: ﴿هُدىً وَرَحْمَةً؛﴾ أي بيان من الضّلالة ونجاة، ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (١٥٤)؛يخشون الله ويعملون بها. قوله تعالى: ﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا؛﴾ ومعناه: واختار موسى من قومه سبعين رجلا للوقت الذي وقّتنا له يصحبهم مع نفسه عند الخروج إلى الميقات، فيشهدوا عند قومهم على سماع كلام الله، فإنّهم كانوا لا يصدّقون موسى في أنّ الله كلّمه، وكانوا اثنى عشر سبطا، فاختار موسى من كلّ سبط ستّة، وخلف منهم رجلين، وقال: إنّما أمرت بسبعين فليرجع اثنان منكم، ولهما أجر من حضر، فرجع يوشع بن يونا وكالب بن يوقنّا، وذهب موسى مع السبعين الى الجبل.

стр. 1169

قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ؛﴾ أي الزّلزلة الشديدة عند الجبل، ﴿قالَ؛﴾ موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ؛﴾ أن حملتهم إلى الميقات، وأهلكتني معهم بقتل القبطيّ، وظنّ موسى أن الرجفة إنّما أخذتهم بسبب عبادة بني إسرائيل العجل، فقال: ﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ؛﴾ يعني ما عبادة العجل إلاّ بليّتك إذ صار الروح في العجل، ﴿تُضِلُّ بِها؛﴾ بالفتنة، ﴿مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ﴾. قوله تعالى: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا؛﴾ أي أنت ناصرنا وحافظنا ومتولّي أمورنا فاغفر لنا ذنوبنا وارحمنا ولا تعذّبنا، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ﴾ (١٥٥). وقيل: إنّ موسى ﵇ لمّا هلك السّبعون، جعل يبكي ويقول: يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم، وقد أهلكت خيارهم؟ فبعثهم الله كما قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ (١) وقد تقدّم تفسير ذلك في البقرة. قوله : ﴿*وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً؛﴾ يعني العلم والعبادة، وقوله تعالى: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ؛﴾ أي واكتب لنا في الآخرة حسنة وهي الجنّة. قوله تعالى: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ؛﴾ أي أنبنا ورجعنا بالتوبة، يقال: هاد يهود؛ إذا رجع، ولم يؤخذ اسم اليهود من هذا، وإنما أخذ من تهوّد. قوله تعالى: ﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ؛﴾ من عبادي ممّن هو أهل لذلك، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ؛﴾ يعني وسعت البرّ والفاجر. قال ابن عبّاس: (لمّا نزلت هذه الآية تطاول لها إبليس وقال: أنا شيء من الأشياء، فأخرجه الله من ذلك بقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾) أي سأوجبها للّذين يتّقون الشّرك والمعاصي، ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٥٦) (٢). فقالت اليهود والنّصارى: نحن نتّقي ونؤتي الزّكاة ونؤمن بآيات ربنا، فأخرجهم الله منها بقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ؛﴾

стр. 1170

يعني محمّدا ﷺ سمّاه أمّيّا لأنه لم يحسن الكتابة، قال الله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ (١)،وقال ﷺ : [إنّا أمّة أمّيّة لا نكتب ولا نحسب] (٢).قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ؛﴾ يعني نعته وصفته وخاتمه الذي بين كتفيه ونعت أمّته وشريعته. قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ؛﴾ أي بالتوحيد وشرائع الإسلام؛ ﴿وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ؛﴾ أي عن كلّ ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة. قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ؛﴾ أي ما اكتسبوه من وجه طيّب، ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ؛﴾ ما اكتسبوه من وجه خبيث، ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ يعني ثقلهم، قال قتادة: (يعني التّشديد الّذي كان عليهم في الدّين وما أمروا به من قبل أنفسهم في التّوراة، وقطع الأعضاء الخاطئة). وقال عطاء: (يأمرهم بالمعروف وبخلع الأنداد ومكارم الأخلاق وصلة الأرحام، وينهاهم عن المنكر أي عن عبادة الأصنام وقطع الأرحام، ويحلّ لهم الطّيّب يعني الحلال الّتي كانت الجهّال تحرّمها من البحائر والسّوائب والوصائل، ويحرّم عليهم الخبائث يعني الميتة والدّم ولحم الخنزير والرّبا وغيره من المحرّمات). قوله تعالى: ﴿وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ؛﴾ كناية عن الأمور الشّديدة التي كانت عليهم، كان إذا أصاب ثوب أحدهم شيء من النجاسة وجب قطعه، وكان عليهم أن لا يعملوا في السّبت. قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ؛﴾ أي فالذين صدّقوا بهذا النبيّ وعظّموه وأعانوه بالسّيف على الأعداء، ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ؛﴾ يعني القرآن الذي ضياؤه في القلوب كضياء النّور في العيون، ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٥٧)؛أي الظّافرون بالمراد والبقاء.

стр. 1171

قوله : ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً؛﴾ قال ابن عبّاس: (كان كلّ رسول يبعث إلى قومه، وبعث الله محمّدا ﷺ إلى قومه وغيرهم).ومعنى الآية: قل يا محمّد إنّي رسول الله إليكم كافّة أدعوكم إلى طاعة الله وتوحيده واتّباعي فيما أدّيته إليكم. قوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ تعريف الله الذي أرسله إليهم، وقوله تعالى: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ؛﴾ أي لا شريك له في الإلهيّة، ولا خالق ولا رازق غيره، ﴿يُحيِي وَيُمِيتُ؛﴾ أي يحيي الخلق من النّطفة، ويميتهم عند انقضاء آجالهم، لا يقدر على ذلك أحد سواه. وقيل: معناه: يحيى الأموات للبعث، ويميت الأحياء في الدّنيا. قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ؛﴾ أي صدّقوا بالله ورسوله النّبيّ الأمّيّ الذي لا يكتب، فيؤمن من جهته أن «لا» (١) يقرأ الكتب وينقل إليهم أخبار الماضين، ولكن يتّبع ما يوحى إليه، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ؛﴾ أي بالله وكتبه. ومن قرأ «(وكلمته)» فهو عيسى، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٥٨)؛ظاهر المعنى. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ؛﴾ أي جماعة؛ ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ؛﴾ يدعون إلى الحق، ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ؛﴾ (١٥٩) وبه يحكمون وهم مؤمنو أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه. وروي عن ابن عبّاس: (أنّهم قوم من بني إسرائيل قبل المشرق، وخلف الصّين عند المطلع أخذوا من بيت المقدس، فرمي بهم هناك متمسّكين بالتوراة مشتاقين إلى الإسلام، يعملون بفرائض الله، بيوتهم مستوية، والأمانة فيهم فاشية، قبورهم عند أبوابهم، لا تباغض بينهم ولا تحاسد ولا حلف ولا خيانة ولا كذب ولا غشّ، يعملون بالحقّ فيما بينهم بلا أمير ولا قاض، مرّ بهم رسول الله ﷺ ليلة أسري به، فعرض عليهم الإسلام فقبلوه) (٢).

стр. 1172

وذكر مقاتل: (أنّ بين الصّين وبينهم واديا جاريا من رمل، فيمنع الناس من إتيانهم واخبارهم، إلاّ أنّا لا نسمع أخبارهم إلاّ من النبيّ ﷺ أخبره به ربّه ، واخبره به النبيّ ﷺ ابن عبّاس. وقال السديّ: (هم قوم بينكم وبينهم نهر من شهد) (١). قال ابن جريج: (إنّ بني إسرائيل لمّا قتلوا أنبياءهم وكفروا، تبرّأ هؤلاء القوم منهم وسألوا أن يفرّق الله بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقا في الأرض، فصاروا فيه سنة ونصفا حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هناك مسلمون يصلّون إلى قبلتنا) (٢). وقال الكلبيّ والربيع: (هم قوم خلف الصّين على نهر يجري على الرّمل سمّي نهر أرداف، يمطرون باللّيل، يصبحون بالنهار ويزرعون، لا يصل إليهم منّا أحد ولا منهم إلينا، وهم على الحقّ، ذهب جبريل بالنبيّ ﷺ إليهم ليلة أسري به فكلّمهم. فقال جبريل: هل تعرفون هذا الذي تكلّمونه؟ قالوا: لا، قال: هذا محمّد ﷺ رسول الله النبيّ الأمّي، فآمنوا به وقالوا: يا رسول الله؛ إنّ موسى أوصانا فقال: من أدرك منكم محمّدا ﷺ فليقرئه منّي السّلام، فردّ محمّد ﷺ على موسى وعليهم السّلام، ثم أقرأهم عشر سور من القرآن أنزلت بمكّة، ولم يكن يومئذ نزلت فريضة غير الصّلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم وأمرهم أن يجمّعوا ويتركوا السّبت) (٣). قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً؛﴾ أي فرّقوا بني إسرائيل اثنتي عشرة فرقة، والسّبط في ولد اسحاق كالقبيلة في ولد إسماعيل، وإنّما ذكر (اثنتي عشرة) على لفظ التّأنيث وإن كان السبط مذكّرا؛ لأن الأسباط هي الفرق والجماعات. فان قيل: كيف قال (أسباطا) بالجمع ولا يجمع ما بعد العشرة على لفظ الجمع، وإنّما يقال: اثنى عشر درهما ولا يقال اثنى عشر دراهم؟ قيل: ذكر الزجّاج: (أنّ قوله

стр. 1173

(أسباطا) بدل لا يميّز، كأنّه قال: قطّعناهم أسباطا اثنتي عشرة).وقرأ أبان بن تغلب ابن زيد عن عاصم «(وقطعناهم)» بالتخفيف (١). قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ؛﴾ أي أوحينا إليه في التّيه حين طلب قومه منه الماء، ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ؛﴾ قال ابن عبّاس: (كان حجرا يحملونه معهم على حمار) ولهذا عرّف بالألف واللام. وقوله تعالى: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً؛﴾ الانبجاس: خروج الماء قليلا، والانفجار خروجه واسعا، وإنما قال (فانبجست)؛لأن الماء كان يخرج من الحجر في الابتداء قليلا ثم يتّسع فاجتمع فيه صفة الانبجاس والانفجار، وإنما تفجّر منه اثنتا عشرة عينا؛ لأنّهم كانوا اثنتي عشرة سبطا، وكان لا يخالط كلّ سبط السبط الآخر، ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ،﴾ كلّ سبط موضع شربه. قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ﴾ أي ظلّلنا عليهم بالنّهار في التّيه ليقيهم حرّ الشّمس، ﴿وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى؛﴾ فالمنّ الترنجبين، والسّلوى طائر يشبه السّماني. قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أي من خلال ما رزقناكم من المنّ والسّلوى ﴿وَما ظَلَمُونا؛﴾ أي وما ضرّونا بمخالفتهم أمرنا وإعراضهم عن شكر النعمة، ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١٦٠)؛ولكن ضرّوا أنفسهم. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ؛﴾ أي قيل لهم وقت خروجهم من التّيه اسكنوا القرية أريحا ببيت المقدس، ﴿وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ؛﴾ من نعيمها، ﴿وَقُولُوا؛﴾ مسألتنا؛ ﴿حِطَّةٌ؛﴾ أي احطط عنّا ذنوبنا، ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً؛﴾ باب أريحا خاشعين لله خاضعين، ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ؛﴾ ما سلف من ذنوبكم باستغفاركم وخضوعكم.

стр. 1174

وقرأ أهل المدينة «(تغفر)» بالتاء مضمومة، وقرأ ابن عامر بتاء مضمومة أخرى «(خطيّتكم)».وقوله تعالى: ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٦١)؛أي الذين لا ذنب لهم في الدّنيا نزيدهم فضلا في الآخرة ثوابا. قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ؛﴾ أي غيّر الذين ظلموا أنفسهم القول الذي أمروا به، فقالوا إطة سمقانا؛ أي حنطة حمراء، ويقال قالوا حطّة، ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ؛﴾ أي عذابا أنزلت بهم نارا وأحرقتهم، ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ (١٦٢)؛بتبديلهم ما أمروا به. قوله تعالى: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ؛﴾ معناه: سل يا محمّد يهود المدينة عن القرية التي كانت بقرب البحر وهي مدينة أيلة على ساحل البحر بين المدينة والشّام، وهذا سؤال توبيخ وتقرير وتعريف لهم، لا سؤال تعريف من قبلهم، وفي السؤال لهم بيان أنّ يهود المدينة جروا على عادة أسلافهم في التمرّد في المعصية، فكأنّ الله تعالى أمر نبيّه ﷺ أن يسألهم ما فعل الله بأهل تلك القرية، أليس قد جعلهم الله قردة بمخالفتهم أمر الله، فما يؤمّنكم في تكذيب محمّد ﷺ من عذاب الله. قوله تعالى: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ؛﴾ أي حيث يتجاوزون الحدّ بأخذهم السّمك في يوم السّبت، وقد أمروا أن لا يصطادوا فيه ويتفرّغوا للعبادة والطاعة. وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً؛﴾ قال ابن عباس: (أي ظاهرة على وجه الماء) (١).وقال الضحّاك: (متتابعة مثل الكباش البيض السّمان يومئذ أن تصاد) (٢).قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ أي لا يكون يوم السّبت، كانت الحيتان تغوص في الماء ولا تأتيهم شرّعا. وقرأ أبو نهيك: «(إذ يعدّون في السّبت)» بضمّ الياء وكسر العين وتشديد الدال؛ يهيّئون الآلة لأخذها. وقرأ ابن السّميقع «(في الأسبات)» على جمع السّبت. وقرأ بعضهم «(إذ تأتيهم حيتانهم يوم أسباتهم شرّعا)» فجعلت طائفة من أهل هذه المدينة

стр. 1175

يلقون الشّبكة في الماء في يوم السّبت، ويقولون حتى يقع فيها السّمك، ثم لا يخرجون الشّبكة من الماء إلاّ يوم الأحد، وقالوا إنّما نصطاد في يوم الأحد، قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١٦٣)؛أي كذلك نشدّد عليهم في التّكليف بعصيانهم وفسقهم. ووقف بعض القرّاء على قوله: (كذلك) على معنى لا تأتيهم في غير يوم السّبت كما تأتيهم في يوم السّبت، ثمّ ابتدأ فقال ﴿(نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ)﴾. فإن قيل: كيف عرّف الله الحيتان الفضل من يوم السّبت وغيره من الأيّام؟ قيل: لا يمتنع أنّ الله عرّفها ذلك أو قوّى دواعيها؛ أي إلى الشّروع في يوم السّبت معجزة لنبيّ ذلك الوقت وابتلاء لأولئك القوم. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً؛﴾ في الآية بيان أنه كان في هذه القرية فرقة يعظون المذنبين، والمعنى: إذ قالت عصبة من أهل تلك القرية للواعظين لم تعظون قوما الله مهلكم في الدّنيا أو معذّبهم عذابا شديدا في الآخرة؟ ولم يقولوا هذا كراهة للوعظ ولا رضى بالمعصية منهم، ولكن قالوا ذلك ليأسهم عن قبول الوعظ. وقوله تعالى: ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ؛﴾ أي قالت الفرقة الواعظة: موعظتنا إيّاهم معذرة إلى الله أن نبتلى بذلك عذرا عند الله. ومن قرأ «(معذرة)» بالنصب فعلى معنى يعتذرون معذرة. وقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (١٦٤)؛ أي ورجاء أن يتقوه، فكأن الواعظين لم ييأسوا من قبولهم الوعظ. وقيل: معناه: لعلهم يتقون صيد الحيتان. قوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ؛﴾ أي فلمّا تركوا ما وعظوا به، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ؛﴾ أي خلّصنا الذين ينهون عن حبس السّمك في الحظيرة يوم السّبت، ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ؛﴾ أي شديد، يقال بئس وبيس وبأس إذا اشتدّ، وبؤس يبؤس بؤسا إذا افتقر. وقوله تعالى: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١٦٥)؛أي بفسقهم.

стр. 1176

ولم يذكر في الآية حال الفرقة الثالثة، وقد روي عن ابن عبّاس أنه قال: (كان القوم ثلاث فرق، فكانت الفرقة الوسطى تعمل بالسّوء، والفرقة اليمنى تنهى وتحذّرهم بأس الله، وكانت الأخرى تكفّ ألسنتها وتمسك أيديها. فلمّا عملت الوسطى بذلك زمانا، وكثرت أموالهم، ولم ينزل بهم عقوبة، استبشروا وقالوا ما نرى السّبت إلاّ قد حلّ لنا وذهبت حرمته، وكانوا نحوا من سبعين ألفا، وكانت الفرقة النّاهية نحو اثنى عشر ألفا، يقولون لهم: لا تعدوا، ولا تأمنوا من عذاب الله، فلم يتّعظوا فأصبحوا وقد مسخهم الله قردة خاسئين، فمكثوا كذلك ثلاثة أيّام عبرة للنّاظرين، ثمّ ماتوا) (١). قال ابن عبّاس: ((وأنجينا الّذين ينهون عن السّوء) وليت شعري ما صنع الله بالّذين لم ينهوا) (٢)،وقال عكرمة: (بل أهلكهم الله أيضا وما نجّا إلاّ الّذين ينهون عن السّوء، وهلك الباقون بظلمهم بالاستحلال وترك الأمر بالمعروف).فقال ابن عبّاس: (نزل والله بالمداهن ما نزل بالمستحلّ). وقال الحسن: (نجت فرقتان، وهلكت فرقة) وأنكر القول الذي ذكر له عن ابن عبّاس، وقال: (ما هلكت إلاّ فرقة؛ لأنّه ليس شيء أبلغ في الأمر بالمعروف والوعظ من ذكر الوعيد، وقد ذكرت الفرقة الثّالثة الوعيد فقالت: لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذّبهم عذابا شديدا) وقول الحسن أقرب إلى ظاهر الآية (٣). قوله تعالى: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ؛﴾ أي أبوا أن يرجعوا عن المعصية، والعاتي هو شديد الدّخول في الفساد المتمرّد الذي لا يقبل الموعظة. وقوله تعالى: ﴿قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ؛﴾ (١٦٦) أي مطرودين مبعدين عن كلّ خير، من قولهم: خسأت الكلب إذا قلت له: اخسأ على الطرد له. قال ابن عبّاس: (يا لها من أكلة ما أوخمها أن مسخوا قردة في الدّنيا وفي الآخرة النّار).

стр. 1177

وعن الضحّاك قال: (ألقى الله في فكر النّاهين حتّى باعوا الدّور والمساكن، وخرجوا من القرية، فضربوا الخيام خارجا منها، فأقبل العذاب وهم ينظرون، فبدأ المسخ من الرّأس حتّى صارت لهم أذناب كأذناب القردة، فكان النّاهون لا يرون أحدا يخرج من القرية، قالوا: لعلّ القوم قد خسفوا أو رموا بحجارة من السّماء، فحملوا رجلا منهم على سلّم فأشرف عليهم، فإذا هم قردة لهم أذناب، فصاح فقال: إنّ القوم قد صاروا قردة، فكسروا الباب، فدخلوا عليهم منازلهم فإذا هم يبكون ويضربون بالأذناب، يعرف الرّجل من المرأة، فقالوا لهم: ألم ننهكم عن معصية الله؟ فأشاروا برءوسهم: بلى؛ ودموعهم تسيل على خدودهم). قال أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ : إنّه سئل: هل في أمّتك خسف؟ قال: [نعم] قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: [إذا لبسوا الحرير، واستباحوا الزّنا، وشربوا الخمور، وطفّفوا المكيال والميزان، واتّخذوا القينات والمعازف، وضربوا بالدّفوف، واستحلّوا الصّيد في الحرم]. وقال عكرمة: (جئت ابن عبّاس وهو يبكي والمصحف في حجره، فقلت: ما يبكيك؟ قال: هؤلاء الورقات، فإذا هي سورة الأعراف، فقال: أتعرف أيلة؟ قلت: نعم، قال: كان بها حيّ من اليهود في زمان داود، حرّم عليهم صيد الحيتان، واختاروا السّبت فابتلوا فيه، وحرّم عليهم فيه الصّيد، وأمروا بتعظيمه إن أطاعوا أجروا، وإن عصوا عذّبوا. وكانت الحيتان تأتيهم يوم السّبت شرّعا بيضا سمانا كأنّها الكباش تنطح، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، فوسوس لهم الشّيطان، وقال: إنّما نهيتم عن أخذها يوم السّبت، فاتّخذوا الحياض وكانوا يسوقون إليها الحيتان يوم الجمعة، فتبقى فيها ولا يمكنها الخروج منها لقلّة الماء فيأخذوها يوم الأحد، فلمّا رأوا العذاب لا يأتيهم أخذوا وأكلوا وعبّوا وكثر مالهم، فلعنهم داود ﵇ فأصبحوا قردة خاسئين).وقال قتادة: (صار الشّباب قردة، والشّيوخ خنازير) (١).

стр. 1178

قوله تعالى: ﴿(بِعَذابٍ بَئِيسٍ)﴾ أي شديد وجيع، قرأ أهل المدينة بكسر الباء وجزم الياء من غير همز، وقرأ ابن عامر كذلك إلا أنّه بهمزة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بالفتح وجزم الياء وفتح الهمزة على وزن فيعل مثل صيقل؛ وقرأ أهل البصرة «(بئيس)» بفتح الباء وكسر الهمزة على وزن فعيل، وقرأ الحسن «(بيس)» بكسر الباء وفتح السّين على «(بيس العذاب)»،وقرأ مجاهد «(بايس)» على وزن فاعل، وقرأ أبو إياس بفتح الباء والياء من غير همز، وقرأ الباقون «(بئيس)» على وزن فعيل. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ؛﴾ معناه: وإذ علم ربّك، وقد يأتي تفعّل بمعنى افعل يقال: أوعدني وتوعّدني ومعناهما واحد، وقيل: معنى (تأذن) أقسم ربّك. قوله تعالى: ﴿(لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ)﴾ أي ليبعثنّ على من يبقى منهم من الذين لا يؤمنون من بعدهم الجزية والقتل فبعث الله محمّدا ﷺ وأمّته فوضعوا عليهم الجزية إلى يوم القيامة، وفي هذه الآية دلالة على أنّ اليهود لا ترفع لهم راية عزّ إلى يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ؛﴾ يجوز أن يكون المراد به عقوبة الآخرة وكلّ آت قريب، ويجوز أن يكون المراد به أنه سريع العقاب لمن شاء أن يعاقبه في الدّنيا. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٦٧)؛أي لمن تاب عن الكفر والمعاصي. قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً؛﴾ معناه: وفرّقنا اليهود في البلاد تفريقا شديدا استثنى أمرهم فليس لهم مكان يجتمعون فيه، ولا يمكنهم المقام في موضع إلاّ على ذلّ بالقتل والجزية. قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ؛﴾ أراد بالصّالحين مؤمني أهل الكتاب، وقيل: أراد بهم الذين وراء نهر أرداف، بمعنى الذين وراء رمل عالج من قوم موسى الذين ذكرنا أنّ النبيّ ﷺ ليلة أسري به مرّ بهم، وقد ذكرنا في ما تقدّم. وقوله تعالى: ﴿(وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ)﴾ أراد به الكفار منهم كأنّه قال: ومنهم الصّالحون ومنهم سوى الصالحين. وقيل: معناه: ومنهم دون ذلك هم في رمل عالج يعني الذين هم في هذه البلاد من اليهود.

стр. 1179

قوله تعالى: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ؛﴾ أي اختبرناهم بالخصب والجدب، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١٦٨)؛من الكفر إلى الإيمان. قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ؛﴾ أي خلف من بعد هؤلاء الذين قطّعناهم في الأرض ذرّية سوء، وهم الذين أدركهم النبيّ ﷺ ، قال ابن الأعرابي (١): (الخلف بفتح اللاّم الصّالح، وبإسكان اللام الطّالح)،قال لبيد: ذهب الّذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب ومنه قيل لردّ الكلام خلف، ومنه المثل السائر (سكت ألفا ونطق خلفا)،قال النّضر بن شميل: (الخلف بفتح اللاّم وإسكانها في القرن السّوء، وأمّا القرن الصّالح فتحريكها لا غير، قال الشّاعر: إنّا وجدنا خلفنا بئس الخلف ... عبدا إذا ما ناء بالحمل خضف (٢) وقال محمّد بن جرير: (أكثر ما جاء في المدح بفتح اللاّم، وفي الذم بتسكينها، وقد تحرّك في الذمّ ويسكّن في المدح. قال حسّان في المدح: لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأوّلنا في طاعة الله تابع قال: (وأحسبه في الذمّ مأخوذ من خلف اللّبن إذا حمض من طول تركه في السّقاء حتّى يفسد، ومنه قولهم: خلف فم الصّائم؛ إذا تغيّرت ريحه وفسدت، فكأنّ الرّجل الفاسد مشبّه به) (٣).والحاصل أنّ كلا منهما يستعملان في الشرّ والخير، إلاّ أنّ أكثر الاستعمال في الخير بالفتح. قوله تعالى: ﴿(وَرِثُوا الْكِتابَ)﴾ أي التّوراة، والميراث ما صار للباقي من جهة البادي كأنه قال فخلف من بعد الهالكين منهم خلف ورثوا الكتاب. وقوله تعالى:

стр. 1180

﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى؛﴾ يعني به أخذ الرّشوة في الحكم؛ لتغيّر الحقّ إلى الباطل. وقال بعضهم: كانوا يحكمون بالحقّ لكن بالرّشوة، وإنما سمي متاع الدنيا عرضا لقلّة بقائه كأنه يعرض فيزول. قال الله تعالى: ﴿هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ (١) أراد بذلك السّحاب. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا؛﴾ أي يقولون مع أخذهم الرّشوة أنه سيغفر لنا ذلك، وما عملناه باللّيل كفّر عنا بالنهار، وما عملناه بالنهار كفّر عنا بالليل، ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ؛﴾ معناه: وإن عرض لهم ذنب آخر عملوه، وفي هذا بيان أنّهم كانوا يصرّون على الذنب وأكل الحرام، وكانوا يستغفرون مع الإصرار، فكيف يغفر لهم. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ؛﴾ معناه: ألم يؤخذ عليهم الميثاق في التّوراة ألاّ يقولوا على الله إلا الصّدق، وكان في التوراة أنّ من ارتكب ذنبا عظيما لم يغفر له بالتوبة، ﴿وَدَرَسُوا ما فِيهِ؛﴾ فكانوا يدرسون ما في التّوراة، ويذكرون ما أخذ عليهم من المواثيق، يقولون مع إصرارهم على الذّنوب: سيغفر لنا. وقال الحسن: (معنى الآية أنّهم كانوا يأخذون الدّنيا من كلّ وجه حرّم عليهم ويمنعون كلّ حقّ، وينفقون في كلّ سرف، ويتمنّون مع هذه الأشياء على الله الأمانيّ، ويقولون: سيغفر لنا، وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه كما أخذوا، ألم يعرفوا في الكتاب خلاف ما هم عليه).وقرأ السلميّ: «(وادّارسوا فيه مثل ادّاركوا)» (٢). قوله تعالى: ﴿وَالدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ؛﴾ أي يتّقون المعاصي والشّرك وأكل الحرام، ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١٦٩)؛ما يدرسون في كتابهم، وقيل: أفلا يعقلون أن الإصرار على الذنب ليس من علامة المغفور لهم.

стр. 1181

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ؛﴾ معناه: والذين يعملون بما في كتاب الله، قال مجاهد (١): (هم اليهود والنّصارى الّذين يمسكون بالكتاب الّذي جاء به موسى، لا يحرّفونه ولا يكتمونه، أحلّوا حلاله وحرّموا حرامه، ولا تتّخذونه مأكلة، نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه). وقال عطاء: (يعني أمّة محمّد ﷺ .قوله تعالى: ﴿(وَأَقامُوا الصَّلاةَ)﴾ أي عملوا الصالحات، إلاّ أنّه خصّ الصّلاة بالذّكر لعظم شأنها، وقوله تعالى: ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ (١٧٠)؛أي نعطيه أجرهم في القول والعمل. قوله تعالى: ﴿*وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ؛﴾ معناه: واذكر يا محمّد إذ قلعنا الجبل من أصله فجعلناه كالظّلّة فوق رأس بني إسرائيل، وكلّ شيء اقتلعته فقد نتقته، ومنه نتقت المرأة إذا أكثرت الولد؛ أي اقتلعت ما في رحمها من ولدها، وامرأة منتاق إذا كانت تكثر الولد. وقال مجاهد: (نتقنا الجبل؛ أي قطعنا الجبل).وقال الفرّاء: (علّقنا).وقال بعضهم: أصل النّتوق والنّتق أن تقطع الشيء من موضعه فترمي به، وقال أبان بن ثعلبة: (سمعت رجلا من العرب يقول لغلامه خذ الجوالق (٢) وانتقه؛ أي نكّسه). قوله تعالى: ﴿(كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ)﴾. قال عطاء (كأنّه سقيفة، والظّلّة كلّ ما أظلّك). قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ؛﴾ أي ظنّوا أنه ساقط عليهم لارتفاعه فوقهم، وكان السبب في رفعه فوقهم أنه لمّا شقّ عليهم ما كان في التوراة من المواثيق، وخافوا أن لا يمكنهم الوفاء به امتنعوا عن التزامه، فرفع الله الجبل فوقهم. وقوله تعالى: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ؛﴾ أي وقلنا لهم خذوا ما آتيناكم بقوّة؛ أي اعملوا به بجدّ ومواظبة في طاعة، ﴿وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٧١)

стр. 1182

أي ما في الكتاب الذي أعطيناكم من عظة وجزاء لكي تتّقوا المعاصي، وكان دكّا حين أبوا أن يقبلوا أحكام التّوراة ويعملوا بما فيها، وكانت شريعة ثقيلة فرفع الله عليهم جبلا على مقدار عسكرهم، وكانوا فرسخا في فرسخ، وقيل لهم: إن قبلتم ما فيها وإلاّ لنوقعنّه عليكم. قال الحسن: (فلمّا نظروا إلى الجبل، خرّ كلّ رجل منهم ساجدا على حاجبه الأيسر، ونظر بعينه اليمنى إلى الجبل خوفا أن يسقط عليهم، فلذلك ليس في الأرض يهوديّ إلاّ وهو يسجد على حاجبه الأيسر، ويقولون: هذه السّجدة الّتي رفعت بها عنّا العقوبة) (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى؛﴾ قال المفسّرون: لمّا خلق الله آدم مسح ظهره، وأخرج منه ذرّيّته كلّهم كهيئة الذرّ، واختلفوا في موضع الميثاق، فقال ابن عبّاس: (هو بطن نعمان واد جنب عرفة) (٢)،وقيل: هي أرض الهند، وقال الكلبيّ: (هو ما بين مكّة والطّائف) (٣). وقال السديّ: (أخرج الله آدم من الجنّة، ولم يهبطه إلى الأرض، فأخرج من ظهره ذرّيّته وكلّ من هو خارج إلى يوم القيامة، فأخرج من صفحة ظهره اليمنى ذرّيّة صغارا بيضا مثل اللّؤلؤ، فقال لهم: أدخلوا الجنّة برحمتي، وأخرج من صفحة ظهره اليسرى ذرّيّة سودا، وقال لهم: أدخلوا النّار ولا أبالي). فذلك قوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ﴾ (٤)،و ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾. و ﴿أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ (٥)،وركّب

стр. 1183

فيهم جميع العقول حتى سمعوا كلام الله وفهموا خطابه، فقال لهم: اعلموا أنه لا إله غيري، ولا ربّ لكم سواي، فلا تشركوا بي شيئا، وأنّي مرسل إليكم رسلا يذكّرونكم عهدي وميثاقي ومنزّل عليكم كتابا فتكلّموا ألست بربكم؟ فقالوا: بلى، شهدنا أنّك ربّنا وإلهنا لا ربّ غيرك. فأقرّوا كلّهم طائعين، وأخذ بذلك ميثاقهم وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصابهم. فنظر إليهم آدم ﵇ فرأى فيهم الغنيّ والفقير، وحسن الصّورة وغير ذلك، فقال: يا رب لو شئت سوّيت بينهم، قال: ونظر إلى الأنبياء بينهم يومئذ مثل السّرج، فلما أخذ عليهم الميثاق ردّهم إلى صلب آدم، فالناس محبوسون في أصلاب آبائهم حتى يخرج كلّ من أخرجه في ذلك الوقت، وكلّ من ثبت على الإسلام فهو على الفطرة الأولى، وكلّ من جحد وكفر، فإنّما تغيّر عنها، ومنه قوله ﷺ : [كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه، حتّى يعرب عنه لسانه إمّا شاكرا وإمّا كفورا] (١) فلا تقوم الساعة حتى يولد كلّ من أخذ ميثاقه، لا يزيد فيهم ولا ينقص منهم. وتقدير الآية: وإذ أخذ ربّك من ظهور بني آدم ذرّياتهم، ولم يذكر ظهر آدم، وإنّما أخرجوا يوم الميثاق من ظهره؛ لأنه أخرج ذرّية آدم بعضهم من ظهر بعض على نحو ما يتولّد الأبناء من الآباء، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم بقوله: ﴿(مِنْ بَنِي آدَمَ)؛﴾ لأنه قد علم أنّهم كلّهم بنوه، وأخرجوا من ظهره. قوله تعالى: ﴿شَهِدْنا؛﴾ يجوز أن يكون هذا من قول الذين أخذ عليهم الميثاق. ثم ابتدأ فقال تعالى: ﴿(شَهِدْنا)﴾ ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ (١٧٢)؛ويجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله: (بلى) ثم يقول الله تعالى: شهدنا عليكم، وأخذنا الميثاق كيلا يقولوا يوم القيامة: ﴿(إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ)﴾ أي عن هذا الميثاق والإقرار.

стр. 1184

قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ؛﴾ أي ولكيلا تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل، وكنّا ذرّية من بعدهم فاتّبعناهم؛ لأنّا قد جعلنا في عقولكم ما يمكّنكم أن تعرفوا به صحّة ما كان عليه آباؤكم وفساده. وقوله تعالى: ﴿أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١٧٣)؛أي آباؤنا المشركون، يقال لهم: لا نهلككم بما فعل آباؤكم، وإنّما نهلككم بما فعلتم أنتم. فإن قيل: كيف يكون الميثاق حجّة عليهم-أي على الكفّار منهم-وهم لا يذكرون ذلك حين أخرجهم من صلب آدم؟ قيل: لمّا أرسل الله الرّسل، فأخبروهم بذلك الميثاق، وصار قول الرّسل حجّة عليهم. قوله: ﴿(ذُرِّيَّتَهُمْ)﴾ قرأ أهل مكّة وأهل الكوفة «(ذرّيّتهم)» بغير ألف، وقرأ الباقون بالألف على الجمع، وقوله تعالى: ﴿(أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ)﴾ ﴿(أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ)﴾ قرأ أبو عمرو بالياء، وقرأ الباقون بالتّاء فيهما. وقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ؛﴾ أي هكذا نبيّن الآيات كما بيّنّاها في أمر الميثاق، و ﴿(نُفَصِّلُ الْآياتِ)﴾ ذكر آية بعد آية من الموعظة والمعصية والوعد والوعيد. قوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١٧٤)؛أي لكي يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان، والمعنى: ليعلموها مفصّلة ولعلّهم يرجعون. وقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها؛﴾ قال ابن عبّاس وابن مسعود: (نزلت في بلعم بن باعورا) (١)،قال مجاهد: (ويقال لهم: بلعم بن باعر) (٢)،وقال مقاتل: (ويقال له أيضا: بلعام، وكان عابدا من عبّاد بني إسرائيل، وكان في المدينة التي قصدها موسى ﵇، وكان أهل تلك المدينة كفّارا، وكان عنده اسم الله الأعظم، فسأله ملكهم أن يدعو على موسى بالاسم الأعظم

стр. 1185

ليدفعه عن تلك المدينة، فقال لهم: دينه وديني واحد، وهذا شيء لا يكون، فكيف ادعو عليه وهو نبيّ الله، ومعه الملائكة والمؤمنون، وأنا أعلم من الله ما أعلم، وإني إن فعلت ذلك ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به يفتنونه بالمال والهدايا حتى فتنوه فافتتن. فركب أتانا له متوجّها إلى جبل ليدعو عليه، فما سار على الأتان إلاّ قليلا فربضت فنزل عنها، فضربها حتى كاد يهلكها، فقامت فركبها فربضت، فضربها فأنطقها الله تعالى، فقالت: يا بلعم ويحك أين تذهب؟ ألا ترى إلى هؤلاء الملائكة أمامي تردّني عن وجهي؟ فكيف تريد أن تذهب لتدعو على نبيّ الله ﵇ وعلى المؤمنين؟ فخلّى سبيلها، وانطلق حتى أتى إلى الجبل وحين وصل إلى الجبل، وجعل يدعو فكان لا يدعو بسوء إلاّ صرف الله لسانه إلى موسى، فقال له قومه: يا بلعم! إنّما أنت تدعو علينا وتدعو لهم؟ فقال: هذا والله الذي أملكه، وأنطق الله به لساني. ثم امتدّ لسانه حتى بلغ صدره، فقال لهم: قد ذهب منّي الآن الدّنيا والآخرة فلم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، حلّوا النساء وزيّنوهنّ وأعطوهن الطّيب، وأرسلوهن إلى العسكر ومروهنّ لا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنّهم إن زنى منهم رجل واحد كفيتموهم، ففعلوا. فلما دخل النساء العسكر مرّت امرأة منهم برجل من عظماء بني إسرائيل، فقام إليها فأخذها بيده حين أعجبته بحسنها، ثم أقبل بها إلى موسى وقال له: إني لأظنّك أن تقول هذه حرام؟ قال: نعم هي حرام عليك لا تقربها، قال: فو الله لا نطيعك في هذا! ثم دخل بها قبّته فوقع عليها، فأرسل الله على بني إسرائيل الطاعون في الوقت. وكان فنحاص بن العيزرا صاحب أمر موسى، وكان رجلا له بسطة في الخلق وقوّة في البطش، وكان غائبا حين صنع ذلك الرجل بالمرأة ما صنع، فجاء والطاعون يحوس في بني إسرائيل، فأخبر الخبر، فأخذ حربته وكانت من حديد كلّها، ثم دخل عليه القبّة، فوجدهما متضاجعين فدقّهما بحربته حتى انتظمهما بها جميعا، فخرج بهما يحملهما بالحربة رافعا بهما إلى السّماء، والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه وأسند الحربة إلى لحيته وجعل يقول: اللهمّ هكذا نفعل بمن يعصيك، فرفع الطاعون

стр. 1186

من حينئذ عنهم. فحسب من هلك من بني إسرائيل في ذلك الطاعون، فوجدوهم سبعين ألفا في ساعة من نهار وهو ما بين أن زنى ذلك الرجل بها إلى أن قتل (١). وقال مقاتل: دعا بلعم على موسى وقومه بالاسم الأعظم أن لا يدخل المدينة (٢)،فاستجيب له ووقع موسى وقومه في التّيه بدعائه عليه، فقال: يا رب بأيّ ذنب وقعنا في التّيه؟ قال: بدعاء بلعم، قال: يا رب فكما سمعت دعاءه فاسمع دعائي عليه، فدعا موسى أن انزع عنه الاسم الأعظم والإيمان، فسلخه الله مما كان عليه، ونزع عنه المعرفة، فخرجت منه كحمامة بيضاء، فذلك قوله تعالى: ﴿(فَانْسَلَخَ مِنْها)﴾. إلا أنّ في هذا ما يمنع صحّته ولا يجوز أن يستجاب دعاؤه. وروي عن عبد الله بن عمران: أنّ الآية نزلت في أميّة بن أبي الصّلت الثقفيّ (٣)، وهو رجل كان في وقت النبيّ ﷺ ، وكان قد أتاه الله العلم والحكمة، وله أشعار في الموت والبعث، وكان قد علم أنّ الله يبعث نبيّا في وقته، وكان يرجو أن يكون ذلك النبيّ، فلما بعث الله محمّدا ﷺ ورأى من أمره ما رأى، عزم أن لا يؤمن به حسدا له، ومعنى الآية: واقرأ يا محمّد خبر الذي آتيناه علم آياتنا وفهم معانيها فصار عالما بها. والنّبأ: الخبر عن أمر عظيم، وقوله تعالى: ﴿(فَانْسَلَخَ مِنْها)﴾ أي خرج من العلم بها إلى الجهل، ومن الهدى إلى الضلالة، كما يقال: انسلخت الحيّة من جلدها. وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ؛﴾ أي أتبعه بالتّزيين لذلك الضّلال، ويقال: معنى أتبعه: أدركه، يقال: أتبعت القوم إذا لحقتهم، وتبعتهم إذا سرت إليهم. وقوله تعالى: ﴿فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ (١٧٥)؛أي كان في علم الله أن يكون في ذلك الوقت من الغاوين، وقيل: صار من الضّالّين. والغيّ يذكر بمعنى الهلاك، ويذكر بمعنى الخيبة. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها؛﴾ أي بالآيات بأن نميته على الهدى ونعصمه عن الكفر ونحول بينه وبين المعصية. وقيل: معناه: لفضّلناه وشرفناه ورفعناه

стр. 1187

منزلة بالآيات. قال مجاهد وعطاء: (معناه: ولو شئنا رفعنا عنه الكفر بالآيات وعصمناه، ﴿وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ؛﴾ أي ركن إلى الأرض)،وقال مجاهد: (سكن إلى الأرض) (١)،وقال مقاتل: (رضي بالدّنيا) (٢)،وقيل: مال إلى مسافل الأمور، وترك معاليها. وأصل الإخلاد البقاء والإقامة واللّزوم على الدوام، كأنه قال: لزم الميل إلى الأرض؛ ليعجل الراحة واللّذات، يقال: فلان مخلّد؛ أي بطيء الشّيب. قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ؛﴾ أي انقاد لهواه، فلم يرفعه بالآيات، قال عطاء: (أراد الدّنيا واتّبع شيطانه)،وقال بعضهم: ﴿(وَاتَّبَعَ هَواهُ)﴾ أي امرأته؛ لأنّها كانت حملته على الخيانة. قوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ؛﴾ اللهث: شدّة النّفس عند الإعياء، وهو في الكلب طبع، فإنّ كلّ شيء يلهث من إعياء وعطش ما خلا الكلب، فإنّه يلهث في الأحوال كلّها، فإنّك إن طردته وزجرته يلهث، وإن تركته يلهث، فكذلك الكافر إن وعظته وزجرته لم يتّعظ، وإن تركته لم يعقل، وقال ابن عبّاس: (معناه أنّ الكافر إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها، وإن ترك عنها لم يهتد إليها، كالكلب إن كان رابضا لهث، وإن طرد لهث) (٣). وقيل: هو المنافق لا ينيب إلى الحقّ دعي أم لم يدع، وعظ أو لم يوعظ، كالكلب يلهث ترك أو طرد، وكذلك الكافر إن وعظته فهو ضالّ، وإن تركته فهو ضالّ كالكلب، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ﴾ (٤). قوله تعالى: ﴿ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا؛﴾ أي ذلك صفة المكذّبين بآياتنا، ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ؛﴾ أي اقصص عليهم أخبار المنافقين؛ ليعتبروا

стр. 1188

بهم فلا يسلكوا مسالكهم. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١٧٦)؛أي رجاء أن يتفكّروا. قوله تعالى: ﴿ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا؛﴾ أي بئس الوصف وصف القوم الذين كذبوا بآياتنا، وهذا السّوء إنما يرجع إلى فعلهم لا إلى نفس المثل، كأنه قال: ساء فعلهم الذي جلب إليهم الوصف القبيح، فأمّا المثل من الله فحكمة وصواب، و (مثلا) منصوب على التمييز، أي ساء المثل مثلا. قوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ (١٧٧)؛أي إنما يصرفون أنفسهم لمعصيتهم، والله تعالى لا تضرّه معصية العاصين، ولا تنفعه طاعة المطيعين. قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي؛﴾ أي من يوفّقه الله لدينه فهو المهتدي من الضّلالة، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ؛﴾ خذله عن دينه، ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (١٧٨)؛المغبونون بعقوبة الآخرة. قوله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ؛﴾ وقال ابن عباس: (معناه: ولقد خلقنا لجهنّم أهلا) (١)، ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها؛﴾ الخير، ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها؛﴾ الهدى، ﴿وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها؛﴾ الحقّ، ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ؛﴾ في المأكل والمشرب، والذّهن لا في الصّور، ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ؛﴾ لأنّ الأنعام مطيعة لله تعالى، والكافر غير مطيع. وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ (١٧٩)؛أي عن ما ينفعهم وعن ما يحلّ لهم في الآخرة. وقيل: إنّ اللام في قوله: (لجهنّم) لام العاقبة، يعني أنّ عاقبتهم إلى المصير إلى جهنّم، وهذا كما قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ (٢) أي كان عاقبتهم أن صار لهم عدوّا وإلاّ فهم التقطوه ليكون لهم قرّة عين، كما قال تعالى: ﴿وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ (٣)،ويقال:

стр. 1189

لدّوا للموت وابنوا للخراب (١) قال الشاعر: أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدّهر نبنيها وقال آخر: ألا كلّ مولود فللموت يولد ... ولست أرى حيّا لحيّ يخلّد وقال آخر: وللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدّهر تبنى المساكن وعن رسول الله ﷺ في هذه الآية قال: [إنّ الله تعالى لمّا ذرأ لجهنّم ما ذرأ، كان ولد الزّنا ممّن ذرأ لجهنّم] (٢). قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ؛﴾ سبب نزول هذه الآية: أن ((رجلا)) دعا الله في صلاته، ودعا الرحمن، فقال أبو جهل لعنه الله: أليس يزعم محمّد ﷺ وأصحابه أنّهم يعبدون ربّا واحدا، فما بال هذا يعبد ربّين اثنين؟! فأنزل الله هذه الآية (٣). ومعناها: ولله الصفات العلى؛ وهي: الرحمن؛ والرحيم؛ والعزيز؛ والجبّار؛ والمؤمن؛ والمهيمن؛ والقدّوس؛ وأشباه ذلك من الصفات التي معانيها ﴿(فَادْعُوهُ بِها)﴾ أي بالأسماء الحسنى، لا ينبغي أن يقول: يا سخيّ؛ يا جلال؛ يا رفيق، ولكن ليقل: يا جواد يا سخيّ يا قويّ يا رحيم كما وصف بها نعته. قوله تعالى: ﴿(وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ)﴾ أي يكذّبون، وقال قتادة: (يشركون)،وقال عطاء: (يضاهون)،وقال ابن عبّاس: (إلحادهم في أسماء الله أنّهم عدلوا بها عمّا هي عليه، فسمّوا بها أوثانهم وزادوا فيها ونقصوا منها، واشتقّوا

стр. 1190

اللاّت من الله؛ والعزّى من العزيز؛ والمناة من المنّان) (١). قرأ الأعمش وحمزة «(يلحدون)» بفتح الياء والحاء هنا وفي النحل (٢) وفي حم (٣)، وقرأ الباقون بضمّ الياء وكسر الحاء وهما لغتان فصيحتان. والإلحاد: هو الميل عن القصد، وروي عن الكسائيّ أنه الذي في النحل بفتح الياء والحاء، والذي في الأعراف وحم بالضمّ، وكان يفرّق بين الإلحاد فيقول: (الإلحاد: العدول عن القصد، واللّحود: الرّكون) ويزعم أن الذي في النحل بمعنى الرّكون. قوله تعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٨٠)؛وعيد لهم على الكفر والتكذيب. قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (١٨١)؛ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّه لمّا ذكر الله تعالى ﴿(وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)﴾ قال أناس من أصحاب النّبيّ ﷺ : ذكر الله هؤلاء الرّهط بالخير الجسيم، وإن آمنوا بك وصدّقوك جعل الله لهم أجران، ولنا أجر واحد، ونحن صدّقنا بالكتب وبالرّسل، فأنزل الله تعالى: ﴿(وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ)﴾ يعني أمّة محمّد ﷺ ، لا يخلو الزّمان من فرقة منهم علماء أتقياء يدعون النّاس إلى الحقّ). قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٨٢) أي الذين كذبوا بدلائلنا سنحطّهم إلى العذاب درجة إلى أن يبلغوا إلى العذاب، وقال عطاء: (سنمكّن لهم من حيث لا يعلمون).وقال الكلبيّ: (نزيّن لهم أعمالهم فنهلكهم).وقال الضحّاك: (كلّما جدّدوا لنا معصية جدّدنا لهم نعمة) (٤).وقال الخليل: (سنطوي عمرهم في اغترار منهم).

стр. 1191

وقال أهل المعاني: الاستدراج: أن تندرج إلى الشيء في خفية قليلا قليلا، ولا يتابع ولا يجاهر (١)،يقال: استدرج فلانا حتى نعرف ما صنع؛ أي لا تجاهره ولا تكثر عليه السّؤال دفعة واحدة، ولكن كلّمه درجة درجة وقليلا قليلا حتى نعرف حقيقة ما فعل. وقيل: معنى قوله ﴿(سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ)﴾ سنذيقهم من بأسنا قليلا قليلا. قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (١٨٣)؛أي أمهلهم وأطيل لهم المدة، فإنّهم لا يفوتونني ولا يفوتني عذابهم ولا يعجزونني عن تعذيبهم. وقوله: ﴿(إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)﴾ إنّ صنعي شديد محكم، وأخذي قويّ شديد. والكيد: هو الإصرار بالشّيء من حيث لا يشعر به. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ؛﴾ قال الحسن وقتادة: (وذلك أنّ النّبيّ ﷺ صعد الصّفا ذات ليلة يدعو قريشا إلى عبادة الله قبيلة قبيلة وفخذا فخذا: يا بني فلان، يحذّرهم بأس الله وعقابه، فقال المشركون: إنّ صاحبكم قد جنّ؛ بات ليله يصوّت إلى الصّباح، فأنزل الله هذه الآية) (٢).ومعناها: أولم يتفكّروا بقلوبهم ليعلموا ويستيقنوا ما بمحمّد ﷺ من جنون. قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (١٨٤)؛أي ما هو إلاّ يعلم لموضع المخافة ليتّقى ولموضع الأمن ليبتغى. وقوله تعالى ﴿(مُبِينٌ)﴾ أي بيّن أمره؛ فهلاّ جالسه الكفار فيطلبوا حقيقة أمره، ويتفكّروا في دلائله ومعجزاته. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ معناه: أولم ينظروا في السّماوات والأرض طالبين لما يدلّهم على وحدانيّة الله تعالى، وعلى صدق رسوله في ما دعاهم إليه. والملكوت: هو الملك العظيم. قوله تعالى: ﴿(وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ)﴾ معناه: وما خلقه الله بعد السّماوات والأرض، فإن ذلك يدلّ على وحدانيّة الله تعالى مثل ما تدلّ السموات والأرض. (ما) بمعنى الّذي.

стр. 1192

قوله تعالى: ﴿وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ؛﴾ معناه: أولم ينظروا في أن عسى أن يكون قد دنا هلاكهم بعد قيام الحجّة عليهم. وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (١٨٥)؛معناه: إن لم يؤمنوا بهذا القرآن مع وضوح دلالته فبأيّ حديث بعده يؤمنون، وليس بعده كتاب منزّل ولا نبيّ مرسل. قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ؛﴾ إليه، وقوله تعالى: ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١٨٦)؛أي وندعهم في مجاوزتهم الحدّ في كفرهم يتجرّءون فلا يرجعون إلى الحقّ، ومن قرأ «(ونذرهم)» بالنون وضمّ الراء فهو على الاستئناف، وتقرأ «(ونذرهم)» بالجزم عطفا على موضع الفاء، والمعنى: من يضلل الله يذره في طغيانه عامها. قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها؛﴾ قال الحسن وقتادة: (سألت قريش رسول الله ﷺ : متى السّاعة الّتي تخوّفنا بها؟ فأنزل الله هذه الآية) (١)، ومعناها: ﴿(يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ)﴾ أي أوان قيامها ومتى مثبتها، يقال: رسي الشيء يرسو إذا ثبت، ومنه الجبال الرّاسيات؛ أي الثابتات، والمرسى: مستقرّ الشّيء الثقيل، وقال ابن عبّاس: (سألت اليهود محمّدا ﷺ فقالوا له: أخبرنا عن السّاعة إن كنت نبيّا فإنّا نعلم متى هي، فأنزل الله هذه الآية) (٢). قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ؛﴾ أي علم قيامها عند الله سبحانه، ما لي بها من علم، ﴿(لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ)﴾ أي لا يكشفها ويظهرها لحينها إلاّ الله ، وقال مجاهد: (أي لا يأتي بها إلاّ هو)، وقال السديّ: (لا يرسلها لوقتها إلاّ هو) (٣).ووجه الامتناع عن الإجابة عن بيان وقتها، أنّ العباد إذا لم يعرفوا وقت قيامها كانوا على حذر من ذلك، فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية.

стр. 1193

وقوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ قال الحسن: (ثقل وضعها على أهل السّماوات والأرض من انتثار النّجوم وتكوير الشّمس وتسيير الجبال). وقال قتادة: (ثقلت على السّماوات والأرض لا تطيقها لعظمها).وقال السديّ: (ثقل علمها على أهل السّماوات والأرض فلم يطيقوا إدراكها وكلّ شيء خفي فقد ثقل، ولا يعلم قيامها ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل) (١). قوله تعالى: ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً؛﴾ أي فجأة لا يعلمون وقت قيامها، فتقوم والرجل يسقي ماشيته، والرجل يصلح حوضه، والرجل يقيم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه، والرجل يهوي بلقمته في فمه، فما يدرك أن يضعها في فمه. قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها؛﴾ قال الضحّاك ومجاهد: (معناه كأنّك عالم بها) (٢)،وقال ابن عبّاس: (هذا على تقديم وتأخير، معناه: ﴿(يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها)﴾ أي بارّ لطيف بهم من قوله: ﴿إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ (٣)) (٤)،وقيل: معناه كأنّك فرح بمسألتهم إيّاك، وقيل: معناه: كأنّك حاكم بها، يقال: تحافينا إلى فلان؛ أي تخاصمنا إليه، والحافي هو الحاكم. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ؛﴾ الفائدة في إعادته ردّ المعلومات كلّها إلى الله، فيكون التكرار على وجه التأكيد، وقيل: أراد بالأول علم وقتها، وبالثاني علم كنهها. قوله تعالى: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٨٧)؛أنّها كائنة وأن علمها عند الله، وفي الآية دلالة على بطلان قول من يدّعي العلم بمدّة الدّنيا، ويستدلّ بما روي أنّ الدنيا سبعة آلاف سنة؛ لأنه لو كان كذلك كان قيام الساعة معلوما، وأما قوله ﷺ : [بعثت أنا والسّاعة كهاتين] وأشار إلى السّبّابة

стр. 1194

والوسطى (١)،فمعناه تقريب الوقت لا تحديده كما قال تعالى: ﴿فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها﴾ (٢) أي بعث النبيّ ﷺ من أشراطها. قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللهُ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ أهل مكّة قالوا: يا محمّد ألا يخبرك ربّك بالسّعر الرّخيص قبل أن يغلو فنشتريه ونربح فيه، وبالأرض الّتي تريد أن تجدب فنرتحل عنها إلى ما أخصب، فأنزل الله هذه الآية) (٣).ومعناها: قل يا محمّد لا أقدر على نفع أجرّه إلى نفسي، ولا على ضرّ أدفعه عن نفسي إلا ما شاء الله أن يملّكني بالتمكين من ذلك. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ؛﴾ أي لو كنت أعلم جدوبة الأرض وقحط المطر لادّخرت من السّنة المخصبة للسّنة الجدبة، ﴿وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ؛﴾ الفقر. وقيل: معناه: لو كنت أعلم متى أموت لبادرت بالأعمال الصالحة قبل اقتراب الأجل، فلم أشتغل بغيرها ولا بي جنون ولا آفة كما يقولون. وقيل: معناه: لو كنت أعلم متى السّاعة لبادرت بالجواب عن سؤالكم، فإنّ المبادرة إلى جواب السائل تكون استكثارا من الخير وما مسّني التكذيب منكم. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ؛﴾ أي ما أنا إلا معلّم بموضع المخافة ليتّقى ولموضع الأمن ليختار، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١٨٨)؛بالبعث. قوله تعالى: ﴿*هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ؛﴾ أي نفس آدم، ﴿وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها؛﴾ أي خلق حوّاء من ضلع من أضلاعه، ﴿لِيَسْكُنَ﴾

стр. 1195

﴿إِلَيْها؛﴾ أي ليطمئنّ إليها ويستأنس بها ويأوي إليها لقضاء حاجته منها، ﴿فَلَمّا تَغَشّاها؛﴾ أي جامعها، ﴿حَمَلَتْ؛﴾ ماءه، ﴿حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ؛﴾ فاستمرّت بذلك الماء؛ أي قامت وقعدت كما كانت تفعل قبل وهي لا تدري أنه حبل أم لا، ولم تكترث بحملها، يدلّ عليه قراءة ابن عبّاس: «(فاستمرّت به)» (١).وقال قتادة: (معنى ﴿(فَمَرَّتْ بِهِ)﴾ استبان حملها) (٢)،وقرأ يحيى بن يعمر: «(فمرت به)» مخفّفا من المرية؛ أي شكّت أحملت أم لا. قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما؛﴾ أي لمّا كبر الولد في بطنها وتحرّك وصارت ذات ثقل بحملها وشقّ عليها القيام، أتاها إبليس في صورة رجل، فقال: يا حوّاء ما هذا في بطنك؟ قالت: ما أدري، قال: إنّي أخاف أن يكون بهيمة، وذلك أوّل ما حملت، فقالت ذلك لآدم ﵇، فلم يزالا في همّ من ذلك. ثم عاد إبليس إليها فقال: يا حوّاء أنا من الله بمنزلة! فإن دعوت الله ربي إنسانا تسمّيه بي؟ قالت: نعم، قال: فإنّي أدعو الله، وكانت هي وآدم يدعوان الله، ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً؛﴾ ولدا حسن الخلق صحيح الجوارح مثلنا، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (١٨٩)؛لك في هذه النعمة، ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحاً؛﴾ سويّا صحيحا أتاها إبليس فقال لها: عهدي! قالت: ما اسمك؟ قال: الحرث ولو سمّى نفسه فقال عزرائيل لعرفته، ولكنه تسمّى بغير اسمه فسمته: عبد الحرث، ورضي آدم فعاش الولد أيّاما حتى مات (٣). وهذا لا يصحّ؛ لأنّ حوّاء وإن لم تكن نبيّة فهي زوجة نبيّ، وفي الآية ما يدلّ على ذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؛﴾ ومثل هذه
следующие страницы →