وقال أهل المعاني: الاستدراج: أن تندرج إلى الشيء في خفية قليلا قليلا، ولا يتابع ولا يجاهر (١)،يقال: استدرج فلانا حتى نعرف ما صنع؛ أي لا تجاهره ولا تكثر عليه السّؤال دفعة واحدة، ولكن كلّمه درجة درجة وقليلا قليلا حتى نعرف حقيقة ما فعل. وقيل: معنى قوله ﴿(سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ)﴾ سنذيقهم من بأسنا قليلا قليلا.
قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (١٨٣)؛أي أمهلهم وأطيل لهم المدة، فإنّهم لا يفوتونني ولا يفوتني عذابهم ولا يعجزونني عن تعذيبهم. وقوله:
﴿(إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)﴾ إنّ صنعي شديد محكم، وأخذي قويّ شديد. والكيد: هو الإصرار بالشّيء من حيث لا يشعر به.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ؛﴾ قال الحسن وقتادة:
(وذلك أنّ النّبيّ ﷺ صعد الصّفا ذات ليلة يدعو قريشا إلى عبادة الله قبيلة قبيلة وفخذا فخذا: يا بني فلان، يحذّرهم بأس الله وعقابه، فقال المشركون: إنّ صاحبكم قد جنّ؛ بات ليله يصوّت إلى الصّباح، فأنزل الله هذه الآية) (٢).ومعناها: أولم يتفكّروا بقلوبهم ليعلموا ويستيقنوا ما بمحمّد ﷺ من جنون.
قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (١٨٤)؛أي ما هو إلاّ يعلم لموضع المخافة ليتّقى ولموضع الأمن ليبتغى. وقوله تعالى ﴿(مُبِينٌ)﴾ أي بيّن أمره؛ فهلاّ جالسه الكفار فيطلبوا حقيقة أمره، ويتفكّروا في دلائله ومعجزاته.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ معناه: أولم ينظروا في السّماوات والأرض طالبين لما يدلّهم على وحدانيّة الله تعالى، وعلى صدق رسوله في ما دعاهم إليه. والملكوت: هو الملك العظيم. قوله تعالى:
﴿(وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ)﴾ معناه: وما خلقه الله بعد السّماوات والأرض، فإن ذلك يدلّ على وحدانيّة الله تعالى مثل ما تدلّ السموات والأرض. (ما) بمعنى الّذي.
стр. 1192
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ؛﴾ معناه: أولم ينظروا في أن عسى أن يكون قد دنا هلاكهم بعد قيام الحجّة عليهم. وقوله تعالى:
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (١٨٥)؛معناه: إن لم يؤمنوا بهذا القرآن مع وضوح دلالته فبأيّ حديث بعده يؤمنون، وليس بعده كتاب منزّل ولا نبيّ مرسل.
قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ؛﴾ إليه، وقوله تعالى:
﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١٨٦)؛أي وندعهم في مجاوزتهم الحدّ في كفرهم يتجرّءون فلا يرجعون إلى الحقّ، ومن قرأ «(ونذرهم)» بالنون وضمّ الراء فهو على الاستئناف، وتقرأ «(ونذرهم)» بالجزم عطفا على موضع الفاء، والمعنى: من يضلل الله يذره في طغيانه عامها.
قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها؛﴾ قال الحسن وقتادة:
(سألت قريش رسول الله ﷺ : متى السّاعة الّتي تخوّفنا بها؟ فأنزل الله هذه الآية) (١)، ومعناها: ﴿(يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ)﴾ أي أوان قيامها ومتى مثبتها، يقال: رسي الشيء يرسو إذا ثبت، ومنه الجبال الرّاسيات؛ أي الثابتات، والمرسى: مستقرّ الشّيء الثقيل، وقال ابن عبّاس: (سألت اليهود محمّدا ﷺ فقالوا له: أخبرنا عن السّاعة إن كنت نبيّا فإنّا نعلم متى هي، فأنزل الله هذه الآية) (٢).
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ؛﴾ أي علم قيامها عند الله سبحانه، ما لي بها من علم، ﴿(لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ)﴾ أي لا يكشفها ويظهرها لحينها إلاّ الله ، وقال مجاهد: (أي لا يأتي بها إلاّ هو)، وقال السديّ: (لا يرسلها لوقتها إلاّ هو) (٣).ووجه الامتناع عن الإجابة عن بيان وقتها، أنّ العباد إذا لم يعرفوا وقت قيامها كانوا على حذر من ذلك، فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية.
стр. 1193
وقوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ قال الحسن: (ثقل وضعها على أهل السّماوات والأرض من انتثار النّجوم وتكوير الشّمس وتسيير الجبال).
وقال قتادة: (ثقلت على السّماوات والأرض لا تطيقها لعظمها).وقال السديّ: (ثقل علمها على أهل السّماوات والأرض فلم يطيقوا إدراكها وكلّ شيء خفي فقد ثقل، ولا يعلم قيامها ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل) (١).
قوله تعالى: ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً؛﴾ أي فجأة لا يعلمون وقت قيامها، فتقوم والرجل يسقي ماشيته، والرجل يصلح حوضه، والرجل يقيم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه، والرجل يهوي بلقمته في فمه، فما يدرك أن يضعها في فمه.
قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها؛﴾ قال الضحّاك ومجاهد: (معناه كأنّك عالم بها) (٢)،وقال ابن عبّاس: (هذا على تقديم وتأخير، معناه: ﴿(يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها)﴾ أي بارّ لطيف بهم من قوله: ﴿إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ (٣)) (٤)،وقيل:
معناه كأنّك فرح بمسألتهم إيّاك، وقيل: معناه: كأنّك حاكم بها، يقال: تحافينا إلى فلان؛ أي تخاصمنا إليه، والحافي هو الحاكم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ؛﴾ الفائدة في إعادته ردّ المعلومات كلّها إلى الله، فيكون التكرار على وجه التأكيد، وقيل: أراد بالأول علم وقتها، وبالثاني علم كنهها. قوله تعالى: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٨٧)؛أنّها كائنة وأن علمها عند الله، وفي الآية دلالة على بطلان قول من يدّعي العلم بمدّة الدّنيا، ويستدلّ بما روي أنّ الدنيا سبعة آلاف سنة؛ لأنه لو كان كذلك كان قيام الساعة معلوما، وأما قوله ﷺ : [بعثت أنا والسّاعة كهاتين] وأشار إلى السّبّابة
стр. 1194
والوسطى (١)،فمعناه تقريب الوقت لا تحديده كما قال تعالى: ﴿فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها﴾ (٢) أي بعث النبيّ ﷺ من أشراطها.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللهُ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ أهل مكّة قالوا: يا محمّد ألا يخبرك ربّك بالسّعر الرّخيص قبل أن يغلو فنشتريه ونربح فيه، وبالأرض الّتي تريد أن تجدب فنرتحل عنها إلى ما أخصب، فأنزل الله هذه الآية) (٣).ومعناها: قل يا محمّد لا أقدر على نفع أجرّه إلى نفسي، ولا على ضرّ أدفعه عن نفسي إلا ما شاء الله أن يملّكني بالتمكين من ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ؛﴾ أي لو كنت أعلم جدوبة الأرض وقحط المطر لادّخرت من السّنة المخصبة للسّنة الجدبة، ﴿وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ؛﴾ الفقر. وقيل: معناه: لو كنت أعلم متى أموت لبادرت بالأعمال الصالحة قبل اقتراب الأجل، فلم أشتغل بغيرها ولا بي جنون ولا آفة كما يقولون.
وقيل: معناه: لو كنت أعلم متى السّاعة لبادرت بالجواب عن سؤالكم، فإنّ المبادرة إلى جواب السائل تكون استكثارا من الخير وما مسّني التكذيب منكم. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ؛﴾ أي ما أنا إلا معلّم بموضع المخافة ليتّقى ولموضع الأمن ليختار، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١٨٨)؛بالبعث.
قوله تعالى: ﴿*هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ؛﴾ أي نفس آدم، ﴿وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها؛﴾ أي خلق حوّاء من ضلع من أضلاعه، ﴿لِيَسْكُنَ﴾
стр. 1195
﴿إِلَيْها؛﴾ أي ليطمئنّ إليها ويستأنس بها ويأوي إليها لقضاء حاجته منها، ﴿فَلَمّا تَغَشّاها؛﴾ أي جامعها، ﴿حَمَلَتْ؛﴾ ماءه، ﴿حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ؛﴾ فاستمرّت بذلك الماء؛ أي قامت وقعدت كما كانت تفعل قبل وهي لا تدري أنه حبل أم لا، ولم تكترث بحملها، يدلّ عليه قراءة ابن عبّاس: «(فاستمرّت به)» (١).وقال قتادة:
(معنى ﴿(فَمَرَّتْ بِهِ)﴾ استبان حملها) (٢)،وقرأ يحيى بن يعمر: «(فمرت به)» مخفّفا من المرية؛ أي شكّت أحملت أم لا.
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما؛﴾ أي لمّا كبر الولد في بطنها وتحرّك وصارت ذات ثقل بحملها وشقّ عليها القيام، أتاها إبليس في صورة رجل، فقال: يا حوّاء ما هذا في بطنك؟ قالت: ما أدري، قال: إنّي أخاف أن يكون بهيمة، وذلك أوّل ما حملت، فقالت ذلك لآدم ﵇، فلم يزالا في همّ من ذلك.
ثم عاد إبليس إليها فقال: يا حوّاء أنا من الله بمنزلة! فإن دعوت الله ربي إنسانا تسمّيه بي؟ قالت: نعم، قال: فإنّي أدعو الله، وكانت هي وآدم يدعوان الله، ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً؛﴾ ولدا حسن الخلق صحيح الجوارح مثلنا، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (١٨٩)؛لك في هذه النعمة،
﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحاً؛﴾ سويّا صحيحا أتاها إبليس فقال لها: عهدي! قالت: ما اسمك؟ قال: الحرث ولو سمّى نفسه فقال عزرائيل لعرفته، ولكنه تسمّى بغير اسمه فسمته: عبد الحرث، ورضي آدم فعاش الولد أيّاما حتى مات (٣).
وهذا لا يصحّ؛ لأنّ حوّاء وإن لم تكن نبيّة فهي زوجة نبيّ، وفي الآية ما يدلّ على ذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما؛﴾ ومثل هذه
стр. 1196
القبائح لا يصحّ إضافتها إلى الأنبياء، ولأنّ الله تعالى قال: ﴿فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (١٩٠)؛ولأن الواحد منّا لو أتاه من يبعثه على أن يسمّي ولده عبد شمس أو عبد العزّى أو نحو هذا، لم يقبل ذلك، ولو أمكنه أن يعاقبه على ذلك فعل، فكيف يجوز مثل هذا على آدم؟ وقد رفع الله قدره بالنبوّة.
وقال الحسن: (معناه: إنّ الله خلق حوّاء من ضلع آدم وجعلها سكنا له، وكذلك حال الخلق مع أزواجهم، كأنّه قال: وجعل من كلّ نفس زوجها، كما قال في آية أخرى ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً﴾) (١).
قال الحسن: (انقضت قصّة آدم عند قوله ﴿(لِيَسْكُنَ إِلَيْها)﴾ ثمّ أخبر الله عن بعض خلقه أنّه تغشّى زوجته فحملت حملا خفيفا فمرّت به، فلمّا أثقلها ما في بطنها دعوا الله ربّهما لئن آتيتنا صالحا لنشكرنّك، فلمّا آتاهما صالحا جعلا له شركاء بعملهما الّذي عملاه بأن هوّداه أو نصّراه أو مجّساه؛ أي علّماه شيئا من الأديان الخبيثة الّتي يدعو إليها إبليس، ولهذا أعظم الله شأنه في آخر الآية فقال ﴿(فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ)،﴾ ولو كان المراد بالآية آدم وحوّاء لقال: عمّا يشركان).يقال: إنّ حوّاء كانت تلد في كلّ بطن ذكرا وأنثى، ويقال: ولدت لآدم في خمسمائة بطن ألف ولد.
وقرئ (جعلا له شركا) بكسر الشين على المصدر، وكان من حقّه أن يقال على هذه القراءة جعلا لغيره شركا؛ لأنّهما لا ينكران أنّ الأصل لله، ويجوز أن يكون معناه: جعلا له ذا شرك فحذف كما في قوله ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢) أي أهل القرية.
قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً؛﴾ معناه أيشركون في العبادة ما لا يقدر على خلق شيء يستحقّ به العبادة؛ لأن الخلق هو الذي يدلّ على الله، والله تعالى إنما يستحقّ العبادة على الخلق لخلقه أصول النّعم التي لا يقدر عليها أحد سواه، مثل الحياة والسّمع والبصر والعقل، فإذا لم تقدر الأصنام على خلق شيء لم تحسن عبادتها. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (١٩١)؛معناه: الأصنام مخلوقة منحوتة، وقيل: أراد به الأصنام والعابدين جميعا.
стр. 1197
قوله تعالى: ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً؛﴾ أي لا يستطيع الأصنام دفع ضرّ عنهم، ولا جلب نفع إليهم، ﴿وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ (١٩٢)؛ولا أن تنصر نفسها بأن تدفع عن نفسها من أرادها بسوء. فإن قيل: كيف قال: ولا أنفسهم على لفظ من يعقل والأصنام موات؟ قيل: لأن الكفار كانوا يصوّرون منها على صورة من يعقل، ويجرونها مجرى من يعقل، فأجرى عليها لفظ ما قدّروا ما هم عليه.
قوله : ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ؛﴾ أي إن تدعوا الأصنام إلى الهدى لم تقبل الهدى، فإنّها لا تهدي غيرها، ولا تهتدي بأنفسها ولا تردّ جوابا، وإن دعت إلى الهدى ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ﴾ (١٩٣) أم صمتّم عنهم لا يتّبعوكم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ؛﴾ أراد الأصنام مملوكة مخلوقة أشباهكم، سمّاها عبادا لأنّهم صوّروها على صورة الإنسان، وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُمْ؛﴾ ليس هو الدعاء الأوّل، ولكن أراد فادعوهم في مهمّاتكم عند الحاجة إلى كشف الأسواء عنكم.
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ؛﴾ أي صيغته صيغة أمر (١)،ومعناه التعجيز؛ أي فليستجيبوا لكم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٩٤)؛في أنّها آلهة.
قوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ (١٩٥)؛معناه: إن معبودي ينصرني ويدفع كيد الكائدين عنّي، ومعبودكم لا يقدر على نصركم، فإن قدرتم أنتم على ضرّ فاجتمعوا أنتم مع الأصنام على كيد ولا تؤجّلوني.
وهذا لأنّهم كانوا يخوّفون النبيّ ﷺ بآلهتهم، عرّف الله الكفار بهذه الآية أنّهم مفضّلون على الأصنام؛ لأن لهم جوارح يتصرّفون بها وليس للأصنام ذلك، فكيف
стр. 1198
يعبدون من هم أفضل منهم؟! فالعجب من أنفسهم عن اتّباع النبيّ ﷺ مع ما أيّده الله به من الآيات والمعجزات والدلائل الظاهرة؛ لأنه بشر مثلهم، ولم يأنفوا من عبادة حجر لا قدرة له ولا تصرّف، وهم أفضل منه في القدرة على التصرّف.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ؛﴾ معناه: يتولّى حفظهم، ويكلؤني ويتولّى أمري الذي أنعم عليّ بإنزال القرآن، ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾ (١٩٦)؛أي يتولّى حفظهم، لا يكلهم إلى غيره ولا تضرّهم عداوة من عاداهم.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ (١٩٧)؛الآية قد تقدّم تفسيره.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا؛﴾ أي كما أنّها لا تهدي غيرها فلا تسمع الهدى، ﴿وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ؛﴾ يا محمّد فاتحة أعينهم نحوكم يعني الأصنام ينظرون إليك، ﴿وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (١٩٨)؛وذلك أنّهم كانوا يصوّرونها فيجعلون لها أعينا وآذانا وأرجلا، فإذا نظر الناظر اليها خيّل إليه أنّها تنظر إليه وهي لا تبصر، أو كانوا يلطّخون أفواه الأصنام بالخلوف والعسل، وكانت الذباب يجتمعن عليها، فلا تقدر على دفع الذّباب عن أنفسها.
وقال بعضهم: معناه: وتراهم كأنّهم ينظرون إليك كقوله تعالى ﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى﴾ (١) أي كأنّهم سكارى، وقال مقاتل: (معنى قوله: ﴿(وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا)﴾ أي إن تدعوا يا محمّد أنت والمؤمنون كفّار مكّة إلى الهدى لا يسمعوا، ﴿(وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)﴾ الهدى).
قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ (١٩٩)؛ قال ابن عبّاس والسديّ: (معناه: خذ الفضل من أموالهم كما قال تعالى ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (٢) وهذا إنّما كان قبل فرض الزّكاة، فصار منسوخا
стр. 1199
بالزّكاة) (١).وقال الحسن ومجاهد: (خذ العفو من أخلاق النّاس في القضاء والاقتضاء وقبول عذرهم وحسن المعاملة معهم وما يسهل عليهم) (٢).
وأصل العفو الترك من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (٣) أي ترك، والعفو عن الذنب ترك العقوبة. ويقال: معنى العفو المساهلة في الأمور، يقال: خذ ما أتاك عفوا؛ أي سهلا. وعن النبيّ ﷺ : أنّه سأل جبريل عن هذه الآية فقال: حتّى أسأل، فذهب جبريل فقال: [يا محمّد؛ إنّ الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو من ظلمك] (٤).
قوله تعالى: ﴿(وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ)﴾ أي بالمعروف الذي تعرف العقلاء صحّته، وقال عطاء: (يعني لا إله إلاّ الله).وقوله تعالى: ﴿(وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ)﴾ أي عن أبي جهل وأصحابه، نسختها آية السّيف. ومعنى الإعراض عنهم؛ أي أعرض عنهم بعد إقامة الحجّة عليهم، ووقوع الإياس عن قبولهم، ولا تقابلهم بالسّفه ولا تجاوبهم استخفافا بهم وصيانة لقدرك، فإنّ مجاوبة السّفيه تضع القدر.
قوله تعالى: ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ؛﴾ معناه:
إمّا يغرينّك بالوسوسة عند الغضب فالتجئ إلى الله واستغث به، ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ؛﴾ لدعائك، ﴿عَلِيمٌ﴾ (٢٠٠)؛بك. والنّزع هو الإزعاج بالحركة إلى الشّرّ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا؛﴾ معناه: إنّ الذين اتّقوا الشّرك والمعاصي إذا مسّهم وسوسة من الشيطان بإلقاء خواطر الشّرّ عليهم، فرغوا إلى تذكّر ما أوضح الله من الحجّة، ﴿فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٢٠١)؛عواقب أمورهم، يرجعون من الهوى إلى الهدى.
стр. 1200
قرأ النخعيّ وابن كثير وأبو عمرو والكسائي «(طيف)»،وقرأ الباقون «(طايف)» وهما لغتان وقيل: الطائف ما يطوف حول الشيء، والطّيف: الوسوسة والخطرة، وقيل: الطائف ما طاف به من الوسوسة، والطّيف اللّمز والمسّ. وقرأ سعيد بن جبير «(طيّف)» بالتشديد، وقال الكلبيّ: (طائف من الشّيطان: ذنب)،وقال مجاهد:
(الغضب) (١)،وعن مجاهد: (هو الرّجل يهمّ بالذنب فيذكر الله فيدعه)،وقال السديّ:
(معناه: إذا أذنبوا تابوا) (٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ؛﴾ أي وإخوان المشركين وهم الشياطين يدعونهم إلى المعاصي والجهل، يقال لكلّ كافر أخ من الشّياطين يمدّه في الغيّ. قرأ نافع «(يمدّونهم)» بضمّ الياء وكسر الميم وهما لغتان. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ (٢٠٢)؛أي لا يقصر إخوان المشركين من الوسوسة؛ لأنّهم إذا علموا قبولهم لقولهم زادوا في إغوائهم، وزاد الكفار في طاعتهم لهم، فلا يقصرون كما يقصر المتّقون.
وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿(وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ)﴾ يعني إخوان الشّياطين وهم الضّلاّل يمدّون المشركين في الغيّ. قرأ الجحدريّ «(يمادّونهم)»،وقرأ عيسى «(ثمّ لا يقصرون)» بفتح الياء وضم الصاد (٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها؛﴾ معناه: وإذا لم تأتهم يا محمّد بالآية التي سألوكها تعنّتا قالوا: هلاّ طلبتها من الله فتأتينا بها.
وقيل: معناه: هلاّ أتيت بها من تلقاء نفسك؟ قال الحسن: (كانوا إذا جاءتهم آية كذبوا بها، وإذا أبطأت عليهم التمسوها).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ؛﴾ أي قل لهم: ليست الآيات إليّ، ولكنّ الله يوحي بها عليّ ما يعلم من المصلحة، وليس لي أن أسأله إنزالها إلاّ إذا أذن لي في سؤالها. هذا القرآن بصائر من
стр. 1201
ربكم، ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ؛﴾ أي حجج من ربكم وهدى من الضّلالة ونجاة من العذاب، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٠٣)؛يصدّقون أنه من الله.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤) قال ابن عبّاس وابن مسعود وأبو هريرة وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيّب والزهريّ: (إنّ هذه الآية نزلت في الصّلاة) (١).عن أبي العالية الرباحيّ قال:
(كان النّبيّ ﷺ إذا صلّى، قرأ أصحابه خلفه حتّى نزلت هذه الآية، فسكت القوم) (٢)، وقال بعضهم: المراد بالآية وقت نزول القرآن، أمرهم الله بالاستماع والإنصات.
وقال الزجّاج: (يحتمل أن يكون معنى الاستماع العمل بما فيه) (٣)،وعن ابن عبّاس قال: (كان المسلمون قبل نزول هذه الآية يتكلّمون في الصّلاة ويأمرون بحوائجهم، ويجيء الرّجل إلى الرّجل فيقول له: كم صلّيتم؟ فيقول كذا، فأنزل الله هذه الآية).والقول الأوّل أصحّ وأقرب إلى ظاهر الآية؛ لأنه ليس في الآية تخصيص زمان دون زمان، ولا يجب على القوم الإنصات لقراءة من يقرأ في غير الصّلاة.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ؛﴾ يجوز أن يكون الخطاب في هذه الآية للنبيّ ﷺ ، والمراد به جميع الخلق، ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربّك أيّها المستمع للقرآن إذا تلي عليك.
وقوله تعالى: ﴿(فِي نَفْسِكَ)﴾ يعني التفكّر في النفس والتعرّض لنعم الله مع العلم بأنه لا يقدر عليها أحد سواه، وأنه متى شاء سلبها منه. والمراد بقوله: ﴿(وَدُونَ الْجَهْرِ)﴾ المتكلّم بذكر الله على وجه الخيفة بالتضرّع إليه والمخافة منه، ولأن أفضل الدّعاء ما
стр. 1202
كان خفيّا على إخلاص وخضوع لا يشوبه رياء وسمعة. وقوله تعالى ﴿(فِي نَفْسِكَ)﴾ إشارة إلى الإخلاص.
وقيل: المراد بقوله ﴿(وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ)﴾ الذكر بالكلام الخفيّ، وبقوله ﴿(دُونَ الْجَهْرِ)﴾ إظهار الكلام بالصّوت العالي. وقال ابن عباس: (معنى ﴿(وَاذْكُرْ رَبَّكَ)﴾ يعني القراءة في الصّلاة (تضرّعا) أي جهرا ﴿(وَخِيفَةً)﴾ أي سرّا ﴿(دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ)﴾ أي دون رفع الصّوت في خفض وسكون سمّع من خلفك القرآن).
وقال أهل المعاني: ﴿(وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ)﴾ أي اتّعظ بالقرآن واعتبر بآياته، واذكر ربّك في ما يأمرك بالطاعة (تضرّعا) أي تواضعا وتخشّعا (وخيفة) أي خيفة من عقابه. وقال مجاهد: (أمر أن يذكر في الصّدور، وأمر بالتّضرّع والاستكانة، ويكره رفع الصّوت والنّداء والصّياح في الدّعاء) (١).
قوله تعالى: ﴿(بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ)﴾ أي صلاة الغداة والمغرب والعشاء، والأصيل في اللغة: ما بين العصر إلى اللّيل، وجمعه أصل، ثم آصال جمع الجمع، ثم أصائل. وقيل: يعني (بالغدوّ والآصال):البكر والعشاء. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ﴾ (٢٠٥)؛زيادة تحريض على ذكر الله ؛ كي لا يغفل الإنسان عن ذلك في أوقات العبادة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ معناه: أن الملائكة المقرّبين الذين أكرمهم الله لا يتعظّمون عن طاعته إن استكبرتم أنتم فهم أفضل منكم، وهم الملائكة لا يستكبرون عن عبادته وينزّهونه عن ما لا يليق به، ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (٢٠٦)؛أي يصلّون فيخرّون له سجّدا في صلاتهم. وقوله تعالى: ﴿(عِنْدَ رَبِّكَ)﴾ يريد قربهم من الفضل والرّحمة لا من حيث المكان والمسافة.
وعن معاذ بن جبل عن رسول الله ﷺ أنه قال: [كان جبريل ﵇ إذا أقبل بشيء من القرآن فيه سجود قرأ ثمّ يخرّ ساجدا ويأمرني بذلك، ثمّ يقول: يا محمّد واجب عليك وعلى أمّتك].وعن إبراهيم قال: (من قرأ آخر الأعراف إن شاء ركع
стр. 1203
وإن شاء سجد).وعن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ أنه قال: [من قرأ سورة الأعراف جعل الله بينه وبين النّار سترا يوم القيامة، وكان آدم شفيعا له] (١).
آخر تفسير سورة (الأعراف) والحمد لله رب العالمين
стр. 1204
سورة الأنفال
سورة الأنفال مدنيّة، وهي خمسة آلاف وثمانون حرفا، وألف وخمس وتسعون كلمة، وخمس وسبعون آية (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ؛﴾ أي عن الغنائم، ﴿قُلِ الْأَنْفالُ؛﴾ الغنائم؛ ﴿لِلّهِ وَالرَّسُولِ؛﴾ الإضافة للغنائم إلى الله على جهة التشريف، والإضافة إلى الرسول لأنه كان بيان حكمها وتدبيرها إليه؛ لأن الغنائم كانت كلّها له كما قال ﷺ في وبرة أخذها سنام بعير من الفيء: [والله ما يحلّ لي من فيئكم إلاّ الخمس، والخمس مردود فيكم] (٢).
وقيل: لما سألوه عن الغنائم؛ لأنّها كانت حراما على من قبلهم، كما قال ﵇: [لم تحلّ الغنائم لقوم سود الرّءوس قبلكم، كانت تنزل نار من السّماء فتأكلها] (٣).وإنما سميت الغنائم أنفالا؛ لأن الأنفال جمع النّفل، والنفل الزّيادة، والأنفال مما زاده الله هذه الأمة من الحلال، والنافلة من الصّلاة ما زاد على الفرض، ويقال لولد الولد: نافلة؛ لأنه زيادة على الولد.
стр. 1205
وعن ابن عبّاس في سبب نزول هذه الآية: (أنّ النّبيّ ﷺ رغّب أصحابه يوم بدر فقال: [من قتل قتيلا فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا] فلمّا هزم الله المشركين سارع الشّباب، وأقبلوا بالأسارى، وأقام الشّيوخ عند الرّايات مع رسول الله ﷺ مخافة أن يغتاله أحد من المشركين، فوقع الاختلاف بينهم في استحقاق الغنيمة، فقال الّذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ : قيامنا أفضل من ذهابهم، فلو أعطيتهم ما وعدتهم لم يبق لنا ولا لعامّة أصحابك شيء. وقال الآخرون: نحن قتلنا وأسرنا.
وكان ذلك مراجعة بينهم ورسول الله ﷺ ساكت لا يقول شيئا، فأنزل الله هذه الآية) (١).
ومعناها يسألونك عن الأنفال لمن هي، ويجوز أن يكون (عن) صلة في الكلام، والمعنى يسألونك الأنفال التي وعدتهم يوم بدر، قل الأنفال لله والرسول ليس لكم فيها شيء. قال عبادة بن الصّامت: (لمّا اختلفنا في غنائم بدر وساءت أخلاقنا، نزعها الله من أيدينا وجعلها إلى رسوله وقسمها بيننا على سواء) (٢).وقيل:
إنّ التّنفيل المذكور في هذه الآية لرواية غلط وقع من الرّاوي؛ لأنه لا يجوز على النبيّ ﷺ خلف الوعد واسترجاع ما جعله لأحد منهم، والصحيح: أنّهم اختلفوا في الغنائم من غير تنفيل كان من رسول الله ﷺ . قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ؛﴾ أي اتّقوا معاصيه واحذروا مخالفة أمره وأمر رسوله، ﴿(وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ)؛﴾ أي كونوا مجتمعين على ما يأمركم به الله ورسوله، ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ؛﴾ في الغنائم وغيرها، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١)،كما تزعمون.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ؛﴾ معناه:
إنّ صفتهم إذا ذكر الله عندهم فزعت قلوبهم عند الموعظة. والوجل: هو الخوف مع شدّة الحزن، والمعنى ليس المؤمن الذي يخالف الله ورسوله ﴿(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا﴾
стр. 1206
﴿ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ؛﴾ أي قرئت عليهم آياته بالأمر والنّهي، ﴿زادَتْهُمْ إِيماناً؛﴾ يقينا وبصيرة بالفرائض مع تصديقهم بالله ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢)؛أي يفوّضون أمورهم إلى الله لا يثقون بغيره.
ثم زاد في نعت المؤمنين فقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ؛﴾ أي يقيمونها بوضوئها وركوعها وسجودها في مواقيتها، ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ؛﴾ أعطيناهم من الأموال، ﴿يُنْفِقُونَ﴾ (٣)،في طاعة الله، وإنّما خصّ الله الصلاة والزكاة؛ لعظم شأنهما وتأكيد أمرهما.
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا؛﴾ أي أهل هذه الصّفة الذين تقدّم ذكرهم الذين استحقّوا هذه الصفة صدقا، ﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ؛﴾ أي لهم فضائل ومنازل في الرّفعة في الآخرة على قدر أعمالهم، ﴿وَمَغْفِرَةٌ؛﴾ لذنوبهم؛ ﴿وَرِزْقٌ؛﴾ وثواب حسن؛ ﴿كَرِيمٌ﴾ (٤)؛في الجنّة.
قوله تعالى: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ؛﴾ وذلك أنّ رسول الله ﷺ بلغه أنّ عير قريش أقبلت من الشّام، وفيهم أبو سفيان ومخرمة بن نوفل في أربعين رجلا من قريش تجّارا، فقال ﵇ لأصحابه: [هذه عير قريش قد أقبلت، فاخرجوا إليها، فلعلّ الله أن ينفلكموها فتنتفعوا بها على عدوّكم] (١).فيعدّوا على نواضحهم ومعهم فارسان لا غير؛ أحدهما الزّبير والآخر المقداد، فخرجوا بغير قوّة ولا سلاح، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا لا يرون أنه يكون قتال.
فبلغ ذلك أبو سفيان، فأرسل من الطريق ضمضم بن عمرو الغفاري يخبر أهل مكّة أن محمّدا قد اعترض لعيركم فأدركوها. فنزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ فأخبره بنفر المشركين يريدون عيرهم، وقال: [يا محمّد إنّ الله يعدك إحدى الطّائفتين، إمّا العير وإمّا العسكر] فأخبر بذلك رسول الله ﷺ المسلمين فسرّوا بذلك
стр. 1207
وأعجبهم، فاستشار رسول الله ﷺ حين عرف أنّهم لا يخالفونه، فقالوا له: (والله لو أمرتنا أن نخوض البحر لخضناه) ثم أخبرهم أن في المشركين كثرة فشقّ على بعضهم وقالوا: ألا كنت أخبرتنا أنّه يكون قتال، فنخرج سلاحنا وقوّتنا، إنّما خرجنا في ثيابنا نريد العير. فأنزل الله هذه الآية وهم بالرّوحاء (١).
ومعناها: امض على وجهك من الرّوحاء ﴿(كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ)﴾ أي من المدينة (بالحقّ) أي الأمر الواجب، ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ (٥)؛ يعني كراهة الطبع للمشقّة لا كراهة الحقّ، وقيل: معناه: ﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ؛﴾ متكرّهين له كما أخرجك ربّك من بيتك مع تكرّهك له، ومعنى يجادلونك أي يخاصمونك بقولهم: هلاّ أعلمتنا القتال حتى كنا نستعدّ له، ﴿بَعْدَ ما تَبَيَّنَ؛﴾ أي بعد ما ظهر لهم أنك لا تصنع إلا ما أمرك ربّك. قوله تعالى:
﴿كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ؛﴾ أي هم بما عليهم من شدّة المشقّة لقلّة عددهم وعدّتهم، وكثرة عدوّهم كأنّما يساقون إلى الموت، ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (٦)؛إلى أسباب الموت.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ؛﴾ إمّا العير وإما العسكر أنّها لكم، ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ؛﴾ وتمنّون أن تكون لكم العير دون العسكر، لأن العسكر ذات شوكة وهي السلاح، ﴿وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ؛﴾ أي يظهر الإسلام بوعده الذي أنزل في الفرقان، ويقال: بأمره لكم بالقتال، ﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ﴾ (٧)؛أي يظهركم على ذات الشّوكة فتستأصلوهم،
﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ؛﴾ بإهلاك، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٨)؛مشركو مكّة.
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٩)؛معناه: إذ تستغيثون أيّها المسلمون ربّكم حين رأيتم قلّة عددكم وكثرة عدوّكم، فلم يكن لكم مفزع إلا الدعاء لله وطلب المعونة
стр. 1208
منه ﴿(فَاسْتَجابَ لَكُمْ)﴾ أي أجابكم، والاستجابة التّعطية على موافقة المسألة (١).
وقوله تعالى: ﴿(أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ)﴾ قال ابن عبّاس: (كان مع كلّ ملك ملك فكان جملتهم ألفين) (٢).يقال: ردفت الرّجل؛ إذا ركبت خلفه، وأردفته إذا أركبته خلفك. وقال عكرمة وقتادة والضحّاك: (معناه: بألف من الملائكة متتابعين يتبع بعضهم بعضا) (٣)،وقد يجوز أن يقال: أردفت الرّجل إذا جاء بعده، وكذلك ردفه. وأما قراءة نافع «(مردفين)» بفتح الدال فمعناه: أردفهم الله بالمؤمنين، ويقال: أردفته وردفته بمعنى تبعته، قال الشاعر:
إذا الجوزاء أردفت الثّريّا ... ظننت بآل فاطمة الظّنونا
أي جاءت بعدها؛ لأن الجوزاء تطلع بعد الثّريا (٤).
فنزل جبريل في خمسمائة ملك على الميمنة، ونزل ميكائيل في خمسمائة ملك على الميسرة في صورة الرّجال عليهم ثياب بيض وعمائم بيض.
قوله تعالى: ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى؛﴾ أي ما جعل الله إمداد الملائكة إلا بشارة بالنصر للمؤمنين، وقيل: معناه: ما جعل الله إخبار النبيّ ﷺ بإمداد الملائكة إلا بشرى بالنصر.
وقوله تعالى: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ؛﴾ أي ولتسكن قلوبكم في الحرب فلا تخافون من عدوّكم. قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ؛﴾ أي ليس
стр. 1209
النّصر بقلّة العدد ولا بكثرته ولا من قبل الملائكة، ولكن النصر من عند الله، ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ؛﴾ بالنّقمة ممن عصى، ﴿حَكِيمٌ﴾ (١٠)،في أفعاله.
وقد اختلفوا هل قاتلت الملائكة يوم بدر مع المؤمنين أم لا؟ قال بعضهم: لم يقاتلوا ولكنّ الله أيّد المؤمنين ليشجّع بهم قلوبهم، ويلقي بهم الرّعب في قلوب الكافرين، ولو بعثهم الله بالمحاربة لكان يكفي ملك واحد، فإنّ جبريل أهلك بريشة واحدة سبعا من قرى قوم لوط، وأهلك بصيحة واحدة جميع بلاد ثمود. وهذا القول أقرب إلى ظاهر الآية.
وقال بعضهم: إنّ الملائكة قاتلت ذلك اليوم؛ لأنه روي أن أبا جهل قال لابن مسعود: من أين كان ذلك الضّرب الّذي كنّا نسمع ولا نرى شخصا؟ فقال له: (من الملائكة) فقال أبو جهل: هم غلبونا لا أنتم!
قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ؛﴾ قال جماعة من المفسّرين:
وذلك أنّه لمّا أمر الله النبيّ ﷺ بالمسير إلى الكفّار، سار بمن معه حتى إذا كان قريبا من بدر لقي رجلين في الطريق، فسألهما: [هل مرّت بكما العير؟] قالا: نعم مرّت بنا ليلا، وكان بين يدي رسول الله ﷺ عشرة من المسلمين، فأخذوا الرّجلين، وكان أحدهما عبد العبّاس بن عبد المطّلب يقال له أبو رافع، والآخر عبدا لعقبة بن أبي معيط يقال له أسلم كانا يسقيان الماء، فجاءوا بهما إلى رسول الله ﷺ ، واستخلى بأبي رافع ودفع أسلم إلى أصحابه يسألونه، فقال ﷺ لأبي رافع: [من خرج من أهل مكّة؟] فقال: ما بقي أحد إلا وقد خرج، فقال ﷺ : [أتت مكّة اليوم بأفلاذ كبدها] ثمّ قال: [هل رجع منهم أحد؟] قال: نعم؛ أبيّ بن شريف في ثلاثمائة من بني زهرة، وكان خرج لمكان العير، فلما أقبلت العير رجع، فسمّاه رسول الله ﷺ الأخنس حين خنس بقومه، ثم أقبل رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يسألون أسلم، وكان يقول لهم: خرج فلان وفلان، وأبو بكر ﵁ يضربه بالعصا ويقول له: كذبت بخبر الناس، فقال ﷺ : [إن صدقكم ضربتموه، وإن كذبكم تركتموه] فعلموا أنّ رسول الله ﷺ قد عرف أمرهم (١).
стр. 1210
فساروا حتى نزلوا بدرا بجانب الوادي على غير ماء، ونزل المشركون على جانبه الأقصى على الماء، والوادي بينهما فباتوا ليلتهم تلك، فألقى الله على المسلمين النّوم فناموا، ثم استيقظوا وقد أجنبوا وليس معهم ماء، فأتاهم الشيطان فوسوس إليهم وقال: لهم تزعمون أنّكم على دين الله وأنتم مجنبون تصلّون على الجنابة، والمشركون على الماء.
فأمطر الله الوادي وكان ذا رمل تغيب فيه الأقدام، فاشتدّ الرمل وتلبّدت بذلك أرضهم وأوحل أرض عدوّهم، وبنى المسلمون في مكانهم حياضا واغتسلوا من الجنابة وشربوا وسقوا دوابّهم وتهيّئوا للقتال، فذلك قوله تعالى: ﴿(إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ)﴾ أي واذكروا إذ يلقي الله عليكم النّعاس، والنّعاس: أول النّوم قبل أن يثقل.
وقوله تعالى: ﴿(أَمَنَةً مِنْهُ)﴾ أي أمنا من الله منهم بوعد النّصر أمنا حتى غشيهم النعاس في حال الاستعداد للقتال (١).قال ابن عبّاس: (النّعاس عند القتال أمن من الله، وفي الصّلاة من الشّيطان).
قرأ ابن كثير وأبو عمرو «(يغشاكم)» واحتجّا بقوله تعالى: ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ﴾ (٢) فجعل الفعل للنّعاس. وقرأ نافع «(يغشيكم)» على أنّ الفعل لله تعالى ليكون مطابقا لقوله: ﴿(وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً)﴾ واحتجّ بقوله تعالى: ﴿كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ (٣).وقرأ الحسن وأبو رجاء وعكرمة وأهل الكوفة وابن عامر ويعقوب «(يغشّيكم)» بالتشديد لقوله تعالى: ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ (٤).
قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ؛﴾ يعني المطر ليطهّركم به من الجنابة والحدث، ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ؛﴾ وسوسة الشيطان التي كان وسوس إليكم بأنّ عدوّكم قد غلب على الماء، وأنّكم في مكان تسوح أقدامكم في الرمل. ويقال: أراد بالرّجز الجنابة التي أصابتهم بالاحتلام، فإنّ الاحتلام إنّما يكون من وسوسة الشيطان.
стр. 1211
وقرأ سعيد بن المسيّب «(ليظهركم)» بالظاء من أظهركم الله (١).وقرأ ابن محيصن «(رجز)» بضمّ الراء. وقرأ أبو العالية «(رجس الشّيطان)» بالسين، والعرب تعاقب بين السّين والزاي فتقول: بزق وبسق، والسّراط والزّراط.
قوله تعالى: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ؛﴾ أي وليشدّ على قلوبكم بالصّبر، ويشجّعكم على القتال. وقيل: معناه: وليربط على قلوبكم بالصّبر والمطر. قوله تعالى: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ﴾ (١١)؛أي ويثبت بالمطر الأقدام حتى لا تسوح في الرمل. وقيل: معناه: ويثبت بالبصيرة وقوّة القلب الأقدام؛ لأن الأقدام إنما تثبت في الحرب بقوّة القلب.
قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ؛﴾ إذ يلهم ربّك الملائكة النازلين من السّماء ﴿(إِنِّي مَعَكُمْ)﴾ بالنصر للمسلمين، ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ بالتّنبيه والإخطار بالبال، ويقال: بشّروهم بالنصر، وقيل: أروهم أنفسكم مددا لهم فإذا عاينوكم ثبتوا. والوحي: إلقاء المعنى الى النّفس من وجه خفيّ.
وعن ابن عبّاس أنه قال: (سوّى أصحاب رسول الله ﷺ صفوفهم، وقدّموا راياتهم فوضعوها مواضعها، فوقف رسول الله ﷺ على بعير له يدعو الله ويستغيث، فهبط جبريل ﵇ في خمسمائة على ميمنتهم وميكائيل في خمسمائة على ميسرتهم، فكان الملك يأتي الرّجل من المسلمين على صورة رجل ويقول له: دنوت من عسكر المشركين فسمعتهم يقولون: والله لإن حملوا علينا لا نثبت لهم أبدا.
وألقى الله في قلوب الكفرة الرّعب بعد قيامهم للصّفّ، فقال عتبة بن ربيعة:
يا محمّد أخرج إلينا أكفّاءنا من قريش نقاتلهم. فقام إليهم بنو عفراء من الأنصار:
عوذ ومعوذ ومعاذا أمّهم عفراء وأبوهم الحارث، فمشوا إليهم فقالوا لهم: ارجعوا
стр. 1212
وأرسلوا إلينا أكفّاءنا من بني هاشم، فخرج إليهم عليّ وحمزة وعبيدة بن الحارث، قال عليّ: فمشيت إلى الوليد بن عتبة ومشى إليّ، فضربته بالسّيف أطرت يده، ثمّ بركت عليه فقتلته، فقام شيبة بن ربيعة إلى عبيدة بن الحارث فاختلفا بضربتين، ثمّ ضرب عبيدة ضربة أخرى فقطع ساق شيبة، ثمّ قام حمزة إلى عبيدة بن ربيعة فقال:
أنا أسد الله وأسد رسوله، ثمّ ضربه حمزة فقتله. فقام أبو جهل في أصحابه يحرّضهم ويقول: لا يهولنّكم ما لقي هؤلاء، فإنّهم عجلوا واستحمقوا، ثمّ حمل هو بنفسه، ثمّ حمل المسلمون كلّهم على قريش فهزموهم).
قوله تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ؛﴾ أي سأقذف في قلوبهم المخافة منكم. علّم الله المسلمين كيف يضربونهم، فقال : ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ؛﴾ معناه على الأعناق، وقال عطيّة والضحاك: (معناه فاضربوا الأعناق) (١)،كقوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ (٢)،وقال ﷺ :
[إنّي لم أبعث لأعذّب بعذاب الله تعالى، إنّما بعثت بضرب الرّقاب وشدّ الوثاق]) (٣).
وقال بعضهم (فوق) بمعنى (على)،أي فاضربوا على الأعناق، وقال عكرمة:
(معناه فاضربوا الرّءوس).وقال ابن عبّاس: (فاضربوا الأعناق فما فوقها) يعني الرّءوس والأعناق، نظيره قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ (٤) أي اثنتين فما فوقهما، وإنما أمر الله تعالى بضرب الرّقاب والأعناق؛ لأنّ أعلى جلدة العنق هو المقتل. قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾ (١٢)؛قال عطيّة: (يعني كلّ مفصل) (٥)،وقال ابن عبّاس والضحاك: (يعني الأطراف) (٦).
стр. 1213
وقال بعضهم معنى قوله تعالى: ﴿(فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ)﴾ الصّناديد، وقوله تعالى: ﴿(وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ)﴾ يعني السّفلة. إلا أنّ الأوّل أصحّ. وقيل: معناه: واضربوا منهم كلّ عضو أمكنكم، وليس عليكم توقّي عضو دون عضو.
وعن أبي سعيد الفاراني أنه كان يقول: (أراد الله أن لا تتلطّخ سيوف المسلمين بفرث الكفّار، فأمرهم أن يضربوا فوق الأعناق ويضربوا منهم كلّ بنان).
والبنان في اللغة: هو الأصابع وغيرها من الأعضاء التي بها يكون قوام الإنسان صونا لمكانه وحياته، مأخوذ من قولهم: أبن الرجل بالمقام إذا أقام به.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ؛﴾ أي ذلك الضّرب والقتل بأنّهم شاقّوا أولياء الله ورسوله، والمشاقّة أن يصير أحد العدوّين في شقّ والآخر في شقّ آخر، كما أن المجادلة أن يصير أحدهما في حدّ غير حدّ الآخر. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ؛﴾ أي ومن يخالف أولياء الله، ﴿فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (١٣)،له.
وأما إظهار التضعيف في موضع الجزم في قوله ﴿(يُشاقِقِ)﴾ فهو لغة أهل الحجاز، وغيرهم يدغم أحد الحرفين في الآخر لاجتماعهما من جنس واحد، كما قال تعالى في سورة الحشر ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ﴾ بقاف واحدة.
وقوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ؛﴾ معناه: إن الذي ذكرت لكم أيّها الكفار من العذاب العاجل في الدّنيا فذوقوه. ثم بيّن جلّ ذكره أن القتل في الدّنيا لا يصير كفارة لهم، وأنّ الله سيعاقبهم في الآخرة بقوله: ﴿وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ (١٤)،وإنما قال تعالى في عذاب الدّنيا ﴿(فَذُوقُوهُ)؛﴾ لأن الذوق يتناول اليسير من الشيء، وكلّ ما يلقى الكفار من ضرب أو قتل في الدّنيا فهو قليل من العذاب يعجّل لهم، ومعظم عذابهم يؤخّر إلى يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿(وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ)﴾ في فتح (أنّ) وجهان أحدهما: لأنّها في موضع الرفع تقديره ذلكم فذوقوه، وذلكم أنّ للكافرين. والثاني: لأنّها في موضع النصب؛ تقديره: ذلكم فذوقوه واعلموا أنّ للكافرين. وقيل: واعلموا بأنّ للكافرين، فلما حذف الباء نصب.
стр. 1214
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ﴾ (١٥)؛خطاب من الله للمسلمين حين التقوا بالعدوّ يوم بدر، معناه:
إذا لقيتم الذين كفروا مزاحفة مستعدّين لحربهم، فلا تنهزموا حتى تدبروا. والزحف في اللغة: هو الدّنوّ قليلا قليلا، والزحف التّداني، يقال: زاحفت القوم إذا ثبت لهم، فكأنّه قال تعالى: إذا واقعتموهم للقتال فاثبتوا لهم. والتّولية: جعل الشيء يلي غيره وهو متعدّ إلى مفعولين، وولّى دبره إذا جعله إليه.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ؛﴾ أي ومن يجعل ظهره إليهم وقت القتال، ﴿إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ؛﴾ إلا أن ينحرف ليقاتل في موضع يراه أصلح في باب المحاربة، وليطلب غرّة يطمع فيها من العدوّ. قوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ؛﴾ أي إلا أن يقصد الانضمام إلى جماعة يمنعونه من العدوّ، يعني إذا كثر العدوّ للمؤمنين فيه يلجئون، فيحاربون العدوّ بعد ذلك معهم؛ كان لهم ترك القتال عند ذلك، ومن ولاّهم الدّبر على سبيل الانهزام من غير هذين الوجهين، ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ،﴾ فقد احتمل غضبا من الله، ﴿وَمَأْواهُ؛﴾ في الآخرة ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١٦)،صار إليه.
والتّحرّف في اللغة: هو الزّوال من جهة الاستواء، والتّحيّز: طلب حيّز يكمن فيه.
واختلف العلماء هل الوعيد في هذه الآية مقصور على حرب بدر أم هو عامّ في جميع الأوقات؟ قال بعضهم: إنه خاصّ في حرب بدر؛ لأنه لم يكن يومئذ للمسلمين فيه سواهم، وكان النبيّ ﷺ حاضرا في ذلك الحرب، وكان النصر موعودا إليه يومئذ ومع حضوره، وكان لا يعدّ غيره فئة، وكان المنهزم عن القتال يومئذ غير متحيّز إلى فئة، فأما اليوم المنهزم عن الحرب يكون متحيّزا إلى فئة أعظم من المحاربين من المسلمين. وقال بعضهم: إنه عامّ في جميع الأوقات، ولا يجوز الانهزام عن قتال المشركين مع قوّة القتال، وإلى هذا ذهب ابن عباس، وذكر محمّد بن الحسن في السّير الكبير (أنّ الجيش إذا بلغوا اثنى عشر ألفا فليس لهم أن يفرّوا من عدوّهم وإن كثر
стр. 1215
العدوّ).واحتجّ بما روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: [خير الأصحاب أربعة، وخير السّرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر من قلّة] (١).
قوله : ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ؛﴾ معناه: لم تقتلوهم يوم بدر بأنفسكم، ولكنّ الله قتلهم بالملائكة. وأضاف الله قتلهم إلى نفسه؛ لأن السبب في قتلهم كان من الله تعالى، فإنه هو الذي أيّد المؤمنين بالملائكة حتى شجّع قلوبهم، وأنزل المطر حتى ثبّت به الأقدام، وألقى في قلوب المشركين الرّعب حتى انهزموا. وقيل: كان المسلمون يقولون قتلنا فلانا وفلانا، فأراد الله تعالى أن لا يعجبوا بأنفسهم.
قوله تعالى: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى؛﴾ معناه: روي أنّ النّبيّ ﷺ قال لعليّ ﵁: [ناولني كفّا من تراب الوادي] فناوله قبضة، فاستقبل بها وجوه المشركين فرماهم وقال: [شاهت الوجوه وقبحت] فملأ الله أعينهم بها، فلم يبق فيهم أحد إلاّ وقد شغل بعينه، فحمل عليهم المسلمون فهزموهم (٢).فذلك قوله تعالى: ﴿(وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ)﴾ أعلم الله أن كفّا من التّراب لا يملأ عيون ذلك الجيش برمية بشر؛ لأنه تعالى تولّى إيصال ذلك إلى أبصارهم من الموضع الذي كان فيه النبيّ ﷺ حتى أصاب عين كلّ واحد منهم قسط من ذلك التّراب.
قوله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً؛﴾ أي ولينعم على المؤمنين بالنّصر والغنيمة والأسارى نعمة حسنة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١٧)؛أي سميع لدعائكم، عليم بأفعالكم وضمائركم.
стр. 1216
قوله : ﴿ذلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ﴾ (١٨)؛أي ذلكم الذي ذكرت لكم من القتل والرّمي والإبلاء الحسن، (وأنّ الله) أي واعلموا أنّ الله، وفي فتح (أنّ) من الوجوه مثل ما في قوله: ﴿وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ وقد بيّناه. وقوله تعالى: ﴿(مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ)﴾ أي مضعف كيدهم. قرأ أهل الكوفة إلاّ حفصا وابن يعقوب وابن عامر «(موهن)» بالتخفيف، «(كيد)» بالنصب، وقرأ الحسن والأعمش وحفص «(موهن كيد)» مخففا مضافا بالخبر طلبا للخفّة كقوله: ﴿مُرْسِلُوا النّاقَةِ﴾ (١) ﴿كاشِفُوا الْعَذابِ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ؛﴾ هذا خطاب للكافرين، وذلك أنّ أبا جهل قال يوم بدر قبل القتال لهم: اللهمّ انصر أعزّ الجندين وأكرم الفئتين وخير الدّينين، اللهمّ أيّنا أقطع للرحم وأفسد للجماعة فأحنه اليوم.
فاستجاب الله دعاءه على نفسه، فأتاه بالفتح فضربه ابنا عفراء عوف ومعاذ وأجهز عليه ابن مسعود (٣).
وقال السديّ والكلبي: (كان المشركون حين خرجوا إلى بدر، تعلّقوا بأستار الكعبة، وقالوا: اللهمّ انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدّينين، اللهمّ أيّ الفئتين أحبّ إليك فانصرهم، اللهمّ اقض بيننا وبينهم. فأنزل الله هذه الآية، إن تستنصروا فقد جاءكم النّصر، فنصر محمّد ﷺ (٤).وقال عكرمة:
(قال المشركون: اللهمّ لا نعرف ما جاء به محمّد، فافتح بيننا وبينه بالحقّ. فأنزل الله هذه الآية ﴿(إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ)﴾ أي إن تستحكموا فقد جاءكم الحكم، وإن تستقضوا فقد جاءكم القضاء) (٥).
стр. 1217
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ؛﴾ أي وإن تنتهوا عن الشّرك والمعاصي فهو خير، ﴿وَإِنْ تَعُودُوا؛﴾ إلى القتال، ﴿نَعُدْ؛﴾ بأن نأمر المسلمين بجهادكم وننصرهم عليكم. وقال بعضهم: هذه الآية خطاب للمؤمنين؛ أي استنصروا الله واسألوه الفتح فقد جاءكم الفتح والنصر، وإن تنتهوا عن فعلكم في الأسارى والفداء يوم بدر فهو خير لكم، وإن تعودوا إلى فعلكم بالأسارى نعد إلى الإنكار عليكم، ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً؛﴾ أي وإن سلب عنكم النصر حتى لا تغني عنكم جماعتكم شيئا، ﴿وَلَوْ كَثُرَتْ؛﴾ في العدد. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٩)؛قرأ نافع وابن عامر بخفض «(إنّ)» وبفتح «(أنّ)» بمعنى ولأن الله، وقيل: عطف على قوله ﴿(وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ)،﴾ وقيل: على معنى واعلموا أنّ الله، وقرأ الباقون «(وإنّ الله)» بالكسر على الابتداء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأن قراءة عبد الله: «(وإنّ الله لمع المؤمنين)» (١) بالنصر والمعونة.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (٢٠)؛أي أطيعوا الله ورسوله في أمر الغنيمة وغيرها، ولا تولّوا عن أمر الله، وأنتم تسمعون ما أنزل الله تعالى، وقال الحسن: (معناه وأنتم تسمعون الحجّة في وجوب طاعة الله وطاعة رسوله).
وأما تخصيص المؤمنين بالأمر لهم بالطّاعة وإن كانت هذه الطاعة واجبة على غير المؤمنين كوجوبها على المؤمنين، فلأحد معنيين: إما إجلالا لهم ورفعا لقدرهم فيدخل غيرهم في الخطاب على جهة التّبع لهم، وإما لأنه لم يعتدّ بغير المؤمنين؛ لإعراضهم عما وجب عليهم.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ (٢١)؛ أي لا تكونوا كالذين قالوا سمعنا على جهة القبول، وهم لا يسمعون للقبول، وإنما سمعوا به للردّ والإعراض عنه، ويقال: معناه: ولا تكونوا كالّذين قالوا قبلنا وهم لا يقبلون، ومنه قوله [سمع الله لمن حمده] أي قبل الله حمد من حمده. واختلفوا
стр. 1218
فيمن نزلت هذه الآية، قال ابن جريج: (نزلت في المنافقين) وقال الحسن: (في أهل الكتاب).ويقال: في مشركي العرب.
قوله : ﴿*إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٢٢)؛معناه: أن شرّ الخليقة على وجه الأرض الكفّار الذين لا يسمعون الهدى، ولا يتكلّمون بالخير، ولا يتدبّرون القرآن. وسمّاهم صمّا بكما؛ لأنّهم لم ينتفعوا بما سمعوا من دلائل الله تعالى، قال الأخفش: (كلّ محتاج إلى غذاء فهو دابّة).ومعنى الآية: إن شرّ ما دبّ على وجه الأرض من خلق الله تعالى الصمّ البكم عن الحقّ، فهم لا يسمعونه ولا يعقلونه. وقيل: صمّ القلوب وعميها، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ؛﴾ أي لو علم الله فيهم أنّهم يصلحون بما نورده عليهم من الحجّة بآياته لأسمعهم إيّاها. وقيل: لأسمعهم جواب كلّ ما سألوه عنه، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا؛﴾ ولو بيّن لهم كلّ ما يختلج في أنفسهم لتولّوا عن الهدى، ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢٣)؛لمعاندتهم.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ؛﴾ معناه: أجيبوا الله والرسول. وقيل: معنى الإجابة طلب الموافقة للدّاعي على وجه الطاعة. وقيل: الجمع بين الاستجابة لله وللرسول؛ أي استجيبوا لله بسرائركم وللرسول بظواهركم.
وقوله تعالى: ﴿(إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ)﴾ أي إذا دعاكم إلى العلم الذي يحييكم في أمر الدّين. وقيل: معناه: إذا دعاكم إلى الجهاد الذي يحيي أمركم. وقيل: إذا دعاكم إلى ما يكون سببا للحياة الدّائمة في نعيم الآخرة؛ لأنه إذا حصل الامتثال بأمر الله ورسوله، حصلت هذه الحياة الدائمة، وإن لم يحصل الامتثال أدّى ذلك إلى العقاب الذي يتمنّى معه الموت. قال القتيبي: (معنى قوله تعالى: ﴿(لِما يُحْيِيكُمْ)﴾ يعني الشّهادة؛
стр. 1219
لأنّ الله تعالى قال في الشّهداء ﴿بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (١)).واللام في قوله (لما) بمعنى (إلى).
قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ؛﴾ فيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن معناه: يحول بين المرء وأمله بالموت أو غيره من الآفات، فبادروا إلى الطاعات قبل الحيلولة، ودعوا التسويف فإنّ الأجل يحول دون الأمل. وقال مجاهد: (يحول بين المرء وقلبه لا يتركه يفهم ولا يعقل) (٢).
والثاني: أن معناه: أنّ الله تعالى أقرب إلى ذي القلب من قلبه، فإنّ الذي يحول بين الشّيء وغيره أقرب إلى ذلك الشيء من غيره، كما قال تعالى ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٣)،وفي هذا تحذير شديد.
والثالث أن معناه: أن الله يقلّب القلوب من حال إلى حال كما جاء في الدّعاء: [يا مقلّب القلوب] (٤).وقال ابن جبير: (يحول بين الكافر أن يؤمن، وبين المؤمن أن يكفر).وقال ابن عبّاس والضحاك: (يحول بين المؤمن ومعصيته، ويحول بين الكافر وطاعته) (٥).وقال السديّ: (يحول بين المرء وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن، ولا يستطيع أن يكفر إلاّ بإذنه) (٦).
قرأ الحسن: «(يحول بين المرّ)» بتشديد الراء من غير همز، وقرأ الزهريّ بضمّ الميم والهمزة وهي لغات صحيحة.
стр. 1220
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢٤)؛عطف على قوله: ﴿(أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)﴾. معناه: واعلموا أنّ محشركم في الآخرة إلى الله، فيجزي كلّ عامل بما عمل، إن كان خيرا فخير، وإن كان شرّا فشرّ.
وقيل: في آخر الآية تأويل الآية؛ أي الذي يحول بين المرء وقلبه قادر على أن يبدّل خوفكم أمنا، وأمن عدوّكم خوفا، فيجعل القويّ ضعيفا والضعيف قويا، والعزيز ذليلا والذليل عزيزا، والشّجاع جبانا، والجبان شجاعا، يفعل ما يشاء وما يريد، فأجيبوا الرسول في الجهاد ولا تخافوا ضعفكم.
قوله : ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً؛﴾ نزلت في عثمان وعليّ ﵄، أخبر الله النبيّ ﷺ بالفتنة التي تكون تسببها أنّها ستكون بعدك يلقاها أصحابك تصيب الظالم والمظلوم، ولا تكون بالظّلمة وحدهم خاصّة ولكنّها عامة، وأخبر النبيّ ﷺ بذلك أصحابه، فكان بعد وفاة النبيّ ﷺ من الفتن بسبب عليّ وعثمان ما لا يخفى على أحد (١).
قوله تعالى: ﴿(لا تُصِيبَنَّ)﴾ جواب الأمر بلفظ النّهي، كما يقال: انزل من الدّابة لا تطرحك أو لا تطرحنّك، معناه: أن تنزل عنها لا تطرحنّك، فاذا أثبتّ النون الخفيفة والثقيلة كان آكد للكلام، ومنه قوله تعالى: ﴿اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ﴾ (٢).
والمراد بالفتنة القتل الذي ركب الناس فيه بالظّلم، وكان أمر الله أمرا باتّقاء ترك الإنكار على أهل المعاصي واتّقاء الاختلاط بأهل المعصية، قال ابن عبّاس: (أمر الله المؤمنين أن لا يقرّوا المنكر بين أظهرهم، فيعمّهم الله بالعذاب) (٣).
стр. 1221
قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٢٥)؛تحذير شدّة العقوبة لمن أهاج الفتن، قال ﷺ : [الفتنة راتعة في بلاد الله واضعة خطامها، فالويل لمن أهاجها]،وفي بعض الأخبار: [الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها] (١).
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ؛﴾ نزلت في المهاجرين خاصّة؛ أي احفظوا معشر المهاجرين إذ أنتم قليلون في العدّة مقهورون في أرض مكّة، ﴿تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ؛﴾ أي يختلسكم ويذهب بكم أهل مكّة، ﴿فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢٦)؛ فآواكم إلى المدينة وأعانكم يوم بدر بالملائكة، ورزقكم الحلال من الغنائم؛ لكي تشكروا الله وتعرفوا ذلك منه فتطيعوه.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢٧)،نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، فإنّ بني قريظة قالوا لرسول الله ﷺ : ابعث لنا خليفة من خلفائك ننزل على حكمه، فأبى رسول الله ﷺ أن ينزلوا إلاّ على حكم سعد بن معاذ، وكانوا يقولون: أرسل إلينا أبا لبابة، وكان عياله وولده وأهله عندهم، فبعثه النبيّ ﷺ إليهم، فقالوا: يا أبا لبابة أننزل على حكم سعد بن معاذ، فأشار بيده إلى حلقه؛ أي إنّه الذبح فلا تفعلوا، ولم يتكلّم بلسانه، فأنزل الله هذه الآية، قال أبو لبابة: (فما زالت قدماي من مكانهما حتّى علمت أنّي خنت الله ورسوله).فذلك قوله تعالى: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ)﴾ كما فعل أبو لبابة.
فلما نزلت هذه الآية شدّ أبو لبابة نفسه على سارية من سواري المسجد، وقال (لا أذوق طعاما ولا شرابا حتّى أموت، أو يتوب الله عليّ) فمكث سبعة أيّام لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا حتى خرّ مغشيّا عليه، ثم تاب الله عليه، فجاء رسول الله
стр. 1222
صلّى الله عليه وسلّم فحلّه بيده، فقال أبو لبابة: (تمام توبتي أن أهجر دار قومي الّتي أصبت فيها الذنب، وأن أتخلّع من مالي) فقال ﷺ : [يجزيك الثّلث أن تتصدّق به] (١).
وقال ابن عبّاس: (معنى الآية: لا تخونوا الله بترك فرائضه، والرّسول بترك سنّته) (٢). ﴿(وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ)﴾ أي ولا تخونوا أماناتكم، انتصب على الظّرف؛ أي إنّكم إن فعلتم ذلك فإنما خنتم أماناتكم عطفا.
ويقال: أراد بقوله: ﴿(لا تَخُونُوا اللهَ)﴾ الخيانة من الغنائم التي هي عطيّة الله، والخيانة لله فيها خيانة الرسول أيضا؛ لأنه هو القيّم بقسمتها، وقوله: ﴿(وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ)﴾ يحتمل الخيانة في الغنائم أيضا؛ لأنّهم كلّهم مشتركون فيها، فمن استبدّ بشيء منها فقد خان، ويحتمل الخيانة في أثمان بعض الناس بعضا من حقوق أنفسهم، وقال الأخفش: (قوله تعالى ﴿(وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ)﴾ عطفا على ما قبله من النّهي، تقديره: ولا تخونوا أماناتكم).
قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ؛﴾ معناه: أنّ الإنسان ربّما يترك الجهاد ويخون في الأمانات لأجل الأولاد أو حرصا على المال، وقد روينا أنّ أبا لبابة إنما حمله على ما فعل ماله وأهله وولده الذين كانوا في بني قريظة؛ لأنه إنما ناصحهم لأجلهم وخان المسلمين بسببهم.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٢٨)؛أي ثواب جسيم في الآخرة لمن لم يعص الله لأجل المال والذرّية.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ؛﴾ أي إن تتّقوا الله في الأمانات، فتمتنعوا من معاصيه بأداء فرائضه يجعل لكم نورا في قلوبكم تفرّقون به بين الحقّ والباطل. وقيل: يجعل لكم فتحا ونصرا، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ (٣) أراد به يوم عزّ المؤمنين وخذلان الكافرين.
стр. 1223
وقيل: معناه يجعل لكم مخرجا ونجاة في الدّنيا والآخرة. وقال الضحّاك:
(فرقانا: أي ثباتا).قوله تعالى: ﴿(وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ)﴾ أي يمح عنكم ذنوبكم، ويستر عليكم خطاياكم ولا يؤاخذكم بها، ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢٩)؛ أي عظيم الفضل على عباده أسدى لهم بالنّعم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ ذكّر الله نبيّه ﷺ فعقب ما أنعم الله عليه من النصر والظفر يوم بدر وما كان من مكر المشركين في أمره بمكة فقال: ﴿(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا)﴾ أي اذكر تلك الحالة.
قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ رؤساء قريش اجتمعوا في دار النّدوة يمكرون برسول الله ﷺ ويحتالون له، منهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة؛ وأبو جهل؛ وأبو سفيان؛ والنّضر بن الحارث؛ وأبو البحتريّ بن هشام؛ ونبيه ومنبه؛ وأبيّ بن خلف وربيعة بن الأسود، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ كبير عليه ثياب أطمار، فجلس بينهم فقالوا: ما لك يا شيخ دخلت في خلوتنا بغير إذننا؟! فقال: أنا رجل من أهل نجد قدمت مكّة، فأراكم حسنة وجوهكم طيّبة روائحكم، فأحببت أن أسمع حديثكم فأقتبس منكم خيرا فدخلت، وإن كرهتم مجلسي خرجت، وما جئتكم إلاّ أنّي سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضر معكم، ولن تعدموا منّي رأيا ونصحا. فقالوا:
هذا رجل لا بأس عليكم منه.
فتكلّموا فيما بينهم، فبدأ عمرو بن هشام فقال: أمّا أنا فأرى أن تأخذوا محمّدا، فتجعلوه في بيت تسدّون عليه بابه؛ وتشدّون عليه وثاقه؛ وتجعلون له كوّة تدخلون عليه طعامه وشرابه، فيكون محبوسا عندكم إلى أن يموت. فقال إبليس:
بئس ما رأيت! تعمدون إلى رجل له فيكم أهل بيت، وقد سمع به من حولكم فتحبسوه، يوشك أن يقاتلكم أهل بيته ويفسدوا عليكم جماعتكم. فقالوا صدق والله الشّيخ.
стр. 1224
ثمّ تكلّم أبو البختريّ (١) فقال: أرى أن تحملوه على بعير فتشدّوا وثاقه عليه، ثمّ تخرجوه من أرضكم حتّى يموت أو يذهب حيث يشاء. فقال إبليس: بئس الرّأي ما رأيت! تعمدون إلى رجل له فيكم أهل بيت، وقد سمع به من حولكم أفسد عليكم جماعتكم ومعه منكم طائفة، فتخرجونه إلى غيركم فيأتيهم فيفسد منهم أيضا جماعة بما يرون من حلاوة كلامه وطلاقة لسانه، ويجتمع عليه العرب وتستمع إلى حسن حديثه، ثمّ ليأتينّكم بهم فيخرجوكم من دياركم ويقتل أشرافكم. فقالوا: صدق والله الشّيخ.
فتكلّم أبو جهل فقال: أرى أن تجتمع من كلّ بطن منكم رجل يأخذون السّيوف، فيضربونه جميعا ضربة رجل واحد، فإذا قتلتموه تفرّق دمه في القبائل كلّها، فلا يدري قومه من يأخذون ولا يقومون على حرب قريش كلّها، وإنّما إذا رأوا ذلك قبلوا الدّية، فتؤدّي قريش ديته واسترحنا. فقال إبليس: صدق والله الشّابّ، وهو أجودكم رأيا، القول قوله لا أرى غيره. فتفرّقوا على ذلك.
فنزل جبريل ﵇ فأخبر النّبيّ ﷺ بذلك، وأمره أن لا يبيت في مضجعه الّذي كان يبيت فيه، وأمره بالهجرة إلى المدينة) (٢) وكان من أمر الغار ما كان، فذلك قوله ﴿(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ)﴾ أي ليحبسوك، وهو ما قاله عمرو بن هشام.
ويقال: معنى ﴿(لِيُثْبِتُوكَ)﴾ أي يعتدّوك أو يخرجوك. قوله تعالى: ﴿(أَوْ يَقْتُلُوكَ)﴾ ظاهر، وهو ما قاله أبو جهل، وقوله: ﴿(أَوْ يُخْرِجُوكَ)﴾ أي من بين أظهرهم إلى غيرهم، وهو ما قاله أبو البحتريّ بن هشام.
قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ (٣٠)؛أي يريدون بك الشرّ والهلاك، ﴿(وَيَمْكُرُ اللهُ)﴾ أي يريد قتلهم ببدر مجازاة لهم على فعلهم وسوء صنعهم. قوله تعالى: ﴿(وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ)﴾ أي أفضل الصّانعين وأقوى المدبرين؛ لأنه لا يمكر إلا بحقّ وصواب، ومكرهم باطل وظلم.
стр. 1225
قوله تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٣١)؛يعني النّضر بن الحارث، وذلك أنه كان يختلف تاجرا إلى فارس والحيرة، فيسمع سجع أهلها وذكرهم أخبار العجم وغيرهم من الأمم، ويمرّ باليهود والنّصارى فيراهم يقرءون التوراة والإنجيل، فجاء مكّة فوجد محمّدا يقرأ القرآن، فقال: ﴿(قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ)﴾ أي أخبار الأمم الماضية وأسماؤهم. وكان النضر يقول: إن هذا الذي يحدّثكم به محمّد ما هو إلا مثل ما أحدّثكم به من أحاديث الأوّلين، وكان النضر كثير الحديث عن الأمم الخالية (١).
قوله : ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣٢)؛نزلت في النّضر بن الحارث أيضا، قال: لو شئت لقلت مثل هذا، إن هذا إلاّ أساطير الأوّلين في كتبهم، ثم قال: اللهمّ إن كان هذا الذي يقوله محمّد هو الحقّ من عندك، فأمطر علينا حجارة من السّماء، كما أمطرتها على قوم لوط، أو ائتنا ببعض ما عذبت به الأمم فيه، فنزل ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ، لِلْكافِرينَ﴾ (٢) وكان النضر من بني عبد الدّار (٣).
стр. 1226
ومعنى الآية: واذكر يا محمّد إذا قالوا: اللهمّ ... وأنت بين أظهرهم بمكّة، فلم يعذّبهم الله حينئذ وعذبهم من بعد، فأسر النضر يوم بدر وقتل صبرا، وكان الذي أسره المقداد بن الأسود. وقوله تعالى: ﴿(هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ)﴾ عنادا وتوكيدا وصلة في الكلام، و ﴿(الْحَقَّ)﴾ نصب بخبر كان.
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٣٣)؛قال ابن عبّاس: (قال الحارث بن عامر بن نوفل: يا محمّد، والله إنّك فينا لصادق ولا نتّهمك، ولكنّا متى نؤمن بك غزانا العرب، فنزل ﴿(وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)﴾ أي مقيما بين أظهرهم، ولم تعذب أمّة قط ونبيّها بن أظهرها حتى يخرج منها. ﴿(وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ)﴾ أي وما كان الله ليسلّط عليهم عدوّهم ﴿(وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)﴾ أي يصلّون.
قوله تعالى: ﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ؛﴾ يعني عذاب الآخرة، وعن عبد الرحمن بن أبزي قال: (كان رسول الله ﷺ بمكّة، فنزل ﴿(وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)﴾ فخرج رسول الله ﷺ إلى المدينة فنزل ﴿(وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)﴾ وكان من المسلمين بقيّة بمكّة لم يهاجروا، وكانوا يستغفرون الله ويصلّون، فلمّا خرج كفّار مكّة إلى حرب بدر، ونزل قوله: ﴿(وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ)﴾ أي يمنعون المؤمنين عنه فعذّبهم الله يوم بدر) (١).
قوله تعالى: ﴿وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ؛﴾ أي ما كان الكفّار أولياء المسجد الحرام، قال الحسن: (وذلك أنّهم كانوا يقولون: نحن أولياء المسجد الحرام، فردّ الله ذلك عليهم).وقيل: معناه: وما كانوا أولياء الله. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ؛﴾ أي ما أولياء الله، وقيل: ما أولياء المسجد الحرام إلا المتّقون الشّرك، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ؛﴾ الكفار، ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٤)،ذلك.
стр. 1227
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً؛﴾ يعني: إنّ تقرّب المشركين إلى الله كان بالصّفير والتّصفيق، كانوا يفعلون ذلك عند البيت مكان الدّعاء والتّسبيح. وقيل: كانوا يأتون بأفعال الصّلاة، إلاّ أنّهم مع ذلك يصفّرون فيها ويصفّقون.
والمكاء: طائر أبيض يكون في الحجاز يصفّر يسمّى باسم بصوته، ويقال: مكا يمكو إذا صفّر. وصدى تصدية إذا صفّق بيده.
وقال مقاتل: (كان النّبيّ ﷺ في المسجد، فقام رجلان من بني عبد الدّار عن يمينه ورجلان عن يساره، فيصفّرون كما يصفّر المكاء، ويصفّقون بأيديهم؛ ليخلطوا على النّبيّ ﷺ صلاته وقراءته، وكانوا يفعلون كذلك بصلاة من آمن به، فقتلهم الله يوم بدر).وذلك قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٣٥)؛ ويقال: أراد بهذا أنه يقال لهم يوم القيامة: ﴿(فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)﴾. وقال أبو جعفر: (سألت أبا سلمة عن قوله تعالى ﴿(إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً)﴾ فجمع يديه ثمّ نفخ فيهما صفيرا) (١).وقال ابن عبّاس: (كانت قريش يطوفون بالبيت عراة، ويدخلون أصابعهم في أفواههم فيصفّرون) (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ؛﴾ نزلت هذه الآية في المطعمين منهم يوم بدر، وكانوا ثلاثة عشر رجلا وهم: أبو جهل وأخوه الحارث؛ والنّضر بن الحارث؛ وأبيّ بن خلف؛ وزمعة بن الأسود؛ وعتبة وشيبة، كان لكلّ واحد منهم نوبة يوم في الإطعام.
ومعنى الآية: إنّ الذين كفروا ينفقون أموالهم على عداوة رسول الله ﷺ ليصدّوا الناس عن دين الله، فيستقبح هذه الإنفاق منهم، ثم يكون إنفاقهم ندامة عليهم يوم القيامة، يهزمون ويقتلون ببدر لا تنفعهم نفقتهم.
стр. 1228
والحسرة: مأخوذة من الكشف، يقال: حسر رأسه إذا كشفه، والحاسر: كاشف الرّأس، فيكون المعنى: ثم يكشف لهم عن ذلك ما يكون حسرة عليهم. قيل: كان يطعم كلّ واحد منهم كلّ يوم عشر جزر. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (٣٦)؛بيان أنّ ذلك القتل والهزيمة لا يكفّران ذنوبهم، وأنّهم يحشرون في الآخرة إلى جهنّم للجزاء.
وقوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ؛﴾ أي ليميز الله نفقة المؤمنين من نفقة الكافرين، والعمل السّيّئ من العمل الصّالح. وقرئ (ليميّز الله) بالتشديد، والمعنى: ليميّز الله ذلك الحشر الخبيث من الطيّب؛ أي الكافر من المؤمن، فينزل المحقّ الجنان والكافر النّيران.
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ؛﴾ أي يجعل ما أنفقه المشركون في معصية الله بعضه فوق بعض، فيجعله ركاما فيكوّي بذلك جباههم وجنوبهم في جهنّم.
وقيل: أراد بقوله ﴿(فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً)﴾ طرح بعضه على بعض، كما يفعل بالمتاع الخفيف تحقيرا له. وقيل: معنى (فيركمه) أي يجمعه حتى يصير كالسّحاب المركوم وهو المجتمع الكثيف فيجعله في جهنّم. وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٣٧)؛أي هم الذين خسروا أنفسهم في الدّنيا والآخرة، وغشّت صفقتهم وخسرت تجارتهم؛ لأنّهم اشتروا بأموالهم عذاب الله في الآخرة.
قوله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ؛﴾ أي قل لأبي سفيان وأصحابه إن ينتهوا عن الشّرك وقتال محمّد ﷺ ﴿(يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ)﴾ أي ما قد مضى من ذنوبهم قبل الإسلام، ﴿وَإِنْ يَعُودُوا؛﴾ لقتال محمّد، ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٣٨)،في نصر الأنبياء والأولياء وهلاك الكفّار، وإنّ للكفار النار في الآخرة. وأنشد بعضهم (١):
стр. 1229
يستوجب العفو الفتى إذا اعترف ... ثمّ انتهى عمّا أتاه واقترف
لقوله ﴿(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ؛﴾ أي قاتلوا كفّار مكّة حتى لا يكون شرك. وقيل: حتى لا يكون كافر بغير عهد؛ لأن الفتنة إنما تكون بأن يترك الكفّار بلا عهد، فإنّ الكافر بغير عهد يكون عزيزا في نفسه يدعو النّاس إلى دينه. ويجوز أن يكون المراد بالفتنة كلّ ما يؤدّي إلى الفساد.
وقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ؛﴾ أي وتكون الطاعة كلّها لله، فتجتمع الناس على دين الإسلام. وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣٩)؛أي فإن انتهوا عن الشّرك فإنّ الله يجازيهم جزاء البصير بأعمالهم.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا؛﴾ أي أعرضوا عن طاعة الله، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ؛﴾ أي ناصركم، ﴿نِعْمَ الْمَوْلى؛﴾ نعم الحافظ والوليّ، ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٤٠)؛منصركم عليهم.
قوله تعالى: ﴿*وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ؛﴾ حتى الخيط والمخيط، قال ابن عبّاس: (كان خمس الغنيمة يقسم على عهد رسول الله ﷺ على خمسة أسهم، سهم لله ورسوله، وواحد كان النّبيّ ﷺ يعطي فيه المحتاج والضّعيف ويجعله في عدّة المسلمين من السّلاح ونحوه، وسهم لذوي قرابة النّبيّ ﷺ ، وسهم ليتامى المسلمين عامّة، وسهم لمساكين المسلمين، وسهم لابن السّبيل. ثمّ قسمه أبو بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ ، على ثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السّبيل، وكذلك فعل عمر ثمّ عثمان ثمّ عليّ ﵃ (١).
وبهذا أخذ أبو حنيفة وأصحابه؛ قالوا: إنّ قوله تعالى ﴿(لِلّهِ خُمُسَهُ)﴾ لافتتاح الكلام باسمه تعالى على طريق التبرّك، لا لأنّ لله نصيبا من الخمس، فإنّ الدّنيا
стр. 1230
والآخرة كلّها له سبحانه، وسهم رسول الله ﷺ سقط بموته؛ لأن الأنبياء ﵈ لا يورثون، وبينهم ذوي القرابات كان جعل النبيّ ﷺ سهمه (١) في من شاء منهم، ألا ترى أنه أعطى بني هاشم وبني المطّلب، وأحرم بني نوفل وبني عبد شمس مع مساواتها بني عبد المطّلب في القرب؛ لأن بني هاشم لم يفارقوه في جاهليّة ولا إسلام، وإذا بطل هذان السّهمان بعد رسول الله ﷺ ، ورجعنا إلى السّهام الثلاثة التي ذكرت معهما، فقسّم الخمس على ثلاثة أسهم، ويدخل في استحقاقه فقراء بني هاشم دون أغنيائهم بدلا عمّا حرموا من الصّدقات، وأربعة أخماس الغنيمة للغانمين (٢).
واليتيم من كلّ جنس من الحيوان الذي ماتت أمّه، إلا من بني آدم فإنه إذا مات أبوه. والمسكين الذي أسكنه الضعف عن النّهوض لحاجته. وابن السّبيل المنقطع عن ماله.
وقال بعضهم: يقسم الخمس الآن على أربعة أسهم، فينفرد سهم قرابة النبيّ ﷺ ، وقال الشافعيّ: (يقسم الخمس الآن على خمسة أسهم، سهم لرسول الله ﷺ يصرف إلى الأهمّ فالأهمّ من مصالح المسلمين)،ومن أصحابه من قال: يصرف إلى الخليفة، وسهم قرابة ذوي النبيّ ﷺ لأغنيائهم وفقرائهم، وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السّبيل.