ومعنى الآية: واذكر يا محمّد إذا قالوا: اللهمّ ... وأنت بين أظهرهم بمكّة، فلم يعذّبهم الله حينئذ وعذبهم من بعد، فأسر النضر يوم بدر وقتل صبرا، وكان الذي أسره المقداد بن الأسود. وقوله تعالى: ﴿(هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ)﴾ عنادا وتوكيدا وصلة في الكلام، و ﴿(الْحَقَّ)﴾ نصب بخبر كان.
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٣٣)؛قال ابن عبّاس: (قال الحارث بن عامر بن نوفل: يا محمّد، والله إنّك فينا لصادق ولا نتّهمك، ولكنّا متى نؤمن بك غزانا العرب، فنزل ﴿(وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)﴾ أي مقيما بين أظهرهم، ولم تعذب أمّة قط ونبيّها بن أظهرها حتى يخرج منها. ﴿(وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ)﴾ أي وما كان الله ليسلّط عليهم عدوّهم ﴿(وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)﴾ أي يصلّون.
قوله تعالى: ﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ؛﴾ يعني عذاب الآخرة، وعن عبد الرحمن بن أبزي قال: (كان رسول الله ﷺ بمكّة، فنزل ﴿(وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)﴾ فخرج رسول الله ﷺ إلى المدينة فنزل ﴿(وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)﴾ وكان من المسلمين بقيّة بمكّة لم يهاجروا، وكانوا يستغفرون الله ويصلّون، فلمّا خرج كفّار مكّة إلى حرب بدر، ونزل قوله: ﴿(وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ)﴾ أي يمنعون المؤمنين عنه فعذّبهم الله يوم بدر) (١).
قوله تعالى: ﴿وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ؛﴾ أي ما كان الكفّار أولياء المسجد الحرام، قال الحسن: (وذلك أنّهم كانوا يقولون: نحن أولياء المسجد الحرام، فردّ الله ذلك عليهم).وقيل: معناه: وما كانوا أولياء الله. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ؛﴾ أي ما أولياء الله، وقيل: ما أولياء المسجد الحرام إلا المتّقون الشّرك، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ؛﴾ الكفار، ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٤)،ذلك.
стр. 1227
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً؛﴾ يعني: إنّ تقرّب المشركين إلى الله كان بالصّفير والتّصفيق، كانوا يفعلون ذلك عند البيت مكان الدّعاء والتّسبيح. وقيل: كانوا يأتون بأفعال الصّلاة، إلاّ أنّهم مع ذلك يصفّرون فيها ويصفّقون.
والمكاء: طائر أبيض يكون في الحجاز يصفّر يسمّى باسم بصوته، ويقال: مكا يمكو إذا صفّر. وصدى تصدية إذا صفّق بيده.
وقال مقاتل: (كان النّبيّ ﷺ في المسجد، فقام رجلان من بني عبد الدّار عن يمينه ورجلان عن يساره، فيصفّرون كما يصفّر المكاء، ويصفّقون بأيديهم؛ ليخلطوا على النّبيّ ﷺ صلاته وقراءته، وكانوا يفعلون كذلك بصلاة من آمن به، فقتلهم الله يوم بدر).وذلك قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٣٥)؛ ويقال: أراد بهذا أنه يقال لهم يوم القيامة: ﴿(فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)﴾. وقال أبو جعفر: (سألت أبا سلمة عن قوله تعالى ﴿(إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً)﴾ فجمع يديه ثمّ نفخ فيهما صفيرا) (١).وقال ابن عبّاس: (كانت قريش يطوفون بالبيت عراة، ويدخلون أصابعهم في أفواههم فيصفّرون) (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ؛﴾ نزلت هذه الآية في المطعمين منهم يوم بدر، وكانوا ثلاثة عشر رجلا وهم: أبو جهل وأخوه الحارث؛ والنّضر بن الحارث؛ وأبيّ بن خلف؛ وزمعة بن الأسود؛ وعتبة وشيبة، كان لكلّ واحد منهم نوبة يوم في الإطعام.
ومعنى الآية: إنّ الذين كفروا ينفقون أموالهم على عداوة رسول الله ﷺ ليصدّوا الناس عن دين الله، فيستقبح هذه الإنفاق منهم، ثم يكون إنفاقهم ندامة عليهم يوم القيامة، يهزمون ويقتلون ببدر لا تنفعهم نفقتهم.
стр. 1228
والحسرة: مأخوذة من الكشف، يقال: حسر رأسه إذا كشفه، والحاسر: كاشف الرّأس، فيكون المعنى: ثم يكشف لهم عن ذلك ما يكون حسرة عليهم. قيل: كان يطعم كلّ واحد منهم كلّ يوم عشر جزر. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (٣٦)؛بيان أنّ ذلك القتل والهزيمة لا يكفّران ذنوبهم، وأنّهم يحشرون في الآخرة إلى جهنّم للجزاء.
وقوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ؛﴾ أي ليميز الله نفقة المؤمنين من نفقة الكافرين، والعمل السّيّئ من العمل الصّالح. وقرئ (ليميّز الله) بالتشديد، والمعنى: ليميّز الله ذلك الحشر الخبيث من الطيّب؛ أي الكافر من المؤمن، فينزل المحقّ الجنان والكافر النّيران.
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ؛﴾ أي يجعل ما أنفقه المشركون في معصية الله بعضه فوق بعض، فيجعله ركاما فيكوّي بذلك جباههم وجنوبهم في جهنّم.
وقيل: أراد بقوله ﴿(فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً)﴾ طرح بعضه على بعض، كما يفعل بالمتاع الخفيف تحقيرا له. وقيل: معنى (فيركمه) أي يجمعه حتى يصير كالسّحاب المركوم وهو المجتمع الكثيف فيجعله في جهنّم. وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٣٧)؛أي هم الذين خسروا أنفسهم في الدّنيا والآخرة، وغشّت صفقتهم وخسرت تجارتهم؛ لأنّهم اشتروا بأموالهم عذاب الله في الآخرة.
قوله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ؛﴾ أي قل لأبي سفيان وأصحابه إن ينتهوا عن الشّرك وقتال محمّد ﷺ ﴿(يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ)﴾ أي ما قد مضى من ذنوبهم قبل الإسلام، ﴿وَإِنْ يَعُودُوا؛﴾ لقتال محمّد، ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٣٨)،في نصر الأنبياء والأولياء وهلاك الكفّار، وإنّ للكفار النار في الآخرة. وأنشد بعضهم (١):
стр. 1229
يستوجب العفو الفتى إذا اعترف ... ثمّ انتهى عمّا أتاه واقترف
لقوله ﴿(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ؛﴾ أي قاتلوا كفّار مكّة حتى لا يكون شرك. وقيل: حتى لا يكون كافر بغير عهد؛ لأن الفتنة إنما تكون بأن يترك الكفّار بلا عهد، فإنّ الكافر بغير عهد يكون عزيزا في نفسه يدعو النّاس إلى دينه. ويجوز أن يكون المراد بالفتنة كلّ ما يؤدّي إلى الفساد.
وقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ؛﴾ أي وتكون الطاعة كلّها لله، فتجتمع الناس على دين الإسلام. وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣٩)؛أي فإن انتهوا عن الشّرك فإنّ الله يجازيهم جزاء البصير بأعمالهم.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا؛﴾ أي أعرضوا عن طاعة الله، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ؛﴾ أي ناصركم، ﴿نِعْمَ الْمَوْلى؛﴾ نعم الحافظ والوليّ، ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٤٠)؛منصركم عليهم.
قوله تعالى: ﴿*وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ؛﴾ حتى الخيط والمخيط، قال ابن عبّاس: (كان خمس الغنيمة يقسم على عهد رسول الله ﷺ على خمسة أسهم، سهم لله ورسوله، وواحد كان النّبيّ ﷺ يعطي فيه المحتاج والضّعيف ويجعله في عدّة المسلمين من السّلاح ونحوه، وسهم لذوي قرابة النّبيّ ﷺ ، وسهم ليتامى المسلمين عامّة، وسهم لمساكين المسلمين، وسهم لابن السّبيل. ثمّ قسمه أبو بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ ، على ثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السّبيل، وكذلك فعل عمر ثمّ عثمان ثمّ عليّ ﵃ (١).
وبهذا أخذ أبو حنيفة وأصحابه؛ قالوا: إنّ قوله تعالى ﴿(لِلّهِ خُمُسَهُ)﴾ لافتتاح الكلام باسمه تعالى على طريق التبرّك، لا لأنّ لله نصيبا من الخمس، فإنّ الدّنيا
стр. 1230
والآخرة كلّها له سبحانه، وسهم رسول الله ﷺ سقط بموته؛ لأن الأنبياء ﵈ لا يورثون، وبينهم ذوي القرابات كان جعل النبيّ ﷺ سهمه (١) في من شاء منهم، ألا ترى أنه أعطى بني هاشم وبني المطّلب، وأحرم بني نوفل وبني عبد شمس مع مساواتها بني عبد المطّلب في القرب؛ لأن بني هاشم لم يفارقوه في جاهليّة ولا إسلام، وإذا بطل هذان السّهمان بعد رسول الله ﷺ ، ورجعنا إلى السّهام الثلاثة التي ذكرت معهما، فقسّم الخمس على ثلاثة أسهم، ويدخل في استحقاقه فقراء بني هاشم دون أغنيائهم بدلا عمّا حرموا من الصّدقات، وأربعة أخماس الغنيمة للغانمين (٢).
واليتيم من كلّ جنس من الحيوان الذي ماتت أمّه، إلا من بني آدم فإنه إذا مات أبوه. والمسكين الذي أسكنه الضعف عن النّهوض لحاجته. وابن السّبيل المنقطع عن ماله.
وقال بعضهم: يقسم الخمس الآن على أربعة أسهم، فينفرد سهم قرابة النبيّ ﷺ ، وقال الشافعيّ: (يقسم الخمس الآن على خمسة أسهم، سهم لرسول الله ﷺ يصرف إلى الأهمّ فالأهمّ من مصالح المسلمين)،ومن أصحابه من قال: يصرف إلى الخليفة، وسهم قرابة ذوي النبيّ ﷺ لأغنيائهم وفقرائهم، وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السّبيل.
стр. 1231
قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ؛﴾ معناه: اقبلوا ما أمرتم به في الغنيمة إن كنتم صدّقتم بتوحيد الله، وبما أنزلنا على عبدنا محمّد ﷺ ، وقوله تعالى: ﴿(يَوْمَ الْفُرْقانِ)﴾ أي يوم بدر فرّق فيه بين الحقّ والباطل بنصر المؤمنين وكبت الكافرين مع ضعف المسلمين وقتلهم.
وقوله تعالى: ﴿(يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ)﴾ أي يوم جمع الكافرين والمؤمنين، ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤١)؛من نصر المؤمنين وغير ذلك.
قوله : ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ؛﴾ أي اذكروا يا أصحاب محمّد إذ كنتم بالعدوة الدّنيا؛ أي شفير الوادي الذي يلي المدينة، يقال لشفير الوادي عدوة وعدوة، ﴿(وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى)﴾ يعني المشركين بالجانب الآخر من الوادي على شفير الأبعد من المدينة، وهو الجانب الذي يلي مكّة. وقوله تعالى ﴿(وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ)﴾ أي والقافلة المقبلة من الشّام التي كان أبو سفيان فيها كانت أسفل منهم بثلاثة أميال كانوا نازلين أسفل الوادي.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ؛﴾ أي إنّ الله جمعكم مع المشركين وأصحاب العير في ليلة واحدة بمنزل واحد، ولو تواعدتم للاجتماع هناك لاختلفتم في الميعاد بالعوائق التي تعوق عن ذلك، وبأنّكم لو كنتم تعلمون كثرة عدد المشركين وقلّة عددكم لم تحضروا في ذلك المكان للقتال. وقوله تعالى:
﴿وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً؛﴾ أي ولكن قدّر الله اجتماعكم في ذلك المكان ليقضي الله أمرا كائنا لا محالة من إعزاز المسلمين وإعلائه «الإسلام» (١) على سائر الأديان.
قوله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ؛﴾ أي ليموت من مات منهم بعد قيام الحجّة عليهم، ﴿وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ؛﴾ ويعيش من عاش بعد قيام الحجّة عليهم، ﴿وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ؛﴾ بمقالتكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ (٤٢)؛ بضمائركم، يجازيكم على قدر أعمالكم.
стр. 1232
قرأ أهل مكّة والبصرة «(بالعدوة)» بكسر العين، وقرأ الباقون بضمّها وهما لغتان مشهورتان كالكسوة والكسوة والرّشوة والرّشوة، وكذلك قوله تعالى: ﴿(مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ)﴾ قرأ نافع والبزي وخلف «(حيي)» بياءين مثل (حيي) على الأصل (١)،وقرأ الباقون بياء واحدة مشدّدة على الإدغام، ومعنى ﴿(لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ)﴾ أي ليموت من مات عن بيّنة رآها وعبرة عاينها، أو حجّة قامت عليه، وكذلك حيوة من يحيى لوعده ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (٢).
قوله : ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً؛﴾ قال ابن عبّاس:
(وذلك أنّ النّبيّ ﷺ رأى العدوّ قليلا في المنام، فقصّ رؤياه على أصحابه، فلمّا التقوا ببدر قلّل الله المشركين في أعين المؤمنين تصديقا لرؤيا النّبيّ ﷺ ، ﴿وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ؛﴾ أي لجبنتم وتأخّرتم عن الصّفّ ولاختلفتم في أمر الحرب، والفشل هو ضعف مع الوجل. قوله تعالى: ﴿وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ التّنازع أن يحاول كلّ واحد من الاثنين أن ينزع صاحبه مما هو عليه، ﴿وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ؛﴾ أي سلّمكم من ذلك، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٤٣)؛أي بما في قلوبكم، علم أنّكم لو علمتم كثرة عدد المشركين لرغبتم عن القتال.
قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٤٤)؛وذلك أنّ الله تعالى قلّل المشركين في أعين المسلمين ليتجرّأ المسلمون على قتالهم، وقلّل المسلمين في أعين المشركين كيلا يستعدّ المشركون لحربهم كلّ الاستعداد.
روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (قلت لرجل بجنبي: أتراهم تسعين رجلا؟ قال: هم قريب من المائة، فلمّا أسرنا رجلا منهم سألناه عن عددهم، قال: كنّا ألفا أو تسعمائة وخمسين) (٣).
стр. 1233
وقوله تعالى: ﴿(لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً)﴾ قد تقدّم تفسيره، والفائدة في إعادته أنّ المراد بالأوّل إعلاء الإسلام على سائر الأديان، وبالثاني قتل المشركين وأسرهم يوم بدر وكلاهما كان كائنا في علم الله.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤٥)؛أي إذا لقيتم جماعة من الكفّار فاثبتوا لقتالهم، واذكروا الله كثيرا في الحرب بالدّعاء والاستغفار؛ لكي تفلحوا بالظّفر على الأعداء (١).
قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا؛﴾ أي أطيعوا الله ورسوله في الثّبات على القتال ولا تختلفوا فيما بينكم في لقاء العدوّ والتقدّم إلى قتالهم فتجبنوا من عدوّكم، ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ؛﴾ قال قتادة: (يعني ريح النّصر) (٢) الّتي يبعثها الله مع من ينصره كما قال ﵇: [نصرت بالصّبا] (٣).
وقيل: معناه: وتذهب دولتكم وقوّتكم (٤)،وقال مجاهد: (وتذهب نصرتكم) (٥)، وقال السديّ: (جرأتكم وحدّتكم وجلدكم).وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا؛﴾ أي اصبروا على قتال المشركين ولا تولّوهم الأدبار، ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (٤٦)، بالنصر والمعونة.
стр. 1234
قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النّاسِ﴾ أي قاتلوا لوجه الله ولا تكونوا في خروجكم إلى قتال المشركين كالمشركين الذين خرجوا من ديارهم إلى قتال المسلمين بطرا وهو الطّغيان في النّعمة ورياء الناس، والرّياء: هو إظهار الجميل مع إبطال القبيح. قوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٤٧)؛أي هم مع بطرهم وريائهم يمنعون الناس عن دين الله.
قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ بعض المشركين قالوا لأبي جهل وأصحابه قبل وصولهم إلى بدر: ارجعوا إلى مكّة فقد نحت العير، قالوا: لا حتّى تنحر الجزور وتشرب الخمور وتغنّي القينات، حتّى تسمع العرب بمسيرنا. فنزلوا ببدر ومعهم القينات بالدّفوف ويتغنّين بهجاء المسلمين، فسقاهم كأس المنايا مكان الخمور، وناحت عليهم النّوائح مكان القينات، فنهى الله المؤمنين أن يكونوا مثلهم، وأمرهم بإخلاص النّيّة والصّبر في نصر دينه ومؤازرة نبيّه ﷺ (١).
قوله : ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ؛﴾ أي واذكروا إذ زيّن لهم الشيطان أعمالهم يوم بدر، وقال: لا غالب لكم اليوم من أحد من الناس فمنعتكم وكثّرتكم وإنّي دافع عنكم الشرّ، ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ؛﴾ أي لمّا توافقتا رجع الشيطان القهقرى على عقبيه هاربا خوفا مما رأى، ﴿وَقالَ؛﴾ للمشركين: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما؛﴾ أي الملائكة تنزل من السّماء وأنتم، ﴿لا تَرَوْنَ؛﴾ وكان يعرف الملائكة ويعرفونه.
قوله : ﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ؛﴾ أي أخافه أن يصيبني معكم بعذابه، ﴿وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٤٨)؛لمن استحقّه، قال مقاتل: (كذب عدوّ الله، ما كان به من خوف من الله، فإنّ الله قد أنظره إلى الوقت المعلوم، ولكنّه خذلهم عند الشّدّة).ويقال: ظنّ إبليس أن الوقت الذي أنظره الله قد حضر.
стр. 1235
وعن ابن عبّاس: (أنّ أهل مكّة لمّا وجدوا العير أرادوا الرّجوع، فتمثّل لهم إبليس في صورة رجل يقال له: سراقة بن مالك بن جعنم من بني كنانة، فقال: لا ترجعوا حتّى تستأصلوهم، فإنّكم كثير وهم قليل، ولا غالب لكم اليوم من النّاس، وإنّي معين لكم من بني كنانة، فلا تمرّون بأحد من بني كنانة إلاّ سار معكم، فإنّهم لا يخالفونني.
فساروا وسار إبليس معهم، ولم يخرج أحد من بني كنانة، فجعلوا يقولون: يا سراقة أين ما ضممت لنا؟ فيقول: مروني، حتّى قدموا بدرا، فلمّا كان عند القتال رأى إبليس جبريل فنكص على عقبيه راجعا، وقال الحارث بن هشام: يا سراقة أين تذهب؟ فقال: إنّي أرى ما لا ترون، فقال الحارث: وما ترى إلاّ جعاشيش أهل يثرب؟ -والجعشوش: الرّجل القصير-فلمّا رأى الحارث إبليس ينطلق، أهوى به ليأخذه، فدفعه إبليس فرمى به، ثمّ نكص على عقبيه وقال:-إني-أخاف الله، والله شديد العقاب (١).
فلمّا انهزم المشركون جعلوا يقولون: هزم النّاس سراقة، فبلغ ذلك سراقة فقدم عليهم فقال: بلغني أنّكم تقولون أنّي هزمت النّاس! والّذي نحلف به ما بلغني ما تقولون ولا سمعت بمسيركم حتّى بلغني هزيمتكم، فجعلوا يقولون له: أما أتيتنا يوم كذا وكذا؟ وهو يقول: لا؛ والّذي نحلف به ما كان من ذا قليل ولا كثير. فلمّا أسلموا عرفوا أنّه إنّما كان من الشّيطان).
فإن قيل: كيف يجوز أن يتمكّن إبليس من أن يخلع صورة نفسه ويلبس صورة سراقة؟ ولو كان قادرا على أن يجعل نفسه صورة إنسان كان قادرا على أن يجعل غيره إنسانا؟ قيل: إذا صحّت هذه الرواية، فالجواب: أن الله خلق إبليس في صورة سراقة، والله تعالى قادر على خلق إنسان في مثل صورة سراقة ابتداء، فكان قادرا على أن يصوّر إبليس في مثل صورة سراقة.
стр. 1236
قوله : ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ؛﴾ قرأ الحسن: «(الّذي في قلوبهم مرض هم المشركون)».وقيل: هم أناس كانوا قد تكلّموا بكلمة الإيمان حين كان النبيّ ﷺ بمكّة من دون علم منهم بأمر رسول الله ﷺ فيكون معنى قوله: ﴿(وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)﴾ أي شكّ، وهم الذين لا عزيمة لهم في الكفر ولا في الإسلام، ولم يكونوا أعداء النبيّ ﷺ .
قوله تعالى: ﴿(غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ)﴾ قال ابن عباس: (لمّا نفر المشركون من مكّة إلى بدر ولم يخلفوا بمكّة أحدا قد احتلم إلاّ خرجوا به، وأخرجوا معهم أناسا كانوا قد تكلّموا بالإسلام بمكّة، فلمّا التقوا ورأوا قلّة المسلمين وكثرة المشركين، ارتابوا ونافقوا وقالوا لأهل مكّة: غرّ هؤلاء دينهم، يعنون المسلمين غرّهم دينهم حين خرجوا مع قلّتهم إلى قتال المشركين مع كثرتهم).فقتل هؤلاء مع المشركين يومئذ، وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، كما ذكر الله بعد هذه الآية (١).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ؛﴾ أي ومن يثق بالله في جميع أموره، ﴿فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ؛﴾ بنصره على عدوّه ولو كثر عدده، ﴿حَكِيمٌ﴾ (٤٩) يضع الأمور مواضعها.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ؛﴾ أي لو ترى يا محمّد حين يقبض الملائكة أرواح الكفّار ببدر يضربون على وجوههم بالأعمدة، وعلى أدبارهم يقولون لهم: ﴿وَذُوقُوا؛﴾ بعد السّيف في الدّنيا، ﴿عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ (٥٠)؛في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ؛﴾ أي ذلك العذاب الذي عاينتموه بكفركم وخيانتكم، والخيانة إذا أضيفت إلى الإنسان أكّدت بذكر اليد في العادة. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٥١)؛أي اعلموا أنّ الله لا يعذّب أحدا بجرم أحد، ولا يعذّب أحدا بغير ذنب. وموضع (أنّ) نصب بنزع الخافض عطفا على قوله ﴿(بِما قَدَّمَتْ)﴾ تقديره: وبأنّ الله، وكان الحسن إذا قرأ هذه
стр. 1237
السّورة قال: (طوبى لجيش قائدهم رسول الله، ومبارزهم أسد الله، وجهادهم طاعة الله، ومددهم ملائكة الله، وثوابهم رضوان الله).
قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ أي عادة هؤلاء في كفرهم، كعادة آل فرعون والذين من قبلهم، ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ،﴾ التي أتتهم بها الرّسل، ﴿فَأَخَذَهُمُ؛﴾ فعاقبهم، ﴿اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ؛﴾ في أخذ الأعداء، ﴿شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٥٢)؛لمن عصاه.
والدّأب في اللغة: العادة، يقال: فلان يدأب في كذا؛ أي يداوم عليه ويتعب نفسه فيه. وآل الرّجل: الذين يرجعون إليه بأوكد الأسباب، ولهذا يقال لقرابة الرجل:
آل الرّجل ولا يقال لأصحابه: آله. قوله تعالى: ﴿(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ)﴾ قال ابن عبّاس:
(معناه كفعل آل فرعون)،وقال عطاء ومجاهد: (كنيّتهم)،وقيل: كمثالهم، والمعنى: أنّ أهل بدر من المشركين فعلوا كفعل آل فرعون من الكفر والتكذيب، ففعل الله بهم كما فعل بآل فرعون من الهلاك والعذاب.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ؛﴾ أي لم يفعل الله ذلك العقاب بهم بأنّ الله لم يك مزيلا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم في الدّين والنّعم إلى أحوال لم يجز لهم أن يغيّروا إليها، كما فعل أهل مكّة بعد أن أطعمهم الله من جوع وآمنهم من خوف، وأرسل إليهم رسولا منهم، وأنزل إليهم كتابا بلسانهم. ثم إنّهم غيّروا هذه النّعم ولم يشكروها ولا عرفوها من الله، فغيّر الله ما بهم وأهلكهم وعاقبهم ببدر، ويدخلهم النار في الآخرة.
قال الكلبيّ: (يعني بالآية أهل مكّة، بعث إليهم محمّدا ﷺ ، فغيّروا نعمة الله، وتغييرها كفرها وترك شكرها)،وقال السديّ: (نعمة الله يعني محمّدا، أنعم الله به على قريش فكذبوه وكفروا به، فنقله الله إلى الأنصار) (١).قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٥٣)؛أي سميع لجميع المخلوقات المسموعات، عليم لمعاناتكم.
стр. 1238
قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ؛﴾ أي عادتهم في التكذيب بآيات الله كعادة آل فرعون، ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ من الأمم الماضية، ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ؛﴾ التي جاءت بها رسلهم، ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا؛﴾ أي وأهلكنا، ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ بالغرق خاصّة، ﴿وَكُلٌّ؛﴾ هؤلاء، ﴿كانُوا ظالِمِينَ﴾ (٥٤)؛لأنفسهم، مستحقّين العقوبة بسوء أعمالهم.
فإن قيل: لم كرّر آل فرعون؟ قيل: المراد بالأوّل أن هؤلاء جازاهم الله بالقتل والأسر، كما جوزي أولئك بالغرق والهلاك، والمراد بالثاني: أن صنع هؤلاء في النّعم التي أنعم الله عليهم كصنع آل فرعون فيما أعطاهم الله من الملك والعزّ في الدّنيا، فلما غيّر كلّ فريق النعم غيّر الله سبحانه ما بهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ أي إن شرّ ما يدبّ على الأرض الذين جحدوا بتوحيد الله ونبوّة رسله، مصرّين على الكفر، ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾. (٥٥)
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ نزلت في يهود بني قريظة، عاهدهم النبيّ ﷺ على أن لا يضرّوا به ولا يعينوا عليه عدوّا، فنقضوا العهد وأعانوا أهل مكّة بالسّلاح على قتال النبيّ ﷺ ، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم مرّة أخرى، فركب كعب بن الأشرف إلى أهل مكّة، وواثقهم على حرب رسول الله ﷺ . وقوله تعالى: ﴿(عاهَدْتَ مِنْهُمْ)﴾ أي معهم، قوله تعالى:
﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ؛﴾ (٥٦) أي لا يخافون الله في نقض العهد.
قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٥٧)؛معناه: فإما تصادفهم في الحرب، فافعل بهم فعلا من القتل والعقوبة والتّنكيل تعرف بهم من ورائهم من أعدائك. والتّشريد: التّبديد والتّفريق، ويقال: معنى (شرّد بهم) أي أسمع بهم بلغة قريش.
стр. 1239
وقال ابن عبّاس: (فشرّد بهم؛ أي نكّل بهم من وراءهم) (١)،وقال ابن جبير:
(أنذر بهم من خلفهم) (٢).وقيل: اقتلهم قتلا، وقيل: أثخن فيهم القتل حتى يخافك غيرهم من أهل مكّة وأهل اليمن. وقال القتيبيّ: (سمّع بهم)،وقرأ ابن مسعود «(فشرّد)» بالذال المعجمة وهما واحد (٣).وقال قطرب: (التّشريد بالدّال: التّنكيل، وبالذال: التّفريق) (٤).قوله تعالى: ﴿(لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)﴾ أي لكي يعتبروا فلا ينقضوا العهد الذي بينك وبينهم مخافة أن يحلّ بهم مثل ما حلّ ببني قريظة.
قوله تعالى: ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ؛﴾ أي إذا خفت من قوم بينك وبينهم عهد وخيانة في ذلك العهد من غدر بالمسلمين، أي علمت أنّهم يفعلون ذلك بالمسلمين خفية من غير أن يظهر نقض العهد، فانبذ العهد إليهم على سواء منك ومنهم في العلم، ولا تبدأهم بالقتال من قبل أن تعلمهم إعلاما بيّنا بأنّك نقضت العهد.
والمعنى: إمّا تعلمنّ يا محمّد من قوم معاهدين لك نكث عهد ونقض عهد يظهر لك من آثار الغدر والخيانة كما ظهر لك من بني قريظة والنّضير، فانبذ إليهم؛ أي فاطرح إليهم عهدهم على سواء؛ أي أخبرهم وأعلمهم قبل حربك إياهم أنّك فسخت العهد بينك وبينهم، حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم بأنّك لهم محارب، فيأخذوا للحرب أهبتها وتبرأ من الغدر. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ (٥٨)؛أي لا يرضى عمل الذين يخونون بالبدأة بالقتال من غير إعلام بنقض العهد.
стр. 1240
قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ (٥٩)؛ أي لا تظنّنّ يا محمّد أن من أفلت من الكفار من هذه الحرب قد سبق إلى الحياة.
ويقال: لا تحسبنّ يا محمّد أنّ أعداءك من الكفار المشركين ربما يقولون لك بأن لا يظفرك الله بهم، بل الله تعالى يظهرك عليهم ويظفرك.
وقرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة وحفص بالياء على معنى لا تظنّنّ هؤلاء المشركين إنّ من مات منهم فقد فات من الله ، وأنّ الله لا يبعثه يوم القيامة ولا يعاقبه. وقرأ أهل الشام: «(أنّهم لا يعجزون)» بالفتح، وتكون (لا) صلة تقديره:
ولا تحسبنّ الذين كفروا سبقوا أنّهم لا يعجزون؛ أي لا يفوتون. وقيل معناه: لأنّهم، وقرأ عامّة القرّاء بالكسر على الابتداء (١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ؛﴾ أي أعدّوا للكفار ما استطعتم من آلات الحرب. وعن ابن عبّاس وعقبة بن عامر؛ قال: قرأ رسول الله ﷺ على المنبر ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ثمّ قال: [ألا إنّ القوّة الرّمي، ألا إنّ القوّة الرّمي، لهو المؤمن في الخلاء وقوّته عند اللّقاء] (٢).ومات عقبة فأوصى بتسعين قوسا مع كلّ قوس سهامها في سبيل الله، وقال عقبة: قال رسول الله ﷺ :
[إنّ الله ليدخل الجنّة الثّلاثة سهم واحد، صانعه يحتسب في صنعته الخير، والمهدي له، والرّامي به] (٣) وقال ﵇: [كلّ شيء يلهو به الرّجل باطل، إلاّ رمية بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله، فإنّهنّ من الحقّ] (٤).
стр. 1241
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ؛﴾ معناه: ارتبطوا الخيل لهم ولقتالهم؛ أي أعدّوا لهم ذلك لتخويف عدوّ الله وعدوّكم ﴿(وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ)﴾ أي من دون كفّار العرب وأهل الكتاب ﴿(لا تَعْلَمُونَهُمُ)﴾ أي لا تعرفونهم. قال ابن عبّاس: (يعني كفّار الجنّ) (١)،قال ﷺ : [لا يقرب صاحب قوس جنّيّ أبدا].ويقال: إن الجنّ لا تدخل بيتا فيه قوس ولا سلاح.
قال السديّ: (أراد به أهل فارس) (٢)،وقال الحسن: (هم المنافقون)،وقال الضحّاك: (هم الشّياطين)،ولا يمتنع أن يكون الكلّ مراد بالآية. قوله تعالى: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ؛﴾ أي ما تنفقوا من شيء في الجهاد يوفّ إليكم ثوابه، ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ (٦٠)؛أي لا ينقص شيء من حقّكم.
قوله تعالى: ﴿*وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها؛﴾ معناه: فإن مالت يهود بني قريظة إلى الصّلح فمل إليهم وصالحهم، فكان هذا قبل نزول براءة، ثم نسخ بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٣) وبقوله: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (٤).
والسّلم والسّلم بالخفض والنصب، وإنما قال ﴿(فَاجْنَحْ لَها)﴾ لأن السّلم والمسالمة بمعنى واحد، فردّ الكناية إلى المعنى. قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ؛﴾
стр. 1242
أي ثق بالله تعالى إن نقضوا العهد، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ؛﴾ بمقالتكم ﴿الْعَلِيمُ﴾ (٦١)؛بما تفعلون.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ؛﴾ معناه: إن يرد الذين يطلبون منك الصّلح أن يخدعوك بإظهار الصّلح لتكفّ عنهم إلى أن يتقوّوا بغيرك، فإنّ الله كافيك في حربهم وقتالهم، ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٢)؛أي قوّاك يوم بدر بنصره وقوّاك بالمؤمنين، وهم الأوس والخزرج.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ؛﴾ أي جمعهم على المودّة في الإيمان، وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ؛﴾ أي ما قدرت على جمع قلوبهم على الألفة، ﴿وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ؛﴾ في سلطانه لا يقدر أحد أن يغلبه ويمنعه عن مراده، ﴿حَكِيمٌ﴾ (٦٣)؛يضع الأمور في موضعها.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ؛﴾ أي كافيك الله، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٤)؛نزلت في البيداء في غزوة بدر. وقيل: لمّا أسلم عمر ﵁ نزل ﴿(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)﴾ (١).
وقال بعض المفسّرين: موضع (من) خفض عطفا على الكاف في قوله ﴿(حَسْبُكَ اللهُ)﴾ أي وحسب من اتّبعك. وقال بعضهم: موضعه رفع عطفا على اسم الله؛ أي حسبك الله ومتبوعك من المؤمنين. قيل: إن هذه الآية قوله تعالى: ﴿(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)﴾ نزلت في البيداء في غزوة بدر قبل القتال.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ؛﴾ أي رغّبهم في القتال، والتّحريض: الترغيب في الشيء بما يدعو إليه نحو وعد الثواب على القتال
стр. 1243
والتنفيل عليه، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ هذا وعد من الله؛ أي يقوّي واحدا من المسلمين المنتصرين في الدّين على عشرة من الكفّار، ويقوّي مائة صابرة محتسبة على ألف من الكفّار.
وقوله تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٦٥)؛أي ذلك النصر من الله لكم على الكفّار وخذلانهم بأنّكم تفقهون أمر الله وتصدّقونه فيما وعده من الثواب، والكفار لا يفقهون ذلك ولا يصدّقونه.
قال ابن عبّاس: (لمّا نزلت هذه الآية كان رسول الله ﷺ يبعث المؤمنين على أن يقاتل الرّجل منهم العشرة من الكفّار، والمائة منهم الألف من الكفّار كما أمر الله، فلمّا أمر الله المسلمين بقتال الكفّار ببدر وكان فرض القتال على المسلمين كما ذكر الله في هذه الآية، شقّ ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى:
قوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً؛﴾ أي الآن هوّن الله عليكم القتال الذي فرضه عليكم وسهّل الأمر عليكم لتعرفوا فتشكروا، وعلم في الأزل أن في الواحد منكم ضعفا عن قتال العشرة، والمائة عن قتال الألف) (١).وقيل:
علم أنّ فيكم ضعفا في النّصرة في أمر الدّين.
قرأ عاصم وحمزة وخلف «(ضعفا)» بفتح الضاد، وقرأ الباقون بضمّها أي عجزا عما فرض عليكم، ومن قرأ «(ضعفا)» فمعناه شيوخا وضعافا، وقرأ أبو جعفر «(ضعفاء)» بضمّ الضاد وفتح العين والمدّ وهمزة من غير تنوين على جمع ضعيف مثل شركاء.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ؛﴾ أمر الله بأنّ الواحد يثبت للاثنين وضمن له النصر عليهما. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ؛﴾ أي بأمر الله، ﴿وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (٦٦)؛أي
стр. 1244
معين لهم، قال ابن عبّاس: (من فرّ من رجلين فقد فرّ، ومن فرّ من ثلاثة لم يفرّ) (١).
وهذا إذا كان للواحد المسلم من السّلاح والقوّة مثل ما لكلّ واحد من رجلين من الكافرين، كان فارّا، فأما إذا لم يكن، لم يثبت حكم الفرار.
قوله : ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي يكون له أسرى من المشركين فيفاديهم (٢) أو يمنّ عليهم، ولكن السّيف حتى يمكن في الأرض لا بد من القتال، فيقتل منهم قتلا ذريعا ليرتدع من وراءهم.
والإثخان في كلّ شيء: شدّته، يقال: أثخنه المرض إذا اشتدّ قوته عليه، وكذلك أثخنته الجراح.
قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا؛﴾ خطاب للذين أسرعوا في أخذ الغنائم وشغلوا أنفسهم بذلك عن القتال، وذلك أنّهم لمّا كان يوم بدر تعجّل ناس من المسلمين فأصابوا من الغنائم، ومعناه: تريدون بالقتال المال، وسمّاه عرضا لقلّة لبثه. وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ؛﴾ أي يريد منكم العمل بما تستحقّون به ثواب الآخرة، ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ؛﴾ أي منيع في سلطانه، ﴿حَكِيمٌ﴾ (٦٧)؛في أمره وقضائه، فاعملوا ما أمركم به.
قوله تعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٦٨)؛أي لولا حكم من الله سبق في إباحة الغنائم لمسّكم فيما استبحتم قبل الإثخان عذاب عظيم. وقيل: لولا كتاب من الله سبق في أهل بدر أن يغفر الله لهم ما تقدّم من ذنوبهم وما تأخّر. وقيل: معناه: لولا حكم الله في اللّوح المحفوظ وفي القرآن أنه لا يعذّب قوما حتى يبيّن لهم ما يتّقون لأصابتكم عقوبة عظيمة.
стр. 1245
وعن ابن عبّاس أنه قال في هذه الآية: (وذلك أنّه لمّا قتل أصحاب رسول الله ﷺ سبعين وأسروا سبعين، استشار النّبيّ ﷺ أصحابه في أمر الأسارى، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله هم قومك، فإن تقتلهم يدخلوا النّار، ولكن فادهم فيكون الّذي تأخذ منهم قوّة للمسلمين، ولعلّ الله يقلّب قلوبهم. وقال عمر: يا رسول الله ما أعلم قوما كانوا أشرّ لنبيّهم منهم فاقتلهم.
فأخذ رسول الله ﷺ برأي أبي بكر، ثمّ ضرب لهما مثلا فقال: [مثل أبي بكر مثل إبراهيم ﵇ حيث قال ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١)،ومثل عمر مثل نوح ﵇ حيث قال ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ (٢)] ثمّ ضرب رسول الله ﷺ الفداء على الأسارى.
فلمّا كان من الغد أنزل الله هذه الآية ﴿(ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ... )﴾ إلى آخر الآيتين، قال عمر: فدخلت على رسول الله ﷺ وعنده أبو بكر يبكيان، فقلت: ما يبكيكما؟! حتّى الأرض إن وجدت بكاء لبكائكما بكت معكما، فقال ﷺ : [إنّما أبكي للّذي عرض عليّ أصحابك من أخذ الفداء]،ثمّ قرأ ﵇ ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى﴾) (٣).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: (لمّا جيء بالأسارى يوم بدر قال ﷺ : [ما تقولون في هؤلاء؟] فقال أبو بكر: قومك وأهلك استبقهم لعلّ الله يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تكون لنا قوّة على الكفّار. وقال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك، قدّمهم واضرب أعناقهم، ومكّن عليّا من عقيل فيضرب عنقه، ومكّنّي من فلان -بسبب له-فأضرب عنقه، فإنّ هؤلاء أئمّة الكفر. فسكت النّبيّ ﷺ ، فقال أناس:
نأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: نأخذ بقول عمر، فقال ﷺ : [إنّ الله ليليّن قلوب رجال حتّى تكون ألين من اللّبن، وإنّ الله ليشدّ قلوب رجال حتّى تكون أشدّ من الحجارة، وإنّ مثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ﴾
стр. 1246
﴿لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١)،ومثلك يا عمر مثل موسى قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (٢)،ثمّ قال ﷺ للأسارى: [أنتم اليوم عالة فلا ينقلبنّ أحد إلاّ بفداء أو ضرب عنق] ثمّ قال ﷺ ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾) (٣).
قوله تعالى: ﴿(لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ)﴾ أي لولا حكم الله في أنه يحلّ لهم الفدية التي أخذوها من الأسارى. وقيل: معناه: لولا ما سبق لهذه الأمّة من الرحمة إذا عملوا الخطايا ثم عرفوا بما عملوا وتابوا ورجعوا. قوله تعالى: ﴿(تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا)﴾ مخاطبة لهم لا لرسول الله ﷺ وجلّت (٤) أصحابه، فإنّ أبا بكر كان مراده إعزاز الدّين وهداية الأنصار، ولأنّ الله قال: ﴿(لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ)﴾ ولم يقل فيما عزمتم وأسررتم.
قوله: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً؛﴾ الفاء في أوّل هذه الآية للجزاء، المعنى: أحلّت لكم الغنائم فكلوا. والطّيّب: المستلذّ، ويوصف الحلال بذلك على التشبيه، فإنّ المستلذ لا يكون فيه كراهية في الطّبع، وكذا الحلال ما لا يكون فيه كراهية في الدّنيا.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ؛﴾ أي اخشوه ولا تفعلوا شيئا لم تؤمروا به ولم يرخّص لكم، ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ؛﴾ لما فرّط منكم ﴿رَحِيمٌ﴾ (٦٩)؛بكم إذ لم يعذّبكم فيما فعلتم قبل الرّخصة.
стр. 1247
قوله : ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٧٠) قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ النّبيّ ﷺ لمّا وضع الفداء على كلّ واحد من الأسارى أربعين أوقيّة من ذهب، وجعل على عمّه العبّاس مائة أوقيّة، قال العبّاس: أتجعل عليّ مائة أوقيّة وعلى عدوّك سهيل بن عمرو أربعين أوقيّة؟ قال: [نعم؛ لقطعك الرّحم ولظلمك] قال: تركتني والله أسأل قريشا ما بقيت، فكيف تترك عمّك يسأل النّاس بكفّه؟!
فقال ﷺ : [وأين الذهب الّذي أعطيته أمّ الفضل عند مخرجك؟ فقلت: إن حدث بي حدث في وجهي هذا فهو لك ولعبد الله وقثم وللفضل] قال: وما يدريك؟! قال: [أخبرني الله بذلك] فقال: أشهد أنّك صادق وأنّي لم أعلم أنّك رسول الله قطّ قبل اليوم، وإنّي دفعت إليها الذهب ولم يطّلع عليه أحد إلاّ الله، وأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله. فأسلم وأمر ابن أخيه أن يسلم، فأنزل الله هذه الآية) (١).
ومعناها: يا أيّها النبيّ قل للعبّاس وعقيل وغيرهم من الأسارى: إن يعلم الله في قلوبكم رغبة في الإيمان وإخلاصا في النيّة، يؤتكم خيرا مما أخذ منكم من الفدية. يجوز أن يكون المعنى: يخلف عليكم في الدّنيا، ويجوز أن يكون: ويجازيكم في الآخرة.
وكان العباس أحد الثلاثة عشر الذين ضمنوا طعام أهل بدر، فخرج معهم بعشرين أوقيّة من ذهب ليطعم بها الناس، ولم تبلغه نوبة الإطعام حتى أسر وأخذ وهي معه فأخذوها منه، فلما وضع النبيّ ﷺ على العبّاس الفداء مائة أوقيّة قال: (يا محمّد احتسب لي بالعشرين أوقيّة من فدائي).فأبى وقال: [أمّا شيء خرجت تستعين به علينا فلا أتركه لك].
فلمّا أسلم العباس كان إذا قرأ هذه الآية قال: (صدق الله ورسوله قد أعطاني خيرا ممّا أخذ منّي، أبدلني مكان العشرين أوقيّة الّتي أخذت منّي عشرين مملوكا،
стр. 1248
كلّ مملوك يضرب بعشرين ألفا في التّجارة، وأعطاني زمزم ما أحبّ أنّ لي بها جميع أموال أهل مكّة، أنجز لي أحد الوعدين، وأنا أرجو أن ينجز لي الوعد الثّاني، أنتظر المغفرة من ربي) (١).
وعن العلاء بن الحضرميّ ﵁ أنّه بعث إلى رسول الله ﷺ من البحرين ثمانين ألفا، فقال العبّاس: (أعطني من هذا المال) فأعطاه رسول الله ﷺ ما أطاق حمله، فجعل العبّاس يقول: (أمّا إحدى اللّتين وعدنا الله فقد أنجزها، فلا ندري ما يصنع بالأخرى).يعني ﴿(يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ)﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ معناه: وإن يرد الذين أطلقتهم من الأسارى خيانتك بأن يعيدوا حربا لك وينصروا عدوّك عليك، فقد خانوا الله من قبل بمخالفة ما أخذ عليهم من العهود، وذلك أنّ النبيّ ﷺ كان عاهد الذين أطلقهم على أن لا يعينوا عليه فخانوه وخالفوا، وقوله تعالى ﴿(فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ)﴾ أي فأمكنك منهم يوم بدر، وإن خانوك فسيمكّنك منهم ثانيا، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ؛﴾ بكلّ شيء، ﴿حَكِيمٌ﴾ (٧١)؛في كلّ ما يفعل.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ؛﴾ أي إن الذين آمنوا بتوحيد الله وبمحمّد ﷺ والقرآن وهاجروا من مكّة إلى المدينة وجاهدوا العدوّ بأموالهم وأنفسهم في طاعة الله.
ثم ذكر الله الأنصار فقال: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا؛﴾ النبيّ والمهاجرين معه أعطوهم المأوى وأنزلوهم ديارهم، ﴿وَنَصَرُوا؛﴾ أي أعانوهم بالسّيف على الكفّار، ﴿أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ؛﴾ أي أنصار بعض في الدّين والمواريث.
стр. 1249
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا؛﴾ أي والذين صدّقوا من أهل مكّة في ديارهم ولم يهاجروا إلى المدينة، ﴿ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ؛﴾ أي ليس بينكم وبينهم ميراث، ﴿حَتّى يُهاجِرُوا؛﴾ وإطلاق لفظ الموالاة يقتضي التوارث في الجملة، وإن كان بعض أسباب الموالاة أوكد من بعض.
قال ابن عبّاس: لمّا نزلت هذه الآية قام الزّبير بن العوّام وأناس معه من المسلمين؛ قالوا: يا رسول الله كيف لا يرثنا إخواننا وهم على ديننا من أجل أنّهم لم يهاجروا؟ فهل نعينهم على أمر إن استعانونا عليه؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾.
معناه: وإن قاتلهم الكفار ليردّوهم عن الإسلام فانصروهم، ﴿إِلاّ عَلى قَوْمٍ؛﴾ إلاّ أن يقاتلوا قوما، ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ؛﴾ فاستنصروكم عليهم فلم تقاتلوهم معهم، بل عليهم أن يكفّوا عن طلب النّصرة منكم لهم عليهم؛ لأنه أمان، وأمان واحد من المسلمين يلزم كافّتهم، فيجب الإصلاح بينهم على غير وجه القتال.
وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٧٢)؛أي بصير بأعمالكم، يجازيكم عليها.
قال ابن عبّاس: فمكثوا على هذا ما شاء الله أن يمكثوا، ثمّ نزل قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ؛﴾ أي أنصار بعض في الدّين، وبعضهم أولياء بعض في الميراث. يعني أنّ الكافر لا يرث المؤمن الذي لم يهاجر، بل الكافر يرث من الكافر، والمؤمن يرث من المؤمن، فصارت هذه الآية ناسخة للتي قبلها.
قوله تعالى: ﴿إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ (٧٣) أي إلاّ تفعلوا ما أمرتكم به ولم تورثوا الأعرابيّ الذي لم يهاجر من المهاجر، ولم تجعلوا ولاية الكافر للكافر وولاية المؤمن للمؤمن، ﴿(تَكُنْ فِتْنَةٌ)﴾ أي بالميل إلى الضّلالة وفساد في الدّين، فإن الكفار بعضهم أولياء بعض.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا؛﴾ أي أولئك الذين حقّقوا إيمانهم بالهجرة وإقامة الجهاد في سبيل الله. وقيل: معناه: أولئك الذين حقّق الله إيمانهم بأن أثنى عليهم ومدحهم في
стр. 1250
كتابه. قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ؛﴾ لذنوبهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٧٤) في الجنّة بأن يطعمهم طعاما يصير كالمسك رشحا ولا يستحيل في أجوافهم نجوا (١).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ﴾ معناه: والذين آمنوا من بعد المهاجرين السّابقين، وهاجروا إلى المدينة وجاهدوا معكم الكفار، فأولئك منكم في الدّين والنّصرة.
قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ؛﴾ أي أن الأقارب بعضهم أولى ببعض في الميراث من غيرهم، هاجروا أو لم يهاجروا إذا كانوا مسلمين، قوله تعالى: ﴿فِي كِتابِ اللهِ؛﴾ يجوز أن يكون المراد بالكتاب القرآن، ويجوز أن يكون معناه في اللوح المحفوظ، ويجوز أن يراد بالكتاب الحكم، كما قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾ (٢) أي حكم الله، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٧٥)؛أي عليم بكلّ ما فرض من المواريث وغير ذلك.
قال قتادة: (وذلك أنّ النّبيّ ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانوا يتوارثون بالإسلام والهجرة، وكان الرّجل يسلم ويهاجر، وكان لا يرث أخاه) (٣)، فنسخ الله ذلك بقوله: ﴿(وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ)﴾ وصارت الوراثة بالقرابة كما ذكر الله في سورة النّساء، وقال النّبيّ ﷺ : [لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة] (٤).
стр. 1251
وعن أبيّ بن كعب: قال رسول الله ﷺ : [من قرأ سورة الأنفال والتّوبة فأنا له شفيع وشهيد يوم القيامة أنّه بريء من النّفاق، وأعطي من الأجر بعدد كلّ منافق ومنافقة، ورفع له بها عشر درجات] (١).
آخر تفسير سورة (الأنفال) والحمد لله رب العالمين.
стр. 1252
سورة التّوبة
سورة التّوبة مدنيّة؛ وهي عشرة آلاف وأربعمائة وثمانية وثمانون حرفا، وأربعة آلاف وثمان وتسعون كلمة، ومائة وثلاثون آية.
قوله : ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) أي هذه من الله، فيكون رفعا على الابتداء، ويجوز أن يكون (براءة) رفعا بالابتداء، وخبره: ﴿(إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ)﴾. والبراءة: رفع العصمة، يقال: فلان بريء من فلان، وبرئ الله من المشركين. وإنما ذكر الله تعالى هذه الآية من العهد؛ لأنّ المشركين كانوا ينقضون العهد قبل الأجل، ويضمرون الغدر، فأمر الله بنبذ العهد إليهم، إما بخيانة مستورة ظهرت أمارتها منهم، وإما أن يكون شرط النبيّ ﵇ لنقضهم في العهد أن يقرّهم ما أقرّهم الله.
فأما ترك البسملة في أوّل هذه السّورة، فقد روي أنّ أبيّ بن كعب سئل عن ذلك فقال: (لأنّها نزلت في آخر ما نزل من القرآن، وكان رسول الله ﷺ يأمر أوّل كلّ سورة ﴿(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)﴾ ولم يأمر في سورة البراءة بذلك، فضمّت إلى الأنفال لشبهها بها) (١) يعني أنّ أمر العهود مذكور في الأنفال، وهذه السّورة نزلت بنقض العهود. سئل عليّ ﵁ عن هذا فقال: (لأنّ هذه السّورة نزلت في السّيف، وليس للسّيف أمان، وبسم الله الرّحمن الرّحيم من الأمان، ولأنّ البسملة رحمة، والرّحمة أمان، وهذه السّورة نزلت بالسّيف ولا أمان فيه) (٢).
стр. 1253
قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ؛﴾ أي سيروا في الأرض على المهل وأقبلوا وأدبروا في الأرض إلى أن يمضي أربعة. وقيل: هو على الخطاب؛ أي قل لهم سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين آمنين غير خائفين من قتل ولا أسر ولا نهب.
ويقال: إن قوله: ﴿(فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ)﴾ بيان أن هذا السّيح المذكور في أوّل هذه السورة إنّما هو بعد أربعة أشهر، فإنّ عهد الكفّار باق إلى آخر هذه المدّة. قال الحسن:
(أمر الله نبيّه ﷺ أن ينظر في عهود الكفّار، فيقرّ من كان عهده أربعة أشهر على عهده أن يمضي، ويحطّ من كان له عهد أكثر من أربعة أشهر، ويرفع عهد من كان له عهد قبل أربعة أشهر فيجعله أربعة أشهر).
واختلفوا في هذه الأربعة أشهر، قال بعضهم: من عشرين ذي القعدة إلى عشرين من ربيع الأوّل. وروي في الخبر: أنّ مكّة فتحت في سنة ثمان من الهجرة، وولّى رسول الله ﷺ عتّاب بن أسيد الوقوف بالناس في الموسم، واجتمع في تلك السّنة في الوقوف المسلمون والمشركون.
فلمّا كانت سنة تسع ولّى رسول الله ﷺ أبا بكر وبعث معه عشر آيات من أوّل براءة أو تسع آيات، وأمره أن يقرأها على أهل مكّة، وينبذ إلى كلّ ذي عهد عهده
стр. 1254
كما وصف الله تعالى، فلمّا خرج أبو بكر ﵁ منها إلى مكّة، نزل جبريل ﵇ فقال للنبيّ ﷺ : [لا يبلّغ عنك إلاّ رجل من أهل بيتك] فدعا عليّا ﵁ وأمره بالذهاب إلى مكّة، وقال: [كن أنت الّذي يقرأ هذه الآيات على أهل مكّة، ومر أبا بكر فليصلّ بالنّاس].فسار حتى لحق أبا بكر ﵁ في الطريق، فأخبره بذلك فمضيا، وكان أبو بكر على الموسم.
فلمّا كان يوم النحر واجتمع المشركون، قام عليّ ﵁ عند جمرة العقبة وقال: (يا أيّها النّاس؛ إنّي رسول رسول الله ﷺ إليكم) فقالوا: بم ذا؟ فقرأ عليهم (براءة من الله ورسوله إلى الّذين عاهدتّم ... ) إلى آخر الآيات التي نزلت (١).
وكان الحجّ في السّنة التي قرأ عليّ ﵁ فيها هذه السّورة في العاشر من ذي القعدة، ثم صار الحجّ في السّنة الثانية في ذي الحجّة، وكان السبب في تقديم الحجّ في سنة العهد ما كان يفعله بنو كنانة في النّسيء وهو التأخير. وذهب بعض المفسّرين إلى أنّ الأربعة الأشهر المذكورة في هذه الآية هي: شوّال وذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم.
قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ؛﴾ أي غير فائتين عن الله بعد الأربعة الأشهر، فإنّكم إن أجّلتم هذه الأشهر فلن تفوتوا الله تعالى. وقوله تعالى:
﴿وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ﴾ (٢)؛أي معذّب الكافرين في الدّنيا بالقتل في الآخرة بالنار. والإخزاء: هو الإذلال على وجهه الأدون.
قوله تعالى: ﴿وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ؛﴾ أي وإعلام من الله ورسوله إلى الناس يوم الحجّ الأكبر وهو يوم النحر، كذا روى ابن عبّاس، وسمي يوم النحر يوم الحجّ الأكبر؛ لأنه اتّفقت فيه الأعياد على قول أهل الملل. وعن النبيّ ﷺ : [أنّه يوم عرفة]،قال قيس ابن مخرمة: خطب رسول الله ﷺ عشيّة عرفة فقال: [أمّا بعد؛ فإنّ هذا يوم الحجّ الأكبر] (٢).
стр. 1255
ويروى أنّ عليّا ﵁ خرج يوم النّحر على بغلة بيضاء إلى الجبانة، فجاءه رجل فأخذ بلجامها وسأله عن يوم الحجّ الأكبر، فقال: (هو يومك هذا، خلّ سبيله) (١).
وسئل عبد الله بن أبي أوفى عن يوم الحجّ الأكبر، فقال: (سبحان الله! هو يوم النّحر يوم يهراق فيه الدّماء ونحلق فيه الشّعر ويحلّ فيه المحرّم) (٢).
قوله تعالى: ﴿(وَأَذانٌ)﴾ عطف على قوله: (براءة).قوله تعالى: ﴿(أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ)﴾ أي أن الله ورسوله بريء من المشركين، تقديره: أنّ الله بريء ورسوله أيضا بريء. ومن قرأ «(ورسوله)» بالنصب فعلى معنى وأن رسوله بريء.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ؛﴾ أي تبتم من الشّرك فهو خير لكم من الإقامة عليه. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ؛﴾ معناه: وإن أعرضتم، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي؛﴾ فائتين عن؛ ﴿اللهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣)؛تكرار للوعيد، وعن أبي هريرة ﵁ قال: (كنت مع عليّ ﵁ حين بعثه رسول الله ﷺ بالبراءة إلى مكّة) فقيل لأبي هريرة: بم إذا كنتم تنادون؟ قال: (كنّا ننادي: أنّه لا يدخل الجنّة إلاّ مؤمن، ولا يحجّنّ هذا البيت بعد هذا العام مشرك ولا عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فأجله إلى أربعة أشهر، فإذا مضت أربعة أشهر فإنّ الله بريء من عهد المشركين ورسوله).
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ؛﴾ استثناء من الله تعالى من قوله: ﴿(بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ)﴾ وأراد بقوله: ﴿(إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ)﴾ بني ضمرة وهم حيّ من بني كنانة عاهدهم رسول الله ﷺ عام الحديبية عند البيت، وكان بقي لهم من عهدهم تسعة من بعد يوم النّحر من السّنة التي حجّ
стр. 1256
فيها أبو بكر ﵁، وكانوا لم ينقضوا شيئا من عهودهم، ولم يمالوا عدوّا على رسول الله ﵇، فأمر النبيّ ﷺ أن-أبقى-لهم بعهدهم إلى آخر مدّتهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤)؛أي يرضى عمل الذين يتّقون نقض العهد. قرأ عطاء «(ينقضوكم)» بالضّاد المعجمة من نقض العهد.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إذا مضت الأشهر التي حرّم الله القتال بالعهد فيها، ﴿(فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)﴾ ﴿وَخُذُوهُمْ؛﴾ يقال أراد بذلك الأشهر الحرم المعروفة؛ وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم، كأنه قال: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم في الحلّ أو في الحرم، وخذوهم؛ أي ائسروهم، ﴿وَاحْصُرُوهُمْ؛﴾ أي احبسوهم، ويقال: أراد بذلك أن يحال بينهم وبين البيت؛ أي امنعوهم دخول مكّة. وقوله تعالى: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ؛﴾ أي أقعدوا القتال على كلّ طريق يأخذون فيه إلى البيت أو إلى التجارة، وهو أمر بتضييق السبيل عليهم.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ معناه: فإن تابوا عن الشّرك، وقبلوا إقام الصلاة وإيتاء الزّكاة فأطلقوهم، ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ؛﴾ لما سلف من شركهم، ﴿رَحِيمٌ﴾ (٥)؛بهم حين قبل توبتهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ؛﴾ معناه: وإن أحد من المشركين استأمنك ليسمع دعوتك واحتجاجك بالعدل، فأمّنه حتى يسمع كلام الله، فإن أراد أن يسلم فردّه إلى موضع أمنه، ﴿ذلِكَ؛﴾ الأمان لهم، ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٦)؛أمر الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ أي كيف يكون لهم عهد، وهم يضمرون الغدر في عهودهم عند الله وعند رسوله؛ أي لن يكون لهم عهد يجب الوفاء به، ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ؛﴾ في وفاء العهد فلم ينقضوه كما نقض غيرهم،
стр. 1257
﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ؛﴾ بوفاء أجلهم، ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٧)؛ لنقض العهد.
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً؛﴾ أي كيف يكون لهم العهد، وقال الأخفش: (معناه: كيف لا يقاتلونكم وهم إن يظهروا عليكم لا يحفظوا فيكم قرابة ولا عهدا)،وقال قتادة: (الإلّ: الحلف)،قال السديّ: (هو العهد) (١) ولكنّه كرّره لما اختلف اللّفظان وإن كان معناهما واحد.
قال مجاهد: (الإلّ هو الله (٢) ومنه جبريل وميكائيل، فإنّ معناهما عبد الله. وأبو بكر لمّا سمع كلام مسيلمة قال: (هذا كلام ليس هو إلّ) (٣) أي لم يتكلّم به الله. وقرأ عكرمة «(إيلا)» بالياء يعني الله ، مثل جبريل وميكائيل (٤).
قوله تعالى: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ؛﴾ أي يتكلّمون بالعهد بأفواههم، ﴿وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ؛﴾ إلاّ نقض العهد، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ﴾ (٨).أي متمادون في الكفر.
قوله تعالى: ﴿اِشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً؛﴾ أي اختاروا على القرآن عرضا يسيرا من الدّنيا، ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩) فصرفوا الناس عن طاعة الله، فبئس العمل عملهم، وذلك أنّهم نقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ بأكلة أطعمهم إيّاها أبو سفيان.
стр. 1258
قوله تعالى: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً؛﴾ فإن قيل: لم أعاد قوله تعالى: ﴿(لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً)؟﴾ قيل: ليس هذا بإعادة؛ لأنّ الأول ورد في جميع الكفّار الذين نقضوا العهد، والثاني إنّما ورد في طائفة من اليهود الذين كانوا ينقضون العهد، فإنّ هذه الطائفة منهم الذين اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا؛ فإنّهم كانوا يكتمون صفة رسول الله ﷺ بشيء من المواكلة كانوا يأخذونها من سفلتهم، وكانوا يأخذون الرّشاء على الحكم الباطل، ويغيّرون أحكام الله التي أنزلها على أنبيائهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ (١٠)؛يعني في نقض العهد.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ؛﴾ أي فإن تابوا عن الكفر وقبلوا إقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة، فهم إخوانكم في دين الإسلام، ﴿وَنُفَصِّلُ؛﴾ ونأتي ب، ﴿الْآياتِ؛﴾ آية بعد آية، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١١)؛أمر الله وأحكامه.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ؛﴾ أي نقضوا أيمانكم والحلف من بعد العهود التي عاهدتّهم أن لا يقاتلوك ولا يعينوا عليك ولا على حلفائك، ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ؛﴾ الإسلام وعابوه، وذلك أنّهم قالوا: ليس دين محمّد بشيء، ﴿فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ؛﴾ أي رءوس الكفر، ﴿إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾.
قال ابن عباس: (نزلت في أبي سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل وسائر رؤساء قريش الّذين ينقضون العهد، وهم الّذين همّوا بإخراج الرّسول) (١).وقال مجاهد: (هم أهل فارس والرّوم) (٢).
стр. 1259
وقوله تعالى ﴿(إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ)﴾ أي لا عهود لهم؛ جمع يمين، وقال قطرب:
(لا وفاء لهم بالعهد).وقرأ الحسن وعطاء وابن عامر (لا إيمان) بكسر الهمزة؛ أي لا تصديق لهم، قال عطيّة: (لا دين لهم) أي هم قوم كفّار. وقيل: معناه: لا أمان لهم فلا تؤمّنوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، فيكون مصدر أمّنته إيمانا. قوله تعالى:
﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ (١٢)؛أي ليرجى منهم الانتهاء عن الكفر ونقض العهد.
وفي الآية بيان أنّ أهل العهد متى خالفوا أشياء مما عاهدوهم عليه فقد نقض العهد، وأما إذا طعن واحد منهم في الإسلام: فإن كان شرط في عهودهم أن لا يذكروا كتاب الله ولا يذكرون محمّدا ﷺ بما لا يجوز، ولا يفتنوا مسلما عن دينه ولا يقطعوا عليه طريقا ولا يعينوا أهل الحرب بدلالة على المسلمين، فإنّهم إذا فعلوا ذلك في عهودهم وطعنوا في القرآن وشتموا النبيّ ﷺ ، ففيه خلاف بين الفقهاء.
قال أصحابنا: يعذرون ولا يقتلون، واستدلّوا بما روى أنس بن مالك ﵁: أنّ امرأة يهوديّة أتت النّبيّ ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء فقيل: ألا تقتلوها؟ قال:
[لا] (١).ولحديث عائشة: أنّ قوما من اليهود دخلوا على النّبيّ ﷺ فقالوا: السّام عليك! ففهمت عائشة فقالت: وعليكم السّام واللّعنة، فقال النّبيّ ﷺ : [مهلا يا عائشة! فإنّ الله يحبّ الرّفق في الأمر كلّه] فقالت: يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟! فقال: [بلى قد قلت: عليكم] (٢) ولم يقتلهم النبيّ ﷺ بذلك (٣).فذهب مالك إلى أنّ من شتم النبيّ ﷺ من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم.
قوله تعالى: ﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ؛﴾ قال ابن عبّاس: (ذلك أنّ قريشا
стр. 1260
أعانوا بني الوليد بن بكر وكانوا حلفاءهم على خزاعة؛ وخزاعة حلفاء النّبيّ ﷺ فهزموا خزاعة، فجاء وفد خزاعة إلى رسول الله ﷺ وأخبره بالقصّة، وناشدوا حلفه فقال قائلهم (١):
يا رب إنّي ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
كنّا والدا وكنت ولدا (¬*) ... ثمّت أسلمنا ولم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرا أبدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجرّدا ... إنّ قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكّدا ... وبيّتونا بالوتير هجّدا
نتلوا القرآن ركّعا وسجّدا
فقال النبيّ ﷺ : [لا نصرت إن لم أنصركم] فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله أتنصرهم على قومنا؟! قال: [لا نصرت إن لم أنصركم] ثمّ أمر النّاس أن يتجهّزوا إلى فتح مكّة، ففتحها الله تعالى على يديه.
وأحلّ رسول الله ﷺ يومئذ القتال لخزاعة ولم يحلّه لأحد غيرهم، فذلك قوله تعالى: ﴿(أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ)﴾ أي نقضوا عهودهم يعني قريشا، ﴿(وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ)﴾ من مكّة حين اجتمعوا على قتله في دار النّدوة (وهم بدءوكم أوّل مرّة) أي هم الذين بدءوا بنقض العهد حين قاتلوا خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ ، ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ؛﴾ أي تخافون أن ينالكم مكروه في قتالهم فتتركوا قتالهم، ﴿فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ؛﴾ تخافوه في ترككم لقتالهم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٣)؛مصدّقين بعقاب الله وثوابه.
قوله تعالى: ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ؛﴾ أي قاتلوا أهل مكّة يعذّبهم الله بأيديكم بالسّيف، ﴿وَيُخْزِهِمْ؛﴾ أي يذلّهم، ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾
стр. 1261
﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٤)؛يعني بني خزاعة يوم فتح مكّة الذين قاتلهم بنو بكر،
﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ؛﴾ بني خزاعة، فشفى الله صدور بني خزاعة وأذهب غيظ قلوبهم؛ أي كربها ووجدها.
وقوله تعالى: ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ؛﴾ استثناء كلام الله؛ أي يتوب الله على من يشاء من أهل مكّة فيهديه للإسلام، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ؛﴾ بجميع الأشياء، ﴿حَكِيمٌ﴾ (١٥)؛في جميع الأمور.
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً؛﴾ معناه: إن ظننتم أيّها المؤمنون أن تتركوا على الإقرار والتصديق فلا تؤمروا بالجهاد، قوله: ﴿(وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ)﴾ أي ولمّا ير الله جهادكم حين تجاهدون، ولمّا ير الله الذين لم يتّخذوا منكم من الكفار بطانة يفشون إليهم سرّهم وأمرهم. وكان الله تعالى قد علم أمرهم بالقتال، من يقاتل ممّن لا يقاتل، ولكنّه يعلم ذلك عيانا، وأراد العلم الذي يجازى عليه وهو علم المشاهدة؛ لأنه يجازيهم على عملهم لا على علمه فيهم.
والوليجة: المدخل في القوم من غيرهم؛ من ولج شيء يلج إذا دخل. والخطاب في الآية للمؤمنين حين شقّ على بعضهم القتال وكرهوا، فأنزل الله هذه الآية ﴿(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا)﴾ فلا تؤمروا بالجهاد وتمتحنوا به؛ ليظهر الصادق من الكاذب، والمطيع من العاصي، وقال قتادة: (معنى وليجة أي خيانة)،وقال الضحّاك:
(خديعة)،وقال ابن الأنباريّ: (الوليجة: الدّخيلة)،وقال عطاء: (أولياء)،قال الحسن: (كفر ونفاق) (١).وقيل: الوليجة: الرجل من يختص يدخله مودّة دون الناس، يقال: هو وليجة وهم وليجة، للواحد والجمع. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (١٦)؛أي عالم بأعمالكم، وفي هذا تهديد للمنافقين وعظة للمخلصين.
стр. 1262
قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ؛﴾ قال ابن عبّاس:
(لمّا أسر العبّاس يوم بدر، أقبل عليه المسلمون يعيّرونه بالكفر وقطيعة الرّحم وعون المشركين على رسول الله ﷺ ، وأغلظ عليّ ﵁ القول له، فقال العبّاس: ما لكم تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا؟! فقال له عليّ ﵁: ألكم محاسن؟! قال:
نعم؛ إن كنتم تجاهدون الأعداء مع رسول الله ﷺ ، فنحن نعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاجّ، ونفكّ الأسير، فنحن أفضل منك أجرا. فأنزل الله هذه الآية ردّا على العبّاس) (١).ومعناها: ما كان للمشركين أن يقوموا بعمارة المسجد، وأنّ المساجد لله. والعمارة على وجهين؛ تذكر ويراد بها البناء وتجديد ما انهدم منها، ويؤنّث ويراد بها الزيادة، ومن ذلك العمرة ومعناها زيارة البيت، فانتظمت الآية، نهى المشركين عن بناء المساجد وعن عمارتها بالطاعة، فإنّهم إنما يعمرونها بعبادة الأوثان ومعصية الله.
ومن قرأ «(مسجد الله)» على التوحيد أراد المسجد الحرام خاصّة وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ومجاهد وسعيد بن جبير وقراءة ابن عبّاس، وقرأ الباقون «(مساجد)» بالجمع، وإنما قال (مساجد) لأنه قبلة المساجد كلّها. وقيل لعكرمة: لم تقرأ «(مساجد)» وإنّما هو مسجد واحد؟ فقال: (إنّ الصّفا والمروة من مساجد الله).
قوله تعالى: ﴿شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ؛﴾ نصب (شاهدين) على الحال على معنى: ما كانت لهم عمارة المسجد في حال إقرارهم بالكفر، وهم كانوا لا يقولون نحن كفّار، ولكن كان كلامهم يدلّ على كفرهم، وهذا كما يقال للرجل:
كلامك يشهد أنّك ظالم، وهو قول الحسن، وقال السديّ: (شهادتهم على أنفسهم بالكفر، أنّ اليهوديّ لو قلت له: ما أنت؟ قال: يهوديّ، ويقول النّصرانيّ: هو نصرانيّ، ويقول المجوسيّ: هو مجوسيّ) (٢).
وقيل: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم لأصنامهم وإقرارهم أنّها مخلوقة. قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ؛﴾ معناه: إنّ الكفر أذهب
стр. 1263
ثواب أعمالهم وهي التي من جنس طاعة المسلمين. قوله تعالى: ﴿وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ﴾ (١٧)؛ظاهر المراد.
ثم بيّن الله تعالى من يكون أولى بعمارة المسجد الحرام: قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (١٨)؛معناه: إنما يعمر مساجد الله بطاعة الله من كان في هذه الصّفة، قوله: ﴿(وَأَقامَ الصَّلاةَ)﴾ يعني إقام الصلاة المفروضة ﴿(وَآتَى الزَّكاةَ)﴾ الواجبة في ماله، وقوله تعالى: ﴿(وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ)﴾ أي لم يخف من غير الله، ولم يرج إلا ثوابه. وكلمة عسى من الله واجبة، والفائدة في ذكرها في آخر هذه الآية ليكون الإنسان على حذر من فعل ما يحبط ثواب عمله.
قوله تعالى: ﴿*أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛﴾ روي عن ابن عبّاس أنه قال: (قال العبّاس: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنّا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاجّ. فأنزل الله هذه الآية).يعني أنّ ذلك كان منكم في الشّرك ولا أقبل ما كان في الشرك. وروي أنّ المشركين قالوا: عمارة المسجد الحرام وقيام على السّقاية خير ممن آمن وجاهد. وكانوا يفتخرون بالحرم، ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعمّاره، فأنزل الله هذه الآية، وأخبرهم أنّ عمارتهم المسجد الحرام وقيامهم على السّقاية لا ينفعهم عند الله من الشّرك بالله.
وقال الحسن: (نزلت هذه الآية في عليّ والعبّاس وطلحة بن شيبة من بني عبد الدّار، وذلك أنّهم افتخروا، فقال طلحة: أنا صاحب البيت، بيديّ مفتاحه، قال العبّاس: أنا صاحب السّقاية، وقال عليّ: أنا صاحب الجهاد. فأنزل الله هذه الآية:
﴿(أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ)﴾ (١) أي أجعلتم صاحب سقاية الحاجّ وصاحب عمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر، ﴿وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ؛﴾ وقيل: معناه: أجعلتم ساقي الحاجّ وعامر المسجد
стр. 1264
الحرام، جعل السقاية بمعنى السّاقي، والعمارة بمعنى العامر، كقوله: ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ (١) أي للمتّقين.
وقرأ عبد الله بن الزّبير وأبي: «(أجعلتم سقاة الحاجّ وعمرة المسجد الحرام)» على جميع السّاقي والعامر (٢).قوله تعالى: ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٩)؛أي لا يرشدهم إلى الحجّة ما داموا مصرّين على الكفر، ولا يرشدهم إلى الجنّة والثواب.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ؛﴾ معناه: الذين صدقوا بتوحيد الله، وهاجروا من أوطانهم إلى رسول الله ﷺ ، وجاهدوا العدوّ في طاعة الله أعظم درجة عند الله، وهذا كقوله تعالى:
﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ (٣).قوله تعالى: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ (٢٠)؛معناه: إنّ المهاجرين هم الظّافرون بأمانهم من الخير، النّاجون من النار.
قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنّاتٍ؛﴾ أي يبشّرهم ربّهم في الدّنيا على ألسنة الرّسل نجاة من العذاب في الآخرة، ورضوان عنهم ويبشّرهم بجنات، ﴿لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ (٢١)؛دائم لا يزول عنهم.
وقوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً؛﴾ أي دائمين فيها أبدا مع كون النّعيم مقيما لهم، ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٢٢)؛أي ثواب كثير في الجنّة.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ؛﴾ نزلت في المهاجرين، ومعناه: لا تتّخذوا آباءكم وإخوانكم الذين بمكّة أولياء، تنصرون بهم وتنصرونهم إن اختاروا الكفر على
стр. 1265
الإيمان، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٢٣)؛إنما جعل الظالمين لموالاة الكفار؛ لأنّ الراضي بالكفر يكون كافرا، وعن الضحّاك: (لمّا أمر الله المؤمنين بالهجرة وكانوا قبل الفتح بمكّة من آمن ولم يهاجر، لم يقبل الله إيمانه إلاّ بمهاجرة الآباء والأقرباء أي بمجانبتهم إذا كانوا كفّارا، فقال المسلمون: يا رسول الله! إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدّين، انقطع آباؤنا وعشيرتنا، وتذهب تجارتنا وتخرب ديارنا؟ فأنزل الله هذه الآية).
وقال الكلبيّ: (لمّا أمر الله النّبيّ ﷺ بالهجرة إلى المدينة، جعل الرّجل يقول لأخيه وأبيه وامرأته وأقربائه: إنّا قد أمرنا بالهجرة إلى المدينة فاخرجوا معنا إليها، فمنهم من يعجبه ذلك فينازع إليه معهم، ومنهم من يأبى أن يهاجر فيقول الرّجل لهم: والله لا أنفعكم بشيء ولا أعطيكم ولا أنفق عليكم، ومنهم من تتعلّق به زوجته وولده وعياله، فيقولون له: ننشدك الله أن لا تضيّعنا، فيرقّ ويجلس ويترك الهجرة، فأنزل الله هذه الآية ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ)﴾ أي أصدقاء فتفشون إليهم سرّكم وتؤثرون المقام معهم على الهجرة والجهاد إن استحبّوا الكفر على الإيمان، ومن يتولّهم منكم فيطلعهم على عورة الإسلام وأهله، ويؤثر المكث معهم على الهجرة، ﴿(فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ)﴾ أي القاضون الواضعون الولاية في غير موضعها.
قوله : ﴿قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ؛﴾ أي قل يا محمّد للذين تركوا الهجرة إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ونساؤكم وقراباتكم، ﴿وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها؛﴾ اكتسبتموها بمكّة وأصبتموها، ﴿وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها؛﴾ أي عدم نفاقها إذا اشتغلتم بطاعة الله، ﴿وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها؛﴾ ومنازل تعجبكم الإقامة بها بمكّة، ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ؛﴾ طاعة، ﴿اللهِ وَرَسُولِهِ؛﴾ بالهجرة إلى المدينة، ﴿وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ،﴾ وأحبّ إليكم من الجهاد في طاعة الله، ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ،﴾ أي فانتظروا حتى يأتي الله بفتح مكّة، ويقال: حتى يأتي الله بعذاب عاجل أو آجل، ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ (٢٤)؛أي لا يرشد الخارجين عن طاعته إلى معصيته، ولا يهديهم إلى جنّته وثوابه.