← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٤)؛يعني بني خزاعة يوم فتح مكّة الذين قاتلهم بنو بكر، ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ؛﴾ بني خزاعة، فشفى الله صدور بني خزاعة وأذهب غيظ قلوبهم؛ أي كربها ووجدها. وقوله تعالى: ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ؛﴾ استثناء كلام الله؛ أي يتوب الله على من يشاء من أهل مكّة فيهديه للإسلام، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ؛﴾ بجميع الأشياء، ﴿حَكِيمٌ﴾ (١٥)؛في جميع الأمور. قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً؛﴾ معناه: إن ظننتم أيّها المؤمنون أن تتركوا على الإقرار والتصديق فلا تؤمروا بالجهاد، قوله: ﴿(وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ)﴾ أي ولمّا ير الله جهادكم حين تجاهدون، ولمّا ير الله الذين لم يتّخذوا منكم من الكفار بطانة يفشون إليهم سرّهم وأمرهم. وكان الله تعالى قد علم أمرهم بالقتال، من يقاتل ممّن لا يقاتل، ولكنّه يعلم ذلك عيانا، وأراد العلم الذي يجازى عليه وهو علم المشاهدة؛ لأنه يجازيهم على عملهم لا على علمه فيهم. والوليجة: المدخل في القوم من غيرهم؛ من ولج شيء يلج إذا دخل. والخطاب في الآية للمؤمنين حين شقّ على بعضهم القتال وكرهوا، فأنزل الله هذه الآية ﴿(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا)﴾ فلا تؤمروا بالجهاد وتمتحنوا به؛ ليظهر الصادق من الكاذب، والمطيع من العاصي، وقال قتادة: (معنى وليجة أي خيانة)،وقال الضحّاك: (خديعة)،وقال ابن الأنباريّ: (الوليجة: الدّخيلة)،وقال عطاء: (أولياء)،قال الحسن: (كفر ونفاق) (١).وقيل: الوليجة: الرجل من يختص يدخله مودّة دون الناس، يقال: هو وليجة وهم وليجة، للواحد والجمع. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (١٦)؛أي عالم بأعمالكم، وفي هذا تهديد للمنافقين وعظة للمخلصين.

стр. 1262

قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ؛﴾ قال ابن عبّاس: (لمّا أسر العبّاس يوم بدر، أقبل عليه المسلمون يعيّرونه بالكفر وقطيعة الرّحم وعون المشركين على رسول الله ﷺ ، وأغلظ عليّ ﵁ القول له، فقال العبّاس: ما لكم تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا؟! فقال له عليّ ﵁: ألكم محاسن؟! قال: نعم؛ إن كنتم تجاهدون الأعداء مع رسول الله ﷺ ، فنحن نعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاجّ، ونفكّ الأسير، فنحن أفضل منك أجرا. فأنزل الله هذه الآية ردّا على العبّاس) (١).ومعناها: ما كان للمشركين أن يقوموا بعمارة المسجد، وأنّ المساجد لله. والعمارة على وجهين؛ تذكر ويراد بها البناء وتجديد ما انهدم منها، ويؤنّث ويراد بها الزيادة، ومن ذلك العمرة ومعناها زيارة البيت، فانتظمت الآية، نهى المشركين عن بناء المساجد وعن عمارتها بالطاعة، فإنّهم إنما يعمرونها بعبادة الأوثان ومعصية الله. ومن قرأ «(مسجد الله)» على التوحيد أراد المسجد الحرام خاصّة وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ومجاهد وسعيد بن جبير وقراءة ابن عبّاس، وقرأ الباقون «(مساجد)» بالجمع، وإنما قال (مساجد) لأنه قبلة المساجد كلّها. وقيل لعكرمة: لم تقرأ «(مساجد)» وإنّما هو مسجد واحد؟ فقال: (إنّ الصّفا والمروة من مساجد الله). قوله تعالى: ﴿شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ؛﴾ نصب (شاهدين) على الحال على معنى: ما كانت لهم عمارة المسجد في حال إقرارهم بالكفر، وهم كانوا لا يقولون نحن كفّار، ولكن كان كلامهم يدلّ على كفرهم، وهذا كما يقال للرجل: كلامك يشهد أنّك ظالم، وهو قول الحسن، وقال السديّ: (شهادتهم على أنفسهم بالكفر، أنّ اليهوديّ لو قلت له: ما أنت؟ قال: يهوديّ، ويقول النّصرانيّ: هو نصرانيّ، ويقول المجوسيّ: هو مجوسيّ) (٢). وقيل: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم لأصنامهم وإقرارهم أنّها مخلوقة. قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ؛﴾ معناه: إنّ الكفر أذهب

стр. 1263

ثواب أعمالهم وهي التي من جنس طاعة المسلمين. قوله تعالى: ﴿وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ﴾ (١٧)؛ظاهر المراد. ثم بيّن الله تعالى من يكون أولى بعمارة المسجد الحرام: قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (١٨)؛معناه: إنما يعمر مساجد الله بطاعة الله من كان في هذه الصّفة، قوله: ﴿(وَأَقامَ الصَّلاةَ)﴾ يعني إقام الصلاة المفروضة ﴿(وَآتَى الزَّكاةَ)﴾ الواجبة في ماله، وقوله تعالى: ﴿(وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ)﴾ أي لم يخف من غير الله، ولم يرج إلا ثوابه. وكلمة عسى من الله واجبة، والفائدة في ذكرها في آخر هذه الآية ليكون الإنسان على حذر من فعل ما يحبط ثواب عمله. قوله تعالى: ﴿*أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛﴾ روي عن ابن عبّاس أنه قال: (قال العبّاس: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنّا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاجّ. فأنزل الله هذه الآية).يعني أنّ ذلك كان منكم في الشّرك ولا أقبل ما كان في الشرك. وروي أنّ المشركين قالوا: عمارة المسجد الحرام وقيام على السّقاية خير ممن آمن وجاهد. وكانوا يفتخرون بالحرم، ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعمّاره، فأنزل الله هذه الآية، وأخبرهم أنّ عمارتهم المسجد الحرام وقيامهم على السّقاية لا ينفعهم عند الله من الشّرك بالله. وقال الحسن: (نزلت هذه الآية في عليّ والعبّاس وطلحة بن شيبة من بني عبد الدّار، وذلك أنّهم افتخروا، فقال طلحة: أنا صاحب البيت، بيديّ مفتاحه، قال العبّاس: أنا صاحب السّقاية، وقال عليّ: أنا صاحب الجهاد. فأنزل الله هذه الآية: ﴿(أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ)﴾ (١) أي أجعلتم صاحب سقاية الحاجّ وصاحب عمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر، ﴿وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ؛﴾ وقيل: معناه: أجعلتم ساقي الحاجّ وعامر المسجد

стр. 1264

الحرام، جعل السقاية بمعنى السّاقي، والعمارة بمعنى العامر، كقوله: ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ (١) أي للمتّقين. وقرأ عبد الله بن الزّبير وأبي: «(أجعلتم سقاة الحاجّ وعمرة المسجد الحرام)» على جميع السّاقي والعامر (٢).قوله تعالى: ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٩)؛أي لا يرشدهم إلى الحجّة ما داموا مصرّين على الكفر، ولا يرشدهم إلى الجنّة والثواب. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ؛﴾ معناه: الذين صدقوا بتوحيد الله، وهاجروا من أوطانهم إلى رسول الله ﷺ ، وجاهدوا العدوّ في طاعة الله أعظم درجة عند الله، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ (٣).قوله تعالى: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ (٢٠)؛معناه: إنّ المهاجرين هم الظّافرون بأمانهم من الخير، النّاجون من النار. قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنّاتٍ؛﴾ أي يبشّرهم ربّهم في الدّنيا على ألسنة الرّسل نجاة من العذاب في الآخرة، ورضوان عنهم ويبشّرهم بجنات، ﴿لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ (٢١)؛دائم لا يزول عنهم. وقوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً؛﴾ أي دائمين فيها أبدا مع كون النّعيم مقيما لهم، ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٢٢)؛أي ثواب كثير في الجنّة. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ؛﴾ نزلت في المهاجرين، ومعناه: لا تتّخذوا آباءكم وإخوانكم الذين بمكّة أولياء، تنصرون بهم وتنصرونهم إن اختاروا الكفر على

стр. 1265

الإيمان، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٢٣)؛إنما جعل الظالمين لموالاة الكفار؛ لأنّ الراضي بالكفر يكون كافرا، وعن الضحّاك: (لمّا أمر الله المؤمنين بالهجرة وكانوا قبل الفتح بمكّة من آمن ولم يهاجر، لم يقبل الله إيمانه إلاّ بمهاجرة الآباء والأقرباء أي بمجانبتهم إذا كانوا كفّارا، فقال المسلمون: يا رسول الله! إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدّين، انقطع آباؤنا وعشيرتنا، وتذهب تجارتنا وتخرب ديارنا؟ فأنزل الله هذه الآية). وقال الكلبيّ: (لمّا أمر الله النّبيّ ﷺ بالهجرة إلى المدينة، جعل الرّجل يقول لأخيه وأبيه وامرأته وأقربائه: إنّا قد أمرنا بالهجرة إلى المدينة فاخرجوا معنا إليها، فمنهم من يعجبه ذلك فينازع إليه معهم، ومنهم من يأبى أن يهاجر فيقول الرّجل لهم: والله لا أنفعكم بشيء ولا أعطيكم ولا أنفق عليكم، ومنهم من تتعلّق به زوجته وولده وعياله، فيقولون له: ننشدك الله أن لا تضيّعنا، فيرقّ ويجلس ويترك الهجرة، فأنزل الله هذه الآية ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ)﴾ أي أصدقاء فتفشون إليهم سرّكم وتؤثرون المقام معهم على الهجرة والجهاد إن استحبّوا الكفر على الإيمان، ومن يتولّهم منكم فيطلعهم على عورة الإسلام وأهله، ويؤثر المكث معهم على الهجرة، ﴿(فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ)﴾ أي القاضون الواضعون الولاية في غير موضعها. قوله : ﴿قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ؛﴾ أي قل يا محمّد للذين تركوا الهجرة إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ونساؤكم وقراباتكم، ﴿وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها؛﴾ اكتسبتموها بمكّة وأصبتموها، ﴿وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها؛﴾ أي عدم نفاقها إذا اشتغلتم بطاعة الله، ﴿وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها؛﴾ ومنازل تعجبكم الإقامة بها بمكّة، ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ؛﴾ طاعة، ﴿اللهِ وَرَسُولِهِ؛﴾ بالهجرة إلى المدينة، ﴿وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ،﴾ وأحبّ إليكم من الجهاد في طاعة الله، ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ،﴾ أي فانتظروا حتى يأتي الله بفتح مكّة، ويقال: حتى يأتي الله بعذاب عاجل أو آجل، ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ (٢٤)؛أي لا يرشد الخارجين عن طاعته إلى معصيته، ولا يهديهم إلى جنّته وثوابه.

стр. 1266

قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً؛﴾ وذلك أنّ رسول الله ﷺ خرج من مكّة بعد ما فتحها، وكان انفتاحها في بقيّة أيّام رمضان، فمكث بها حتّى دخل شوّال متوجّها إلى حنين، وبعث رجلا من بني سليم عينا له يقال له عبد الله بن أبي حدرد، فأتى حنينا فكان بينهم يسمع أخبارهم، فسمع مالك بن عوف يقول لأصحابه: أنتم اليوم أربعة آلاف رجل، فإذا لقيتم العدوّ فاحملوا عليهم حملة رجل واحد، فو الله لا تضربون بأربعة آلاف سيف شيئا إلاّ أفرج لكم. وكان مالك بن عوف على هوازن، وكنانة بن عبد ياليل على ثقيف، فأقبل ابن أبي حدرد حتّى أتى رسول الله ﷺ فأخبره بمقالتهم، فخرج رسول الله ﷺ متوجّها إليهم في عشرة آلاف رجل، كذا قال الكلبيّ. وقال مقاتل: (كانوا أحد عشر ألفا وخمسمائة) (١)،وقال قتادة: (خرج رسول الله ﷺ إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في اثنى عشر ألفا من المهاجرين والأنصار، وألفين من الطّلقاء، فقال رجل من المسلمين يقال له سلمة بن سلامة (٢):يا رسول الله لا نغلب اليوم من قلّة، فساءت رسول الله ﷺ كلمته وابتلى الله المسلمين بذلك، فلمّا التقوا حمل العدوّ عليهم حملة واحد، فلم يقوموا لهم حلب الشّاة أن انكشفوا وتبعهم القوم في أدبارهم. وكان رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث يقود به، والعبّاس أخذ بالثّغر، وحول رسول الله يومئذ نحو من ثلاثمائة رجل من المسلمين وانهزم سائر المسلمين عنه، فجعل النّبيّ ﷺ يركّض بغلته نحو الكفّار لا يأل، وكانت بغلته شهباء وهو ينادي: [يا معشر المهاجرين ويا معشر الأنصار إليّ، أين أصحاب الصّفّة] أي أصحاب سورة البقرة.

стр. 1267

وكان العبّاس ينادي: يا معشر المهاجرين، أين الّذين بايعوا تحت الشّجرة، يا معشر الّذين آووا ونصروا، هلمّوا فإنّ هذا رسول الله. وكان العبّاس صيّتا جهوريّ الصّوت، يروي أنّه من شدّة صوته أنّه أغير يوما على مكّة فنادى وا صبحاه، فأسقطت كلّ حامل سمعت صوته. فلمّا صاح بالمسلمين عطفوا حين سمعوا صوته عطفة البقر على أولادها، وقال: لبّيك لبّيك، وجاءوا عنقا واحدا لنصر دين الله، وأقبل المشركون ليطفئوا نور الله، فأنزل الله تعالى من السّماء جنودا لم تروها وعذّب الّذين كفروا وأظهر المسلمين عليهم، وحمي الوطيس، وكان رسول الله ﷺ على بغلته يتطاول إلى قتالهم، ثمّ أخذ كفّا من الحصى فرماهم به وقال: [شاهت الوجوه، انهزموا ورب الكعبة] فو الله ما زال أمرهم مدبرا وجدّهم كليلا، وهرب حينئذ آمرهم مالك بن عوف) (١). وقال أبي اسحاق: (قلت للبراء (٢):هل كان رسول الله ﷺ حين ولّى المسلمون معهم مولّيا؟ قال: لا والّذي لا إله إلاّ هو، ما ولّى رسول الله ﷺ دبرا قطّ، ولقد رأيته على بغلته البيضاء يركض نحو الكفّار وهو يقول: [أنا النّبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب] ثمّ قال للعبّاس: [ناد يا معشر الأنصار، يا معشر المهاجرين] فعطف المسلمون عليه مسرعين، فأنزل الله جنده ونصر عبده وهزم المشركين ونصر المسلمين) (٣). قال سعيد بن جبير: (أمدّ الله نبيّه ﷺ بخمسة آلاف ملك)،وقال الحسن ومجاهد: (كانوا ثمانية آلاف)،قال قتادة: (كانوا ستّة عشر ألفا)،وقال سعيد بن جبير:

стр. 1268

(حدّثني رجل كان في المشركين يوم حنين، قال: لمّا التقينا نحن وأصحاب محمّد ﷺ لم يقف لنا حلب شاة، فلمّا كشفناهم جعلنا نسوقهم حتّى انتهينا إلى صاحب البغلة الشّهباء-يعني-النّبيّ ﷺ تلقّانا رجال بيض الثّياب حسان الوجوه، فقالوا: شاهت الوجوه ارجعوا، فرجعنا وركبوا أكتافنا فكانت ايّاها) (١) يعني الملائكة. وروي أن الملائكة قاتلت يومئذ، في الخبر: أنّ رجلا من بني نضر بن معاوية قال للمؤمنين وهو في أيديهم: أين الخيل البلق؟ والرجال عليهم الثياب البيض؟ ما كنّا نراكم فيهم إلاّ كهيئة الشّامة، وما كان قتلنا إلا بأيديهم، فأخبروا بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: [تلك الملائكة] (٢). قال: فلما هرب أمير المشركين مالك بن عوف انهزم المشركون وولّوا مدبرين، وانطلق المسلمون حتى أتوا أوطاسا بها عيال المشركين وأموالهم، فبعث رسول الله ﷺ على المسلمين رجلا من الأشعريّين أمّره عليهم يقال له أبو عامر، فسار معهم إلى أوطاس فقاتل أهلها حتى هزمهم الله وسبى المسلمون عيال المشركين، وهرب مالك ابن عوف حتى أتى إلى الطائف فتحصّن بها، وأخذ ماله وأهله في من أخذ، وقتل أبو عامر ﵁. ثم أتى رسول الله ﷺ الطائف فحاصرهم بقيّة ذلك الشهر، فلما دخل ذو القعدة وهو شهر حرام لا يحلّ فيه القتال، رجع رسول الله ﷺ إلى الجعرانة فأحرم منها بعمرة، وقسّم بها السّبي والمال وغنائم حنين وأوطاس. وتألّف أناس منهم أبو سفيان بن حرب، وسهل بن عمرو، والأقرع بن حابس، فأعطاهم وجعل يعطي الرجل منهم الخمسين والمائة من الإبل، فقال طائفة من الأنصار: منّ الرجل وآثر قومه بالعجب، إنّ أسيافنا تقطر من دمائهم وغنائمنا تردّ عليهم. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فجمعهم وقال: [يا معشر الأنصار ما هذا الّذي بلغني عنكم؟] فقالوا: هو الّذي بلغك، وكانوا يكذبون، فقال: [ألم تكونوا ضلاّلا فهداكم الله بي؟ وكنتم أذلّة فأعزّكم الله بي؟ وكنتم وكنتم؟].

стр. 1269

فقال سعد بن عبادة: ائذن لي أتكلّم يا رسول الله؟ قال: [تكلّم] قال: أمّا قولك [كنتم ضلاّلا فهداكم الله بي] بحقّ كنّا كذلك، وأمّا قولك: [كنتم أذلّة فأعزّكم الله بي] فقد علمت العرب أنّه ما كان حيّ من أحياء العرب أمنع لما وراء ظهورهم منّا، فقال عمر: يا سعد أتدري من تكلّم؟ قال: نعم يا عمر أكلّم رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : [والّذي نفسي بيده لو سلكت الأنصار واديا وسلكت النّاس واديا لسلكت وادي الأنصار، الأنصار كرشي وعيبتي، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم] ثمّ قال: [يا معشر الأنصار أما ترضون أن ينقلب النّاس بالشّاة والإبل وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم؟] قالوا: بلى رضينا يا رسول الله، والله ما قلنا ذلك إلاّ محبّة لله ولرسوله، فقال النّبيّ ﷺ : [إنّ الله ورسوله يصدّقانكم ويعذرانكم] (١). فلما قدم النبيّ ﷺ قام خطيبا فقال: [أمّا خطيب الأنصار؛ ولو قال: كنت طريدا فآويناك، وكنت خائفا فآمنّاك، وكنت مخذولا فنصرناك، وكنت وكنت، لكان قد صدق] فبكت الأنصار. بل الله ورسوله أعظم منّا علينا (٢). وذكر لنا: أن ضئر النبيّ ﷺ التي أرضعته من بني سعد أتته يوم حنين فسأله سبايا حنين، فقال ﷺ : [إنّي لا أملككم وإنّما أملك نصيبي منهم، ولكن ائتيني غدا فسلني والنّاس عندي، فإذا أعطيتك حصّتي أعطاك النّاس] فجاءت من الغد، فبسط لها ثوبه فقعدت عليه، ثم سألته ذلك فأعطاها نصيبه، فلما رأى ذلك الناس أعطوها أنصباءهم (٣).قال الزهريّ وابن المسيّب: (إنّهم أصابوا يومئذ ألفي سبيّ، وكان رسول الله ﷺ قد أمر مناديا فنادى يوم أوطاس: [أن لا توطأ الحبالى حتّى يضعن، والحيالى حتّى تستبرئن بحيضة) (٤).

стр. 1270

ثم إنّ مالك بن عوف قال لأصحابه: هل لكم أن تصيبوا من محمّد مالا؟ قالوا: نعم، فأرسل إلى النبيّ ﷺ أنّي أريد أن أسلم فما تعطيني؟ قال: [أعطيك مائة من الإبل ورعاتها] فجاء وأسلم وأقام يوما أو يومين، فلمّا رأى المسلمين ورقّتهم وزهدهم واجتهادهم رقّ لذلك، فقال له النبيّ ﷺ : [يا ابن عوف ألا نفي لك بما وعدناك؟] قال: يا رسول الله أمثلي يأخذ على الإسلام شيئا؟! ثم أسلم أهل الطائف، وكان مالك بن عوف بعد ذلك ممن أفتتح عامّة الشام (١). قوله تعالى: ﴿(فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ)﴾ أي لقد أعانكم الله على أعدائكم في مواضع كثيرة من قتال بدر وحرب بني قريظة والنّضير وحنين وفتح مكة. قوله: ﴿(وَيَوْمَ حُنَيْنٍ)﴾ أي وأعانكم يوم حنين، وحنين: اسم واد بين مكّة والطائف، وأضيف اليوم إلى حنين لوقوع الحرب يومئذ بها. وقوله تعالى: ﴿(إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ)﴾ إذ سرّتكم، والإعجاب هو السّرور والتعجّب، فلم تغن عنكم كثرتكم شيئا ولا دفعت عنكم سوءا. قوله تعالى: ﴿وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ؛﴾ أي ضاقت عليكم الأرض مع سعتها من خوف العدوّ، فلم تجدوا موضعا للفرار إليه. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (٢٥)؛أي أعرضتم منهزمين لا تلوون على أحد. والإدبار الذّهاب إلى الخلف. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ؛﴾ أي أنزل أمنه ورحمته على رسوله، ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ؛﴾ حتى عادوا فظفروا. والسّكينة في اللغة اسم لما يسكن إليه القلب، وقال الحسن: (أراد بالسّكينة الوقار).قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها؛﴾ أي أنزل من السّماء ملائكة لنصركم، لم تروها بأعينكم. قوله تعالى: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ يعني بالقتل والأسر، ﴿وَذلِكَ؛﴾ العقاب، ﴿جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾ (٢٦)؛في الدّنيا.

стр. 1271

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ؛﴾ أي ثم يتوب من بعد الهزيمة على من يشاء منهم من كان أهلا لذلك، ﴿وَاللهُ غَفُورٌ؛﴾ لما كان منهم في الشّرك إذا تابوا ﴿رَحِيمٌ﴾ (٢٧)؛بهم في الإسلام. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا؛﴾ معناه: إنما المشركون قذر، وقيل: خبث. والنّجس: مصدر أقيم مقام الاسم لا يثنّى ولا يجمع، يقال: رجل نجس وامرأة نجس، ورجال ونساء نجس، ولا يؤنّث ولا يجمع؛ فلهذا لم يقل إن المشركين أنجاس، وسمّى المشرك نجسا؛ لأنّ شركه يجري مجرى القذر في أنه يجنب الجنب، كما تتجنّب النجاسات؛ أي يجب التبرّؤ من المشركين وقطع مودّتهم. والنجاسة على ضربين، نجاسة أعيان، ونجاسة الذّنوب، وكان الحسن يقول: (لا تصافح المشركين، فمن صافحهم فليتوضّأ) (١)،وقال قتادة: (سمّاهم الله نجسا لأنّهم يجنبون ولا يغتسلون، ويحدثون ولا يتوضّئون، فمنع من دخول المساجد؛ لأنّ الجنب لا يدخل المسجد) (٢). قوله تعالى: ﴿(فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا)﴾ أي لا ينبغي لهم أن يقربوه للحجّ والطّواف بعد هذا العام، وهو العام الذي حجّ فيه أبو بكر ﵁، ونادى عليّ ﵁ فيه ببراءة، وهو سنة تسع من الهجرة، ثم حجّ رسول الله ﷺ في العام الثاني حجّة الوداع في سنة عاشر من الهجرة (٣).قوله تعالى: ﴿(فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ)﴾ بيان أنّ المراد بالآية إبعاد المشركين عن المسجد الحرام، كما روي عن عليّ ﵁ أنه كان ينادي فيهم في ذلك العام: [ألاّ لا يطوفنّ بهذا البيت بعد هذا العام مشرك وعريان].

стр. 1272

قال ابن عبّاس (١): (فقال أناس من تجّار بكر بن وائل وغيرهم من المشركين بعد قراءة عليّ ﵁ هذه الآية: ستعلمون يا أهل مكّة إذا فعلتم هذا ماذا تلقون من الشّدّة ومن أين تأكلون، أما والله لتقطّعنّ سبلكم، ولا نحمل إليكم شيئا. فوقع ذلك في نفس أهل مكّة وشقّ عليهم، وألقى الشّيطان في قلوب المسلمين حزنا وقال لهم: من أين تعيشون وقد نفى المشركين وقطع عنكم الميرة؟ فقال المسلمون: يا رسول الله قد كنّا نصيب من تجاراتهم، فالآن ينقطع عنّا الأسواق والتّجارة ويذهب الّذي كنّا نصيبهم فيها، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾) معناه: وإن خفتم فقرا من إبعاد المشركين، ﴿(فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ)﴾ بغيرهم، فأخصبت تبالة (٢) وجرش وحملوا إلى مكّة الطّعام والإدام، وأغنى الله أهل مكّة من تجّار بني بكر (٣).وروي أن أهل نجد وصنعاء من أهل اليمن أسلموا وحملوا إلى مكّة الطعام في البحر والبرّ. والعيلة: الفقر والصّفاق، يقال: عالى الرجل يعيل عليه، قال الشاعر: ولا يدري الفقير متى غناؤه ... ولا يدري الغنيّ متى يعيل أي يفتقر. وفي مصحف عبد الله (وإن خفتم عائلة فسوف يغنيكم الله من فضله) (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنْ شاءَ؛﴾ استثناء، فجاء علم الله أنه سيكون لئلا تترك العباد الاستثناء في أمورهم، ولتنقطع الآمال إلى الله في طلب الغنى منه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٨)؛أي عليم بخلقه وما يصلحهم، حكيم فيما حكم من أمره.

стр. 1273

قوله : ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ؛﴾ معناه: قاتلوا اليهود والنصارى الذين لا يؤمنون بآيات الله التي أنزلها على نبيّه ﷺ . وقيل: معنى قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ؛﴾ أي كانوا يصفون الله سبحانه بصفة لا تليق به، لأن اليهود مثنّية والنّصارى مثلّثة. وقوله تعالى: ﴿(وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ)﴾ أي لا يحرّمون الخمر والخنزير ونحو ذلك مما لم يقرّوا بتحريمه. وقوله تعالى: ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ؛﴾ أي لا يعتقدون دين الإسلام ولا يخضعون لله بالتوحيد، وقيل: معنى ﴿(دِينَ الْحَقِّ)﴾ أي دين الله؛ لأن الله هو الحقّ. قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ؛﴾ يعني اليهود والنصارى، ﴿حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ؛﴾ أي حتّى تؤخذ الجزية من أيديهم وهم قيّام أذلاّء، والآخذ جالس. ويقال: أراد بالقهر، كأنه قال: عن قهر من المسلمين عليهم واعتراف منهم للمسلمين بأنّ أيدي المسلمين فوق أيديهم، كما يقال: اليد لفلان في هذا الأمر، ويراد به نفاذ أمره. ويحتمل أن يكون المعنى باليد إنعام المسلمين عليهم بقبول الجزية عنهم. ويقال: أراد باليد القوّة على معنى أنه ليس على الفقير غير المتموّل جزية. وأما طعن المخالف (١) كيف يجوز إقرار الكفّار على كفرهم بأداء الجزية بدلا عن الإسلام؟ فالجواب: أنه لا يجوز أن يكون أخذ الجزية عنهم رضى بكفرهم، وإنما الجزية عقوبة لهم على إقامتهم على الكفر، وإذا جاز إمهالهم بغير الجزية للاستدعاء إلى الإيمان كان إمهالهم بالجزية أولى. قال أبو عبيد: (يقال لكلّ من أعطى شيئا كرها من غير طيب نفس منه أعطاه عن يد) (٢)،قال ابن عبّاس: (هو أن يعطيها بأيديهم يمشون بها كارهين، ولا يجيئون ركبانا ولا يرسلون بها) (٣).

стр. 1274

قوله تعالى: ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ (٢٩)؛أي ذليلون ومقهورون، قال عكرمة: (معنى الصّغار هو أن تأخذها وأنت جالس وهو قائم) (١)،وقال الكلبيّ: (هو أنّه إذا أعطى الجزية صفع في قفاه) (٢)،وقيل: هو أنه لا يقبل فيها رسالة ولا وكالة. وتؤخذ الجزية أيضا من الصّابئين والسامريّ؛ لأن سبيلهم في أهل الكتاب سبيل لأهل البدع فينا، وتؤخذ الجزية أيضا من المجوسيّ؛ لأنه قد قيل إنّهم كانوا أهل كتاب فرفع كتابهم، وعن سعيد بن المسيّب (أنّ رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس الهجر، وأخذها عمر ﵁ من مجوس أهل السّواد) (٣). روي أنّ عمر ﵁ قال: لا أدري كيف أصنع بالمجوس. فقال له عبد الرّحمن ابن عوف ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب غير ناكحين نساءهم ولا آكلي ذبائحهم] (٤). قوله : ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ؛﴾ الآية؛ أي قالت اليهود حين قرأ عليهم عزير التوراة عن ظهر قلب: إن الله لم يجعل التوراة في قلب أحد إلا وهو ابنه! وعن ابن عبّاس ﵁: (أنّ جماعة من اليهود منهم النّعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن صيف أتوا رسول الله ﷺ فقالوا له: كيف نتّبعك وقد تركت قبلتنا، ولا تزعم أنّ عزيرا ابن الله تعالى! فأنزل الله هذه الآية) (٥)

стр. 1275

وقرأ عاصم والكسائي ويعقوب «(وقالت اليهود عزير ابن الله)» بالتنوين، وقرأ الباقون بغير التنوين، فمن نوّن قال: لأنه اسم خفيف فوجهه أن يصرف وإن كان أعجميّا مثل نوح وهود ولوط، وقال أبو حاتم والمبرد: اختيار التنوين لأنه ليس بصفة والكلام ناقص، و (ابن) في موضع الخبر وليس بنعت، وإنما يحذف التنوين في النّعت. ومن ترك التنوين قال لأنه اسم أعجمي. قال الزجّاج: (يجوز أن يكون الخبر محذوفا تقديره: عزير ابن الله معبود، على أن يكون (ابن) نعتا للعزير). قوله تعالى: ﴿وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ؛﴾ هذا قول نصارى نجران، وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ؛﴾ معناه: أنّهم لا يتجاوزون في القول عن العبادة؛ أي المعنى إذ لا برهان لهم لأنّهم يعترفون أنّ الله لا يتخذ صاحبة، فكيف يزعمون أنّ له ولدا. قوله تعالى: ﴿يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ؛﴾ أي يشابهون في قول ذلك قول أهل مكّة حين قال: اللاّت والعزّى ومناة. وقيل: أراد يشابهون قول الكفّار الذين يقولون الملائكة بنات الله. قرأ عاصم «(يضاهئون)» بالهمز (١)،وقرأ العامّة بغير همز، يقال: ضاهيته وضاهأته بمعنى واحد، وقال قتادة والسدي: (ضاهت النّصارى قول اليهود من قبل، فقالت النّصارى: المسيح ابن الله، كما قالت اليهود: عزير ابن الله) (٢). قوله تعالى: أي يشابهون، يقال: امرأة ضهياء إذا شابهت الرجل في أنّها لا ثدي لها ولا تحيض. قوله تعالى: ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ؛﴾ أي لعنهم الله، كذا قال ابن عبّاس، وقال ابن جريج: (معناه قتلهم الله)، ﴿أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٣٠)؛أي أنّى يكذبون ويصدفون عن الحقّ بعد قيام الدلالة عليه. قوله تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ اتخذ النصارى واليهود علماءهم وعبّادهم أربابا؛ أي أطاعوهم في معاصي الله، فجعل

стр. 1276

الله طاعتهم عبادتهم؛ لأنّهم اتّبعوهم وتركوا أوامر الله ونواهيه في كتبهم، قال الضحّاك: (الأحبار: العلماء) (١) واحدهم حبر وحبر بكسر الحاء وبفتحها، والكسر أفصح، والرّهبان من النّصارى: أصحاب الصّوامع وأهل الاجتهاد في دينهم. وقوله تعالى: ﴿(أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ)﴾ أي سادة من دون الله يطيعونهم في معاصي الله. وأما تسمية العالم حبرا فلكثرة كتابته بالحبر، وقيل: لتبحيره المعاني بالبيان الحسن. وأما الراهب فهو الخاشع لله. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ؛﴾ أي اتّخذ المسيح إلها. وقوله تعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً؛﴾ أي لم يؤمروا في جميع الكتب ولا على ألسنة الرّسل إلاّ بعبادة إله واحد. وقوله تعالى: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣١) أي تنزيها لله عن الشّرك وما لا يليق به. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ؛﴾ أي يريدون أن يردّ القرآن ودلائل الإسلام بالتكذيب بألسنتهم، وقال الضحّاك: (يريد اليهود والنّصارى أن يهلك محمّد وأصحابه ولا يعبد الله بالإسلام) (٢) ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ؛﴾ ويعلي دينه وكلماته ويظهر الإسلام وأهله على أهل كلّ دين، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ (٣٢)؛ذلك. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ؛﴾ أي هو الذي بعث محمّدا ﷺ بالقرآن ودين الإسلام، ليظهره على سائر الأديان بالحجّة والغلبة، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٣٣).واختلف العلماء في قوله (ليظهره) قال ابن عبّاس: (إنّها عائدة على الرّسول، يعني ليعمّه بشرائع الدّين كلّه فيظهره عليها حتّى لا يخفى عليه شيء منها) (٣).قال آخرون: (الهاء) راجع الى دين الحقّ.

стр. 1277

قوله تعالى: ﴿*يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ؛﴾ معناه: يا أيّها الذين آمنوا بمحمّد ﷺ والقرآن إنّ كثيرا من الأحبار وهم من ولد هارون، قوله: ﴿(وَالرُّهْبانِ)﴾ وهم أصحاب الصّوامع وهم دون الأحبار في العلم، قوله تعالى: ﴿(لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ)﴾ أرادوا به أخذ الرّشا على الحكم، وما كان لهم من الهدايا من سفلتهم على كتمان بعث النبيّ ﷺ وصفته، هكذا روي عن ابن عبّاس، وقال السديّ: (الأحبار علماء اليهود، والرّهبان أصحاب الصّوامع من النّصارى) (١). وأما تخصيص الأكل في الآية، فلأنّ معظم المقصود من التّمليك الأكل، فوضع الأكل موضع الملك. قوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ؛﴾ أي يصرفون الناس عن دين الله. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣٤)؛أي يجمعونها ويضعون بعضها فوق بعض، ولا ينفقون الكنوز في طاعة الله. وقيل: معناه: ولا ينفقون الفضّة، وحذف الذهب؛ لأن في بيان أحدهما حكم الآخر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها﴾ (٢)،والدليل على أنّ هذه الكناية راجعة إلى الذهب والفضّة جميعا أنّها لو رجعت إلى أحدهما لبقي الآخر عاريا عن الجواب، فيصير كلاما منقطعا لا معنى له، وتقدير الآية: لا ينفقون منها؛ أي لا يؤدّون زكاتهما ولا يخرجون حقّ الله منهما، إلاّ أنه حذف (من) وأراد إثباتها، بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى (خذ من أموالهم صدقة) قال النبيّ ﵇: [في مائتي درهم خمس دراهم، وفي عشرين مثقالا من الذّهب نصف مثقال] (٣) ولو كان الواجب إنفاق جميع المال لم يكن لهذا التقدير وجه.

стр. 1278

وسمّي الذهب ذهبا؛ لأنه يذهب ولا يبقى، وسميت فضة لأنّها تنفضّ؛ أي تفرّق ولا تبقى، وحسبك باسمهنّ دلالة على فنائهما وأنه لا بقاء لهما. وقوله تعالى: ﴿(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ)﴾ أي ضع الوعيد لهم بالعذاب موضع بشارة بالنّعم لغيرهم؛ وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: (كلّ مال أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كانت تحت سبع أرضين، وكلّ مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرا) (١). قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ؛﴾ أي يوم يوقد على المكنوز في نار جهنّم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم عقوبة، قال ابن عباس: (لا يوضع دينار ولا درهم على دينار ولا على درهم، ولكن توسّع جلودهم لذلك فلا يمسّ دينار دينارا ولا درهم درهما) (٢). قوله تعالى: ﴿هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ؛﴾ أي يقال لهم: هذا ما جمعتم في دار الدّنيا، ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (٣٥)،فذوقوا عقوبة ما كنتم تجمعون. وسئل أبو بكر الورّاق: لم خصّت الجباه والجنوب والظّهور بالكيّ؟ فقال: (لأنّ الغنيّ صاحب الكنز إذا رأى الفقير انعصر وإذا ضمّه وإيّاه مجلس ازورّ عليه وولاّه ظهره) (٣). عن ثوبان مولى النبيّ ﷺ أنه قال: لمّا نزلت هذه الآية قالت الصّحابة: فأيّ المال نتّخذ؟ فقال عمر: أنا أسأل رسول الله ﷺ ، فسأله فقال ﵇: [لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وبدنا صابرا وزوجة تعينك على إيمانك] (٤).

стр. 1279

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ما من صاحب كنز لا يؤدّي زكاته إلاّ أحمي عليه في نار جهنّم فيجعل صفائح فتكوى بها جبينه وجنباه حتّى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ممّا تعدّون، ثمّ يرى سبيله إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار. وما من صاحب إبل لا يؤدّي زكاتها إلاّ بطح لها بقاع قرقر تسير عليه، كلّما مضى عليه آخرها ردّ عليه أوّلها حتّى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره ألف سنة، ثمّ يرى سبيله إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار. وما من صاحب بقر لا يؤدّي زكاتها إلاّ بطح لها بقاع قرقر تسير عليه، كلّما مضى آخرها ردّ عليه أوّلها حتّى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره ألف سنة، ثمّ يرى سبيله إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار. وما من صاحب غنم لا يؤدّي زكاتها إلاّ بطح لها بقاع قرقر تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها ليس فيها عقصاء ولا جلحاء، كلّما مضى عليه آخرها ردّ أوّلها حتّى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ممّا تعدّون، ثمّ يرى سبيله إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار] (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ؛﴾ معناه: إن عدّة الشّهور التي تتعلّق بها الأحكام من الحجّ والعمرة والزكاة والأعياد وغيرها اثنا عشر شهرا على منازل العمرة، تارة يكون الحجّ والصوم في الشّتاء، وتارة في الصيف على اعتبار الأهلّة. وقوله تعالى: ﴿(فِي كِتابِ اللهِ)﴾ يعني اللّوح المحفوظ، قوله تعالى: ﴿(يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ)﴾ إنّما قال ذلك؛ لأن الله تعالى أجرى الشمس والقمر في السّماوات يوم خلق السموات والأرض.

стр. 1280

قوله تعالى: ﴿مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ؛﴾ واحد فرد وهو رجب وثلاثة سرد (١) متتابعة، وهي ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم، سماها حرما لعظم انتهاك حرمتها، كما خصّ الحرم بمثل ذلك، وكانت العرب تعظّمها وتحرّم القتال فيها حتى أن الرجل لو لقي قاتل أبيه أو أخيه فيها لم يهجه. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ؛﴾ أي في أشهر الحرم بالعمل بالمعصية وترك الطاعة. وقيل: باستحلال القتل والغارة. وقيل: معناه: ولا تجعلوا حلالها حراما، ولا حرامها حلالا، والذنب والظلم فيهن أعظم من الظلم فيما سواهنّ. ويقال: معناه: فلا تظلموا في الاثني عشر الشهر أنفسكم. قوله تعالى: ﴿(ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)﴾ أي ذلك الحساب المستقيم. قوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ ويجوز أن يكون الكافّة راجعة إلى المسلمين؛ أي قاتلوا جميعا، قوله تعالى: ﴿(كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً)﴾ أي كما يقاتلونكم أي جميعا. قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣٦)؛أي معهم بالنّصرة. واختلف العلماء في حرمة القتال في الأشهر الحرم، فقال بعضهم: لا يجوز القتال فيها والغارة لأن الله سمّاها حرما فيكون قوله تعالى: ﴿(وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً)﴾ دليلا على جواز القتال فيها على وجه الدّفع. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن القتال فيها جائز، والمراد بقوله: ﴿(مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ)﴾ تعظيم انتهاك حرمتها بالظلم والفساد فيها، وتعظيم ثواب الطاعة التي يفعل فيها. قوله تعالى: ﴿(وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً)﴾ يدلّ على أنّ الله أخرج هذه الأشهر الحرم من أن تكون حرما.

стр. 1281

وفي باب الجهاد دليلا تقديرا آخر أن أحد الجهاد داخل تحت قوله: ﴿(فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)﴾ وكان الله تعالى ميّز الجهاد من الظلم الذي هو إقدام على النّفوس والأموال، وقوله تعالى: ﴿(كَافَّةً)﴾ منصوب على الحال. قال قتادة وعطاء: (كان القتال كثيرا في الأشهر الحرم، ثمّ نسخ وأحلّ فيه بقوله: ﴿(وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً)﴾ يعني فيهنّ وفي غيرهنّ).وقال الزهريّ: (كان رسول الله ﷺ يحرّم القتال في الأشهر الحرم، ممّا أنزل الله من تحريم ذلك حتّى نزلت براءة، وأحلّ قتال المشركين) (١). وقال سفيان الثوريّ لمّا سئل عن القتال في الأشهر الحرم، قال: (لا بأس بالقتال فيهنّ وفي غيرهنّ؛ لأنّ النّبيّ ﷺ غزا هوازن وحنينا وثقيفا بالطّائف وحاصرهم في الشّوّال وبعض ذي القعدة، فدلّ على أنّ حرمة القتال فيها منسوخ) (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً؛﴾ أي إنّما تأخير الشّهر الحرام من المحرّم إلى صفر، واستباحة المحرّم زيادة في الكفر يغلط ويخطئ بالنّساء سائر الكفّار، ومن قرأ (يضل) صفر مكان المحرّم، ويحرّمون المحرّم عاما فلا يقاتلون فيه، ثم يقاتلون في صفر، ﴿(لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ)؛﴾ أي ليوافقوا في العدد أربعة أشهر، وكانوا يقولون: هذه أربعة بمنزلة أربعة. والمواطأة الموافقة، وأصل النّسيء الحاضر ومنه بيع النّسيئة، ومنه أنسأ الله في أجل فلان، ومنه المنسأة وهي العصا يرجو بها ويؤخّر. قرأ قتادة ومجاهد وأبو عمرو ونافع غير ورش (٣) وعاصم وحمزة والكسائي وخلف وابن عامر «(النّسيء)» بالمدّ والهمزة وهو مصدر كالسّعير والحريق ونحوهما،

стр. 1282

ويجوز أن يكون مفعولا مصروفا أي فعيل مثل الجريح والقتيل والصريع، تقديره: إنما الشهر المؤخّر. وقرأ أبو جعفر وورش «(إنّما النّسيّ)» بالتشديد من غير همزة، وروى ذلك ابن كثير على معنى المنسيّ أي المتروك، قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (١). وقوله: ﴿(يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا)،﴾ قرأ أهل المدينة وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر بفتح الياء وكسر الضّاد لأنّهم هم الضالّون لقوله: ﴿(يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً)،﴾ وقرأ الحسن وقتادة ومجاهد ويعقوب بضمّ الياء وكسر الضاد؛ أي يضلّ به الذين كفروا الناس المقتدين بهم، وقرأ أهل الكوفة إلاّ أبا بكر بضمّ الياء وفتح الضاد، وهي قراءة ابن مسعود لقوله: ﴿(زُيِّنَ لَهُمْ)،﴾ وقوله تعالى: ﴿(يُحِلُّونَهُ عاماً)﴾ أي يحلّون النسيء. وقوله تعالى: ﴿لِيُواطِؤُا؛﴾ أي ليوافقوا، وقيل: ليشبهوا، ﴿عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ؛﴾ أي يحلّوا ما حرّمه الله من الغارة والقتل في الشّهر الحرام، وإنما كان يفعل هكذا بنو كنانة وربّما كانوا يؤخّرون رجبا ويبدّلونه صفرا لتكون الشهور متوالية، وقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ؛﴾ أي حسّن في قلوبهم قبح أعمالهم من تحريم ما أحلّ الله، وتحليل ما حرّم الله، قال الحسن: (زيّنتها لهم أنفسهم والشّياطين) ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (٣٧) أي لا يوفّقهم مجازاة لكفرهم. وقيل: لا يهديهم إلى الجنّة والثواب. قال ابن عبّاس: (كان النّاسئ رجلا من كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة وجنادة بن عوف وكان يقوم على النّاس فيقول: ألا إنّ آلهتكم حرّمت عليكم صفر العام، فيحرّمون فيه الدّماء والأموال ويستحلّون في المحرّم، فإذا كان من قابل نادى: ألا إنّ آلهتكم حرّمت عليكم المحرّم العام، فيحرّمون فيه الدّماء والأموال ويستحلّون صفر ليفيدوا منه) (٢).

стр. 1283

وفي بعض الرّوايات: أنه كان يقول قبل هذا النداء: يا أيّها الناس أنا الذي أعاب ولا خاب ولا مردّ لما قضيت، فيقول له المشركون: لبّيك ربّنا، ثم يسألونه أن ينسئهم شهرا فيقول: ألا إن صفر العام حلال يريد به المحرّم، وربّما يقول: حرام، فيحرّمون المحرّم صفرا، وكان إذا قال الناسئ في المحرّم: حلال، عقدوا الأوتار وشدّوا الأزجة (١) وأعلوا السيوف وأغاروا على الناس، وإذا قال: حرّم، حلّوا الأوتار ونزعوا الأزجة وأغمدوا السيوف (٢). قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ؛﴾ وذلك أنّ النبيّ ﷺ أقام بالمدينة بعد مرجعه من الطّائف، ثم أمره الله بالجهاد لغزوة الرّوم وأمره بالخروج إلى غزوة تبوك، وذلك في زمان عسرة وشدّة من الحرّ حين طابت ثمار أهل المدينة فأمر النبيّ ﷺ بالخروج إلى الجهاد فكانوا يتثاقلون من الخروج ويحبّون الظّلال والثمار، فأنزل الله هذه الآية. ومعناها: ما لكم إذا قيل لكم اخرجوا إلى جهاد المشركين تثاقلتم إلى الأرض وتكاسلتم واطمأننتم إلى أوطانكم، ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ؛﴾ استفهام يعني الإنكار؛ أي آثرتم (٣) عمل الدّنيا على عمل الآخرة، وآثرتم الحياة في الدّنيا على الحياة في الآخرة، ﴿فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ (٣٨) أي ما منفعة الدّنيا في الآخرة وفي ما يتمتّع به أولياء الله في الجنّة إلا يسير لأن الدّنيا تضمحلّ ويفنى أهلها، والآخرة دار القرار. قوله تعالى: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ؛﴾ أي إلاّ تخرجوا مع نبيّكم في الجهاد يعذّبكم عذاب الاستئصال،

стр. 1284

ويستبدل قوما غيركم أي أطوع لله منكم، ﴿وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً؛﴾ أي ولا تنقصوا من ملكه شيئا بقعودكم عن الجهاد، ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؛﴾ من العذاب والإبدال، ﴿قَدِيرٌ﴾ (٣٩). قوله تعالى: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ؛﴾ وذلك أنّ كفار مكّة لمّا أرادوا قتل النبيّ ﷺ أخبره جبريل بذلك وأمره بالخروج، فقال النبيّ ﷺ لعليّ كرّم الله وجهه: [نم مكاني على الفراش] وخرج مع أبي بكر ﵁ إلى غار جبل ثور-وهو جبل بأسفل مكّة-ومشى رسول الله ﷺ على أطراف أصابعه حتى حفيت، فلمّا رآه أبو بكر ﵁ وجعل يستند به حتى أتى فم الغار، وكان الغار مقرونا بالهوامّ، فلما أراد رسول الله ﷺ دخول الغار قال له أبو بكر ﵁: مكانك يا رسول الله حتّى أستبرئ الغار. فدخل واستبرأه وجعل يسوّي الجحرة بثيابه خشية أن يخرج منها شيء يؤذي رسول الله ﷺ فبقي جحران فوضع عقبه عليهما ثم قال: انزل يا رسول الله، فنزل فكانا في الغار ليلتهما. فدخل الكفّار على عليّ ﵁ فقالوا له: يا عليّ أين محمّد؟ فقال: لا أدري أين ذهب، فطلبوه من الغد واستأجروا رجلا يقال له كرز بن علقمة الجرّاح، فقفا لهما الأثر حتى انتهى بهم إلى جبل ثور، فقال: انتهينا إلى هنا وهذا أثره فما أدري أين أخذ يمينا أو شمالا أو صعد الجبل، فصعدوا الجبل يطلبونه، وأعمى الله عليهم مكانه فلم يهتدوا إليه. فقام رجل منهم يبول مستقبلا رسول الله ﷺ وأبا بكر بعورته، فقال أبو بكر: يا رسول الله ما أراه إلاّ قد أبصرنا، فقال ﷺ [لو أبصرنا ما يستقبلنا بعورته].وأقبل شباب قريش من كلّ بطن، معهم عصيّهم وقسيّهم حتى رأوا باب الغار، وكان ﷺ مرّ على ثمامة وهي شجرة صغيرة ضعيفة فأمر أبا بكر أن يأخذها معه، فلما سار إلى باب الغار أمره أن يجعلها على باب الغار، وألهم الله العنكبوت فنسجت حتى سترت وجه النبيّ ﷺ وصاحبه، وبعث الله حمامتين وحشيّتين فأقبلتا حتى وقعتا على باب الغار بين العنكبوت وبين الشجرة، فلما رأى المشركون الشجرة والحمامة ونسج العنكبوت علموا أن ليس في الغار أحد، وكان أبو بكر يقول: يا

стр. 1285

رسول الله قد أتينا وما أنا إلاّ رجل واحد، فإن قتلت أنت تهلك هذه الأمّة فلا يعبد الله بعد هذا اليوم، فقال: [لا تحزن يا أبا بكر إنّ الله معنا]. ثم نزل المشركون من الجبل، ولم يقدروا على رسول الله ﷺ ، فمكث رسول الله ﷺ بالغار ثلاثة أيّام ولياليهنّ، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار أهل مكّة، فلما أمنا طلب «القوم» وكان رسول الله ﷺ أمر بالهجرة إلى المدينة، فاستأجر رجلا يقال له عبد الله بن أريقط يهديهم الطريق إلى المدينة فخرج بهما إلى المدينة، فسمع سراقة بن مالك بن مقسم الكناني بخروجه إلى المدينة، فلبس لامته وركب فرسه يتّبع آثارهم حتى أدرك رسول الله ﷺ ، فدعا عليه رسول الله ﷺ فساخت قوائم فرسه، فقال: يا محمّد أدع الله أن يطلق عليّ فرسي فأردّ عنك من أرى من النّاس، فقال ﷺ : [اللهمّ إن كان صادقا فأطلق فرسه] فرجع سراقة وقدم أبو بكر ﵁ مع النبيّ ﷺ حتى أتيا المدينة. هكذا روي وفي هذا قصّة طويلة (١). ومعنى الآية: ألاّ تنصروا محمّدا ﷺ في الخروج معه إلى تبوك فالله ينصره كما نصره إذ أخرجه الكفار من مكّة وهو ثاني اثنين؛ أي لم يكن معهما غيرهما، وقوله تعالى ﴿(ثانِيَ اثْنَيْنِ)﴾ نصب على الحال؛ أي وهو أحد اثنين. وقوله تعالى: ﴿إِذْ هُما فِي الْغارِ؛﴾ أراد به غار ثور حين خرجا إليه. والغار النّقب الذي يكون في الجبل، وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا؛﴾ معناه: إذا يقول رسول الله ﷺ لأبي بكر: لا تحزن على قتلي وذهاب الإسلام إنّ الله يحفظنا ويدفع شرّ المشركين عنّا. قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ؛﴾ أي أنزل طمأنينة على رسوله حتى سكن واطمأنّ. ويقال: أنزل سكينته على صاحبه أبي بكر ﵁، فإنّ النبيّ ﷺ كان لنا سكنا، وقوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها؛﴾ معناه: أعان محمّدا ﷺ وقوّاه يوم بدر والأحزاب وحنين بجنود لم تعاينوها وهم الملائكة.

стр. 1286

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى؛﴾ أي وجعل كلمة الشّرك مغلوبة مذمومة، وجعل أهلها أذلّة أسفلين، وقوله تعالى: ﴿وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا؛﴾ أي وجعل كلمة التوحيد هي الكلمة العالية الممدوحة. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤٠)؛أي منيع بالنّقمة ممن عصاه وما حكم به من أمره. وقوله تعالى: ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً؛﴾ أي انفروا إلى الجهاد في سبيل الله شبابا وشيوخا. وقيل: موسرين ومعسرين. وقيل: مشاغيل وغير مشاغيل. وقيل: نشّاطا وغير نشّاط، أي خفّت عليكم الحركة أو ثقلت. قوله تعالى: ﴿وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ؛﴾ في طاعة الله، ﴿ذلِكُمْ؛﴾ الجهاد، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ؛﴾ من القعود عنه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤١)؛أنّ الله صادق في وعده ووعيده. قوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ؛﴾ اسم كان مضمر تقديره: لو كان المدعوّ إليه عرضا قريبا؛ أي غنيمة وسفرا سهلا لاتّبعوك؛ أي لو علموا أنّهم يصيبون مغنما لخرجوا معك، نزل هذا فيمن تخلّف من غزوة تبوك من المنافقين. قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ؛﴾ أي لكن بعدت عليهم المسافة إلى الشّام، ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنا؛﴾ في اعتذارهم إليكم لو كان لنا سعة في الزاد والمال، ﴿لَخَرَجْنا مَعَكُمْ؛﴾ في غزاتكم، ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ؛﴾ بالأيمان الكاذبة والقعود عن الجهاد، ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (٤٢)؛أنّ لهم سعة في المال والزاد وإنّهم لكاذبون في هذا الاعتذار، وقيل: معنى قوله: ﴿(وَسَفَراً قاصِداً)﴾ أي موضعا قريبا. قوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا؛﴾ أي تجاوز الله عنك يا محمّد لم أذنت لهم في القعود عن الجهاد حتى يظهر لكم الذين صدقوا في الاعتذار، ﴿وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ﴾ (٤٣)؛في عذرهم، قدّم الله العفو على العتاب حتى يسكن قلبه ﷺ ، ثم قال بعد العفو: (لم أذنت لهم)،ولو أنّ الله

стр. 1287

أخبره بالذنب قبل أن يخبره بالعفو لكان يخاف على النبيّ ﷺ من هيبته قوله: ﴿(لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)﴾. قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ؛﴾ أي لا يستأذنك المؤمنون في القعود عن الجهاد. وقوله: ﴿(أَنْ يُجاهِدُوا)﴾ معناه: أن لا يجاهدوا، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (٤٤)؛أي عالم بالمخلصين المطيعين فيميّزهم عن المنافقين. قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛﴾ أي إنما يستأذنك في القعود عن الجهاد الذين لا يصدّقون بالله وبيوم البعث، ﴿وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ؛﴾ أي شكّت واضطربت، ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (٤٥)؛ شكّهم يتخيّرون. والرّيب: الشكّ مع اضطراب القلب. قوله تعالى: ﴿*وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً؛﴾ أي لو أراد الله لهم الخروج معك إلى العدوّ لاتّخذوا له أهبة، ﴿وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ؛﴾ أي لكن لم يرد الله خروجهم معك، لأنّهم لو خرجوا لكان يقع خروجهم على وجه الإضرار بالمسلمين وذلك كفر ومعصية. قوله تعالى: ﴿فَثَبَّطَهُمْ؛﴾ أي حبسهم، يقال: ثبّطه عن الأمر إذا حبسه عنه، ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ (٤٦)؛أي اقعدوا مع النّساء والصبيان. ويجوز أن يكون القائل لهم النبيّ ﷺ بأمر الله، ويجوز أن يكون قد قال بعضهم لبعض. وقيل: قال لهم الشيطان ووسوس لهم. ثم بيّن الله أن لا منفعة للمسلمين في خروجهم، بل عليهم مضرّة لهم، فقال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالاً؛﴾ أي لو خرجوا فيكم ما زادوكم الا شرّا وفسادا. قوله تعالى: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ؛﴾ أي لأسرعوا فيما بينكم، ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ؛﴾ أي يطلبون فساد الرأي وعيوب المسلمين، ويقال: ساروا فيكم بالنميمة، والإيضاع: الإسراع في السّير، يقال: أوضع البعير إيضاعا.

стр. 1288

قوله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ؛﴾ أي وفيكم قائلون منهم ما يسمعون منهم، ويقال: في عسكركم عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون عنكم، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ (٤٧)؛يجازيهم على سوء أفعالهم. قوله تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ؛﴾ أي وقد طلب هؤلاء المنافقون صدّ أصحابك عن الدين، وردّهم إلى الكفر، وتحويل الناس عنك قبل هذا اليوم، كفعل عبد الله بن أبي يوم أحد، وقوله تعالى: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ؛﴾ أي اختالوا فيك وفي إبطال دينك بالتحويل عنك، وتشتّت أمرك وكلمتك من قبل غزوة تبوك، فقلّبوا لك الأمور ظهرا لبطن، ﴿حَتّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ؛﴾ أي حقّ الإسلام، وأظهره الله على سائر الأديان، ﴿وَهُمْ كارِهُونَ﴾ (٤٨)؛لذلك. قوله تعالى: ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ؛﴾ أي دين الله. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي؛﴾ نزل في جدّ بن قيس من المنافقين، دعاه النبيّ ﷺ إلى الخروج إلى العدوّ وحرّضه على الجهاد، فقال لجدّ بن قيس: [هل لك في جلاد بني الأصفر، فتتّخذ منهم سراري ووصفاء] يعني الرّوم. وكان الأصفر رجلا من الحبشة ملك الرّوم، وغلب على ناحية منها، فتزوجت الحبشة من الرّوم، فولدت لهم بنات أخذن من بياض الرّوم وسواد الحبشة، فكنّ صفرا لعسا لم ير مثلهنّ، فقال له جدّ بن قيس: ائذن لي يا رسول الله أن أقيم، ولا تفتنّي ببنات الأصفر، فقد عرف قومي عجبي بالنّساء، وإنّي أرى المرأة تعجبني فما أملك نفسي حتى أضع يدي على المحرّم، فلما سمع النبيّ ﷺ قوله أعرض عنه وقال: [أذنت لك] (١). وقوله تعالى: ﴿(وَلا تَفْتِنِّي)﴾ أي ائذن لي في التخلّف ولا تفتنّي ببنات الأصفر، قال قتادة: (معناه ولا تؤثّمني) (٢)،وقوله تعالى ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أي ألا

стр. 1289

في الإثم والشّرك وقعوا بنفاقهم ومخالفتهم أمرك في ترك الجهاد، ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ (٤٩)؛أي إنّهم يدخلون جهنّم لا محالة؛ لأن الشيء إذا كان محيطا بالإنسان فإنه لا يفوته. روي أنّ النبيّ ﷺ قال: [من سيّدكم يا بني سلمة؟] قالوا: جدّ بن قيس، غير أنّه بخيل. قال ﷺ : [وأيّ داء أدوى من البخل؟! بل سيّدكم الفتى أبيض الجعد بشر ابن البراء بن معرور] (١) فقال فيه حسّان الشّعر (٢): وقال رسول الله والحقّ قوله ... لمن قال منّا: من تعدّون سيّدا؟ فقلت له: جدّ بن قيس على الّذي ... ببخله فينا وإن كان أنكدا فقال: وأيّ الدّاء أدوى من الّذي ... رميتم به لو على به يدا؟! وسوّد بشر بن البراء لجوده ... وحقّ لبشر بن البرا أن يسوّدا إذا ما أتاه الوفد أذهب (٣) ... ماله وقال: خذوه؛ إنّني عائد غدا قوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ؛﴾ أي إن تصبك يا محمّد حسنة من فتح وغنيمة تسؤهم تلك الحسنة وتحزنهم يعني المنافقين، ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ؛﴾ أي قتل وهزيمة ونكبة، ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ؛﴾ أي أخذنا حذرنا بالتخلّف عنهم من قبل هذه المصيبة، ﴿وَيَتَوَلَّوْا؛﴾ عنك، ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ (٥٠)؛مسرورون بما أصابك من الشدّة. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا هُوَ مَوْلانا؛﴾ أي قل يا محمّد للمنافقين: لن يصيبنا إلاّ ما كتب الله علينا في اللّوح المحفوظ، قال الحسن: (معناه: أنّا لسنا بمهملين بل جميع ما يصيبنا من خير أو شرّ فهو مكتوب في اللّوح المحفوظ)،ويقال: معناه: قل لن يصيبنا في عاقبة الأمر إلاّ ما كتب الله لنا من الفتح

стр. 1290

والنّصرة على الكفّار، فإن أصابتنا الهزيمة في الحال فإن أمور العبادة لا تجري إلا على تدبير قد أحكم وأبرم. قوله تعالى: ﴿(هُوَ مَوْلانا)﴾ أي وليّنا يحفظنا وينصرنا. قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٥١)؛معنى التوكّل على الله: تفويض الأمر إليه مع ثقة به. قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ (٥٢)؛ أي هل تنتظرون بنا إلا النصر على الكفّار والظّفر بهم، أو القتل على وجه الشّهادة في الدّنيا مع ثواب الآخرة، ونحن ننتظر بكم أحد الشرّين: إما أن يصيبكم الله بعذاب الاستئصال من عنده، أو بأن ينصرنا عليكم فنقتلكم بأسيافنا، فانتظروا ما قلت كي ننتظر نحن بكم عذاب الاستئصال والنّصرة عليكم. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ؛﴾ معناه: إن أنفقتم في الجهاد طائعين من قبل أنفسكم أو مكرهين مخافة القتل لن يتقبّل منكم ما أسررتم من الكفر والنفاق، وقد يذكر لفظ الأمر ويراد به الشرط الجزاء كما قال الشاعر: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تقلّت معناه: إن أحسنت بنا أو أسأت فأنت غير ملومة (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ﴾ (٥٣)؛تعليل نفي قبول صدقتهم؛ لأن النفاق يحبط الطاعة، ويمنع من استحقاق الثواب. قوله تعالى: ﴿وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ؛﴾ ما منعهم عن إيجاب الثواب لهم على نفقاتهم إلا كفرهم بالله وبرسوله، ومعنى ﴿(نَفَقاتُهُمْ)﴾ أي صدقاتهم. قرأ حمزة والكسائي وخلف «(يقبل)» بالياء لتقديم الفعل، وقرأ الباقون بالتاء.

стр. 1291

وقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسالى؛﴾ أي متثاقلون لأنّهم لا يرجون بأدائها ثوابا ولا يخافون بتركها عقابا، والمعنى أنّهم يصلّون مراءاة الناس، ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إِلاّ وَهُمْ كارِهُونَ﴾ (٥٤)؛وكذلك ينفقون في الزكاة وغيرها لأجل التّستّر بالإسلام، لا لابتغاء ثواب الله. وكسالى جمع كسلان كما يقال سكارى وسكران. قوله تعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ؛﴾ أي لا تعجبك يا محمّد كثرة أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدّنيا، ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ وفي الآخرة، قال الحسن: (لا تسرّك أموالهم ولا أولادهم، إنّما يريد الله ليشدّد عليهم في التّكليف بأن يأمرهم بالإنفاق في الزّكاة والغزو وما شاكل ذلك من المكاره الّتي تشقّ عليهم؛ لأنّهم لا يرجون بذلك ثوابا في الآخرة، ويكونون معذّبين بالإنفاق إذ كانوا ينفقونها على كره منهم).وقيل: أراد بقوله ﴿(لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا)﴾ أي ما ينالهم من المصائب في أموالهم لا تكون كفّارة لذنوبهم. قوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ؛﴾ أي تخرج أنفسهم على الكفر. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ كافِرُونَ﴾ (٥٥)؛أي في حال كونهم كافرين. والزّهق خروج الشيء بصعوبة وأصله الهلاك. قوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ؛﴾ معناه: أنّ هؤلاء المنافقين يحلفون للمؤمنين أنّهم على دينهم، يقول الله تعالى: ﴿(وَما هُمْ مِنْكُمْ)﴾ أي ليسوا على دينكم، ﴿وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ (٥٦)؛أي يخافون من المسلمين، فأظهروا الإسلام وأسرّوا النفاق. قوله تعالى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ (٥٧)؛معناه: لو يجدون حرزا يلجئون إليه ويتحصّنون فيه، أو غيرانا في الجبال أو سربا في الأرض، أو قوما يمكنهم الدخول فيما بينهم يحفظونهم عنكم، لصبوا إليهم وهم يجمحون؛ أي يسبقون ويسرعون إسراعا لا يردّ وجوههم بشيء. يقال: فرس جموح إذا ذهب في عدوه لم يرده اللّجام، قال عطاء في معنى قوله لو

стр. 1292

يجدون ملجأ: (أي مهربا) (١)،وقال ابن كيسان: (قوما يأمنون فيهم). قرأ عبد الرحمن بن عوف «(أو مغارات)» بضمّ الميم، وقوله تعالى: ﴿(أَوْ مُدَّخَلاً)﴾ قال الكلبيّ: (نفقا في الأرض كنفق اليربوع) (١) وقيل: معناه: موضع دخول يدخلون فيه. وقرأ الحسن «(مدخلا)» بفتح الميم وتخفيف الدال، وقرأ أبيّ «(مندخلا)» بإثبات النّون. وقوله تعالى: ﴿(لَوَلَّوْا إِلَيْهِ)﴾ قرأ الأشهب العقيليّ «(لوالوا إليه)» بالألف من الموالات (٢)؛أي تابعوا وسارعوا. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ؛﴾ أي من المنافقين من يعيبك في الصّدقات، ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها؛﴾ الصدقة مقدار مرادهم، ﴿رَضُوا؛﴾ بالقسمة، ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها؛﴾ لا يرضون بالقسمة. نزلت هذه الآية في أبي الجوّاظ وغيره من اللمّازين من المنافقين، كما روي أنّ النبيّ ﷺ كان يقسم الصدقات فقال أبو الجوّاظ: ما ترون صاحبكم يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم، فقال ﷺ : [لا أبا لك، أما كان موسى ﵇ راعيا! أما كان داود ﵇ راعيا!] فذهب أبو الجوّاظ، فقال ﷺ : [احذروا هذا وأصحابه] فأنزل الله هذه الآية (٣). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان رسول الله يقسم قسما إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التّميميّ فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: [ويلك من يعدل إذا لم أعدل؟!] فقال عمر ﵁: ائذن لي يا رسول الله أضرب عنقه، فقال ﷺ : [دعه فإنّ له أصحابا يحتقر أحدكم صلاته مع صلاته وصومه مع صيامه، يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّمية] (٤).

стр. 1293

قرأ الحسن ويعقوب «(يلمزك)» بضمّ الميم، وقرأ الأعمش «(يلمّزك)» بضم الياء وتشديد الميم، يقال: لمزه وهمزه إذا أعابه، ورجل همزة لمزة، وقال عطاء: (معنى يلمزك أي يغتابك) (١).قوله تعالى: ﴿إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (٥٨)؛قرأ إياد بن لقيط (٢) «(إذا هم ساخطون)» (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ؛﴾ أي لو رضوا ما رزقهم الله وما يعطيهم رسوله من العطيّة والصدقة، ﴿وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ؛﴾ أي كافينا الله سيعطينا الله من رزقه، وسيعطينا رسوله مما يكون عنده من السّعة والفضل وقالوا: ﴿إِنّا إِلَى اللهِ؛﴾ أي فيما عنده من الثواب، ﴿راغِبُونَ﴾ (٥٩)؛لكان خيرا لهم وأعود عليهم، إلا أنه حذف الجواب؛ لأن الحذف للجواب في مثل هذا الموضع أبلغ من الإثبات؛ لأنّك إذا حذفت الجواب ذهبت فيه النفس كلّ مذهب. قوله تعالى: ﴿*إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ؛﴾ قال ابن عبّاس والحسن وجابر بن زيد والزهريّ ومجاهد: (الفقير المتعفّف الّذي لا يسأل النّاس، والمسكين الّذي يسأل).ومعنى الآية: إنّما الصدقات لهؤلاء المذكورين لا للمنافقين. قال ابن عبّاس: (الفقراء هم أصحاب الصّفّة، صفّة مسجد رسول الله ﷺ ، كانوا نحو أربعمائة رجل لم يكن لهم منازل في المدينة ولا عشائر، فأووا إلى صفّة مسجد رسول الله، يلتمسون الرّزق بالنّهار ويأوون إليه باللّيل، فمن كان عنده فضل من المسلمين أتاهم به إذا أمسوا).قال: (والمساكين هم الطّوّافون الّذين يسألون النّاس).

стр. 1294

فعلى هذا المسكين أفقر من الفقير، ومن الدليل على ذلك أنّ الله قال: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ثم قال: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ﴾ (١)، ومعلوم أن الجاهل بحال الفقير لا يحسبه غنيّا إلاّ وله ظاهر جميل ويده حسنة، وقال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ﴾ (٢).قيل في التفسير: الذي قد لصق بالتّراب وهو جائع عار ليس بينه وبين التراب شيء يقيه. وقال أبو العبّاس ثعلب: (حكي عن بعض أهل اللّغة أنّه قال: قلت لأعرابيّ: أفقير أنت؟ قال: لا؛ بل مسكين. وأنشد الأعرابيّ: أمّا الفقير الّتي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد (٣) فسمّاه فقيرا مع وجود الحلوبة) (٤).وقال محمّد بن مسلمة: (الفقير الّذي لا ملك له) قال: (وكلّ شيء محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه)،واحتجّ من قال: إن الفقير أفقر من المسكين بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (٥) فأضاف السفينة إليهم، وهذا لا دلالة فيه لأنه روي أنّهم كانوا فيها أجراء. قوله تعالى: ﴿وَالْعامِلِينَ عَلَيْها،﴾ يعني السّعاة الذين يجلبون الصّدقة، ويتولّون قبضها من أهلها، يعطون منها سواء كانوا أغنياء أم فقراء، واختلفوا في قدر ما يعطون، قال الضحّاك: (يعطون الثّمن من الصّدقة) (٦)،وقال مجاهد: (يأكل العمّال من السّهم الثّامن) (٧)،وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: (يعطون على قدر عمالتهم) (٨)،وقال الأعمش: (يعطون بقدر أجور أمثالهم وإن كان أكثر من الثّمن)، وقال مالك وأهل العراق: (إنّما ذلك للإمام واجتهاده يعطيهم الإمام قدر ما رأى)، وعن ابن عمر: (يعطون بقدر عملهم)،وعند الشافعيّ: (يعطون ثمن الصّدقات).

стр. 1295

قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ؛﴾ هم قوم كان يعطيهم النبيّ ﷺ يتألّفهم على الإسلام، كانوا رؤساء في كلّ قبيلة، منهم أبو سفيان بن حرب من بني أميّة، والأقرع بن حابس، وعقبة بن حصن الفزاري وغيرهما من بني عامر بن لؤي، والحارث بن هشام المخزوميّ، وسهيل بن عمرو الجمحيّ من بني أسد، والعباس بن المرداس من بني سليم، فلما توفّي رسول الله ﷺ جاء المؤلّفة قلوبهم إلى أبي بكر وطلبوا منه سهمهم، فأمرهم أن يكتبوا كتابا، فجاءوا بالكتاب إلى عمر ﵁ ليشهد، فقال عمر: إيش هذا؟ قالوا: سهمنا، فقال عمر ﵁: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١) إنّ الإسلام أجلّ أن يرسى عليه. ثم أخذ عمر كتابهم ومزّقه وقال: إنّما كان النّبيّ يعطيكم يتألّفكم على الإسلام (٢)،فاليوم فقد أعزّ الله الإسلام، فإن ثبتّم على الإسلام وإلاّ فبيننا وبينكم السّيف. فرجعوا إلى أبي بكر وقالوا: أنت الخليفة أم هو؟! فقال: هو إن شاء! فبطل سهمهم. قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقابِ؛﴾ معناه عند أكثر الناس في فكاك الرّقاب وهم المكاتبون، وذهب مالك إلى أنّهم رقاب يبتاعون من الزّكاة ويعتقون، فيكون ولاؤهم لجميع المسلمين دون المعتقين، قال: (ولا يعطى المكاتب من الزّكاة ولا من الكفّارات شيئا). وقد روي أنّ رجلا جاء إلى النبيّ ﷺ فقال: علّمني عملا يدخلني الجنّة؟ قال: [فكّ الرّقبة وأعتق النّسمة] قال: أوليسا سواء؟ قال: [لا؛ فكّ الرّقبة أن تعين في عتقها] (٣)،فاقتضى قوله تعالى ﴿(وَفِي الرِّقابِ)﴾ المعوضة في العتق. قوله تعالى: ﴿وَالْغارِمِينَ؛﴾ يعني المديونين الذين لا يكون لهم فضل نصاب على الدّين؛ لأنّ المال وإن كان في أيديهم فهو مستحقّ أيديهم، وقال مجاهد

стр. 1296

والزهري: (إنّما تحلّ الصّدقة للمديونين إذا كان الدّين قد لحقه بغير إسراف ولا معصية) (١)،وقال قتادة: (الغارمون هم قوم لحقهم ديون في غير تبذير ولا فساد)، وعن مجاهد: (أنّ الغارم من احترق بيته، أو ذهب السّيل بماله، أو أدان على عياله) (٢). قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ؛﴾ أراد به المجاهدين إذا انقطعوا عن أزوادهم وراحلتهم، وقال أبو يوسف: (هم الفقراء الغزاة)،وأما إذا كان الغازي غنيّا اختلفوا فيه، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد: (لا يعطى الغازي الغنيّ)،وقال الشافعيّ ومالك: (يعطى الغازي الغنيّ) وحجّتهما قوله ﵇: [لا تحلّ الصّدقة لغنيّ إلاّ لخمسة: رجل عمل عليها، ورجل اشتراها بماله، ورجل كان له جار مسكين فتصدّق على المسكين فأهدى إليه جاره، وفي سبيل الله وابن السّبيل] (٣). قوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ؛﴾ هو المسافر المنقطع عن ماله، سمّي بذلك لملازمته السّبيل، كما يقال: ابن الغنيّ وابن الفقير، قال مجاهد والزهري: (لابن السّبيل حقّ في الزّكاة وإن كان غنيّا) (٤) قال قتادة: (ابن السّبيل هو الضّيف) (٥). قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ؛﴾ أي فرض الله هذه الأشياء فريضة، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ؛﴾ بمصالح عباده، ﴿حَكِيمٌ﴾ (٦٠)؛في أفعاله. والفرض في ذكر الأصناف في هذه الآية بيان أنه لا يجوز إخراج الصّدقة منهم إلى غيرهم؛ لأن الحاجة في جميع الأصناف المذكورين في هذه الآية موجودة، ولأن من عليه الزكاة إذا حمل الزكاة بنفسه إلى الإمام لم يكن لأحد من العمّال في ذلك نصيب. وقال الشافعيّ: (تقسم الصّدقة على الأصناف الثّمانية، كما هو مذكور في الآية، إلاّ أن يفقد صنف فيقسم على الباقين).وقيل: يقسم على أصله على سبعة أصناف؛ لأن

стр. 1297

المؤلّفة قد سقطوا، قال: (ويعطى كلّ منهم من الثّمانية ثلثه من أهل كلّ صنف، فإن أعطى اثنين ضمن ثلث سهم). واختلف العلماء في المقدار الذي إذا ملكه رجل دخل في حدّ الغنى، وخرج من حدّ الفقر، قال بعضهم: إذا كان عند أهله قوت يومهم، واستدلّ بقول النبيّ ﷺ : [من سأل عن ظهر غنى، فإنّما يستكثر من جمر جهنّم] قيل: يا رسول الله وما ظهر الغنى؟ قال: [أن تعلم أنّ عند أهله ما يعيّشهم ويغدّيهم] (١). وقال بعضهم: اذا ملك أربعين درهما أو عدلها من الذّهب، واستدلّ بما روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: [من سأل منكم وعنده أوقيّة أو عدلها من الذّهب فقد سأل إلحافا]،وكانت الأوقيّة يومئذ أربعين درهما (٢). وقال بعضهم: إذا ملك خمسين درهما أو عدلها من الذهب لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [لا يسأل عبد مسألة وله ما يغنيه إلاّ جاء يوم القيامة وفي وجهه كدوح أو خدوش] قيل: يا رسول الله وما غناه؟ قال: [خمسون درهما، أو عدلها من الذّهب] (٣). والصحيح: أنّ من ملك مائتي درهم أو عدلها من فرض أو غيره فاضلا عن ما يحتاج إليه من مسكن وخادم وأتان وفرس، لم تحلّ له الصدقة لقوله ﵇: [إنّي أمرت أن آخذ الصّدقة من أغنيائكم وأردّها في فقرائكم] (٤) فجعل الناس فريقين، ولا خلاف أن الذي يملك مائتي درهم يكون غنيّا، فوجب أن لا يكون داخلا في الفقراء، ولو كان الاعتبار بالضّرورة لكان الذي له غداء دون العشاء أو عشاء دون الغداء لا

стр. 1298

تحلّ له الصدقة، وقد روي عن النبيّ ﷺ قال: [للسّائل حقّ وإن جاء على فرس] (١) والفرس في الكثير الأحوال يساوي أكثر من أربعين درهما. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ الجماعة من المنافقين منهم جلاّس بن سويد ومخشيّ بن حميّر (٢) وأبو ياسر بن قيس وسماك بن يزيد وعبيد بن هلال ورفاعة بن التّابوت (٣) كانوا يؤذون النّبيّ ﷺ ويقولون فيه ما لا يجوز، فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنّا نخاف أن يبلغه الخبر، فقال الجلاّس: بل نقول ما شئنا ثمّ نأتيه فيصدّقنا في ما نقول، فإنّ محمّدا أذن سامعة. فأنزل الله هذه الآية) (٤).ومعناها: ومن هؤلاء المنافقين من يؤذي النبيّ ﷺ ، ويقولون هو صاحب أذن يصغي إلى كلّ أحد، ويقبل كلّ ما قيل له. قوله تعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ؛﴾ أي قيل: هو مستمع بخير لا مستمع بشرّ، وقيل: معناه: هو يستمع إلى ما هو خير لكم وهو الوحي. وقرأ الحسن: «(هو أذن خير لكم)» كلاهما بالتنوين والضمّ، معناه: إن كان كما قلتم فهو خير لكم يقبل عذركم. وقرأ نافع: «(قل أذن)» بجزم الذال وهو لغة في الأذن. قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛﴾ أي يصدّق بما أنزل عليه، والإيمان بالله لا يعمل إلا بالحقّ، ويؤمن للمؤمنين أي يصدّق المؤمنين في ما يخبرونه.

стр. 1299

واختلفوا في ال (لام) التي للمؤمنين، فقال بعضهم هي زائدة كما في قوله تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ (١) معناه: ردفكم. قال بعضهم: إنما ذكر اللام للفرق بين التّصديق والإيمان، فإنه إذا قيل: ويؤمن للمؤمنين لم يقبل غير التصديق، كما في قوله: ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ (٢) أي بمصدّق، وقوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ (٣) أي لن نصدّقكم. قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ؛﴾ قرأ الحسن والأعمش وحمزة بالخفض على معنى: أذن خير وأذن رحمة، وقرأ الباقون: «(ورحمة)» بالرفع يعني: هو رحمة، جعل الله النبيّ ﷺ رحمة لهم؛ لأنّهم إنما نالوا الإيمان بدعائه وهدايته. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦١)؛وعيد من الله لهؤلاء المنافقين على مقالتهم. قال ابن عبّاس: (فلمّا نزلت هذه الآية جاءوا إلى النّبيّ ﷺ يحلفون أنّهم لم يقولوا فأنزل الله هذه الآية: قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ؛﴾ ولم يقل يرضوهما؛ لأنه يكره الجمع بين ذكر اسم الله وذكر اسم رسوله في كناية واحدة، كما روي أنّ رجلا قام خطيبا عند النّبيّ ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال ﷺ : [بئس الخطيب أنت! هلاّ قلت: ومن يعص الله ورسوله؟] (٤).وقال النبيّ ﷺ : [لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله، ثمّ شاء فلان] (٥) فكره الجمع بين الله وبين غيره في الذكر تعظيما لله. والضمير في قوله (يرضوه) إلى الواحد؛ لأنّ رضى الله متضمّن رضى رسوله. وقوله: ﴿إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٦٢)؛إن كانوا مصدّقين بقلوبهم غير منافقين كما يدّعون، فطلبهم رضى الله أولى من طلبهم رضاكم.

стр. 1300

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها؛﴾ معناه: ألم يخبرهم الرسول ﷺ أنه من خالف الله ورسوله في الدّين فيجعل نفسه في حدّ، والله ورسوله في حدّ فله نار جهنّم، ودخلت (أنّ) مؤكّدة وهي إعادة أن الأولى؛ لأنه لما طال الكلام كانت إعادتها أوكد. ومن قرأ بالكسر فهو على الاستئناف. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ (٦٣)؛أي ذلك الهوان الشديد الدائم. قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ؛﴾ الكثير من المفسّرين على (أنّ) اخبار من المنافقين أنّهم يحذرون أنّ الله نزّل عليهم سورة تخبر عن ما في قلوبهم من النّفاق والشّرك، فإنّ بعض المنافقين كانوا يعلمون نبوّة النبيّ ﷺ ، ولكنهم كانوا يكفرون عند أهل الشّرك عنادا وحسدا، وبعضهم كانوا عند أنفسهم شاكّين غير مستبصرين، وكانوا يخافون إذا أذنبوا ذنبا أن ينزل على النبيّ ﷺ من القرآن ما يكشف عن نفاقهم، وفي الآية ما يدلّ على هذا وهو قوله تعالى: ﴿(مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ)﴾ أي مظهر ما تخافون من ظهور النّفاق، وعن هذا سمّيت هذه السورة (سورة الفاضحة)؛لأنّها فضحت المنافقين، وتسمّى أيضا (الحافرة)؛لأنّها حفرت عن قلوب المنافقين. وقوله تعالى: ﴿قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ (٦٤)؛ تهديد وإن كان لفظ الأمر، كما في قوله: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ (١)،وذهب الزجّاج إلى أنّ قوله: ﴿(يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ)﴾ لفظة إخبار ومعناه: الأمر كلّه، كأنه قال: ليحذر، وهذا كما قال: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ؛﴾ وذلك أنّ النّبيّ ﷺ بينما هو في مسيره راجع من غزوة تبوك، وثلاثة نفر يسيرون بين يديه، فجعل رجلان يستهزءان برسول الله ويقولون: إنّ محمّدا قال: نزل في أصحابنا الّذين يحلفوا كذا وكذا، والثّالث يضحك ممّا يقولون ولا يتكلّم بشيء.
следующие страницы →