والزهري: (إنّما تحلّ الصّدقة للمديونين إذا كان الدّين قد لحقه بغير إسراف ولا معصية) (١)،وقال قتادة: (الغارمون هم قوم لحقهم ديون في غير تبذير ولا فساد)، وعن مجاهد: (أنّ الغارم من احترق بيته، أو ذهب السّيل بماله، أو أدان على عياله) (٢).
قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ؛﴾ أراد به المجاهدين إذا انقطعوا عن أزوادهم وراحلتهم، وقال أبو يوسف: (هم الفقراء الغزاة)،وأما إذا كان الغازي غنيّا اختلفوا فيه، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد: (لا يعطى الغازي الغنيّ)،وقال الشافعيّ ومالك: (يعطى الغازي الغنيّ) وحجّتهما قوله ﵇: [لا تحلّ الصّدقة لغنيّ إلاّ لخمسة: رجل عمل عليها، ورجل اشتراها بماله، ورجل كان له جار مسكين فتصدّق على المسكين فأهدى إليه جاره، وفي سبيل الله وابن السّبيل] (٣).
قوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ؛﴾ هو المسافر المنقطع عن ماله، سمّي بذلك لملازمته السّبيل، كما يقال: ابن الغنيّ وابن الفقير، قال مجاهد والزهري: (لابن السّبيل حقّ في الزّكاة وإن كان غنيّا) (٤) قال قتادة: (ابن السّبيل هو الضّيف) (٥).
قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ؛﴾ أي فرض الله هذه الأشياء فريضة، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ؛﴾ بمصالح عباده، ﴿حَكِيمٌ﴾ (٦٠)؛في أفعاله. والفرض في ذكر الأصناف في هذه الآية بيان أنه لا يجوز إخراج الصّدقة منهم إلى غيرهم؛ لأن الحاجة في جميع الأصناف المذكورين في هذه الآية موجودة، ولأن من عليه الزكاة إذا حمل الزكاة بنفسه إلى الإمام لم يكن لأحد من العمّال في ذلك نصيب. وقال الشافعيّ: (تقسم الصّدقة على الأصناف الثّمانية، كما هو مذكور في الآية، إلاّ أن يفقد صنف فيقسم على الباقين).وقيل: يقسم على أصله على سبعة أصناف؛ لأن
стр. 1297
المؤلّفة قد سقطوا، قال: (ويعطى كلّ منهم من الثّمانية ثلثه من أهل كلّ صنف، فإن أعطى اثنين ضمن ثلث سهم).
واختلف العلماء في المقدار الذي إذا ملكه رجل دخل في حدّ الغنى، وخرج من حدّ الفقر، قال بعضهم: إذا كان عند أهله قوت يومهم، واستدلّ بقول النبيّ ﷺ :
[من سأل عن ظهر غنى، فإنّما يستكثر من جمر جهنّم] قيل: يا رسول الله وما ظهر الغنى؟ قال: [أن تعلم أنّ عند أهله ما يعيّشهم ويغدّيهم] (١).
وقال بعضهم: اذا ملك أربعين درهما أو عدلها من الذّهب، واستدلّ بما روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: [من سأل منكم وعنده أوقيّة أو عدلها من الذّهب فقد سأل إلحافا]،وكانت الأوقيّة يومئذ أربعين درهما (٢).
وقال بعضهم: إذا ملك خمسين درهما أو عدلها من الذهب لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [لا يسأل عبد مسألة وله ما يغنيه إلاّ جاء يوم القيامة وفي وجهه كدوح أو خدوش] قيل: يا رسول الله وما غناه؟ قال: [خمسون درهما، أو عدلها من الذّهب] (٣).
والصحيح: أنّ من ملك مائتي درهم أو عدلها من فرض أو غيره فاضلا عن ما يحتاج إليه من مسكن وخادم وأتان وفرس، لم تحلّ له الصدقة لقوله ﵇: [إنّي أمرت أن آخذ الصّدقة من أغنيائكم وأردّها في فقرائكم] (٤) فجعل الناس فريقين، ولا خلاف أن الذي يملك مائتي درهم يكون غنيّا، فوجب أن لا يكون داخلا في الفقراء، ولو كان الاعتبار بالضّرورة لكان الذي له غداء دون العشاء أو عشاء دون الغداء لا
стр. 1298
تحلّ له الصدقة، وقد روي عن النبيّ ﷺ قال: [للسّائل حقّ وإن جاء على فرس] (١) والفرس في الكثير الأحوال يساوي أكثر من أربعين درهما.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ الجماعة من المنافقين منهم جلاّس بن سويد ومخشيّ بن حميّر (٢) وأبو ياسر بن قيس وسماك بن يزيد وعبيد بن هلال ورفاعة بن التّابوت (٣) كانوا يؤذون النّبيّ ﷺ ويقولون فيه ما لا يجوز، فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنّا نخاف أن يبلغه الخبر، فقال الجلاّس: بل نقول ما شئنا ثمّ نأتيه فيصدّقنا في ما نقول، فإنّ محمّدا أذن سامعة. فأنزل الله هذه الآية) (٤).ومعناها: ومن هؤلاء المنافقين من يؤذي النبيّ ﷺ ، ويقولون هو صاحب أذن يصغي إلى كلّ أحد، ويقبل كلّ ما قيل له.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ؛﴾ أي قيل: هو مستمع بخير لا مستمع بشرّ، وقيل: معناه: هو يستمع إلى ما هو خير لكم وهو الوحي. وقرأ الحسن:
«(هو أذن خير لكم)» كلاهما بالتنوين والضمّ، معناه: إن كان كما قلتم فهو خير لكم يقبل عذركم. وقرأ نافع: «(قل أذن)» بجزم الذال وهو لغة في الأذن. قوله تعالى:
﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛﴾ أي يصدّق بما أنزل عليه، والإيمان بالله لا يعمل إلا بالحقّ، ويؤمن للمؤمنين أي يصدّق المؤمنين في ما يخبرونه.
стр. 1299
واختلفوا في ال (لام) التي للمؤمنين، فقال بعضهم هي زائدة كما في قوله تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ (١) معناه: ردفكم. قال بعضهم: إنما ذكر اللام للفرق بين التّصديق والإيمان، فإنه إذا قيل: ويؤمن للمؤمنين لم يقبل غير التصديق، كما في قوله: ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ (٢) أي بمصدّق، وقوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ (٣) أي لن نصدّقكم.
قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ؛﴾ قرأ الحسن والأعمش وحمزة بالخفض على معنى: أذن خير وأذن رحمة، وقرأ الباقون: «(ورحمة)» بالرفع يعني: هو رحمة، جعل الله النبيّ ﷺ رحمة لهم؛ لأنّهم إنما نالوا الإيمان بدعائه وهدايته. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦١)؛وعيد من الله لهؤلاء المنافقين على مقالتهم. قال ابن عبّاس: (فلمّا نزلت هذه الآية جاءوا إلى النّبيّ ﷺ يحلفون أنّهم لم يقولوا فأنزل الله هذه الآية:
قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ؛﴾ ولم يقل يرضوهما؛ لأنه يكره الجمع بين ذكر اسم الله وذكر اسم رسوله في كناية واحدة، كما روي أنّ رجلا قام خطيبا عند النّبيّ ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال ﷺ : [بئس الخطيب أنت! هلاّ قلت: ومن يعص الله ورسوله؟] (٤).وقال النبيّ ﷺ : [لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله، ثمّ شاء فلان] (٥) فكره الجمع بين الله وبين غيره في الذكر تعظيما لله. والضمير في قوله (يرضوه) إلى الواحد؛ لأنّ رضى الله متضمّن رضى رسوله. وقوله: ﴿إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٦٢)؛إن كانوا مصدّقين بقلوبهم غير منافقين كما يدّعون، فطلبهم رضى الله أولى من طلبهم رضاكم.
стр. 1300
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها؛﴾ معناه: ألم يخبرهم الرسول ﷺ أنه من خالف الله ورسوله في الدّين فيجعل نفسه في حدّ، والله ورسوله في حدّ فله نار جهنّم، ودخلت (أنّ) مؤكّدة وهي إعادة أن الأولى؛ لأنه لما طال الكلام كانت إعادتها أوكد. ومن قرأ بالكسر فهو على الاستئناف. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ (٦٣)؛أي ذلك الهوان الشديد الدائم.
قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ؛﴾ الكثير من المفسّرين على (أنّ) اخبار من المنافقين أنّهم يحذرون أنّ الله نزّل عليهم سورة تخبر عن ما في قلوبهم من النّفاق والشّرك، فإنّ بعض المنافقين كانوا يعلمون نبوّة النبيّ ﷺ ، ولكنهم كانوا يكفرون عند أهل الشّرك عنادا وحسدا، وبعضهم كانوا عند أنفسهم شاكّين غير مستبصرين، وكانوا يخافون إذا أذنبوا ذنبا أن ينزل على النبيّ ﷺ من القرآن ما يكشف عن نفاقهم، وفي الآية ما يدلّ على هذا وهو قوله تعالى: ﴿(مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ)﴾ أي مظهر ما تخافون من ظهور النّفاق، وعن هذا سمّيت هذه السورة (سورة الفاضحة)؛لأنّها فضحت المنافقين، وتسمّى أيضا (الحافرة)؛لأنّها حفرت عن قلوب المنافقين.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ (٦٤)؛ تهديد وإن كان لفظ الأمر، كما في قوله: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ (١)،وذهب الزجّاج إلى أنّ قوله: ﴿(يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ)﴾ لفظة إخبار ومعناه: الأمر كلّه، كأنه قال: ليحذر، وهذا كما قال: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ؛﴾ وذلك أنّ النّبيّ ﷺ بينما هو في مسيره راجع من غزوة تبوك، وثلاثة نفر يسيرون بين يديه، فجعل رجلان يستهزءان برسول الله ويقولون: إنّ محمّدا قال: نزل في أصحابنا الّذين يحلفوا كذا وكذا، والثّالث يضحك ممّا يقولون ولا يتكلّم بشيء.
стр. 1301
فنزل جبريل ﵇ على النّبيّ ﷺ وأخبره بما يقولون، فدعا ﵇ عمّارا وقال:
[إنّهم يتحدّثون بكذا وكذا، ولئن سألتهم ليقولنّ: إنّما كنّا نخوض ونلعب، انطلق إليهم واسألهم عمّا يتحدّثون، وقل لهم: أحرقتم أحرقكم الله] ففعل ذلك عمّار، فجاءوا إلى النّبيّ ﷺ يعتذرون ويقولون: كنّا نخوض ونلعب فيما يخوض فيه الرّكب إذا سار. فأنزل الله هاتين الآيتين.
وعن الحسن وقتادة: (أنّهم كانوا في غزوة تبوك، فقالوا: أيطمع هذا الرّجل أن يفتح له قصور الشّام؟ هيهات ما أبعده عن ذلك! فأطلع نبيّه على ذلك) (١).قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٦٥)؛منه ألف استفهام، معناه: النّيّة لهم على ما كانوا يفعلونه.
وقوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا؛﴾ أي لا تعتذرون عن مقالتكم، ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ؛﴾ أي قد أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان، فإنّهم قطّ لم يكونوا مؤمنين، ولكن كانوا منافقين.
قوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً؛﴾ وفيه قراءتان، هذه بالضّمّ على ما لم يسمّ فاعله، والثانية: «(إن نعف عن طائفة منكم نعذّب طائفة)» بالنصب، قال ابن عبّاس: (معناه: إن يعف عن الرّجل الّذي لم يتكلّم بشيء ولكنّه يضحك وهو مخشيّ بن حميّر (٢)،يعذّب الرّجلان اللّذان كانا يتكلّمان بالهمز) (٣) ﴿بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (٦٦)؛أي كافرين في السّرّ، وكلّ معصية جرم إلاّ أنّه أراد بالجرم ههنا الكفر.
стр. 1302
قوله تعالى: ﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ؛﴾ أي بعضهم مضاف إلى بعضهم لاجتماعهم على الشّرك والاستهزاء بالمسلمين، كما يقال: أنا من فلان وفلان منّي؛ أي أمرنا واحد وكلمتنا واحدة. قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ؛﴾ أي بالكفر والمعاصي، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ؛﴾ أي عن الإيمان والطاعة. وقوله تعالى: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ؛﴾ قال الحسن ومجاهد:
(أي يمسكونها عن النّفقة في الجهاد)،وقيل: عن الزّكوات المفروضة، وقال قتادة:
(عن الخيرات كلّها).
قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ؛﴾ أي تركوا أمر الله وأعرضوا عنه حتى صار كالمنسيّ عندهم بإعراضهم عنه، فتركهم الله من رحمته حتى صاروا كالمنسيّين عنده، وإن كان النّسيان مما لا يجوز على الله إلاّ أنه قال (فنسيهم) لمزاوجة الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ (١)،قال تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ (٢)،وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٦٧)؛أي هم المتمرّدون في الكفر والفسق وفي كلّ شيء، والمتمرّد فيه وإن كان النفاق أعظم من الفسق.
وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها؛﴾ في الآية جمع بين المنافقين وبين الكفّار في التسمية، وإن كان المنافقون هم الكفار؛ لتكون الآية دالّة على أنّ المنافقين يلحقهم الوعيد من جهتين، من جهة الكفر والنّفاق.
وجهنّم من أسماء النار يقول العرب للبئر البعيدة القعر: جهنام، فيجوز أن تكون جهنّم مأخوذة من هذه اللّفظة لبعد قعرها. وقوله تعالى: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ؛﴾ أي كفايتهم على ذنوبهم؛ لأن فيها جزاء أعمالهم. قوله تعالى: ﴿وَلَعَنَهُمُ اللهُ؛﴾ أي أبعدهم من الثواب والمدح في الدّنيا، وعن الثواب والرحمة في الآخرة، ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ (٦٨)؛أي عذاب دائم.
стр. 1303
قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً؛﴾ أي وعد الله أهل زمانكم على الكفر والنّفاق نار جهنّم، كما وعد الذين من قبلكم كانوا أشدّ منكم قوّة في البدن وأكثر أموالا وأولادا، ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ،﴾ فانتفعوا بنصيبهم وحظّهم في الدّنيا، ولم ينفعهم ذلك حين نزل بهم عذاب الله، فكذلك أنتم، والخلاق هو النصيب من الخير.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ؛﴾ أي فاستمتعتم أنتم بنصيبكم من الدّنيا وخضتم فيها، ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا؛﴾ أي خضتم في الكفر والاستهزاء بالمؤمنين كما خاض الأوّلون.
وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ؛﴾ أي أهل هذه الصّفة حبطت أعمالهم التي عملوها على جهة البرّ مثل الإنفاق في وجوه الخير ومثل صلة الرّحم حبطت، ﴿فِي الدُّنْيا؛﴾ حتى لا يستحقّوا بها الإكرام والتعظيم في الدّنيا، و، حبطت في، ﴿وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٦٩)؛الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، والخسران هو ذهاب رأس المال من دون أصله.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ؛﴾ معناه: ألم يأت المنافقين والكفار خبر من قبلهم كيف أهلكهم الله حين تمرّدوا في الكفر، واستهزءوا بالمؤمنين وهم قوم نوح، أهلكهم الله بالغرق، وعاد قوم هود أهلكهم الله بالريح، وثمود أهلكهم الله بالصّيحة والرّجفة وهم قوم صالح، وقوم إبراهيم أهلكهم الله نمرودهم بالبعوض وسائر قومه بالهدم، وأصحاب مدين قوم شعيب أهلكهم الله بالصّيحة وعذاب الظّلّة، ومدين بئر مدين بن إبراهيم نسبت القرية إليه.
قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتِ؛﴾ أي المنقلبات وهي قريات قوم لوط أهلكهم الله بالخسف، وقلب مدائنهم عليهم. ويقال: أراد بالمؤتفكات كلّ من انقلب أمرهم عليهم من الخير إلى الشرّ. يقال: الهالك انقلبت عليه الدّنيا. قوله تعالى:
﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ؛﴾ أي بالحجج والبراهين، ﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٧٠)؛أي لمّا كذبوا الرّسل وكفروا
стр. 1304
بالآيات أهلكهم، ولم يكن ذلك ظلما؛ لأنّهم استحقّوا ذلك بعملهم فكانوا هم الظالمين لأنفسهم.
قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ؛﴾ أي بعضهم أنصار بعض. قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ؛﴾ أي بالتّوحيد واتّباع محمّد ﷺ وشرائعه، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ؛﴾ عن ما لا يعرف في شريعة ولا سنة، ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ؛﴾ الخمس بشرائطها، ﴿وَيُؤْتُونَ؛﴾ ويؤدّون، ﴿الزَّكاةَ؛﴾ الواجبة في أمواله، ﴿وَيُطِيعُونَ اللهَ؛﴾ في الفرائض، ﴿وَرَسُولَهُ؛﴾ في السّنن، ﴿أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ؛﴾ أي ينعم عليهم في الآخرة، والرحمة هي النّعمة على المحتاج.
وعن بعض أهل الإشارة: سيرحمهم في خمسة مواضع: عند الموت وسكراته، وفي القبر وظلماته، وعند قراءة الكتاب وحسراته، وعند الميزان وندامته، وعند الوقوف بين يدي الله ومسئولاته. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٧١) أي غالب في ملكه وسلطانه، تجري أفعاله على ما توجبه الحكمة.
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ أي بساتين تجري من تحت شجرها وغرفها أنهار الماء والعسل والخمر واللّبن، ﴿خالِدِينَ فِيها؛﴾ أي مقيمين دائمين فيها. قوله تعالى: ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ؛﴾ أي مساكنها ظاهرة عامرة يطيب بها العيش، قال الحسن: (هي مساكن بناها الله من اللّئالئ واليواقيت الحمر والزّبرجد الأخضر).
وقوله: ﴿(فِي جَنّاتِ عَدْنٍ)﴾ أي في بساتين إقامة، قال ابن عبّاس: (جنّات عدن في وسط الجنّة، والجنّات حولها محدقة بها وهي معطاة منذ خلقها الله حتّى ينزلها أهلها النّبيّون والصّدّيقون والشّهداء والصّالحون).وعن مجاهد قال: (قال عمر ﵁ وهو على المنبر: هل تدرون ما جنّات عدن؟ قصور في الجنّة من ذهب، لكلّ قصر خمسمائة ألف باب، على كلّ باب نحو خمس وعشرين ألفا من الحور العين، لا يدخلها إلاّ نبيّ، وهنيئا لصاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر رسول الله ﷺ وصدّق، وهنيئا لأبي بكر أو شهيد، وإنّي لعمر الشّهادة).
стр. 1305
قوله تعالى: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ؛﴾ أي رضى الرب عنهم أكبر وأعظم من هذا النعيم كلّه لأنّهم إنّما نالوا ذلك كله برضوان الله ، والرّضوان: إرادة الخير والثواب. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٧٢) أي ذلك الذي ذكرت هو الحياة الوافرة، نجوا من النار وظفروا بالجنّة.
وعن الحسن في قوله تعالى: ﴿(وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ)﴾ أي سرور في الآخرة برضوان الله عنهم يكون أكثر من سرورهم بهذا النّعيم كلّه. وعن رسول الله ﷺ :
[إذا أنزل الله أهل الجنّة منازلهم، قال: ألا أعطيكم ما هو أكبر من هذا كلّه؟ فيقولون: بلى يا رب وما أكبر من ذلك؟ يقول الله تعالى: أحلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا] (١).
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ؛﴾ أي جاهد الكفّار بالسّيف والمنافقين باللّسان، واغلظ على الفريقين جميعا، ﴿وَمَأْواهُمْ،﴾ ومصيرهم في الآخرة، ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٧٣)؛ الموضع الذي يصيرون إليه، وقال الحسن: (معناه جاهد الكفّار بالقتال، والمنافقين بالحدود، فإنّهم كثيرو التّعاطي للأسباب الموجبة للحدود) (٢).
قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت في عبد الله بن أبي والجلاّس بن سويد وعامر ابن النّعمان وغيرهم، كانوا خمسة عشر رجلا، خطب رسول الله ﷺ ذات يوم بتبوك وسمّاهم رجسا، فقال الجلاّس: لئن كان ما يقول محمّد حقّا على إخواننا فنحن شرّ من الحمير، فسمعه عامر بن قيس، فقال: أجل والله إنّ محمّدا لصادق ولأنتم شرّ من الحمير.
стр. 1306
فلمّا رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة أخبره عامر بن قيس بما قال الجلاّس، فقال الجلاّس: يكذب عليّ يا رسول الله! فأمرهما رسول الله أن يحلفان على المنبر، فحلفا جميعا، فرفع عامر بن قيس يده إلى السّماء، فقال: اللهمّ أنزل على نبيّك وبيّن الصّادق، فقال ﷺ : [آمين] فأنزل الله هذه الآية) (١).ومعناها: يحلفان المنافقون بالله ما تكلّموا بكلمة الكفر ولقد تكلّموا بها وأظهروا الكفر بعد إظهارهم الإسلام. وقيل: كفروا بقولهم ذلك بعد ما كانوا أسلموا على زعمهم.
قوله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا؛﴾ أي قصدوا إلى ما لم يصلوا إلى ذلك، والهمّ بالشّيء في اللّغة: مقاربته دون الوقوع فيه، قيل: إنّهم كانوا همّوا بقتل الذي أنكر عليهم قولهم. وقيل: معنى الآية: أنّ رسول الله ﷺ خرج إلى غزوة بني المصطلق، وقد جمعوا له ليقاتلوا، فالتقوا على مائهم فهزمهم الله وسبى رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم ورجع، فلما نزل منزلا في الطريق اختصم رجل من أصحاب عبد الله بن أبيّ ورجل من المخلصين غفّاري يقال له جهجاه، فلطم الغفاريّ صاحب عبد الله بن أبي، فغضب عبد الله وقال: ما صحبنا محمّدا إلاّ لتلطم، ثم نظر إلى أصحابه قال: لقد أمرتكم أن تكفّوا طعامكم عن هذا الرجل ومن معه حتى يتفرّقوا فلم يفعلوا، والله لئن رجعنا الى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، فقال الغفاريّ:
أتقول مثل هذا؟! والله لئن شئت لألطمنّك، قال عبد الله: سمّن كلبك يأكلك! فقال زيد بن أرقم وكان غلاما حديث السنّ: يا عدوّ الله وعدوّ رسوله، أتقول هذا؟! والله لأبلّغنّ رسول الله ما قلت.
ثم انطلق إلى النبيّ ﷺ وأعلمه وعنده عمر ﵁، فقال عمر: يا رسول الله مر عبّاد بن قشّ فيقتله، فقال: [يا عمر إذا يحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه] فبلغ عبد الله بن أبي ما قال زيد بن أرقم، فمشى إلى النبيّ ﷺ ومعه أشراف الأنصار يصدّقونه ويكذّبون زيدا ويقولون: يخشى أن يكون زيد قد وهم، وكان ابن أبيّ يحلف بالله ما قال ذلك، فقال أسيد: يا رسول الله ارفق بعبد الله، فو الله لقد جاء الله
стр. 1307
تعالى بك وإنّ قومه ليتوّجونه، فهو يرى أنّك سلبته ملكا عظيما. فساء رسول الله يومه ذلك حتّى أمسى، وليلته حتّى أصبح ونزل على رسول الله ﷺ في قول ابن أبيّ ﴿(وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا)﴾ ونزل ﴿(لِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ؛﴾ معناه:
وما طعنوا على النبيّ ﷺ وأصحابه إلاّ أن أغناهم الله من فضله وأغناهم رسوله، وذلك أن رسول الله ﷺ قدم إلى المدينة وكان أهلها من شدّة العيش لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغنيمة، فلما قدم النبيّ ﷺ المدينة استغنوا.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ؛﴾ أي إن يتوبوا من النّفاق يكن خيرا لهم في الدّنيا والآخرة، ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ وإن يعرضوا عن التوبة يعذّبهم الله في الدنيا بالقتل، ويقال: بإظهار حالهم في الآخرة بالنار، ﴿وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (٧٤)؛أي وما لهم في الأرض من حافظ يحفظهم، ولا دافع يدفع عنهم عذاب الله، قال ابن عبّاس: (فلمّا نزلت هذه الآية قال الجلاّس بن سويد: يا رسول الله أسمع الله قد عرض عليّ التّوبة، صدق عامر بن قيس فيما قال لك، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه. فقبل منه رسول الله ﷺ ثمّ تاب وحسنت توبته) (٢).
قوله تعالى: ﴿*وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ (٧٥) فَلَمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٧٦)؛ قال ابن عبّاس: (معناه: ومن المنافقين من عاهد الله وهو ثعلبة بن حاطب، كان له مال بالشّام فأبطئ عليه، فجهد لذلك جهدا شديدا، فحلف بالله لئن آتانا من فضله يعني المال الّذي له بالشّام لنصّدّقنّ منه، ولنصلنّ الرّحم ولنؤدّينّ من حقّ الله، ولنكوننّ من المقيمين لفرائض الله، فآتاه الله المال الّذي كان له بالشّام، فبخل بما وعد ولم يفعل ما عاهد الله عليه) (٣).
стр. 1308
وعن أبي أمامة الباهلي: أنّ ثعلبة بن حاطب جاء إلى رسول الله فقال له: يا رسول الله أدع الله أن يرزقني مالا، فقال له: [ويحك يا ثعلبة! قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه] ثمّ رجع إلى النّبيّ ﷺ فقال: أدع الله أن يرزقني مالا، فقال:
[ويحك يا ثعلبة! أما ترضى أن يكون لك مثل نبيّ الله] فقال: يا رسول الله ﷺ لو سألت الله أن يسيّل على الجبال ذهبا وفضّة لسالت، يا رسول الله أدع الله أن يرزقني مالا، فو الله لئن آتاني الله مالا لأوتينّ كلّ ذي حقّ حقّه، فقال ﷺ : [اللهمّ ارزق ثعلبة مالا] ثلاث مرّات.
فاتّخذ غنما فنمت حتّى ضاقت بها أزقّة المدينة فتنحّى بها، وكان يشهد الصّلوات مع رسول الله ثمّ يخرج إليها، ثمّ نمت حتّى تعذرت بها مرامي المدينة فتنحّى بها، وكان يشهد الجمع مع رسول الله، ثمّ يخرج إليها، ثمّ نمت فترك الجمع والجماعات، فلمّا نزل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ (١) استعمل النّبيّ ﷺ رجلين على الصّدقات، رجلا من الأنصار ورجلا من بني سليم، وكتب لهما الصّدقة وأسنانها وأمرهما أن يأخذا من النّاس، فأتيا ثعلبة، قال لهما: خذا من النّاس فإذا فرغتما فمرّا عليّ، ففعلا فقال: ما هذه إلاّ أخذ الجزية! فانطلقا إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله هذه الآية.
فركب عمر راحلته، ومضى إلى ثعلبة، وقال: ويحك يا ثعلبة! هلكت قد أنزل الله فيك كذا وكذا، فأقبل ثعلبة يبكي ويحثو التّراب على رأسه ويقول: يا رسول الله هذه صدقتي، فلم يقبل النّبيّ ﷺ صدقته حتّى قبض، ثمّ أتى إلى أبي بكر ﵁ فلم يقبل صدقته، ثمّ أتى عمر ﵁ فلم يقبل صدقته، فمات في خلافة عثمان ولم يقبل منه عثمان صدقته (٢).
стр. 1309
قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٧٧)؛أي أعقبهم ببخلهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم جزاء البخل. وقيل: معناه: فجازاهم ببخلهم نفاقا في قلوبهم بما أخلفوا الله؛ أي بإخلافهم بما وعدوا من التصدّق وكذبهم فيما قالوا. وقال الحسن: (معناه: أورثهم الله النّفاق في قلوبهم بأن حرمهم التّوبة كما حرم إبليس).قالوا: وإنّما أراد الله بهذا بأنّ الله تعالى دلّنا على أنه لا يتوب، كما دلّنا حال إبليس لأنه لا يتوب؛ لأن الله سلب عنه قدرة التوبة.
قوله تعالى: ﴿(إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ)﴾ معناه على قول الحسن وقتادة: (إلى يوم يلقون الله) أي يلقون اليوم الذي لا يملك فيه الحكم والضرّ والنفع إلا الله، وفي هذه الآية دلالة على أن من نذر نذرا فيه قربة يجوز أن يقول: إن رزقني الله ألف درهم فعليّ أن أتصدّق بخمسمائة لزمه الوفاء به، وفيها دلالة جواز تعليق النذر بالشّرط نحو أن يقول:
إن قدم فلان فلله عليّ صيام وصدقة، وإن ملكت عبدا، أو هذا العبد فعليّ أن أعتقه، وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صلّى وصام: من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر] (١).
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ (٧٨)؛ألم يعلم المنافقون أنّ الله يعلم ما يسرّون من الكفر، وما يناجون فيه فيما بينهم، وأنّ الله عالم بكلّ شيء خفيّ على العباد، وهذا استفهام بمعنى التوبيخ.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ النّبيّ ﷺ خطب ذات يوم حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك يحثّ النّاس على الصّدقة، وقال:
стр. 1310
[اجمعوا صدقاتكم] فجاء عبد الرّحمن بن عوف ﵁ بأربعة آلاف درهم إلى رسول الله ﷺ فقال: [أكثرت! هل تركت لأهلك شيئا؟] قال: يا رسول الله كان لي ثمانية آلاف، فأمسكت أربعة لنفسي وعيالي وهذه أربعة آلاف لأقرضها ربي، فقال ﷺ [بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت] فبارك له حتّى بلغ ماله حين مات، وطلّق إحدى نسائه في مرضه وصالحوها عن ربع ثمنها على ثمانين ألفا.
وبعده جاء عمر ﵁ بنحو من ذلك، وجاء عثمان ﵁ وصدقته، وجاء عاصم ابن عديّ الأنصاريّ بسبعين وسق من تمر، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر وقال: يا رسول الله ليلتي كلّها أجرّ بالحرير حتّى أصبت ثلث صاعين، أمّا أحدهما فأمسكته لعيالي، وأمّا الآخر فأقرضه ربي، فأمره رسول الله ﷺ أن يشدّه في الصّدقة. فطعن فيهم المنافقون وقالوا: والله ما جاء هؤلاء بصدقاتهم إلاّ رياء وسمعة، وقالوا في أبي عقيل: إنّه جاء ليذكّر بنفسه ويعطى من الصّدقة أكثر ممّا جاء به، وإنّ الله أغنى عن صاع أبي عقيل، فأنزل الله هذه الآية) (١).ومعناها: الذين يعيبون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات وهم المنافقون عابوا عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ﵃.
قوله تعالى: ﴿(وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ)﴾ أي ويعيبون على الذين لا يجدون إلاّ جهدهم؛ أي طاقتهم من الصّدقات، عابوا المكثر بالرّياء، والمقلّ بالإقلال. والجهد بالضمّ والنصب لغتان بمعنى واحد، ويقال: الجهد بالنصب المشقّة، والجهد بالضمّ الطاقة، وقيل: الجهد بالعمل والجهد في القوّة، قرأ عطاء والأعرج «(جهدهم)» وهما لغتان مثل الوجد والوجد، فالضمّ لغة أهل الحجاز، والفتح لغة أهل نجد. قوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ؛﴾ أي يستهزءون بهم، ﴿سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ؛﴾ أي يجازيهم جزاء سخرتهم، ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧٩)؛أي وجيع.
стр. 1311
قوله تعالى ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ؛﴾ وذلك لمّا نزلت هذه الآية التي قبل هذه أتى المنافقون إلى رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله استغفر لنا، فكان ﵇ يستغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم من غير علم منه بنفاقهم، وكان إذا مات أحد منهم يسألون رسول الله الدّعاء والاستغفار لميّتهم، فكان يستغفر لهم على أنّهم مسلمون، فأعلمه الله بأنّهم منافقون، وأخبر أنّ استغفار النّبيّ ﷺ لا ينفعهم، فذلك قوله: ﴿(اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ)﴾ وهذه اللفظة لفظة الأمر، ومعناه الخبر؛ أي إن شئت استغفرت لهم، وإن شئت لا تستغفر، فإنّك إن استغفرت لهم سبعين مرّة لن يغفر الله.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ؛﴾ في بيان العلّة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول ﷺ . قوله تعالى: ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ (٨٠)؛أي لا يوفّقهم ولا يرشدهم إلى جنّته وثوابه وكرامته، وأما تخصيص (سبعين مرّة) بالذكر فهو لتأكيد نفي المغفرة بهذا؛ لأن الشيء إذا بولغ في وصفه أكّد بالسّبع والسبعين، وهذه كما يقول القائل: لو سألتني حاجتك سبعين مرّة لم أقضها، لا يريد أنه إذا أزاد على السّبعين قضى حاجته، وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال:
[لو علمت أنّي لو زدت على السّبعين لغفر لهم لزدت عليها] (١).
قوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ؛﴾ أي فرح المخلّفون عن غزوة تبوك بقعودهم لمخالفة رسول الله ﷺ ، وقيل بقعودهم عن الجهاد بعد النبيّ ﷺ ، وقرأ عمرو بن ميمون «(خلف رسول الله)» والمخلّف ما يترك الإنسان خلفه، والمتخلّف الذي يتأخّر بنفسه، والخلاف قد يكون بمعنى المخالفة، وقد يكون بمعنى خلف، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٢)،ويقرأ خلافك على المعنيين. قوله تعالى: ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ؛﴾ أي كرهوا أن يقاتلوا المشركين مع رسول الله ﷺ بأموالهم وأنفسهم.
стр. 1312
قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ؛﴾ أي قال بعضهم: لا تخرجوا فإن الحرّ شديد والسفر بعيد، وكانوا يدعون إلى غزوة تبوك في وقت نضج الرّطب وهو أشدّ ما يكون من الحرّ. قوله تعالى: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا؛﴾ أي قل لهم نار جهنّم التي استحقّوها بترك الخروج الى الجهاد أشدّ حرّا من هذا الحرّ. قوله تعالى:
﴿لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (٨١)؛أي لو كانوا يفقهون أوامر الله ووعده ووعيده.
قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٨٢) أي فليضحكوا قليلا لأنّ ذلك لا يبقى، وليبكوا كثيرا في الآخرة في النار، وهذا اللفظ أمر، ومعناه الخبر. وقيل: تقديره: فليضحكوا قليلا فيبكون كثيرا، قال أبو موسى الأشعري: (إنّ أهل النّار ليبكون الدّموع في النّار حتّى لو جريت السّفن في دموعهم لجرت، ثمّ إنّهم ليبكون الدّم بعد الدّموع).
قال ابن عبّاس: (إنّ أهل النّفاق ليبكون في النّار عمر الدّنيا، فلا يرقّ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم)،قال ﷺ : [يرسل الله البكاء على أهل النّار فيبكون حتّى تنقطع الدّموع، ثمّ يبكون الدّم حتّى يرى وجوههم كهيئة الأخدود]،وقال النبيّ ﷺ : [لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا] (١).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا؛﴾ معناه: إن رجعك الله من تبوك، إلى طائفة من المنافقين بالمدينة فاستأذنوك للخروج معك الى غزوة أخرى فقل: لن تخرجوا معي أبدا إلى الجهاد، ولن تقاتلوا معي عدوّا، ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ؛﴾ أي في غزوة تبوك، ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ﴾ (٨٣)؛أي مع النّساء والصبيان، هذا قول الحسن.
والخالف الذي يبقى بعد الشّاخص، وقيل: هو الذي يبقى لنقص يكون فيه.
وعن ابن عبّاس أن معنى الخالفين: (المتخلّفين بغير عذر)،وقيل: إنّ هذا مأخوذ من قولهم خلف اللّبن إذا فسد، والخالف الفاسد، وقيل الخالفون خساس الناس
стр. 1313
وأدنياؤهم، ويقال فلان خالفه أهله إذا كان دونهم، وقيل: مع الخالفين أي أهل الفساد من قولهم ينبذ خالف أي فاسد، وخلف اللبن خلوفا إذا حمض من طول وضعه في السقاء، وخلف فم الصّائم اذا تغيّرت رائحته. وقرأ مالك بن دينار «(مع الخلفين)» بغير ألف، وقال الفرّاء: يقال عبد خالف وصاحب خالف إذا كان مخالفا.
قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ؛﴾ أي لا تصلّ على أحد مات من المنافقين أبدا، ولا تقم على قبر أحد منهم لتدفنه وتدعو له، ﴿بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ؛﴾ وجحدوا بالله ورسوله بقلوبهم، وماتوا على الكفر والنفاق، وقال ابن عبّاس: (لمّا مرض عبد الله بن أبي سلول بعث إلى رسول الله ﷺ ليأتيه فلمّا دخل عليه طلب منه أن يصلّي عليه إذا مات، وأن يقوم على قبره، وأن يكفّنه في قميصه الّذي يلي جلده، فقبل منه النّبيّ ﷺ ، فلمّا مات عبد الله انطلق ابنه إلى رسول الله ﷺ ودعاه إلى جنازة أبيه، فقال له رسول الله ﷺ : [ما اسمك؟] قال: الحبّاب بن عبد الله، فقال رسول الله ﷺ : [أنت عبد الله بن عبد الله، إنّ الحبّاب هو الشّيطان].
ثمّ انطلق رسول الله ﷺ معه، فلمّا قام ﷺ ليصلّي عليه، قال عمر ﵁: يا رسول الله أتصلّي على عدوّ الله القائل يوم كذا وكذا؟! فقال: [دعني يا عمر] فعاد عمر لمقالته، فقال ﷺ : [دعني يا عمر] فعاد لمقالته الثّالثة، فقال: [قد خيّرت في ذلك، ولو علمت أنّي إذا استغفرت له أكثر من سبعين مرّة غفر له لفعلت] وقال:
[تأخّر عنّي يا عمر] قال عمر: فعجبت من جرأتي على رسول الله ﷺ فأنزل الله ﴿(وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً)﴾ يعني بعد ما صلّيت على عبد الله بن أبي.
وروي أنّ عبد الله بن أبيّ لمّا حضرته الوفاة بعث إلى النّبيّ ﷺ يسأله أحد ثوبيه يكفّن فيه، فبعث إليه بأحدهما، فقال: ما أريد إلاّ الّذي يلي جلدك من ثيابك، فوجّه إليه بذلك، فقيل له في ذلك، فقال ﷺ : [إنّ قميصي لن يغني عنك من الله شيئا، وعسى أن يسلم بسبب هذا القميص خلق كثير] فأسلم ألف من الخوارج! لمّا
стр. 1314
رأوه يطلب الاستشفاع بثوب رسول الله ﷺ (١).
قال ابن عبّاس: (الله أعلم أيّ صلاة كانت تلك وما خادع رسول الله ﷺ إنسانا قطّ)،وقال مقاتل: (إنّ النّبيّ ﷺ أراد أن لا يصلّي على عبد الله بن أبيّ، جاء إليه ابنه فقال: أنشدك بالله أن لا تشمّت بي الأعداء، وكان ابنه مؤمنا حقّا، فأنزل الله هذه الآية، فانصرف النّبيّ ﷺ ولم يصلّ عليه).وعن رسول الله ﷺ : أراد أن يصلّي عليه فأخذ جبريل بثوبه، فقال: ﴿(وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ﴾ (٨٤)؛أي ماتوا على الكفر والنفاق، فلمّا نزلت هذه الآية ما صلّى رسول الله ﷺ بعدها على منافق ولا قام على قبره حتى قبض، وكلّم رسول الله ﷺ في ما فعل بعبد الله بن أبي، فقال: [وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله، والله إنّي كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه] (٢).
قوله تعالى: ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ؛﴾ أي لا تعجبك كثرة أموالهم وأولادهم في الدّنيا، إنما يريد الله أن يعذّبهم بها، ويخرج أرواحهم بصعوبة، ﴿وَهُمْ كافِرُونَ﴾ (٨٥)؛هذا على التقديم والتأخير في الآية على ما تقدّم ذكره، فأما التأويل على نظم الآية، فمعناه: إنما يريد الله أن يعذّبهم بها في الدّنيا بالتشديد عليهم في التكليف بالإنفاق والأمر بالجهاد.
فإن قيل: لم أعاد قوله ﴿(وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ)؟﴾ قيل: فيه قولان:
أحدهما بشدّة التحذير عن الاغترار بالأموال والأولاد، والثاني: أنه أراد بالأول قوما من المنافقين، وأراد بالثاني قوما آخرين منهم، كما يقال: لا تعجبك أموال زيد وأولاده، ولا تعجبك أموال عمرو وأولاده.
стр. 1315
قوله تعالى: ﴿وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ؛﴾ أي إذا أنزلت من القرآن قطعة مشتملة على آيات أحاطت بها أن آمنوا بالله أي صدّقوا وداوموا على الإيمان وجاهدوا الكفار مع رسول الله ﷺ استأذنك في القعود عن الجهاد ذوو السّعة والغنى منهم، ﴿وَقالُوا ذَرْنا؛﴾ دعنا واذن لنا، ﴿نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ (٨٦)؛عن الجهاد. والطّول في الحقيقة هو الفضل الذي يتمكّن به من مطاولة الأعداء.
قوله تعالى: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ؛﴾ أي رضي المنافقون بأن يكونوا في تخلّفهم عن الجهاد مع النساء المتخلّفات في الحيّ بعد غزوة أزواجهنّ. قوله تعالى: ﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٨٧)؛يعني الطبع في اللغة جعل الشيء كالطّابع نحو طبع الدّينار والدرهم، ويجوز أن يكون الطبع على القلب علامة يقفل الله بها قلب الكافر المعاند ليعلم من يطّلع عليه من الملائكة أنه لا يجتهد في طلب الحقّ، فهم لا يفقهون أوامر الله ونواهيه.
قوله تعالى: ﴿لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ؛﴾ لكن الرسول محمّد ﷺ والذين آمنوا معه، وهم أهل اليقين من الصحابة، جاهدوا بأموالهم وأنفسهم على ضدّ ما فعل المنافقون.
قوله تعالى: ﴿وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ؛﴾ يجوز أن يكون معناه: أولئك لهم الحسنات المقبولات، فإن الخيرات منافع تسكن النفس إليها، ويجوز أن يكون معناه: الزّوجات الحسنات في الجنّة، كما قال الله فيهن ﴿خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ (١) واحدة الخيرات خيرة، وهي الفاضلة في كلّ شيء، قوله تعالى: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٨٨)؛أي الظّافرون بالمراد.
قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ أي أعدّ الله لهم في الجنّة بساتين تجري من تحتها وشجرها ومساكنها الأنهار. قوله تعالى:
﴿خالِدِينَ فِيها؛﴾ أي مقيمين دائمين فيها لا يموتون ولا يخرجون منها، ﴿ذلِكَ﴾
стр. 1316
﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٨٩)؛أي هو النجاة الوافرة، فازوا بالجنّة ونعيمها، ونجوا من النار وجحيمها.
قوله تعالى: ﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ؛﴾ قرأ ابن عبّاس والضحاك ومجاهد: «(المعذرون)» بالتخفيف وهم الذين اعتذروا؛ أي جاءوا بالعذر، وأمرهم رسول الله بالتخلّف بعذرهم وهم من المخلّفين، وقيل: المعذرون بالتخفيف المبالغون في العذر، كان ﷺ يقول: [لعن الله المعذّرون] (١) بالتشديد يعني الذين يقبلون في التخلّف بلا علّة يوهمون أنّ لهم عذرا، ولا عذر لهم، والتعذير التقصير في الشيء مع طلب العذر.
وأما القراءة المشهورة «(المعذّرون)» بالتشديد فمعناها ما تقدّم يعني المقصّرين، قال الفرّاء: (أصله المعتذرون، فأدغمت التّاء في الذال وثقّلت حركة التّاء إلى العين) (٢).
قوله تعالى: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ؛﴾ قرأ العامّة «(كذبوا)» مخففا يعني المنافقين قعدت طائفة منهم من دون أن يعتذروا، وقرأ أبي والحسن: «(كذبوا)» بالتشديد، وقوله تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٩٠)؛ يجوز أن تكون الفائدة في دخول (من) بيان أنّ منهم من يسلم، ومنهم من يموت على كفره ونفاقه.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ؛﴾ أي ليس على المرضى والشّيوخ الكبار، ولا على المرضى الذين لا يقدرون على الخروج إلى الجهاد، ولا على الذين لا يكون عندهم نفقة ينفقونها في الجهاد وهم الفقراء، ليس عليهم مأثم في القعود عن ذلك إذا كان قعودهم على وجه النّصح لله ورسوله، وهو إن سعوا في
стр. 1317
إصلاح ذات البين وما يرجع على الجهاد، ولا يكون قعودهم للتثريب على المسلمين وإفساد شيء من أمرهم. والنّصح: إخراج الغشّ عن العمل. قوله تعالى: ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ؛﴾ أي ما على المطيعين الموحّدين من سبيل في العقاب، ﴿وَاللهُ غَفُورٌ؛﴾ لذنوبهم، ﴿رَحِيمٌ﴾ (٩١)؛إذ أرخص لهم في القعود بالعذر.
قوله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ؛﴾ أي وليس على الذين إذا ما أتوك لتحملهم إلى الجهاد بالنّفقة، ﴿قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ،﴾ فهؤلاء ليس عليهم حرج في القعود عن الجهاد، قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في سالم بن عمير وعبد الرّحمن بن كعب وعمرو بن الحضرميّ وعبيد الله ابن كعب وعبد بن مغفّل ومعقل بن يسار وصخر بن سلمة الّذي كان وقع على امرأته في رمضان، فأمره النّبيّ ﷺ أن يكفّر، ونفر من بني مزينة من أهل الحاجة، أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا نبيّ الله قد ندبنا للخروج معك، فاحملنا لنغزو معك، ولم يكن عند رسول الله ﷺ ما يحملهم عليه، فقال لهم: [لا أجد ما أحملكم عليه] فتولّوا وهم يبكون) (١) فذلك قوله تعالى: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ (٩٢)؛وقال الحسن: (نزلت في أبي موسى الأشعريّ وجماعة من الأشعريّين).
قوله تعالى: ﴿*إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ﴾ معناه: إنّما السبيل في العقاب على الذين يستأذنونك في القعود عنك وهم أغنياء، ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ؛﴾ أي مع النّساء، ﴿وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ؛﴾ مجازاة لهم على فعلهم، ﴿فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٩٣)؛أوامر الله .
стр. 1318
قوله: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ؛﴾ أي يعتذر المنافقون إليكم إذا انصرفتم إليهم من هذه الحرب في قعودهم على الجهاد، ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا؛﴾ فإنه (١) بصير بكم وهو الله تعالى، ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ؛﴾ لن نصدّقكم، ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ؛﴾ قد أخبرنا الله من أسراركم أنه ليس لكم عذر، ﴿وَسَيَرَى اللهُ؛﴾ أي يظهر، ﴿عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ؛﴾ في الآخرة، ﴿إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ؛﴾ ما غاب عن العباد، وما عمله العباد فيجزيكم، ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٩٤)؛من الخير والشرّ.
قوله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ؛﴾ أي سيحلف المنافقون بالله في ما يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم لتعرضوا عنهم، ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ؛﴾ فلا تعاقبوهم على جهة الهوان لهم، ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ؛﴾ أي هم النّتن الذي يجب الاجتناب عنه فاجتنبوهم، ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ؛﴾ ومصيرهم جهنّم، ﴿جَزاءً؛﴾ لهم على فعلهم ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٩٥).
قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ؛﴾ أي يحلفون لكم في الاعتذار لترضوا عنهم أنتم من دون أن يطلبوا رضى الله، ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ فإن أنت رضيت يا محمّد والمؤمنون بحلفهم الكاذب، ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ (٩٦)؛أي عن الخارجين عن طاعة الله.
قوله تعالى: ﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً؛﴾ أراد بالأعراب أسدا وغطفان، بيّن الله أنّهم في كفرهم ونفاقهم أشدّ من منافقي أهل المدينة. وقيل: معناه:
أهل البدو أشدّ كفرا ونفاقا من أهل الحضر. قوله تعالى: ﴿وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٩٧)؛أي أحرى وأولى ألاّ يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله؛ لأنّهم أبعد من سماع التّنزيل وإنذار الرسول ﷺ ، ولهذا قيل: إن من بعد من الأمصار ونأى من حضرة العلماء كان أجهل بالأحكام والسّنن ممن جالسهم ويسمع منهم، ولهذا لا إمامة لأعرابيّ في الصلاة.
стр. 1319
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ معناه: ومن الأعراب من يتّخذ ما ينفق في الجهاد يحسبه غرما، ولا يحتسب فيه الأجر ولا يرجو الثواب به، إنما ينفق خوفا أو رياء، وينتظر بكم الموت والهلاك، ودوائر الزّمان وصروفه، يعني أنّهم ينتظرون أن ينقلب الزمان عليكم بموت رسول الله ﷺ وظهور المشركين. قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ؛﴾ أي عاقبة السّوء والهلاك، وإنما ينتظرون بكم ما نزل بهم، والسّوء بفتح السّين المصدر، وبالضّمّ الاسم، وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٩٨)؛ظاهر المراد.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛﴾ معناه:
من الأعراب من يصدّق بالله واليوم الآخر في السرّ والعلانية، قيل: إنّ المراد من هذه الآية أسلم وغفّار.
قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ﴾ أي يتخذ نفقته في الجهاد تقرّبا إلى الله تعالى في طلب المنزلة عنده والثواب، وقوله تعالى: ﴿وَصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ أي يطلب بذلك دعاء الرسول ﷺ بالمغفرة وصلاح الدّنيا والآخرة، كما يطلب المنزلة عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ؛﴾ هذه كلمة تنبيه؛ أي سيقرّبهم الله بهذا الإنفاق إذا فعلوه. قوله تعالى: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ؛﴾ أي في حسنته وثوابه، ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ؛﴾ لذنوب العباد، ﴿رَحِيمٌ﴾ (٩٩)؛لمن تاب وأطاع.
قوله تعالى: ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ؛﴾ أراد بالسّابقين الذين سبقوا إلى الإيمان، وهم الذين صلّوا إلى القبلتين وشهدوا بدرا، وقال الشعبيّ: (هم الّذين بايعوا بيعة الرّضوان بالحديبية)،وقيل: هم الذين أنفقوا قبل الهجرة، كما قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ﴾ (١).
стр. 1320
وإنّما مدح السابقين لأن السابق إمام للتالي، وقوله تعالى: ﴿(وَالْأَنْصارِ)﴾ عطف على المهاجرين، وقرأ بعضهم «(والأنصار)» بالرفع عطفا على السّابقين، وعن عمر ﵁:
«(والأنصار الّذين اتّبعوهم)» بغير الواو (١)،وسمع رجلا قرأ «(والّذين)» بالواو فقال:
(من أقرأك هذه الآية؟ قال: أبيّ بن كعب، قال: لا تفارقني حتّى أذهب بك إليه، فلمّا أتاه قال له: يا أبيّ أقرأته هذه الآية؟ قال: نعم، قال عمر ﵁: كنت أظنّ أنّا ارتفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدها، فقال أبيّ: تصديق هذه الآية أوّل سورة الجمعة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ (٢) وأوسط سورة الحشر ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٣)) (٤).
وقوله تعالى: ﴿(بِإِحْسانٍ)﴾ والإحسان هو فعل الحسن. قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ؛﴾ أي ﵃ بإحسانهم، ورضوا عنه بالثّواب والكرامة. قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٠٠)؛في هذا الموضع بغير (من) إلا ابن كثير فانه يقرأ «(من تحتها)».
قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ؛﴾ أي ومن حول مدينتكم من الأعراب منافقون، قيل: إنّهم مزينة وجهينة. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛﴾ أي ومن أهل مدينتكم منافقون. قوله تعالى: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ﴾ أي أقاموا وثبتوا على النفاق، ﴿لا تَعْلَمُهُمْ؛﴾ يا محمّد بأعيانهم، ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ؛﴾ ونعلم نفاقهم، ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ؛﴾ أراد العذاب الأول الفضيحة والإخراج من المسجد، والعذاب الثاني عذاب القبر.
روي أنّ النّبيّ ﷺ قام خطيبا يوم الجمعة، فقال: [يا فلان أخرج فإنّك منافق، يا فلان أخرج فإنّك منافق] فأخرجهم بأسمائهم. وكان عمر ﵁ لم يشهد الجمعة
стр. 1321
لحاجة له، فلقيهم وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ عنهم استحياء؛ لأنّه لم يشهد الجمعة، وظنّ النّاس قد انصرفوا، واختبئوا هم عن عمر ﵁ وظنّوا أن قد علم بأمرهم. فدخل عمر المسجد وإذا هو بالنّاس لم يصلّوا، فقال له رجل: يا عمر قد فضح الله المنافقين.
وقال الحسن: (أراد بالعذاب الأوّل السّبي والقتل، وبالثّاني عذاب القبر) (١)، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ (١٠١)؛أراد به عذاب جهنّم.
قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً؛﴾ أي في المدينة قوم آخرون أقرّوا بذنوبهم، خلطوا عملا صالحا بعمل سيء؛ أي تخلّفوا عن الغزو ثم تابوا، ويقال: خرجوا إلى الجهاد مرّة وتخلّفوا مرة، فجمعوا بين العمل الصالح والعمل السيّئ، كما يقال: خلط الدنانير والدراهم؛ أي جمعها، وخلط الماء واللّبن؛ أي أحدهما بالآخر.
وقوله تعالى: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ؛﴾ أي يتجاوز عنهم، ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ؛﴾ لما سلف من ذنوبهم ﴿رَحِيمٌ﴾ (١٠٢)؛بهم إذ قبل توبتهم. وإنما ذكر لفظ (عسى)؛ليكون الإنسان بين الطمع والإشفاق، فيكون أبعد من الاتّكال والإهمال.
قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في لبابة بن المنذر وأوس بن ثعلبة ووديعة ابن حذام وغيرهم، وكانوا عشرة أنفس، تخلّفوا عن غزوة تبوك، فلمّا بلغهم ما أنزل الله عن المتخلّفين ندموا على صنيعهم، فربط سبعة منهم أنفسهم على سواري المسجد، وأقسموا أن لا يحلّوا أنفسهم حتّى يكون الرّسول ﷺ الّذي يحلّهم، وكانوا لا يخرجون إلاّ لحاجة لا بدّ لهم منها.
стр. 1322
وكانوا على ذلك حتّى قدم ﷺ المدينة فأخبر بأمرهم، فقال ﷺ : [وأنا لا أحلّهم حتّى اؤمر بهم] فنزلت هذه الآية فعرف النّبيّ ﷺ أنّ (عسى) من الله واجبة، وأمر بحلّهم وانطلقوا إليه، وقالوا: هذه أموالنا الّتي خلّفتنا عنك، فخذها فتصدّق بها عنّا، فقال ﷺ : [ما أمرت فيها بشيء] (١) فأنزل الله تعالى:
قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها؛﴾ ظاهر الآية يقتضي رجوع الكناية في قوله: ﴿(خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ)﴾ أي المذكورين، وقيل: وهم الذين اعترفوا بذنوبهم، إلاّ أنّ كلّ حكم حكم الله ورسوله في شخص من عباده، فذلك الحكم لازم في سائر الأشخاص، إلاّ ما قام دليل التخصيص به.
وقيل: قوله تعالى: ﴿(خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً)﴾ ابتداء ذكر لجميع المسلمين لدلالة الحال على ذلك وإن لم يتقدّم ذكر المسلمين كقوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٢) يعني القرآن. ومعنى الآية: تطهّرهم عن الذنوب وتزكّيهم بها؛ أي تصلح أعمالهم. وقيل: معناه: تطهّرهم أنت بها من دنس الذّنوب.
قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ؛﴾ أي استغفر لهم وادع لهم، ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ؛﴾ أي إنّ دعاءك واستغفارك طمأنينة، ﴿لَهُمْ؛﴾ في أنّ الله يقبّل توبتهم، ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ؛﴾ بمقالتهم، ﴿عَلِيمٌ﴾ (١٠٣)؛بنيّاتهم وثوابهم.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ؛﴾ استفهام بمعنى التّنبيه، وقبول التوبة إيجاب الثواب عليها، وقوله تعالى ﴿(وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ)﴾ أراد به أخذ النبيّ ﷺ والأئمّة بعده؛ لأن أخذهم لا يكون إلاّ بأمر الله، وكأنّ الله هو الآخذ، ﴿وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ؛﴾ أي المتجاوز عن من تاب، ﴿الرَّحِيمُ﴾ (١٠٤)؛عن من مات على التوبة.
قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ؛﴾ أي اعملوا عمل من يعلم أنّ الله يرى عمله ويتجاوز به، ظاهر المعنى. قوله تعالى:
стр. 1323
﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٠٥)؛ ظاهر المعنى.
قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ معناه: من أهل المدينة قوم آخرون مرجون لأمر الله إمّا يعذّبهم بتخلّفهم عن الجهاد، وإمّا يتجاوز عنهم بتوبتهم عن الذنوب، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ؛﴾ بهم ﴿حَكِيمٌ﴾ (١٠٦) يحكم في أمرهم ما يشاء. و (إمّا) في الكلام بوقوع أحد الشّيئين، والله تعالى عالم بما يصير إليه أمرهم، إلاّ أنّ هؤلاء العباد خوطبوا بما يتفاهمون فيما بينهم ليكون أمرهم عندكم على هذا، أي على الخوف.
قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في الثّلاثة الّذين خلّفوا وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الرّبيع العمريّ، وهلال بن أميّة الواقفيّ، وهم من الأنصار تخلّفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، قال كعب بن مالك: أنا أفره أهل المدينة جملا فمتى ما شئت لحقت رسول الله ﷺ وأقام حتّى مضت عليهم ثلاثة أيّام ثمّ آيس أن يلحقهم وندم على صنيعه، وأقام صاحباه معه، وندما لكن لم يفعلا ما فعله أبو لبابة وأوس ووديعة.
ففقدهم رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية، ونهى النّاس عن أن يجالسوهم أو يواكلوهم أو يشاربوهم، وأرسل إليهم أن اعتزلوا نساءكم، وأرسل إلى أهليهنّ، فجاءت امرأة هلال فقالت: إنّ هلالا شيخ كبير وإن لم آته بطعام هلك، فقال ﷺ :
[وإيّاك أن يقربك] قال كعب: فمررت على أبي قتادة فسلّمت عليه ولم يردّ عليّ السّلام، وكلّمته فأبى أن يكلّمني، فاستعبرت وقلت: أما والله إنّك لتعلم أنّي أحبّ الله ورسوله. قال: الله ورسوله أعلم. فمضى على هذا خمسون يوما، فلمّا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت أنزل الله (هو التّوّاب الرّحيم) (١).
стр. 1324
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ سبعة عشر رجلا من المنافقين من بني عمرو بن عوف قالوا فيما بينهم: تعالوا نبني مسجدا يكون متحدّثنا ومجمع رأينا بأن تأتوا إلى رسول الله وتستأذنوه أن نبني مسجدا لذوي العلّة واللّيلة المطيرة. فأذن لهم فبنوا مسجدا، وكان يؤمّهم في ذلك المسجد مجمع بن الحارثة، وكان قارئا للقرآن فأنزل الله هذه الآية) (١).ومعناها:
والذين اتّخذوا مسجدا للضّرار والكفر والتفريق بين المؤمنين.
قوله تعالى: ﴿(وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ)﴾ أي وانتصارا لمن حارب الله ورسوله، وهو أبو عامر الراهب كان حارب النبيّ ﷺ قبل بناء هذا المسجد، ومضى إلى هرقل ملك الرّوم يستعين به على النبيّ ﷺ وأصحابه، فسماه رسول الله ﷺ فاسقا، قال: [لا تسمّوه الرّاهب]،ودعا عليه رسول الله ﷺ فمات كافرا بقنسرين موضع بالشّام (٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى؛﴾ معناه: ليحلف المنافقون أنّا لم نرد ببناء هذا المسجد إلا الخير، وهم كذبة في حلفهم لقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (١٠٧)؛ما بنوه للخير.
روي أنّ النّبيّ ﷺ لمّا قدم المدينة مهاجرا أقبل إليه أبو عامر هذا المذكور فقال له: ما هذا الّذي جئت به؟ قال: [الحنيفيّة دين إبراهيم ﵇] قال أبو عامر: وأنا عليها، فقال النّبيّ ﷺ : [فإنّك لست عليها] قال: بلى؛ ولكنّك أدخلت في الحنيفيّة ما ليس منها، فقال النّبيّ ﷺ : [ما فعلت ذلك، ولكن جئت بها بيضاء نقيّة] فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منّا طريدا وحيدا غريبا، فقال ﷺ : [آمين] فسمّاه أبو عامر الفاسق.
стр. 1325
فلم يزل أبو عامر كذلك إلى أن هزمت هوازن، فخرج هاربا إلى الشّام فأرسل إلى المنافقين أن استعدّوا بما استطعتم من قوّة وسلاح وابنوا لي مسجدا، فإنّي ذاهب إلى قيصر ملك الرّوم، وآت بجند من الرّوم وأخرج محمّدا ﷺ وأصحابه. فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء، وكان الّذين بنوه اثنى عشر رجلا.
فلمّا فرغوا منه أتوا رسول الله ﷺ وهو متجهّز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله ﷺ إنّا قد بنينا مسجدا لذوي العلّة والحاجة واللّيلة المطيرة واللّيلة الشّاتية، وإنّا نحبّ أن تأتيه فتصلّي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة، فقال النّبيّ ﷺ : [إنّي على جناح سفر وحال شغل، ولو قدمنا لأتيناكم إن شاء الله فصلّينا لكم فيه].
فلمّا رجع رسول الله ﷺ من تبوك أتوه فسألوه إتيان مسجدهم، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم، فنزلت هذه الآية وأعلمه الله تعالى بخبرهم وما همّوا به، فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدّهشم ومعن بن عديّ وعامر بن السّكن والوحشيّ قاتل حمزة، وقال لهم: [انطلقوا إلى هذا المسجد الظّالم أهله فاهدموه وحرّقوه] فخرجوا سراعا، فأخذوا سعفا من النّخل، وأشعلوا فيه النّار وهدموه، وأمر النّبيّ ﷺ أن يتّخذ كناسة يلقى فيه القمامة والجيف، ومات أبو عامر بالشّام وحيدا غريبا (١).
وقال عكرمة: (سأل عمر ﵁ رجلا منهم: ماذا أعنت في هذا المسجد، قال:
أعنت فيه بسارية، فقال عمر ﵁: أسر بها في عنقك في نار جهنّم).وروي: (أنّ بني عمرو بن عوف بنوا مسجدا وسألوا عمر ﵁ أن يصلّي بهم الجماعة مجمع بن الحارثة فقال: لا؛ ولا نعمة عين، أليس بإمام مسجد الضّرار، فقال له مجمع: يا أمير المؤمنين لا تعجل عليّ، فو الله لقد صلّيت فيه وإنّي لا أعلم ما أضمروا عليه، ولو علمت ما صلّيت معهم، وكنت غلاما وهم شيوخ لا يقرءون من القرآن شيئا، فصلّيت بهم ولا أعلم ما في نفوسهم، فعذره عمر ﵁ وصدّقه، وأمره بالصّلاة في
стр. 1326
مسجد قباء) (١).قرأ أهل المدينة والشام الذين اتّخذوا بغير (واو) وكذلك هو في مصاحفهم.
قوله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً؛﴾ أي لا تصلّ في مسجد هؤلاء المنافقين أبدا، ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ؛﴾ يعني مسجد قباء أسّس لوجه الله منذ أوّل يوم بني، ويقال: هو مسجد النبيّ ﷺ أحقّ أن تصلّي فيه، ولا يمتنع أن يكون المراد المسجد الذي أسّس على التّقوى كلا المسجدين، مسجد النبيّ ﷺ ومسجد قباء. قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا؛﴾ في مسجد قباء رجال يحبّون أن يتطهّروا. قال الحسن: (معناه يتطهّرون من الذّنوب بالتّوبة).
والمشهور أن المراد بالتطهير في هذه الآية الاستنجاء بالماء كما روي: أنّه لمّا نزلت هذه الآية وقف رسول الله ﷺ بباب قباء وقال: [يا معشر الأنصار إنّ الله قد أحسن الثّناء عليكم في طهوركم، فبم تطّهّرون؟] قالوا: إنّا نتبع الأحجار بالماء (٢)؛أي نستجمر بالحجر ثم نستنجي بالماء، فقرأ عليهم النبيّ ﷺ هذه الآية، وسنّ النبيّ ﷺ الاستنجاء بالماء. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (١٠٨)؛ أي أثنى على المطّهّرين من الذّنوب، والمتطهّرين بالماء من الأدناس.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ؛﴾ الألف في أوّل الآية ألف استفهام دخلت في الكلام للإنكار، وقوله تعالى ﴿(جُرُفٍ هارٍ)﴾ أي على طرف الهوّة، وقوله (هار) ساقط، وأصله هاير، إلا أنه حذف الياء.
стр. 1327
والجرف: ما تمرّ به السيول من الأودية فتسير جانبه وتنثره، ولو وقف الإنسان عليه لسقط وانهار، وشفا الشّيء حرفه وهو مقصور يكتب بالألف وتثنيته شفوان.
قرأ نافع وأهل الشام بضمّ الهمزة والنون على غير تسمية الفاعل، وقرأ الباقون بفتحهما. قوله تعالى: ﴿(عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ)،﴾ قرأ ابن عمر «(تقوى)» منوّن، وقوله تعالى ﴿(جُرُفٍ)﴾ قرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر وخلف بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتّثقيل وهما لغتان، وهي البرّ التي لم تمطر، وقال أبو عبيد: (بنى الهوّة والرّمل) والشيء الرّخو وما يجرفه السّيل في الأودية، والهائر الساقط الذي يتداعى بعضه على إثر بعض كما يتهاوى الرمل، والشيء الرّخو، وفي مصحف أبيّ (فانهارت به قواعده في نار جهنّم) (١).قال قتادة: (ذكر لنا أنّه حفرت بقعة منها فرؤي الدّخّان يخرج منها) (٢)، وقال جابر بن عبد الله: (رأيت الدّخّان يخرج من مسجد الضّرار) (٣).
قوله تعالى: ﴿فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ؛﴾ أي انهار الجرف بالبناء؛ أي هار به؛ أي كما أنّ من بنى على جانب نهر صفة ما ذكرنا انهار بناؤه في النّهر، فكذلك بناء أهل النّفاق مسجد الشّقاق كبناء على جرف جهنّم يتهوّر بأهله فيها. وقوله تعالى:
﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٠٩)؛أي لا يوفّقهم ولا يهديهم الى جنّته وثوابه.
قوله تعالى: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ؛﴾ أي لا يزال بنيانهم مسجد الضرار حيرة متردّدة في قلوبهم، ويقال شكّا واضطرابا، يعني أن شكّهم لا يزال وإن زيل ذلك البناء، بل يبقى ذلك في قلوبهم حتى خاب أملهم، اشتدّ أسفهم بأن بعث رسول الله ﷺ عامر بن قيس ووحشيا مولى مقطّم بن عديّ فخرّباه وهدماه، ثم أمر الأنصار بإلقاء الجيف والعذرات الكناسات فيه، إذ لم يبن لله تعالى، فبقي ذلك حسرة وندامة في قلوب المنافقين حتى تقطّع قلوبهم؛ أي حتى يموت على ذلك.
стр. 1328
ويقال: معناه: لا يزالون شاكّين حتى يموتوا، فإذا ماتوا صاروا إلى اليقين حيث لا ينفعهم اليقين، قال السديّ: (معناه: لا يزال هدم بنيانهم الّذي بنوه ريبة في قلوبهم؛ أي حزازة وغيظا في قلوبهم؛ أي أن تصدّع قلوبهم فيموتوا).
وقرأ الحسن ويعقوب أي (إن) مخفّفا على الغاية، يدلّ عليه تفسير الضحّاك وقتادة، ولا يزالون في شكّ منه إلى أن يموتوا فيستيقنوا ويتبيّنوا، قرأ شيبة وابن عامر وحمزة وحفص «(تقطّع)» بفتح التاء وتشديد الطاء المعنى تتقطع، ثم حذفت إحدى التاءين، وقرأ ابن كثير ومجاهد ونافع وعاصم وأبو عمر والكسائي «(تقطّع)» بضم التاء وتشديد الطاء على غير تسمية الفاعل، وقرأ يعقوب «(تقطع)» بضم التاء خفيفة الطاء من القطع. وروي عن ابن كثير بفتح التاء خفيفة، «(قلوبهم)» نصبا أي بفعل ذلك أنت بهم.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١١٠)؛أي عليم بأعمالكم، حكيم في ما حكم من هدم مسجدهم وأظهر نفاقهم.
قوله تعالى: ﴿*إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ؛﴾ معناه: إنّ الله طلب المؤمنين أن يعدّوا أنفسهم وأموالهم ويخرجوا إلى الجهاد في سبيل الله ليثيبهم الجنة على ذلك.
فإن قيل: كيف يصحّ شراء الجنّة على ذلك وهي مملوكة لله تعالى؟ وكيف يشتري أحد ملكه يملكه؟ قيل: إنما ذكر هذا على وجه التلطّف للمؤمنين في تأكيد الجزاء كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ (١) فذكر الصدقة بلفظ القرض للتحريض على ذلك والترغيب فيه، إذا القرض يوجب ردّ المفلس لا محالة، وكأن الله عامل عباده معاملة من هو غير مالك، وعن جعفر الصّادق أنه كان يقول: (يا ابن آدم اعرف قدر نفسك، فإنّ الله عرّفك قدرك ولم يرض أن يكون لك ثمن غير الجنّة).
стр. 1329
قوله تعالى: ﴿يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ؛﴾ فيه بيان عرض الذي لأجله اشتراهم، وهو أن يقاتلوا العدوّ في طاعة الله، ومعناه: فيقتلون المشركين، ويقتلهم المشركون، وعلى هذا أكثر القرّاء، حمزة والكسائي (فيقتلون) بالرفع، (ويقتلون) بالنصب، واختار الحسن هذه القراءة لأنه إذا قرئ هكذا كان تسليم النفس إلى الشّراء أقرب، وإنما يستحقّ البائع تسليم الثمن إليه تسليم المبيع.
قوله تعالى: ﴿وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا؛﴾ نصب على المصدر؛ أي أوجب الله لهم الجنّة ووعدهم وعد حقّ منه لهم. وإنّما قال (حقّا) للفصل بين الوعد الذي حجره على وجه الجزاء لهم على العمل، وبين الوعد ينجزه للتصديق على وجه التفضيل لا الجزاء لهم على العمل.
قوله تعالى: ﴿فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ؛﴾ أي أوجب الله الجنة للمؤمنين في جميع كتبه التي أنزلها الله على أنبيائه ﵈، قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ؛﴾ أي ليس أحد أوفى من الله في وعده وشرطه، وعدكم وعدا ولا يخلف لوعده.
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ؛﴾ أي ببيعكم أنفسكم من الله، فإنه لا يشري أرفع من الله سبحانه، ولا ثمن أعلى من الجنّة. وقيل: إنّ هذا أنزل في الذين بايعوا رسول الله ﷺ بيعة الرضوان تحت الشجرة، ثم صار عامّا في كلّ من يعمل مثل عملهم.
قال محمّد بن كعب: (لمّا بايعت الأنصار رسول الله ﷺ ليلة العقبة بمكّة وهم سبعون نقيبا، قال عبد الله بن رواحة لرسول الله ﷺ اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: [اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني ممّا تمنعون عنه أنفسكم وأموالكم] قالوا: وإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: [الجنّة]،قال:
ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فنزل قوله تعالى ﴿(إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)﴾ ثمّ هداهم الله بقوله ﴿(فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ))﴾.
قال الحسن: (اسمعوا إلى بيعة رابحة بايع الله بها كلّ مؤمن، والله ما على الأرض مؤمن إلاّ وقد دخل في هذه البيعة).قال: (ومرّ أعرابيّ على النّبيّ ﷺ وهو
стр. 1330
يقرأ هذه الآية، فقال: كلام من هذا؟ فقال: [كلام الله تعالى] وقال: بيع واثق مربح لا نقيله ولا نستقيله، فخرج إلى العدوّ فاستشهد).وأنشد الأصمعيّ لجعفر ﵁:
أثامن بالنّفس النّفيسة ربّها ... وليس لها في الخلق كلّهم ثمن
بها تشترى الجنّات إن أنا بعتها ... بشيء سواها إنّ ذلكم غبن
لئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها ... لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثّمن
وكان جعفر الصادق يقول: (أيا من ليست لهم عنه إنّه ليس لأبدانكم بثمن إلاّ الجنّة، فلا تبيعوها إلاّ بها).وأنشد أبو علي الكوفي:
من يشتري قبّة في عدن عالية ... في ظلّ طوبى رفيعات مبانيها
دلاّلها المصطفى والله بائعها ... ممّن أراد وجبريل مناديها
قوله تعالى: ﴿وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١١١)؛أي النجاة العظيمة والثواب الوافر؛ لأنّها نيل الجنّة الباقية بالنفس الفانية.
وقوله تعالى: ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ؛﴾ في الآية قولان: أحدهما: أن قوله ﴿(التّائِبُونَ الْعابِدُونَ)﴾ رفع بالابتداء، كأنه قال:
التائبون العابدون ... إلى آخر الآية لهم الجنة أيضا؛ أي من قعد عن الجهاد غير مؤازر ولا قاصد تركه، وهو على هذه الصّفة في هذه الآية فله الجنّة.
والقول الثاني: أنّ قوله ﴿(التّائِبُونَ)﴾ يدلّ على المقاتلين، كأنه قال: المقاتلون التائبون العابدون، ويجوز أن يكون قوله: ﴿(التّائِبُونَ)﴾ رفعا على المدح، أي هم التائبون من الشّرك والذّنوب، المطيعون لله ﴿(الْحامِدُونَ)﴾ الذين يحمدون الله تعالى على كلّ حال، ﴿(السّائِحُونَ)﴾ الصّائمون (١).
стр. 1331
كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [سياحة أمّتي الصّوم] (١) وإنما سمي الصّائم سائحا تشبيها بالسائح في الأرض؛ لأن السائح ممنوع من الشّهوات، فكذلك الصائم.
قال الحسن: (أراد بالسّائحين صوّامي شهر رمضان) (٢)،وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [السّائحون الصّائمون] (٣).وسئل سعيد بن جبير عن السائحين فقال: (هم الصّائمون) (٤)،وقال الشاعر:
برّا يصلّي ليله ونهاره ... يظلّ كثير الذّكر لله سائحا
أي صائما.
وقال الحسن أيضا: (السّائحون الّذين يصومون عن الحلال وأمسكوا عن الحرام، وههنا والله أقوام رأيناهم يصومون عن الحلال، ولا يمسكون عن الحرام، والله ساخط عليهم)،وقال عطاء: (السّائحون هم الغزاة والمجاهدون) (٥).وسئل عكرمة عن قوله تعالى: ﴿(السّائِحُونَ)﴾ فقال: (طلبة العلم).
قوله تعالى: ﴿(الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ)﴾ أي الذين يؤدّون ما فرض الله عليهم من الرّكوع والسجود المفروضة، وقوله تعالى: ﴿(الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)﴾ أي الآمرون بالإيمان والنّاهون عن الشّرك. وقيل: معناه: الآمرون بكلّ معروف، والناهون عن كلّ منكر.
وإنما ذكر الناهون بالواو وبخلاف ما سبق؛ لأن النهي عن المنكر لا يكاد يذكر إلا وهو مقرون بالأمر بالمعروف، فدخل الواو ليدلّ على المقارنة. والمعروف: هو السّنة، والمنكر: هو البدعة.
стр. 1332
قوله تعالى: ﴿وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ؛﴾ عطف على ما تقدّم. وقيل: المراد بهم جميع المذكورين من أوّل الآية إلى هذا الموضع، وهذه الصّفة من أتمّ ما يكون من المبالغة في وصف العباد بطاعته لله، والقيام بأوامره والانتهاء عن زواجره؛ لأن الله تعالى بيّن حدوده في الأمر والنهي وفي ما ندب إليه فرغّب فيه أو خيّر فيه، وبيّن ما هو الأولى في مجرى طاعة الله تعالى، فإذا قام العبد بفرائض الله وانتهى إلى ما أراد الله منه كان من الحافظين لحدود الله، كما روي عن خلف بن أيّوب: أنّه أمر امرأته أن تمسك إرضاع ولده في بعض اللّيل وقال: قد تمّت له سنتان، قيل له: لو تركتها حتّى ترضعه هذه اللّيلة، قال: فأين قوله تعالى: ﴿(وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ)﴾. قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١١٢)؛أي بشّرهم بالجنة.
قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ رسول الله ﷺ سأل عن أبويه أيّهما أحدث عهدا به؟ فقيل: أمّك، فقال: [هل تعلمون موضع قبرها؟ لعلّي آتيه فأستغفر لها، فإنّ إبراهيم ﵇ استغفر لأبويه وهما مشركان] فقال المسلمون:
ونحن أيضا نستغفر لآبائنا وأهلينا. فانطلق ﷺ حتّى أتى القبر، فإذا هو بجبريل ﵇ عند القبر، فوضع يده في صدر النّبيّ ﷺ فقرأ عليه هذه الآية) (١).
قال أبو هريرة ﵁: قال النّبيّ ﷺ : [استأذنت ربي أن أستغفر لوالديّ فلم يأذن لي، واستأذنت أن أزور قبرهما فأذن لي] (٢).ومعنى الآية: ما ينبغي وما يجوز للنبيّ والذين آمنوا أن يطلبوا المغفرة للمشركين، ولو دعتهم رقّة القرابة إلى الاستغفار لهم، ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (١١٣)؛أي من بعد ما ظهر لهم أنّهم أصحاب النار بأنّهم ماتوا على الكفر.
стр. 1333
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ؛﴾ أي ما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها أبوه له أن يسلم، ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ؛﴾ لإبراهيم، ﴿أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ؛﴾ بأن لم يؤمن حتى مات على الكفر، ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ؛﴾ أي من أبيه ومن دينه.
ويقال: إنما هذه الموعدة إنما كانت من ابراهيم لأبيه، فإنه كان قال لأستغفرنّ لك ما دمت حيا، ولم يكن الله تعالى أعلم إبراهيم أنه لا يغفر للمشركين، يدلّ عليه قراءة الحسن «(إلاّ من موعدة وعدها إيّاه)» (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (١١٤)؛الأوّاه: التّوّاب. قال ابن مسعود (هو الدّعّاء) (٢)،وقال الحسن وقتادة: (هو الرّحيم الرّفيق)،ويقال: هو المؤمن بلغة الحبشة، إلا من قال إنه لا يجوز أن يكون في القرآن شيء غير عربيّ، قال: هذا موافق من العربية بلغة الحبشة. وقيل: الأوّاه الفقيه، وقال كعب: (هو الّذي إذا ذكرت عنده النّار قال: آه) (٣)،وقيل: هو المتأوّه شفقا وفرقا، المتضرّع نفسا ولزوما للطاعة، وأما الحليم فهو الذي لا يعجّل بعقوبة الجاهل.
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ الله تعالى لمّا أنزل الفرائض وعمل بها النّاس، ثمّ أنزل بعد ذلك ما نسخها وقد مات ناس وهم يعملون بالأمر الأوّل مثل الصّلاة إلى بيت المقدس وشرب الخمر ونحو ذلك، ومات بعض المؤمنين وهم على القبلة الأولى، فذكر المؤمنون ذلك للنّبيّ ﷺ ، فأنزل هذه الآية) (٤).
стр. 1334
ومعناها: وما كان الله ليضلّ عمل قوم وينزل قوما منزلة الضّلال بعد إذ هداهم للإيمان حتى يبيّن لهم ما يتّقون من المعاصي، ويقال: حتى يبيّن الناسخ من المنسوخ، ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ؛﴾ من النّاسخ والمنسوخ، وبكل ما فيه مصلحة الخلق، ﴿عَلِيمٌ﴾ (١١٥).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ؛﴾ وذلك أنّ الله لمّا أمر المسلمين بقتال المشركين كافّة، وكان في المشركين ملوك لا يطمع المسلمون بهم لشوكتهم وعزّهم، أخبر الله تعالى أن لله ملك السّماوات والأرض، يحيي من يشاء ويميت من يشاء، ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ؛﴾ يواليكم، ﴿وَلا نَصِيرٍ؛﴾ (١١٦) ينصركم.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ؛﴾ معناه: وقد تجاوز الله من تولّى النبيّ ﷺ إذنه للمنافقين بالتخلّف، كما قال الله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ،﴾ وتجاوز عن ذنوب المهاجرين والأنصار.
وقيل: أراد بذلك قوما منهم تخلّفوا عن رسول الله ﷺ ثم خرجوا فأدركوه في الطريق. وقوله تعالى: ﴿(الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ)﴾ صفة مدح لأصحاب النبيّ ﷺ باتّباعهم إياه في وقت الشّدة في غزوة تبوك، وكانت بهم العسرة في النفقة والرّكوب والحرّ والخوف، وكانت الدابة الواحدة بين جماعة يتعقّبون عليها، وكانت التمرة تشقّ بالنّصف فيأكلها الرجلان كل واحد نصفها، وربما كانت جماعة يمصّون تمرة واحدة، ويشربون عليها، وربما كانوا ينحرون الإبل فيشربون من ماء كروشها في الحرّ.
قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ؛﴾ أي من بعد ما كاد تميل قلوب طائفة منهم عن الخروج والجهاد، ويقال من بعد ما كادوا يرجعون عن غزوتهم من الشدّة.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١١٧)؛ أي ثم خفّف عنهم ما أخلفهم عن الحرب حتى كادوا يعقلون عن أنفسهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ .. ﴾. إلى أن قال: ﴿عَلِمَ أَنْ﴾
стр. 1335
﴿لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) أي خفّف عنكم، وكقوله: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) أي خفّف عنكم.
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا؛﴾ أي تاب على الثلاثة، وهم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أميّة الذين خلّفوا عن قبول توبتهم، ﴿حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ؛﴾ منع سعتها بامتناع الناس من مكالمتهم، ﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ؛﴾ أي قلوبهم حين كتب قيصر إلى كعب ابن مالك: بلغني أنّ صاحبك قد جفاك، فالحق بنا فإنّ لك عندنا منزل وكرامة، فقال كعب: (من خطيئتي أن يطمع فيّ رجل من أهل الكفر) (٣).
قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاّ إِلَيْهِ؛﴾ أي علموا وأيقنوا ألاّ مفرّ من عذاب الله إلا إليه بالتوبة، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ؛﴾ أي قبل توبتهم، ﴿لِيَتُوبُوا؛﴾ أي ليرجعوا عن مثل صنيعهم. ويقال: ليتوب الناس من بعدهم، ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ؛﴾ أي المتجاوز عن ذنوب المؤمنين، ﴿الرَّحِيمُ﴾ (١١٨)؛بعباده التّائبين.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ (١١٩) أي يا أيّها الذين آمنوا اخشوا الله ولا تعصوه، وكونوا مع النبيّ ﷺ ومع الذين صدقت نيّاتهم، واستقامت قلوبهم وأعمالهم في الشدّة والرّخاء.
قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ؛﴾ أي ما جاز لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلّفوا عن رسول الله ﷺ في الجهاد، وهذا نهي ورد بلفظ النّفي، ﴿وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ؛﴾ أي لا ينبغي أن يكونوا بأنفسهم آثر وأشفق عن نفس محمّد ﷺ ، بل عليهم أن يجعلوا أنفسهم وقاية للنبيّ ﷺ لما أوجب له من الحقوق عليهم بدعائه لهم إلى الإيمان حتى اهتدوا به ونجوا من النار.