كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [سياحة أمّتي الصّوم] (١) وإنما سمي الصّائم سائحا تشبيها بالسائح في الأرض؛ لأن السائح ممنوع من الشّهوات، فكذلك الصائم.
قال الحسن: (أراد بالسّائحين صوّامي شهر رمضان) (٢)،وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [السّائحون الصّائمون] (٣).وسئل سعيد بن جبير عن السائحين فقال: (هم الصّائمون) (٤)،وقال الشاعر:
برّا يصلّي ليله ونهاره ... يظلّ كثير الذّكر لله سائحا
أي صائما.
وقال الحسن أيضا: (السّائحون الّذين يصومون عن الحلال وأمسكوا عن الحرام، وههنا والله أقوام رأيناهم يصومون عن الحلال، ولا يمسكون عن الحرام، والله ساخط عليهم)،وقال عطاء: (السّائحون هم الغزاة والمجاهدون) (٥).وسئل عكرمة عن قوله تعالى: ﴿(السّائِحُونَ)﴾ فقال: (طلبة العلم).
قوله تعالى: ﴿(الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ)﴾ أي الذين يؤدّون ما فرض الله عليهم من الرّكوع والسجود المفروضة، وقوله تعالى: ﴿(الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)﴾ أي الآمرون بالإيمان والنّاهون عن الشّرك. وقيل: معناه: الآمرون بكلّ معروف، والناهون عن كلّ منكر.
وإنما ذكر الناهون بالواو وبخلاف ما سبق؛ لأن النهي عن المنكر لا يكاد يذكر إلا وهو مقرون بالأمر بالمعروف، فدخل الواو ليدلّ على المقارنة. والمعروف: هو السّنة، والمنكر: هو البدعة.
стр. 1332
قوله تعالى: ﴿وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ؛﴾ عطف على ما تقدّم. وقيل: المراد بهم جميع المذكورين من أوّل الآية إلى هذا الموضع، وهذه الصّفة من أتمّ ما يكون من المبالغة في وصف العباد بطاعته لله، والقيام بأوامره والانتهاء عن زواجره؛ لأن الله تعالى بيّن حدوده في الأمر والنهي وفي ما ندب إليه فرغّب فيه أو خيّر فيه، وبيّن ما هو الأولى في مجرى طاعة الله تعالى، فإذا قام العبد بفرائض الله وانتهى إلى ما أراد الله منه كان من الحافظين لحدود الله، كما روي عن خلف بن أيّوب: أنّه أمر امرأته أن تمسك إرضاع ولده في بعض اللّيل وقال: قد تمّت له سنتان، قيل له: لو تركتها حتّى ترضعه هذه اللّيلة، قال: فأين قوله تعالى: ﴿(وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ)﴾. قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١١٢)؛أي بشّرهم بالجنة.
قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ رسول الله ﷺ سأل عن أبويه أيّهما أحدث عهدا به؟ فقيل: أمّك، فقال: [هل تعلمون موضع قبرها؟ لعلّي آتيه فأستغفر لها، فإنّ إبراهيم ﵇ استغفر لأبويه وهما مشركان] فقال المسلمون:
ونحن أيضا نستغفر لآبائنا وأهلينا. فانطلق ﷺ حتّى أتى القبر، فإذا هو بجبريل ﵇ عند القبر، فوضع يده في صدر النّبيّ ﷺ فقرأ عليه هذه الآية) (١).
قال أبو هريرة ﵁: قال النّبيّ ﷺ : [استأذنت ربي أن أستغفر لوالديّ فلم يأذن لي، واستأذنت أن أزور قبرهما فأذن لي] (٢).ومعنى الآية: ما ينبغي وما يجوز للنبيّ والذين آمنوا أن يطلبوا المغفرة للمشركين، ولو دعتهم رقّة القرابة إلى الاستغفار لهم، ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (١١٣)؛أي من بعد ما ظهر لهم أنّهم أصحاب النار بأنّهم ماتوا على الكفر.
стр. 1333
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ؛﴾ أي ما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها أبوه له أن يسلم، ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ؛﴾ لإبراهيم، ﴿أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ؛﴾ بأن لم يؤمن حتى مات على الكفر، ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ؛﴾ أي من أبيه ومن دينه.
ويقال: إنما هذه الموعدة إنما كانت من ابراهيم لأبيه، فإنه كان قال لأستغفرنّ لك ما دمت حيا، ولم يكن الله تعالى أعلم إبراهيم أنه لا يغفر للمشركين، يدلّ عليه قراءة الحسن «(إلاّ من موعدة وعدها إيّاه)» (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (١١٤)؛الأوّاه: التّوّاب. قال ابن مسعود (هو الدّعّاء) (٢)،وقال الحسن وقتادة: (هو الرّحيم الرّفيق)،ويقال: هو المؤمن بلغة الحبشة، إلا من قال إنه لا يجوز أن يكون في القرآن شيء غير عربيّ، قال: هذا موافق من العربية بلغة الحبشة. وقيل: الأوّاه الفقيه، وقال كعب: (هو الّذي إذا ذكرت عنده النّار قال: آه) (٣)،وقيل: هو المتأوّه شفقا وفرقا، المتضرّع نفسا ولزوما للطاعة، وأما الحليم فهو الذي لا يعجّل بعقوبة الجاهل.
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ الله تعالى لمّا أنزل الفرائض وعمل بها النّاس، ثمّ أنزل بعد ذلك ما نسخها وقد مات ناس وهم يعملون بالأمر الأوّل مثل الصّلاة إلى بيت المقدس وشرب الخمر ونحو ذلك، ومات بعض المؤمنين وهم على القبلة الأولى، فذكر المؤمنون ذلك للنّبيّ ﷺ ، فأنزل هذه الآية) (٤).
стр. 1334
ومعناها: وما كان الله ليضلّ عمل قوم وينزل قوما منزلة الضّلال بعد إذ هداهم للإيمان حتى يبيّن لهم ما يتّقون من المعاصي، ويقال: حتى يبيّن الناسخ من المنسوخ، ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ؛﴾ من النّاسخ والمنسوخ، وبكل ما فيه مصلحة الخلق، ﴿عَلِيمٌ﴾ (١١٥).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ؛﴾ وذلك أنّ الله لمّا أمر المسلمين بقتال المشركين كافّة، وكان في المشركين ملوك لا يطمع المسلمون بهم لشوكتهم وعزّهم، أخبر الله تعالى أن لله ملك السّماوات والأرض، يحيي من يشاء ويميت من يشاء، ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ؛﴾ يواليكم، ﴿وَلا نَصِيرٍ؛﴾ (١١٦) ينصركم.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ؛﴾ معناه: وقد تجاوز الله من تولّى النبيّ ﷺ إذنه للمنافقين بالتخلّف، كما قال الله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ،﴾ وتجاوز عن ذنوب المهاجرين والأنصار.
وقيل: أراد بذلك قوما منهم تخلّفوا عن رسول الله ﷺ ثم خرجوا فأدركوه في الطريق. وقوله تعالى: ﴿(الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ)﴾ صفة مدح لأصحاب النبيّ ﷺ باتّباعهم إياه في وقت الشّدة في غزوة تبوك، وكانت بهم العسرة في النفقة والرّكوب والحرّ والخوف، وكانت الدابة الواحدة بين جماعة يتعقّبون عليها، وكانت التمرة تشقّ بالنّصف فيأكلها الرجلان كل واحد نصفها، وربما كانت جماعة يمصّون تمرة واحدة، ويشربون عليها، وربما كانوا ينحرون الإبل فيشربون من ماء كروشها في الحرّ.
قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ؛﴾ أي من بعد ما كاد تميل قلوب طائفة منهم عن الخروج والجهاد، ويقال من بعد ما كادوا يرجعون عن غزوتهم من الشدّة.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١١٧)؛ أي ثم خفّف عنهم ما أخلفهم عن الحرب حتى كادوا يعقلون عن أنفسهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ .. ﴾. إلى أن قال: ﴿عَلِمَ أَنْ﴾
стр. 1335
﴿لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) أي خفّف عنكم، وكقوله: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) أي خفّف عنكم.
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا؛﴾ أي تاب على الثلاثة، وهم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أميّة الذين خلّفوا عن قبول توبتهم، ﴿حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ؛﴾ منع سعتها بامتناع الناس من مكالمتهم، ﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ؛﴾ أي قلوبهم حين كتب قيصر إلى كعب ابن مالك: بلغني أنّ صاحبك قد جفاك، فالحق بنا فإنّ لك عندنا منزل وكرامة، فقال كعب: (من خطيئتي أن يطمع فيّ رجل من أهل الكفر) (٣).
قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاّ إِلَيْهِ؛﴾ أي علموا وأيقنوا ألاّ مفرّ من عذاب الله إلا إليه بالتوبة، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ؛﴾ أي قبل توبتهم، ﴿لِيَتُوبُوا؛﴾ أي ليرجعوا عن مثل صنيعهم. ويقال: ليتوب الناس من بعدهم، ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ؛﴾ أي المتجاوز عن ذنوب المؤمنين، ﴿الرَّحِيمُ﴾ (١١٨)؛بعباده التّائبين.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ (١١٩) أي يا أيّها الذين آمنوا اخشوا الله ولا تعصوه، وكونوا مع النبيّ ﷺ ومع الذين صدقت نيّاتهم، واستقامت قلوبهم وأعمالهم في الشدّة والرّخاء.
قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ؛﴾ أي ما جاز لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلّفوا عن رسول الله ﷺ في الجهاد، وهذا نهي ورد بلفظ النّفي، ﴿وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ؛﴾ أي لا ينبغي أن يكونوا بأنفسهم آثر وأشفق عن نفس محمّد ﷺ ، بل عليهم أن يجعلوا أنفسهم وقاية للنبيّ ﷺ لما أوجب له من الحقوق عليهم بدعائه لهم إلى الإيمان حتى اهتدوا به ونجوا من النار.
стр. 1336
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ؛﴾ أي ذلك الزجر بأنّهم في التخلّف عن الجهاد، لا يصيبهم عطش ولا تعب في أبدانهم، ولا شدّة مجاعة في طاعة الله، ولا يجاوزون مكانا فيظهرون فيه من سهل أو جبل مجاوزتهم ذلك المكان، فإنّ الإنسان يغيظه أن يطأ أرضه غيره.
قوله تعالى: ﴿وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٢٠)؛ أي لا يبطل ثواب من أحسن عملا من جهاد وغيره.
قوله تعالى: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً؛﴾ أي لا ينفقون في الجهاد نفقة صغرت أو كبرت، ﴿وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً؛﴾ من الأودية في طلب الكفّار، ﴿إِلاّ كُتِبَ؛﴾ ذلك، ﴿لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ؛﴾ من أعمالهم التي، ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٢١)؛في الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿*وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً؛﴾ قال ابن عبّاس:
(لمّا نزلت هذه الآية المتقدّمة وما فيها من العيوب وبيان نفاقهم، قال المؤمنون:
والله لا نتخلّف عن غزوة يغزوها رسول الله ﷺ ولا سريّة أبدا، فلمّا أمر النّبيّ ﷺ بعد ذلك بالسّرايا إلى الغزو، ونفر المؤمنون جميعا وتركوا رسول الله ﷺ بالمدينة، أنزل الله تعالى في ذلك هذه الآية).
ومعناها: أنه ليس للمؤمنين أن ينفروا كافّة ويخلفوا رسول الله وحده ليس عنده أحد من المسلمين يتعلّم منه الحلال والحرام والشرائع والأحكام، ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ؛﴾ أي فهلاّ خرج من كلّ جماعة طائفة إلى الجهاد، وتبقى طائفة مع رسول الله ﷺ ؛ ليسمع الذين تخلّفوا عند النبيّ ﷺ الوحي، إذا رجعت السّرايا علّموهم ما علموا فيستوون جميعا في العلم في معرفة الناسخ والمنسوخ.
قوله تعالى: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١٢٢)؛ أي لينذر الذين تخلّفوا مع رسول الله ﷺ قومهم الذين نفروا إذا رجعوا إليهم من
стр. 1337
غزاتهم، ويخبروهم بما نزل بعدهم من القرآن، لكي يحذروا كلّهم فلا يعملون شيئا بخلاف ما أنزل الله .
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً؛﴾ أي قاتلوا الأدنى فالأدنى من عدوّكم مثل بني قريظة والنضير وخيبر؛ أي ابدءوا بمن حولكم، ثم قاتلوا سائر الكفّار، لأن الاشتغال بقتال من بعدهم من المشركين مع ترك قتال من قرب لا يؤمن معه هجوم من قرب على ذراري المسلمين ونسائهم وبلادهم إذا خلت من المجاهدين، قوله تعالى: ﴿(وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً)﴾ أي ليكن منكم قول غليظ وشدّة عليهم في الوعد؛ كيلا يطمع فيكم أحد من أهل الكفر، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١٢٣)؛في النصر على عدوّهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً؛﴾ معناه: إذا ما أنزلت سورة من القرآن، فمن المنافقين من يقول: أيّكم زادته هذه السّورة إيمانا؟! إنّما كان بعضهم يقول لبعض على جهة الهزء. ويقال: كانوا يقولون للمستضعفين من المسلمين: أيّكم زادته هذه الآية يقينا وبصيرة؟ يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً؛﴾ وهم المخلصون من أصحاب رسول الله ﷺ زادتهم تصديقا مع تصديقهم، ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (١٢٤)؛أي يفرحون بكلّ ما ينزل من القرآن.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ؛﴾ معناه: وأما الذين في قلوبهم شكّ ونفاق فزادتهم السورة شكّا إلى شكّهم وكفرا إلى كفرهم، لأنّهم كلما كفروا بسورة ازدادوا كفرا، والمؤمنون كلّما صدّقوا بسورة ازدادوا تصديقا. قوله تعالى: ﴿وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ﴾ (١٢٥)؛ إذ هم لشكّهم فيما أنزله الله من السورة إلى أن ماتوا على الكفر.
وإنما سمّى الله النفاق مرضا؛ لأن الحيرة في القلب مرض في القلب، كما أن الوجع في البدن مرض في البدن.
قوله تعالى: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١٢٦)؛معناه: أولا يرى المنافقون أنّهم
стр. 1338
يخسرون بالدّعاء إلى الجهاد في كلّ عام مرّة أو مرّتين، ويقال: يهلكون بهتك أسرارهم، ثم يظهر الله من سوء نيّاتهم وخبث سرائرهم (١).ويقال: كانوا ينقضون عهدهم في السّنة مرة أو مرتين فيعاقبون، ثم لا يتوبون عن نفاقهم ولا يذكرون بما صنع الله بهم بنقضهم العهد. وقرأ حمزة ويعقوب: «(أولا ترون)» بالتاء خطابا للنبيّ ﷺ والمؤمنين.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ؛﴾ إذا نزلت سورة فيها عيب المنافقين فخاطبهم النبيّ ﷺ وعرّض لهم في خطبته، نظر بعض المنافقين إلى بعض، ﴿هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ،﴾ من المخلصين إذا هو قائم فخرج من المسجد، فإذا كان لا يراه أحد خرج من المسجد وانصرف، وإن علموا أنّ أحدا يراهم قاموا وثبتوا مكانهم حتى يفرغ النبيّ ﷺ من خطبته.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا؛﴾ أي انصرفوا عن الإيمان والعمل بترك ما يستمعون، ويقال: انصرفوا عن المكان الذي سمعوا فيه، ﴿صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ؛﴾ باللطف الذي يحدثه للمؤمنين. قوله تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ (١٢٧)؛أي ذلك الصرف بأنّهم قوم لا يفقهون ما يريد الله بخطابه.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ؛﴾ هذا خطاب لأهل مكّة، والمعنى: لقد جاءكم رسول من أهل نسبكم ولسانكم، شريف النّسب تعرفونه وتفهمون كلامه. وإنما قال ذلك؛ لأنه أقرب إلى الألفة. وقيل:
إن هذا خطاب لجميع الناس، معناه: جاءكم آدميّ مثلكم، وهذا أوكد للحجّة عليكم؛ لأنّكم تفهمون عن من هو من جنسكم.
وقرأ ابن عبّاس والزهري «(من أنفسكم)» بفتح الفاء؛ أي من أشرفكم وأفضلكم، من قولك: شيء ذو نفس (٢)،وقال: كان من أعلاكم نسبا، قوله تعالى:
﴿(عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ)﴾ أي شديد عليه عنتكم وإثمكم، العنت: الضيّق والمشقّة.
стр. 1339
قوله تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ؛﴾ أي حريص على إيمانكم وهداكم أن تؤمنوا فتنجوا من العذاب وتفوزوا بالجنّة والثواب، والحرص: شدّة الطّلب للشيء مع الاجتهاد فيه. قوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٢٨)؛كلام مستأنف؛ أي وهو شديد الرحمة لجميع المؤمنين، رفيق لمن اتّبعه على دينه.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (١٢٩)؛أي فإن أعرضوا عنك وعن الإيمان بك، فقل الله تعالى حسبي لا إله إلاّ هو؛ أي لا ناصر ولا معين غيره، ﴿(عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ)﴾ أي به ثقتي، وإليه فوّضت أمري.
قوله تعالى: ﴿(رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)﴾ أي خالق السّرير العظيم الذي هو أعظم من السّماوات والأرض، وإنّما خصّ العرش بذلك؛ لأنه إذا كان ربّ العرش العظيم مع عظمته، كان ربّ ما دونه في العظم. وقيل: إنما خصّ العرش؛ تشريفا للعرش وتعظيما لشأنه. وقرئ في الشواذ (العظيم) بالرفع على نعت الرب (١).
آخر تفسير سورة (براءة) والحمد لله رب العالمين.
стр. 1340
سورة يونس
سورة يونس مكّيّة (١)،وهي مائة وتسع آيات، وسبعة آلاف وخمسمائة وسبعة وستّون حرفا، وألف وثمانمائة واثنان وثلاثون كلمة. وعن رسول الله ﷺ أنّه قال:
[من قرأ سورة يونس أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بيونس وكذب به، وبعدد من غرق مع فرعون].
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الر،﴾ قال ابن عباس: (معناه: أنا الله أرى) وعنه: (أنّه من حروف الرّحمن).وقيل: أنا الربّ لا ربّ غيره. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ (١)؛أي هذه آيات الكتاب، وإنّما أضاف السورة إلى القرآن؛ لأنّها بعض الكتاب، كما تضاف السورة لأنّها بعضه.
وأما وصف القرآن بأنه حكيم؛ فلأنّ القرآن كالناطق بالحكمة بما فيه بين التمييز بين الحقّ والباطل. ويقال: معنى الحكيم المحكم بالحلال والحرام والأمر والنهي، يقال: أحكمت الشيء فهو محكم وحكيم، كما يقال: أكرمت الرجل فهو مكرم وكريم.
قوله تعالى: ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ﴾ معناه: أعجبت قريش أن أوحينا إلى رجل مثلهم من أهل نسبهم أن خوّف الناس بالعذاب، ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ؛﴾ وذلك أنّ الكفار
стр. 1341
كانوا يقولون: لم يجد الله رسولا يبعثه إلينا إلاّ يتيم أبي طالب. ويقال: كانوا يعجبون من البعث بعد الموت.
قوله تعالى: ﴿(قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ)﴾ أي أعمالهم الصالحة التي قدّموها لأنفسهم سلف خير عند ربهم يستوجبون بها المنزلة الرفيعة في آخرتهم عند ربهم، وعن ابن عبّاس أنه قال: (قدم صدق: شفاعة بينهم لهم هو إمامهم إلى الجنّة وهم بالأثر).
قوله تعالى: ﴿قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ (٢)؛أي قال كفّار مكة: إنّ هذا القرآن لسحر مبين، وقرأ أهل الكوفة وابن كثير «(لساحر)» بالألف يعنون محمّدا ﷺ .
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ؛﴾ ولو شاء لخلقها في أقلّ من لحظة، ولكنّه خلقها للترتيب؛ ليكون حدوث شيء بعد شيء على الترتيب أبلغ للملائكة في التفكّر بها من حدوثها كلّها في حالة واحدة، وقد تقدّم تفسير الاستواء، ودخلت (ثمّ) على الاستواء وهي في المعنى داخلة على الترتيب، كأنّه قال: ثمّ يدبر الأمر وهو مستو على العرش، فإنّ تدبير الأمور كلها ينزل من عند العرش، ولهذا ترفع الأيدي في قضاء الحوائج نحو العرش.
والاستواء: الاستيلاء، ولم يزل الله سبحانه مستوليا على الأشياء كلّها، إلا أن تخصيص العرش لتعظيم شأنه.
قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ؛﴾ أي يقضي القضاء إلى الملائكة من رسله ولا يشركه في تدبير أحد من خلقه. وعن عمرو بن مرّة «عن عبد الرحمن بن سابط» (١) قال: [يدبر أمر الدّنيا بأمر الله أربعة: جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل. أمّا جبريل فعلى الرّياح والجنود، وأمّا ميكائيل فعلى القطر والنّبات، وأمّا ملك الموت فوكّل بقبض الأرواح، وأمّا إسرافيل فهو ينزل عليهم بما يؤمرون به] (٢).
стр. 1342
قوله تعالى: ﴿ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ جواب قول الكفّار أنّ الأصنام شفعاؤنا عند الله، فبيّن الله تعالى ما من ملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل يشفع لأحد إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، فكيف تشفع الأصنام التي ليس لها عقل وتمييز.
قوله تعالى: ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ؛﴾ أي الذي يفعل ما هو المذكور في هذه الآية من خلق السّماوات والأرض وتدبير الخلق هو الله خالقكم ورازقكم، ﴿فَاعْبُدُوهُ؛﴾ ولا تعبدوا الأصنام فإنّها لا تستحقّ العبادة، وقوله تعالى: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣)؛أي هل تتّعظون بالقرآن.
قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقًّا؛﴾ أي إلى الله سبحانه رجوعكم جميعا، وانتصب قوله: ﴿(جَمِيعاً)﴾ على الحال، وقوله: ﴿(وَعْدَ اللهِ)﴾ نصب على المصدر؛ أي وعد الله وعدا، والمعنى وعد الله البعث بعد الموت وعدا حقّا كائنا لا شكّ فيه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ؛﴾ أي يخلقكم في بطون أمّهاتكم نطفا، ثم علقا ثم مضغة ثم عظاما، ثم يخرجكم نسما للتّمام، ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم ثم يبعثكم بعد الموت، وفي هذا بيان أن خلق الشيء على الترتيب حال بعد حال أدلّ على الترتيب من خلقه جملة واحدة في ساعة واحدة.
قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ؛﴾ فيه بيان أن البعث للجزاء؛ لنجزيهم بالعدل لئلاّ ننقص من ثواب محسن، ولا نزيد على عقاب مسيء، بل يجازي كلاّ على قدر عمله كما قال (جزاء وفاقا) (١).قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ؛﴾ أي من ماء حارّ قد انتهى حرّه، ﴿وَعَذابٌ أَلِيمٌ؛﴾ وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم، ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٤)؛بالكتب والرسل.
стр. 1343
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ؛﴾ أي هو الذي جعل الشمس ضياء للعالمين بالنهار، والقمر نورا بالليل.
روي في الخبر: أنّ وجوههما إلى العرش وظهورهما إلى الأرض، يضيء وجوههما لأهل السموات السّبع، وظهورهما لأهل الأرضين السبع، كما قال (وجعل القمر فيهنّ نورا وجعل الشّمس سراجا) (١).
قوله تعالى: ﴿(وَقَدَّرَهُ)﴾ أي قدّر القمر منازل وهي ثمان وعشرون منزلة في كلّ شهر. وقيل معناه: (وقدّره منازل) لا يجاوزوها ولا يقصروها، وقيل: جعل (قدّر) لهما يعدى إلى مفعولين، ويجوز أن يكون المعنى وقدّرهما، إلا أنه حذف التثنية للاختصار والإيجاز، كما قال تعالى: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ؛﴾ أي ما خلق الله الشمس والقمر، إلا لتعلموا الحساب وتعتبروا بهما، وتستدلّوا بطلوعها وغروبها على صانعهما.
وقوله: ﴿(لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ)﴾ أي لتعلموا بالشمس حساب السنين وحساب الشّهور والليالي والأيام على ما تقدّم أن القمر يقطع في الشهر ما تقطعه الشمس في السّنة، ويعني بقوله: ﴿(وَالْحِسابَ)﴾ حساب الأشهر والأيام والساعات، وقوله تعالى: ﴿(ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ)﴾ ردّه إلى الفعل والخلق والتدبير، ولو أراد الأعيان المذكورة لقال: تلك إلا بالحقّ، ثم يخلقه باطلا، بل إظهار الصّنعة، ودلالته على قدرته وحكمته.
стр. 1344
قوله تعالى: ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٥)؛أي نبيّن علامات وحدانيّة الله تعالى بأنه بعد آية ﴿(لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)﴾ تفصيل الآيات. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص «(يفصّل)» بالياء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله قبله (ما خلق) فيكون متّبعا له، وقرأ الباقون بالنّون على التعظيم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (٦)؛معناه: إنّ في اختلاف ألوان الليل والنهار وتقلّبها بذهاب الليل وجيئة النهار، وذهاب النهار وجيئة الليل، وفيما خلق الله في السّماوات من الشمس والقمر والنجوم والسّحاب والرياح، والأرض من الجبال والشجر والبحار والأنهار والدواب والنبات، لعلامات لقوم يتّقون الله ويخشون عقوبته.
فلم يؤمنوا بهذه الآيات ولم يصدّقوا، فأنزل الله :
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ (٧)؛معناه: إن الذين لا يخشون عقاب الله، وتنعّموا بالحياة الدّنيا، فلا يعملون إلا بها ولا يرجون إلى ما ورائها (واطمأنّوا بها) أي سكنوا إليها وآثروها على عمل الآخرة، والذين هم عن دلائل توحيدنا غافلون تاركون لها مكذّبون بها.
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ؛﴾ أي أهل هذه الصّفة مصيرهم إلى النار، ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٨)؛يعملون في دار الدّنيا. وقد يذكر الرجاء بمعنى الخوف كما قال الله ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً﴾ (١) أي لا تخافون لله عظمة، ويجوز أن يكون المعنى: لا يرجون لقاءنا؛ أي لا يرجون جزاءنا، فجعل لقاء جزائه بمنزلة لقائه.
стр. 1345
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ؛﴾ أي إن الذين صدّقوا بمحمّد والقرآن وعملوا الصالحات يرشدهم ربّهم على الصّراط إلى الجنّة بنور إيمانهم. وقيل: يرشدهم إلى منازلهم في الجنة. وقيل: يثبتهم على الإيمان.
وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٩)؛ أي تجري الأنهار بين أيديهم وهم في الغرف يتطلّعون عليها كما قال حاكيا عن فرعون ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ (١).ويجوز أن يكون معناه: تجري من تحت شجرهم وبساتينهم في جنات تنعمون فيها.
قوله تعالى: ﴿دَعْواهُمْ فِيها؛﴾ أي قولهم ودعاؤهم في الجنّة: ﴿سُبْحانَكَ اللهُمَّ،﴾ فإذا سمع الخدّام ذلك من قولهم أتوهم بما يشتهون، قال ابن جريج: (يمرّ الطّير على الرّجل من أهل الجنّة فيشتهيه، فيسبح الله تعالى، فيقع بين يديه فيأكل منه ما شاء، فإذا فرغ قال: الحمد لله) (٢).ويقال معنى قوله: ﴿(دَعْواهُمْ فِيها)﴾ أي مفتتح كلامهم التسبيح، ومختتم كلامهم التحميد، لا أن يكون الحمد آخر كلامهم حتى لا يتكلمون بعده بشيء.
قال طلحة بن عبد الله: سئل رسول الله ﷺ عن قول: سبحان الله، فقال: [هو تنزيه لله من كلّ سوء] (٣).وسئل عليّ ﵁ عن ذلك فقال: (كلمة رضيها الله لنفسه) (٤).وقال الحسن: (بلغني أنّ رسول الله ﷺ قال حين قرأ هذه الآية: [إنّ أهل الجنّة يلهمون الحمد والتّسبيح، كما تلهمون أنفسكم].
قوله تعالى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٠)؛أي يحيي بعضهم بعضا بالسلام، وتحييهم الملائكة بالسلام،
стр. 1346
وتأتيهم الملائكة من عند ربهم بالسلام، كما في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ (١) قرأ بلال بن أبي بردة وابن محيصن «(إنّ الحمد لله)» بكسر (إنّ) وتشديد النون ونصب (الحمد).
قوله تعالى: ﴿*وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ؛﴾ قيل: إنّ هذه الآية نزلت في النّضر بن الحارث حين قال ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ .. ﴾. الآية (٢) ثم صارت عامّة في كلّ من يستعجل العقاب الذي يستحقّه بالمعاصي.
معناه: ولو يعجل الله للناس الشرّ كما يعجّل الخير إذا دعوا بالرّحمة والرزق والعافية لماتوا وهلكوا. وقيل: المراد بهذه الآية دعاء الإنسان على نفسه وولده وقومه، مثل قول الرجل إذا غضب على ولده: اللهمّ لا تبارك فيه والعنه، وقوله لنفسه: لا رفعني الله من بينكم، والمعنى على هذا: ولو يعجّل الله للناس إجابة دعائهم في الشرّ كاستعجالهم الإجابة في الخير ﴿(لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ)﴾ أي لفرغ من عذابهم وماتوا جميعا. وقال شهر بن حوشب: (قرأت في بعض الكتب أنّ الله تعالى يقول للملكين الموكّلين: لا تكتبا على عبدي في حال ضجره شيئا).
وقرأ ابن عامر ويعقوب «(لقضى)» بفتح القاف والضاد «(أجلهم)» بفتح اللام، وقرأ الأعمش «(لقضينا)» وقرأ العامة «(لقضي)» بضمّ القاف وكسر الضاد، ورفع قوله «(أجلهم)».
قوله تعالى: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١١) أي نترك الذين لا يخافون البعث في ضلالتهم وكفرهم يتحيّرون ويتردّدون.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً؛﴾ نزلت هذه الآية في هشام بن المغيرة المخزوميّ، ومعناه: إذا أصاب الإنسان الشدّة والمرض دعانا لكشفه وهو مضطجع لما به من المرض أو قاعدا إذا هانت العلّة، أو
стр. 1347
قائما إذا بقي أثر العلّة، أو كان في شدة معيشة أو غيرها، ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ؛﴾ رفعنا ما كان به من الشدّة استمرّ على الإعراض عن شكرنا ما أنعمنا عليه في كشف الضرّ عنه، ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ؛﴾ قطّ؛ أي كأنّه لم يمسّه ضرّ، وكأن لم نكشف الضرّ عنه. قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٢)؛في الشّرك من الدعاء في الشدّة، وترك الدعاء في الرّخاء، فاغترّوا بما زيّن لهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمّا ظَلَمُوا؛﴾ أي ولقد أهلكنا الأمم الماضية من قبلكم حين كفروا، ﴿وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ؛﴾ بالدلالات الواضحات، ﴿وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا؛﴾ فيه بيان أنّ الله تعالى إنما أهلكهم؛ لأنه كان المعلوم من حالهم أنه لو أبقاهم أبدا لأدبروا ولم يؤمنوا، ولو كان في بقائهم صلاح لهم ولغيرهم لأبقاهم. وقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١٣) أي هكذا نجزي القوم المشركين، نهلكهم كما أهلكنا الأوّلين.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١٤)؛أي ثم أسكنّاكم الأرض من بعد الأوّلين لنجازيكم على ما تعملون من الخير والشرّ، ونشاهد هل تعتبرون بما صنع بالأوّلين أم لا؟ وهذا على التهديد؛ أي إن عاملتكم مثل معاملتهم أهلكتكم كما أهلكتهم.
وإنما قال (لننظر)؛لأنه سبحانه يعامل العبد معاملة المختبر الذي لا يعلم الشيء حتى يكون مظاهرة في العدل، وأنه إنما يجازي العباد على أعمالهم لا على علمه فيهم، قال رسول الله ﷺ : [إنّ الدّنيا حلوة خضرة، وإنّ الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون] (١)،قال قتادة: (وذكر لنا أنّ عمر ﵁ قال: صدق ربّنا ما جعلنا
стр. 1348
خلقا إلاّ لينظر إلى أعمالنا، فأدّوا أعمالكم خيرا باللّيل والنّهار والسّرّ والعلانية) (١).
قوله تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ؛﴾ معناه: وإذا قرئ على أهل مكة آياتنا المنزّلة في القرآن، قال الذين لا يخشون عقابنا ولا يطمعون في ثوابنا ولا يقرّون بالبعث: أئت يا محمّد بقرآن ليس فيه عيب آلهتنا ولا ذكر في البعث والنّشور.
قوله تعالى: ﴿(أَوْ بَدِّلْهُ)﴾ أي قالوا أو بدّل هذه بغيره، قل يا محمّد (ما يكون لي أن أبدّله) أي ما يجوز وما ينبغي لي أن أغيّره من قبل نفسي، ما أقول أو ما أعمل إلا ما يوحى إليّ من القرآن، ﴿إِنِّي أَخافُ؛﴾ أعلم، ﴿إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي؛﴾ فبدّلت القرآن أنه يكون عليّ، ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٥).
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ؛﴾ أي قل يا محمّد: لو شاء الله ما قرأت القرآن عليكم بأن كان لا ينزّله عليّ، ﴿وَلا أَدْراكُمْ بِهِ؛﴾ أي ولا أعلمكم الله به؛ أي لو شاء الله أن لا يشعركم، وفي قراءة الحسن «(ولا أدراكم به)» أي ولا أعلمكم به. وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ؛﴾ أي ومكثت فيكم دهرا قبل إنزال القرآن، ولم أقل من هذا شيئا، فليس عليكم ذهن الإنسانيّة أنه ليس من تلقاء نفسي.
قوله تعالى: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ؛﴾ (١٦)؛استفهام بمعنى الإنكار له: أنّ الله خالق السموات والأرض وهو عالم بما فيها، يعلم أن ليس فيهما إله ينفع ويضرّ غيره، فتخبرونه أنتم بشيء لا يعلمه، فيعلم بأخباركم، وهذا نفي للعلم، والمراد به نفي ما قالوه: من أن شفاعة الأصنام «تنفعهم».
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ أي لا أجد ممن اختلق على الله كذبا بأن جعل شريكا له أو ولدا إذا ادّعى النبوة بغير حقّ، أو قال:
أمرنا بعبادة الأصنام فنتقرب بعبادتها إليه. قوله تعالى: ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ؛﴾
стр. 1349
أي بأنبيائه ورسله وكتبه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (١٧)؛ أي لا يوصلهم إلى مرادهم.
قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ؛﴾ أي وإنّ أهل مكّة يعبدون من دون الله الأصنام التي لا يضرّهم إن تركوا عبادتها ولا ينفعهم إن عبدوها، ﴿وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ؛﴾ فإنه الذي أذن لنا في عبادتها وأنه يستشفعها فينا، وأرادوا بذلك شفاعة الأصنام في مصالح دنياهم؛ لأنّهم كانوا لا يقرّون بالبعث.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ؛﴾ هذا لا يكون أبدا. ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (١٨)؛أي تنزيها لله عن كلّ صفة لا تليق بذاته، وارتفع وتبرّأ عمّا يشركون به من الأصنام والأوثان.
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ النّاسُ إِلاّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا؛﴾ اختلف الناس في المراد بهذه الآية، قال بعضهم: أراد بذلك أنّ الناس كانوا أمّة واحدة في وقت آدم ﵇، ثم اختلفوا بأن كفّر بعضهم بعضا، وأوّل من اختلف قابيل وهابيل.
ويقال: أراد به الناس كلّهم ولدوا على الفطرة، ثم اختلفوا بأن غيّر بعضهم الفطرة ولم يغيّر بعضهم، بل ثبت عليها.
وقال بعضهم: أراد بذلك أنّهم كانوا أمة واحدة على عهد إبراهيم ونوح ﵉ كلّهم كانوا كافرين، فتفرّقوا بين مؤمن وكافر. ويقال: أراد بالناس ههنا العرب، كانوا على الشّرك قبل مبعث النبيّ ﷺ ثم اختلفوا بعده، فآمن بعضهم وكفر بعضهم. فالقول الأوّل أقرب إلى ظاهر الآية.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١٩)؛لو كان لكم من الله سبق ببقاء التكليف على الناس أي وقت معلوم سواء أطاعوه أو عصوه لما علم من المصلحة لهم ولغيرهم في ذلك، لعجّل لهم العذاب عند العصيان، فاضطرّهم إلى معرفة الحقّ فيما اختلفوا فيه. وقرأ عيسى بن عمر «(لقضى بينهم)» بالفتح.
стр. 1350
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ؛﴾ أي يقول كفار مكة: هلاّ أنزل على محمّد آية من ربه، يعنون الآية التي كانوا يقترحونها على سوى الآيات التي أنزل الله تعالى ﴿(فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ)﴾ أي قل لهم يا محمّد نزول الآيات لله تعالى لو علم الإصلاح في زيادة الآيات لأنزل. قوله تعالى:
﴿فَانْتَظِرُوا؛﴾ أي فانتظروا عقاب الله بالقتل في الدّنيا والنار في الآخرة، ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (٢٠)؛بهلاككم بما أوعد الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا؛﴾ معناه: إذا أعطينا الناس ما يسرّون به من العافية والنّعمة والرحمة والمطر من بعد فقر وبلاء ومرض وقحط وشدّة أصابتهم، إذا لهم مكر في آياتنا بالاحتيال في دفعها والتكذيب بها، كانوا لا يقولون: هو رزق الله ورحمته، و (إذا) تنوب عن جواب الشرط كما ينوب الفعل، والمعنى إذا مسّتهم راحة ورخاء بعد شدّة وبلاء. وقيل: مطر بعد قحط إذا لهم كفر وتكذيب. قال مقاتل: (لا يقولون هذا رزق الله، وإنّما يقولون: سقينا بنوء كذا) وهو قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً؛﴾ أي أسرع جزاء على المكر وأقدر على ذلك، يسمّى الجزاء باسم المجزيّ عليه. وقيل: معناه: قل الله أعجل عقوبة وأشدّ أخذا وأقدر على الجزاء. قوله تعالى: ﴿إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ (٢١)؛أي الكرام الكاتبين، يكتبون ما تمكرون أنتم. قرأ الحسن ومجاهد وقتادة ويعقوب «(ما يمكرون)» بالياء.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ؛﴾ أي هو الذي يسهّل عليكم السّير ويحفظكم إذا سافرتم في البرّ على الدواب، وفي البحر على السّفن، فالسير في البحر مضاف إلى الله على الحقيقة؛ لأنّ سير السفينة لا يكون إلا بجري الماء، وبالريح للسّفينة.
стр. 1351
وأما السير في البرّ فإضافته إلى الله تعالى على معنى تسخير المركوب، وتسييره بإمساكه بقدرة الله تعالى أيضا. قرأ ابن عامر وأبو جعفر «(ينشركم)»،والسّير من النّشر؛ أي نبثّكم في البرّ والبحر.
قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ؛﴾ أي حتى إذا كنتم في السّفن، وقد يكون الفلك واحدا، وقد يكون جمعا، فمن جعله واحدا فجمعه أفلاك، ومن جعله جمعا فواحد فلك، كما يقال أسد وأسد.
وقوله تعالى: ﴿(وَجَرَيْنَ بِهِمْ)﴾ أي السّفن جرين بأهلها بريح ليّنة ساكنة، وفرحوا بسكون ريحها وأعجبوا، قال الزجّاج: (ابتداء الكلام خطاب، وبعد ذلك إخبار عن معانيه؛ لأنّ مخاطبة الله لعباده لا تكون إلاّ على لسان الرّسول، وذلك بمنزلة الإخبار عن الغائب) (١).
قوله تعالى: ﴿وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ؛﴾ أي ركوبهم الموج من كلّ جانب. وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ؛﴾ أي أيقنوا أنه قد دنا هلاكهم، تقول العرب لكلّ من وقع في الهلاك، أو بليّة عظيمة: أحيط بفلان؛ أي أحاط به الهلاك.
قوله تعالى: ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ؛﴾ أي دعوا الله ليكشف ذلك عنهم، مخلصين له الاعتقاد، لا يدعون عند الشدّة غيره، قال الحسن: (ليس هو إخلاص الإيمان، ولكنّه لعلمهم بأنّه لا ينجيهم من تلك الشّدّة إلاّ الله .
قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ؛﴾ أي من هذه الرّيح الشديدة والغرق، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (٢٢)؛لك على نعمائك.
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ؛﴾ فلما أنجاهم من البحر إذا هم يتطاولون على أنبياء الله وأوليائه، ويعملون بالمعاصي
стр. 1352
والفساد، والدعاء إلى غير عبادة الله. والبغي في اللغة: التّرامي إلى الفساد، يقال: بغى الجرح بغيا إذا ترامى إلى الفساد، وبغت المرأة إذا فسدت.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي إنّما ظلمكم وتطاولكم يعود ضرره عليكم، ويرجع وباله إليكم، وقوله تعالى:
﴿(مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا)﴾ أي هو تمتّع قليل في الدّنيا، ومتاع يذهب ويفنى، ويجوز أن يكون قوله: ﴿(مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا)﴾ خبر لقوله ﴿(إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ)﴾ أي لا يتهيّأ لكم إلاّ أن يبغي على بعض في مدّة يسيرة من الدّنيا مع سرعة انقضائها، ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ؛﴾ بعد الموت، ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢٣)؛وقرأ حفص «(متاع)» بالنصب على المصدر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ؛﴾ معناه: إنما صفة حياة الناس الدّنيا وهي الحياة الأولى، صفة ما أنزل الله فينبت به أنواع النبات، واختلط بعضه إلى بعض؛ لأن المطر يختلط بالنبات ويدخل في خلاله. قوله تعالى: ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ؛﴾ أي مما يصير إلى الناس من الحبوب والثمار، وبعضه علفا للدّواب من العشب والكلإ.
قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ؛﴾ أي زيّنها من النبات، والزّخرف: حسن الشّيء، وقوله (وازّيّنت) أي تزيّنت بنباتها وأثمارها من الأحمر والأصفر والأخضر وسائر الألوان التي لا غاية لها في الحسن بعدها.
قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها؛﴾ حسب أهلها إدراك الانتفاع بها. قوله تعالى: ﴿أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً؛﴾ أي أتاها عقابنا في ليل أو نهار، إما ببرد أو بصواعق محرقة أو غيرها، ويسمّى العقاب أمرا؛ لأنّ أفعال الله سبحانه تضاف إليها بلفظ الأمر؛ لأنّ ذلك أدلّ على سرعة السّكون من غير استبطاء ولا تعب.
قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ؛﴾ أي كأن لم يكن بذلك المكان شيء من الخضر والحسن والنبات، والمغنى: هو الموضع الذي يقام فيه ويعمر، والمغاني:
المنازل التي يعمّرها الناس بالنّزول بها، كما يقال غنينا بمكان كذا إذا نزاد به، ووجه
стр. 1353
تشبيه الحياة الدنيا بالمطر الذي ينزل فينبت به النبات، ثم يقضى فينقطع أنه كما لا يبقى من ذلك شيء من ذلك النبات، كذلك المتمسّك بالدنيا أقوى ما ينتهي إليه أمر دنياه يأتيه الموت.
وقرأ ابن مسعود «وتزيّنت»،وقرأ أبو عثمان الشهدي والضحّاك «(وازّانت)» على وزن (احمارّت)،وقرأ أبو رجاء والشعبيّ والحسن «(وازّيّنت)» على مثال (افّعّلت) مقطوعة الألف ساكنة الزاي، قال قطرب معناه: (أتت بالزّينة) كما يقال: أذكَرت المرأة وأنّثت إذا أتت بالذّكور والإناث.
قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ؛﴾ أي كما فصّلناكم، فكذلك نبيّن الآيات في القرآن، ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢٤)؛في أمر الدّنيا والآخرة، وإنما خصّ بذلك من يتفكّر؛ لأن الغافل عن ذلك والمتغافل لا يكاد ينتفع بهذه الأمور، بل هو كالأنعام وأضلّ.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ؛﴾ قال ابن عبّاس: (والله يدعو إلى عمل الجنّة)،وقال: (الله السّلام، وداره الجنّة) ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢٥)؛أي يكرم من يشاء بالكرامة وبالهداية إلى دين القيم، قائم برضاء الله وهو الإسلام، ويقال: معنى دار السّلام الدار التي يسلم أهلها عن الآفات والأمراض والهرم والموت، والسّلام بمعنى كالرّضاع والرّضاعة.
قوله تعالى: ﴿*لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ؛﴾ أي للّذين أحسنوا العمل في الدّنيا لهم الحسنى وهي الجنة ولذاتها. قوله تعالى: ﴿(وَزِيادَةٌ)﴾ روي عن أبي بكر ﵁ أنه قال حين تلا هذه الآية: (أتدرون ما الزّيادة؟ قالوا: ما هي يا خليفة رسول الله ﷺ ؟ قال: الحسنى الجنّة والزّيادة النّظر إلى وجه الله تعالى) (١).
وعلى هذا القول حذيفة وأبو موسى وصهيب (٢) وعبادة بن الصّامت وكعب ابن عجرة وعامر بن سعيد والحسن وعكرمة وأبو الجوزاء والضحّاك والسديّ وعطاء
стр. 1354
ومقاتل، وهو قول أبي بكر الصدّيق ﵁ يدلّ عليه قوله ﷺ : [إذا دخل أهل الجنّة نودوا: أن أهل الجنّة إنّ لكم عند الله موعدا لم تروه، فيقولون: وما هو؟! ألم يبيّض وجوهنا ويزحزحنا عن النّار ويدخلنا الجنّة؟ قال: فيكشف الحجاب وينظرون إليه ، فو الله ما أعطاهم الله شيئا أحبّ إليهم منه] (١).
وقال ابن عبّاس: (للّذين أحسنوا الحسنى؛ أي للّذين شهدوا أن لا إله إلاّ الله الجنّة)،وروى عطيّة: (أنّ الحسنى هي الواحدة من الحسنات بواحدة، والزّيادة التّضعيف عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف) (٢).
وقيل: الحسنى النّصرة، والزّيادة النّظر، قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ (٣)،وعن عليّ ﵁ قال: (الزّيادة غرفة من لؤلؤة واحدة، لها أربعة أبواب) (٤)،ويقال: الزيادة رضا الرب، كما روي أنّ أهل الجنّة يؤتون بالتّحف والكرامات ويقول لهم رسول رب العزّة (إنّ الله تعالى يقول لكم: قد رضيت عنكم فهل رضيتم عنّي؟).
قوله تعالى: ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٦)؛أي لا يعلو وجوههم ولا يلحقها سواد وهو كسوف الوجه (وذلّة) أي ولا هوان ولا حزن، ولا يكون نعيم الجنة كنعيم الدّنيا، ولا يشوبه التنغيص ولا التنكيد. والرّهق في اللغة هو الرّهوق ومنه قولهم للصبيّ إذا قارب البلوغ: مراهق؛ أي قارب أن يبلغ الاحتلام. والقتر: غبرة فيها سواد. وقرأ الحسن «(قتر)» بإسكان التاء، وهما لغتان. وباقي الآية ظاهر المعنى.
стр. 1355
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها؛﴾ معناه: والذين أبوا طاعة الله في ما أمرهم به ونهاهم عنه، يجازيهم الله بما يستحقّونه على العقوبة، ولا يجازيهم بأكثر من الاستحقاق، بخلاف الطاعة فإنه تعالى قد يتفضّل على المطيع بزيادة الأجر، فإنه كان يجوز أن يتّصل ابتداء بتلك الزيادة، والجزاء مرفوع بإضمار، كقوله ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ (١) أي فعليه ذلك، ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء خبر (بمثلها) أي مثل، الباء فيه زائدة.
قوله تعالى: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ؛﴾ أي يعلوهم كآبة وكسوف وهوان؛ لأن العقاب لا يكون عقابا بمجرّد الألم، وإنما يكون عقابا بما يقارنه بإرادة الإذلال والإهانة. قوله تعالى: ﴿ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ؛﴾ أي ما لهم من حافظ يدفع عنهم عقاب الله. وقوله تعالى ﴿(مِنْ عاصِمٍ)﴾ من ههنا صلة.
وقوله: ﴿كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً؛﴾ أي كأنّما ألبست وجوهم قطعا من اللّيل، أكثر القراءة على فتح الطّاء وهو جمع قطعة، ويكون (مظلما) على هذه القراءة نصبا على الحال، والقطع دون النعت كأنّه أراد قطعا من الليل المظلم، فلما حذف الألف واللام نصب على القطع. ويجوز أن يكون حالا؛ أي قطعا من الليل في حال الظّلمة.
وقرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب «(قطعا)» ساكنة الطّاء؛ أي بعضا كقوله تعالى:
﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ (٢) ويكون (مظلما) نعتا للقطع، وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٧)؛ظاهر المعنى.
قال ابن عبّاس ﵁: (نزلت هذه الآية في أهل الشّرك).وقوله: ﴿(جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها)﴾ أي قصاص الشّرك بالله النار، ليس في النار زيادة على جزاء المثل، إذ لا ذنب أعظم من الشّرك، ولا عقاب أشدّ من النار، كما قال تعالى: ﴿جَزاءً وِفاقاً﴾ (٣).وقال
стр. 1356
صلّى الله عليه وسلّم: [أوقد على النّار ألف سنة حتّى احمرّت، ثمّ أوقد عليها ألف سنة حتّى ابيضّت، ثمّ أوقد عليها ألف سنة حتّى اسودّت، فهي سوداء كاللّيل المظلم إلى يوم القيامة، وإنّ لونها أشدّ سوادا من القبر في عينين خضراوين، وأهلها سود، فكذلك طعامها وشرابها، والّذي نفس محمّد بيده، لو اطّلع رجل من أهلها على الأرض لأسودّت بها الأرض من شدّة سواده] (١).
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً؛﴾ أي يوم نجمعهم جميعا من قبورهم إلى المحشر للفصل بينهم. ونحشر في اللغة: جمع الحيوان من كلّ مكان. قوله تعالى:
﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا؛﴾ أي نقول للذين أشركوا في عبادتهم مع الله غيره، وأشركوا في أموالهم كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ؛﴾ أي يقال لهم: قفوا أنتم وآلهتكم، وهذه كلمة تهديد، كما يقال للغير: مكانك؛ أي الزم مكانك حتى تنتظر ماذا حلّ بك بسوء صنيعك، وحتى نفصل بينك وبين خصمك.
قوله تعالى: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ؛﴾ أي ففرّقنا بين الكفار وبين آلهتهم في القول بالاختلاف الذي يكون بينهم، وليس هذا من الإزالة ولكنه من قولك: أزلت الشيء عن مكانه أزله أزيلا، والترسل الكثيرة من هذا الباب، والمزايلة المفارقة.
قوله تعالى: ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ (٢٨)؛معناه: إن الله يسأل الأصنام التي عبدوها: هل أمرتم هؤلاء بعبادتكم؟ فيقولون للذين كانوا يعبدونها ردّا عليهم: ﴿(ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ)﴾ بأمرنا ولم نعلم بعبادتكم، ولم يكن فينا روح فنفعل بعبادتكم، فيقول الكفار: بلى قد عبدناكم، وأمرتمونا فأطعناكم،
فتقول الأصنام، كما قال تعالى: ﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ؛﴾ أي كفى بالله فاصلا للحكم بيننا وبينكم، ﴿إِنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ﴾ (٢٩)؛لا نعلم شيئا
стр. 1357
من ذلك. والفائدة في اختصار الأصنام أن يظهر الله للمشركين ضعف معبودهم، وليزيدهم ذلك حسرة على عبادتهم.
قوله تعالى: ﴿هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ؛﴾ من قرأ «(يبلو)» بالياء فالمعنى فنخبر كلّ نفس ما قدّمت من خير أو شر، ومن قرأ «(تبلو)» بالتاء فالمعنى تقرأ كل «نفس» كتاب عملها. ويجوز أن يكون معناه: تتّبع كلّ نفس جزاء عملها، و ﴿(هُنالِكَ)﴾ من الظّروف، أصله هناك، واللام زائدة والكاف للمخاطبة، وكسرت اللام لسكونها وسكون الألف.
وقوله تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ؛﴾ أي ردّوا إلى جزاء الله وإلى الموضع الذي لا يملك الحكم فيه أحد إلا الله، والحقّ هو الذي يكون معنى اللفظ حاصلا فيه على الحقيقة، والله تعالى حقّ لأنّ الإلهيّة حاصلة له على الحقيقة؛ لاقتداره على جميع الأشياء. قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٣٠)؛وبطل عنهم ما كانوا يختلقون من الكذب بالأصنام أنّها آلهة وأنّها تشفع عند الله.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ؛﴾ أي قل لكفّار مكّة: من يرزقكم من السّماء المطر؛ و؛ من ﴿وَالْأَرْضِ؛﴾ النبات والثمار، ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ﴾ يقدر على أن يخلق لكم، ﴿السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ؛﴾ أي من يخرج الحيّ من النّطفة، ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ؛﴾ أي من يخرج النطفة من الحيّ، والفرخ من البيضة، والبيضة من الفرخ، والسّنبلة من الحبّة، والحبة من السّنبلة، ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ؛﴾ أمر العباد على وجه الحكمة، ﴿فَسَيَقُولُونَ اللهُ،﴾ فيعرفون بالله تعالى هو الذي يفعل هذه الأشياء، وأنّ الأصنام لا تقدر على شيء من هذا، ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (٣١)؛فقل لهم يا محمّد: أفلا تخافون من عقاب الله، ولم تعبدون الأصنام.
قوله تعالى: ﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ؛﴾ أي الذي يرزقكم من السّماء والأرض، ويخرج الحيّ من الميت، ويخرج الميت من الحيّ، ويدبر الأمر، وهو ربّكم الحقّ دون الأصنام الباطلة. قوله تعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ؛﴾ أي فما
стр. 1358
يردّكم عن عبادة الله وهو الحقّ إلى عبادة الأصنام الباطلة إلا الضّلال، ومن أين ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ (٣٢)؛عن الإيمان بالله وإخلاص الطاعة له بعد المعرفة.
قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣٣) أي كما وجبت كلمة العذاب فيهم، وجب على كلّ من تمرّد بالكفر، وقوله: ﴿(أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)﴾ يجري مجرى التّعليل، كأنّه قال بإصرارهم على الكفر؛ لأنه كلما كان تمرّدهم أكثر، كانوا في الكفر أشدّ ضلالة، وإلا فقد آمن كثير من الكفار، وقال ابن عبّاس:
(وجبت كلمة العذاب عليهم وهم في صلب آدم ﵇.
قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: هل من شركائكم الذين أشركتم مع الله في العبادة من ينشئ الخلق من النّطفة بعد أن لم يكن، ويجعل فيه الروح؟ قوله تعالى: ﴿(ثُمَّ يُعِيدُهُ)﴾ فيه اختصار؛ لأنّ الإعادة ردّ الشيء إلى الحالة الأولى، ولا يكون ذلك إلا بعد فناء، فيكون تقدير الآية: من يبدأ الخلق من النطفة، ثم يفنيه، ثم يعيده في الآخرة. ﴿قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٣٤)؛أي من أين تصرفون عن الإيمان بالله وإخلاص الطاعة له.
قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ؛﴾ أي قل هل من آلهتكم من يهتدي إلى الرّشد، وما فيه صلاح لهم، ﴿قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ؛﴾ أي الرّشاد وما فيه صلاح الإنسان، يقال: هديت إلى الحقّ، وهديت للحقّ بمعنى واحد.
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى﴾ معناه: أفمن يدعو إلى عمل الحقّ أحقّ أن يطاع ويعمل بأمره، أمّن لا يهتدي طريقا إلا أن يحمل فيذهب به حيث يراد، يعني الأصنام، كأنه قال: إن «الأصنام» التي يعبدونها من دون الله لا تهتدي بأنفسها إلا أن يهدى بها عند غيرها (١).
واختلف القرّاء في قوله: ﴿(أَمَّنْ لا يَهِدِّي)،﴾ وأجودها قراءتان: «(يهدّي)» فتح الهاء، و «(يهدّي)» بكسر الهاء، والأصل في ذلك يهتدي أدغمت التاء في الدّال، وطرح فتحها على الهاء، وكسرت الهاء لالتقاء السّاكنين.
стр. 1359
قوله تعالى: ﴿فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (٣٥)؛معناه: أيّ شيء لكم في عبادة الأوثان؟ فكيف تقضون لأنفسكم، فتعبدون من لا يستحقّ العبادة؟
قوله تعالى: ﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا؛﴾ أي ما يعبد أكثرهم الأصنام إلاّ تقليدا لآبائهم وقبائلهم بظنّ يظنّونه في غير يقين، يعني أنّ رؤساءهم قالت لهم: إن الأصنام تشفع لهم عند الله، وأما السّفلة فلا يعلمون إلا ما قالت رؤساؤهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً؛﴾ أي إنّ الظنّ في موضع يمكن الوقوف فيه على العلم لا يغني عن الحقّ شيئا؛ لأنه لا يكون ذلك بمنزلة من عرف شيئا باليقين ثم ترك ما عرف بالظنّ، فإن علمه بالظنّ لا يغني عن عمل الحقّ شيئا، وعبادة الصّنم بالظنّ لا تغني من عذاب الله شيئا. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٣٦)؛وعيد لهم على كفرهم.
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ هذا جواب عن دعواهم على النبيّ ﷺ الافتراء على الله وقولهم: ائت بقرآن غير هذا أو بدّله، معناه: إن القرآن كلام الله في أعلى طبقات البلاغة بحسن النظام، فليس هذا مما يقدر أحد أن يفتريه على الله، ﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ؛﴾ الكتب المنزّلة، ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ،﴾ من التوراة والإنجيل والزّبور؛ لمجيئه شاهدا لها بالصّدق، وبكونه مصادقا بما تضمّنته تلك الكتب من البشارة.
ويجوز أن يكون معنى التصديق لما ﴿(بَيْنَ يَدَيْهِ)﴾ أي التصديق بما بين يدي القرآن من البعث والنّشور والحساب. قوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ؛﴾ معناه: وتبيين المعاني المختلفة من الحلال والحرام والأمر والنهي، ﴿لا رَيْبَ فِيهِ؛﴾ أي لا شكّ فيه أنه حقّ، ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٣٧).
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ؛﴾ معناه: بل يقولون: إنّ محمّدا اختلق هذا القرآن من تلقاء نفسه! قل يا محمّد: إن كان هو اختلقه فأتوا بسورة من مثل ((سور)) القرآن، فإنّما قال ذلك؛ لأنّ النبيّ ﷺ نشأ بين أظهرهم وتعلّم اللغة منهم، فإذا لم يأتوا مع حرصهم على تكذيبه وإبطال أمره، دلّ أنّ مثله غير
стр. 1360
مقدور للبشر. ومعنى الآية: فلو قدر هو على افتراء القرآن لقدرتم أنتم على الإتيان بسورة مثله.
قوله تعالى: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ أي استعينوا على الإتيان بسورة مثل القرآن بكلّ من قدرتم عليه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٣٨)؛أن محمّدا اختلقه من تلقاء نفسه، فإنّ العادة لم تجر بأن يستبدّ إنسان بالافتراء على كلام لا يقدر أحد أن يأتي بمثله.
فلمّا قرأ عليهم النبيّ ﷺ هذه الآية فلم يجيبوا، فأنزل الله:
قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ؛﴾ أي بل كذبوا بما لم يدركوا من كيفيّة ترتيبه ونظمه، وما فيه من الجنّة والنار والبعث والقيامة والثواب والعقاب، ﴿وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ؛﴾ أي ولم يأتهم بعد حقيقة ما وعدوا في الكتاب مما يؤول إليه أمرهم من العقوبة والعذاب على التكذيب.
قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ أنبياءهم من البعث، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ (٣٩)؛يعني أنّ عاقبتهم العذاب والهلاك بتكذيبهم، كذلك يكون عاقبة هؤلاء.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ؛﴾ قال ابن عبّاس: (يعني ومن اليهود من يؤمن بالقرآن في المستقبل، ومنهم من يصرّ على كفره فلا يؤمن به)، ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ (٤٠)؛باليهود من يؤمن ومن لا يؤمن، وقال مقاتل: (نزلت في أهل مكّة).وقيل: في الآية إشارة إلى أنه لولا أنّ الله تعالى علم أنّ منهم من سيؤمن في المستقبل لأهلكهم جميعا في الحال.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ؛﴾ أي إن كذبك قومك في ما أتيتهم به فقل: لي جزاء عملي، ولكم جزاء أعمالكم، ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ؛﴾ من جزاء عملي، ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٤١)؛من جزاء أعمالكم، وكان هذا القول مع النبيّ ﷺ على جهة حسن العشرة معهم لا لأنه كان
стр. 1361
شاكّا في جزاء عمله وجزاء عملهم، وقال الكلبي ومقاتل: (هذه الآية منسوخة بآية الجهاد) (١).
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ (٤٢)؛قال ابن عبّاس: (نزلت في يهود المدينة، كانوا يبلغون مكّة فيأتون رسول الله ﷺ ، فيسألونه ويستمعون قراءته فيعجبهم ذلك ويشتهونه؛ ثمّ تغلب عليهم الشّقاوة فلا يؤمنون به).والمعنى: ومنهم من يستمع إليك وهو في المعنى كأنّه متفكّر في ما تقول وهو غير متفكّر فيه.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ (٤٣)؛نظر من هو في الظاهر مستمع إلى كلامك، وطالب الانتفاع به، وليس في الحقيقة كذلك، قوله: ﴿(أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ)﴾ أي كما لا يقدر أن يسمع كلامك الصمّ، فكذلك لا يقدر على أن ينتفع من كلامك غير طالب الانتفاع به، وكما أنّك لا تقدر على أن تبصر العمي، فكذلك لا تقدر على أن تنفع بما يأتي من الأدلّة من ينظر ولا يطلب الانتفاع بها. وفي الآية ما يدلّ على تفضيل السّمع على البصر؛ لأنه تعالى ذكر مع الصم فقدان العقل، ولم يذكر مع العمى إلا فقدان البصر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً؛﴾ أي لا ينقص من حسناتهم، ولا يزيد في سيّئاتهم ما يمنعهم الانتفاع بكلامه وأدلّته، ﴿وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٤٤)؛بأن لا يطلبوا الانتفاع به ويعرضوا عن التفكّر فيه، أخبر الله في هذه الآية أن تقدير الشّقاوة عليهم لم يكن ظلما منه؛ لأنه يتصرّف في ملكه كيف يشاء، وهم إذا كسبوا المعاصي فقد ظلموا أنفسهم؛ لأن الفعل منسوب إليهم وإن كان القضاء من الله .
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ؛﴾ أي ويوم يجمعهم في الموقف كأن لم يلبثوا في الدّنيا إلا قدر ساعة من
стр. 1362
النّهار، وفي هذا بيان أن المكث في الدّنيا وإن طال، كان في جنب الآخرة بمنزلة ساعة من النّهار. قوله تعالى: ﴿(يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ)﴾ أي يعرف بعضهم بعضا، ويكون في معرفة بعضهم لبعض حسرة على من ضلّ بقيام الحجّة عليهم.
وقال ابن عبّاس: (وذلك حين يخرجون من قبورهم ثمّ تنقطع المعرفة)، وقيل: معناه: كأن لم يلبثوا في قبورهم إلا ساعة من نهارهم، وقال الضحّاك: (قصر عندهم مقدار الوقت الّذي بين موتهم وبعثهم، فصار كالسّاعة من النّهار لهول ما استقبلوا من آخر البعث والقيامة، يتعارفون بينهم بتوبيخ بعضهم بعضا، يقول كلّ كافر لآخر: أنت أضللتني يوم كذا، وأنت أورثتني دخول النّار بما علّمتني وزيّنته لي).
قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ؛﴾ أي غبن الذين كذبوا بالبعث بعد الموت بذهاب الدّنيا والآخرة عنهم، ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (٤٥).
قوله تعالى: ﴿وَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ؛﴾ في الآية وعد من الله لنبيّه ﷺ أن ينتقم له منهم، منه في حياته أو بعد مماته، قال المفسّرون: كانت وقعة بدر مما أراه الله في حال حياته مما أوعد المشركين من العذاب ﴿(أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ)﴾ قبل أن نريك، ﴿(فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ)﴾ بعد الموت فيجزيهم بأعمالهم.
قال الزجّاج: (أعلم الله أنّه إن لم ينتقم منهم في العاجل انتقم منهم في الآجل) (١).وقوله تعالى: ﴿(فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ)﴾ أي لا يفوتوننا ولا يعجزوننا. وعن ابن عبّاس قال: (نزل جبريل ﵇ على النّبيّ ﷺ يوم بدر فقال: إنّ ربي أمرني أن لا أفارقك اليوم حتّى ترضى، فهل رضيت؟ قال: [نعم؛ أراني بعض ما أوعدهم فله الحمد على ذلك]).وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ (٤٦)؛ من محاربتك وتكذيبك.
قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ؛﴾ أي لكلّ أمّة من الأمم رسول يدعوهم إلى ما أمرهم الله به ونهاهم عنه، ويبشّرهم بالجنة ويخوّفهم بالنار، ﴿فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ يوم القيامة شاهد عليهم بأعمالهم ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا﴾
стр. 1363
﴿يُظْلَمُونَ﴾ (٤٧)؛بالعدل فيوفّى كلّ إنسان جزاء عمله لا ينقص من ثواب محسن، ولا يزاد على عقاب مسيء.
كما روي في الخبر: [أنّ الله تعالى يقول للأمم المكذّبة يوم القيامة: ألم يأتكم رسلي بكتابي فيه حلالي وحرامي؟ فيقولون: ما أتانا رسول ولا كتاب! ثمّ يؤتى بالرّسول الّذي أرسل إليهم فيقول: بل يا رب قد أبلغتهم كتابك ورسالتك. فيقول:
من يشهد لك؟ فيقول الملائكة: نحن نشهد قد أبلغهم رسالتك وكتابك، فيقولون: يا ربّنا هؤلاء خلقك يشهدون لك بما شئت! فيختم الله على ألسنتهم ويأذن لجوارحهم في الكلام، فيشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون] (١).
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٨)؛أي يقول الكفّار: وقّت لنا وقتا بمجيء هذا الوعد الذي وعدتنا به من العذاب إن كنت من الصّادقين أنّ العذاب ينزل بنا.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاّ ما شاءَ اللهُ؛﴾ أي قل يا محمّد: لا أقدر لنفسي على دفع ضرّ وجرّ نفع إلا ما شاء الله أن يقدر لي عليه، فكيف أقدر لكم. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ؛﴾ أي وقت مضروب، ﴿إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٤٩)؛بعد الأجل ولا يتقدّمون.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٥٠)؛أي قل لهم يا محمّد: إن أتاكم عذاب الله ليلا أو نهارا ما الذي يستعجل من العذاب المشركون، أي كيف يصنعون وكيف يقبل منكم إيمانكم وهو إيمان الإنجاء إذا نزل بهم العذاب.
قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ؛﴾ الألف في أوّل هذه الآية ألف استفهام، ذكرت على جهة الإنكار، والمعنى إذا نزل عليكم العذاب آمنتم به؟ قالوا:
نعم، قل لهم يا محمّد: ﴿آلْآنَ؛﴾ تؤمنون ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٥١)؛
стр. 1364
وهو العذاب الدائم الذي لا ينقطع،
﴿ثُمَّ قِيلَ،﴾ أي يقولون، ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (٥٢)؛أي تعملون في الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿*وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ؛﴾ ويستخبرونك يا محمّد: أحقّ ما تعدنا من العذاب والبعث بعد الموت؟ ﴿قُلْ؛﴾ نعم وأحلف عليه ﴿إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ؛﴾ إنه صدق وكائن، ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (٥٣)؛الله عن إحلال العذاب بكم، ويحتمل أن يكون المراد بقوله تعالى ﴿(أَحَقٌّ)﴾ هو دين الإسلام؟ قال الزجّاج: (معنى قوله: (إي وربي):نعم إنّه لحقّ؛ أي إنّ العذاب نازل بكم).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ؛﴾ أي لو أنّ كلّ إنسان ظالم كان له ما في الأرض جميعا لافتدى به من عذاب الله، ثم لا ينفعه ذلك ولا يقبل منه. قوله تعالى: ﴿(وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ)﴾ أي أسرّ القادة (١) الندامة عن الأتباع حين رأوا العذاب، والمعنى: أخفى الرؤساء في الكفر الندامة عن الذين أضلّوهم وستروها عنهم، هذا قول عامّة المفسّرين.
وقال أبو عبيد: (الإسرار من الأضداد، يقال: أسررت الشّيء إذا أخفيته، وأسررته إذا أعلنته) قال: (من الإعلان قوله تعالى: ﴿(وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ)﴾ أي أظهروها).قيل: معناه: وأخلصوا الندامة، والإسرار الإخلاص. قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ؛﴾ أي قضي بين الخلائق كلّهم بالعدل، ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٥٤)؛بأن لا (٢) يزاد على عذاب المسيء على قدره المستحقّ.
قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ لا يقدر أحد على منعه من إحلال العقاب بمملوكه، ﴿أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ؛﴾ بإحلال العقاب بالمجرمين، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٥٦).
стр. 1365
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ؛﴾ يعني قريشا، والموعظة القرآن، والمواعظة التي تدعو إلى الصلاح، ﴿(وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ)﴾ أي دواء لذوي الجهل، والقرآن مزيل للجهل وكاشف لعماء القلوب، ﴿وَهُدىً؛﴾ وبيان من الضّلالة، ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥٧)؛ أي ونعمة من الله لأصحاب النبيّ ﷺ .
ومعنى الموعظة الإيابة بما يدعو إلى الصّلاح بطريق الرّغبة والرهبة. ومعنى الشّفاء ما يجده من يستدلّ إعجاز القرآن من الرّوح بزوال الشّرك والتشبيه، وهو شرح الصّدر الذي ذكره الله بقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (١).ومعنى (الهدى) بيان الشّرائع من الحلال والحرام والفرض والنّدب والإيابة.
وأما الرّحمة فهي الإنعام على المحتاج بدليل أن ملكا لو أهدى إلى ملك لم يكن له منه رحمة عليه، وأما تخصيص المؤمنين بالرحمة؛ فلأنّهم هم الذين ينتفعون بنعم الدّين.
قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا؛﴾ قال ابن عبّاس ومجاهد والحسن وقتادة: (فضل الله الإسلام، ورحمته القرآن) (٢) وهذا قول عامّة المفسّرين. وعن أبي سعيد الخدري قال في معنى هذه الآية: (فضل الله القرآن، ورحمته جعلكم من أهله) (٣) والمعنى: قل يا محمد لأصحابك: بالقرآن الذي أكرمك الله به والإسلام الذي وفّقكم له فافرحوا، ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ (٥٨) يجمع اليهود والمشركون من الأموال.
وقرأ بعضهم «(فلتفرحوا)» و «(تجمعون)» كلاهما بالتاء المخاطبة. وعن محمّد بن كعب القرظي قال: (إذا عملت عملا رجاء ثواب الله فافرح، فإنّه خير لك ممّا يجمع أهل الدّنيا).
стр. 1366
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ؛﴾ أي قل يا محمّد لأهل مكّة: أرأيتم ما أنزل الله لكم في الكتاب من رزق جعله لكم حلالا طيّبا من الأنعام والحرث، ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً؛﴾ أي جعلتم البحائر والسّوائب حلالا للرّجال منفعة، وحراما على النساء، وجعلتم لآلهتكم من الحرث نصيبا فحرّمتموه على النساء، وأحللتموه للرجال، والله سبحانه لم يحرّم شيئا من ذلك، ﴿قُلْ؛﴾ لهم يا محمد: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ؛﴾ أمركم بتحريمه، ﴿أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ (٥٩)؛تختلقون الكذب، يعني: بيّنوا الحجة في ذلك، وإلاّ فأنتم تفترون على ربكم.
ثم أوعدهم على الكذب فقال: ﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ أي ما ظنّ الذين يكذبون على الله في التحليل والتحريم ماذا يفعل بهم يوم القيامة، أتظنّون أن الله لا يعاقبهم على افترائهم عليه؟ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ؛﴾ أي لذو منّ عليهم بتأخير العذاب عنهم، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ (٦٠)؛نعم الله.
قوله تعالى: ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ؛﴾ أي وما تكون في أمر من الأمور، وقال الحسن: (من شأن الدّنيا وحوائجك فيها، وما تتلوا منه، أي من الله نازل منه من قرآن يوحى إليك من سورة أو آية تقرأ على أمّتك).
والخطاب للنبيّ ﷺ وأمّته داخلون فيه؛ لأنّ خطاب الرئيس خطاب له ولأتباعه، يدلّ على ذلك قوله: ﴿(وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً)﴾ أي ما تعملون أنتم جميعا يا بني آدم عامّة ويا أمّة محمّد من خير أو شرّ، إلاّ كنّا على أمركم وتلاوتكم وعملكم شهودا إذ تدخلون فيه. قال الفرّاء: (معناه يقول: الله تعالى شاهد على كلّ شيء) (١) والمعنى ألا يعلمه فيجازيكم به. والإفاضة الدخول في العمل، وقال ابن الأنباريّ: (إذ تندفعون فيه) وقال ابن عبّاس: (إذ تأخذون فيه).
стр. 1367
قوله تعالى: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ؛﴾ أي ما يغيب وما يبعد، ﴿مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ،﴾ من وزن نملة حميراء صغيرة من أعمال العباد، ﴿فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ﴾ ولا أخفّ من الوزن من الذرّة، ﴿وَلا أَكْبَرَ،﴾ ولا أثقل منه، ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٦١)،إلاّ وهو مع علم الله تعالى ومكتوب في اللوح المحفوظ. والعزوب البعد والذهاب، ويعزب بضمّ الزاي وكسرها لغتان.
قوله تعالى: ﴿(مِثْقالِ ذَرَّةٍ)﴾ أي وزن ذرّة، ومثقال الشيء ما وازنه.
قال الفرّاء: (من نصب قوله تعالى: ﴿(أَصْغَرَ)﴾ و (أكبر) فإنّما أراد الخفض يتبعهما المثقال والذرّة، إلاّ أنّهما لا ينصرفان؛ لأنّهما على وزن أفعل اتّباع معنى المثقال؛ لأنّك لو لقيت من المثقال من كان رفعا وهو كقوله: ما أتاني من أحد عاقل وعاقل، وكذلك: ما لكم من إله غيره وغيره) (١).
وقيل: رفع على الابتداء، وخبره ﴿(إِلاّ فِي كِتابٍ)﴾ فمن قرأ «(ولا أصغر ولا أكبر)» بالنصب فالمعنى: وما يعزب عن ربك من مثقال ذرّة، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. ومن رفع فالمعنى: وما يعزب عن ربك مثقال ذرّة، ولا أصغر ولا أكبر.
قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦٢) معناه: ألا إنّ أولياء الله تولاّهم الله بحفظه وحياطته، لا خوف عليهم يوم القيامة ولا هم يحزنون على ما اختلفوا في الدّنيا،
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٦٣)؛تفسير أولياء الله؛ أي الذين يؤمنون بمحمّد ﷺ والقرآن، ويتّقون الشّرك والفواحش، وعن رسول الله ﷺ : أنّه سئل عن أولياء الله فقال: [هم المتحابّون في الله] (٢)،وعنه ﷺ قال: [هم الّذين إذا رأوا ذكر الله] (٣) يعني إذا رآهم العامّة ذكر من أجل سيماهم في وجوههم.
стр. 1368
وسئل عيسى ﵇ عنهم فقال: (هم الّذين نظروا إلى باطن الدّنيا حين نظر النّاس إلى ظاهرها، ونظروا إلى آجلها حين نظر النّاس إلى عاجلها، فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة، يحبّون الله ويحبّون ذكره).
قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ؛﴾ معناه: لهم البشرى في الحياة بالقرآن، وفي الآخرة بالجنّة. ويقال: أراد بالبشرى في الدّنيا بشارة الملائكة ﴿أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا .. ﴾. الآية (١).
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [لم يبق من النّبوّة بعدي إلاّ المبشّرات] قيل:
وما المبشّرات؟ قال ﵇: [الرّؤيا الصّالحة يراها العبد الصّالح لنفسه] (٢) وقرأ له:
[وهي جزء من ستّة وأربعين جزءا من النّبوّة، فمن أري ذلك فليخبر بها] (٣).
قوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ؛﴾ أي لا خلف في وعد الله، وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٦٤)؛أي ذلكم الذي وعدكم الله هو الثواب الوافر والنجاة الوافرة.
قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ؛﴾ أي لا يحزنك يا محمّد تكذيبهم إيّاك وتهديدهم لك بالقتل، وفيه تسلية للنبيّ ﷺ على كفرهم وتكذيبهم ونسبتهم له إلى الافتراء على ربه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً؛﴾ استئناف كلام، ولذلك كسرت (إنّ)،والمعنى: فإنّ القوة لله جميعا يمنعهم عنك بعزّته، ولا يتعذر أحد الا بإذنه وهو ناصرك وناصر دينك، و ﴿هُوَ السَّمِيعُ؛﴾ لمقالة الكفّار ﴿الْعَلِيمُ﴾ (٦٥)؛بضمائرهم. ولا يجوز أن يقرأ «(أنّ العزّة)» بالنصب لاستحالة أن النبيّ ﷺ كان يحزنه قول الكفار بأنّ العزة لله جميعا.
стр. 1369
قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي له من فيهما من الخلق على من لا يعقل. قوله تعالى: ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ؛﴾ أي ما يتّبعون شركاء على الحقيقة والمعرفة، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ؛﴾ أي ما يدّعونهم إلا بالظنّ بتقليد آبائهم وقول بعضهم: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ (١) ويظنّون أنّها تشفع لهم يوم القيامة. قوله تعالى:
﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ (٦٦)؛أي ما هم إلا يكذبون في قولهم إنّها تشفع لهم عند الله.
قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً؛﴾ أي هو الذي جعل لكم الليل لتناموا فيه وتستريحوا عمّا لحقكم من النّصب بالنهار، وخلق النهار مضيئا للذهاب والمجيء وطلب المعيشة، وسمّاه مبصرا؛ لأنه يبصر فيه كما قال رؤبة: (قد نام ليلي، وتجلّى همّي).قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ؛﴾ أي في ذلك (٢) للدلالات، ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (٦٧)؛دلائل الله، ويتفكّرون فيها.
قوله تعالى: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ؛﴾ أي قال الكفار:
اتّخذ الله ولدا، فإن المشركين قالوا: الملائكة بنات الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، ؛ أي تنزيها له عن الولد، والشّريك، ﴿هُوَ الْغَنِيُّ،﴾ هو غنيّ عن اتخاذ الولد.
قوله تعالى: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ معناه: إنّ من كان له ملك السّماوات والأرض وما بينهما، فما حاجته الى اتّخاذ الولد؟! وإنما يتخذ الولد ذو الضّعف ليتقوّى به، ويستعين به على بعض أموره، وذو الوحشة ليستأنس به، ومن يخاف الموت على نفسه، فيتّخذ الولد ليخلفه في أملاكه بعد موته، والله تعالى
стр. 1370
لا يجوز عليه السّرور ولا المنافع والمصارف (١)،ولا يلحقه الموت، فهو غنيّ عن اتخاذ الولد.
ثم طالب الكفار بالحجّة والبرهان، فقال : ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا؛﴾ أي ما عندكم من حجّة وبرهان على هذا القول، ثم أنكر عليهم ذلك تبكيتا لهم فقال تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٦٨)؛وهذا على حجّة الإنكار والردّ عليهم؛ أي لم تقولون على الله ما لا علم لكم به ولا حجّة لكم عليه.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ (٦٩) أي قل يا محمّد إن الذين يختلقون كذبا؛ يكذبون به على الله تعالى لا يفلحون في الدّنيا بالحجّة ولا بالآخرة في الثواب، ولا يسعدون في العاقبة وإن اغترّوا بطول السّلامة (٢).
قوله تعالى: ﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا؛﴾ رفع على معنى ذلك متاع في الدّنيا يتمتّعون به قليلا ثم ينقضي. وقيل: لهم متاع في الدّنيا يتمتّعون به أيّاما يسيرة، ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ؛﴾ الغليظ الذي لا ينقطع، ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ،﴾ (٧٠) أي بكفرهم بالله ورسوله.
قوله تعالى: ﴿*وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ؛﴾ أي اقرأ عليهم خبر نوح، ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ؛﴾ ثقل عليكم وعظم، ﴿مَقامِي،﴾ ومكثي فيكم، ﴿وَتَذْكِيرِي؛﴾ وعظتي لكم ﴿بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ؛﴾ به وثقت واليه فوّضت أمري، وذلك حين قالوا له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ؛﴾ أي اعزموا على أمركم مع شركائكم. وقيل: معناه: فاعزموا على أمركم، وادعوا لآلهتكم واستعينوا بهم، وأجمعوا على أمر واحد. ومن قرأ «(فاجمعوا)» بنصب الميم فهو من الجمع.