← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

يهودا، وغيرهم-من رؤساء اليهود: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ؛﴾ أي تخبرونهم أنّهم على الحقّ ليكون لهم الحجّة عليكم عند الله في الدنيا والآخرة إذ كنتم مقرّين بصحة أمرهم ولم تتّبعوهم. وقال الكلبيّ: (معناه: أتحدّثونهم بما قضى الله عليكم في كتابكم أنّ محمّدا حقّ وقوله صدق).ومنه قيل للقاضي: الفتّاح. وقال الكسائيّ: بما بيّنه الله لكم. وقال الواقديّ: بما أنزل الله عليكم؛ نظيره: ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ﴾ (١)؛أي أنزلنا. وقال أبو عبيد والأخفش: (بما منّ الله عليكم وأعطاكم). قوله تعالى: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ؛﴾ أي ليخاصموكم ويحتجّوا بقولكم عليكم عند ربكم. وقال بعضهم: هو أن الرجل من المسلمين يلقى قرينه وصديقه من اليهود فيسأله عن أمر محمّد ﷺ فيقول: إنه حقّ وهو نبيّ؛ فيرجعون إلى رؤسائهم فيلومونهم على ذلك. وقيل: إن كعب بن الأشرف وغيره من رؤساء الكفار كانوا يقولون لعبد الله بن أبي وأصحابه: إذا أقررتم بنبوّة هذا النبيّ وأنّ ذكره في التوراة حقّ؛ تأكّدت حجته عليكم. وقال مجاهد: (إنّ النّبيّ ﷺ سبّ يهود بني قريظة؛ فقال لهم: [يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة الطّاغوت] فقال بعضهم لبعض: من أخبر محمّدا بهذا؟ ما سمعه إلاّ منكم؛ أو ما خرج إلاّ منكم!) (٢). وأصل الفتح: فتح المغلق؛ ثم استعمل في مواضع كثيرة من فتح البلدان؛ وفتحك على القارئ. وقد يكون الفتح بمعنى الحكم؛ كما في هذه الآية ومنه قوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا﴾ (٣).ويسمّى القاضي: الفاتح بلغة عثمان. وقد يكون الفتح بمعنى النّصر مثل قوله تعالى: ﴿وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤) أي يطلبون النّصرة عليهم. وقوله تعالى: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٧٦)؛أي أفليس لكم ذهن الإنسانيّة.

стр. 177

قوله تعالى: ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ (٧٧) أي ما يسرّون من تكذيب النبيّ ﷺ فيما بينهم، وما يعلنون مع الصّحابة من التصديق. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ؛﴾ أي ومن اليهود من لا يحسن القراءة ولا الكتابة إلا أن يحدثهم كبارهم بشيء فيظنّونه حقّا؛ فيصدقونهم وهو كذب. قوله تعالى: ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ﴾. اختلفوا في معنى الأماني، قال الكلبيّ: معناه لا يعلمون إلاّ ما يحدّثهم به علماؤهم. وقال أبو روق: (القراءة من ظهر القلب ولا يقرءون في الكتب) ودليل هذا قوله تعالى: ﴿إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (١) أي إلاّ إذا قرأ ألقى الشّيطان في قراءته. قال الشاعر (٢): تمنّى كتاب الله أوّل ليلة ... وآخره لاقى حمام المقادر وقال مجاهد: (الأمانيّ الكذب والأباطيل؛ كقول عثمان ﵁: (ما تمنّيت منذ أسلمت) أي ما كذبت).وأراد بالأمانيّ الأشياء التي كتبها علماؤهم من عند أنفسهم ثم أضافوها إلى الله تعالى من تغيير صفة النبيّ ﷺ . وقال الحسن: (معنى: يتمنّون على الله الكذب والباطل مثل قوله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً﴾ (٣) وقوله: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى﴾ (٤) وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ (٥)). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ (٧٨)؛أي ما هم إلاّ يظنّون ظنّا وتوهّما لا حقيقة ويقينا، قاله قتادة والربيع. وقال مجاهد: معناه: (وإن هم إلاّ يكذبون). قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ؛﴾ نزلت هذه الآية في علماء اليهود الذين غيّروا صفة النبيّ ﷺ في التوراة فكتبوها: محمّد سبطا؛ طويلا؛ أزرقا؛ شبط الشّعر. وكانت صفته في التوراة: حسن الوجه؛ جعد الشعر؛ أسمر ربعة. فبدّلوا وقالوا: هذا من عند الله، وإذا سئلوا عن

стр. 178

صفته قرءوا ما كتبوه؛ فيجدونه مخالفا لصفته فيكذّبونه. وإنّما فعلت اليهود ذلك؛ لأنّهم خافوا ذهاب ملكهم وزوال رئاستهم حين قدم النبيّ ﷺ المدينة؛ فاحتالوا في تغيير صفته ليمنعوا الناس عن الإيمان به. والويل: الشّدّة في العذاب. وقيل: الهلاك. وقيل: الخزي؛ ويكنّى عنه ب (ويس) و (ويح) (١).وقيل: هو واد في جهنّم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يقع إلى قعره. وقيل: يسيل فيه صديد أهل النار. وقيل: لو جعلت فيه جبال الدّنيا لماعت من شدّة حرّه. وقوله تعالى: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً؛﴾ يعني ما كان لهم من المأكلة والهدايا من أغنيائهم؛ ألحق الله بهم ثلاث ويلات فيما غيّروا من الكتاب. وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ (٧٩)؛أي مما يصيبون من المآكل والهدايا. ولفظ الأيدي للتأكيد كقولهم: مشيت برجلي؛ ورأيت بعيني. قال الله تعالى: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً؛﴾ اختلفوا في هذه الأيّام (٣) ما هي؟ قال ابن عبّاس ومجاهد: (قدم رسول الله ﷺ المدينة واليهود تقول: مدّة الدّنيا سبعة آلاف سنة؛ وإنّما نعذّب بكلّ ألف سنة يوما واحدا، ثمّ ينقطع العذاب عنّا بعد سبعة أيّام. فأنزل الله هذه الآية) (٤).

стр. 179

وقال قتادة وعطاء: (يعنون الأربعين يوما الّتي عبد آباؤهم فيها العجل؛ وهي مدّة غيبة موسى ﵇. وفي بعض التّفاسير: اختلف في مقدار عبادتهم العجل؛ فقيل: عشرة أيام. وقيل: سبعة أيّام. وقيل: أربعون يوما. فقال الله تعالى تكذيبا لهم: ﴿قُلْ؛﴾ يا محمّد: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً؛﴾ أي موثقا أنّ لا يعذّبكم إلاّ هذه المدّة، ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٨٠). وروي أنه يقال لهم عند مضيّ الأجل: يا أعداء الله قد مضى الأجل وبقي الأبد. ولفظ ال (معدودة) للقلّة كقوله: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (١)،وفي الصّوم: ﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ﴾ (٢).واحتجّ أصحابنا بقوله ﵊: [المستحاضة تدع الصّلاة أيّام أقرائها] (٣) وقوله ﷺ : [دعي الصّلاة أيّام أقرائك] (٤) أن أقلّ الأيام ثلاثة وأكثرها عشرة؛ لأنه يقال لما دون الثلاثة: يوم

стр. 180

ويومان، وفيما زاد على العشرة أحد عشر؛ وليس لأحد أن يعترض على هذا بقوله في ليلة الصّيام: ﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ﴾ أراد بها الشهر كلّه؛ لأنه ظاهر لفظ الأيّام من الثلاثة إلى العشرة. إلاّ أنه قد يذكر ويراد به الزيادة، وقد فسّر الله تعالى أيام الصوم بالشّهر، فانعقد بذلك التفسير. وأما أيام الحيض فمبهمة؛ فلا بدّ أن تكون محصورة؛ لأن الأحكام تختلف بحال الحيض والطّهر، فكان حمل اللفظ على ظاهره وحقيقته أولى (١).

стр. 181

وقوله تعالى: ﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً؛﴾ أي ليس كما تقولون. قال الكسائيّ: (الفرق بين بلى ونعم: أنّ بلى إقرار بعد جحد؛ ونعم جواب استفهام لغير جحد. فإذا قيل لك: أليس فعلت كذا؟ تقول: بلى. أو قيل لك: ألم تفعل كذا؟ تقول: بلى).وقال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ (١).وقال في غير الجحود: ﴿فَهَلْ﴾

стр. 182

﴿وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ﴾ (١).وإنّما قال هاهنا: بلى؛ للجحود الذي قبله. وهو قوله: ﴿(لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ)﴾ والسبب هنا الشّرك. قوله تعالى: ﴿وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قرأ أهل المدينة: «(خطيئاته)» بالجمع. وقرأ الباقون: «(خطيئته)» على الواحد. والإحاطة: الإحداق بالشّيء من جميع نواحيه؛ أي سدّت عليه طريق النّجاة؛ ومات على الشّرك. وقيل: السّيّئة: الذّنب الذي وعد عليه العقاب. والخطيئة: الشّرك. ولا بدّ أن تكون الخطيئة أكبر من السيئة؛ لأن ما أحاط بغيره كان أكبر منه. وأصل بلى: بل؛ وهو لردّ الكلام الماضي؛ وإثبات كلام آخر مبتدأ؛ وإنّما زيدت اللام لتحسين الوقف. وقيل: أصله: بل لا؛ فخففت. وقال الربيع بن خيثم في معنى قوله: «(وأحاطت به خطيئاته)»:هو الّذي يصرّ (٢) على خطيئة قبل أن يموت، ومثله قال عكرمة. وقال مقاتل: يعني أصرّ عليها. وقال الكلبيّ: معنى ﴿(وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ)﴾ أي أوبقته ذنوبه. قوله تعالى: ﴿فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٨٢)، ظاهر المعنى. قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ؛﴾ أي أخذنا عليهم في التوراة العهد الشديد: ﴿لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ؛﴾ بالتاء قرأ ابن كثير وحمزة والكسائيّ؛ وقرأ الباقون بالياء. قال أبو عمرو: ألا ترى ﴿(وَقُولُوا لِلنّاسِ)﴾ فدلّت المخاطبة على التّاء. قال الكسائي: إنّما ارتفع ﴿(لا تَعْبُدُونَ)﴾ لأنّ معناه: أخذنا ميثاق بني إسرائيل أن لا تعبدون إلاّ الله. فلمّا ألقى (أن) رفع، ومثله: لا يسفكون دماءكم، ونظيره قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ (٣) يريد: أن أعبد؛

стр. 183

فلما حذف (أن) الناصبة عاد الفعل إلى المضارعة. وقرأ أبيّ بن كعب: «(لا تعبدوا)» جزما على النّهي؛ أي وقل لهم: لا تعبدوا إلاّ الله. ومعنى الآية: أمرناهم بإخلاص العبادة لله ، ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً؛﴾ أي وصّيناهم بالوالدين إحسانا برّا بهما؛ وعطفا عليهما. وإنّما قال: ﴿(وَبِالْوالِدَيْنِ)﴾ وأحدهما والدة؛ لأن المذكّر والمؤنّث إذا اقترنا غلب المذكر لخفّته وقوّته. قوله : ﴿وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ؛﴾ أي وبذي القربى. ووصّيناهم بصلة الرّحم. واليتامى: جمع يتيم؛ وهو الطفل الذي لا أب له. والمساكين: الفقراء. وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً؛﴾ اختلف القرّاء فيه؟ فقرأ زيد بن ثابت وأبو العالية وعاصم وأبو عمرو ونافع بضمّ الحاء وجزم السّين؛ وهي قراءة أبي حاتم، ودليله قوله تعالى: ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ (١) وقوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ﴾ (٢). وقرأ ابن مسعود وحمزة والكسائي وخلف: «(حسنا)» بفتح الحاء والسّين؛ وهو اختيار أبي عبيد. قال: إنّما آثرناها؛ لأنّها نعت بمعنى قولا حسنا. وقرأ عيسى بن عمر بضمّ الحاء والسّين والتنوين؛ وهو لغة مثل (النّصب والسّحت).وقرأ عاصم الجحدري «(إحسانا)» بالألف. وقرأ أبي بن كعب وطلحة بن مصرف «(حسني)» بالتأنيث مرسلة؛ ومجازه كلمة حسنى. ومعنى الآية: أيّها الرّؤساء من اليهود قولوا للسّفلة قولا حسنا؛ أي حقّا وصدقا، وبيّنوا لهم صفة النّبيّ ﷺ كما في التّوراة، ولا تكتموها، ولا تغيّروا صفة محمّد ﷺ . هذا قول ابن عبّاس وابن جبير وابن جريج ومقاتل. ودليله قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ (٣) أي صدقا. وقيل: معناه: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر. قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٨٣)؛ ﴿(ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ)﴾ أي ثم أعرضتم عن العهد

стр. 184

والميثاق. وقوله ﴿(إِلاّ قَلِيلاً مِنْكُمْ)﴾ هو عبد الله بن سلام وأصحابه. وانتصب (قليلا) على الاستثناء. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ؛﴾ أي لا يقتل بعضكم بعضا بغير حقّ، وإنّما قال ذلك لمعنيين: أحدهما: أن كلّ قوم اجتمعوا على دين واحد فهم كنفس واحدة. والآخر: وهو أن الرجل إذا قتل غيره فكأنّما قتل نفسه لأنه يقاد ويقتصّ منه. وقرأ طلحة بن مصرّف: «(لا تسفكون)» بضمّ الفاء وهما لغتان، مثل: يعرشون ويعكفون. وقرأ بعضهم: «(لا تسفّكون)» بالتّشديد على التكثير. قوله تعالى: ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ؛﴾ أي لا يخرج بعضكم بعضا من داره؛ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ؛﴾ أي ثم اعترفتم بأنّ هذا العهد قد أخذ عليكم وعلى آبائكم وأنه حقّ، ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (٨٤)،اليوم على ذلك يا معشر اليهود. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ؛﴾ أي ثم أنتم يا هؤلاء؛ فحذف حرف النّداء للاستغناء بدلالة الكلام عليه. كقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ (١).وقوله: ﴿(تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ)﴾ قرأ الحسن: «(يقتّلون)» بالتشديد. ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ،﴾ والآية خطاب ليهود قريظة والنضير؛ كانت بنو قريظة حلفاء الأوس؛ وبنو النضير حلفاء الخزرج، فكان كلّ فريق يقاتل الفريق الآخر وإذا غلبهم قتلهم وسبى ذراريهم وأخرجهم من ديارهم. قوله تعالى: ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ،﴾ قرأ أهل الشام وأبو عمرو ويعقوب: «(تظّاهرون)» بتشديد الظاء، ومعناه: يتظاهرون؛ فأدغم التاء في الظاء مثل: ﴿(اثّاقَلْتُمْ)﴾ و ﴿(ادّارَكُوا)﴾.وقرأ عاصم والأعمش وحمزة وطلحة والحسن والكسائي: ﴿(تَظاهَرُونَ)﴾ بالتخفيف؛ حذفوا تاء التفاعل وأبقوا تاء الخطاب مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ (٢) و ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ﴾ (٣).وقرأ أبي ومجاهد وقتادة: «(تظّهرون)» بالتشديد من غير ألف؛ أي تتظهرون. ومعناهما جميعا واحد:

стр. 185

تعاونون. والظّهيرة العون؛ سمي بذلك لإسناده ظهره إلى ظهر صاحبه. وقوله تعالى: ﴿(بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ)﴾ أي بالمعصية والظّلم. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ؛﴾ متّصل بقوله ﴿(وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ)﴾ لأن قوله: ﴿(وَإِنْ يَأْتُوكُمْ)﴾ داخل في الميثاق. ومعناه: فكّوا أسراكم من غيركم بالفداء. وقرأ السلمي ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: «(أسارى)» بالألف، و «(تفدوهم)» بغير ألف. وقرأ الحسن: «(أسري)» بغير ألف، «(تفادوهم)» بالألف. وقرأ النخعيّ وطلحة والأعمش وحمزة «(أسري تفدوهم)» كلاهما بغير ألف. وقرأ شيبة ونافع وعاصم وقتادة والكسائي ويعقوب «(أسارى تفادوهم)» كلاهما بالألف. والأسارى: جمع أسير؛ مثل: مريض ومرضى، وقريع وقرعى، وقتيل وقتلى. والأسرى: جمع أسير أيضا، مثل: سكارى وكسالى. ولا فرق بين الأسارى والأسرى في الصحيح. قال بعضهم: المقيّدون المشددون أسارى، والأسرى: هم المأسورون غير المقيدين. قوله تعالى: «(تفدوهم)» بالمال، و ﴿(تُفادُوهُمْ)﴾ أي مفاداة الأسير بالأسير. و (أسرى) في موضع نصب على الحال. ومعنى الآية ما قال السديّ: (إنّ الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التّوراة أن لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم؛ وأيّما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه وأعتقوه. وكانت قريظة حلفاء الأوس، والنّضير حلفاء الخزرج، وكانوا يقتلون في حرب سمير؛ فيقاتل بنو قريظة مع حلفائهم؛ والنّضير مع حلفائهم، فإذا غلبوا خرّبوا ديارهم وأخرجوهم منها؛ وإذا أسر رجل من الفريقين كلاهما جمعوا له حتّى يفدوه فيعيّرونهم العرب بذلك؛ فيقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ فيقولون: إنّا قد أمرنا أن نفديهم؛ وحرّم علينا قتالهم. قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنّا نستحي أن يستذلّ حلفاؤنا؛ فذلك حين عيّرهم الله تعالى) (١).

стр. 186

وقال: ﴿(ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ)﴾ وفي الآية تقديم وتأخير؛ تقديره: ﴿(وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ، تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ)﴾ ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ﴾ ﴿(وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ)﴾.وكان الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتل؛ وترك الإخراج؛ وترك المظاهرة عليهم من أعدائهم؛ وفداء أسرائهم. فأعرضوا عن كلّ ما أمر الله تعالى به؛ إلاّ الفداء. فقال الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ؛﴾ وإيمانهم الفداء؛ وكفرهم القتل والإخراج والمظاهرة. وقال مجاهد: (يقول: إن وجدته في يد غيرك فديته؛ وأنت تقتله بيدك؟!) (١). قوله تعالى: ﴿فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ أي فما جزاء من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض إلا ذلّ وهوان في الدّنيا. يعني بالخزي: قتل بني قريظة وسبيهم وإجلاء بنو النضير عن منازلهم. يقال في السّوء والشرّ: خزي يخزى خزيا. وفي الحياء: خزى يخزي خزاية. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ؛﴾ وهو عذاب النار. وقرأ السلميّ والحسن وأبو رجاء: «(تردّون)» بالتاء. كقوله تعالى: ﴿(أَفَتُؤْمِنُونَ)﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٨٥)؛ «قرأ» بالياء مدنيّ ومكي وأبو بكر ويعقوب. والباقون بالتاء. قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ؛﴾ أي استبدلوا الدّنيا بالآخرة، ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ؛﴾ أي لا يهوّن، ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٨٦)؛من عذاب الله. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ،﴾ أي أعطينا موسى التوراة جملة واحدة، وأردفنا وأتبعنا من بعده رسلا؛ رسولا من بعد رسول؛ يقال: قفى أثره وقفى غيره في التعدية مأخوذ من قفاء الإنسان؛ قال الله

стр. 187

تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١).وقيل: إنّ الله تعالى أنزل التّوراة على موسى جملة واحدة، وأمره أن يحملها فلم يطق؛ فبعث الله بكلّ آية ملكا، فلم يطيقوا حملها؛ فبعث الله بكلّ حرف ملكا، فلم يطيقوا، فخفّفها الله على موسى، فحملها وعمل بها. قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ؛﴾ يعني من إحياء الموتى؛ وإبراء الأكمه والأبرص؛ ونزول المائدة. ومعنى ﴿(الْبَيِّناتِ)﴾:الدّلالات اللائحات والعلامات الواضحات. وقوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؛﴾ المدّ (آيدناهما) القوة (٢)؛أي وأعنّاه بجبريل. خفّف ابن كثير (القدس) وثقّله الآخرون. وهما لغتان مثل (الرعب والسحت).قال السديّ والضحاك وقتادة: (روح القدس: جبريل) (٣).قال الحسن: (القدس: هو الله ، وروحه: جبريل ﵇. وأضافه إلى نفسه تكريما وتخصيصا، نحو: بيت الله؛ وناقة الله؛ وعبد الله. وقال السديّ: (القدس: البركة) (٤) وقد أعظم الله تعالى بركة جبريل إذ نزل عامة وحي أنبيائه على لسانه. وتأييد عيسى بجبريل ﵇ أنه كان قرينه يسير معه حيثما سار؛ ورفعه إلى السّماء حين أراد اليهود قتله. وقيل: سمي جبريل روح القدس؛ لأن بمجيئه يحيي الكفار بالإسلام. والقدس: الظاهر. وقيل: المبارك. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: (روح القدس: اسم الله الأعظم، وبه كان يحيي الموتى؛ ويري النّاس تلك العجائب). وقال ابن زيد: هو الإنجيل جعله الله روحا كما جعل القرآن لمحمّد روحا. قال الله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا﴾ (٥).

стр. 188

فلما سمعت اليهود بذكر عيسى؛ قالوا: يا محمّد لا مثل عيسى كما تزعم عملت؛ ولا كما تقصّ علينا من الأنبياء فعلت، فائتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقا. فقال الله تعالى: ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ؛﴾ أي أفكلّما جاءكم أيّها اليهود رسول بما لا يوافق هواكم ﴿(اسْتَكْبَرْتُمْ)﴾ أي تكبّرتم وتعظّمتم عن الإيمان به، ﴿فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ؛﴾ مثل عيسى ومحمّد عليهما الصّلاة والسّلام، ﴿وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ (٨٧)،مثل زكريّا ويحيى وسائر من قتلوا من الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام. والألف في ﴿(أَفَكُلَّما)﴾ ألف استفهام معناه التوبيخ والزّجر. قوله تعالى: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ؛﴾ أي قالت اليهود: قلوبنا ممنوعة من القبول؛ فردّ الله عليهم بقوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ؛﴾ أي أنّهم ألفوا كفرهم فاشتدّ إعجابهم به ومحبّتهم له فمنعهم الله الألطاف والفوائد التي منح الله المؤمنين مجازاة لهم على كفرهم. قرأ ابن محيصن: «(غلف)» بضمّ اللام. وقرأ الباقون بجزمها. فمن خفّف فهو جمع الأغلف مثل أصفر وصفر؛ وهو الذي عليه غشاوة وغطاء بمنزلة الأغلف غير المختون؛ والأقلف مثله، أي عليها غشاوة فلا تعي ولا تفقه ما تقول يا محمّد! قاله قتادة ومجاهد؛ نظيره قوله تعالى: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ﴾ (١). ومن ثقّل (غلّف) فهو جمع غلاف مثل: حجاب وحجب؛ وكتاب وكتب، ومعناه: قلوبنا أوعية لكلّ علم؛ فلا نحتاج إلى علمك وكتابك؛ فهي لا تسمع حديثا إلاّ وعته؛ إلاّ حديثك لا تعيه وكتابك؛ قاله عطاء وابن عباس. وقال الكلبيّ: (يريدون أوعية لكلّ علم فهي لا تسمع حديثا إلاّ وعته؛ إلاّ حديثك لا تعيه ولا تعقله. فلو كان فيه خير لفهمته ولوعته) قال الله تعالى: ﴿(بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ)﴾ وأصل اللّعن: الطرد والإبعاد؛ فمعناه: طردهم الله؛ أي أبعدهم من كلّ خير. وقال النضر بن شميل: (الملعون: للمخزى وللملك) (٢).

стр. 189

قوله : ﴿فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ﴾ (٨٨)؛قال قتادة: (معناه ما يؤمن منهم إلاّ قليل؛ وهو عبد الله بن سلام وأصحابه؛ لأنّ من آمن من المشركين أكثر ممّن آمن من اليهود).فعلى هذا القول (ما) صلة معناه: فقليلا يؤمنون. ونصب (قليلا) على الحال، وقيل: على معنى صاروا قليلا يؤمنون. وقيل: معناه: إيمانهم بالله قليل؛ لأنّهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. وانتصب (قليلا) على هذا التأويل على معنى: إيمانا قليلا يؤمنون. وقال معمر: (معناه لا يؤمنون إلاّ بقليل ممّا في أيديكم ويكفرون بأكثر) وعلى هذا القول يكون (قليلا) منصوبا بنزع الخافض، و (ما) صلة؛ أي فبقليل يؤمنون. وقال الواقديّ وغيره: (معناه: لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا) وهذا كقول الرجل للآخر: ما أقلّ ما تفعل كذا! يريد لا يفعله البتّة. قوله : ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ؛﴾ يعني القرآن موافقا لما معهم؛ يعني التوراة وسائر الكتب في التوحيد والدّعاء إلى الله؛ وقوله تعالى: ﴿وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ أي وكانوا من قبل مبعث رسول الله ﷺ يستنصرون بذكر القرآن ونبيّ آخر الزمان على الّذين جحدوا توحيد الله؛ كانوا إذا قاتلوا المشركين؛ قالوا: (اللهمّ انصرنا عليهم باسم نبيّك وبكتابك الّذي تنزّل على الّذي وعدتنا أنّك باعثه في آخر الزّمان؛ الّذي نجد صفته في التّوراة) وكانوا يرجون أنّ ذلك النبيّ منهم، وكانوا إذا قالوا ذلك نصروا، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: أطلّ زمان يخرج نبيّ فيصدّق ما قلناه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. وقوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا؛﴾ أي فلما بعث محمّد ﷺ وعرفوه بصفته في كتابهم ولم يكن منهم، ﴿كَفَرُوا بِهِ؛﴾ وغيّروا صفته بغيا

стр. 190

وحسدا لمّا بعث من غير بني إسرائيل مخافة زوال رئاستهم، ﴿فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٨٩). قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا،﴾ أي بئسما باعوا به أنفسهم من الهدايا بكتمان صفة محمّد ﷺ أنّهم اختاروا الدّنيا على الآخرة؛ باعوا أنفسهم بأن يكفروا، ﴿بِما أَنْزَلَ اللهُ؛﴾ يعني القرآن حسدا منهم للنبيّ ﷺ . وقيل: معناه: بئس الذي اختاروا لأنفسهم حتى استبدلوا الباطل بالحقّ؛ والكفر بالإيمان. وقوله تعالى: ﴿بَغْياً؛﴾ أصل البغي: الفساد، يقال: بغى الجرح إذا أفسد. ومعنى قولنا: بغيا؛ أي البغي. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ؛﴾ يعني الكتاب والنبوة على محمّد ﷺ . قوله تعالى: ﴿فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ،﴾ قال قتادة: (الغضب الأوّل: حين كفروا بعيسى والإنجيل، والثّاني: حين كفروا بمحمّد ﷺ والقرآن؛ واستوجبوا اللّعنة على إثر اللّعنة) (١).وقال السديّ: (الغضب الأوّل: بعبادتهم العجل؛ والثّاني: كفرهم بمحمّد ﷺ وتبديل صفته). قوله تعالى: ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٩٠)؛أي وللجاحدين بنبوّة محمّد ﷺ من الناس كلّهم عذاب مهين؛ يهانون فيه فلا يعزّون. قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ؛﴾ أي إذا قيل ليهود المدينة: صدّقوا بالقرآن؛ ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا؛﴾ يعنون التوراة، ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ؛﴾ أي ويجحدون بما سوى الذي أنزل عليهم كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ﴾ (٢) أي سواه. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ؛﴾ يعني القرآن، ﴿مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ؛﴾ أي موافقا للتوراة وسائر الكتب. ونصب (مصدّقا) على الحال. وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: إن كنتم تصدّقون التوراة فلم تقتلون أنبياء الله، ﴿مِنْ قَبْلُ؛﴾ وليس فيما أنزل

стр. 191

عليكم قتل الأنبياء، قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٩١)؛أي فلم تقتلون أنبياء الله إن كنتم مؤمنين بالتوراة وقد نهيتم فيها عن قتلهم. وقوله (لم) أصله (لما) فحذفت الألف فرقا بين الخبر والاستفهام؛ كقوله (فيم) و (بم) و (ممّ) و (علام) و (حتّى م). وقوله : ﴿*وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ؛﴾ أي الدّلالات الواضحات والآيات التسع، ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ؛﴾ أي من بعد ذلك إلها (١)؛ ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ (٩٢)؛أي كافرون بالله. وفائدة الآية: أن تكذيب الأنبياء من عادتكم؛ كما أنّ موسى جاءكم بالبيّنات ثمّ اتّخذتم العجل إلها. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ؛﴾ أي أخذنا عليكم العهد في التوراة، ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ؛﴾ أي الجبل، ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ؛﴾ أي خذوا ما أعطيناكم بجدّ ومواظبة في طاعة الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا؛﴾ أي اسمعوا ما فيه من حلاله وحرامه؛ وما تؤمرون به؛ أي استجيبوا؛ أطيعوا. سميت الطاعة سمعا؛ لأنّها سبب الطاعة والإجابة؛ ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده؛ أي أجابه. قال الشاعر (٢): دعوت الله حتّى خفت أن ... لا يكون الله يسمع ما أقول أي يجيب. وقوله تعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا؛﴾ أي سمعنا قولك وعصينا أمرك ولولا مخافة الجبل ما قبلنا. قالوا ذلك بعد ما رفع الجبل عنهم. قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ؛﴾ أي سقوا في قلوبهم حبّ العجل، ﴿بِكُفْرِهِمْ،﴾ وخالطها ذلك كإشراب اللّون؛ لشدّة الملازمة.

стр. 192

قوله تعالى: ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: بشرّ ما يأمركم به إيمانكم من عبادة العجل من دون الله؛ أي بشرّ الإيمان إيمان يأمركم بالكفر. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٩٣)؛أي إن كنتم مؤمنين بزعمكم؛ لأنّهم قالوا: نؤمن بما أنزل علينا، فكذّبهم الله . قوله: ﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ؛﴾ هذا جواب قول اليهود: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى﴾ (١) و ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً﴾ (٢).وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ (٣) فكذّبهم الله وألزمهم الحجة فقال: قل لهم يا محمّد: ﴿(إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ)﴾؛يعني الجنّة؛ ﴿خالِصَةً؛﴾ أي خاصّة. وقيل: صافية، ﴿مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ؛﴾ أي فاسألوا الله الموت؛ فإنّ من كان بهذه الصفة فالموت خير له ولا سبيل إلى دخول الجنّة إلا بعد الموت. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٩٤)؛أي في قولكم؛ فقولوا: اللهم أمتنا. فقال لهم النبي ﷺ : بعد نزول هذه الآية: [إن كنتم صادقين في مقالتكم فقولوا: اللهمّ أمتنا، فو الّذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلاّ غصّ بريقه فمات مكانه] فأبوا أن يفعلوا ذلك (٤). قال ابن عبّاس: عن رسول الله ﷺ : [لو قالوا ذلك ما بقي على وجه الأرض يهوديّ إلاّ مات] (٥) فلمّا لم يقولوا ذلك أنزل الله قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ؛﴾ أي أسلفت من المعاصي وكتمان صفة النبيّ ﷺ . وقوله: (أبدا) يعني هي مدّة العمر. وأما بعد ذلك فإنّهم يتمنّونه في الآخرة وقت مشاهدة العذاب. وإنّما أضاف إلى الأيدي؛ لأنّ أكثر المعاصي تكون باليد. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ (٩٥).

стр. 193

قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ؛﴾ اللام لام القسم؛ والنون توكيد القسم، تقديره: والله لتجدنّهم يا محمّد-يعني اليهود-. ومعنى الآية: لتعلمنّ اليهود أحرص الناس على البقاء. وفي مصحف أبيّ: (على الحياة).قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا؛﴾ قيل: إنه متصل بالكلام الأول؛ معناه: وأحرص من الذين أشركوا. قال الفرّاء: (وهذا كما يقال: هو أسخى النّاس ومن حاتم؛ أي وأسخى من حاتم).وقيل: هو ابتداء؛ وتمام الكلام عند قوله: (حياة).ثم ابتدأ بواو الاستئناف وأضمر (يودّ) اسما تقديره: ومن الذين أشركوا قوم، ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾. وقيل: معناه: ولتجدنّهم أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا؛ وأراد بالذين أشركوا المجوس ومن لا يؤمن بالبعث. وقوله: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ؛﴾ أي أن يعمّر. قوله تعالى: ﴿وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ؛﴾ أي وما أحدهم بمباعده من العذاب تعميره، ولا التعمير بمباعده من العذاب. ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ (٩٦)؛تمام الآية مفسّر. قوله : ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ،﴾ قال ابن عبّاس: إنّ حبرا من الأحبار عالما من علماء اليهود، يقال له ابن صوريا، قال للنّبيّ ﷺ : كيف نومك؟ فإنّا نعرف نوم النّبيّ الّذي يجتبى في آخر الزّمان، قال: [تنام عيناي وقلبي يقظان] قال: صدقت. فأخبرنا عن الولد أمن الرّجل أم من المرأة؟ قال: [أمّا العظم والعصب والعروق فمن الرّجل؛ وأمّا اللّحم والدّم والظّفر والشّعر فمن المرأة].قال: صدقت. فما بال الولد يشبه أعمامه ليس فيه شبه من أخواله، ويشبه أخواله ليس فيه شبه من أعمامه؟ فقال: [أيّهما علا ماؤه على ماء صاحبه كان الشّبه له] قال: صدقت. بقيت خصلة إن قلتها آمنت بك واتّبعتك! أيّ ملك يأتيك بالوحي؟ قال: [جبريل] قال: ذاك عدوّنا. ينزل بالقتال والشّدّة ورسولنا ميكائيل ينزل بالسّرور والرّخاء، فلو كان ميكائيل هو الّذي يأتيك آمنّا بك وصدّقناك. فقال عمر ﵁: اشهدوا أنّ من كان عدوّا لجبريل فإنّه عدوّ لميكائيل. فقال: لا نقولنّ

стр. 194

هذا. فأنزل الله هذه الآية (١). وقال مقاتل: إنّ اليهود قالت: إنّ جبريل عدوّنا أمر أن يجعل النّبوّة فينا فجعلها في غيرنا. وقال قتادة وعكرمة والسديّ: كان لعمر ﵁ أرض بأعلى المدينة؛ ممرّها على مدارس اليهود، وكان عمر إذا أتى أرضه يأتيهم ويسمع منهم ويكلّمهم، فقالوا: يا عمر ما في أصحاب محمّد أحبّ إلينا منك؛ إنّهم يمرّون بنا فيؤذوننا وأنت لا تؤذينا وإنّا لنطمع فيك! فقال عمر ﵁: (ما أحببتكم كحبكم إيّاي ولا أسألكم إنّي شاكّ في ديني، وإنّما أدخل إليكم لأزداد بصيرة في أمر محمّد ﷺ وأرى آثاره في كتابكم).فقالوا: من صاحب محمّد الّذي يأتيه من الملائكة؟ قال: (جبريل) قالوا: ذاك عدوّنا يطلع محمّدا على سرّنا وهو صاحب كلّ عذاب وخسف وشدّة؛ وإنّ ميكائيل إذا جاء؛ جاء بالخصب والسّلامة. فقال عمر: (تعرفون جبريل وتنكرون محمّدا ﷺ !) قالوا: نعم، فقال عمر ﵁: (أنا أشهد أنّ من كان عدوّا لجبريل فهو عدوّ لميكائيل؛ ومن كان عدوّا لهما فالله عدوّ له).ثمّ رجع عمر إلى رسول الله ﷺ فوجد جبريل قد سبقه بالوحي؛ فقرأ عليه رسول الله ﷺ هذه الآيات. وقال: [لقد وافقك ربّك يا عمر].فقال عمر ﵁: (لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر) (٢). قال الله تعالى تصديقا لعمر: ﴿(قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ)﴾ أي قل لهم يا محمّد: من كان عدوّا لجبريل. وإذ هو المنزل للكتاب عليّ، فإنه إنّما أنزله على قلبي بأمر الله لا من تلقاء نفسه، وإنّما أنزل ما هو، ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ،﴾ من الكتب التي في أيديكم، لا مكذّبا لها، وإنه وإن كان فيما أنزل الأمر بالحرب والشدّة على الكافرين، ﴿وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٩٧). وقيل: معناه: على وجه التّرغيم؛ أي فإنّ جبريل هو الذي نزّل عليك رغما لهم.

стр. 195

وفي جبريل سبع قراءات: «(جبرئيل)» مهموز مشبع مفتوح الجيم والراء؛ وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف. قال الشاعر (١): شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة ... مدى الدّهر إلاّ جبرئيل أمامها و «(جبراييل)» ممدود مشبع على وزن جبراعيل؛ وهي قراءة ابن عبّاس وعلقمة ابن وثاب. و «(جبرائل)» ممدود مختلس على وزن جبراعل؛ وهي قراءة طلحة بن مصرف. و «(جبرئل)» مقصور مهموز مختلس، وهي قراءة يحيى بن آدم. و «(جبرالّ)» مقصور مشدّد اللام من غير ياء؛ وهي قراءة يحيى بن يعمر. و «(جبريل)» بفتح الجيم وكسر الراء من غير همزة؛ وهي قراءة ابن كثير. و «(جبريل)» بكسر الجيم والراء من غير همزة؛ وهي قراءة عليّ ﵁ وابن المسيّب والحسن وأهل البصرة والمدينة. وقد روي ذلك عن النبيّ ﷺ . و «(جبريل)» بلغة السّريانية: عبد الله. وإن (جبر) هو العبد، و (ايل) هو الله (٢). وعن معاذ ﵁ قال: (إنّما جبريل وميكائيل كقولك: عبد الله وعبد الرّحمن) (٣).وقيل: جبريل: مأخوذ من جبروت الله؛ وميكاييل من ملكوت الله. قوله تعالى: ﴿(فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ)﴾ يعني: فإنّ جبريل ﴿(نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ)﴾. (على) كناية عن غير مذكور كقوله تعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ (٤) و ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ (٥) يعني الشمس. قال الله تعالى: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ معناه: من كان عدوّا لهؤلاء فليكن، وهذا على التهديد، ﴿فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ (٩٨)،يعني اليهود. وإنّما قال: ﴿(عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ)﴾ ولم يقل: عدوّ لهم؛

стр. 196

لأنه لو قال ذلك لم يعلم بذلك أن عداوة جبريل تكون كفرا، بل كان يجوز أن يتوهّم متوهّم أن عداوة جبريل فسقا ولا تكون كفرا؛ فأزال الله هذا الإشكال. وفي ميكائيل أربع لغات: ممدود مشبع على وزن ميكاعيل؛ وهي قراءة أهل مكّة والكوفة والشّام. و «(ميكائل)» ممدود مهموز مختلس مثل ميكاعل؛ وهي قراءة أهل المدينة. و «(ميكئل)» مهموز مقصور على وزن ميكعل؛ وهي قراءة الأعمش وابن محيصن. و «(ميكال)» بغير همز؛ وهي قراءة أبي عمرو. و (ميكائيل) معناه عبد الله. (ميك) عبد؛ و (ايل) هو الله. وكذلك (إسرائيل) وهذه أسماء أعجميّة رفعت إلى العرب فلفظت بها ألفاظ مختلفة. فإنّما عطف جبرائيل وميكائيل على الملائكة بعد دخولهما في اسم الملائكة؛ لفضيلتهما، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ الآية. ومعنى الآية: من كان عدوّا لأحد من هؤلاء فإنّ الله عدوّ له. الواو فيه بمعنى (أو).يعني: من كفر بالله أو ملائكته أو كتبه؛ لأن الكافر بالواحد كافر بالكلّ. فقال ابن صوريا: يا محمّد ما جئتنا بشيء نعرفه؟ وما أنزل الله عليك من آية بيّنة! فأنزل الله قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ؛﴾ أي واضحات مفصّلات بالحلال والحرام؛ والحدود؛ والأحكام. قوله تعالى: ﴿وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ﴾ (٩٩)؛وهم اليهود وغيرهم؛ سمّى الكفر فسقا؛ لأن الفسق الخروج عن الشيء إلى شيء؛ واليهود خرجوا من دينهم بتكذيب النبيّ ﷺ ، والفاسقون هم الخارجون عن أمر الله.

стр. 197

قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً،﴾ (واو) العطف دخلت عليها الألف ألف الاستفهام كما تدخل على الفاء في قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ (١) ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ﴾ (٢).وعلى (ثمّ) كقوله: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ﴾ (٣). قرأ أبو السمّال (٤) «(أو كلّما)» ساكنة الواو على النسق. و (كلّما) انتصب على الظرف. قوله تعالى: ﴿(عاهَدُوا عَهْداً)﴾ يعني اليهود. قال ابن عبّاس: [لمّا ذكر رسول الله ﷺ لهم ما أخذ الله عليهم وما عهده إليهم فيه؛ قال مالك ابن المصفي (٥):والله ما عهد إلينا في محمّد عهدا ولا ميثاقا. فأنزل الله هذه الآية] (٦).توضّحه قراءة ابن رجاء أبي العطارديّ: «(أوكلّما عوهدوا عهدا)» فجعلهم مفعولين. ودليل هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ الآية (٧). وقال بعضهم: هو أن اليهود عاهدوا: لئن خرج محمّد لنؤمننّ به ولنكوننّ معه على مشركي العرب وننفوهم من بلادهم. فلما بعث نقضوا العهد وكفروا به، دليله قوله تعالى: ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ أي طرحوه وراء ظهورهم. ﴿نَبَذَهُ؛﴾ أي طرحه ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ؛﴾ أي طرحوه كأنّهم لا يعلمون صدق ما جاء به النبيّ ﷺ . قوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠٠)؛أي أنّهم يعلمون ذلك ولكنّهم تجاهلوه كأنّهم لا يعلمون.

стр. 198

قوله تعالى: ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ،﴾ يعني التوراة، ﴿كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠١)؛يعني القرآن؛ وقيل: التوراة أيضا؛ لأنّهم إذا نبذوا القرآن فقد نبذوا التوراة. والنّبذ: الطّرح. وقرأ ابن مسعود: «(نقضه فريق)». وقال عطاء: (هي العهود الّتي كانت بين رسول الله ﷺ وبين اليهود كفعل قريظة والنّضير).والدليل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ (١) وكانوا قد عاهدوا النّبيّ ﷺ أن لا يعينوا عليه أحدا؛ فنقضوا وأعانوا مشركي قريش عليه يوم الخندق. وإنّما قال: ﴿(فَرِيقٌ مِنْهُمْ)﴾ لأن علماءهم هم الذين نبذوا عنادا مع العلم به؛ وإنّما قال: ﴿(بَلْ أَكْثَرُهُمْ)﴾ لأنّ منهم من آمن وهو ابن سلام وكعب الأحبار وغيرهما. والنبذ وراء الظّهر مثل من يستخفّ بالشيء ولا يعمل به. تقول العرب: اجعل هذا خلف ظهرك؛ وتحت قدمك؛ ودبر أذنك؛ أي اتركه وأعرض عنه، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ (٢).وأنشد الزجّاج (٣): نظرت إلى عنوانه فنبذته ... كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا قوله : ﴿وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ؛﴾ يعني اليهود. وهو عطف على ﴿(نَبَذَ فَرِيقٌ)﴾ كأنه قال (٤):انبذوا كتاب الله واتّبعوا ما تتلوا الشياطين من السّحر، ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ؛﴾ ومعنى ﴿(ما تَتْلُوا)﴾ يعني ما تلت قبلهم شياطين الجن والإنس ﴿(عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ)﴾ أي على عهد ملك سليمان، قيل: معنى تتلو تكذب، يقال: فلان تلا من فلان؛ إذا صدق في الحكاية عنه، وتلى عليه إذا كذب عليه؛ كما يقال: تال عنه وتال عليه. وقال ابن عبّاس: (تتلو؛ أي تتبع وتعمل).وقال عطاء: (تتحدّث وتتكلّم به). وقرأ الحسن: «(الشّياطون)» بالواو في موضع الرفع في كلّ القرآن. وسئل أبو حامد

стр. 199

الخارجي عن قراءة الحسن هذه فقال: (هي لحن فاحش عند أكثر أهل الأدب).غير أن الأصمعيّ زعم أنه سمع أعرابيا يقول: بستان فلان حوله (بساتون). وقصة ذلك: أن الشياطين كتبوا السحر والنيرنجات على لسان آصف: هذا ما علّم آصف بن برخيا سليمان الملك. ثم دفنوها تحت مصلاّه حين نزع الله ملكه ولم يشعر بذلك سليمان. فلما مات ﵇ استخرجوها من تحت مصلاّه وقالوا للناس: إنّما ملككم سليمان بهذا، فتعلموه. وأما علماء بني إسرائيل وصلحاؤهم فقالوا: معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان؛ فلا نتعلمه. وأما السّفلة فقالوا: هذا علم سليمان وأقبلوا على تعلّمه؛ ورفضوا كتب أنبيائهم وقالوا: إنّما تمّ ملكه بالسّحر وبه سحر الجن والإنس والطير والرياح. فلم يزالوا على ذلك الاختلاف وفشت الملامة لسليمان حتى بعث الله تعالى محمّدا ﷺ وأنزل عذره على لسانه وأظهر براءته مما رمي به من الكفر تكذيبا لليهود، فقال : ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا؛﴾ أي هم الذين كتبوا السحر وهم الذين يعلّمونه الناس. هذا قول الكلبي. وقال السديّ: كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعد للسمع؛ فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت أو غيره؛ فيأتون الكهنة فيخلطون بما سمعوا كذبا وزورا في كلّ كلمة سبعين كذبة. ويخبرونهم بذلك؛ فالتفت الناس إلى ذلك وفشى في بني إسرائيل أن الجنّ تعلم الغيب. فبعث سليمان في الناس وجمع تلك الكتب وجعلها في صندوق ودفنها تحت كرسيّه، وقال: (لا أسمع أحدا يقول إنّ الشّياطين تعلم الغيب إلاّ ضربت عنقه).فلما مات سليمان صلوات الله عليه ضلّ الناس وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان. فتمثّل شيطان على صورة إنسان، وأتى نفرا من بني إسرائيل، وقال: هل أدلّكم على كنز؟ قالوا: نعم، قال: احفروا تحت الكرسيّ، وذهب معهم فأراهم المكان فحفروا فوجدوا تلك الكتب؛ فلما أخذوها، قال الشياطين: إن سليمان كان يضبط الجنّ والإنس والشياطين بهذه الكتب، وأفشى في الناس أن سليمان ﵊ كان ساحرا. واتخذ بنو إسرائيل الكتب. ولذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود. فلما جاء محمّد صلّى الله عليه وسلّم

стр. 200

خاصمت اليهود بذلك، فبرّأ الله سليمان وأنزل هذه الآية. قوله تعالى: ﴿(وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ)﴾ أي بالسّحر؛ فإن السحر كفر ﴿(وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا)﴾ (١). قرأ أهل الكوفة إلا عاصما؛ وأهل الشام بتخفيف النون ورفع الشياطين؛ وكذلك في الأنفال: ﴿وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ﴾ ﴿وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ (٢).وقرأ الباقون بالتشديد ونصب ما بعده. قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ؛﴾ قال بعضهم: السّحر: العلم والحذق بالشيء؛ قال الله تعالى: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ﴾ (٣) أي العالم. وقال بعضهم: هو التّمويه بالشيء حتى يتوهّم أنه شيء ولا حقيقة له كالسراب عند من رآه، قال الله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ (٤). قوله تعالى: ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ،﴾ محلّ (ما) نصب بإيقاع التعليم عليه، معناه: ويعلّمون الذي أنزل على الملكين. ويجوز أن يكون نصبا بالاتباع؛ أي واتبعوا ما أنزل على الملكين. قرأ ابن عباس والحسن والضحاك ويحيى وابن كثير: بكسر اللام من (الملكين) وقال: هما رجلان ساحران كانا ببابل؛ لأن الملائكة لا يعلمون الناس السحر. قوله تعالى: ﴿بِبابِلَ؛﴾ هي بابل العراق. قوله تعالى: ﴿هارُوتَ وَمارُوتَ﴾ اسمان سريانيّان؛ وهما في محل الخفض على تفسير الملكين بدلا منهما، إلا أنّهما فتحا لعجمتهما ومعرفتهما. وكانت قصتهما على ما حكاه ابن عباس والمفسرون: أن الملائكة رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة وذنوبهم الكثيرة وذلك زمن إدريس ﵇، فعيّروهم بذلك؛ وقالوا: هؤلاء الذين جعلتهم في الأرض واخترتهم؛ فهم يعصونك! فقال الله تعالى: لو أنزلتكم إلى الأرض وركّبت فيكم ما

стр. 201

ركّبت فيهم لارتكبتم ما ارتكبوا. فقالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك. قال الله تعالى: فاختاروا ملكين من خياركم؛ أهبطهما إلى الأرض. فاختاروا هاروت وماروت؛ وكانا من أعبد الملائكة وأصلحهم. فركّب الله فيهما الشهوة وأهبطهما إلى الأرض؛ وأمرهما أن يحكما بين الناس بالحق؛ ونهاهما عن الشرك والقتل بغير حقّ والزنا وشرب الخمر، فكانا يقضيان بين الناس يومهما، فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم، وصعد به إلى السماء. قال قتادة: فما مرّ عليهما شهر حتى افتتنا، وذلك أنه اختصم إليهما ذات يوم الزّهرة؛ وكانت من أجمل النساء، وكانت من أهل فارس، ملكة في بلدها. فلما رأياها أخذت بقلوبهما فراوداها عن نفسها فأبت وانصرفت؛ ثمّ عادت في اليوم الثاني ففعلا مثل ذلك، فأبت وقالت: لا؛ إلاّ أن تعبدوا ما أعبد وتصلّيا لهذا الصنم؛ وتقتلا النفس؛ وتشربا الخمر. فقالا: لا سبيل إلى هذا، فإنّ الله تعالى نهانا عنها؛ فانصرفت. ثم عادت في اليوم الثالث ومعها قدح من الخمر وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها، فراوداها عن نفسها؛ فعرضت عليهما ما قالت بالأمس فقالا: الصلاة لغير الله عظيم؛ وقتل النفس عزيز؛ وأهون الثلاثة شرب الخمر؛ فشربا فانتشيا ووقعا بالمرأة وزنيا، فلما فرغا رآهما إنسان فقتلاه. قال الربيع بن أنس: وسجدا للصنم. فمسخ الله الزّهرة كوكبا. وقال السديّ والكلبيّ: إنّهما لمّا قالت لهما: لن تدركاني حتى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء؟ فقالا: بالاسم الأكبر. فقالت: ما أنتما مدركاني حتى تعلّمانيه؟ قال أحدهما للآخر: علّمها؟! قال: إني أخاف الله. قال الآخر: فأين رحمة الله؟ فعلّماها ذلك فتكلمت به وصعدت إلى السماء؛ فمسخها الله كوكبا. فعلى قول هؤلاء: هي الزهرة بعينها، وقيّدوها فقالوا: هي الكوكب الأحمر. يدلّ على صحة هذا القول ما روي عن عليّ ﵁ قال: [كان النّبيّ ﷺ إذا رأى سهيلا قال: لعن الله سهيلا إنّه كان عشّارا باليمن، وإذا رأى الزّهرة قال: لعن

стр. 202

الله الزّهرة، فإنّها فتنت ملكين] (١).وكان ابن عمر ﵄ إذا رأى الزهرة قال: (لا مرحبا ولا أهلا) (٢).وعن ابن عباس: أنّ المرأة التي فتنت هاروت وماروت مسخت، فهي هذا الكوكب الحمراء. يعني الزّهرة. وأنكر الآخرون هذا؛ وقالوا: إن الزهرة من الكواكب السبعة السيارة التي أقسم الله تعالى بها؛ فقال: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ (٣) وإنّما المرأة التي فتنت هاروت وماروت كان اسمها زهرة من جمالها؛ فلما رأى رسول الله ﷺ الزهرة ذكر هذه المرأة لموافقة الاسمين؛ فلعنها. وكذلك سهيل كان رجلا عشّارا باليمن فلما رأى رسول الله ﷺ النجم ذكره؛ فلعنه؛ والله تعالى أعلم. قال المفسرون: فلمّا أمسى هاروت وماروت بعد ما أصابا الذنب همّا بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما أجنحتهما، فعلما ما حلّ بهما، فقصدا إدريس النّبيّ ﷺ فأخبراه بأمرهما وأمراه أن يشفع لهما؛ وقالا: إنا رأيناك يصعد لك من العبادة مثل ما يصعد لجميع أهل الأرض، فاشفع لنا إلى ربك؟ ففعل إدريس؛ فخيّرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا؛ إذ علما أنه ينقطع، فهما ببابل يعذّبان. واختلف العلماء في عذابهما؛ فقال ابن مسعود: (هما معلّقان بشعورهما إلى يوم القيامة).وقال قتادة: (كبلا من أقدامهما إلى أصول أفخاذهما).وقال مجاهد: (أنّ جبّا مليت نارا فجعلا فيها).وقيل: معلقان منكّسان بالسلاسل. وقيل: منكوسان يضربان بسياط الحديد. وروي أنّ رجلا أراد تعلّم السحر فقصدهما؛ فوجدهما معلّقين بأرجلهما؛ مزرقة أعينهما؛ مسودّة وجوههما؛ ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلا قدر أربع أصابع وهما معذّبان بالعطش؛ فلما رأى ذلك هاله مكانهما؛ فقال: لا إله إلا الله. فلما سمعا كلامه، قالا: من أنت؟ قال: رجل من الناس. قالوا: ومن أيّ أمّة؟ قال: من أمّة محمد

стр. 203

صلّى الله عليه وسلّم. قالا: أوقد بعث محمد؟ قال: نعم. قالا: الحمد لله وأظهرا الاستبشار. وقال الرجل: وممّ استبشاركما؟ قالا: إنه نبيّ الساعة، وقد دنا انقضاء عذابنا. قوله : ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ؛﴾ يعني الملكين؛ و (من) صلة؛ أي لا يعلّمان أحدا السحر، ﴿حَتّى؛﴾ ينصحاه أولا وينهياه و ﴿يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ،﴾ ومحنة؛ ﴿فَلا تَكْفُرْ،﴾ بتعلّم السحر. يقولان له ذلك سبع مرّات. قال السديّ وعطاء: (فإن أبى إلاّ التّعلّم! قالا له: ائت هذه الرّماد فبل عليه؛ فإذا بال عليه خرج منه نور يسطع في السّماء؛ فتلك المعرفة. وينزل شيء أسود حتّى يدخل مسامعه يشبه الدّخان؛ وذلك غضب الله). وقوله : ﴿(إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ)﴾ (إنّما) وحّدها لأنّها مصدر؛ والمصدر لا يثنّى ولا يجمع مثل قوله: ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ (١).وفي مصحف أبي: (وما يعلّم الملكان من أحد).وتعلّم السحر لا يكون إثما؛ كمن يقول لرجل: علّمني ما الزّنا، وما السرقة؟ فيقول: هو كذا وكذا؛ ولكنه حرام فلا تفعله. وهما كانا لا يصفان السحر لأحد حتى يقولا: إنّما نحن اختبار وابتلاء للناس؛ فلا تكفر أيها المتعلّم؛ أي لا تتعلّم للعمل به. وعن عائشة ﵂؛ قالت: قدمت عليّ امرأة من أهل دومة الجندل تبغي رسول الله ﷺ بعد موته لتسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السّحر ولم تعمل به، فلما لم تجد رسول الله ﷺ بكت حتى رحمتها، وقالت: إنّي أخاف أن أكون قد هلكت؛ كان لي زوج فغاب عنّي، فدخلت على عجوز فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك فأجعله يأتيك. فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر، فلم يكن كثيرا حتى وقفنا ببابل، فإذا برجلين معلّقين بأرجلهما، فقالا: ما جاء بكنّ؟ قلت: لنتعلّم السحر، فقالا: إنّما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي، فقلت: لا، قالا: اذهبي إلى ذلك التنّور؛ فبولي فيه. فذهبت ففزعت ولم أفعل فجئت إليهما، فقالا لي: فعلت؟ فقلت: نعم، فقالا: هل رأيت شيئا؟ قلت: لا، قالا: كذبت، إنك لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك، إنّما نحن فتنة فلا تكفري. فأبيت، قالا: اذهبي إلى تلك التنّور فبولي فيه، فذهبت فاقشعرّ جلدي فرجعت إليهما، فقلت:

стр. 204

قد فعلت، قالا: هل رأيت شيئا؟ قلت: لا، قالا: كذبت، لم تفعلي ارجعي إلى بلادك فلا تكفري. فأبيت. قالا: اذهبي إلى تلك التنور فبولي فيه، فذهبت فبلت فيه، فرأيت فارسا مقنّعا بحديد خرج مني حتى ذهب في السماء وغاب عني حتى لم أره، فجئتهما، فقلت: قد فعلت، فقالا لي: ما رأيت؟ قلت: رأيت فارسا مقنّعا بالحديد، خرج مني فذهب في السماء حتى غاب، قالا: صدقت، ذاك إيمانك خرج منك، اذهبي. فلما رأيت أني لا أريد شيئا إلا كان سقط في يدي وندمت والله يا أمّ المؤمنين، ما فعلت شيئا قط ولا أفعله أبدا (١). قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ،﴾ قيل: معناه: فيعمل به السامع؛ فيكفر بالعمل؛ فتقع الفرقة بينه وبين زوجته بالردّة، إذا كانت مسلمة. وقيل: معناه: يسعى بينهما بالنميمة والإغراء والإفشاء وتمويه الباطل لكي يبغض كلّ واحد منهما صاحبه فيفارقه. قرأ الحسن «(بين المرّ)» بالتشديد. وقرأ الزهريّ: بضمّ الميم والهمزة. وقرأ الباقون بفتح الميم والهمزة. ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ؛﴾ أي بالسحر، ﴿مِنْ أَحَدٍ؛﴾ أي أحدا؛ وقوله: ﴿إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ؛﴾ أي بعلمه وقضائه ومشيئته. قوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ؛﴾ أي يضرّهم في الآخرة ولا ينفعهم في الدنيا. وقيل: معناه: يضرّهم ولا ينفعهم كلاهما في الآخرة؛ لأن السّحر كان ينفعهم في دنياهم، لأنّهم يكتسبون به. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا؛﴾ أي علمت اليهود، ﴿لَمَنِ اشْتَراهُ؛﴾ أي لمن اختار السحر والكفر على الإيمان، ﴿ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ؛﴾ أي من نصيب. وقال الحسن: (من دين ولا وجه عند الله) (٢).وقال ابن عباس: (من قوام) (٣).

стр. 205

وقيل: من خلاص. قال أمية: يدعون بالويل فيها؛ لا خلاق لهم إلا السرابيل من قطر وأغلال؛ أي لا خلاص لهم. قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ؛﴾ أي باعوا به أنفسهم؛ حيث اختاروا السحر والكفر على الدين والحقّ. وقيل: لبئس ما باع المستعملون السحر به أنفسهم بعقوبة الآخرة، ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠٢). وذهب جماعة إلى أن قوله: ﴿(ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ)﴾ عطف على ﴿(وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ)﴾ في معنى النفي، كأنه قال: لم ينزل على الملكين ولكن الشياطين هاروت وماروت وأتباعهما يعلّمان الناس السحر. والغرض من هذه الآية أن بهت اليهود وكذبهم؛ حملهم على أخذ السحر من الشياطين، وادّعوا أنّهم أخذوه من سليمان، وأن ذلك اسم الله الأعظم ليكتسبوا به. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا؛﴾ أي لو أن اليهود آمنوا بمحمّد ﷺ والقرآن واتّقوا اليهودية والسحر، ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ؛﴾ أي لكان ثواب الله خيرا لهم من كسبهم بالكفر والسحر. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠٣). قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا؛﴾ وذلك أنّ المسلمين كانوا يقولون لرسول الله ﷺ : راعنا يا رسول الله، وارعنا سمعك، يعنون من المراعاة؛ وكانت هذه اللفظة شيئا قبيحا باليهودية. قيل: كان معناها عندهم اسمع لا سمعت؛ فلما سمعها اليهود اغتنموها؛ وقالوا فيما بينهم: كنّا نسبّ محمّدا سرّا فأعلنوا له الآن بالشّتم، وكانوا يأتونه ويقولون: راعنا يا محمد؛ ويضحكون فيما بينهم. فسمعها سعد بن معاذ ﵁ ففطن لها؛ وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده يا معشر اليهود لئن نسمعها من رجل منكم يقولها لرسول الله ﷺ لأضربنّ عنقه. قالوا: أولستم تقولونها؟! فأنزل الله هذه الآية: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا)﴾ لكيلا تجد اليهود سبيلا إلى سب رسول الله ﷺ (١).

стр. 206

وقيل معناها: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا)﴾ للنبيّ ﷺ (راعنا) أي اسمع إلينا نستمع إليك. وقيل: إنّ اليهود قالوا للنبيّ ﷺ : اسمع إلى كلامنا حتى نسمع إلى كلامك، فنهى الله عنه؛ إذ لا يجوز لأحد أن يخاطب أحدا من الأنبياء إلا على وجه التوقير والإعظام. قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنا؛﴾ يحتمل أن يكون من النّظر الذي هو الرؤية، ويحتمل أن يكون انظرنا حتى تبيّن لنا ما تعلّمنا. وقال مجاهد: (معناه فهّمنا). وقال بعضهم: معناه بيّن لنا. وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا؛﴾ أي اسمعوا ما تؤمرون به. والمراد أطيعوا. وقوله تعالى: ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٠٤)؛تفسيره قد تقدّم. قوله تعالى: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ؛﴾ أي ما يتمنّى الذين كفروا من يهود المدينة ونصارى نجران ولا مشركي العرب عبدة الأوثان أن ينزّل عليكم أيّها المؤمنون من خير، ﴿مِنْ رَبِّكُمْ،﴾ من الوحي وشرائع الإسلام. قوله تعالى: ﴿(وَلا الْمُشْرِكِينَ)﴾ مجرور في اللفظ بالنّسق على (من)،مرفوع في المعنى بفعله، كقوله: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ (١).قوله تعالى: ﴿(مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ)﴾ أي خير كما تقول: ما أتاني من أحد، ف (من) فيه وفي إخوانه صلة، وهي كثيرة في القرآن. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ؛﴾ أي يختار برحمته للنبوة والإسلام من يشاء، ويختصّ بها محمّد ﷺ . والاختصاص آكد من الخصوص؛ لأن الاختصاص لنفسك؛ والخصوص لغيرك، ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (١٠٥)؛ على من اختصّه بالنبوّة والإسلام. قوله : ﴿*ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها؛﴾ قيل: سبب نزول هذه الآية: أنّ اليهود كانوا يقولون حين حوّلت القبلة إلى الكعبة: إن كان الأول حقّا فقد رجعتم، وإن كان الثاني حقّا فقد كنتم على الباطل. وقيل: سببه: أنّ اليهود كانوا

стр. 207

ينكرون نسخ الشرائع؛ ويقولون: إن النسخ سبب الندامة، ولا يجوز ذلك على الله. فنزلت هذه الآية ردّا عليهم وبيّن أنه يدبر الأمر كيف يشاء. ومعناه: ما نبدّل من آية أو نتركها غير منسوخة نأت بخير من المنسوخة؛ أي أكثر في الثواب. وقيل: ألين، وأسهل على الناس؛ أو مثلها في المصلحة والثواب. قيل: إن قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها،﴾ مثل الأمر بالقتال؛ فرض الله في القتال أوّل ما فرض في الجهاد بأن يكون كلّ مسلم بدل عشرة من الكفار، وكان لا يحلّ له أن يفرّ من عشرة كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (١) ثم نسخ بقوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ﴾ الآية (٢).ولم يقل أحد إن بعض آيات القرآن خير من بعض في التلاوة والنظم؛ إذ جميعه معجز. وأما قوله تعالى: ﴿أَوْ مِثْلِها؛﴾ فهو مثل آية القبلة جعل الله ثواب الصلاة إلى الكعبة بعد النسخ مثل ثواب الصلاة إلى بيت المقدس قبل النسخ. وروي أن المشركين: قالوا: ألا ترون إلى محمّد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا، ما هذا القرآن إلا كلام محمّد يقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضا. فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣).وأنزل أيضا: ﴿(ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها)﴾. قوله تعالى: ﴿(ما نَنْسَخْ)﴾ قرأ ابن عامر «(ننسخ)» بضم النون وكسر السين، ومعناه على هذه القراءة نجعله نسخة من قولك: نسخت الكتاب؛ إذا كتبته. وقرأ الباقون: «(ننسخ)» بفتح النون والسين. وقوله «(أو ننسها)» قراءة سعيد بن المسيب وشيبة ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي «(ننسيها)» بضم النون وكسر السين، ومعناه: نأمره بتركها. وقرأ أبي

стр. 208

ابن كعب «(أو ننسك)».وقرأ عبد الله «(ما ننسك من آية أو ننسخها)».وقرأ سالم مولى حذيفة: «(أو ننسكها)».وقرأ أبو حاتم: «(أو ننسّها)» بالتشديد. وقرأ الضحاك: «(أو تنسها)» بضم التاء وفتح السين. وقرأ سعد بن أبي وقاص: «(أو تنساها)» بتاء مفتوحة. وعن القاسم بن ربيعة قال: سمعت سعد بن أبي وقّاص يقرأ «(أو تنسها)»،فقلت: إنّ سعيد ابن المسيّب يقرأ «(أو تنساها)» فقال: (إنّ القرآن لم ينزل على آل المسيّب. قال الله تعالى لنبيّه ﷺ : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ (١) ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾ (٢)) (٣). وقرأ عمر بن الخطاب وابن عباس وعطاء وابن كثير وأبو عمرو والنخعي: «(أو ننسؤها)» بفتح النون الأولى وفتح السين وبعدها همزة مهموزة، ومعناها: نتركها، يقال: نسيت الشيء؛ إذا تركته، ومنه قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٤) أي فتركهم. وقيل: معناه نؤخّرها فلا نبدلها ولا ننسخها، يقال: نسأ الله في أجله؛ وأنسأ الله في أجله، ومنه النسيئة في البيع. قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها﴾ أي بما هو أسهل وأنفع وأكثر أجرا، لا أن آية خير من آية؛ لأن كلام الله واحد، وكله خير. ﴿(أَوْ مِثْلِها)﴾ يعني في المنفعة والثواب. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٠٦)؛أي من النسخ والتبديل. قال الزجّاج: (لفظه استفهام، ومعناه التوقيف والتقرير) (٥). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي ألم تعلم يا محمد أنّ له ملك السموات والأرض ومن فيهنّ، وأنه أعلم بوجوه الصلاح فيما يتعبّده من ناسخ ومنسوخ ومتروك وغير متروك. ويجوز أن يكون هذا الخطاب

стр. 209

للنبيّ ﷺ والمراد به غيره. كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (١٠٧)، ويجوز أن يكون تطييبا لنفوس المؤمنين، وبيانا أنه وليّهم وناصرهم، وأنّهم بنصره إياهم يغلبون من سواهم، ويجوز أن يكون وعيدا لمن لا يؤمن بالناسخ والمنسوخ، أي ليس لكم قرائب تنفعكم ولا مانع يمنعكم من عذاب الله. قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ؛﴾ قال ابن عباس: (نزلت في عبد الله بن أبي أميّة المخزوميّ وفي رهط من قريش أتوا النّبيّ ﷺ وقالوا: يا محمّد اجعل لنا الصّفا ذهبا ووسّع لنا أرض مكّة، وفجّر الأنهار خلالها تفجيرا، ونحن نؤمن بك. وقالوا أيضا: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً﴾ (٢) فأنزل الله هذه الآية) (٣).ومعناها: أتريدون، والميم صلة. وقيل: معناها: بل؛ وسألوا رؤية الله كما سألها السبعون رجلا من بني إسرائيل موسى. وقوله: ﴿(رَسُولَكُمْ)﴾ بمعنى محمّد ﷺ . قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ؛﴾ أي من يختار الكفر على الإيمان ويستبدله به، ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (١٠٨)؛أي أخطأ قصد الطريق. قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً،﴾ أنزلت في نفر من اليهود؛ قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار ابن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم؟ ولو كنتم على الحقّ ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلا، فقال لهم عمّار: (كيف نقض العهد فيكم؟) قالوا: شديد. قال: (فإنّي عهدت أن لا أكفر بمحمّد ﷺ

стр. 210

ما عشت) فقالت اليهود: أمّا هذا فقد صبأ. وقال حذيفة: (وأمّا أنا فقد رضيت بالله ربّا وبمحمّد نبيّا وبالاسلام دينا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا).ثمّ أتيا رسول الله ﷺ وأخبراه بذلك فقال: [أصبتما الخير وأفلحتما] فأنزل الله تعالى ﴿(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ)﴾ يا معشر المؤمنين ﴿(مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّاراً)﴾ ونصب كفارا بالردّ. وقيل: بالحال. وقوله تعالى: ﴿حَسَداً،﴾) أي حسدا لكم لتشريف الله إياكم عليهم بوضع النبوّة فيكم بعد ما كان في بني إسرائيل. وانتصب (﴿حَسَداً)﴾) على المصدر؛ أي يحسدونكم حسدا. وقيل: بنزع الخافض، تقديره: للحسد. قوله تعالى: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ،﴾ راجع إلى ﴿(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ)﴾ لا إلى قوله (حسدا) لأن حسد الإنسان لا يكون إلا من قبله؛ فكأنه تعالى بيّن أن مودّتهم ردّكم إلى الكفر؛ لا لأنّ دينهم يأمرهم ذلك، ولكن ذلك من عند أنفسهم، ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ،﴾ في التوراة وسائر الكتب: أن محمّدا ﷺ صدق، وأن دينه حقّ. وقيل: معنى ﴿(مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ)﴾ أي لم يأمرهم الله بذلك. قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا؛﴾ أي اتركوهم وأعرضوا عنهم، ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ؛﴾ أي حتى يأذن الله لكم في مقاتلتهم وسبيهم وينصركم عليهم. وقد جاء الله تعالى بأمره حين استقرّت آيات النّبيّ ﷺ ومعجزاته ولم يؤمنوا؛ أمر الله النّبيّ ﷺ بقتالهم بقوله: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ.﴾. الآية، إلى قوله: ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ (١) وغير ذلك من الآيات، فقتلوا بني قريظة؛ وأجلوا بني النضير. وقيل: معناه: ﴿(حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ)﴾:قيام الساعة ويجازيهم بأعمالهم. ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٠٩). قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ،﴾ لمّا أمر الله تعالى بالصفح عن اليهود، علم أن ذلك يشقّ على المسلمين، فأمرهم الله بالاستعانة على ذلك بالصلاة والزّكاة كما قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ (٢).

стр. 211

قوله تعالى: ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ؛﴾ يعني من طاعة وعمل صالح تجدوا ثوابه ونفعه عند الله. وقيل: أراد بالخير المال، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾ (١) ومعناه: وما تقدّموا لأنفسكم من زكاة وصدقة الثمرة واللقمة تجدوه عند الله مثل أحد. ﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١١٠)، وفي الحديث: [إذا مات العبد قال النّاس: ما خلّف؟ وقال الملائكة: ما قدّم؟] (٢). روي أن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه دخل المقابر، فقال: (السّلام عليكم يا أهل القبور، أموالكم قسّمت؛ ودياركم سكنت؛ ونسائكم نكحت، فهذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟) فهتف به هاتف: وعليكم السّلام، ما أكلنا ربحنا؛ وما قدّمنا وجدنا، وما خلّفنا خسرنا (٣). قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى،﴾ قال الفرّاء: وأراد يهودا فحذفت الياء الزائدة. قال الأخفش: (الهود جمع هاد؛ مثل عائد وعود، وحائل وحول).وفي مصحف أبيّ: «(إلاّ من كان يهوديّا أو نصرانيّا)». ومعنى الآية: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا ولا دين إلا اليهودية. وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيّا، ولا دين إلا النصرانية. فأنزل الله تعالى: ﴿تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ،﴾ يجوز أن تكون ﴿(تِلْكَ)﴾ كناية عن الجنة؛ ويجوز أن تكون المقالة. وأمانيّهم: أباطيلهم بلغة قريش، وقيل: شهواتهم التي تمنّوها على الله بغير الحقّ. ﴿قُلْ؛﴾ لهم يا محمّد: ﴿هاتُوا﴾

стр. 212

﴿بُرْهانَكُمْ؛﴾ أي حجّتكم على ذلك من التوراة والانجيل، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١١١). ثم قال الله تعالى ردّا عليهم وتكذيبا لهم: ﴿بَلى؛﴾ أي ليس كما قالوا، بل يدخل الجنّة، ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ؛﴾ أي من أخلص دينه لله. وقيل: من فوّض أمره إلى الله. وقيل: من خضع وتواضع لله. وأصل الإسلام: الاستسلام؛ وهو الخضوع والانقياد. وإنّما خصّ الوجه؛ لأنه إذا جاد بوجهه في السجود لم يبخل بسائر جوارحه. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ؛﴾ أي محسن في عمله، وقيل: معناه: وهو مؤمن مخلص، ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ؛﴾ أي فيما يستقبلهم من أهوال القيامة، ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١١٢)؛على ما خلفوا في الدنيا؛ لأنّهم يتيقّنون بثوابهم عند الله. قوله تعالى: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾. قال ابن عباس: (صدق كلّ واحد من الفريقين، ولو حلف على ذلك أحد ما حنث، وليس أحد من الفريقين على شيء).قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ؛﴾ أي وكلا الفريقين يقرءون كتاب الله، ولو رجعوا إلى ما معهم من الكتاب لما اختلفوا. قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ؛﴾ أي الذين ليسوا من أهل الكتاب؛ نحو المجوس ومشركي العرب. يقولون أيضا: لن يدخل الجنّة إلا من كان على ديننا. وقيل: أراد بالذين لا يعلمون آباءهم الذين مضوا. وقال مقاتل: (هم مشركو العرب؛ قالوا في محمّد ﷺ وأصحابه: ليسوا على شيء من الدّين).وقال ابن جريج: (قلت لعطاء: كيف قال الّذين لا يعلمون؟ من هم؟ قال: أمم كانت قبل اليهود والنّصارى) (١) مثل قوم نوح؛ وقوم هود؛ وصالح؛ ولوط؛ وشعيب؛ ونحوهم. قالوا في أنبيائهم: ليسوا على شيء، وإنّ الدّين ديننا.

стр. 213

قوله تعالى: ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ أي يقضي بين اليهود والنصارى والمشركين يوم القيامة؛ أي يريهم من يدخل الجنة عيانا؛ ومن يدخل النار عيانا. قوله تعالى: ﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١١٣)؛يعني من الدّين. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ؛﴾ نزلت هذه الآية في ططوس بن استيسيانوس الرومي وأصحابه، وذلك أنّهم غزوا بني إسرائيل فقتلوا مقاتليهم؛ وسبوا ذراريهم؛ وحرقوا التوراة؛ وخرّبوا بيت المقدس وألقوا فيه الجيف؛ وذبحوا فيه الخنازير، وكان خرابا إلى أن بناه المسلمون في أيام عمر ﵁. ولم يدخل بيت المقدس بعد عمارتها روميّ إلا خائفا مستخفيا لو علم به لقتل. وقال قتادة والسديّ: (نزلت في بخت نصّر وأصحابه غزوا اليهود وخرّبوا بيت المقدس وأعانهم على ذلك ططوس الروميّ وأصحابه النّصارى من أهل الرّوم؛ وذلك لبغضهم اليهود) (١).إلاّ أنّ هذا يشبه الغلط، والأول أظهر؛ لأنه لا خلاف أنّ بخت نصّر قبل مولد عيسى ﵇ بدهر طويل، والنصارى إنّما ينتمون إلى عيسى ﵇، فكيف يكونون مع بختنصر؟! ومعنى الآية: ﴿(وَمَنْ أَظْلَمُ)﴾ أي ومن أكفر عتيا ﴿(مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ)﴾ يعني بيت المقدس ومحاريبه. وقوله: ﴿(أَنْ يُذْكَرَ)﴾ موضع ﴿(أَنْ)﴾ نصب على أنه مفعول ثان؛ لأن المنع يتعدى إلى مفعولين، وإن شئت جعلته نصبا بنزع الخافض؛ أي بأن يذكر. وقوله تعالى: ﴿وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ؛﴾ وقال قتادة ومقاتل: (لم يدخل بيت المقدس أحد من النّصارى إلاّ متنكّرا مسارقة لو قدر عليه عوقب ونهك ضربا).قال السديّ: (اختفوا بالجزية). وقال أهل المعاني: هذا خبر فيه معنى الأمر، يقول: أجهضوهم بالجهاد لئلا يدخلها أحد منهم إلا خائفا من القتل والسبي. قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ؛﴾ أي عذاب وهوان؛ وهو القتل والسبي إن كانوا حربا، والجزية إن لم يكونوا حربا. قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١١٤)؛وهو النار. قال عطاء: (نزلت هذه الآية في مشركي مكّة).

стр. 214

وأرادوا بالمساجد: المسجد الحرام؛ منعوا النّبيّ ﷺ والمسلمين عن ذكر الله فيه وصدّوهم عنه عام الحديبية، فعلى هذا سعيهم في خرابها هو المنع عن ذكر الله فيها؛ لأن عمارة المساجد بإقامة العبادات فيها. وقوله تعالى: ﴿(أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ)﴾ يعني أهل مكّة، يقول الله: أفتحها عليكم حتى يدخلوها، ويكونوا أولى بها منهم، ففتحها الله عليهم، وأمر رسول الله ﷺ مناديا ينادي: [ألا لا يحجّنّ بعد هذا العام مشرك؛ ولا يطوفنّ بالبيت عريان] (١).فمنعوا منها، فهذا خوفهم. ﴿(لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ)﴾ أي ذلّ وقتل ونفي ﴿(وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ)﴾. وقيل: المراد بالآية: جميع الكفار الذين منعوا المسلمين من المساجد. وكل موضع يتعبّد فيه فهو مسجد، قال ﵊: [جعلت لي الأرض مسجدا] (٢).فعلى هذا تقدير ﴿(وَمَنْ أَظْلَمُ)﴾ الآية ممّن خالف ملّة الإسلام؛ ﴿(أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ)؛﴾ أي يظهر الإسلام على جميع الأديان، ولا يدخل الكفار المساجد إلا خائفين بعد أن كانوا لا يتركوا المسلمين أن يدخلوا مساجدهم. قوله : ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ؛﴾ قيل: معناه لا يمنعكم تخريب من خرّب مساجد الله أن تذكروه حيث كنتم من أرضه. وقال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في نفر من الصّحابة رضي الله تعالى عنهم في سفر قبل تحويل القبلة إلى الكعبة، فأصابهم الضّباب، وحضرت الصّلاة، فتحرّوا القبلة فصلّوا؛ فمنهم من صلّى قبل المشرق؛ ومنهم من صلّى قبل المغرب. فلمّا ذهب الضّباب استنار لهم أنّهم لم يصيبوا، فلمّا قدموا؛ سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فنزلت هذه الآية) (٣).

стр. 215

وقال عبد الله بن عامر: [كنّا مع رسول الله ﷺ في ليلة سوداء مظلمة؛ فنزلنا منزلا، فجعل الرّجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا فيصلّي فيه، فلمّا أصبحنا إذا نحن قد صلّينا إلى غير القبلة، فأنزل الله هذه الآية] (١). وقال عبد الله بن عمر: نزلت في صلاة المسافر يصلّي حيثما توجّهت به راحلته تطوّعا؛ [كان رسول الله ﷺ يصلّي على راحلته في السّفر أينما توجّهت به] (٢).وقال عكرمة: (نزلت في تحويل القبلة إلى الكعبة لمّا صلّى إليها المسلمون بعد ما كانت قبلتهم بيت المقدس، قالت اليهود: يصلّون مرّة هكذا، ومرّة يصلّون هكذا! فأنزل الله هذه الآية). فإن قيل: لم قال: ﴿(وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ)﴾ على التوحيد وله المشارق والمغارب؟ قيل: لأنه أخرجه مخرج الجنس كما يقال: أهلك الله الدينار والدرهم. قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ؛﴾ أي رضي الله كقوله تعالى: ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ (٣) أي لرضاه. وقيل: معناه: ﴿(فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)﴾ أي علمه محيط بهم. وقيل: معناه: فأينما تولّوا وجوهكم أيها المؤمنون في سفركم وحضركم فثمّ قبلة الله التي وجّهتكم إليها فاستقبلوها؛ يعني الكعبة. وقال الكلبيّ: (معناه: فثمّ وجه الله تعالى يرى ويعلم).والوجه صلة كقوله: ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ﴾ (٤) أي تريدونه بالدعاء. وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ (٥) أي إلا هو. وقوله: ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (٦) أي ويبقى ربّك. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١١٥)؛قال الكلبيّ: (يعني: واسع المغفرة).وقال أبو عبيدة: (الواسع: الغنيّ).يقال: فلان يعطي من سعته؛ أي
следующие страницы →