← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قوله تعالى: ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ؛﴾ يعني من طاعة وعمل صالح تجدوا ثوابه ونفعه عند الله. وقيل: أراد بالخير المال، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾ (١) ومعناه: وما تقدّموا لأنفسكم من زكاة وصدقة الثمرة واللقمة تجدوه عند الله مثل أحد. ﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١١٠)، وفي الحديث: [إذا مات العبد قال النّاس: ما خلّف؟ وقال الملائكة: ما قدّم؟] (٢). روي أن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه دخل المقابر، فقال: (السّلام عليكم يا أهل القبور، أموالكم قسّمت؛ ودياركم سكنت؛ ونسائكم نكحت، فهذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟) فهتف به هاتف: وعليكم السّلام، ما أكلنا ربحنا؛ وما قدّمنا وجدنا، وما خلّفنا خسرنا (٣). قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى،﴾ قال الفرّاء: وأراد يهودا فحذفت الياء الزائدة. قال الأخفش: (الهود جمع هاد؛ مثل عائد وعود، وحائل وحول).وفي مصحف أبيّ: «(إلاّ من كان يهوديّا أو نصرانيّا)». ومعنى الآية: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا ولا دين إلا اليهودية. وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيّا، ولا دين إلا النصرانية. فأنزل الله تعالى: ﴿تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ،﴾ يجوز أن تكون ﴿(تِلْكَ)﴾ كناية عن الجنة؛ ويجوز أن تكون المقالة. وأمانيّهم: أباطيلهم بلغة قريش، وقيل: شهواتهم التي تمنّوها على الله بغير الحقّ. ﴿قُلْ؛﴾ لهم يا محمّد: ﴿هاتُوا﴾

стр. 212

﴿بُرْهانَكُمْ؛﴾ أي حجّتكم على ذلك من التوراة والانجيل، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١١١). ثم قال الله تعالى ردّا عليهم وتكذيبا لهم: ﴿بَلى؛﴾ أي ليس كما قالوا، بل يدخل الجنّة، ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ؛﴾ أي من أخلص دينه لله. وقيل: من فوّض أمره إلى الله. وقيل: من خضع وتواضع لله. وأصل الإسلام: الاستسلام؛ وهو الخضوع والانقياد. وإنّما خصّ الوجه؛ لأنه إذا جاد بوجهه في السجود لم يبخل بسائر جوارحه. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ؛﴾ أي محسن في عمله، وقيل: معناه: وهو مؤمن مخلص، ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ؛﴾ أي فيما يستقبلهم من أهوال القيامة، ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١١٢)؛على ما خلفوا في الدنيا؛ لأنّهم يتيقّنون بثوابهم عند الله. قوله تعالى: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾. قال ابن عباس: (صدق كلّ واحد من الفريقين، ولو حلف على ذلك أحد ما حنث، وليس أحد من الفريقين على شيء).قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ؛﴾ أي وكلا الفريقين يقرءون كتاب الله، ولو رجعوا إلى ما معهم من الكتاب لما اختلفوا. قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ؛﴾ أي الذين ليسوا من أهل الكتاب؛ نحو المجوس ومشركي العرب. يقولون أيضا: لن يدخل الجنّة إلا من كان على ديننا. وقيل: أراد بالذين لا يعلمون آباءهم الذين مضوا. وقال مقاتل: (هم مشركو العرب؛ قالوا في محمّد ﷺ وأصحابه: ليسوا على شيء من الدّين).وقال ابن جريج: (قلت لعطاء: كيف قال الّذين لا يعلمون؟ من هم؟ قال: أمم كانت قبل اليهود والنّصارى) (١) مثل قوم نوح؛ وقوم هود؛ وصالح؛ ولوط؛ وشعيب؛ ونحوهم. قالوا في أنبيائهم: ليسوا على شيء، وإنّ الدّين ديننا.

стр. 213

قوله تعالى: ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ أي يقضي بين اليهود والنصارى والمشركين يوم القيامة؛ أي يريهم من يدخل الجنة عيانا؛ ومن يدخل النار عيانا. قوله تعالى: ﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١١٣)؛يعني من الدّين. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ؛﴾ نزلت هذه الآية في ططوس بن استيسيانوس الرومي وأصحابه، وذلك أنّهم غزوا بني إسرائيل فقتلوا مقاتليهم؛ وسبوا ذراريهم؛ وحرقوا التوراة؛ وخرّبوا بيت المقدس وألقوا فيه الجيف؛ وذبحوا فيه الخنازير، وكان خرابا إلى أن بناه المسلمون في أيام عمر ﵁. ولم يدخل بيت المقدس بعد عمارتها روميّ إلا خائفا مستخفيا لو علم به لقتل. وقال قتادة والسديّ: (نزلت في بخت نصّر وأصحابه غزوا اليهود وخرّبوا بيت المقدس وأعانهم على ذلك ططوس الروميّ وأصحابه النّصارى من أهل الرّوم؛ وذلك لبغضهم اليهود) (١).إلاّ أنّ هذا يشبه الغلط، والأول أظهر؛ لأنه لا خلاف أنّ بخت نصّر قبل مولد عيسى ﵇ بدهر طويل، والنصارى إنّما ينتمون إلى عيسى ﵇، فكيف يكونون مع بختنصر؟! ومعنى الآية: ﴿(وَمَنْ أَظْلَمُ)﴾ أي ومن أكفر عتيا ﴿(مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ)﴾ يعني بيت المقدس ومحاريبه. وقوله: ﴿(أَنْ يُذْكَرَ)﴾ موضع ﴿(أَنْ)﴾ نصب على أنه مفعول ثان؛ لأن المنع يتعدى إلى مفعولين، وإن شئت جعلته نصبا بنزع الخافض؛ أي بأن يذكر. وقوله تعالى: ﴿وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ؛﴾ وقال قتادة ومقاتل: (لم يدخل بيت المقدس أحد من النّصارى إلاّ متنكّرا مسارقة لو قدر عليه عوقب ونهك ضربا).قال السديّ: (اختفوا بالجزية). وقال أهل المعاني: هذا خبر فيه معنى الأمر، يقول: أجهضوهم بالجهاد لئلا يدخلها أحد منهم إلا خائفا من القتل والسبي. قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ؛﴾ أي عذاب وهوان؛ وهو القتل والسبي إن كانوا حربا، والجزية إن لم يكونوا حربا. قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١١٤)؛وهو النار. قال عطاء: (نزلت هذه الآية في مشركي مكّة).

стр. 214

وأرادوا بالمساجد: المسجد الحرام؛ منعوا النّبيّ ﷺ والمسلمين عن ذكر الله فيه وصدّوهم عنه عام الحديبية، فعلى هذا سعيهم في خرابها هو المنع عن ذكر الله فيها؛ لأن عمارة المساجد بإقامة العبادات فيها. وقوله تعالى: ﴿(أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ)﴾ يعني أهل مكّة، يقول الله: أفتحها عليكم حتى يدخلوها، ويكونوا أولى بها منهم، ففتحها الله عليهم، وأمر رسول الله ﷺ مناديا ينادي: [ألا لا يحجّنّ بعد هذا العام مشرك؛ ولا يطوفنّ بالبيت عريان] (١).فمنعوا منها، فهذا خوفهم. ﴿(لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ)﴾ أي ذلّ وقتل ونفي ﴿(وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ)﴾. وقيل: المراد بالآية: جميع الكفار الذين منعوا المسلمين من المساجد. وكل موضع يتعبّد فيه فهو مسجد، قال ﵊: [جعلت لي الأرض مسجدا] (٢).فعلى هذا تقدير ﴿(وَمَنْ أَظْلَمُ)﴾ الآية ممّن خالف ملّة الإسلام؛ ﴿(أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ)؛﴾ أي يظهر الإسلام على جميع الأديان، ولا يدخل الكفار المساجد إلا خائفين بعد أن كانوا لا يتركوا المسلمين أن يدخلوا مساجدهم. قوله : ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ؛﴾ قيل: معناه لا يمنعكم تخريب من خرّب مساجد الله أن تذكروه حيث كنتم من أرضه. وقال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في نفر من الصّحابة رضي الله تعالى عنهم في سفر قبل تحويل القبلة إلى الكعبة، فأصابهم الضّباب، وحضرت الصّلاة، فتحرّوا القبلة فصلّوا؛ فمنهم من صلّى قبل المشرق؛ ومنهم من صلّى قبل المغرب. فلمّا ذهب الضّباب استنار لهم أنّهم لم يصيبوا، فلمّا قدموا؛ سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فنزلت هذه الآية) (٣).

стр. 215

وقال عبد الله بن عامر: [كنّا مع رسول الله ﷺ في ليلة سوداء مظلمة؛ فنزلنا منزلا، فجعل الرّجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا فيصلّي فيه، فلمّا أصبحنا إذا نحن قد صلّينا إلى غير القبلة، فأنزل الله هذه الآية] (١). وقال عبد الله بن عمر: نزلت في صلاة المسافر يصلّي حيثما توجّهت به راحلته تطوّعا؛ [كان رسول الله ﷺ يصلّي على راحلته في السّفر أينما توجّهت به] (٢).وقال عكرمة: (نزلت في تحويل القبلة إلى الكعبة لمّا صلّى إليها المسلمون بعد ما كانت قبلتهم بيت المقدس، قالت اليهود: يصلّون مرّة هكذا، ومرّة يصلّون هكذا! فأنزل الله هذه الآية). فإن قيل: لم قال: ﴿(وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ)﴾ على التوحيد وله المشارق والمغارب؟ قيل: لأنه أخرجه مخرج الجنس كما يقال: أهلك الله الدينار والدرهم. قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ؛﴾ أي رضي الله كقوله تعالى: ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ (٣) أي لرضاه. وقيل: معناه: ﴿(فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)﴾ أي علمه محيط بهم. وقيل: معناه: فأينما تولّوا وجوهكم أيها المؤمنون في سفركم وحضركم فثمّ قبلة الله التي وجّهتكم إليها فاستقبلوها؛ يعني الكعبة. وقال الكلبيّ: (معناه: فثمّ وجه الله تعالى يرى ويعلم).والوجه صلة كقوله: ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ﴾ (٤) أي تريدونه بالدعاء. وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ (٥) أي إلا هو. وقوله: ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (٦) أي ويبقى ربّك. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١١٥)؛قال الكلبيّ: (يعني: واسع المغفرة).وقال أبو عبيدة: (الواسع: الغنيّ).يقال: فلان يعطي من سعته؛ أي

стр. 216

من غناه. وقال الفرّاء: (الواسع: الجواد الّذي يسع عطاؤه كلّ شيء).وقيل: الواسع: الرحيم؛ دليله ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١).وقيل: الواسع: العالم الذي يسع علمه كل شيء. وقال الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٢).وقوله: ﴿(عَلِيمٌ)﴾ أي عالم بنيّاتهم حيثما صلّوا ودعوا. قوله تعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ؛﴾ نزلت في يهود المدينة حيث قالوا: عزيز ابن الله، وفي نصارى نجران حيث قالوا: المسيح ابن الله، وفي مشركي العرب حيث قالوا: الملائكة بنات الله (٣).وقوله: ﴿سُبْحانَهُ؛﴾ تنزيها نزّه نفسه. قوله تعالى: ﴿بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ عبيد وملك؛ أي من كان مالك السموات والأرض؛ فإن الأشياء تضاف إليه من جهة الملك. قوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ (١١٦)؛أي مطيعون. وهذا تأويل لا يستغرق الكلّ، فيكون لفظ عموم أريد به الخصوص (٤).ثم سلكوا في تخصيصه طريقين؛ أحدهما: راجع إلى عزير والمسيح والملائكة، وهذا قول مقاتل. والطريق الثّاني: راجع إلى أهل طاعته دون الناس أجمعين، وهذا قول ابن عباس والفرّاء. وقال بعضهم: هو عامّ في جميع الخلق. ثمّ سلكوا في الكفار طريقين؛ أحدهما: أن ظلالهم تسجد لله وتطيعه؛ وهو قول مجاهد؛ ودليله قوله تعالى: ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلّهِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَظِلالُهُمْ﴾ (٦).والثّاني: قالوا: هذا في القيامة، قاله السديّ؛ وتصديقه قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ (٧).وقال عكرمة ومقاتل: (معنى الآية: كلّ له مقرّون بالعبوديّة).وقال ابن كيسان: (قائمون بالشّهادة، وأصل القنوت (٨)

стр. 217

القيام).وقيل: مصلّون؛ دليله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ (١).وقيل: داعون، ويسمّى دعاء الوتر: قنوت، الآية (٢) يدعو قائما. قوله : ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي مبتدعهما ومنشؤهما على غير مثال يسبق، ﴿وَإِذا قَضى أَمْراً؛﴾ أي إذا أراد شيئا، ﴿فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١١٧)،وهذه الآية والتي قبلها جواب عن قول جماعة من النصارى ناظروا النّبيّ ﷺ في أمر عيسى ﵇. قال لهم النّبيّ ﷺ : [هو عبد الله ورسوله] قالوا: هل رأيت من خلق بغير أب؟ فأنزل الله هذه الآية وما قبلها جوابا لهم (٣). ومعناها: إنّ الله مبتدع السموات والأرض وخالقهما، وإذا أراد أمرا مثل عيسى بغير أب أو غير ذلك، فإنّما يقول له: كن، فيكون كما أراده. والإبداع: إيجاد الأشياء على غير مثال سبق؛ والبديع فعيل بمعنى مفعّل، والبديع أشدّ مبالغة من المبدع. قوله تعالى: ﴿(فَيَكُونُ)﴾ من رفعه؛ فمعناه: فهو يكون. ومن نصبه؛ فعلى جواب الأمر بالفاء. فإن قيل: قوله ﴿(كُنْ)﴾ خطاب للموجود أو للمعدوم، ولا يجوز الأول؛ لأنّ الشيء الكائن لا يؤمر بالكون، والثاني لا يجوز أيضا؛ لأنّ المعدوم لا يخاطب؟ قيل: إنّما قال ذلك على سبيل المثل، لأن الأشياء لسهولتها عليه وسرعة كونها بأمره بمنزلة ما يقول له كن فيكون. وهذا مثل قوله: ﴿اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ (٤) لم يرد بهذا أن السماء والأرض كانتا في موضع فقال لهما: ائتيا، فجاءا من ذلك الموضع، ولكن أراد به تكوينهما، فعلى هذا معنى ﴿(كُنْ فَيَكُونُ)﴾ أي يريده فيحدث. قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ؛﴾ أراد بالذين لا يعلمون يهود المدينة وغيرهم من الكفار، وقيل: النصارى. وقيل: مشركو العرب؛

стр. 218

قالوا: هلاّ يكلّمنا الله عيانا بأنّك رسوله. ﴿أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ؛﴾ أي علامة دالة على صدقك ونبوتك؛ يعنون قولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ (١) الآية. قوله : ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ؛﴾ يعني اليهود الذين قالوا لموسى: أرنا الله جهرة. قوله تعالى: ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ؛﴾ أي قلوب الأوّلين والآخرين منهم في القسوة والكفر. ويقال: تشابهت قلوب المشركين واليهود والنصارى في القسوة والكفر. قوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١١٨)،أي لمن أيقن وطلب الحقّ. والآيات مثل بيان نعت النّبيّ ﷺ وصفته في التوراة؛ وانشقاق القمر؛ وإعجاز القرآن وغير ذلك. قوله تعالى: ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي أرسلناك يا محمّد بالصّدق؛ من قولهم: فلان محقّ في دعواه إذا كان صادقا، دليله قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ (٢) أي صدق. وقال مقاتل: (معناه: لن نرسلك عبثا بغير شيء؛ بل أرسلناك بالحقّ) دليله قوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ (٣) وهو ضدّ الباطل. قال ابن عباس: (بالقرآن) دليله قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ (٤).وقال ابن كيسان: (بالإسلام) دليله قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ (٥). قوله تعالى: ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً؛﴾ أي بشيرا للمؤمنين بالثواب، ونذيرا للكافرين بالعقاب. وقوله تعالى: ﴿وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾ (١١٩)؛ أي لست تسأل في الآخرة عن أصحاب الجحيم، كما قال: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ (٦) وقال: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ (٧).ومن فتح التاء فعلى النّهي. وتأويله أنّ النّبيّ ﷺ قال ذات يوم: [ليت شعري، ما فعل بأبويّ؟] فنزلت هذه الآية (٨).

стр. 219

وفيه قراءتان: الجزم على النهي؛ وهي قراءة نافع وشيبة والأعرج ويعقوب. وقرأ الباقون بالرفع على النّفي؛ يعني ولست تسأل عنهم. وقرأ أبيّ: «(وما تسأل)». وقرأ ابن مسعود: «(ولن تسأل)».والجحيم والجحم والجحمة: معظم الدّار. قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ؛﴾ وذلك أنّهم كانوا يسألون النّبيّ ﷺ الهدنة ويطمّعونه في أن يتّبعوه إن هادنهم، فأنزل الله هذه الآية. وقيل: كان النّبيّ ﷺ حريصا على طلب رضاهم طمعا في أن يرجعوا إلى الحقّ (١).وقيل: كانوا يطلبون من النّبيّ ﷺ المسالمة ويطمّعونه في أنّه إن هادنهم أسلموا؛ فأمر الله النّبيّ ﷺ أن لا يطيعهم ما طلبوا من الهدنة، وأخبر أنّهم لا يرضون عنه بذلك، وهم يهود أهل المدينة ونصارى نجران. قال ابن عباس ﵄: «هذا في القبلة؛ وذلك أنّ يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلّي النّبيّ ﷺ إلى قبلتهم؛ فلمّا صرف الله تعالى القبلة إلى الكعبة؛ شقّ عليهم وآيسوا منه أن يوافقهم على دينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿(وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)﴾ أي دينهم، وقبلتهم بيت المقدس» (٢). قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى؛﴾ أي الصراط الذي دعا الله إليه؛ وهو الذي أنت عليه هو صراط الحقّ. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ؛﴾ أي إن اتبعت ملّتهم وصلّيت إلى قبلتهم، ﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ؛﴾ أي بعد ما ظهر لك أنّ دين الله الإسلام؛ وأنّ القبلة قد حوّلت إلى الكعبة،

стр. 220

﴿ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (١٢٠)؛أي ما لك من الله من وليّ ينفعك ويحفظك عن عقابه، ولا نصير يدفع مضرّة عقابه عنك. وهذا خطاب للنبيّ ﷺ والمراد به عامّة الناس؛ مثل قوله ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (١).وقد علم الله أنه لا يشرك؛ وهذا كما يقال في المثل: (إيّاك أعني فاسمعي يا جارة). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ؛﴾ قال ابن عباس: (نزلت في أهل السّفينة الّذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب؛ وكانوا أربعين رجلا؛ اثنان وثلاثون من الحبشة؛ وثمانية من رهبان الشّام؛ منهم بحيرا).وقال الضحّاك: (هم من آمن من اليهود: عبد الله بن سلام، وشعبة بن عمرو، وأسيد وأسد ابنا كعب، وابن يامين، وعبد الله بن صوريّا).وقال عكرمة: (هم أصحاب رسول الله محمّد ﷺ .وقيل: هم المؤمنون عامة. وقوله تعالى: ﴿(يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ)﴾ قال الكلبيّ: (يصفونه في كتبهم حقّ صفته لمن سألهم من النّاس) وعلى هذا القول تكون الهاء راجعة إلى محمّد ﷺ . وقال بعضهم: هي عائدة إلى الكتاب. واختلفوا في معناه؛ قال ابن مسعود: ﴿(يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ)﴾ أي يحلّلون حلاله ويحرّمون حرامه ويقرءونه كما أنزل، ولا يحرّفونه عن مواضعه (٢).وقال الحسن: (معناه: يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه؛ ويكلون علم ما أشكل عليهم إلى عالمه) (٣).وقال مجاهد: (يتّبعونه حقّ اتّباعه) (٤). قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ؛﴾ أي بالقرآن ويقرّون بمحمّد ﷺ . قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ؛﴾ أي بالقرآن ويجحد نبوّة محمّد ﷺ ، ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (١٢١)،وهم كعب بن الأشرف وأصحابه.

стр. 221

قوله تعالى: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ،﴾ تقدّم تفسيره، وفائدة تكرار القصص والألفاظ: أنّ الله تعالى أراد برحمته أن يشهر القصص في أطراف الأرض؛ ويلقيها في كلّ سمع؛ ويثبتها في كلّ قلب؛ ويزيد الحاضرين إفهاما، فإنّ القرآن نزل بلسانهم، ومن مذهبهم أنّ التكرار إرادة التوكيد وزيادة الإفهام. ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (١٢٣). قوله تعالى: ﴿*وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ؛﴾ أي اختبره بما بعده من السّنن؛ وهي عشر خصال: خمس في الرأس: وهي المضمضة؛ والاستنشاق والسّواك؛ وقصّ الشارب؛ وفرق الرأس. وخمس في الجسد: التقليم؛ والختان؛ والاستنجاء بالماء؛ وحلق العانة؛ ونتف الإبط (١).وقيل: معناه: ابتلاه الله بالمناسك التي تعبّده بها وهي عرفة والمزدلفة والرمي والطواف والسعي. وقيل: معناه: ابتلاه الله بأمر عظيم؛ فصبر وأحسن الظنّ بالله (٢).فأول ذلك الكوكب والقمر والشمس، ثم النار؛ فجعلها عليه بردا وسلاما، ثم بالهجرة من أهله وولده، ثم بالختان على رأس ثمانين سنة، ثم بذبح الولد، فاتخذه الله خليلا. قوله تعالى: ﴿(فَأَتَمَّهُنَّ)﴾ أي عمل بهنّ ولم يترك منهنّ شيئا. قوله تعالى: ﴿قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً؛﴾ أي مقتدا بك، ﴿قالَ؛﴾ إبراهيم: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي؛﴾ أي ومن أولادي، فاجعل أئمة يقتدى بهم. وأصل الذّرّيّة الأولاد الصّغار؛ مشتق من الذّرى لكثرته. وقيل: من الذّرء؛ وهو الخلق. وفيه ثلاث لغات: (ذرّيّة) بكسر الذال وهي قراءة زيد بن ثابت. و «(ذرّيّة)» بفتح الذال وهي قراءة أبي جعفر. و «(ذرّيّة)» بضمّ الذال وهي قراءة العامة. قوله تعالى: ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ (١٢٤)؛أعلمه الله تعالى أنّ في ذريته الظالم؛ والظالم لا يصلح إماما. وفيه ثلاث قراءات: ﴿(عَهْدِي الظّالِمِينَ)﴾

стр. 222

بالواو؛ وهي قراءة ابن مسعود. و «(عهدي الظّالمين)» بإسكان الياء؛ وهي قراءة الأعمش وحفص وحمزة. «(وعهدي)» بفتح الياء؛ وهي قراءة العامّة. واختلفوا في هذا العهد. قال عطاء: (رحمتي).وقال الضحّاك: (طاعتي) ودليله قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (١).وقال السديّ: (بنبوّتي).وقال حذيفة: (أمانتي) ودليله قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ﴾ (٢).وقال أبو عبيد: (أماني) دليله قوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ﴾ (٣) وقال السديّ: (ليس للظّالم أن يطاع في ظلمه) (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَأَمْناً؛﴾ أي جعلنا الكعبة مثابة؛ أي مرجعا. وقال ابن عباس: (يعني معاذا وملجأ).وقال ابن جبير ومجاهد والضحّاك: (يثوبون إليه من كلّ جانب، ويحجّونه، ولا يملّون منه، فما من أحد قصده إلاّ ويتمنّى العود إليه) (٥).وقال قتادة وعكرمة: (مجمعا) (٦).وقال طلحة: (مثابا يحجّون إليه ويثابون عليه).قوله تعالى: (وأمنا) وصف للبيت؛ والمراد به جميع الحرم، كما قال: ﴿بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٧) والمراد الحرم لا الكعبة؛ لأنه لا يذبح فيها ولا في المسجد. ومعنى ﴿(وَأَمْناً)﴾ أي مأمنا يأمنون فيه. قال ابن عبّاس: (فمن أحدث حدثا خارج الحرم ثمّ لجأ إليه أمن من أن يهاج فيه) أي لم يتعرّض له، ولكن لا يبالغ ولا يخالط ويوكل به، فإذا خرج منه أقيم عليه الحدّ فيه. وهذا كانوا يتوارثونه من زمن إسماعيل

стр. 223

إلى أيّام النّبيّ ﷺ ، وكانت العرب في الجاهلية تعتقد ذلك في الحرم، ويستعظم القتل فيه. كان الرجل منهم يؤوي إليه قاتل أبيه فلا يتعرّض له. ومن الأمن الذي جعله الله فيه: اجتماع الصيد والكلب ولا يهيج الكلب الصيد، ولا ينفر الصيد من الكلب حتى إذا خرجا منه عدا الكلب على الصيد، وعاد الصيد إلى الهرب. قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى؛﴾ قرأ شيبة ونافع وابن عامر والحسن: «(واتّخذوا)» بفتح الخاء على الخبر. وقرأ الباقون بالكسر على الأمر. قال ابن كيسان: (ذكروا أنّ رسول الله ﷺ مرّ بالمقام ومعه عمر ﵁؛ فقال: يا رسول الله؛ أليس هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: [بلى].قال: أفلا تتّخذه مصلّى؟ قال: [لم أومر بذلك].فلم تغب الشّمس من يومه حتّى نزل: ﴿(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى)﴾ (١). وعن أنس بن مالك قال: قال عمر ﵁: (وافقني ربي في ثلاث: قلت: لو اتّخذت من مقام إبراهيم مصلّى؛ فأنزل الله تعالى ﴿(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى)﴾. وقلت: يا رسول الله؛ إنّه يدخل عليك البرّ والفاجر؛ فهلاّ حجّبت أمّهات المؤمنين؟ فأنزل الله آية الحجاب. قال: وبلغني شيء كان بين أمّهات المؤمنين وبين النّبيّ ﷺ فاستفزّ منهنّ. أقول: لتكفّنّ عن رسول الله ﷺ أو ليبدّلنّه الله أزواجا خيرا منكنّ حتّى أتيت على آخر أمّهات المؤمنين، فقالت أمّ سلمة: يا عمر؛ ما في أصحاب رسول الله ﷺ من يعظ نساءه حتّى تعظهنّ. فأمسكت. فأنزل الله تعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ﴾ (٢)) (٣). واختلفوا في قوله تعالى: ﴿(مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ)؛﴾ قال النخعيّ: (الحرم كلّه من مقام إبراهيم) (٤).وقيل: المسجد كلّه مقام إبراهيم. وقال قتادة ومقاتل والسديّ: (هو الصّلاة عند مقام إبراهيم؛ أمروا بالصّلاة عنده ولم يؤمروا بمسحه ولا تقبيله).

стр. 224

وقصّة ذلك: ما روي عن ابن عباس: [لمّا أتى إبراهيم ﵇ بابنه إسماعيل وأمّه هاجر؛ فوضعهما بمكّة، ومضى مدّة، وتزوّج إسماعيل امرأة من الجرهميّين، استأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر، فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل. فقدم إبراهيم وقد ماتت هاجر، فقال لامرأة إسماعيل: أين صاحبك؟ قالت: ليس هو هاهنا، ذهب يتصيّد. وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيصطاد، فقال لها إبراهيم: هل عندك من ضيافة من طعام أو شراب؟ قالت: لا!! فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السّلام وقولي له: فليغيّر عتبة بابه؛ فذهب. وجاء إسماعيل فوجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: جاءني شيخ صفته كذا وكذا، كالمستخفّة بشأنه. قال: فما قال لك؟ قالت: قال: أقرئي زوجك السّلام وقولي له: يغيّر عتبة بابه، فطلّقها وتزوّج أخرى. فلبث إبراهيم ما شاء الله، ثمّ استأذن سارة في زيارة إسماعيل، فأذنت له، واشترطت عليه أن لا ينزل. فجاء، فقال لامرأة إسماعيل: أين ذهب صاحبك؟ قالت: يتصيّد وهو يجيء الآن إن شاء الله؛ فانزل يرحمك الله. قال: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم، فجاءت باللّبن واللّحم فدعا فيها بالبركة. ولو جاءت يومئذ بخبز برّ أو شعير أو تمر لكانت أكثر أرض الله برّا أو شعيرا أو تمرا. فقالت له: انزل حتّى أغسل رأسك. فلم ينزل، فجاءته بالمقام فوضعته في شقّه الأيمن فوضع قدميه عليه، فبقي أثر قدميه عليه، فغسلت رأسه الأيمن، ثمّ حوّلت المقام إلى شقّه الأيسر فغسلته، وبقي أثر قدميه عليه. فقال: إذا جاء زوجك فأقرئيه السّلام وقولي له: قد استقامت عتبة بابك. فلمّا جاء إسماعيل فوجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: نعم، شيخ أحسن النّاس وجها وأطيبهم ريحا. فقال: كذا، وقلت له: كذا، وغسلت رأسه وهذا موضع قدمه على المقام. قال: ذاك إبراهيم] (١). قال أنس بن مالك: (رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبه وأخمص قدميه، غير أنّه أذهبه مسح النّاس بأيديهم) (٢).وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: أشهد بالله

стр. 225

ثلاث مرّات أنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: [الرّكن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنّة طمس الله نورهما، ولولا أنّ الله طمس نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب] (١). وقيل: مقام إبراهيم الحجّ كلّه: عرفة؛ والمزدلفة؛ والرمي. وقيل: الحرم كله؛ وقيل: الحجر الأسود المعروف الذي وضعته امرأة إسماعيل تحت قدميه فغابت رجليه فيه، وهذا من معجزات إبراهيم ﵇. وقوله : ﴿وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ؛﴾ أي أمرناهما وأوصيناهما، ﴿أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ؛﴾ أي مسجدي؛ يعني الكعبة من الأوثان والنّجاسات. وعن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ الله أوحى إليّ أن أنذر قومك أن لا يدخلوا بيتا من بيوتي إلاّ بقلوب سليمة؛ وألسنة صادقة؛ وأيد نقيّة؛ وفروج طاهرة. ولا يدخلوا بيتا من بيوتي ولأحد عندهم مظلمة؛ فإنّي ألعنه ما دام قائما بين يديّ يصلّي حتّى يردّ تلك الظّلامة إلى أهلها، فأكون سمعه الّذي يسمع به؛ وبصره الّذي يبصر به؛ ويكون من أوليائي وأصفيائي]. وعن معاذ بن جبل؛ قال: قال رسول الله ﷺ : [جنّبوا مساجدكم صبيانكم؛ ومجانينكم؛ وسلّ سيوفكم؛ ورفع أصواتكم؛ وحدودكم؛ وخصومتكم؛ وبيعكم؛ وشراءكم. وجمّروها يوم جمعكم؛ واجعلوا على أبوابها مطاهركم] (٢). وقرأ الحسن وحفص وهشام ونافع: «(بيتي)» بفتح الياء. والباقون بإسكانها. وإضافة الله البيت لنفسه تخصيصا وتفضيلا.

стр. 226

قوله تعالى: ﴿لِلطّائِفِينَ؛﴾ وهم الغرباء؛ وقوله تعالى: ﴿وَالْعاكِفِينَ؛﴾ أي المقيمين والمجاورين؛ وقوله تعالى: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (١٢٥)؛يعني المصلّين. وقيل: أراد بذلك جميع المسلمين. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ لله في كلّ يوم وليلة عشرين ومائة رحمة ينزل على أهل البيت ستّون للطّائفين وأربعون للمصلّين، وعشرون للنّاظرين] (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً؛﴾ يعني مكّة والحرم آمنا من الجدب والقحط، وقيل: من الحرب. قوله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛﴾ لا يكون إلا ويوجد فيه أنواع الثمرات، فأحبّ إبراهيم أن لا يأكل طعام الله إلا الموحّدون؛ فأعلمه الله أن لا يخلق خلقا إلا يرزقه، فذلك قوله تعالى: ﴿قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً؛﴾ أي سأرزقه في الدنيا يسيرا. قيل: خشي إبراهيم أن لا يستجاب له في الرزق كما لم يستجب له في الإمامة؛ فخصّ المؤمنين في المسألة في الرزق، فأعلمه الله أنّ المؤمن والكافر في الرزق سواء. قوله تعالى: ﴿(مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ)﴾ في موضع نصب بدل من ﴿(أَهْلَهُ)﴾ بدل بعض من كلّ كقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٢).وقوله تعالى: ﴿(وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً)﴾ أي فسأرزقه إلى منتهى أجله. قرأ ابن عامر: «(فأمتعه)» بفتح الألف وجزم العين، «(ثمّ أضطرّه)» موصولة الألف مفتوحة الراء على جهة الدّعاء من إبراهيم ﵇، وقرأ الباقون بالتشديد. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ؛﴾ أي ألجئه إلى عذاب النار في الآخرة، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ؛﴾ (١٢٦) أي بئس المرجع يصير إليه. واختلفوا في مكّة: هل كانت حرما آمنا قبل دعاء إبراهيم؛ أم صارت كذلك بدعائه؟ قيل: إنّما صارت كذلك بدعائه، بدليل أنّ النبيّ ﷺ قال: [إنّي حرّمت

стр. 227

المدينة كما حرّم إبراهيم مكّة] (١).والأصحّ: أنّها كانت حرما آمنا قبل دعائه بدليل قوله ﵊: [إنّ الله حرّم مكّة يوم خلق السّماوات والأرض ووضعها بين أخشبين] (٢) أي جبلين؛ فعلى هذا كانت أمنا قبل دعائه من الخسف والاصطلام لأهله. وكان الله قد جعل في قلوب الناس هيبة ذلك المكان حتى كانوا لا ينتهكون حرمة من كان فيه بمال ولا بنفس، ثم بدعاء إبراهيم صارت حرما آمنا بأن أمر الله الناس بتعظيمه على ألسنة الرّسل. والواو في قوله ﴿(وَمَنْ كَفَرَ)﴾ دليل على إجابة الله دعوة إبراهيم خاصة. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ؛﴾ قيل: إنّ الله تعالى خلق موضع البيت قبل أن يخلق الأرض بألفي عام، وكان ربوة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحتها، فلمّا أهبط الله آدم إلى الأرض كان رأسه يلمس السماء حتى صلع، وأورث أولاده الصلع. ونفرت من طوله دوابّ الأرض، وكان يسمع كلام أهل السماء وتسبيحهم، ويأنس إليهم. فاشتكت نفسه فقبضه الله إلى ستين ذراعا بذراع آدم. فلما فقد آدم ما كان يسمع من أصوات الملائكة وتسبيحهم استوحش وشكى إلى الله، فأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة لها بابان من زمرّدة خضراء؛ باب شرقي وباب غربيّ، وفيه قناديل من الجنة، فوضعه على موضع البيت الآن. ثم قال: يا آدم إنّي أهبطت لك بيتا يطّوّف به كما يطاف حول عرشي، ويصلّى عنده كما يصلّى عند عرشي. وأنزل عليه الحجر ليمسح به دموعه وكان أبيض. قال رسول الله ﷺ : [إنّ الحجر ياقوتة من ياقوت الجنّة، ولولا ما مسّه المشركون بأنجاسهم ما مسّه ذو عاهة إلاّ شفاه الله تعالى] (٣).فتوجّه آدم من أرض الهند إلى مكّة ماشيا، وقيّض له ملك يدلّه على البيت.

стр. 228

قيل لمجاهد: يا أبا الحجّاج؛ ألا كان يركب؟ قال: وأيّ شيء يحمله! فو الله إن خطوته مسيرة ثلاثة أيام، وكلّ موضع وضع عليه قدمه صار عمرانا، وما تعدّاه صار مفاوزا وقفارا. فأتى مكة وحجّ البيت وأقام المناسك؛ فلما فرغ تلقّته الملائكة فقالوا: برّ حجّك يا آدم، فلقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. قال ابن عباس: (حجّ آدم أربعين سنة من الهند إلى مكّة على رجليه؛ فكانت الكعبة كذلك إلى أيّام الطّوفان، فرفعها الله إلى السّماء الرّابعة، فهو البيت المعمور يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك ثمّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. وبعث الله جبريل حتّى جاء الحجر الأسود في جبل أبي قبيس صيانة له عن الغرق، فكان موضع البيت خاليا إلى زمن إبراهيم ﵇، ثمّ أمر الله إبراهيم بعد ما ولد إسماعيل وإسحاق ﵉ أن يبني بيتا له يعبد ويذكر فيه، فلم يدر إبراهيم أين يبني؟ فسأل الله أن يبيّن له موضعه، فبعث الله إليه السّكينة لتدلّه على موضع البيت؛ وهي ريح خجوج لها رأسان تشبه الحيّة، فتبعها إبراهيم حتّى أتيا مكّة، فجعلت السّكينة تطوف على موضع البيت كما تطوف الحيّة. وأمر إبراهيم أن يبني عليه لتستقرّ السّكينة. فبناه) وهذا قول عليّ كرّم الله وجهه. قال ابن عباس ﵁: (بعث الله سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير وإبراهيم يسير في ظلّها إلى أن وافت مكّة ووقفت على موضع البيت، ونودي: يا إبراهيم ابن على ظلّها لا تزيد ولا تنقص، فبنى بخيالها).وقال بعضهم: أرسل الله جبريل ليدلّه على موضع البيت وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ﴾ (١).فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت؛ كان إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة والملائكة ينقلون الحجارة من خمسة أجبل: طور سيناء؛ وطور زيناء؛ والجوديّ؛ ولبنان؛ وحراء. قيل: إنّ قواعده من حراء. فلما انتهى إبراهيم إلى موضع الحجر الأسود قال لإسماعيل: ائتني بحجر حسن يكون للناس علما؛ فأتاه بحجر؛ فقال: ائتني بحجر أحسن من هذا؛ فمضى إسماعيل

стр. 229

ليأتي بحجر فصاح أبو قبيس: يا إبراهيم إن لك عندي وديعة فخذها، فأخذ الحجر الأسود ووضعه مكانه. وقيل: إنّ الله تعالى أمدّ إبراهيم وإسماعيل بتسعة أملاك يعينوهما على بناء البيت، فلما فرغا من بنائه جثيا على الرّكب وقالا: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١٢٧).فقيل: قد فعل لكما، فقالا: ﴿رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ؛﴾ فقيل: قد فعل لكما ذلك، فقالا: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ؛﴾ أي موحّدين مخلصين. والقواعد هي أساس الكعبة؛ كذا قال الكلبيّ. وقوله تعالى: ﴿(إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)﴾ أي بنيّاتنا. وقوله تعالى: ﴿(وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ)﴾ قرأ عوف: «(مسلمين)» على الجمع. وقوله تعالى: ﴿(وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ)﴾ أي واجعل من ذرّيتنا أمة مخلصة لك بالتوحيد والطاعة. ﴿وَأَرِنا مَناسِكَنا؛﴾ أي عرّفنا متعبّداتنا وشرائع ديننا وأعلام حجّنا. وأصل النّسك العبادة، ويقال للعابد: ناسك. وقرأ ابن مسعود: «(وأرهم مناسكهم)» ردّه إلى الأمّة. وقرأ قتادة وابن كثير بسكون الراء في جميع القرآن. وقرأ أبو عمرو باختلاس كسرة الراء. وقرأ الباقون بكسر الراء. فأجاب الله دعاءهما؛ فبعث الله جبريل ﵇ فأراهما المناسك في يوم عرفة، فلما بلغ عرفات قال: يا إبراهيم عرفت؟ (١).قال: نعم؛ فسمّي الوقت عرفة، والموضع عرفات. قوله تعالى: ﴿وَتُبْ عَلَيْنا؛﴾ أي وتجاوز عن ذنوبنا الصغائر؛ لأن ذنوب الأنبياء لا تكون إلاّ الصغائر (٢).وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١٢٨)؛أي المتجاوز الرجّاع بالرحمة على عباده.

стр. 230

قوله تعالى: ﴿رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ؛﴾ أي وابعث في ذرّيتنا الأمّة المسلمة؛ أي ذريّة إبراهيم وإسماعيل من أهل مكّة، ﴿(رَسُولاً مِنْهُمْ)﴾ أي من أهل نسبهم، ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ؛﴾ أي يقرأ عليهم كتابك، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ؛﴾ الذي ينزل عليه ومعانيه، ﴿وَالْحِكْمَةَ؛﴾ أي فقه الحلال والحرام. وقال مجاهد: (فهم القرآن).وقال مقاتل: (هي مواعظ القرآن وبيان الحلال والحرام). وقال ابن قتيبة: (هي العلم والعمل، ولا يسمّى الرّجل حكيما حتّى يجمعهما).وقال بعضهم: كلّ حكمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة؛ وقيل: الحكمة وضع الأشياء في مواضعها. وقيل: هي السّنّة البيّنة. قوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ؛﴾ أي يطهّرهم من الكفر والفواحش والدّنس والذنوب. وقيل: يصلحهم بأخذ زكاة أموالهم. وقال ابن كيسان: (أن يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذا شهدوا للأنبياء بالبلاغ).قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١٢٩)؛العزيز: هو المنيع الذي لا يغلبه شيء. والحكيم: الذي يحكم ما يريد. وقال ابن عباس: (العزيز: الّذي لا يوجد مثله) دليله قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١).وقال الكلبيّ: (العزيز: المنتقم ممّن أساء) دليله قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ (٢).وقال الكسائيّ: (العزيز: الغالب) دليله قوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ (٣) أي غلبني. وقال ابن كيسان: (العزيز: الّذي لا يعجزه شيء).وقال المفضّل: (العزيز: الممتنع الّذي لا تناله الأيدي؛ ولا يردّ له أمر؛ ولا غالب له فيما أراد).وقيل: العزيز: هو القويّ ذو القدرة؛ دليله قوله: ﴿فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ (٤) أي قوّينا. وأصل العزّة في اللغة: الشّدّة؛ يقال: عزّ عليّ كذا؛ إذا شقّ. والمراد بالرسول في هذه الآية محمّد ﷺ . وبالكتاب القرآن.

стр. 231

روي أنّ النبيّ ﷺ قال: [أنا إنّما دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى] (١) يعني قوله تعالى: ﴿رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٢) فاستجاب الله دعاء إبراهيم ﵇ وبعث فيهم محمّدا سيّد الأنبياء؛ لذلك قال رسول الله ﷺ : [إنّي عبد الله وخاتم النّبيّين وإنّ آدم لمنجدل في طينته] (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ،﴾ هذا تحريض من الله على ملّة نبيّنا محمّد ﷺ التي هي ملّة إبراهيم؛ لأنّ إبراهيم وإسماعيل كانا سألا في دعائهما أن يجعل الله من ذريّتهما في مكة رسولا؛ لأن الكلام كان في ذكر مكة ولم يكن أحد من أهل مكة من ذريّتهما نبيا سوى محمّد ﷺ . وملة إبراهيم داخلة في ملة نبيّنا محمّد ﷺ مع الزيادات التي في شرائع هذه الملّة. وسبب نزول هذه الآية: أنّ عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه مسلمة ومهاجر إلى الإسلام، وقال لهما: قد علمتما أنّ الله تعالى قال في التّوراة: (إنّي باعث من ولد إسماعيل نبيّا اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ورشد؛ ومن لم يؤمن به فملعون) فأسلم مسلمة وأبى مهاجر أن يسلم. فأنزل الله تعالى: ﴿(وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ)﴾ (٤) أي يترك دينه وشريعته.

стр. 232

يقال: رغبت في الشيء؛ إذا أردته، ورغبت عنه؛ إذا تركته. والرغبة في اللغة: محبّة ما للنّفس فيه منفعة. ولهذا لا يجوز في صفات الله: راغب. قوله تعالى: ﴿(إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ)﴾ أي خسر وهلك. وقال الكلبيّ: (ضلّ من قبل نفسه).وقال بعض أهل اللغة: سفه بمعنى يسفه، وقيل: ﴿(سَفِهَ نَفْسَهُ)﴾ أي جهل نفسه بمعنى لم يتفكّر في نفسه أنّ لها خالقا. وقيل: سفه في نفسه؛ إلا أنه حذف الخافض فنصب، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ (١) أي على عقدة النكاح. ويقال: ضربته الظهر والبطن؛ أي على الظهر والبطن. وأصل السّفه والسّفاهة: الجهل وضعف الرّأي. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا؛﴾ أي للرسالة. وأصل الطّاء فيه التاء، جعلت طاء لقرب مخرجها ولتطوّع اللّسان به. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١٣٠)؛أي الفائزين. قاله الزجّاج (٢).وقيل: المستوجبين للكرامة. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنّه لمن الصالحين، نظيره في سورة النحل: ﴿وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٣). قوله تعالى: ﴿إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ؛﴾ أي استقم على الإسلام واثبت عليه؛ لأنه كان مسلما كقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ (٤) أي اثبت على علمك. وقال ابن عبّاس: (إنّما قال ذلك حين خرج من السّرب (٥) ورأى الكوكب والقمر والشّمس، فألهمه الله الإخلاص فاستدلّ وعرف وحدانيّة الله فأسلم حينئذ، وقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٦)) وليس أنه كان حين أفلت الشمس كافرا؛ لأنّ الله تعالى لا ينبئ من كان كافرا قطّ.

стр. 233

ويجوز أن يكون معنى الإسلام: تسليم الأمور إلى الله تعالى والانقياد له من غير امتناع وعصيان. وقال الكلبيّ: (معناه: أخلص دينك لله بالتّوحيد).وقال عطاء: (سلّم نفسك إلى الله وفوّض أمرك إليه).وقيل: اخضع واخشع. قوله تعالى: ﴿قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٣١)؛ظاهر المعنى. قوله تعالى: ﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ؛﴾ قرأ أهل المدينة وأهل الشّام: «(وأوصى)» بالألف. وقرأ الباقون بالتشديد. وهما لغتان؛ يقال: أوصيته ووصيّته؛ إذا أمرته مثل انزل ونزّل. وقوله تعالى: ﴿(بِها)﴾ يعني بكلمة الإخلاص: لا إله إلاّ الله. وقال أبو عبيدة: (إن شئت رددت الكناية إلى الملّة؛ لأنّه ذكر ملّة إبراهيم؛ وإن شئت رددتها إلى الوصيّة).وقال المفضّل: (بالطّاعة كناية عن غير مذكور). وكناية الملّة هنا أصحّ؛ لأن ردّها إلى المذكور أولى من ردّها إلى المدلول، وكلمة الإخلاص مدلول عليها في ضمن قوله تعالى: ﴿(قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ)﴾. وبنو إبراهيم أربعة: إسماعيل؛ وإسحاق؛ ومدين؛ ومدائن. قوله تعالى: ﴿(وَيَعْقُوبُ)﴾ قيل: سمي بيعقوب؛ لأنه خرج على إثر العيص؛ وقد مضت قصتهما. وقيل: سمي بيعقوب لكثرة عقبه، قال رسول الله ﷺ : [بعثت على إثر ثمانية آلاف نبيّ: أربعة آلاف من بني إسرائيل] (١).ومعنى الآية: وصّى بها أيضا يعقوب بنيه الاثني عشر. وحكي عن مجاهد أنه حكى عن بعضهم: ﴿(وَيَعْقُوبُ)﴾ بالنصب عطفا على بنيه داخلا في جملتها الموصّيين. قوله تعالى: ﴿يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ؛﴾ أي الإسلام، ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٣٢)؛أي مؤمنون. وقيل: مخلصون. وقيل: محسنون بربكم الظنّ. وقيل: مفوّضون. روي أنّه لمّا نزلت هذه الآية قال اليهود للنّبيّ ﷺ : ألست تعلم أنّ يعقوب يوم مات أوصى بنيه بدين اليهوديّة؟ فأنزل الله تعالى قوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ﴾

стр. 234

﴿يَعْقُوبَ الْمَوْتُ؛﴾ أي أكنتم أيّها اليهود حضورا حين حضر يعقوب الموت، ﴿إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ؛﴾ الصادق، ﴿وَإِسْحاقَ؛﴾ الحليم. والمراد بحضور الموت: حضور أسبابه؛ لأن من حضره الموت لا يتمكّن من القول، وقد سمي سبب الشيء باسمه. كما قال تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ (١). وقال الكلبيّ: (معنى الآية: أنّ يعقوب لمّا دخل مصر رأى أهلها يعبدون الأوثان والنّيران؛ فجمع أولاده وخاف عليهم ذلك. وقال لهم: ما تعبدون من بعدي).وقال عطاء: (إنّ الله تعالى لم يقبض نبيّا حتّى يخيّره بين الحياة والموت، فلمّا خيّر يعقوب قال: أنظرني حتّى أسأل أولادي وأوصيهم، فجمع أولاده وأولاد أولاده وقال لهم: قد حضر أجلي، فما تعبدون من بعدي؟ أي من بعد موتي. ﴿(قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ)﴾ ﴿إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١٣٣) (٢). قرأ يحيى بن معمّر: «(إله أبيك)» على التوحيد؛ قال: لأنّ إسماعيل عمّ يعقوب لا أبوه. وقرأ العامّة: «(وإله آبائك)» على الجمع. وقالوا: عمّ الرجل صنو أبيه (٣).وقال النبيّ ﷺ للعباس: [هذا بقيّة آبائي] والعرب تسمي العمّ أبا كما تسمّي الخالة أمّا. قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٤) يعني يعقوب وليان؛ وهي خالة يوسف ﵇.

стр. 235

قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ؛﴾ أي لا تتّكلوا أيها اليهود على آبائكم وأسلافكم اعتمادا منكم على شفاعتهم عنكم فإنّهم جماعة قد مضت. قوله تعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ؛﴾ أي لها جزاء ما عملت من خير أو شرّ ولكم جزاء ما عملتم. وقوله تعالى: ﴿وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٣٤)؛ أي إنّما تسألون عن أعمالكم. قوله تعالى: ﴿وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت في رءوس يهود المدينة كعب بن الأشرف ومالك بن الضّيف ووهب بن يهودا وأبي ياسر، وفي نصارى نجران السّيّد والعاقب وأصحابهما، خاصموا المسلمين في الدّين، فقالت اليهود: نبيّنا موسى أفضل الأنبياء؛ وكتابنا التّوراة أفضل الكتب؛ وديننا أفضل الأديان؛ وكفرت بعيسى والإنجيل ومحمّد والقرآن. وقالت النّصارى: نبيّنا عيسى أفضل الأنبياء؛ وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب؛ وديننا أفضل الأديان؛ وكفرت بمحمّد والقرآن. وقال كلّ واحد من الفريقين للمسلمين: كونوا على ديننا؛ فلا دين إلاّ ذلك؛ دعوهم إلى دينهم) (١).فقال الله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً؛﴾ (٢) أي مسلما مخلصا مائلا عن كلّ دين سوى الإسلام، ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٣٥)؛يعني إبراهيم ﵇. والحنف: مثل أصابع القدمين. سمي إبراهيم حنيفا؛ لأنه حنف عمّا كان يعبد آباؤه؛ أي عدل. وقيل: الحنف: الاستقامة، وإنّما سمي الرجل الأعرج أحنفا تأوّلا (٣)؛كما يقال للأعمى بصيرا. والفائدة في ذكر ملّة إبراهيم (كونه) لا شكّ أنه حقّ عندنا وعند اليهود والنصارى، ولم يختلف الناس في أن ملّته الإسلام والتوحيد. قال ابن عباس: (الحنيف: هو المائل عن الأديان كلّها إلاّ دين الإسلام).وقال مقاتل: (الحنيف:

стр. 236

المخلص).وانتصب حنيفا على القطع عند الكوفيّين؛ لأن تقديره: بل ملّة إبراهيم الحنيف، فلما سقطت الألف واللام لم يتبع النكرة المعرفة فانقطع منه، فنصب. وقال البصريّون: انتصب على الحال. قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ؛﴾ الآية، وذلك أنه جاء أحبار اليهود إلى النبيّ ﷺ فقالوا له: بمن نؤمن من الأنبياء؟ فأنزل الله: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ﴾ ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا؛﴾ يعني القرآن، ﴿وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ؛﴾ وهي عشرة صحف، ﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ؛﴾ يعني أولاد يعقوب واحدهم سبط، سموا بذلك لأنه ولد لكلّ واحد منهم جماعة من الناس، وسبط الرّجل: حافده، ومنه قيل للحسن والحسين: سبطين لرسول الله ﷺ . والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب؛ والشعوب من العجم، فكان في الأسباط أنبياء، فلذلك قال الله تعالى ﴿(وَما أُنْزِلَ)﴾ إليهم؛ وقيل: هم بنو يعقوب من صلبه صاروا كلّهم أنبياء. وقوله تعالى: ﴿وَما أُوتِيَ مُوسى؛﴾ يعني التوراة، ﴿وَعِيسى؛﴾ يعني الإنجيل، ﴿وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١٣٦)؛أي لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، بل نؤمن بجميع أنبياء الله وكتبه؛ فلما نزلت هذه الآية قرأها رسول الله ﷺ على اليهود والنصارى وقال: [إنّ الله أمرني بهذا] فلما سمعت اليهود بذكر عيسى أنكروا وكفروا وقالوا: لا نؤمن بعيسى. قالت النصارى: إنّ عيسى ليس بمنزلة الأنبياء ولكنه ابن الله، فأنزل الله تعالى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ؛﴾ أي فإن آمنوا بجميع ما آمنتم به كإيمانكم. قيل: معناه: فإن آمنوا بما آمنتم به. و (مثل) هنا صلة، وهكذا كانوا يقرءونها. كان يقرؤها ابن عباس ويقول: اقرءوا ﴿(فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ)﴾ فليس لله مثل. وقيل: بمعنى (على).وقيل: الباء زائدة. ومعنى الآية: إن آمنوا بالله ورسله وكتبه فقد اهتدوا. وقوله تعالى: ﴿(وَإِنْ تَوَلَّوْا)﴾ أي وإن أعرضوا عن الإيمان بالقرآن ومحمّد ﷺ ﴿(فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ)﴾ أي خلاف وعداوة، يقال: فلان وفلان تشاقّا؛ أي أخذ كلّ

стр. 237

واحد منهم بشقّ غير شقّ صاحبه. دليله قوله تعالى حاكيا عن شعيب: ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي﴾ (١) أي خلافي. وقيل: مأخوذ مما أخذ كلّ واحد فيما يشقّ على صاحبه. وقال مقاتل: (معناه: فإنّما هم في ضلال).وقال الكسائيّ: (معناه: فإنّما هم في خلع الطّاعة).وقال الحسن: (معناه: فإنّما هم في بعاد وفراق إلى يوم القيامة). وقيل: لمّا انتهى النبيّ ﷺ إلى قوله تعالى: ﴿وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى﴾ قالت النصارى: لن نؤمن بموسى (٢) ولا نؤمن بك، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ (٣). وإنّما أضاف الله الإنزال إلى إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وإنّما كان الإنزال على آبائهم؛ لأنّهم كانوا جميعا يعلمون ذلك، فأضاف الإنزال إليهم كما قال: ﴿(قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا)﴾ أي إلى نبيّنا. قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ؛﴾ يعني اليهود والنصارى؛ أي فسيكفيكهم الله يا محمّد وسائر المسلمين شرّ اليهود والنصارى، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ،﴾ لأقوالهم، ﴿الْعَلِيمُ﴾ (١٣٧)،بأحوالهم، فكفاه الله أمرهم بالقتل والسّبي في بني قريظة؛ والجلاء والنّفي في بني النّضير؛ والجزية والذّلة في نصارى نجران. قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللهِ؛﴾ أي دين الله وفطرته؛ لأن دين الإسلام يؤثر في المتديّن من الطهور والصلاة والوقار وسائر شعائر الإسلام كالصّبغ الذي يكون في الثوب. ولا شيء في الأديان أحسن من دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً؛﴾ وقيل: أراد بالصبغة الختان. وروي أنّ صنفا من

стр. 238

النّصارى كانوا إذا ولد لهم ولد وأتى عليه سبعة أيّام صبغوه؛ أي غمسوه في ماء لهم يقال له: المعمودي ليطهّروه بذلك، وقالوا: هذا طهوره ومكان الختان (١).فقيل لهم: ﴿(صِبْغَةَ اللهِ)﴾ أي التطهر الذي أمر الله به أبلغ في النظافة. وأول من اختتن إبراهيم ﵇ بالقدّوم؛ وهي موضع ممرّه بالشام؛ وكان يومئذ ابن مائة وعشرين سنة، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة. ونصب ﴿(صِبْغَةَ اللهِ)﴾ على الإغراء؛ أي الزموا صبغة الله، أو اتّبعوا. وقال الأخفش: (هو بدل من قوله تعالى: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾. وقال ابن كيسان: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ أي وجهة الله؛ بمعنى القبلة).وقال الزجّاج: (معناه: خلقة الله، من صبغت الثّوب إذا غيّرت لونه وخلقته، فيكون المعنى أنّ الله تعالى ابتدأ الخلقة على الإسلام) (٢) دليله قول مقاتل في هذه الآية: ﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ (٣) أي دين الله. ويوضّحه قول رسول الله ﷺ : [كلّ مولود يولد على الفطرة، إلاّ أنّ أبواه يهوّدانه ويمجّسانه وينصّرانه، كما تنتجون البهيمة، فهل تجدون من جدعاء حتّى تكونوا أنتم تجدعونها؟] قالوا: يا رسول الله أرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: [الله أعلم بما كانوا عاملين] (٤). وقال أبو عبيدة: (معناه: سنّة الله).قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ (١٣٨)؛ أي مطيعون. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنا،﴾ وذلك أنّ اليهود كانوا يقولون: نحن أهل الكتاب الأوّل والعلم القديم. وكانوا يقولون هم والنصارى: نحن أبناء الله وأحبّاؤه. فأمر الله تعالى النّبيّ ﷺ بهذه الآية أن ﴿(قُلْ)﴾ لهم يا محمّد: ﴿(أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ)؛﴾ أي أتجادلوننا وتخاصموننا. وقرأ الأعمش والحسن: «(أتحاجّونّا)» بنون واحدة مشدّدة. وقوله تعالى: ﴿(فِي اللهِ)﴾ أي في دين الله. وذلك أنّهم قالوا: إنّ الأنبياء كانوا منّا وعلى ديننا ولم يكونوا من العرب؛ فلو كنت نبيّا لكنت منّا على ديننا.

стр. 239

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ؛﴾ أي لنا ديننا ولكم دينكم. وهذه الآية منسوخة بآية السّيف. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ (١٣٩)؛أي موحّدون. قال عبد الواحد بن زيد: سألت الحسن عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت حذيفة عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت النّبيّ ﷺ عن الإخلاص ما هو؟ قال: [سألت جبريل عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت ربّ العزّة عن الإخلاص ما هو؟ فقال: سرّ من سرّي أودعته قلب من أحببت من عبادي] (١).وقال ﷺ : [ما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتّى لا يحبّ أن يحمد على شيء من علم الله تعالى]. وقال سعيد بن جبير: (الإخلاص أن يخلص العبد دينه وعمله لله ولا يشرك به في دينه ولا يرائي بعمله أحدا).وقال الفضيل: (ترك العمل من أجل النّاس رياء، والعمل من أجل النّاس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما).وقال يحيى بن معاذ: (الإخلاص تمييز العمل من العيوب كتمييز اللّبن من الفرث والدّم).وقال بعضهم: هو ما لا يكتبه الملكان؛ ولا يفسده الشيطان؛ ولا يظلم عليه الإنسان. وقيل: هو أن لا تشوبه الآفات؛ ولا تتبعه رخص التأويلات. وقيل: هو أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن. وقيل: هو أن يكتم حسناته كما يكتم سيّئاته. قال أبو سليمان: (للمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده؛ وينشط إذا كان في النّاس؛ ويزيد في العمل إذا أثني عليه). قوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ،﴾ قرأ ابن عامر وحمزة والكسائيّ وخلف وحفص بالتاء للمخاطبة التي قبلها «(قل أتحاجّوننا)» والتي بعدها: ﴿(قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ)﴾.وقرأ

стр. 240

الباقون بالياء إخبارا عن اليهود والنصارى أنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى. ومعنى الآية: أتحاجّوننا بقولكم كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، وقولكم: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، أم بقولكم: إنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى، مع علمكم بخلاف ذلك. وهذا استفهام بمعنى التوبيخ، فإنّهم كانوا يزعمون أنّ الدين الصحيح هو اليهودية والنصرانية؛ وأنّ هؤلاء الأنبياء تمسّكوا بها. يقول الله تعالى: ﴿(قُلْ)﴾ لهم يا محمد: ﴿(أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ)﴾ فإنّ الله قد أخبر أنّهم كانوا مسلمين، وأنّهم لم يكونوا يهودا ولا نصارى، فقالوا: ما هو كما قلت، وإنا على دين إبراهيم، وما أنت برسول الله؛ ولا على دينه. فأنزل الله تعالى قوله تعالى: ﴿(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ)﴾ يعني علماء اليهود والنصارى؛ لأنّهم علموا أنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا حنفاء مسلمين؛ وأنّ رسالة نبيّنا حقّ بيّنه الله في التوراة والإنجيل، فكتموه حسدا وطلبا للرئاسة. قوله تعالى: ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (١٤٠)؛يعني من كتمان نعت محمّد ﷺ وصفته؛ يجازيكم عليه في الآخرة. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٤١)؛قد تقدّم تفسيرها. فائدة التكرار: أنّ القرآن أنزل على لغة العرب، ومن عادتهم ذكر الجواب الواحد في أوقات مختلفة لأغراض مختلفة؛ يعدّون ذلك فصاحة. وإنّما يعاب تكرار الكلام في مجلس واحد لغرض واحد. قوله تعالى: ﴿*سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ؛﴾ أي الجهّال: ﴿ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ؛﴾ أي ما صرفهم وحوّلهم عن قبلتهم؛ ﴿الَّتِي كانُوا عَلَيْها؛﴾ يعني بيت المقدس. نزلت في اليهود ومشركي مكّة ومنافقي المدينة؛ طعنوا في تحويل القبلة، وقال مشركو مكة: قد تردّد على محمد أمره، واشتاق إلى مولده ومولد آبائه؛ وقد توجّه نحو قبلتهم؛ وهو راجع إلى دينكم عاجلا. فقال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١٤٢)؛أي لله المشرق والمغرب ملكا وخلقا؛ والخلق عبيد يحوّلهم كيف يشاء.

стр. 241

وكان النبيّ ﷺ يصلّي بمكة إلى الكعبة، وكان يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة أمر بأن يصلّي إلى بيت المقدس لئلاّ يكذّبه اليهود؛ لأن نعته في التوراة أن يكون صاحب قبلتين؛ يصلّي إلى بيت المقدس نحو مدة سبعة عشر شهرا أو ثمانية عشر شهرا، ثم يأمره الله تعالى بالتحويل إلى الكعبة ليمتحن أهل الإسلام، فيظهر من تبع الرسول من غيرهم من منافقي اليهود. فلمّا حوّلت القبلة إلى الكعبة بعد إقامة الحجّة على الكفار، علم أنّهم يقولون في نسخ القبلة أشياء يؤذون بها النبيّ ﷺ ، فأخبر الله تعالى نبيّه بما سيقولون في المستأنف؛ ليعجّل السّكن ويعرف أنّ ذلك من باب الوحي والغيب كما كان أخبر الله تعالى. ومعناه: سيقول السفهاء وهم اليهود وكفّار مكة: ما الّذي صرف أصحاب محمّد ﷺ عن قبلتهم بيت المقدس، قل يا محمّد: لله المشرق والمغرب ﴿(يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)﴾ إلى طريق قويم؛ وهو الإسلام وقبلة الكعبة. وقوله تعالى: ﴿(لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ)﴾ أي من كان مالك المشرق والمغرب لا يعترض عليه في جميع ما يأمر، ويجوز أن يكون معناه: أنّ الله خالق الأماكن كلّها، فليس بعض ما خلق أولى أن يجعل قبلة في العقل من بعض، فوجب الانتهاء إلى أمر الله باستقبال ما شاء الله. قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً؛﴾ أي عدلا؛ وقيل: خيارا، يقال في صفة النبيّ ﷺ : [هو أوسط قريش حسبا] ويقال: فلان وسيط في حسبه؛ أي كامل منته في الكمال؛ ولأن المتوسّط في الأمور لا يفرّط فيغلو ولا يقصّر فيتّضع، فهذه الأمة لم تغلو في الأنبياء كغلوّ النصارى حيث قالوا: المسيح ابن الله! ولم يقصّروا كتقصير اليهود حيث كذّبوا الأنبياء وقتلوهم. وأصله أن خير الأشياء أوسطها. قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ؛﴾ أي شهداء للنبيين صلوات الله عليهم بالتبليغ. وقد يقام مقام اللام في مثل قوله: ﴿وَما ذُبِحَ عَلَى﴾

стр. 242

﴿النُّصُبِ﴾ (١) أي للنّصب؛ وقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً؛﴾ أي ويكون محمّد ﷺ عليكم شهيدا معدّلا مزكّيا لكم، وذلك أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار الأمم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ (٢)،فينكرون ويقولون: ما جاءنا من نذير، فيسأل الأنبياء عن ذلك فيقولون: قد بلّغناهم. فيسألهم البينة إقامة للحجة عليهم؛ وهو أعلم بذلك، فيؤتى بأمة محمّد ﷺ فيشهدون لهم بالتبليغ، فتقول الأمم الماضية: من أين علموا ذلك وبيننا وبينهم مدة مديدة؟ فيقولوا: علمنا ذلك بإخبار الله تعالى إيّانا في كتابه الناطق على لسان رسول الله، فيؤتى بالنبيّ ﷺ ؛ فيزكّي أمّته ويشهد بصدقهم. قوله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ؛﴾ أي ما أمرتك يا محمّد بالتوجه إلى بيت المقدس ثم بالتحويل منها إلى الكعبة إلا ليتميز من يتبع الرسول ممن يرجع إلى دينه الأول. وقيل: ومعناه: ﴿(وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي)﴾ أنت (عليها) وهي الكعبة لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ (٣) أي أنتم؛ إلا لنرى ونميّز من يتبع الرسول في القبلة ممن ينقلب على عقبيه فيرتدّ ويرجع إلى قبلته الأولى. قوله: ﴿(لِنَعْلَمَ)﴾ أي ليتقرّر علمنا عندكم. وقيل: معناه: ليعلم محمد ﷺ ؛ فأضاف علمه إلى نفسه تفصيلا وتخصيصا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ﴾ (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً؛﴾ أي وإن كان اتباع بيت المقدس ثم الانتقال إلى الكعبة لشديد؛ ﴿إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ؛﴾ أي حفظ الله قلوبهم على الإسلام. قوله تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ؛﴾ أي تصديقكم بالقبلتين. وقيل: معناه: وما كان الله ليفسد صلاتكم إلى بيت المقدس؛ وذلك أنّ حييّ ابن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس أكانت هدى أم ضلالة؟ فإن كانت هدى فقد تحولتم عنها! وإن كانت

стр. 243

ضلالة فقد ذنّبتم الله بها. ومن مات منكم عليها فقد مات على الضّلالة؛ وكان قد مات قبل التّحويل إلى الكعبة سعد بن زرارة من بني النّجّار؛ والبراء بن معرور من بني سلمة ورجال آخرون. فانطلقت عشائرهم إلى رسول الله ﷺ فأخبروه بذلك، وقالوا: إنّ الله تعالى قد حوّلك إلى قبلة إبراهيم؛ فكيف بإخواننا الّذين ماتوا وهم يصلّون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: ﴿(وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ)﴾ أي صلاتكم إلى بيت المقدس. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٤٣)،الرّءوف: شديد الرحمة؛ وهو الذي لا يضيّع عنده عمل عامل. رحيم بهم حين قبل طاعتهم وتعبدهم في كل وقت بما يصلح لهم. والجمع بين الرحمة والرأفة في الآية للتأكيد كما في قوله: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾. وفي «(رءوف)» ثلاث قراءات: مهموز مثقّل؛ وهي قراءة شيبة ونافع وابن كثير وابن عامر وحفص، واختاره أبو حاتم. قال الشاعر (١): سنطيع رسولنا ونطيع ربّاه ... هو الرّحمن كان بنا رءوفا و «(رووف)» مثقل غير مهموز؛ وهي قراءة أبي جعفر. و «(رؤف)» مهموز مخفف؛ وهي قراءة الباقين، واختاره أبو عبيد. قال جرير (٢): بتّ ترى للمسلمين عليك حقّا ... كفعل الوالد الرّءوف الرّحيم والرأفة: أشدّ الرحمة. قوله : ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ؛﴾ وذلك أنّ النّبيّ

стр. 244

صلّى الله عليه وسلّم قال لجبريل ﵇: [وددت أنّ الله تعالى صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها؟] فقال جبريل: إنّما أنا عبد مثلك لا أملك شيئا؛ فاسأل ربّك أن يحوّلك عنها، فارتفع جبريل وجعل النّبيّ ﷺ يديم النّظر إلى السّماء رجاء أن يأتيه جبريل بما سأل؛ فأنزل الله هذه الآية (١):قد نرى تقلّب وجهك في السّماء، ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾. وروي: أنّ النّبيّ ﷺ وأصحابه كانوا يصلّون بمكّة إلى الكعبة، فلمّا هاجروا إلى المدينة أمره الله أن يصلّي إلى بيت المقدس؛ ليكون أقرب إلى تصديق اليهود له إذا صلّى إلى قبلتهم مع ما يجدون من صفته في التّوراة. فروي أنّه ﷺ صلّى هو وأصحابه نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا؛ وكانت الكعبة أحبّ القبلتين إلى رسول الله ﷺ (٢). واختلفوا في السبب الذي كان لأجله يكره قبلة بيت المقدس وهوي الكعبة. فقال ابن عباس: (لأنّها قبلة أبيه إبراهيم ﵇.وقال مجاهد: (من أجل أنّ اليهود قالوا: يخالفنا محمّد في ديننا ويتّبع قبلتنا). وقال مقاتل: (لمّا أمر الله النّبيّ ﷺ يصلّي إلى بيت المقدس، قالت اليهود: يزعم محمّد أنّه نبيّ؛ وما نراه أحدث في نبوّته شيئا! أليس يصلّي إلى قبلتنا، ويستنّ بسنّتنا! فإن كانت هذه نبوّة فنحن أقدم وأوفر نصيبا. فشقّ ذلك على رسول الله ﷺ وازداد شوقا إلى الكعبة وقال: [وددت أنّ الله تعالى صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها، فإنّي أبغضهم وأبغض موافقتهم] فقال جبريل ﵇: إنّما أنا عبد مثلك، ليس لي من الأمر شيء، فاسأل ربّك. ثمّ عرج جبريل ﵇؛ فجعل النّبيّ ﷺ يديم النّظر

стр. 245

إلى السّماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحبّ من أمر القبلة، فأنزل الله تعالى: ﴿(قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها)﴾ أي فلنلحقك إلى قبلة تحبّها وتهواها، ﴿(فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ)﴾ أي نحوه وقصده. وهو نصب على الظرف. وقيل: شطر الشيء نصفه، فكأن الله أمره أن يحوّل وجهه إلى نصف المسجد الحرام؛ والكعبة في النصف منه من كلّ جهة. قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ؛﴾ أي أينما كنتم من برّ أو بحر أو جبل أو سهل أو شرق أو غرب فولوا وجوهكم نحوه. فحولت القبلة في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين. وقال مجاهد: (نزلت الآية ورسول الله ﷺ في مسجد بني سلمة وقد صلّى بأصحابه ركعتين من الظّهر، فتحوّل في الصّلاة فاستقبل الميزاب فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين. فلمّا حوّلت القبلة إلى الكعبة؛ قالت اليهود: يا محمّد ما أمرت بهذا وما هو إلاّ شيء تبتدعه من نفسك، فتارة تصلّي إلى بيت المقدس، وتارة تصلّي إلى الكعبة، فلو ثبت على قبلتنا لكنّا نرجو أن تكون صاحبنا الّذي كنّا ننتظره، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ،﴾ يعني أمر الكعبة وأنّها قبلة إبراهيم، أي وأنّ اليهود والنصارى ليعلمون أنّ استقبال الكعبة حقّ من ربهم؛ لأنّ نعت النبيّ ﷺ في التوراة أن يكون صاحب القبلتين، ثم هدّدهم فقال : ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ (١٤٤)؛أي لا يخفى عليه جحودهم. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ؛﴾ يعني يهود المدينة ونصارى نجران، فقالوا للنبي ﷺ : ائتنا بآية كما أتى الأنبياء قبلك، فأنزل الله هذه الآية. وقوله ﴿(ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)﴾ يعني الكعبة، وقوله: ﴿وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ؛﴾ أي وما أنت بمصلّ إلى قبلتهم بعد التحويل؛ ﴿وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ؛﴾ لأن اليهود تستقبل بيت المقدس والنصارى تستقبل المشرق.

стр. 246

قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ؛﴾ أي إن صليت إلى قبلتهم واتبعت ملّتهم، ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ؛﴾ إنّها حقّ وإنّها قبلة إبراهيم، ﴿إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ (١٤٥)؛أي الجاحدين الضارين لأنفسهم، وهذا وعيد على معصية علم الله أنّها لا تقع منه كقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (١) وقد علم الله أنه لا يشرك. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ؛﴾ يعني مؤمني أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه، ﴿يَعْرِفُونَهُ؛﴾ أي يعرفون محمّدا ﷺ ، ﴿كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ،﴾ من بين الصّبيان. روي عن ابن عباس أنه قال: [لمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة قال عمر ﵁ لعبد الله بن سلام: قد أنزل الله على نبيّه ﵇ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾ كيف يا عبد الله هذه المعرفة؟ قال: يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصّبيان يلعب، وأنا أشدّ معرفة بمحمّد ﷺ منّي لابني، فقال عمر: وكيف ذلك؟ قال: أشهد أنّه رسول الله حقّ من الله تعالى وقد نعته الله في كتابنا. فقال له عمر: وفّقك الله يا ابن سلام، فقد صدقت وأصبت] (٢). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ؛﴾ مثل كعب بن الأشرف وأصحابه (يكتمون الحقّ) يعني محمدا ﷺ وأمر الكعبة، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١٤٦)؛ أن ذلك حقّ. روي عن عبد الله بن سلام قال لرسول الله ﷺ حين نزلت هذه الآية: (كنت يا رسول الله أشدّ معرفة لك منّي بابني. قال له: [وكيف ذلك؟] قال: لأنّي أشهد أنّ محمّدا رسول الله ﷺ حقّا يقينا؛ ولا أشهد بذلك لابني؛ لأنّي لا أدري ما أحدثت النّساء. فقال له عمر: وفّقك الله يا عبد الله) (٣).

стр. 247

قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ؛﴾ أي هذا القرآن حقّ. وقيل: جاءك بالحقّ من ربك يا محمد أنّ الكعبة قبلة إبراهيم تعلمها اليهود. وقرأ عليّ ﵁: «(الحقّ)» نصبا على الإغراء. قوله تعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١٤٧)؛أي لا تكوننّ من الشاكّين في أمر القرآن والقبلة. والخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ ؛ والمراد به غيره، وكذلك كل ما ورد عليك من هذا فهذا سبيله. قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها؛﴾ أي لكل ملّة من اليهود والنصارى قبلة هو موليها، أي مستقبلها؛ ومقبل إليها. يقال: ولّيته ووليت إليه إذا أقبلت إليه، ووليت عنه إذا أدبرت عنه. وقيل: معناه: الله مولّيها؛ أي يولي أهل كل ملة القبلة التي يريدونها. وقرأ ابن عباس وابن عامر وأبو رجاء: «(ولكلّ وجهة هو مولّيها)» أي مصروف إليها. وفي حرف أبي: «(ولكلّ قبلة هو مولّيها)».وفي حرف عبد الله: «(ولكلّ جعلنا قبلة هو مولّيها)». قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ؛﴾ أي فبادروا بالطاعات أيها المسلمون فقد ظهر لكم الحق، واستبقوا إلى أوامر الله وطاعته مبادرة من يطلب الاستباق إليها، تقديره: فاستبقوا إلى الخيرات، فحذف الخافض كقول الشاعر (١): ثنائي عليكم يا آل حرب ومن يمل ... سواكم فإنّي مهتد غير مائل يعني: ومن يمل إلى سواكم. قوله تعالى: ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً؛﴾ أي أينما تكونوا أنتم وأهل الكتاب يقبض الله أرواحكم ويجمعكم للحساب فيجزيكم بأعمالكم، وإن كانت قد تفرقت بكم البقاع والملل. وقيل: هذا خطاب للمؤمنين الذين قد سبق في علم الله أنّهم يصلّون إلى الكعبة. ومعناه: أينما تكونوا في شرق الأرض وغربها، في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات يجمعكم الله تعالى إلى هذه القبلة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٤٨)؛أي من الخلق والبعث والحساب وغير ذلك.

стр. 248

قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ؛﴾ هذا تأكيد لأمر التحويل إلى الكعبة؛ وبيان أنه لا يتغير فينسخ كما تغير بيت المقدس. و ﴿(حَيْثُ)﴾ مبني على الضمّ مثل (قط).وقيل: رفع على الغاية مثل (قبل، وبعد).وقرأ عبيد بن عمير: «(ومن حيث)» بالنصب؛ قال: لأنّها ساكنة في الأصل، وإذا اجتمع ساكنان حرّك الثاني بالفتح، لأنه أخف الحركات مثل (ليت، وكيف). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ؛﴾ أي الأمر بالتوجه إلى الكعبة لصدق ﴿(مِنْ رَبِّكَ)﴾. ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (١٤٩). قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ؛﴾ بيان أن حكم النبيّ ﷺ وأمته في التوجه إلى الكعبة في السفر والحضر سواء؛ لأنه كان يجوز أن يظنّ ظانّ الفرق بين المسافر والمقيم كالنفل على الراحلة، فبيّن الله تعالى أن المسافر كالمقيم في التوجه. قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ؛﴾ أي لئلا يكون لليهود عليكم حجّة، ولأنّ المسلمين لو لم يصلوا إلى الكعبة لكان ذلك مخالفة للبشارة السابقة؛ فيكون ذلك حجّة لهم بأن يقولوا: ليس هو النبي المبشّر. قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ؛﴾ أي لا يحاجكم أحد إلا من ظلم فيما وضح له؛ واحتج بغير الحق. وأراد بالذين ظلموا قريشا واليهود. وكانت حجة قريش الباطلة أن قالوا: إنّما رجع إلى الكعبة لأنه علم أنّها قبلة آبائه وهو الحق وكذا يرجع إلى ديننا ويعلم أنه حقّ. وأما اليهود فإنّهم يقولون: إن كانت قبلتنا ضلالة فقد صليت إليها سبعة عشر شهرا، وإن كانت هدى فقد انصرفت عنها. وقيل: لأن اليهود يقولون: إن محمدا لم ينصرف عن بيت المقدس مع علمه بأنه حقّ إلا أنه إنما يفعل برأيه ويزعم أنه أمر به. وقيل: إن من حجة مشركي مكة أنّهم قالوا لمّا صرفت القبلة إلى الكعبة: إنّ محمّدا قد تحيّر في دينه وتوجّه إلى قبلتنا وعلم أنّا أهدى سبيلا منه وإنه لا يستغني عنا ولا شكّ أنه يرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا. فأجابهم الله تعالى بهذه الآية ﴿(لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)﴾ نفى أن لا

стр. 249

يكون لأحد حجة قبل رسول الله ﷺ وأصحابه. بسبب (١) تحويلهم إلى الكعبة. إلا الذين ظلموا من قريش فإن لهم قبلهم حجة لما ذكرنا. والحجة: الخصومة والجدال والدعوة الباطلة كقوله تعالى: ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ﴾ (٢) أي لا خصومة. وقوله تعالى: ﴿أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ﴾ (٣) و ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾ (٤) وحاججتهم؛ كلها بمعنى المخاصمة والمجادلة لا بمعنى الدليل والبرهان. وموضع ﴿(الَّذِينَ)﴾ (الّذين) نصب بنزع الخافض، تقديره: إلاّ الّذين ظلموا. وقال الفرّاء: موضعه نصب بالاستثناء. وإنما قال: ﴿(مِنْهُمْ)﴾ ردّا إلى لفظ الناس؛ لأنه عامّ وإن كان كل واحد منهم غير الآخر. وقال بعضهم: هذا الاستثناء منقطع من الكلام الأول، ومعناه: لئلا يكون كلهم عليكم حجة؛ اللهم إلا الذين ظلموا فإنّهم يحاجونكم بالباطل ويجادلونكم بالظلم، وهذا كما يقدر في الكلام للرجل: الناس كلّهم لك حامدون إلا الظالم لك. وقولهم للرجل: ما لك عندي حقّ إلا أن يظلم. وما لك حجّة إلا الباطل. وقال أبو روق: (معنى الآية: ﴿(لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ)﴾ يعني اليهود عليكم حجة). وذلك أنّهم قد عرفوا أن الكعبة قبلة إبراهيم ﵇ وقد كانوا وجدوا في التوراة أن محمّدا ﷺ يحوّله الله إليها لئلا يكون لهم حجة فيحتجوا بأن النبي ﷺ الذي نجده سيحوّل إليها، ولم تحول أنت. فلما حوّل النبي ﷺ ذهبت حجتهم. ثم قال: ﴿(إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)﴾ يعني إلا الذين يظلموكم فيكتموا ما عرفوا من ذلك. وكان أبو عبيدة يقول: (إلاّ) هنا بمعنى (ولا) كأنه قال: لئلا يكون للناس عليكم حجة ولا الذين ظلموا، والذين ظلموا لا يكونوا حجة لهم. قال الشاعر: وكلّ أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلاّ الفرقدان

стр. 250

يعني: والفرقدان أيضا يفترقان. وقال آخر (١): ما بالمدينة دار غير واحدة ... دار الخليفة إلاّ دار مروانا يعني: ولا دار من دار وإنما حسن ذلك بعد قوله غير واحدة. قوله : ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي؛﴾ أي لا تخشوا الكفار في انصرافكم إلى الكعبة؛ وفي تظاهرهم عليكم في المحاجة والمحاربة فإني وليكم أظهركم عليهم بالحجة والنصر، واخشوني في تركها ومخالفتها. قوله تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٥٠)؛عطف على قوله: ﴿(لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ)﴾ أي ولكي أتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم ﵇ فيتم لكم الملّة الحنيفية (٢)،وقال علي كرّم الله وجهه: (تمام النّعمة الموت على الإسلام).وروي عنه أنه قال: (النّعم ستّ: الإسلام، والقرآن، ومحمّد ﷺ ، والسّنن، والعافية، والغنى عمّا في أيدي النّاس).قوله تعالى: ﴿(وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)﴾ أي لكي تهتدوا من الضلالة. قوله تعالى: ﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً؛﴾ هذه الكاف للتشبيه وتحتاج إلى شيء يرجع إليه. واختلفوا؛ فقال بعضهم: هو راجع إلى ما قبله؛ تقديره: ﴿(فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ)﴾ كما أرسلت فيكم رسولا، ﴿مِنْكُمْ،﴾ فيكون إرسال الرسل مؤذنا بإتمام النعمة. والآية خطاب للعرب؛ أي ولأتمّ نعمتي عليكم كما ابتدأت النعمة بإرسال رسول منكم إليكم؛ لأن اختياره من العرب نعمة عظيمة وشرف لهم، واستدعاء إلى الإسلام؛ لأنه لو اختاره من العجم لكانت العرب مع عزمها ونجوتها لا تتبعه. قوله تعالى: ﴿يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا،﴾ يعني القرآن؛ ﴿وَيُزَكِّيكُمْ؛﴾ أي يصلحكم بأخذ زكاتكم؛ ويأمركم بأشياء تكونوا بها أزكياء؛ ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ﴾
следующие страницы →