← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

ويسقينا؟ فأنزل الله هذه الآية ﴿(وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ)﴾ (١) يوما بيوم؛ أي يرزق من يحمل ومن لا يحمل، فكم من دابّة لا تجمع رزقها لغد، ولا يقدر على حمل رزقها لضعفها، الله يرزقها وإيّاكم، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦٠)؛ أي السّميع لأقوالهم: نخشى إن فارقنا أوطاننا العيلة، العليم بما في قلوبهم ونفوسهم، فلا يتركوا عبادة الله بسبب الرّزق، ولا يهتمّوا لأجل ذلك. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ؛﴾ يعني لئن سألت مشركي مكّة: من خلق السّماوات، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٦١)؛أي يصرفون عن عبادة الله الذي هذه صفته إلى عبادة جمادات لا تنفع ولا تضرّ. قوله تعالى: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ؛﴾ أي يبسط الرّزق على قوم، ويضيّق على قوم، يفعل ذلك عن علم وحكمة، لا عن غلط وخطأ، ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٦٢). قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ؛﴾ يعني كفّار مكّة أيضا، ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ؛﴾ أي الحمد لله على إقرارهم؛ لأن ذلك يلزمهم الحجّة، ويوجب عليهم التوحيد. وقيل: معناه: الحمد لله على هذه النّعم، وعلى ما تفضّل به جلّ ذكره من الإنعام على العباد، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٦٣)؛بتوحيد ربهم مع إقرارهم بأنه خلق السّماوات والأرض وأنزل المطر. قوله تعالى: ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ أي باطل وغرور وعبث تنقضي عن قريب بسرعة، ﴿وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ؛﴾ يعني الجنّة هي الحيوان؛ أي الحياة والدّوام والبقاء الذي لا نفاد له، والحيوان والحياة واحد. وقوله تعالى: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٦٤)؛أي لو كانوا يعلمون

стр. 2102

الفرق بين الحياة الدّائمة والحياة الفانية لرغبوا في الباقي الدائم عن الفاني الزّائل، ولكنّهم لا يعلمون. قوله تعالى: ﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ؛﴾ يعني المشركين إذا ركبوا في السّفينة وهاجت الرياح واضطربت الأمواج، وخافوا الغرق والهلاك، ﴿(دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)﴾ أي دعوا الله مفردين له بالدّعاء، وتركوا شركاءهم وأصنامهم فلا يدعونهم لإنجائهم، ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ؛﴾ أي فلمّا خلّصهم من تلك الأهوال، وأخرجهم إلى البرّ؛ ﴿إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ؛﴾ أي عادوا إلى شركائهم لكي يكفروا بما أعطيناهم، ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا؛﴾ في كفرهم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٦٦)؛جزاء فعلتهم. قال عكرمة: (كان أهل الجاهليّة إذا ركبوا في البحر حملوا معهم الأصنام، فإذا اشتدّت بهم الرّيح ألقوا تلك الأصنام في البحر، وصاحوا: يا الله يا الله). وقيل: إنّ (اللام) في قوله ﴿(لِيَكْفُرُوا)﴾ لام الأمر، ومعناها: التهديد والوعيد، كقوله ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ (١) ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ (٢)،وكذلك عقّبه بقوله: ﴿(فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)﴾. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ أي ألم ير كفار مكّة ﴿(أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً)﴾ يعني مكّة، ويسلب الناس من حولهم فيقتلون ويؤسرون وتؤخذ أموالهم، وأهل مكّة آمنون من ذلك، ﴿أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ؛﴾ أي فيقرّون ويصدّقون بالباطل وهي الأصنام بعد قيام الحجّة، ﴿وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ﴾ (٦٧)؛أي بمحمّد والإسلام يجحدون. والتّخطّف: هو تناول الشيء بسرعة. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً؛﴾ أي لا أجد أظلم ممّن زعم أنّ لله شريكا، ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُ؛﴾ يعني

стр. 2103

محمّدا والقرآن، ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ (٦٨)؛أي أما لهذا الكافر المكذّب مأوى في جهنّم، وهو استفهام، ومعناه: التقرير. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا؛﴾ أي الذين جاهدوا الكفار لابتغاء مرضاتنا لنهدينّهم سبلنا إلى الجنّة؛ أي لنوفّقنّهم لإصابة الطريق المستقيمة. وقيل: معناه: والذين قاتلوا لأجلنا أعداءنا لنهدينّهم سبيل الشّهادة والمغفرة. وقال الفضيل: (معناه: والّذين جاهدوا فينا في طلب العلم بالعمل به)،وقال أبو سليمان الدّارانيّ: (معناه: الّذين يعملون بما يعلمون يهديهم الله إلى ما لا يعلمون).وعن ابن عبّاس: (أنّ معناه: والّذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينّهم سبل ثوابنا). وقيل: معناه: والذين جاهدوا بالصّبر على المصائب والنّوائب لنهدينهم سبل الوصول للمواهب. وقيل: والذين جاهدوا بالثّبات على الإيمان لنهدينّهم دخول الجنان. وقال سهل بن عبد الله: (والّذين جاهدوا في إقامة السّنّة لنهدينّهم سبل دخول الجنّة).قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦٩)؛أي من بالنّصر على أعدائهم، والمعونة في دنياهم والثواب والمغفرة في عقباهم. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المؤمنين والمنافقين] (١). آخر تفسير سورة (العنكبوت) والحمد لله وحده

стр. 2104

سورة الرّوم سورة الرّوم مكّيّة، وهي ثلاثة آلاف وخمسمائة وأربعة وثلاثون حرفا، وثمانمائة وتسع عشرة كلمة، وستّون آية. قال رسول الله ﷺ : [من قرأ سورة الرّوم كان له من الأجر عشر حسنات، بعدد كلّ ملك يسبح لله بين السّماء والأرض] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (٣)؛أي غلبت فارس الروم، ففرح بذلك كفار مكّة وقالوا: الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم كتاب، وافتخروا بذلك على المسلمين وقالوا لهم: نحن أيضا نغلبكم كما غلبت فارس الروم. وقصّة ذلك: أن كسرى ملك فارس أرسل شهريار إلى الرّوم، فسار إليهم بأهل فارس ليغزوهم، فظهر على الروم فقتلهم وخرّب مدائنهم، وكان قيصر ملك الروم قد بعث بجيش لمّا سمع بقدوم شهريار، فالتقيا بأذرعات وبصرى وهي أدنى الشّام إلى أرض العرب والعجم، فغلبت فارس الروم حتى انتزعوا بيت المقدس من الروم، وكان ذلك موضع عبادتهم. فبلغ ذلك النبيّ ﷺ وأصحابه بمكّة فشقّ ذلك عليهم، وكان ﷺ يكره أن يظهر الأميّون من المجوس على أهل الكتاب من الرّوم، وفرح بذلك كفار مكّة وشمتوا، فلقوا أصحاب النبيّ ﷺ وقالوا: إنّكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، وقد ظهر

стр. 2105

إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الرّوم، وإنّكم إن قاتلتمونا لنظهرنّ عليكم، فأنزل الله هذه الآيات ﴿(الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ)﴾ (١). فخرج أبو بكر ﵁ إلى الكفّار وقال: (أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا؟! فلا تفرحوا ولا يقرّ الله أعينكم، فو الله ليظهرنّ الرّوم على فارس، أخبرنا بذلك نبيّنا) فقام إليه أبيّ بن خلف الجمحيّ وقال له: كذبت! فقال له أبو بكر: أنت أكذب يا عدوّ الله) فقال أبيّ بن خلف: كما غلبت عبدة النّيران أهل الكتاب، فكذلك نحن نغلبكم) واستبعد المشركون ظهور الرّوم على فارس لشدّة شوكة أهل فارس. فقال أبو بكر لأبيّ بن خلف: (أنا أراهنك على أنّ الرّوم تغلب إلى ثلاث سنين) فراهنه أبيّ على خمس من الإبل، وقيل: على عشر من الإبل، (فإن ظهرت الرّوم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس غرمت أنا) ثمّ جاء أبو بكر إلى النّبيّ ﷺ فأخبره بذلك، فقال ﷺ : [زد في الخطر (٢) وأبعد في الأجل] ففعل ذلك، وجعل الأجل تسع سنين، وكان ذلك قبل تحريم القمار. روي أنّ النّبيّ ﷺ قال لأبي بكر: [إنّما البضع ما بين الثّلاث إلى التّسع]. قرأ: [زده في الخطر ومادّه في الأجل] فخرج أبو بكر فلقي أبيّا فقال: لعلّك ندمت! فقال: أزيدك في الخطر وأمادّك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد أخاف فعلت. فلمّا خشي أبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكّة، أتاه فلزمه وقال أبيّ: إن تخرج من مكّة فأقرّ لي كفيلا، فكفل له ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلمّا أراد أبيّ بن خلف أن يخرج إلى أحد، أتاه عبد الله بن أبي بكر فلزمه وقال: لا والله لا أدعك حتّى تعطيني كفيلا، فأعطاه كفيلا ومضى إلى أحد، ثمّ رجع فمات بمكّة من جراحته

стр. 2106

الّتي جرحه رسول الله ﷺ حين بارزه، وظهرت الرّوم على فارس يوم الحديبية وذلك على رأس تسع سنين من مراهنتهم، وهذا قول أكثر المفسّرين (١). وقال أبو سعيد الخدريّ ومقاتل: (لمّا كان يوم بدر قتلت المسلمون كفّار مكّة، وأتاهم الخبر أنّ الرّوم قد غلبت فارس، ففرح المسلمون بذلك، وغلب أبو بكر ﵁ أبيّا وأخذ مال الخطر من ورثته، وجاء به إلى النّبي ﷺ فقال له النّبيّ ﷺ : [تصدّق به] (٢). ومعنى الآية: ﴿(غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ)﴾ يعني الجزيرة؛ وهي أقرب أرض الرّوم إلى فارس، وقال عكرمة: (يعني أدرعات وكسكر).وقوله ﴿(وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ)﴾ يعني الروم من بعد غلبة فارس إيّاهم سيغلبون فارس ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ؛﴾ وهو ما بين الثلاث إلى العشر، فالتقى الروم وفارس في السّنة السابعة من غلبة فارس إيّاهم، فغلبتهم الروم، فجاء جبريل إلى النبيّ ﷺ بهزيمة فارس وظهور الرّوم عليهم، ووافق ذلك يوم بدر. قوله تعالى: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ؛﴾ أي قبل أن غلبت الروم ومن بعد ما غلبت، يعني أنّ غلبة أحد الفريقين الآخر، أيّهما كان الغالب والمغلوب؛ فإنّ ذلك كان بأمر الله تعالى وإرادته وقضائه وقدره. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤)؛يعني بغلب الروم فارس، يفرح المؤمنون، ﴿بِنَصْرِ اللهِ؛﴾ الروم على فارس، ويكون فرح المؤمنين يومئذ لظهور معجزة النبيّ ﷺ وإهلاك بعض الكفّار بعضا كما يفرح الصّالحون بقتل الظّالمين بعضهم بعضا.

стр. 2107

وقوله تعالى: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ؛﴾ أي ينصر محمدا ﷺ على أعدائه، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٥)؛أي هو العزيز بالنّقمة ممن عصاه، الرّحيم بأوليائه وهم المؤمنون. قوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ؛﴾ نصب على المصدر؛ أي وعد الله ذلك وعدا وهو راجع إلى قوله ﴿(سَيَغْلِبُونَ)﴾ أي وعد الله ذلك لا يخلف الله وعده بظهور الروم على فارس، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٦)؛إنّ الله لا يخلف وعده؛ لأن أكثرهم كفّار. وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ يعني معايشهم وما يصلحهم (١).قال الحسن: (يعلمون متى زرعهم ومتى حصادهم، ويعلمون وجوه الاكتساب من التّجارة والزّراعة والحراثة والغراسة، وما يحتاجون إليه في الشّتاء والصّيف) قال الحسن: (بلغ والله من علم أحدهم في الدّنيا أنّه ينقر الدّراهم بيده فيخبرك بوزنه ولا يحسن يصلّي!) (٢). وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ (٧)؛أي هم مع علمهم بأمور الدّنيا لا يعلمون ما طريقة الدليل من أمر الآخرة، وما يكون فيها من البعث والثواب والعقاب، فهم غافلون عمّا هو أولى بهم، وعما يلزمهم من الاستعداد لذلك. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ،﴾ أي في خلق الله إيّاهم، ﴿ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ،﴾ فتعلمون أنّ الله لم يخلق السّماوات والأرض، ﴿وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ؛﴾ إلاّ بالحقّ؛ أي إلاّ الحقّ، ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى،﴾ ومعنى الآية: أو لم يتفكّر أهل مكّة بقلوبهم فيعلمون أنّ الله ما خلق السّماوات والأرض، وما فيهما

стр. 2108

من العجائب والبدائع إلاّ ليحقّ الحقّ ويبطل الباطل، ويجزي كلّ عامل بما عمل عند انقضاء الأجل المسمّى الذي جعله الله لانقضاء أمر السّماوات والأرض وهو يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ؛﴾ يعني كفّار مكّة، ﴿بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ (٨). وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي أولم يسافروا في الأرض، ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ؛﴾ صار أمر، ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ من الأمم السالفة حين كذبوا الرّسل إلى الهلاك بتكذيبهم فيعتبروا. ثم وصف تلك الأمم فقال: ﴿كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ؛﴾ أي حرثوها وقلبوها للزراعة والغرس، ﴿وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها؛﴾ كفّار مكّة لأنّهم كانوا أطول عمرا وأكثر عددا، ﴿وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ،﴾ فلم يبق منهم ولا من عمارتهم أثر، فكذلك يكون حال هؤلاء. قوله تعالى: ﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ؛﴾ بإهلاكهم، ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٩)؛بالكفر والتكذيب. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (١٠)؛أي ثم صار آخر أمر الذين أساءوا بالكفر والمعاصي السّوء، يعني العذاب والنار بسبب تكذيبهم واستهزائهم بآيات الله. قال الفرّاء والزجّاج: (السّوأى ضدّ الحسنى وهي الجنّة، وضدّها النّار)،وقال ابن قتيبة: (السّوء جهنّم، والحسنى الجنّة، وإنّما سمّيت سوءى؛ لأنّها تسوء صاحبها). قوله تعالى: ﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ؛﴾ أي يخلقه من النطفة ثم يحييه بعد ما أماته ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١١)؛ثم إلى موضع حسابه وجزائه يرجعون فيجزيهم بأعمالهم. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (١٢)؛أي ييأس المجرمون من رحمة الله، ومن كلّ خير حين عاينوا العذاب.

стр. 2109

وقال الفرّاء: (ينقطع كلامهم وحجّتهم)،وقيل: معنى ﴿(يُبْلِسُ)﴾ أي يفتضح، وقيل: معناه: يندمون، وقيل: المبلس الساكت المنقطع عن حجّته الآيس من أن يهتدي إليها، قال الشاعر (١): يا صاح هل تعرف رسما مكرسا ... قال: نعم أعرفه وأبلسا والمجرمون هم المشركون. قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ؛﴾ أي لم يكن للكفار ممّن أشركوه في العبادة شفعاء يشفعوا لهم إلى الله، ﴿وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ (١٣)؛أي يتبرّءون منها ويتبرّءون منهم. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ (١٤)؛أي واذكر ﴿(يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ)﴾ الخلائق في طريق الجنّة، وطريق النّار. وقيل: معناه: يوم القيامة يتفرّقون بعد الحساب إلى الجنّة والنار فلا يجتمعون أبدا. وقال الحسن: (إن كانوا اجتمعوا في الدّنيا ليفترقنّ يوم القيامة؛ هؤلاء في علّيّين، وهؤلاء في أسفل سافلين) (٢)،وهو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ (١٥)؛أي في الجنّة ينعّمون ويكرمون بالتحف ويسرّون. والحبرة السّرور. وقيل: الحبرة كلّ نعمة حسنة، والتّحبير التحسين. وسمّي العالم حبرا لتخلّقه بأحسن أخلاق المؤمنين، ويسمّى المداد حبرا لأنه تحسن به الأوراق، وقيل: معنى الآية: فهم في رياض الجنّة يتلذذون. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ،﴾ وكذبوا بالبعث بعد الموت، ﴿فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ (١٦)؛أي يحضرون في العذاب، ويحبسون.

стр. 2110

قوله تعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ (١٨)؛ أي فصلّوا لله، على تأويل: فسبحوا لله، قال ابن عبّاس: (جمعت هذه الآية الصّلوات الخمس ومواقيتها، فوقت المساء يصلّى فيه المغرب والعشاء، ﴿(وَحِينَ تُصْبِحُونَ)﴾:صلاة الفجر، ﴿(وَعَشِيًّا)﴾: العصر، ﴿(وَحِينَ تُظْهِرُونَ)﴾ الظّهر) (١). وقوله تعالى: ﴿(وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾ أي يحمده أهل السّماوات وأهل الأرض، ويصلّون له ويسجدون. وعن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [من قال: ﴿(فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ... )﴾ إلى قوله تعالى: ﴿(وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ)﴾ وآخر سورة الصّافّات دبر كلّ صلاة، كتب الله من الحسنات عدد نجوم السّماء، وقطر المطر، وعدد ورق الشّجر، وعدد نبات الأرض. وإذا مات أجرى الله له بكلّ حسنة عشر حسنات في قبره] (٢). وقال ﷺ : [من سرّه أن يكتال له بالقفيز الأوفى فليقل: ﴿(فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ... )﴾ إلى قوله تعالى: ﴿(وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ،﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ ... )﴾ إلى آخر السّورة] (٣). قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ؛﴾ أي الإنسان الحيّ من النّطفة الميتة، ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ،﴾ ويخرج النطفة وهي ميتة من الإنسان الحيّ، ويقال: يخرج الفرخ من البيضة، والبيضة من الفرخ، ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ،﴾ بإخراج الزّروع منها، ﴿بَعْدَ مَوْتِها؛﴾ أي بعد أن كانت لا تنبت، ﴿وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (١٩)،من قبوركم يوم القيامة إلى المحشر، فإنّ بعثكم بمنزلة ابتداء خلقكم، وهما في قدرة الله تستويان. قرأ حمزة: «(تخرجون)» بفتح التّاء.

стр. 2111

قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ؛﴾ أي من دلائل قدرته وعلامات توحيده أن خلق أصلكم من تراب، يعني آدم، ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ (٢٠)؛أي ثمّ إذا أنتم من لحم ودم تنتشرون؛ أي تتفرّقون في حوائجكم، وتنبسطون في الأرض، ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها؛﴾ أي من علامات توحيده وقدرته أن خلق لكم من جنسكم نساء لتطمئنّوا إليها، ولم يجعلهنّ من الجنّ، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً؛﴾ أي جعل بين الزّوجين مودّة ورحمة، فيما يتراحمان ويتوادّان، وما من شيء (١) أحبّ إلى أحدهما من الآخر من غير رحم بينهما، حتى أنّ كثيرا من الناس يهجر عشيرته بسبب زوجته، وكذلك من النّساء من تهجر عشيرتها بسبب زوجها. والمعنى: من دلالة توحيد الله وقدرته أن خلق من نطفة الرّجال ذكورا وإناثا؛ ليسكن الذكور إلى الإناث، والنّطف عن صفة واحدة، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢١)؛في عظمة الله وقدرته. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،﴾ أي ومن علامات توحيده خلق السّماوات والأرض بما فيهما من العجائب، ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ،﴾ أي لغاتكم وأصواتكم وصوركم وألوانكم، لأنّ الخلق بين عربيّ وعجميّ وأسود وأحمر وأبيض، وهم ولد رجل واحد وامرأة واحدة، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ (٢٢)؛أي للبرّ والفاجر والإنس والجنّ. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ؛﴾ أي ومن آياته كيفيّة نومكم، وكيف يغلب عليكم، وأين يأتيكم، وكيف يزول عنكم فتطلبون معيشتكم، وقوله تعالى: ﴿وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ؛﴾ تقدير (وابتغاؤكم من فضله بالنّهار) يعني تصرّفكم في طلب المعيشة بالنّهار، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (٢٣) القرآن؛ سماع الاستدلال، والاعتبار، والتدبّر.

стр. 2112

قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً؛﴾ أي خوفا للمسافر من الصّواعق، وطمعا للمقيم في المطر وسقي الزّرع، ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها؛﴾ أي في البرق، وإنزال المطر وإحياء الأرض بعد قحطها، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢٤). قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ؛﴾ يعني من غير عمد تحتهما، ولا علاقة فوقهما بقدرة الله وتسكينه، قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ؛﴾ أي ثم إذا دعاكم من القبور عند النفخة الثّانية يدعو إسرافيل بأمره من صخرة بيت المقدس: أيّتها الأجساد البالية والعروق المتمزّقة والشّعور المتمرّطة، ﴿إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ (٢٥)؛من قبوركم مهطعين إلى الدّاعي. قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي هم عبيدا وملكا، ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ (٢٦)،أي كلّ له مطيعون في الحياة والبقاء والموت والبعث، وإنّ عصوا في العبادة فهم منقادون لله لا يقدرون على الامتناع من شيء يراد بهم من صحّة ومرض وغنّى وفقر وحياة وموت. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ؛﴾ أي هو الذي يبدأ الخلق من النطفة ثم يميته فيصير ترابا كما كان، ثم يبعثه في الآخرة. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ؛﴾ أي الإعادة هيّنة عليه، وما شيء عليه بعسير، وقد يذكر لفظ (يفعل) بمعنى (فعيل) كقوله (الله أكبر) بمعنى كبير، وكذلك أهون عليه أو هيّن عليه. قال الفرزدق (١): لعمرك ما أدري وإنّي لأوجل ... على أيّنا تعدو المنيّة أوّل

стр. 2113

يريد بقوله: لأوجل؛ أي وجل، وقال أيضا (١): إنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا ... بيتا قوائمه أعزّ وأطول أي عزيزة طويلة. وإنّما قيل على هذا التأويل؛ لأنه لا يجوز أن يكون بعض الأشياء على الله أهون من بعض. قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي له الصّفة العليا وهي القدرة التي لا يجري عليها العجز، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢٧)؛أي القاهر لكلّ شيء، الحكيم في جميع أفعاله. قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ؛﴾ أي وصف لكم أيّها المشركون مثلا من أنفسكم، وبيّن لكم ذلك المثل من أنفسكم، ثم بيّنه فقال: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ،﴾ أي هل لكم من عبيدكم وإمائكم من شركاء فيما رزقناكم من الأموال؛ أي هل يشاركونكم في أموالكم فتكونوا أنتم مع عبيدكم سواء فيما أعطيناكم، ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ،﴾ أي تخافون عبيدكم أن يقاسموكم في مالكم كما تخافون نساءكم وأقاربكم أن يورثوكم بعدكم، أو تخافوا لائمة عبيدكم إذا لم تعطوهم حقّهم، كما تخافون لائمة بعضكم بعضا من الأقارب والشّركاء إذا لم يؤدّوا حقّهم إليهم. قالوا: لا! فقال: أفترضون لله تعالى ما لا ترضون لأنفسكم، تشركون عبيد الله في ملكه، وقد خلقهم، ولا تشركون عبيدكم فيما رزقكم الله وأنتم لم تخلقوهم، وتجعلون الخوف من عبيد الله كالخوف من الله إذ تعبدونهم كعبادة الله تعالى، ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢٨)؛أي هكذا يبيّن الآيات واحدة بعد واحدة ليكون ذلك أقرب إلى الفهم وواقع في القلب. ومعنى ﴿(أَنْفُسِكُمْ)﴾ هاهنا: أمثالكم من الأحرار، كقوله ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢).ومعنى الآية: كيف رضيتم أن تكون آلهتكم التي تعبدونها لي شركاء

стр. 2114

وأنتم عبيدي وأنا مالكهم جميعا، فكما لا يجوز استواء المملوك مع سيّده، كذلك لا يجوز استواء المخلوق مع خالقه. قوله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛﴾ أي ليس لهم في الإشراك شبهة من حيث الحجة، ولكنّهم يشركون بالله بناء على الجهل وهوى النفس، ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ؛﴾ أي لا هادي لمن أضلّه الله، ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٢٩)؛أي ما لهم من مانعين من عذاب الله. قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً؛﴾ أي فأقم يا محمّد على دين الإسلام، وقوله ﴿(حَنِيفاً)﴾ أي مائلا عن كلّ دين إلاّ الإسلام، وقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ؛﴾ أي اتّبع دين الله، والفطرة: الملّة؛ وهي الإسلام والتوحيد، ﴿الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها؛﴾ أي خلق الله المؤمنين عليها، وقد ورد في الحديث: [كلّ مولود يولد على الفطرة] إلى آخر الحديث (١). وانتصب قوله ﴿(فِطْرَتَ اللهِ)﴾ على الإغراء، وقيل: على معنى: اتّبع فطرة الله. وقوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ؛﴾ أي لا تغيير لدين الله الذي أمر الناس بالثّبات عليه، وهو نفي معناه النهي؛ أي لا تبدّلوا دين الله الذي هو التوحيد بالشّرك. وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ يعني التوحيد هو الدين المستقيم، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ؛﴾ يعني كفّار مكّة، ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٠)؛ توحيد الله ودين الإسلام هو الحقّ. قوله تعالى: ﴿*مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ؛﴾ أي أقيموا وجوهكم راجعين إلى الله في كلّ ما أمركم به، لا تخرجون عن شيء من أوامره، وهذا لأنّ الخطاب في أوّل هذه الآيات للنبيّ ﷺ بقوله ﴿(فَأَقِمْ وَجْهَكَ)﴾،والمراد به أمته، كما في قوله ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ (٢) فكأنّه قال: أقيموا وجوهكم منيبين؛ أي راجعين إلى أوامره، وقوله تعالى ﴿(وَاتَّقُوهُ)﴾ أي اتّقوا مخالفته، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ﴾

стр. 2115

﴿الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾؛أي زايلوا دينهم الذي أمروا بالثبات عليه. ومن قرأ ﴿(فَرَّقُوا دِينَهُمْ)﴾ فمعناه: صاروا فرقا، وذلك معنى قوله: ﴿وَكانُوا شِيَعاً،﴾ أي صاروا جماعة، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٣٢)،أي كلّ جماعة اختارت دينا مثل اليهود والنّصارى وسائر الملل، كلّ أهل دين يفرحون بما عندهم من الدّين. قوله تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ؛﴾ أي إذا أصاب الناس شدّة وبليّة وقحط وغلاء يعني كفّار مكّة، دعوا ربّهم لدفع الشّدة، ﴿(مُنِيبِينَ إِلَيْهِ؛﴾ أي راجعين إليه، منقطعين من الخلق، لا يلجئون في شدائدهم إلى أوثانهم، ﴿ثُمَّ إِذا؛﴾ أذهب عنهم تلك الشدّة و ﴿أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً؛﴾ أي أعطاهم من عنده المطر، ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٣٣)؛أي يعودون إلى الشّرك ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ؛﴾ فيبدّلوا الشّكر كفرا، ﴿فَتَمَتَّعُوا؛﴾ أي تلذذوا في الدّنيا، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣٤)،ماذا ينزل بكم. قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً،﴾ أي أم أنزلنا على هؤلاء حجّة وبرهانا وكتابا من السّماء، ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ (٣٥)،يشهد وينطق بأنّ الله أمرهم بما يفعلون. وهنا استفهام إنكار؛ أي ليس الأمر على هذا. قوله تعالى: ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها؛﴾ أي إذا أذقناهم نعمة استبشروا بها، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ؛﴾ شدّة ومحنة وبليّة، ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ؛﴾ في الشّرك من المعاصي ﴿إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (٣٦)؛أي إذا هم ييأسون من رحمة الله. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ؛﴾ أي ويضيّق، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ؛﴾ أي في البسط والتّقتير، ﴿لَآياتٍ؛﴾ دالّة على التوحيد، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣٧).

стр. 2116

قوله تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ؛﴾ أي أعط ذا القربى في الرّحم حقّه من الصّلة والبرّ، وأعط ﴿وَالْمِسْكِينَ؛﴾ الذي يطوف على الأبواب حقّه أيضا، وهو التّصدّق عليه، وأعط ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ؛﴾ النازل بك حقّه؛ أي ضيافته، يعني أكرم الضّيف النازل بك، ﴿ذلِكَ خَيْرٌ؛﴾ أي الذي ذكرت من الصّلة والإعطاء والضّيافة خير، ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ؛﴾ يعني رضا الله؛ أي إعطاء الحرّ أفضل من الإمساك ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣٨)؛أي الفائزون السّعداء الباقون في الجنّة، ومن أعطى أحدا لا يريد به وجه الله ذهب ماله من غير أن يحصل على شيء، فلذلك قال: ﴿(يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ)﴾. قوله تعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ؛﴾ أي ما تعاطيتم من عقد الرّبا رجاء أن تزيدوا أموالكم فلا يزيد في حكم الله، وعلى الآخذ أن يردّه على المأخوذ منه، قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا﴾ (١). قرأ ابن كثير «(أتيتم)» مقصورا غير ممدود. وقوله تعالى ﴿(لِيَرْبُوَا)﴾،قرأ الحسن ونافع: «(لتربو)» بتاء مضمومة وجزم الواو على الخطاب؛ أي لتربو أنتم، وقرأ الباقون ﴿(لِيَرْبُوَا)﴾ بياء مفتوحة ونصب الواو، وجعلوا الفعل للرّبا (٢). وقوله تعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ؛﴾ أي ما أعطيتم من صدقة تريدون بها رضا الله، ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٣٩)؛الذين يضاعف لهم في العاجل والآجل، يقال: رجل مضعف؛ أي ذو أضعاف كما يقال: رجل مقوّي ذو قوّة، وموسر؛ أي صاحب يسار. وعن ابن عبّاس ﵄ في قوله تعالى ﴿(وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً)﴾: (الرّبا هاهنا هو هبة الرّجل لصاحبه يريد أن يثاب أفضل منه) (٣).وقال السديّ: (هو الهديّة يهديها الرّجل لأخيه يطلب المجازاة (٤)،فإنّ ذلك لا يربو عند الله، ولا يؤجر عليه

стр. 2117

صاحبه ولا إثم عليه)،وقال الزجّاج: (هو دفع الإنسان الشّيء ليعوّض ما هو أكبر منه، وذلك ليس بحرام ولكنّه لا ثواب فيه؛ لأنّ الّذي يهديه يستدعي ما هو أكثر منه، وإنّما يربو عند الله هو العطيّة الّتي لا يطلب بها المكافأة، ولا يراد بها إلاّ رضا وجه الله). قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ؛﴾ أي خلقكم في بطون أمّهاتكم ثم أخرجكم، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ؛﴾ بعد انقضاء آجالكم، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ؛﴾ بعد الموت، ﴿هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤٠). قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ؛﴾ أي قحط المطر ونقصت الغلاّت وذهبت البركة في البرّ والبحر؛ أي أجدب البرّ وانقطعت مادّة البحر، ﴿بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ؛﴾ أي بشؤم ذنوبهم ومعاصيهم، الناس كفّار مكّة، ﴿لِيُذِيقَهُمْ؛﴾ الله بالجوع في السّنين السبع، يعني ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا؛﴾ أي جزاؤه ليكون عقوبة معجّلة، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤١)؛من الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، فيكشف الله عنهم الشدّة. وفي هذا تنبيه على أنّ الله تعالى إنّما يقضي بالجدوبة ونقص الثّمرات والنبات لطفا منه في رجوع الخلق عن المعصية. قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي قل لأهل مكّة سافروا في الأرض، ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ،﴾ أي كيف صار إجرام، ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ (٤٢)؛أي انظروا إلى ديار عاد وثمود وقوم لوط ليدلّكم ذلك على أنه لا ينبغي لأحد أن يكفر بالله تعالى. قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ؛﴾ أي أقم قصدك وعملك، واجعل جهتك اتّباع الدّين القيّم وهو الإسلام المستقيم الذي لا عوج فيه، واعمل به أنت ومن تبعك، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ؛﴾ يعني يوم القيامة، ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ (٤٣)؛أي يوم القيامة يتفرّقون بعد الحساب إلى الجنّة والنار. قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ؛﴾ أي ضرر كفره، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ (٤٤)؛أي يطئون لأنفسهم منازلهم في الجنة، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ

стр. 2118

آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ ثوابهم، ثم يزيدهم ﴿مِنْ فَضْلِهِ؛﴾ أي يثيبهم أكثر من أعمالهم، ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ (٤٥)؛أي لا يكرمهم ولا يثيبهم ولا يرضى عنهم. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ؛﴾ أي من علامات توحيده إرساله الرياح للبشارة بالمطر، ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ؛﴾ يعني الغيث والخصب، ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ؛﴾ أي السفن تجري في البحر بتلك الرّياح، ﴿بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ؛﴾ أي ولتسلكوا في البحر على السّفن للتجارة وطلب الرزق بهذه الرياح، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٤٦)؛هذه النّعم فتوحّدونه. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ؛﴾ أي بالدّلالات الواضحات فكذبوا بها، ﴿فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا؛﴾ أي عذبنا الذين كذبوهم، ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٧)؛أي كان واجبا علينا إنجاء المؤمنين مع الرّسل من عذاب الأمم، وفي هذا تبشير للنّبيّ ﷺ بالظّفر والنصر على من كذب به. قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً؛﴾ أي تزعجه من حيث هو، وذلك أنّ الله يحدث السّحاب عقيب الرياح فترفعه الرياح في الهواء، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ أي قطعا بعضها فوق بعض، ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ يعني المطر، ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ؛﴾ أي من وسطه إلى قوم دون قوم، ﴿فَإِذا أَصابَ بِهِ؛﴾ بذلك المطر، ﴿مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٤٨)؛يفرحون بالمطر، ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ؛﴾ المطر ﴿مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ (٤٩)؛أي يائسين من ذلك، كرّره للتأكيد (١)، والمبلس هو الآيس القانط.

стр. 2119

قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها،﴾ الخطاب للنبيّ ﷺ وغيره. وآثار الرحمة هي أنواع النّبات الذي ينبت من المطر من بين أخضر وأحمر وغير ذلك من الألوان. وقوله ﴿(كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها)﴾،كيف يجعل الأرض مخضرّة بعد يبسها، ﴿إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى،﴾ أي الذي فعل ذلك هو الذي يحيي الموتى للنّشور، فإنه كما يعيد الشجر الذي ظهر يبسه، ويعيد فيه الخضرة والنور والثمرة، كذلك يحيي الموتى، ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥٠)؛من الموت والبعث قدير. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا،﴾ ولئن أرسلنا ريحا حارّة أو باردة فأيبست زروعهم، ورأوا الزرع مصفرّا بعد خضرته، ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ (٥١)،لصاروا بعد اصفرار النّبت يجحدون ما سلف من النعمة، يعني أنّهم يفرحون عند الخصب، وإذا استبطئوا الخصب والرزق جزعوا فكفروا بالنّعم. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى؛﴾ يعني الكفار لا يسمع، والأعمال الذي لا يبصرون، ولذلك قال: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ؛﴾ أي لا تقدر أن تجبرهم على الهدى، وإنّما بعثت داعيا ومبلّغا. قوله تعالى: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا؛﴾ أي إلاّ من يصدّق بكتابنا، ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٥٣)؛أي هم الذين يستبدلون به فهم مخلصون منقادون لأمر الله. قوله تعالى: ﴿*اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ؛﴾ أي من نطفة ضعيفة في بطون الأمّهات، ثم أطفالا لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرّا، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً،﴾ ثم جعلكم أقوياء بما أعطاكم من العقل والاستطاعة والهداية والتصرّف في اختلاف المنافع ودفع المضارّ، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ؛﴾ قوّة الشّباب، ﴿ضَعْفاً؛﴾ عند الكبر والهرم، ﴿وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ؛﴾ من ضعف وقوة وشيبة وشباب، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (٥٤)؛أي العليم بخلقه القادر على تحويلهم من حال إلى حال.

стр. 2120

قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ؛﴾ أي تقوم السّاعة، يحلف المشركون ما لبثوا في القبور غير ساعة واحدة. وقيل: ما لبثوا في الدّنيا غير ساعة يستقلّون في جنب أيّام الآخرة، ﴿كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ (٥٥)؛أي هكذا كانوا يكذبون في الدّنيا بجهلهم وغفلتهم كما كذبوا في الآخرة. قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ؛﴾ أراد بالذين أوتوا العلم: الملائكة والأنبياء والمؤمنون، يقولون للكفّار بعد ما أقسموا: لقد لبثتم فيما كتب الله لكم من اللّبث إلى يوم البعث، وقيل: في حكم الله، وقيل: فيه تقديم وتأخير؛ تقديره: وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله، وهم الذين يعلمون كتاب الله. وقوله: ﴿فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ؛﴾ أي يوم الذي كنتم تنكرونه في الدّنيا، وتكذّبون به، ﴿وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٥٦)؛وقوعه في الدّنيا فلا ينفعكم العلم به الآن. قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ؛﴾ أي اعتذارهم من الذّنوب إن اعتذروا، ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (٥٧)؛أي لا يجابون إلى ما يطلبون من الرّجعة إلى الدّنيا، فإنّهم يقولون: ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً﴾ (١).قال ابن عبّاس ﵄: (لا يقبل من الّذين أشركوا عذر ولا عتاب ولا توبة في ذلك اليوم). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ؛﴾ أي بيّنّا لهم في القرآن من كلّ صفة، ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ؛﴾ مثل العصا واليد وبكلّ حجّة، ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ (٥٨)؛أي ما أنتم إلاّ على الباطل يا محمّد وأصحابك!.

стр. 2121

قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥٩)؛ أي يختم على قلوب الذين لا يعلمون توحيد الله، فكلّ من لا يعلم توحيد الله فذلك لأجل ما طبع الله على قلبه. قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ؛﴾ أي اصبر يا محمّد على تبليغ الرّسالة والوحي، وعلى ما يلحقك من أذيّة الكفّار، فإنّ ما وعد الله من النّصر وإظهار دين الإسلام صدق كائن يأتيك في حينه. والمعنى: ﴿(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ)﴾ بنصر دينك وإظهارك على عدوّك حقّ فلا يحملنّك تكذيب الكفار الذين لا يستيقنون بأمر الله على الحقّ، وكن حليما صبورا. وقوله: ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (٦٠)،لا تعجل بالدّعاء عليهم فيما يستعجلون من العذاب لقولهم: ﴿اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ﴾ (١)،و ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ (٢)،و ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾ (٣).ومعنى الآية: (ولا يستخفن) رأيك وحلمك يا محمّد ﴿(الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ)﴾؛بالبعث والحساب. آخر تفسير سورة (الروم) والحمد لله رب العالمين

стр. 2122

سورة لقمان سورة لقمان مكّيّة ألفان ومائة وعشرة أحرف، وخمسمائة وثمان وأربعون كلمة، وأربع وثلاثون آية. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥)؛أي هذه السورة آيات الكتاب الحكيم الذي وعدك الله أن ينزله عليك. وانتصب ﴿(هُدىً وَرَحْمَةً)﴾ على الحال. وقرأ حمزة بالرفع على الابتداء، وقيل: على إضمار هو. قال ابن عبّاس ﵄: (معنى الآية: هدى من الضّلالة ورحمة من العذاب للموحّدين من أمّة محمّد ﷺ وما بعد هذا قد تقدّم تفسيره. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛﴾ نزلت هذه الآية وما بعدها في النّضر بن الحارث (١)،كان اشترى كتبا فيها أخبار الأعاجم، ويحدّث بها أهل مكّة، ويتملّق بها في المجالس، ويقول: إنّ محمّدا يحدّثكم أحاديث عاد وثمود، وأنا أحدّثكم أحاديث فارس والروم، وأقرأ عليكم كما محمّد يقرأ عليكم أساطير الأوّلين، هو يأتيكم بكتاب فيه قصص الأمم الماضية، وأنا أتيت بمثله! وكانوا يستملحون حديثه، وكان إذا سمع شيئا من القرآن يهزأ به ويعرض

стр. 2123

عنه. فذلك قوله: ﴿وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٦)؛أي ليصرف الناس عن دين الله بلا علم، ومن قرأ «(ليضلّ)» بفتح الياء، فمعناه: ليتشاغل بما يلهيه، وليصير أمره إلى الضّلال والباطل. ومعنى قوله تعالى ﴿(لَهْوَ الْحَدِيثِ)﴾ أي باطل الحديث، هذا قول الكلبيّ ومقاتل، وقيل: المراد بلهو الحديث الغناء، وعن النّبيّ ﷺ أنه قال: [لا يحلّ تعليم المغنّيات ولا بيعهنّ ولا شراؤهنّ، وثمنهنّ حرام، والّذي نفس محمّد بيده؛ ما رفع رجل قطّ عقيرته يتغنّى إلاّ ارتدفه شيطانان يضربان بأرجلهما على ظهره وصدره حتّى يسكت] (١)،وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وابن مسعود، قالوا: (هو والله الغناء، واشتراء المغنّية والمغنّي بالمال). وقال ﷺ : [من ملأ مسامعه من غناء لم يؤذن له أن يسمع أصوات الرّوحانيّين يوم القيامة] قيل: وما الرّوحانيّون يا رسول الله؟ قال: [أهل الجنّة] (٢)، وعن إبراهيم النخعيّ أنه قال: (الغناء ينبت النّفاق في القلب) (٣) وقال مكحول: (من اشترى جارية ضرّابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيما عليه حتّى يموت لم أصل عليه) (٤). قوله تعالى: ﴿(بِغَيْرِ عِلْمٍ)﴾ أي أنه جاهل فيما يفعل، لا يفعله عن علم، ﴿(وَيَتَّخِذَها هُزُواً)﴾ بالرفع عطفا على ﴿(مَنْ يَشْتَرِي)﴾،وبالنصب عطفا على ﴿(لِيُضِلَّ)﴾،

стр. 2124

والكتابة المذكورة تعود إمّا إلى الآيات المذكورة في أوّل السورة، وإما الى ﴿(سَبِيلِ اللهِ)﴾، والسبيل يؤنّث لقوله ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِراً؛﴾ أي أعرض عن قبولها متعظّما عن الإيمان بها، ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً؛﴾ أي ثقلا يمنعه عن السّماع، ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٧)؛ وجيع في الدّنيا قبل أن يصل إلى الآخرة، وهو ما روي: (أنّه أخذ أسيرا يوم بدر فقتل صبرا). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٩)؛ظاهر المعنى. وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ؛﴾ أي جبالا ثم أرسيت أوتاد لها لئلاّ تميد بأهلها، ﴿وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ؛﴾ أي فرّق الدوابّ الكثيرة في الأرض، ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً؛﴾ يعني المطر، ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (١٠)؛أي من كلّ نوع حسن. وقوله تعالى: ﴿هذا خَلْقُ اللهِ؛﴾ أي هذا الذي ذكرت لكم مما تعاينون خلق الله، ﴿فَأَرُونِي؛﴾ أيّها الكفار، ﴿ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ؛﴾ أيّ شيء خلقه الذي تعبدون من دونه، فلم تجدوا شيئا يشيرون إليه من خلق غيره، ولم يقدروا على جواب هذا الكلام، فقيل: ﴿بَلِ الظّالِمُونَ؛﴾ أي الكافرون، ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١١). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ؛﴾ يعني العقل والعلم والعمل به، والإصابة في الأمور. واتّفق العلماء على أن لقمان حكيما (٢)،ولم يكن نبيّا إلاّ عكرمة

стр. 2125

وحده فإنه قال: (كان لقمان نبيّا) (١)،وقال بعضهم: خيّر لقمان بين النبوّة والحكمة فاختار الحكمة! (٢) وعن ابن عمر ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [حقّا أقوله: لم يكن لقمان نبيّا، ولكن عبدا صمصامة، كثير التّفكّر، حسن اليقين، أحبّ الله فأحبّه، فمنّ عليه بالحكمة] (٣).وروي أنه كان تتلمذ لألف نبيّ ﵈. واختلفوا في حرفته، فقال الأكثرون: كان نجّارا، ويقال: كان خيّاطا، ويقال: كان راعيا، ويروى: كان عبدا حبشيّا غليظ الشّفتين مشقوق الرّجلين. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (مرّ رجل بلقمان والنّاس مجتمعون حوله وهو يعظهم، فقال: ألست العبد الأسود الّذي كنت ترعى الغنم؟! قال: بلى، قال: فما بلغ بك إلى ما أرى؟ قال: صدق الحديث؛ وأداء الأمانة؛ وترك ما لا يعنيني) (٤). وعن أنس: (أنّ لقمان كان عبد داود ﵇ وهو يسرد درعا، فجعل لقمان يتعجّب ممّا يرى، ويريد أن يسأله فمنعته حكمته من السّؤال، فلمّا فرغ منها، جعلها عليه وقال: نعم درع الحرب هذا ونعم حامله، فقال لقمان: الصّمت حكمة وقليل فاعله) (٥).

стр. 2126

وقال عكرمة: (كان لقمان من أهون مماليك سيّده، فبعث مولاه مع عبيد له إلى بستان لمولاهم يأتونه من ثمره، فجاءوا وليس معهم شيء، وقد أكلوا الثّمرة، وأحالوا على لقمان بذلك! فقال لقمان لمولاه: إنّ ذا الوجهين لا يكون عند الله أمينا، فاسقني وإيّاهم ماء حميما، فسقاهم فجعلوا يتقيّئون الفاكهة، وجعل لقمان يتقيّأ ماء بحتا، فعرف صدقه وكذبهم). قال: (وأوّل ما روي من حكمته أنّه جاء مع مولاه فدخل المخدع، فأطال الجلوس فيه، فناداه لقمان: إنّ طول الجلوس على الحاجة يتجمّع منه الكدر، ويورث الباسور، وتصعد الحرارة إلى الرّأس، فاجلس هوينا وقم هوينا، قال: فخرج وكتب حكمته على باب الحشّ (١)). ومعنى الآية ﴿(وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ)﴾ علم التوحيد والمواعظ والفقه والعقل والإصابة في القول، وألهمناه أن يشكر الله على ما أعطاه من الحكمة. ومعنى قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ؛﴾ أي قلنا له: اشكر الله فيما أعطاك من الحكمة، ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ؛﴾ أي من يشكر نعم الله فإن منفعة شكره راجعة إلى نفسه، ﴿وَمَنْ كَفَرَ؛﴾ فلم يوحّد، ﴿فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ؛﴾ عن شكره، ﴿حَمِيدٌ﴾ (١٢)؛يحمده الشاكر ويثبته على شكره. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ؛﴾ أي واذكر: إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ؛﴾ أحدا في العبادة، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١٣)؛عند الله؛ أي ليس من الذّنوب شيء أعظم من الشّرك بالله؛ لأنّ الله تعالى هو الحيّ المميت الخالق الرازق، فإذا أشركت به أحدا غيره فقد جعلت النعمة لغير ربها، وذلك من أعظم الظّلم. قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ؛﴾ نزل في سعد بن أبي وقّاص؛ لمّا آمن بالنّبيّ ﷺ حلفت أمّه لا تذوق طعاما ولا شرابا ولا يظلّها شيء حتّى يرجع سعد

стр. 2127

إلى دينه، فمضت على هذا أيّاما، فبلغ من أمرها إلى أن تداخل بعض أسنانها في بعض، فأنزل الله هذه الآية، فقال سعد: (لو كان لها سبعون نفسا فخرجت ما ارتددت عن الإسلام) ففتح فاها وصبّ فيه الطّعام والشّراب (١).ومعنى ﴿(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ)﴾ أي أمرناه ببرّ والديه عطفا عليهما. وقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ؛﴾ أي ضعفا على ضعف، ومشقّة على مشقة، كلّما ازداد الولد في الرّحم كبر، ازدادت الأمّ ضعفا. قوله تعالى: ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ؛﴾ أي وفطامه في انقضاء عامين، وقدّره بعامين بناء على الأغلب، ولأنّ الرّضاع لا يستحقّ بعد هذه المدّة. والفصال هو الفطام، وهو أن يفصل الولد عن الأمّ كي لا يرضع. والمعنى بهذا ذكر مشقّة الوالدة بإرضاع الولد عامين. وروي عن يعقوب: «(وفصله في عامين)» بغير ألف (٢). قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ؛﴾ أي قلنا له اشكر لي على خلقي إياك، وعلى إنعامي عليك، واشكر لوالديك على تربيتهما إياك. وقال مقاتل: (اشكر لي إذ هديتك للإسلام، ولوالديك بما أولياك من النّعم) (٣). قوله تعالى: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (١٤)؛أي مصيرك ومصير والديك، وعن سفيان بن عيينة في قوله: ﴿(أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ)﴾ قال: (من صلّى الصّلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين في إدبار الصّلوات فقد شكر للوالدين) (٤).

стр. 2128

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما؛﴾ أي أجهدا عليك لتشرك بي جهلا بغير علم فلا تطعهما، فإنّ حقّهما وإن عظم فليس بأعظم من حقّي. وقوله تعالى: ﴿وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً؛﴾ قال ﷺ : [حسن المصاحبة أن تطعمهما إذا جاعا، وتكسوهما إذا عريا، وعاشرهما عشرة جميلة] (١). ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ؛﴾ أي واتّبع طريق من رجع إليّ؛ أي من سلك طريق محمّد ﷺ وأصحابه. والمعنى: واتّبع دين من أقبل إلى طاعتي وهو النبيّ ﷺ . وقال عطاء عن ابن عبّاس ﵃: (يعني أبا بكر الصّدّيق ﵁ أنّه حين أتاه عبد الرّحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص وسعيد بن زيد وعثمان وطلحة والزّبير فقالوا: يا أبا بكر آمنت وصدّقت محمّدا؟ قال: نعم، فأتوا رسول الله ﷺ فآمنوا به وصدّقوا، فأنزل الله تعالى يقول لسعد: ﴿(وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ)﴾ يعني أبا بكر الصّدّيق ﵁ (٢). ويستدلّ من قوله تعالى ﴿(وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً)﴾ على أنّ الابن لا يستحقّ القود على أبيه، ولا يحدّ الأب بقذفة الابن، ولا يحبس الأب بدين الابن، لأن في إيجاب القود والحدّ والحبس له عليه ما ينافي مصاحبتهما. وعن أبي يوسف: (أنّ القاضي يأمر الأب بقضاء دين الابن، فإن تمرّد حبسه لاستخفاف أمره).وقال محمّد بن الحسن: (يحبس الأب في نفقة الابن الصّغير، ولا يحبس بالدّين الّذي له عليه؛ لأنّه لو لم يحبس في نفقة الصّغير لتضرّر الولد). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ؛﴾ أي مرجعكم ومرجع آبائكم، ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٥)؛من الخير والشرّ. وقد تضمّنت هذه

стр. 2129

الآية النّهي عن صحبة الكفّار والفسّاق، والترغيب في صحبة الصالحين لقوله تعالى ﴿(وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ)﴾. قوله تعالى: ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ؛﴾ وذلك أنّ ابن لقمان سأل أباه فقال: أرأيت الحبّة التي تكون في قعر البحار؛ أيعلمها الله؟ فأعلمه أنّ الله يعلم الحبّة أينما كانت. وقيل: إنّ ابن لقمان قال لأبيه: يا أبت! إن عملت بالخطيئة حيث لا يراني أحد، كيف يعلمها الله؟ فقال لقمان لابنه: ﴿(إِنَّها إِنْ تَكُ)﴾ يعني إنّ المعصية إن تك مثقال حبّة من خردل فتكون في صخرة التي تحت الأرضين السّبع أو في السّماوات أو في الأرض يأت بها الله للجزاء عليها (١). ومن قرأ برفع «(مثقال)» فتقديره: أن تقع مثقال حبّة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (١٦)؛أي قادر على الإتيان بها، خبير بموضعها، يوصلها إلى صاحبها حيث كان. واللّطيف: العالم بكلّ دقيق وجليل. ومعنى الآية: أن الله تعالى ضرب هذا مثلا لأعمال العباد، يعني أنه يأتي بأعمالهم يوم القيامة، وإن كان العمل الصالح في الصّغر بوزن حبّة من خردل، فالله تعالى يحفظه ولا يخفى عليه مكانه حتى يجازيه عليه، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ؛﴾ أي أقم الصّلاة التي افترضها الله عليك، وأمر بالطاعة وانه عن المعصية، ﴿وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ؛﴾ من الأذيّة في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١٧)؛أي الصّبر على ما أصابك في ذات الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عظام الأمور. وقيل: من حقّ الأمور التي أمر الله بها.

стр. 2130

قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ؛﴾ قرأ نافع وأبو عمرو (١) وحمزة والكسائي وخلف «(تصاعر)» بالألف، وقرأ الباقون ﴿(تُصَعِّرْ)﴾ بغير ألف. قال ابن عبّاس: (معناه: لا تتكبّر فتحقرك النّاس، ولا تعرض عنهم بوجهك إذا كلّموك)، يقال: صعّر خدّك وصاعر، إذا مال وأعرض تكبّرا. والمعنى: لا تتعظّم على خلق الله، ولا تعرض عن الناس تكبّرا عليهم، بل يكون الفقير والغنيّ عندك سواء، ولا تعبس في وجه أحد من الناس. قوله تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً؛﴾ أي ولا تمش في الأرض بالإعجاب والبطر وازدراء الناس، قال الحسن: (أنّى لابن آدم الكبر وقد خرج من مخرج البول مرّتين؟!). وروي: أنّ المهلّب بن أبي صفرة مرّ على مطرف بن عبد الله (٢) وهو يتبختر في جبّة خزّ، فقال: (هذه مشية يبغضها الله ورسوله) فقال له المهلّب: ما تعرفني؟! قال: (بلى؛ أعرفك، أوّلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وتحمل بين العذرة) فمضى المهلّب وترك مشيته تلك. وروي: أنّ عبد الله بن محمّد (٣) بن واسع خرج يوما يتمشّى، فقال محمّد بن واسع: (من هذا؟!) قالوا: هذا ولدك عبد الله، قال: ادعوه، فجاءوا به إليه، فقال له: (يا

стр. 2131

بنيّ! أتدري بكم اشتريت أمّك؟ اشتريتها بثلاثمائة درهم، وأبوك لا كثّر الله من مثله في النّاس، أتمشي هذه المشية؟!) (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ (١٨)؛الاختيال: هو التّبختر في المشي، والفخور: هو المتطاول بذكر المناقب على السّامع والافتخار عليه، وذلك مذموم لأن المستحقّ على نعم الله شكرا لا الفخر. قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ؛﴾ أي تواضع (٢) ولا تتبختر، وليكن مشيك قصدا لا تبخترا ولا إسراعا. قال ﷺ : [سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن] (٣) يقال: قصد فلان في مشيته إذا مشى مستويا، وقال مقاتل: (لا تختل في مشيتك)، وقال عطاء: (قوله تعالى ﴿(وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ)﴾ أي امش بالوقار والسّكينة) كقوله تعالى: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ (٤)،والمعنى: اقصد في المشي، لا تعجل ولا تمش بالهوينا. قوله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ؛﴾ أي اخفض صوتك ولا ترفعه على وجه انتهار النّاس وإظهار الاستخفاف بهم، وقال عطاء: (معناه: اغضض من صوتك إذا دعوت وناجيت ربّك)،وكذلك وصيّة الله تعالى في الإنجيل لعيسى ﵇: مر عبادي يخفضوا أصواتهم إذا دعوني، فإنّي أسمع وأعلم ما في قلوبهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (١٩)؛أي أقبح الأصوات صوت الحمير؛ لأن أوّله زفير وآخره شهيق. قال ابن زيد: (لو كان في رفع الصّوت خيرا ما جعله الله للحمير) (٥)،وعن أمّ سعد قالت: قال رسول الله ﷺ : [إنّ

стр. 2132

الله تعالى يبغض ثلاثة أصوات: نهيق الحمار، ونباح الكلب، والدّاعية بالويل والحرب].وقال سفيان: (صياح كلّ شيء تسبيحه الله إلاّ الحمار فإنّه ينهق بلا فائدة) (١). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي ألم تروا أنّ الله خلق وذلّل لمنافعكم ولمصالحكم ما في السّماوات من الشّمس والقمر والنجوم والسّحاب والمطر، وفي الأرض من الأشجار والأنهار والبحار والدّواب. قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً؛﴾ أي أتمّ عليكم ووسّع لكم نعمه ﴿(ظاهِرَةً)﴾ من الخلق الحسن وسلامة الأعضاء الظاهرة، ﴿(وَباطِنَةً)﴾ من العقل والفهم والفطنة والمعرفة بالله. وقيل: النعمة الظاهرة هي الإسلام، والباطنة ما يخفى من الذّنوب ويستر من العورات (٢).وقيل: الظاهرة ما يعلم الناس من حسناتك، والباطنة ما لا يعلمون من السّيئات. وقال الضحّاك: (الظّاهرة: حسن الصّورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء، والباطنة المعرفة).وقيل: الظاهرة الإسلام وما أفضل عليك من الرّزق، والباطنة ما ستر من سوء عملك. وقيل: الظاهرة نعم الدّنيا، والباطنة نعم العقبى (٣).وقيل: الظاهرة تسوية الظواهر، والباطنة تصفية السرائر. وقيل: الظاهرة الرّزق الذي يكتسب، والباطنة الرزق من حيث لا تحتسب. وقيل: الظاهرة المدخل للغداء، والباطنة المخرج للأذى.

стр. 2133

وقيل: الظاهرة نعمة عليك بعد ما خرجت من بطن أمّك، والباطنة نعمة عليك وأنت في بطن أمّك. وقيل: الظاهرة ألوان العطايا، والباطنة غفران الخطايا. وقيل: الظاهرة المال والأولاد، والباطنة الهدى والإرشاد. وقيل: الظاهرة التوفيق للعبادات، والباطنة الإخلاص من المراءات. وقيل: الظاهرة ما أعطى من النّعماء، والباطنة ما زوى من أنواع البلاء. وقيل: الظاهرة إنزال القطر والأمطار، والباطنة إحياء الأقطار والأنصار. وقيل: الظاهرة ذكر اللسان، والباطنة ذكر الجنان. وقيل: الظاهرة ضياء النّهار، والباطنة ظلمة الليل للسّكون والقرار. ومن قرأ «(نعمة)» على التوحيد فهي واحدة تبنى على الجميع، كما في قوله ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛﴾ يعني النّضر بن الحارث يخاصم في آيات الله وفي صفاته جهلا بغير علم ولا حجّة، ﴿وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ (٢٠)؛وقد تقدّم تفسيره في سورة الحجّ. قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ؛﴾ أي اعملوا بما أنزل الله، ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا،﴾ قالوا بل نعمل بما وجدنا عليه آباءنا، وقد تقدّم تفسير ذلك في سورة البقرة. قوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (٢١)؛فيتّبعونه. قوله تعالى: ﴿*وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى؛﴾ أي من يخلص طاعته لله وهو محسن فيها فيفعلها على موجب الشّريعة فقد أخذ بالأمر الأوثق، ﴿وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ؛﴾ ترجع خواتم ﴿الْأُمُورِ﴾ (٢٢)؛كلّها، فيجزي كلّ عامل بما عمل. قرأ السّلميّ: «(ومن يسلّم)» بالتّشديد. ومعنى قوله تعالى ﴿(فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى)﴾ أي اعتصم بالطّرف الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه. قال ابن عبّاس رضي الله

стр. 2134

عنهما: (هو لا إله إلاّ الله) (١). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ؛﴾ وذلك أنّ النبيّ ﷺ كان يحزنه كفرهم مخافة أن يكون ذلك لتقصير من جهته، فأمّنه الله من ذلك. والمعنى: من كفر فلا تهتمّ لكفره، فإنّ رجوعهم إلينا وحسابهم علينا، وهو قوله تعالى: ﴿إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا؛﴾ أي نخبرهم بقبائح أعمالهم في الدّنيا، ونجزيهم عليها، ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢٣)؛أي عليم بما في القلوب من خير وشرّ. قوله تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً؛﴾ أي نمهلهم في الدّنيا يسيرا، ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ (٢٤)؛أي ثمّ نجلّيهم في الآخرة إلى عذاب شديد. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٢٦)؛قد تقدّم تفسيره. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ؛﴾ قال ابن عبّاس ﵄: (وذلك أنّ رسول الله ﷺ لمّا قدم مكّة، أتته أخبار اليهود فقالوا: بلغنا أنّك قلت: ﴿(وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً)﴾ أعنيتنا أم عنيت قومك؟ فقال: [بل عنيت الجميع] فقالوا: ألم تعلم أنّ الله أنزل التّوراة على موسى وفيها أنباء كلّ شيء وقد خلّفها (٢) فينا فهي معنا؟ فقال ﷺ : [التّوراة وما فيها من الأنباء قليل في علم الله] فأنزل الله هذه الآية) (٣). والمعنى: لو جعل ما في الدّنيا من الأشجار أقلاما يكتب بها، وصارت الجنّ والإنس كتّابا، والبحار مدادا يمدّها من بعدها سبعة أبحر؛ أي سبعة أمثال بحر الدّنيا،

стр. 2135

وكتب بها كلمات الله وحكمه، لانكسرت الأقلام، وأعيت الإنس والجنّ، وفنيت البحار قبل أن ينقطع كلام الله وحكمه، ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٧)؛أي عزيز في سلطانه ذو حكمة في قوله وأفعاله. وذهب بعضهم إلى أنّ معنى ﴿(كَلِماتُ اللهِ)﴾ تعالى في هذه الآية: معاني القرآن وفوائده، وقال بعضهم: وهي نعم الله في الدّنيا والآخرة، وإن نعمه في الآخرة غير متناهية. قوله تعالى: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ؛﴾ قال مقاتل: (قالت كفّار قريش: إنّ الله خلقنا أطوارا نطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة ثمّ لحما، فكيف يبعثنا خلقا جديدا في ساعة واحدة؟ فأنزل الله تعالى ﴿(ما خَلْقُكُمْ)﴾ «أيها الناس على الله سبحانه» (١) في القدرة إلاّ كخلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة، ﴿(وَلا بَعْثُكُمْ)﴾ في قدرة الله على بعث الخلق كلّهم ﴿(إِلاّ)﴾ كقدرته على بعث نفس واحدة، ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ؛﴾ لما قالوا من أمر الخلق والبعث، ﴿بَصِيرٌ﴾ (٢٨)؛به (٢). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ؛﴾ أي ألم تعلم أنّ الله يزيد من ساعات اللّيل في ساعات النهار صيفا، ويزيد في ساعات النّهار في ساعات الليل شتاء، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى؛﴾ أي ذلّلهما لمنافع بني آدم يجريان إلى يوم القيامة، ثم يسقطان، وينقطع جريهما، ﴿وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢٩)؛أي خبير بأعمالكم في الدّنيا ويجازيكم عليها. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ؛﴾ أو لتعلموا أنّ عبادة الله حقّ، ﴿وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ؛﴾ من عباده، ﴿الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ؛﴾ بصفاته، ﴿الْكَبِيرُ﴾ (٣٠)؛الذي لا شيء مثله في كبريائه وعظمته.

стр. 2136

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ؛﴾ أي ألم تعلم أنّ السّفن تجري في البحر بإنعام الله تعالى، لو لم يخلق الرّياح والماء على الهيئة التي خلقها الله عليها لما جرت السّفن على ظهر الماء، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ؛﴾ أي لدلالات على توحيد الله، ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ (٣١)؛أي كثير الصّبر على الطاعات والمحن، شكورا أي كثير الشّكر على نعم الله تعالى، قال ﷺ : [إنّ أحبّ العباد إلى الله من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر] (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ؛﴾ أي إذا أصابهم في البحر موج كالجبال في الارتفاع دعوا الله مخلصين له الدّعاء، ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ؛﴾ من البحر وأهواله، ﴿إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ؛﴾ أي منهم من يثبت على ذلك، ومنهم من يجحد. ثم قال: ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا؛﴾ أي لا ينكر دلائل توحيدنا، ﴿إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ؛﴾ أي غدّار، ﴿كَفُورٍ﴾ (٣٢)؛أي أكثر الكفر بآيات الله ونعمه. والختر في اللّغة: أقبح الغدر. والظّلل: جمع ظلّة وهي السّحابة التي ترتفع فتغطّي ما تحتها. وإنّ هذه الآية كانت سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل، وذلك أنّه لمّا كان يوم فتح مكّة، أمّن النّبيّ ﷺ النّاس إلاّ أربعة نفر، فإنّه قال: [اقتلوهم، ولو وجدتموهم متعلّقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن الأخطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح] (٢). فأمّا عكرمة فركب في البحر، فأصابهم ريح عاصف، فقال أهل السّفينة: أخلصوا فإنّ آلهتكم لم تغن عنكم شيئا هاهنا، فقال عكرمة: (لئن لم ينجّني في البحر إلاّ الإخلاص ما ينجيني في البرّ غيره) ثمّ قال: (اللهمّ إنّ لك عهدا إن أنت عافيتني ممّا أنا فيه أن آتي محمّدا حتّى أضع يدي في يده) فجاء فأسلم (٣).

стр. 2137

قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ؛﴾ أي اتّقوا مخافة ربكم، واخشوا عذاب يوم لا يغني والد عن ولده، ﴿وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً؛﴾ لاشتغال كلّ منهم لنفسه. وقيل: معنى ﴿(لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ)﴾ أي لا يحمل شيئا من سيّئاته ولا يعطيه شيئا من طاعته، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ؛﴾ في البعث والجزاء أي صدق كائن، ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا؛﴾ فلا تغترّوا بالحياة الدّنيا وما فيها من زينتها وزهرتها، ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ (٣٣)؛الشّيطان، فإنه هو الغرور، وهو الذي من يشاء أن يغرّ، وغرور الشّيطان تمنيته العبد: فإنّ الله تعالى غفور، فهوّن عليه ركوب المعاصي وما يهواه. ومن قرأ «(الغرور)» بضمّ الغين فهي مصدر، ومعناه: الأباطيل. وعن سعيد بن جبير: (إنّ الغرور تمنّي المغفرة مع الإصرار على المعصية) (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ؛﴾ نزلت هذه الآية في البراء بن مالك، أتى رسول الله ﷺ فقال: إنّ أرضنا أجدبت، فمتى الغيث؟ وقد تركت امرأتي حبلى، فماذا تلد؟ وقد علمت بأيّ أرض ولدت-أي علمت أين ولدت-فبأيّ أرض أموت، وقد علمت ما عملت اليوم، فما أعمل غدا؟ ومتى السّاعة؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال ﷺ : [مفاتيح الغيب خمسة لا يعلمهنّ إلاّ الله، لا يعلم متى تقوم السّاعة إلاّ الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلاّ الله، ولا يعلم ما كسبه في غد إلاّ الله، ولا تعلم نفس بأيّ أرض تموت إلاّ الله، ولا يعلم متى ينزل الغيث إلاّ الله] (٢).

стр. 2138

يقال: إنّ هذه الخمسة الأشياء التي ذكرها الله في هذه الآية هي مفاتيح الغيب لا يعلمها إلاّ الله، استأثر الله بهنّ، فلم يطلع عليهنّ ملكا مقرّبا ولا نبيّا مرسلا. ومعنى الآية: ﴿(إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ)﴾ قيام ﴿(السّاعَةِ)﴾،فلا يدري أحد سواه متى تقوم، في أيّ سنة أو في أيّ شهر، ليلا أو نهارا. وقوله ﴿(وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ)﴾ معناه: هو المختصّ بإنزال الغيث، وهو العالم بوقت إنزاله، (ويعلم ما في الأرض) أي لا يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم أنثى، أحمر أم أسود، وإنّما يعلمه الله نطفة وعلقة ومضغة، وذكرا أم أنثى، وشقيّا وسعيدا، ومتى ينفصل عن أمّه. وقوله تعالى ﴿(وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً)﴾ يعني: ماذا تكسب من الخير والشرّ، أي ما تدري نفس ماذا تكسب غدا خيرا أو شرّا، ﴿(وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ)﴾ أي في برّ أو بحر أو سهل أو جبل. قال ابن عبّاس: (هذه الخمسة لا يعلمها ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل مصطفى، فمن ادّعى أنّه يعلم شيئا من هذه فقد كفر بالقرآن لأنّه خالفه) (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣٤)؛أي عليم بخلقه، خبير بأعمالهم وبما يصيبهم في مستقبل عمرهم. وروي أن يهوديا كان في المدينة يحسب حساب النجوم، فقال اليهوديّ لابن عباس: إن شئت أنبأتك عن ولدك وعن نفسك، إنك ترجع الى منزلك فتلقى ابنا لك محموما، ولا يمكث عشرة أيام حتى يموت الولد، وأنت لا تخرج من الدنيا حتى تعمى، فقال ابن عباس: وأنت يا يهودي، قال: لا يحول عليّ الحول حتى أموت؟ قال: فأين

стр. 2139

موتك يا يهودي؟ قال ما أدري، قال ابن عباس: صدق الله ﴿(وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ)﴾ قال فرجع ابن عباس فلقي ابنا له محموما، فلما بلغ عشرا مات الصبي، ويقال عن اليهودي «أنه مات قبل الحول» (١)،وما خرج ابن عباس من الدنيا حتى كفّ بصره (٢). آخر تفسير سورة (لقمان) والحمد لله رب العالمين

стр. 2140

سورة الجرز سورة الجرز؛ يعني السّجدة؛ مكّيّة، وهي ألف وخمسمائة وثمانية عشر حرفا، وثلاثمائة وثمانون كلمة، وثلاثون آية. قال رسول الله ﷺ : [من قرأها أعطي من الأجر كأنّما أحيا ليلة القدر] (١). وكان ﷺ لا ينام حتّى يقرأها وسورة تبارك. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٢)؛ أي الم هو تنزيل الكتاب، لا شكّ فيه أنه تنزّل من رب العالمين، ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ؛﴾ معناه: يقول أهل مكّة: اختلقه محمّد من تلقاء نفسه، وليس كما يقولون، ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً؛﴾ أي لتخوّف بالقرآن قوما؛ ﴿ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ؛﴾ لم يشاهدوا قبلك في زمانهم الذي هم فيه رسولا مخوّفا؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٣)؛أي لكي يهتدوا إلى الإيمان. قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ؛﴾ أي في مقدار ستّة أيام من أيام الدنيا، أوّلها يوم الأحد، ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ؛﴾ أي استولى عليه، وقد تقدّم في ذلك في سورة الأعراف. قوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ؛﴾ أي قريب ينفعكم، ﴿وَلا شَفِيعٍ؛﴾ يشفع لكم، ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (٤)؛أي أفلا تعتبرون. قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ؛﴾ أي يدبر الله أمر الدنيا مدّة أيامها، فينزل القضاء والقدر من السّماء إلى الأرض. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ﴾
следующие страницы →