قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ؛﴾ أي ألم تعلم أنّ السّفن تجري في البحر بإنعام الله تعالى، لو لم يخلق الرّياح والماء على الهيئة التي خلقها الله عليها لما جرت السّفن على ظهر الماء، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ؛﴾ أي لدلالات على توحيد الله، ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ (٣١)؛أي كثير الصّبر على الطاعات والمحن، شكورا أي كثير الشّكر على نعم الله تعالى، قال ﷺ : [إنّ أحبّ العباد إلى الله من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر] (١).
قوله تعالى: ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ؛﴾ أي إذا أصابهم في البحر موج كالجبال في الارتفاع دعوا الله مخلصين له الدّعاء، ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ؛﴾ من البحر وأهواله، ﴿إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ؛﴾ أي منهم من يثبت على ذلك، ومنهم من يجحد. ثم قال: ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا؛﴾ أي لا ينكر دلائل توحيدنا، ﴿إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ؛﴾ أي غدّار، ﴿كَفُورٍ﴾ (٣٢)؛أي أكثر الكفر بآيات الله ونعمه. والختر في اللّغة: أقبح الغدر. والظّلل: جمع ظلّة وهي السّحابة التي ترتفع فتغطّي ما تحتها.
وإنّ هذه الآية كانت سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل، وذلك أنّه لمّا كان يوم فتح مكّة، أمّن النّبيّ ﷺ النّاس إلاّ أربعة نفر، فإنّه قال: [اقتلوهم، ولو وجدتموهم متعلّقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن الأخطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح] (٢).
فأمّا عكرمة فركب في البحر، فأصابهم ريح عاصف، فقال أهل السّفينة:
أخلصوا فإنّ آلهتكم لم تغن عنكم شيئا هاهنا، فقال عكرمة: (لئن لم ينجّني في البحر إلاّ الإخلاص ما ينجيني في البرّ غيره) ثمّ قال: (اللهمّ إنّ لك عهدا إن أنت عافيتني ممّا أنا فيه أن آتي محمّدا حتّى أضع يدي في يده) فجاء فأسلم (٣).
стр. 2137
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ؛﴾ أي اتّقوا مخافة ربكم، واخشوا عذاب يوم لا يغني والد عن ولده، ﴿وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً؛﴾ لاشتغال كلّ منهم لنفسه.
وقيل: معنى ﴿(لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ)﴾ أي لا يحمل شيئا من سيّئاته ولا يعطيه شيئا من طاعته، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ؛﴾ في البعث والجزاء أي صدق كائن، ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا؛﴾ فلا تغترّوا بالحياة الدّنيا وما فيها من زينتها وزهرتها، ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ (٣٣)؛الشّيطان، فإنه هو الغرور، وهو الذي من يشاء أن يغرّ، وغرور الشّيطان تمنيته العبد: فإنّ الله تعالى غفور، فهوّن عليه ركوب المعاصي وما يهواه.
ومن قرأ «(الغرور)» بضمّ الغين فهي مصدر، ومعناه: الأباطيل. وعن سعيد بن جبير: (إنّ الغرور تمنّي المغفرة مع الإصرار على المعصية) (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ؛﴾ نزلت هذه الآية في البراء بن مالك، أتى رسول الله ﷺ فقال: إنّ أرضنا أجدبت، فمتى الغيث؟ وقد تركت امرأتي حبلى، فماذا تلد؟ وقد علمت بأيّ أرض ولدت-أي علمت أين ولدت-فبأيّ أرض أموت، وقد علمت ما عملت اليوم، فما أعمل غدا؟ ومتى السّاعة؟ فأنزل الله هذه الآية.
وقال ﷺ : [مفاتيح الغيب خمسة لا يعلمهنّ إلاّ الله، لا يعلم متى تقوم السّاعة إلاّ الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلاّ الله، ولا يعلم ما كسبه في غد إلاّ الله، ولا تعلم نفس بأيّ أرض تموت إلاّ الله، ولا يعلم متى ينزل الغيث إلاّ الله] (٢).
стр. 2138
يقال: إنّ هذه الخمسة الأشياء التي ذكرها الله في هذه الآية هي مفاتيح الغيب لا يعلمها إلاّ الله، استأثر الله بهنّ، فلم يطلع عليهنّ ملكا مقرّبا ولا نبيّا مرسلا.
ومعنى الآية: ﴿(إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ)﴾ قيام ﴿(السّاعَةِ)﴾،فلا يدري أحد سواه متى تقوم، في أيّ سنة أو في أيّ شهر، ليلا أو نهارا. وقوله ﴿(وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ)﴾ معناه: هو المختصّ بإنزال الغيث، وهو العالم بوقت إنزاله، (ويعلم ما في الأرض) أي لا يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم أنثى، أحمر أم أسود، وإنّما يعلمه الله نطفة وعلقة ومضغة، وذكرا أم أنثى، وشقيّا وسعيدا، ومتى ينفصل عن أمّه.
وقوله تعالى ﴿(وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً)﴾ يعني: ماذا تكسب من الخير والشرّ، أي ما تدري نفس ماذا تكسب غدا خيرا أو شرّا، ﴿(وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ)﴾ أي في برّ أو بحر أو سهل أو جبل. قال ابن عبّاس: (هذه الخمسة لا يعلمها ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل مصطفى، فمن ادّعى أنّه يعلم شيئا من هذه فقد كفر بالقرآن لأنّه خالفه) (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣٤)؛أي عليم بخلقه، خبير بأعمالهم وبما يصيبهم في مستقبل عمرهم.
وروي أن يهوديا كان في المدينة يحسب حساب النجوم، فقال اليهوديّ لابن عباس: إن شئت أنبأتك عن ولدك وعن نفسك، إنك ترجع الى منزلك فتلقى ابنا لك محموما، ولا يمكث عشرة أيام حتى يموت الولد، وأنت لا تخرج من الدنيا حتى تعمى، فقال ابن عباس: وأنت يا يهودي، قال: لا يحول عليّ الحول حتى أموت؟ قال: فأين
стр. 2139
موتك يا يهودي؟ قال ما أدري، قال ابن عباس: صدق الله ﴿(وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ)﴾ قال فرجع ابن عباس فلقي ابنا له محموما، فلما بلغ عشرا مات الصبي، ويقال عن اليهودي «أنه مات قبل الحول» (١)،وما خرج ابن عباس من الدنيا حتى كفّ بصره (٢).
آخر تفسير سورة (لقمان) والحمد لله رب العالمين
стр. 2140
سورة الجرز
سورة الجرز؛ يعني السّجدة؛ مكّيّة، وهي ألف وخمسمائة وثمانية عشر حرفا، وثلاثمائة وثمانون كلمة، وثلاثون آية.
قال رسول الله ﷺ : [من قرأها أعطي من الأجر كأنّما أحيا ليلة القدر] (١).
وكان ﷺ لا ينام حتّى يقرأها وسورة تبارك.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٢)؛ أي الم هو تنزيل الكتاب، لا شكّ فيه أنه تنزّل من رب العالمين،
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ؛﴾ معناه: يقول أهل مكّة: اختلقه محمّد من تلقاء نفسه، وليس كما يقولون، ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً؛﴾ أي لتخوّف بالقرآن قوما؛ ﴿ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ؛﴾ لم يشاهدوا قبلك في زمانهم الذي هم فيه رسولا مخوّفا؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٣)؛أي لكي يهتدوا إلى الإيمان.
قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ؛﴾ أي في مقدار ستّة أيام من أيام الدنيا، أوّلها يوم الأحد، ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ؛﴾ أي استولى عليه، وقد تقدّم في ذلك في سورة الأعراف. قوله تعالى:
﴿ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ؛﴾ أي قريب ينفعكم، ﴿وَلا شَفِيعٍ؛﴾ يشفع لكم، ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (٤)؛أي أفلا تعتبرون.
قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ؛﴾ أي يدبر الله أمر الدنيا مدّة أيامها، فينزل القضاء والقدر من السّماء إلى الأرض. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ﴾
стр. 2141
﴿يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (٥)؛قال ابن عباس: معناه: يعود إليه الأمر والتّدبير حين ينقطع أمر الأمراء وأحكام الحكّام، وينفرد الله تعالى بالأمر في يوم كان مقداره ألف سنة) يعني أنّ يوما من أيّام الآخرة مثل ألف سنة ممّا تعدّون من أيّام الدّنيا، وأراد بهذا اليوم يوم القيامة.
وقيل: معناه: يقطع الملك من المسافة نازلا وصاعدا في يوم واحد وهو مسيرة ألف عام مما يعدّه أهل الدنيا بمسيرهم، وذلك أنّ بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام لبني آدم، وصعوده من الأرض إلى السماء كذلك؛ والملك يقطعه في يوم واحد.
ولو أراد الله من الملك الصعود والنّزول بدون مقداره (اليوم) لفعله الملك.
وأما قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (١) فإن كان أراد مدّة المسافة من الأرض إلى سدرة (٢) المنتهى التي فيها مقام جبريل، فالمعنى يسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا، فيكون معنى قوله تعالى: ﴿(إِلَيْهِ)﴾ على هذا التأويل؛ أي إلى مكان الملك الذي أمره الله أن يعرج إليه، كقول إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي﴾ (٣) أي حيث أمرني ربي بالذهاب إليه، وهو الشّام. وكذلك قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٤) أي إلى المدينة. ولم يكن الله بالمدينة ولا بالشام.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [أتاني ملك لم ينزل إلى الأرض قبلها قط برسالة من الله ، ثمّ رفع رجله فوضعها فوق السّماء والأخرى في الأرض لم يرفعها] (٥).
стр. 2142
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ؛﴾ أي ذلك الذي صنع ما ذكرناه من خلق السموات والأرض، هو عالم ما غاب عن الخلق وعالم ما خفي، لا يقدر عليه سواه كما لا يعلم الغيب غيره. وقوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٦)؛ أي القادر الذي لا يقاوم، المنيع في ملكه، المنعم على عباده.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ؛﴾ قرأ نافع وأهل الكوفة:
(خلقه) بفتح اللام على الفعل؛ أي أحكم كلّ شيء مما خلقه. وقرأ الباقون: «(خلقه)» بسكون اللام؛ أي أحسن خلق كلّ شيء، فيكون نصب قوله: «(خلقه)» على البدل.
وقال مقاتل: «معناه: الّذي علم كيف يخلق الأشياء من غير أن يعلّمه أحد» (١).
وقال السديّ: «أحسنه: لم يعلّمه من أحد».
قيل: إنّ الله لمّا طوّل رجل البهيمة والطير، طوّل عنقه لئلا يتعذر عليه تناول قوته من الأرض، ولو لم يطوّل عنقه لما نال معيشته.
قوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ﴾ (٧)؛يعني آدم ﵇ كان أول طينا،
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ؛﴾ أي ذرّيته، ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ (٨)؛ أي من قليل من الماء ينسلّ من صلب الرجل وترائب المرأة، وهي النطفة، ووصفها بال ﴿(مَهِينٍ)﴾ لأنه لا خطر له عند الناس. وسميت سلالة لأنّها تنسلّ من الإنسان؛ أي تخرج. والهيّن هو الضعيف.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ؛﴾ رجع إلى ذكر آدم، يعني سوّى خلقه ونفخ فيه من روحه؛ ثم عاد إلى ذريّته فقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ؛﴾ بعد أن كنتم نطفا. والأفئدة هي القلوب، ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ (٩)؛هذه النّعم فتوحّدونه. والمعنى: خلق لكم السمع فاستمعوا إلى الحقّ، والأبصار فأبصروا الحقّ، والأفئدة؛ أي القلوب؛ فاعقلوا الحقّ.
стр. 2143
وقيل: معنى ﴿(ثُمَّ سَوّاهُ)﴾ يعني الماء المهين جمعه وخلقه وصوّره ونفخ فيه من روحه؛ أي نفخ فيه الروح الذي يحيا به الناس. أضاف الله ذلك إلى نفسه لأنه هو الخالق.
قوله تعالى: ﴿وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ؛﴾ أي قال الكفار: ائذا هلكنا وانقطعت أوصالنا وذهبت آثارنا وصرنا ترابا، فلم يتبيّن شيء من خلقنا، أنبعث بعد ذلك؟! هذا لا يكون أبدا. ومعنى الضّلالة في اللغة: الغيبوبة، يقال: ضلّ متاع فلان وضاع، بمعنى واحد.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ (١٠)؛أي ليس كما يقولون أنّهم لا يبعثون، بل هم بلقاء ربهم كافرون.
قوله تعالى: ﴿*قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ؛﴾ أي يقبض أرواحكم أجمعين ملك الموت، ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ؛﴾ قال مجاهد: «حويت له الأرض فجعلت له مثل طست، يتناول منها حيث يشاء» (١).وقال الكلبيّ: «اسم ملك الموت عزرائيل، وله أربعة أجنحة: جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، والخلق بين رجليه ورأسه وجسده، وجعلت له الدّنيا مثل راحة اليد لصاحبها، يأخذ منها ما أمر بقبضه من غير مشقّة ولا عناء، وله أعوان من ملائكة الرّحمة ومن ملائكة العذاب» (٢).
وعن أنس بن مالك قال: [لقي جبريل ملك الموت بنهر فارس، فقال: يا ملك الموت كيف تستطيع قبض الأنفس، هاهنا عشرة آلاف، وهاهنا كذا وكذا؟ قال عزرائيل (٣):تزوى لي الأرض حتّى كأنّها بين فخذيّ فألتقطهم بيديّ].
وقال ﷺ : [إذا حان أجل الرّجل، أتاه ملك فقال: أيّها العبد كم خبر بعد خبر، وكم رسول بعد رسول؟ أنا الخبير ليس بعدي خبير، وأنا الرّسول ليس بعدي
стр. 2144
رسول، أجب ربّك طائعا أو مكروها. فإذا قبضت روحه وتصارخوا عليه، قال: على من تصرخون وعلى من تبكون؟ والله ما ظلمت لكم أجلا ولا أكلت لكم رزقا، بل دعاه ربّه، فليبك الباكي على نفسه، فإنّ لي فيكم عودات وعودات حتّى لا أبقي منكم أحدا] (١).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (١١)؛أي تصيرون إليه أحياء فيجزيكم بأعمالكم.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ؛﴾ يعني كفار مكّة ناكسوا رءوسهم حياء وندما، والمعنى: ولو ترى يا محمّد إذ المجرمون مطرقوا رءوسهم من الخزي وشدة الندم في يوم القيامة عند علمهم بأن الحجّة قد قامت عليهم من كلّ جهة، وأنّهم لا مهرب لهم من العذاب، وذلك هو الغاية في الوجل والخجل، يقولون: ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا؛﴾ أي لك الحجّة علينا لأنا أبصرنا رسلك وسمعنا كلامهم، ﴿فَارْجِعْنا؛﴾ أي ولكن نسألك أن ترجعنا إلى الدّنيا حتى، ﴿نَعْمَلْ صالِحاً إِنّا مُوقِنُونَ﴾ (١٢)؛بك وبكتابك وبرسلك.
وهذه الآية محذوفة الجواب؛ أي لو رأيت يا محمّد، لرأيت غاية ما تعتبر به.
стр. 2145
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها؛﴾ قال الحسن: «أراد به مشيئة القدر من الله تعالى؛ لأنّه لم يعجز عن شيء، ولكنّه لا يجبر العباد على ذلك لكي لا يبطل الثّواب والعقاب».والمعنى: ولو شئنا لآتينا كلّ نفس رشدها وثباتها، ومثل ذلك ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ (١) ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي؛﴾ معناه: ولكن وجب قولي عليهم بالعذاب، ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١٣)؛بكفرهم وذنوبهم.
وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا؛﴾ معناه: يقال لأهل النار إذا دخلوها: ذوقوا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم هذا؛ أي بما تركتم الإيمان بيومكم هذا. وقوله تعالى: ﴿إِنّا نَسِيناكُمْ؛﴾ أي تركناكم في العذاب وأحللناكم محلّ المنسيّ، ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ؛﴾ أي الذي لا ينقطع، ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٤)؛من الكفر والتكذيب.
قوله تعالى: ﴿إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا؛﴾ معناه: إنما يقرّ ويصدّق بدلائلنا، ﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها؛﴾ أي وعظوا بها، ﴿خَرُّوا سُجَّداً؛﴾ لله مصلّين مع الإمام، ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ؛﴾ أي عظّموا الله ونزّهوه في صلاتهم حامدين لربهم، ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (١٥)؛أي يعفّروا وجوههم صاغرين.
قوله تعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ؛﴾ أي ترفع لأجل الصلاة، قال مجاهد: «هم الّذين لا ينامون حتّى يصلّوا العشاء الآخرة».والمضاجع: هي الفرش التي يضطجعون عليها للنوم، واحدها مضجع.
وعن أنس ﵁ قال: «نزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار، حتّى كنّا نصلّي المغرب فلا نرجع حتّى نصلّي العشاء مع رسول الله ﷺ » (٣).وروي: أنّ امرأة
стр. 2146
جاءت إلى أنس بن مالك فقالت: إنّي أنام قبل العشاء، فقال: «لا تنامي؛ فإنّ هذه الآية نزلت في الّذين لا ينامون قبل العشاء، تتجافى جنوبهم عن المضاجع» (١).
وقال الحسن: «المراد بالآية قيام اللّيل والتّهجّد» (٢)،وكان يقول: «هم قوم أخفوا لله تعالى عملا، وأخفى لهم ثوابا» (٣).
وعن النبيّ ﷺ أنه قال: [عليكم بقيام اللّيل، فإنّه دأب الصّالحين قبلكم، وإنّ قيام اللّيل قربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسّيّئات، ومطردة للدّاء عن الجسد] (٤).وقال الضحّاك: «هو أن يصلّي الرّجل العشاء والفجر في جماعة» (٥).
قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً؛﴾ أي خوفا من عذاب الله وطمعا في رحمة الله. وانتصب ﴿(خَوْفاً)﴾ و ﴿(طَمَعاً)﴾ لأنه مفعول له. وقوله تعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١٦)؛أي ومما أعطيناهم من المال يتصدّقون واجبا وتطوّعا.
وقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ؛﴾ أي لا يعلم أحد ما أخفى الله لهم مما تقرّ به أعينهم وتطيب به أنفسهم، ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٧)؛في الدّنيا من الأعمال الصّالحة.
стр. 2147
قال ابن مسعود: «إنّ في التّوراة مكتوب: لقد أعدّ الله للّذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولا خطر على قلب بشر، وما لم يحمله ملك مقرّب، وإنّه في القرآن: ﴿(فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ)﴾.» (١).
قرأ حمزة «(ما أخفي لهم)» بإسكان الياء؛ أي ما أخفي لهم أنا، وحجّته ﴿(قُرَّةِ)﴾.
وقرأ عبد الله: «(نخفي لهم)» بالنون. وقرأ محمّد بن كعب: «(ما أخفى لهم)» بفتح الألف والفاء، يعني أخفى الله لهم.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ (١٨)؛ قال ابن عباس ﵄: «نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط، جرى بينهما تنازع وتسابّ، فقال له الوليد: اسكت فإنّك صبيّ وأنا والله أحدّ منك لسانا وأبسط منك في القول، وأملأ منك في الكتيبة. فقال له عليّ ﵁: أسكت فإنّك فاسق تقول الكذب. فأنزل الله هذه الآية» (٢).والمراد بالمؤمن:
عليّ بن أبي طالب ﵁، وبالفاسق: الوليد بن عقبة.
وقال الزجاج: «إنّه لم يرد بالمؤمن مؤمنا، ولذلك قال: ﴿(لا يَسْتَوُونَ)﴾ ولم يقل: لا يستويان».وقال قتادة في معنى الآية: «والله ما استووا لا في الدّنيا ولا عند الموت ولا في الآخرة» (٣).
قوله تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى؛﴾ التي يأوي إليها المؤمنون، وقوله: ﴿نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٩)؛أي معدّة لهم بأعمالهم.
стр. 2148
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ؛﴾ أي وأما الذين خرجوا من طاعة الله بكفرهم، فمأواهم النار، ﴿كُلَّما؛﴾ رفعهم لهب النار إلى أعلاها، فظنّوا أنّهم يخرجون منها ف، ﴿أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها،﴾ ردّتهم ملائكة العذاب إلى أسفلها بمقامع من حديد، ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (٢٠)؛في الدّنيا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى؛﴾ قيل: إن المراد بالعذاب الأدنى هو القحط والجوع الذي أصاب أهل مكّة سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والكلاب. وقيل: هو القتل يوم بدر. وقيل: العذاب الأدنى هو مصائب الدنيا وأسقامها وبلاؤها. وقيل: العذاب الأدنى هو عذاب القبر، والعذاب الأكبر هو عذاب يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ؛﴾ يعني بالعذاب الأكبر عذاب الآخرة، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢١)؛أي أخبرناهم ليرجعوا عن الكفر.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها؛﴾ ظاهر المعنى. قوله: ﴿إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (٢٢)؛يعني الذين قتلوا ببدر، وعجّلنا أرواحهم إلى النار. وأراد بالمجرمين المشركين. وعن رسول الله ﷺ أنه قال:
[ثلاث من فعلهنّ فقد أجرم: من عقد لواء في غير حقّ، أو عقّ والديه، أو مشى مع ظالم لينصره، قال الله تعالى: ﴿(إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ)﴾] (١).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ؛﴾ أعطيناه التوراة جملة واحدة، ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ؛﴾ وعد النبيّ ﷺ أن سيلقى موسى قبل أن يموت، ثم لقيه في السّماء ليلة المعراج أو في بيت المقدس حين أسري به، والمعنى: فلا تكن في شكّ من لقاء موسى. قال ابن عباس: «يعني ليلة الإسراء» (٢).ويقال: أراد
стр. 2149
به لقاؤهما في الجنّة. ويقال: أراد به لقاء الله. ويقال: أراد به أن يلقى محمّد ﷺ من قومه الأذى مثل ما لقي موسى من قومه.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٢٣)؛أي جعلنا التوراة هدى لبني إسرائيل من الضّلالة،
﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً؛﴾ أي جعلنا من بني إسرائيل أئمّة، ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنا؛﴾ يدلّون الناس على ديننا فيقتدى بهم، فهم أنبياؤهم ومن استقام منهم على الدّين. وقوله تعالى: ﴿لَمّا صَبَرُوا؛﴾ أي لما صبروا جعلناهم أئمّة، كأنه قال: إن صبرتم على طاعتنا وصبرتم على معصيتنا جعلناكم أئمّة.
قرأ حمزة والكسائي: «(لما صبروا)» بكسر اللام وتخفيف الميم؛ أي لصبرهم. ومعنى القراءة الأولى: حين صبروا. والمعنى: لمّا صبروا على دينهم وعلى البلاء من عدوّهم بمصر، ﴿وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ (٢٤)؛أي ولكونهم موقنين بآياتنا. قوله تعالى:
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ أي هو الذي يقضي بين المؤمنين والكفار يوم القيامة، ﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٢٥)؛من الدّين.
ثم خوّف كفار مكة فقال: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ؛﴾ أي أو لم يتبيّن لهم آثار عذاب الاستئصال فيمن أهلك قبلهم من الأمم الماضية المكذّبة ما يكون عبرة لهم، يمشون في مساكن المهلكين على منازلهم وقراهم، مثل آثار عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ؛﴾ أي إنّ في إهلاكنا إياهم بالتكذيب، ﴿لَآياتٍ؛﴾ لدلالات واضحة لمن بعدهم، ﴿أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ (٢٦)؛سماع القبول والطاعة. ومن قرأ «(أو لم نهد)» بالنون، فالمعنى بإضافة الفعل إلى الله .
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ؛﴾ معناه: أولم يعلموا أنا نسوق المطر بالسّحاب والرياح إلى الأرض اليابسة التي لا نبات فيها ولا شجر، ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ؛﴾ بذلك المطر، ﴿زَرْعاً؛﴾ رزقا، ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ؛﴾ أي تأكل أنعامهم من ساقها، ﴿وَأَنْفُسُهُمْ؛﴾ وهم يأكلون من حبها، ﴿أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ (٢٧)؛أفلا يعقلون.
стр. 2150
والأرض الجرز: هي التي تأكل نباتها، يقال: ناقة جروز إذا كانت أكولا، وسيف جراز إذا كان مستأصلا، ورجل جرز إذا كان أكولا. قال ابن عباس ﵄: «هي أرض باليمن» (١).وقال مجاهد: «هي أبين» (٢).
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ؛﴾ وذلك أن كفار مكة كانوا يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: يوشك أن يكون لنا يوم نستريح فيه من شركهم، فكان الكفار يهزءون بهم ويقولون: متى هذا الفتح؛ أي الحكم الذي بيننا وبينكم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٨)؛فيما تقولون (٣).
والمعنى: أنّ كفار مكة يقولون: متى هذا الفتح؛ أي القضاء وهو يوم البعث، يقضي فيه الله بين المؤمنين والكافرين.
فقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ؛﴾ يعني يوم القيامة ويوم القضاء والفصل، ﴿لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ؛﴾ لو آمنوا يومئذ، ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (٢٩)؛أي ولا هم يمهلون، ولا يؤخّرون لمعذرة أو توبة، ولا تؤخّر عنهم عقوبتهم.
وعن ابن عبّاس في هذه الآية: «المراد بالفتح فتح مكّة، وأنّ الآية نزلت في بني خزيمة، كانوا هم الّذين يستهزءون بأصحاب النّبيّ ﷺ حين كان أصحاب النّبيّ ﷺ يتذاكرون وهم بمكّة فتح مكة لهم. فلمّا كان يوم الفتح تكلّمت بنو خزيمة بكلمة الإسلام، فقتلهم خالد بن الوليد ولم يقبل منهم إسلامهم» وكان النّبيّ ﷺ يقول:
[اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد] (٤).
стр. 2151
قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ؛﴾ أي عن جوابهم، ﴿وَانْتَظِرْ،﴾ الفريضة فيهم، ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ (٣٠)؛الفرصة فيك. قال ابن عبّاس: «قوله تعالى: ﴿(فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ)﴾ نسخته آية السّيف» (١).وقوله تعالى: ﴿(إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ)﴾ أي منتظرون لك حوادث الأزمان من موت أو قتل فيستريحون منك.
آخر تفسير سورة (السجدة) والحمد لله رب العالمين
стр. 2152
سورة الأحزاب
سورة الأحزاب مدنيّة، وهي خمسة آلاف وسبعمائة وتسعون حرفا، وألف ومائتان وثمانون كلمة، وثلاث وسبعون آية.
قال ﷺ : [من قرأها وعلّمها أهله وما ملكت يمينه؛ أعطي الأمان من عذاب القبر] (١) وبه التّوفيق.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ؛﴾ قال ابن عبّاس ﵄: (وذلك أنّ أبا سفيان بن حرب؛ وعكرمة بن أبي جهل؛ وأبا الأعور السّلمي قدموا فنزلوا على عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين؛ وجدّ ابن قيس؛ ومعتب ابن قسر المنافقين.
وكان يومئذ مع المشركين عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فطلبوا النّبيّ ﷺ وقد كانوا طلبوا منه الأمان على أن يكلّموه، فقالوا له: يا محمّد ارفض ذكر آلهتنا اللاّت والعزّى ومنات، وقل: إنّ لها شفاعة في الآخرة ومنفعة لمن عبدها، وندعك أنت وربّك! فشقّ ذلك على النّبيّ ﷺ .
فقال عمر بن الخطّاب ﵁: ائذن لي يا رسول الله في قتلهم، فقال ﷺ : [إنّي قد أعطيتهم الأمان].فأمر النّبيّ ﷺ عمر أن يخرجهم من المدينة، فقال لهم عمر ﵁: أخرجوا في لعنة الله وغضبه، وأنزل الله هذه الآية (٢).
стр. 2153
ومعناها: يا أيّها النبيّ اتّق الله في نقض العهد الذي بينك وبين أهل مكّة لا تنقضه قبل أجله ﴿(وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ)﴾ فيما دعوك إليه، ولا تمل إليهم، ولا ترفق بهم ظنّا منك أن ذلك أقرب إلى استمالتهم إلى الإيمان، فإن ذلك يؤدّي إلى أن يظنّ بك مقارنة القوم على كفرهم، فمعنى قوله ﴿(وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ)﴾ يعني أبا سفيان وأبا الأعور وعكرمة، والمنافقين عبد الله بن أبي وجدّ بن قيس وغيرهما.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١)؛أي عليما بأحوالهم، حكيما فيما أوجبه عليك في أمرهم وفيما يخلقه.
قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ؛﴾ أي اعمل بما أمرك الله في القرآن من مجانبة الكفّار والمنافقين وترك موافقتهم، ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (٢)؛قرأ بالياء أبو عمرو، وقرأ الباقون بالتّاء أي خبير بك وبهم.
قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ؛﴾ أي فوّض أمرك إلى الله واعتمد عليه في معاملتهم بما أمرت به في شأنهم، ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (٣)؛أي حافظا وناصرا.
قوله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ؛﴾ قال ابن عبّاس ﵄: (نزلت هذه الآية في أبي معمّر جميل بن أبي راشد الفهريّ، وكان رجلا حافظا لبيبا لما يسمع، وكان يقول: إنّ في جوفي لقلبين، أعقل بكلّ واحد منهما أفضل من عقل محمّد! وكانت قريش تسمّيه ذا القلبين لدهائه وكثرة حفظه للحديث، فأنزل الله هذه الآية تكذيبا لهم، فأخبر أنّه ما خلق لأحد قلبين.
فلمّا كان يوم بدر وهزم المشركون وفيهم أبو معمّر، تلقّاه أبو سفيان وهو يعدو وإحدى نعليه في يده والأخرى في رجله، فقال له: يا أبا معمّر ما فعل النّاس؟ قال: انهزموا. فقال له: ما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟! فقال:
стр. 2154
ما شعرت إلاّ أنّهما في رجليّ. فعرفوا يومئذ أنّه لو كان له قلبان ما نسي نعله في يده) (١).
وقال الزهريّ ومقاتل: (هو مثل ضربه الله للمظاهر امرأته والمتبنّي ولد غيره، يقول: فكما لا يكون للرّجل قلبان، لا تكون امرأة المظاهر أمّه حتّى لا يكون له أمّان، ولا يكون ولد ابن رجلين) (٢).
قوله تعالى: ﴿وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ؛﴾ أي ما جعل نساءكم اللاّئي تقولون لهن: أنتنّ علينا كظهور أمّهاتنا، لم نجعلهن كأمّهاتكم في الحرمة. وكانت العرب تطلّق نساءها في الجاهلية بهذا اللفظ، فلما جاء الإسلام نهوا عنه، وأوجبت الكفارة في سورة المجادلة.
قوله تعالى: ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ؛﴾ أي ما جعل من تدّعونه ابنا من أبناء غيركم كأبنائكم الذين من أصلابكم في الانتساب والحرمة والحكم، وكان رسول الله ﷺ قد تبنّى زيد بن حارثة بعد أن أعتقه، فكان يقال: زيد بن محمّد، فلمّا جاء الإسلام أمر أن تلحق الأدعياء بآبائهم، وكان يوم تبنّاه رسول الله ﷺ قبل الوحي (٣).
قرأ نافع وأبو عمرو «(وتظّهّرون)» بفتح التاء وتشديد الظّاء والهاء من غير ألف، وقرأ الشّاميّ كذلك إلاّ أنّه بألف، وقرأ حمزة والكسائي مثل قراءة شامي إلاّ أنه بالتخفيف، وقرأ عاصم والحسن بضمّ التاء وتخفيف الظّاء وبألف وكسر الهاء، قال أبو عمرو: (وهذا منكر؛ لأنّ التّظاهر من التّعاون) (٤).
стр. 2155
قوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ؛﴾ أي الذي تقولونه من إضافة القلبين إلى الرجل الواحد، وقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمّي، وقول الرجل لغير ابنه: هذا ابني، قوله: تقولون بأفواهكم من غير أن يكون له حقيقة ولا عليه دلالة ولا حجّة، ﴿وَاللهُ؛﴾ تعالى، ﴿يَقُولُ الْحَقَّ؛﴾ أي يبيّن أنّ الذين يقولونه قول باطل، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (٤)؛أي يدلّ على طريق وإلى الدّين المستقيم.
قوله تعالى: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ؛﴾ أي نسّبوا هؤلاء الأدعياء إلى الآباء الذين قد ولدوا على فراشهم وقولوا: زيد بن حارثة، ولا تقولوا: زيد بن محمّد.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ؛﴾ أي أعدل في حكم الله من نسبتكم إياهم إلى الذين تبنّوهم. وعن ابن عمر ﵁ أنه كان يقول: (ما كنّا ندعوا زيد بن حارثة إلاّ زيد بن محمّد حتّى نزل قوله تعالى: ﴿(ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ)﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ؛﴾ فهم إخوانكم في الدّين؛ أي من أسلم منهم، ﴿وَمَوالِيكُمْ؛﴾ أي وبنو أعمامكم، فقولوا:
يا أخي ويا ابن عمّي. في الآية إباحة إطلاق اسم الأخوّة وحظر اطلاق اسم الأبوّة، وفي ذلك دليل على أن من قال لعبده: هذا أخي؛ لم يعتق لأنه يحتمل الأخوّة في الدّين، وإن قال: هذا ابني؛ عتق لأن ذلك ممنوع في غير النّسب.
قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ؛﴾ أي ليس عليكم إثم في نسبة الرجل إلى غير أبيه على وجه الخطأ. قال قتادة: (ولو دعوت رجلا
стр. 2156
لغير أبيه وأنت تحسب أنّه أبوه لم يكن عليك بأس) (١)، ﴿وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ؛﴾ أي ولكن الإثم عليكم فيما تعمّدونه من ادعائهم إلى غير آبائهم، ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً؛﴾ أي لمن تعمّد ثم تاب، ﴿رَحِيماً﴾ (٥)؛به بعد التوبة.
قوله تعالى: ﴿(وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)﴾ موضع قوله ﴿(فِيما)﴾ خفض عطفا على قوله ﴿(فِيما أَخْطَأْتُمْ)﴾ تقديره: ولكن فيما تعمّدت قلوبكم.
قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛﴾ أي هو أشفق وأبرّ وأحقّ بالمؤمنين من بعضهم ببعض، وهو أولى بكلّ إنسان منه بنفسه. وقيل: معناه:
إذا حكم فيهم بشيء نفذ حكمه فيهم، ووجبت طاعته عليهم.
وقال ابن عبّاس: (إذا دعاهم النّبيّ ﷺ إلى شيء، ودعتهم أنفسهم إلى شيء، كانت طاعة النّبيّ ﷺ أولى بهم من طاعة أنفسهم) (٢).وقال مقاتل: (معناه طاعته النّبيّ ﷺ أولى بهم من طاعة بعضهم لبعض) (٣).
وقالت الحكماء: النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم لأنفسهم، تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم، والنبيّ ﷺ يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم. وقال أبو بكر الورّاق: (لأنّ النّبيّ ﷺ يدعوهم إلى العقل، وأنفسهم تدعوهم إلى الهوى).وقال بسّام بن عبد الله (٤): (لأنّ أنفسهم تحرس من نار الدّنيا، والنّبيّ ﷺ يحرسهم من نار الآخرة).
стр. 2157
قوله تعالى: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ؛﴾ أي كأمّهاتهم في تعظيم حقّهنّ وفي تحريم نكاحهن، فلا يحلّ لأحد أن يتزوّج بهنّ، كما لا يجوز التزويج بالأمّ. ولم يرد إثبات الأميّة من جميع الوجوه، ألا ترى أنه لا تحلّ رؤيتهن ولا يرين المؤمنين بخلاف الأمّهات، وكذلك لا يخلو بهنّ، ولا يسافر بهن، ولا يرثهن ولا يرثونه، ولو كن كالأمّهات من جميع الوجوه لكان النبيّ ﷺ لا يزوّج بناته من أحد من الناس؛ لأن البنات يكنّ أخوات المؤمنين.
ومن هذا المعنى ما روي: أنّ امرأة قالت لعائشة: يا أمّ، قالت: (لست لك بأمّ، إنّما أنا أمّ رجالكم) (١) فبان بهذا أنّ معنى الأمومة تحريم نكاحهن فقط. ولهذا لا يجوز أن يقال لبناتهن أنّهن أخوات المؤمنين.
وفائدة تحريم نكاح أزواج النبيّ ﷺ على المؤمنين في حياته وبعد وفاته تعظيم أمره وتفخيم شأنه، ولذلك حرم على الابن نكاح امرأة أبيه.
قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ؛﴾ أي وذو القرابة بعضهم أحقّ بميراث بعض في حكم الله، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ؛﴾ إذا لم يكونوا قرابة، وذلك أنّهم كانوا يتوارثون في ابتداء الإسلام بالهجرة والمؤاخاة.
قال الكلبيّ: (آخا رسول الله ﷺ بين النّاس، فكان يؤاخي بين الرّجلين، وإذا مات أحدهم ورثه الثّاني دون عصبته وأهله، فمكثوا كذلك ما شاء الله حتّى نزلت الآية ﴿(وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ)﴾ من المؤمنين الّذين آخا رسول الله بينهم والمهاجرين، فنسخت هذه الآية الموارثة بالمؤاخاة والهجرة، وصارت للأدنى فالأدنى من القرابات) (٢).
стр. 2158
قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً؛﴾ (معروفا) استثناء ليس من الأول، ومعناه: لكن فعلكم إلى أوليائكم جائز، يريد أن يوصي الرجل لمن يتولاّه ممن لا يرثه بما أحبّ من ثلث ماله، فيكون الموصى له أولى بقدر الوصيّة من القريب الوارث، وقال ابن زيد: (معناه إلاّ أن توصوا لأوليائكم من المهاجرين) (١).
قوله تعالى: ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ (٦)؛أي كان الميزان للأقرباء، والوصية للأصدقاء، ونسخ الميراث بالهجرة وردّه إلى ذوي الأرحام مكتوبا في اللّوح المحفوظ.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ؛﴾ أي واذكر إذ أخذنا من النّبيّين عهودهم؛ أي يصدّق بعضهم بعضا، ويبشّر الأول بالآخر، ويأخذ كلّ رسول منهم على قوله بما أمر الله به، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛﴾ قيل: إنّ الواو مقحمة؛ وتقديره: منك ومن نوح، فيكونوا ﴿(مِنْكَ)﴾ ما بعده تفسير ﴿(النَّبِيِّينَ)﴾.
والفائدة في تخصيص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذّكر؛ لأنّهم أهل الشرائع والكتب، وأولو العزم من الرّسل، ولهم الأمم والتّبع. وقدّم ذكر النبيّ ﷺ لأن الخطاب معه. وجاء في التفسير: أنّ النّبيّ ﷺ قال: [إنّي خلقت قبل الأنبياء وبعثت بعدهم] (٢).
قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ (٧)؛أي عهدا وثيقا بأن يعبدوني ولا يشركون بي شيئا. وقيل: وأخذنا منهم عهدا شديدا على الوفاء بما حملوا.
وقوله تعالى: ﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ؛﴾ أي لكي يسأل المبلّغين عن تبليغهم وهو قوله تعالى: ﴿ماذا أَجَبْتُمُ﴾ (٣).
стр. 2159
وفائدة سؤال الرّسل وهم صادقون؛ لتكذيب الذين كفروا بهم فيكون هذا السؤال احتجاجا على الكاذبين، وإذا سئل الصّادقون، فكيف يظنّ بالكاذبين؟! وقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً﴾ (٨)؛أي أعدّ للّذين كفروا بالرّسل عذابا شديدا.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ؛﴾ يذكّرهم الله إنعامه عليهم في دفع الأحزاب عنهم من غير قتال، وذلك: أنّ الكفّار جاءوا بأجمعهم في وقعة الخندق، وأحاطوا بالمدينة من أعلاها وأسفلها، طليحة بن خويلد الأسدي (١) وأصحابه من فوق الوادي، وكان أبو الأعور السّلميّ وأصحابه من أسفل الوادي، وكان أبو سفيان وأصحابه ويهود بني قريظة في مواجهة المؤمنين (٢)،فاشتدّ الخوف بالمؤمنين وزاغت أبصارهم؛ أي مالت من الخوف، ويقال: مالت أبصار المنافقين خوفا من النّظر إليهم. وكان الكفّار خمسة عشر ألفا، وبلغت قلوب المسلمين الحناجر؛ أي كادت تبلغ الحلوق، وذلك أنّ شدّة الخوف ترفع الرّئة، فترفع الرّئة القلب.
كما روي: أنّ المؤمنين قالوا: يا رسول الله! قد بلغت القلوب الحناجر، فهل من شيء؟ فقال ﷺ : [قولوا: اللهمّ استر عوراتنا وآمن روعاتنا، يكفيكهم الله تعالى] (٣) فأرسل الله على الكفّار ريحا باردة منكرة شغلتهم عن الاستعداد للحرب، ومنعتهم من الثّبات على المكان، وقلعت خيامهم وأكفأت أوانيهم، ورسول الله ﷺ والمسلمون منها في سلامة، وليس بينهم إلاّ مسافة الخندق، وكان ذلك إحدى معجزاته ﵇ كما قال ﷺ : [نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور] (٤).
стр. 2160
قوله تعالى: ﴿إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ،﴾ يعني الذين تحزّبوا على رسول الله ﷺ يوم الخندق، وهم عيينة بن حصن وأبو سفيان بن حرب وبنو قريظة، ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً،﴾ وهي الصّبا، أرسلت عليهم حتى أكفأت قدورهم ونزعت فساطيطهم (١)،وقوله: ﴿وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها،﴾ يعني الملائكة؛ ﴿وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ (٩).
وروي: أنّ شابّا من أهل الكوفة قال لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله هل رأيت رسول الله ﷺ ؟ قال: (إي والله لقد رأيته) قال: والله لو رأيناه لحملناه على رقابنا، وما تركناه يمشي على الأرض، فقال له حذيفة: (يا ابن أخي أفلا أحدّثك عنّي وعنه؟) قال: بلى. قال: (والله لو رأيتنا يوم الخندق، وبنا من الجهد والجوع ما لا يعلمه إلاّ الله. قام رسول الله ﷺ فصلّى من اللّيل ما شاء الله، ثمّ قال: [ألا رجل يأتي بخبر القوم جعله الله رفيقي في الجنّة؟] فو الله ما قام منّا أحد ممّا بنا من الخوف والجوع والجهد. ثمّ صلّى ما شاء الله، ثمّ قال: [ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله رفيقي في الجنّة؟] فو الله ما قام منّا أحد ممّا بنا من الجهد والخوف والجوع. فلمّا لم يقم أحد، دعاني فلم أجد بدّا من إجابته، قلت: لبّيك يا رسول الله، قال: [اذهب فجئ بخبر القوم، ولا تحدثنّ شيئا حتّى ترجع].
قال حذيفة: قمت وجنبيّ يضطربان، فمسح رسول الله ﷺ رأسي ووجهي، ثمّ قال: [اللهمّ احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته].قال: فانطلقت أمشي حتّى أتيت القوم، وإذا ريح الله وجنوده يفعل بهم ما يفعل، ما يستمسك لهم بناء، ولا تثبت لهم نار، ولا يطمئنّ لهم قدر. فبينما هم كذلك، إذ خرج أبو سفيان من رحله، فقال: يا معشر قريش؛ ما أنتم بدار مقام، لقد
стр. 2161
هلكت الخفّ والحافر (١) وأخلفتنا بنو قريظة، وهذه الرّيح لا يستمسك لنا معها شيء، ولا تثبت لنا نار ولا تطمئنّ قدر. ثمّ عجّل فركب راحلته، وإنّها لمعقولة ما حلّ عقالها إلاّ بعد ما ركبها.
فقال حذيفة: فقلت في نفسي: لو رميت عدوّ الله فكنت قد صنعت شيئا، فأوترت قوسي وأنا أريد أن أرميه، ثمّ ذكرت قول رسول الله ﷺ : [ولا تحدثنّ شيئا حتّى ترجع].فحططت القوس ثمّ رجعت إلى رسول الله ﷺ وهو يصلّي، فلمّا فرغ قال: [ما الخبر؟] فأخبرته بذلك، فضحك حتّى بدت أنيابه في سواد اللّيل. ثمّ أدناني منه وبي من البرد ما أجده، فألقى عليّ طرف ثوبه، وألزق صدري ببطن قدميه وهو قائم يصلّي) (٢).
قوله تعالى: ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ﴾ أي مالت عن كلّ شيء، فلم تنظر إلاّ إلى عدوّها مقبلا من كلّ جانب، ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ،﴾ والحنجرة جوف الحلق. قال قتادة: (شخصت القلوب من مكانها، فلولا أنّه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت).
وقوله تعالى: ﴿(وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها﴾ يعني الملائكة، بعث الله ملائكة على المشركين فقلعت أوتاد الخيل وأطناب الفساطيط، وأطفأت النيران وجالت الخيل بعضها في بعض، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى وقع بهم الرعب فانهزموا من غير قتال.
قوله تعالى: ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ،﴾ أي من فوق الوادي من قبل المشرق عليهم مالك بن عوف البصري، وعيينة بن حصن الفزاري في ألف من غطفان، ﴿(وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ)﴾،يعني من قبل المغرب فيهم أبو سفيان في قريش ومن تبعه، وأبو الأعور السّلمي من قبل الخندق.
стр. 2162
وكان من حديث الخندق: أنّ نفرا من اليهود منهم حييّ بن أخطب وكنانة بن الرّبيع وهوذة بن قيس وأبو عمارة الوائليّ، وجماعة من بني النّضير خرجوا حتّى قدموا على قريش فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ فأجابوهم فاجتمعوا مع قريش.
فسارت وقائدها عيينة بن حصين الفزاريّ، وسارت بنو مرّة وقائدها الحارث بن عوف، وسارت بنو أشجع وقائدها مسعر بن رخيلة الأشجعيّ، وسارت قريش وقائدها أبو سفيان.
فلمّا سمع بهم رسول الله ﷺ ضرب الخندق على المدينة، وكان الّذي أشار بالخندق على رسول الله ﷺ سلمان، فقال: يا رسول الله، إنّا كنّا بفارس إذا حوصرنا خندقنا. فحفره رسول الله ﷺ والمسلمون حتّى أحكموه.
فلمّا فرغ رسول الله ﷺ من حفر الخندق، أقبلت قريش حتّى نزلت بمجمع الأسيال من رومة (١)،فخرج رسول الله ﷺ والمسلمون وهم ثلاثة آلاف من المسلمين، فكان الخندق بينهم وبين المشركين، وعظم عند ذلك البلاء واشتدّ الخوف، وأتاهم العدوّ من فوقهم ومن أسفل منهم، حتّى ظنّ المؤمنون كلّ ظنّ، وظهر النّفاق في المنافقين، حتّى قال معتب بن بشير المنافق: كان محمّد وعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، فأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط، ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غرورا (٢).فذلك قوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ (١٠).
فأقام النّبيّ ﷺ وأقام الكفّار معه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر، ولم يكن بين القوم إلاّ الرّمي بالنّبل والحصى والحصار (٣).
стр. 2163
فلمّا اشتدّ البلاء على النّاس واستطال، بعث رسول الله ﷺ إلى عيينة بن حصين وإلى الحارث بن عوف وهما قائدا غطفان، وأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما من القوم، فجرى بينهما الصّلح حتّى وقع الكتاب ولم تقع الشّهادة، فذكر ذلك رسول الله ﷺ لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة واستشارهما في ذلك، فقالا: يا رسول الله؛ أهذا شيء أمرك الله به أم أمر تحبّه أنت أم أمر تصنعه لنا؟ فإن كان أمرا من الله لك فلا بدّ لنا من العمل به، وإن كان أمرا تحبّه فاصنع ما شئت، وإن كان شيئا تصنعه لنا فعرّفنا به، فقال ﷺ : [بل والله ما صنعت ذلك إلاّ أنّي رأيت العرب قد رمتكم بقوس واحدة، وكالبوكم من كلّ جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم].
فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله ﷺ ؛ لقد كنّا نحن وهؤلاء القوم على الشّرك وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا من ثمارنا تمرة إلاّ قراء أو شراء، فكيف وقد أكرمنا الله بالإسلام وأعزّنا بك نعطيهم أموالنا! ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلاّ السّيف حتّى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال ﷺ :
[فأنت وذاك].فتناول سعد الصّحيفة الّتي كتبوا فيها صلحهم فمحاها (١).
ثمّ إنّهم تراموا بالنّبل، فوقعت رمية في أكحل سعد بن معاذ فقطعته، رماه ابن الغرفة من قريش، فما زال أكحله يسيل دما حتّى خيف عليه، فقال سعد: اللهمّ إن كنت أبقيت من حرب قريش فأبقني لها، فإنّه لا شيء أحبّ إليّ من جهاد قوم آذوا رسول الله ﷺ وكذبوه وأخرجوه، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لنا شهادة ولا تمتني حتّى تقرّ عيني من بني قريظة.
ثمّ أتى نعيم بن مسعود الغطفانيّ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ قد أسلمت وإنّ قومي من غطفان لم يعلموا بإسلامي، فمرني فيهم بما شئت، فقال ﵇: [إنّما أنت رجل واحد فخذّل عنّا إن استطعت].فخرج نعيم بن مسعود حتّى
стр. 2164
أتى بني قريظة، وكان لهم نديما في الجاهليّة، فقال لهم: يا بني قريظة؛ لقد علمتم ودّي لكم وما بيني وبينكم من المحبّة. قالوا: صدقت؛ لست عندنا بمتّهم.
فقال لهم: إنّ قريشا وغطفان جاءوا لحرب محمّد، وإنّ قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم؛ لأنّ هذه بلدكم وبها أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحوّلوا إلى غيركم، وإنّ قريشا وغطفان أموالهم وأولادهم ونساؤهم بعيدون، إن رأوا لهم هاهنا صولة وغنيمة أخذوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلّوا بينكم وبين هذا الرّجل وهو رجل ببلدكم لا طاقة لكم به، فلا تقاتلوه حتّى تأخذوا رهنا من أشراف قريش وغطفان يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم.
فقالوا له: لقد أشرت برأي ونصيحة.
ثمّ خرج حتّى أتى قريشا، فقال: يا معشر قريش؛ قد عرفتم ودّي إيّاكم وفراقي محمّدا، وقد بلغني أمرا رأيت حقّا عليّ أن أبلغكموه نصحا لكم، فاكتموا عليّ.
قالوا: نفعل! قال: اعلموا أنّ معشر اليهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمّد، وقد أرسلوا إليه: أنّا قد ندمنا على فعلنا، فهل يرضيك عنّا أن نأخذ من القبيلتين قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب رقابهم، ثمّ نكون معك على من بقي منهم، فقال لهم: نعم. وأنتم إذا بعثت اليهود إليكم يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا.
ثمّ خرج حتّى أتى غطفان فقال لهم: يا معشر غطفان؛ أنتم أصلي وعشيرتي وأحبّ النّاس إليّ، ولا أراكم تتّهموني. قالوا: صدقت! قال: فاكتموا عليّ، قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم.
فأرسل أبو سفيان ورءوس غطفان إلى يهود بني قريظة نفرا من قريش وغطفان، فأتوهم وقالوا لهم: قد هلك الخفّ والحافر، فأعدّوا للقتال حتّى يفرغ ما بيننا وبين محمّد. فقال بنو قريظة: لسنا بالّذي نقاتل معكم حتّى تعطونا رهنا من رجالكم تكون ثقة بأيدينا، فإنّا نخاف أنّكم إذا اشتدّ عليكم الحرب والقتال أن تسيروا إلى بلادكم وتتركونا، وهذا الرّجل قريب من بلادنا، ولا طاقة لنا به.
стр. 2165
فرجعت الرّسل بما قالت بنو قريظة، فقالت قريش وغطفان: والله إنّ الّذي حدّثنا به نعيم بن مسعود لحقّ. وأرسلوا إلى بني قريظة: والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، ولكنّكم إن كنتم تريدون الحرب فاخرجوا معنا فقاتلوا ونحن معكم. قالت بنو قريظة: لا نقاتل إلاّ إذا أعطيتمونا رهنا من رجالكم. فقالوا لهم:
حدّثنا نعيم بن مسعود بذلك فلم نصدّقه، فقالوا لهم: إنّ الّذي ذكره لكم حقّ.
وخذل الله بينهم، وبعث عليهم الرّيح في ليلة شاتية شديدة البرد حتّى انصرفوا راجعين، والحمد لله رب العالمين (١).
قوله تعالى: ﴿(وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا)،﴾ فأمّا المنافقون فظنّوا أنّ محمّدا وأصحابه سيغلبون ويستأصلون، وأما المؤمنون فأيقنوا أنّ ما وعدهم الله تعالى حقّ، وأنه سيظهر دينه على الدّين كلّه ولو كره المشركون. قال الحسن في معنى: ﴿(وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا)﴾:
(يعني ظنّ المؤمنون بالله خيرا، وظنّ المنافقون أنّ الكافرين ظهروا على المؤمنين) (٢).
قرأ نافع وعاصم وابن عامر: ﴿(الظُّنُونَا)﴾ و ﴿(الرَّسُولا)﴾ و ﴿(السَّبِيلا)﴾ بإثبات الألف فيها وقفا ووصلا لأنه من أواخر الآي، وقرأ أبو عمرو بغير ألف وقفا ووصلا، وقرأ الباقون بالألف في الوقف دون الوصل.
قوله تعالى: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي في تلك الحال اختبر المؤمنون بالقتال ليتبيّن المخلص من المنافق. وقيل: معناه: امتحن المؤمنون بالخوف الشّديد الذي عنده يظهر المؤمن القويّ من المؤمن الضعيف، وذووا العزم الصحيح من غيرهم. وقوله: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً﴾ (١١) أزعجوا وحرّكوا تحريكا شديدا، وذلك أن الخائف يكون قلقا مضطربا لا يستقرّ على مكانه.
стр. 2166
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً﴾ (١٢) معناه: وإذ يقول الذين يستبطنون الكفر والذين في قلوبهم شكّ وضعف اعتقاد: ما وعدنا محمّد أنّ فارس والروم يفتحان علينا ونحن في مكاننا هذا الذي لا يقدر أحد أن يبرز لحاجته إلاّ باطلا. قال قتادة: (قال ناس من المنافقين: يعدنا محمّد أن نفتح قصور الشّام وفارس، وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله، هذا والله الغرور) (١).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا؛﴾ قال مقاتل: (هم بنو سالم من المنافقين) (٢)،وقال السديّ: (عبد الله بن أبيّ وأصحابه). ﴿(يا أَهْلَ يَثْرِبَ)﴾ أي يا أهل المدينة، قال أبو عبيدة: (يثرب اسم أرض، ومدينة الرّسول في ناحية منها) (٣).وقوله تعالى: ﴿(لا مُقامَ لَكُمْ)﴾ أي لا موقف لكم في هذا الموضع، فارجعوا إلى المدينة.
وقرأ عاصم ﴿(لا مُقامَ)﴾ بضمّ الميم؛ أي لا إقامة لكم هاهنا؛ لكثرة العدوّ وغلبة الحراب، فارجعوا إلى منازلكم، أمروهم بالهرب من عسكر رسول الله ﷺ (٤).
قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ؛﴾ معناه: ويستأذن فريق منهم النبيّ ﵇ في الرّجوع إلى منازلهم بالمدينة؛ وهم: بنو حارثة وبنو سلمة، وكانوا يعتلّون في الاستئذان بقولهم: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ؛﴾ أي بيوتنا خالية من الرّجال تخاف عليها، وقيل: معناه: إنّ بيوتنا ليست بجديدة. وقال مقاتل والحسن: (معناه:
قالوا بيوتنا ضائعة نخشى عليها السّرّاق) (٥).وقال قتادة: (قالوا بيوتنا ممّا يلي العدوّ
стр. 2167
ولا نأمن على أهلنا) (١).فكذبهم الله تعالى وأعلم أنّ قصدهم الهرب، فقال :
﴿وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِراراً﴾ (١٣)؛من القتال ونصرة المؤمنين.
وقرأ ابن عبّاس وأبو رجاء: «(إنّ بيوتنا عورة)» بكسر الواو؛ أي قصيرة الجدران، فيها خلل وفرجة. قال الزجّاج: (يقال: عور المكان يعور عورا وعورة، وبيوت عورة وعورة، وهي مصدر).والعورة في اللغة: ما ذهب عنه السّتر والحفظ، تقول العرب:
اعورّ الفارس إذا كان فيه موضع خلل للضّرب، وعور المكان إذا بدت منه عورة. قال الشاعر:
متى تلقهم، لا تلق للبيت عورة ... ولا الضّيف محروما ولا الجار مرملا (٢)
يقال: أرمل القوم إذا فرغ زادهم (٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها؛﴾ أي لو دخلت المدينة على هؤلاء المنافقين من أطرافها، يعني: لو دخل عليهم هؤلاء الأحزاب من نواحيها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها؛﴾ أي ثم دعوا إلى الشّرك لأجابوها سريعا وأعطوها من أنفسهم. والمعنى: لو أنّ الأحزاب دخلوا المدينة، ثم أمروهم بالشّرك لأشركوا.
وقرأ أهل المدينة «(لأتوها)» بالقصر؛ أي لفعلوها بأنفسهم، ﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيراً﴾ (١٤)؛أي وما يلبثون بإجابتها إلاّ قليلا حتى يقبلوا. قال قتادة: (وما احتبسوا عن الإجابة إلى الكفر إلاّ قليلا)،ويقال: ما يتلبّثون بالمدينة بعد إجابتهم إلاّ يسيرا حتى يهلكوا.
стр. 2168
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ؛﴾ قيل:
إنّهم بنو حارثة همّوا يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة، فلمّا نزل فيهم ما نزل، عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها. وقال قتادة: (هم قوم كانوا غابوا عن وقعة بدر، ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلنّ، فلمّا كان يوم الأحزاب لم يفوا بذلك العهد) (١).
ومعنى الآية: ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل غزوة الخندق ﴿(لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ)﴾ أي لا ينهزمون ولا يولّون العدوّ ظهورهم. وقوله تعالى: ﴿وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً﴾ (١٥)؛أي مطالبا مسئولا عنه محاسبا عليه، يسألون عنه في الآخرة.
ثم أخبر الله أنّ الفرار لا يزيدهم في آجالهم؛ فقال:
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ؛﴾ أي من حضر أجله مات أو قتل، فكلاهما مكتوب عليكم. وقوله تعالى: ﴿وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (١٦)؛أي إن فررتم من الموت أو القتل في هذه الوقعة لم يمتّعوا إلاّ قليلا حتى يلحقكم أحد الأمرين.
والمعنى: لا تمتّعون بعد الفرار في الدّنيا إلاّ مدّة أجلكم.
ثم أخبر الله تعالى أنّ ما قدّره عليهم وأراده بهم لا يدفع عنهم، قوله تعالى:
﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ؛﴾ أي من الذي يجيركم ويمنعكم من الله، ﴿إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً؛﴾ أي هلاكا وهزيمة، ﴿أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً؛﴾ أي خيرا وهو النصر. وهذا كلّه أمر للنبيّ ﷺ أن يخاطبهم بهذه الأشياء.
ثم أخبر الله أنه لا ينفعهم قريب ولا ناصر ينصرهم من الله، فقال تعالى:
﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (١٧).
قوله تعالى: ﴿*قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا؛﴾ قال المفسّرون: هؤلاء قوم من المنافقين، كانوا يبطئون المجاهدين ويمنعونهم عن الجهاد. يقال: عاق يعوق؛ إذا منع، وعوّق إذا اعتاد المنع، وعوّقه إذا صرفه عن الوجه الذي يريده.
стр. 2169
قال قتادة: (هم قوم من المنافقين، كانوا يقولون: ما محمّد وأصحابه إلاّ أكلة رأس، ولو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان وحزبه، دعوا هذا الرّجل فإنّه هالك، فخلّوهم وتعالوا إلينا) (١).
وقوله تعالى: ﴿(وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا)﴾ أي ويعلم القائلين لإخوانهم تعالوا إلينا ودعوا محمّدا فلا تشهدوا معه الحرب، فإنّا تخاف عليكم الهلاك. وقوله:
﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (١٨)؛أي لا يحضرون القتال في سبيل الله إلاّ قليلا؛ أي لا يقاتلون إلاّ رياء وسمعة من غير احتساب، ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيرا.
قوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ؛﴾ أي بخلاء عليكم بأنفسهم وأموالهم، لا ينفقون شيئا منها في سبيل الله ونصرة المؤمنين. ثم أخبر عن جبنهم فقال تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ،﴾ من الخوف والفزع كما تدور أعين الذي يحضره الموت فيغشى عليه، ويذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرف، كذلك هؤلاء تشخص أبصارهم وتحار أعينهم لما يلحقهم من الخوف، ﴿فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ؛﴾ أي بسطوا ألسنتهم وأرسلوها، طاغين عليكم. قال الفرّاء: (معناه: آذوكم بالكلام وعضّوكم بألسنة سليطة ذربة) (٢) يقال: خطيب مسلاق إذا كان بليغا في خطابه (٣).
وقوله تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ؛﴾ أي بخلاء بالغنيمة، يخاصمون فيها ويشاحّون المؤمنين عليها عند القسمة، فيقولون: أعطونا فلستم أحقّ منّا! وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا؛﴾ أي هم وإن أظهروا الإيمان ونافقوا فليسوا بمؤمنين، ﴿فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ؛﴾ أي أبطل جهادهم وثواب أعمالهم؛ لأنه لم يكن في إيمان، ﴿وَكانَ ذلِكَ﴾ الإحباط، ﴿عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ (١٩)؛قال
стр. 2170
مقاتل: (معنى الآية: فإذا ذهب الخوف وجاء الأمن والغنيمة، سلقوكم بألسنة حداد؛ أي بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، وسيقولون: أعطونا فلستم أحقّ بها منّا! فأمّا عند البأس والقتال فأجبن قوم وأخذلهم، وأمّا عند الغنيمة فأشحّ قوم) (١).
قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أي يظنّ المنافقون من جبنهم وخبثهم أنّ الأحزاب لم يذهبوا إلى مكّة وقد ذهبوا، ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ؛﴾ في المرّة الثانية؛ أي يرجعون إلى القتال، ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ؛﴾ داخلون في البادية مع الأعراب، ﴿يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ؛﴾ أي يتمنّون لو كانوا في بادية بالبعد منكم، يسألون عن أخباركم يقولون: ما فعل محمّد وأصحابه؟! فيعرفون حالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة. والمعنى بسؤالهم: أنه إذا كان الظّفر لكم شاركوكم، وإن كان للمشركين شاركوهم، كلّ هذا من الخوف والجبن. قرأ يعقوب «(يسّاءلون)» بالتشديد والمدّ، بمعنى يتساءلون؛ أي يسأل بعضهم بعضا عن أخباركم، ﴿وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٢٠)؛لو كان هؤلاء المنافقون فيكم ما قاتلوا إلاّ رميا بالحجارة من غير احتساب.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؛﴾ أي لقد كان لكم في رسول الله قدوة حسنة في الصّبر على القتال والثّبات عليه واحتمال الشّدائد في ذات الله، ﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ؛﴾ يرجو ثواب الله، ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ،﴾ وثواب الدنيا والآخرة، ﴿وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ (٢١)،وذلك: أنّ كل من ذاد أو ذكر الله في لسانه ازدادت رغبته في الاقتداء بالنبيّ ﷺ .
ومعنى الآية: لقد كان لكم في رسول الله اقتداء لو اقتديتم به، والصبر معه في مواطن القتال كما فعل هو يوم أحد إذ كسرت رباعيّته وشجّ حاجبه وقتل عمّه، فواساكم مع ذلك بنفسه، فهلاّ فعلتم مثل ما فعل هو. وقوله تعالى: ﴿(لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ)﴾ يدلّ من قوله ﴿(لَكُمْ)﴾ وهو تخصيص بعد التعميم للمؤمنين.
стр. 2171
قوله تعالى: ﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ؛﴾ وذلك أنّ الله تعالى كان قد وعدهم في سورة البقرة ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ .. ﴾. إلى قوله ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (١) وقوله تعالى ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (٢).وقوله تعالى: ﴿وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيماناً وَتَسْلِيماً﴾ (٢٢)؛أي ما زادهم ما رأوه إلاّ إيمانا وتصديقا بوعد الله وتسليما لآخره.
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ؛﴾ أي من جملة المؤمنين رجال وافوا ما عاهدوا الله عليه بالثّبات على الدّين والعمل بموجبه من الصّبر على القتال وغير ذلك، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ؛﴾ أي من وفّى بنذره، ومنهم من أقام على ذلك العهد حتى قتل شهيدا في سبيل الله. قيل: إنّ المراد به حمزة ابن عبد المطّلب وأصحابه الذين قتلوا يوم أحد.
والنّحب في اللّغة: النّذر، وقيل: النّحب هو النّفس، ومنه النّحيب: وهو التّنفّس الشديد والنّشج في البكاء (٣).والمعنى على هذا القول: (منهم من قضى نحبه) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ؛﴾ الموت على ذلك العهد. وقيل: معناه: ﴿(فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ)﴾ أي مات أو قتل في سبيل الله فأدرك ما تمنّى، فذلك قضاء النّحب. وقيل: فرغ من عمله، ورجع إلى الله. وقال الحسن: (قضى أجله على الوفاء والصّدق) (٤)،قال ابن قتيبة: (﴿قَضى نَحْبَهُ﴾:قتل).
وأصل النّحب: النّذر، كان قوم نذروا أنّهم إن لقوا العدوّ قاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله تعالى فقتلوا. يقال: فلان قضى نحبه، إذا قتل. وقال محمّد بن اسحاق:
(فمنهم من قضى نحبه، من استشهد يوم بدر وأحد، ومنهم من ينتظر ما وعد الله من نصر أو شهادة على ما مضى عليه أصحابه) (٥).
стр. 2172
وعن عائشة ﵂ أنّها قالت: طلحة بن عبيد الله ممّن قضى نحبه، ثبت مع رسول الله ﷺ حتّى أصيبت يده، فقال ﷺ : [أوجب طلحة الجنّة] (١).
وعن أبي نجيح: أنّ طلحة بن عبيد الله كان يوم أحد عند النّبيّ ﷺ في الجبل، فجاء سهم متوجّه إلى النّبيّ ﷺ فاتّقاه طلحة بيده فأصاب خنصره.
وعن عائشة: أنّ رسول الله ﷺ قال: [من سرّه أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض وقد قضى نحبه، فلينظر إلى طلحة] (٢).وقال ﷺ : [من سرّه أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله] (٣).
قوله تعالى: ﴿وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (٢٣)؛أي ما غيّروا عهد الله الذي عاهدوه عليه كما غيّره المنافقون.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ؛﴾ أي صدق المؤمنون في عهدهم ليجزيهم الله بصدقهم، ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ؛﴾ بنقض العهد، ﴿إِنْ شاءَ؛﴾ قال السديّ: (يميتهم الله على نفاقهم إن شاء فيوجب لهم العذاب) (٤).فمعنى شرط المشيئة في عذاب المنافقين إماتتهم على النفاق إن شاء ثم يعذّبهم، ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ؛﴾ فيغفر لهم، ليس أنه يجوز أن لا يعذّبهم إذا ماتوا على النّفاق، ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً؛﴾ لمن تاب ﴿رَحِيماً﴾ (٢٤)؛بمن مات على التّوبة.
قوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً؛﴾ معناه:
وصرف الله الكفّار عن المؤمنين مغتاظين لم يكن فيهم من شفا غيظه، ولم ينالوا منهم مالا ولا غنيمة، ولم يروا سرورا، ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ؛﴾ بالرّيح
стр. 2173
والملائكة التي أرسلت عليهم، ﴿وَكانَ اللهُ قَوِيًّا؛﴾ أي لم يزل قويّا في ملكه، ﴿عَزِيزاً﴾ (٢٥)،في قدرته منيعا بالنّقمة من أعدائه.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ؛﴾ معناه: وأنزل الذين عاونوا المشركين من أهل الكتاب وهم بنو قريظة، نقضوا العهد وأعانوا الأحزاب على رسول الله ﷺ ، فأنزلهم الله من حصونهم مع شدّة شوكتهم، وألقى في قلوبهم الرّعب. وذلك أنّ بني قريظة كانوا قد عاهدوا رسول الله ﷺ أن لا ينصروا أعداءه عليه، فلما رأوا الأحزاب وكثرتهم ظنّوا أنّهم يستأصلون المؤمنين، فنقضوا العهد ولحقوا بهم.
فلمّا هزم الله المشركين ورجع النّبيّ ﷺ إلى بيته، أراد أن ينزع لامته، فسمع هسيسا، فنظر فإذا جبريل ﵇ في درعه وسلاحه، فقال له جبريل: أتنزع لامتك يا رسول الله والملائكة لم ينزعوا حتّى يقاتلوا بني قريظة ويصلّى فيهم العصر؟! فقال ﷺ : [وكيف لي بقتالهم وهم في حصونهم؟!] فقال جبريل: لألهمنّك ذلك، فو الله لأدقّنّهم اليوم كما يدقّ البيض على الصّفا. فنادى رسول الله ﷺ في الأصحاب، فخرجوا إلى حصون بني قريظة، فألقي الرّعب في قلوب القوم حتّى طلبوا الصّلح، وأبوا إلاّ أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ.
وكان سعد قد أصابه سهم في أكحله في حرب الخندق، فسأل الله أن يؤخّره إلى أن يرى قرّة عين النّبيّ ﷺ ، فاستجاب الله دعاءه. فلمّا طلبت بنو قريظة النّزول على حكم سعد، رضي رسول الله ﷺ ، فحمل سعد إلى النّبيّ ﷺ وقد احتبس أكحله، فقال له النّبيّ ﷺ : [احكم فيهم].فقال: حكمت فيهم بأن يقتل مقاتلتهم ويسبى ذراريهم ونساؤهم وأموالهم. فقال ﷺ : [حكمت فيهم مثل ما حكم الله فيهم].فلمّا قتلت مقاتلتهم وسبيت نساؤهم وذراريهم، انفجر أكحل سعد فمات ﵀ (١).
стр. 2174
والصّياصيّ: جمع صيصة، وصيصة الثّور قرنه، سمّي بذلك؛ لأنّ قرنه حصنه الّذي يتحصّن به.
وروي: أنّ رسول الله ﷺ لمّا رجع من اللّيلة الّتي انصرف فيها الأحزاب، ورجع رسول الله ﷺ والمؤمنون إلى المدينة، ووضع النّبيّ ﷺ السّلاح، أتى جبريل ﵇ إلى النّبيّ ﷺ معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج، ورسول الله ﷺ عند زينب بنت جحش يغسل رأسه وقد مشّطت عقصته (١)،فقال جبريل: قد وضعت السّلاح يا رسول الله؟! قال: [نعم] قال: عفا الله عنك يا رسول الله! فو الله ما وضعت الملائكة السّلاح منذ أربعين ليلة، إنّ الله يأمرك بالسّير إلى بني قريظة.
وكان هذا في وقت الظّهر، فأمر النّبيّ ﷺ مناديا ينادي: [من كان سامعا مطيعا فلا يصلّينّ العصر إلاّ في بني قريظة].وقدّم النّبيّ ﷺ عليّ بن أبي طالب برايته إليهم، فسار إليهم عليّ ﵁ حتّى إذا دنا من الحصون سمع منهم مقالة قبيحة في رسول الله ﷺ ، فرجع عليّ ﵁ حتّى لقي النّبيّ ﷺ بالطّريق، فقال: يا رسول الله لا عليك أن تدنو من هؤلاء الخبائث، قال: [أظنّك سمعت منهم أذى؟] قال: نعم.
فسار النّبيّ ﷺ نحوهم حتّى دنا من حصونهم، فقال لهم: [يا إخوان القردة أخزاكم الله، وأنزل فيكم نقمته] قالوا: يا أبا القاسم! ما كنت جهولا (٢).
فحاصرهم رسول الله ﷺ خمسا وعشرين ليلة حتّى جهدهم الحصار، وقذف في قلوبهم الرّعب. فلمّا أيقنوا أنّ رسول الله ﷺ غير راجع عنهم، قال لهم كعب بن أسد: يا معشر اليهود؛ إنّه قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإنّي سأعرض عليكم ثلاث خصال، فخذوا بأيّها شئتم. قالوا: وما هي؟
قال: أمّا الأولى فنبايع هذا الرّجل ونصدّقه، فو الله لقد تبيّن لكم أنّه نبيّ مرسل، وأنّه الّذي تجدونه في كتابكم، فتأمنوا على دمائكم وأموالكم ونسائكم.
قالوا: لا نفارق ديننا أبدا، ولا نستبدل به غيره.
стр. 2175
قال: فإن أبيتم هذه عليّ، فهلمّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثمّ نخرج إلى محمّد رجالا مصلّتين بالسّيوف، ولم يكن وراءنا ثقل يهمّنا حتّى يحكم الله بيننا وبينهم.
قالوا: نقتل هؤلاء المساكين! فلا خير في العيش بعدهم.
قال: فإن أبيتم هذه، فاعلموا أنّ هذه ليلة السّبت، وإنّه عسى أن يكون محمّد وأصحابه قد أمنوا فيها، فانزلوا لعلّنا نصيب من محمّد وأصحابه غرّة. قالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا، وقد علمت أنّ الّذين أحدثوا فيه الأحداث مسخوا، ولم يخف عليك من هم.
قال: ثمّ إنّهم بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا أبا لبابة أخا بني عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الأوس، نستشيره في أمرنا، فأرسله النّبيّ ﷺ إليهم. فسألوه إن ننزل على حكم محمّد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه: أنّه الذبح. قال أبو لبابة:
فعلمت أنّي قد خنت الله ورسوله، ثمّ انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسول الله ﷺ حتّى ارتبط في المسجد إلى عمود من أعمدته، وقال: لا أبرح حتّى يتوب الله عليّ ممّا صنعت، وعاهد الله تعالى أن لا يطأ أرض بني قريظة أبدا، وقال: لا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه. فلمّا علم رسول الله ﷺ أنّه قد مضى على وجهه ولم يأته قال: [أما إنّه لو جاءني لاستغفرت له، فأمّا إذا فعل ما فعل، فما أنا بالّذي أطلقه حتّى يتوب الله عليه. ثمّ إنّ الله تعالى أنزل توبته، فقال ﷺ : [تبت على أبي لبابة] فثار النّاس إلى أبي لبابة ليطلقوه، فقال: والله لا حتّى يكون رسول الله ﷺ هو الّذي يطلقني بيده. فجاء النّبيّ ﷺ فأطلقه.
قال: فلمّا أصبح بنو قريظة نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فتواثبت الأوس وقالوا: يا رسول الله؛ إنّهم موالينا-أي حلفاؤنا-دون الخزرج، وقد فعلت في موالي الخزرج ما قد علمت، وكان رسول الله ﷺ قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه، فسألهم إيّاه عبد الله بن أبي سلول فوهبهم له. فلمّا كلّمه الأوس، قال رسول الله ﷺ : [يا معشر الأوس؛ أما ترضون أن أحكّم فيهم رجلا منكم؟] قالوا: بلى، قال: [فذاك] إلى سعد بن معاذ، وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله ﷺ في خيمة امرأة من أسلم يقال لها رفيدة، تداوي الجرحى وتخدم المرضى.