قوله تعالى: ﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ؛﴾ وذلك أنّ الله تعالى كان قد وعدهم في سورة البقرة ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ .. ﴾. إلى قوله ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (١) وقوله تعالى ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (٢).وقوله تعالى: ﴿وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيماناً وَتَسْلِيماً﴾ (٢٢)؛أي ما زادهم ما رأوه إلاّ إيمانا وتصديقا بوعد الله وتسليما لآخره.
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ؛﴾ أي من جملة المؤمنين رجال وافوا ما عاهدوا الله عليه بالثّبات على الدّين والعمل بموجبه من الصّبر على القتال وغير ذلك، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ؛﴾ أي من وفّى بنذره، ومنهم من أقام على ذلك العهد حتى قتل شهيدا في سبيل الله. قيل: إنّ المراد به حمزة ابن عبد المطّلب وأصحابه الذين قتلوا يوم أحد.
والنّحب في اللّغة: النّذر، وقيل: النّحب هو النّفس، ومنه النّحيب: وهو التّنفّس الشديد والنّشج في البكاء (٣).والمعنى على هذا القول: (منهم من قضى نحبه) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ؛﴾ الموت على ذلك العهد. وقيل: معناه: ﴿(فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ)﴾ أي مات أو قتل في سبيل الله فأدرك ما تمنّى، فذلك قضاء النّحب. وقيل: فرغ من عمله، ورجع إلى الله. وقال الحسن: (قضى أجله على الوفاء والصّدق) (٤)،قال ابن قتيبة: (﴿قَضى نَحْبَهُ﴾:قتل).
وأصل النّحب: النّذر، كان قوم نذروا أنّهم إن لقوا العدوّ قاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله تعالى فقتلوا. يقال: فلان قضى نحبه، إذا قتل. وقال محمّد بن اسحاق:
(فمنهم من قضى نحبه، من استشهد يوم بدر وأحد، ومنهم من ينتظر ما وعد الله من نصر أو شهادة على ما مضى عليه أصحابه) (٥).
стр. 2172
وعن عائشة ﵂ أنّها قالت: طلحة بن عبيد الله ممّن قضى نحبه، ثبت مع رسول الله ﷺ حتّى أصيبت يده، فقال ﷺ : [أوجب طلحة الجنّة] (١).
وعن أبي نجيح: أنّ طلحة بن عبيد الله كان يوم أحد عند النّبيّ ﷺ في الجبل، فجاء سهم متوجّه إلى النّبيّ ﷺ فاتّقاه طلحة بيده فأصاب خنصره.
وعن عائشة: أنّ رسول الله ﷺ قال: [من سرّه أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض وقد قضى نحبه، فلينظر إلى طلحة] (٢).وقال ﷺ : [من سرّه أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله] (٣).
قوله تعالى: ﴿وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (٢٣)؛أي ما غيّروا عهد الله الذي عاهدوه عليه كما غيّره المنافقون.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ؛﴾ أي صدق المؤمنون في عهدهم ليجزيهم الله بصدقهم، ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ؛﴾ بنقض العهد، ﴿إِنْ شاءَ؛﴾ قال السديّ: (يميتهم الله على نفاقهم إن شاء فيوجب لهم العذاب) (٤).فمعنى شرط المشيئة في عذاب المنافقين إماتتهم على النفاق إن شاء ثم يعذّبهم، ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ؛﴾ فيغفر لهم، ليس أنه يجوز أن لا يعذّبهم إذا ماتوا على النّفاق، ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً؛﴾ لمن تاب ﴿رَحِيماً﴾ (٢٤)؛بمن مات على التّوبة.
قوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً؛﴾ معناه:
وصرف الله الكفّار عن المؤمنين مغتاظين لم يكن فيهم من شفا غيظه، ولم ينالوا منهم مالا ولا غنيمة، ولم يروا سرورا، ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ؛﴾ بالرّيح
стр. 2173
والملائكة التي أرسلت عليهم، ﴿وَكانَ اللهُ قَوِيًّا؛﴾ أي لم يزل قويّا في ملكه، ﴿عَزِيزاً﴾ (٢٥)،في قدرته منيعا بالنّقمة من أعدائه.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ؛﴾ معناه: وأنزل الذين عاونوا المشركين من أهل الكتاب وهم بنو قريظة، نقضوا العهد وأعانوا الأحزاب على رسول الله ﷺ ، فأنزلهم الله من حصونهم مع شدّة شوكتهم، وألقى في قلوبهم الرّعب. وذلك أنّ بني قريظة كانوا قد عاهدوا رسول الله ﷺ أن لا ينصروا أعداءه عليه، فلما رأوا الأحزاب وكثرتهم ظنّوا أنّهم يستأصلون المؤمنين، فنقضوا العهد ولحقوا بهم.
فلمّا هزم الله المشركين ورجع النّبيّ ﷺ إلى بيته، أراد أن ينزع لامته، فسمع هسيسا، فنظر فإذا جبريل ﵇ في درعه وسلاحه، فقال له جبريل: أتنزع لامتك يا رسول الله والملائكة لم ينزعوا حتّى يقاتلوا بني قريظة ويصلّى فيهم العصر؟! فقال ﷺ : [وكيف لي بقتالهم وهم في حصونهم؟!] فقال جبريل: لألهمنّك ذلك، فو الله لأدقّنّهم اليوم كما يدقّ البيض على الصّفا. فنادى رسول الله ﷺ في الأصحاب، فخرجوا إلى حصون بني قريظة، فألقي الرّعب في قلوب القوم حتّى طلبوا الصّلح، وأبوا إلاّ أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ.
وكان سعد قد أصابه سهم في أكحله في حرب الخندق، فسأل الله أن يؤخّره إلى أن يرى قرّة عين النّبيّ ﷺ ، فاستجاب الله دعاءه. فلمّا طلبت بنو قريظة النّزول على حكم سعد، رضي رسول الله ﷺ ، فحمل سعد إلى النّبيّ ﷺ وقد احتبس أكحله، فقال له النّبيّ ﷺ : [احكم فيهم].فقال: حكمت فيهم بأن يقتل مقاتلتهم ويسبى ذراريهم ونساؤهم وأموالهم. فقال ﷺ : [حكمت فيهم مثل ما حكم الله فيهم].فلمّا قتلت مقاتلتهم وسبيت نساؤهم وذراريهم، انفجر أكحل سعد فمات ﵀ (١).
стр. 2174
والصّياصيّ: جمع صيصة، وصيصة الثّور قرنه، سمّي بذلك؛ لأنّ قرنه حصنه الّذي يتحصّن به.
وروي: أنّ رسول الله ﷺ لمّا رجع من اللّيلة الّتي انصرف فيها الأحزاب، ورجع رسول الله ﷺ والمؤمنون إلى المدينة، ووضع النّبيّ ﷺ السّلاح، أتى جبريل ﵇ إلى النّبيّ ﷺ معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج، ورسول الله ﷺ عند زينب بنت جحش يغسل رأسه وقد مشّطت عقصته (١)،فقال جبريل: قد وضعت السّلاح يا رسول الله؟! قال: [نعم] قال: عفا الله عنك يا رسول الله! فو الله ما وضعت الملائكة السّلاح منذ أربعين ليلة، إنّ الله يأمرك بالسّير إلى بني قريظة.
وكان هذا في وقت الظّهر، فأمر النّبيّ ﷺ مناديا ينادي: [من كان سامعا مطيعا فلا يصلّينّ العصر إلاّ في بني قريظة].وقدّم النّبيّ ﷺ عليّ بن أبي طالب برايته إليهم، فسار إليهم عليّ ﵁ حتّى إذا دنا من الحصون سمع منهم مقالة قبيحة في رسول الله ﷺ ، فرجع عليّ ﵁ حتّى لقي النّبيّ ﷺ بالطّريق، فقال: يا رسول الله لا عليك أن تدنو من هؤلاء الخبائث، قال: [أظنّك سمعت منهم أذى؟] قال: نعم.
فسار النّبيّ ﷺ نحوهم حتّى دنا من حصونهم، فقال لهم: [يا إخوان القردة أخزاكم الله، وأنزل فيكم نقمته] قالوا: يا أبا القاسم! ما كنت جهولا (٢).
فحاصرهم رسول الله ﷺ خمسا وعشرين ليلة حتّى جهدهم الحصار، وقذف في قلوبهم الرّعب. فلمّا أيقنوا أنّ رسول الله ﷺ غير راجع عنهم، قال لهم كعب بن أسد: يا معشر اليهود؛ إنّه قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإنّي سأعرض عليكم ثلاث خصال، فخذوا بأيّها شئتم. قالوا: وما هي؟
قال: أمّا الأولى فنبايع هذا الرّجل ونصدّقه، فو الله لقد تبيّن لكم أنّه نبيّ مرسل، وأنّه الّذي تجدونه في كتابكم، فتأمنوا على دمائكم وأموالكم ونسائكم.
قالوا: لا نفارق ديننا أبدا، ولا نستبدل به غيره.
стр. 2175
قال: فإن أبيتم هذه عليّ، فهلمّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثمّ نخرج إلى محمّد رجالا مصلّتين بالسّيوف، ولم يكن وراءنا ثقل يهمّنا حتّى يحكم الله بيننا وبينهم.
قالوا: نقتل هؤلاء المساكين! فلا خير في العيش بعدهم.
قال: فإن أبيتم هذه، فاعلموا أنّ هذه ليلة السّبت، وإنّه عسى أن يكون محمّد وأصحابه قد أمنوا فيها، فانزلوا لعلّنا نصيب من محمّد وأصحابه غرّة. قالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا، وقد علمت أنّ الّذين أحدثوا فيه الأحداث مسخوا، ولم يخف عليك من هم.
قال: ثمّ إنّهم بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا أبا لبابة أخا بني عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الأوس، نستشيره في أمرنا، فأرسله النّبيّ ﷺ إليهم. فسألوه إن ننزل على حكم محمّد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه: أنّه الذبح. قال أبو لبابة:
فعلمت أنّي قد خنت الله ورسوله، ثمّ انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسول الله ﷺ حتّى ارتبط في المسجد إلى عمود من أعمدته، وقال: لا أبرح حتّى يتوب الله عليّ ممّا صنعت، وعاهد الله تعالى أن لا يطأ أرض بني قريظة أبدا، وقال: لا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه. فلمّا علم رسول الله ﷺ أنّه قد مضى على وجهه ولم يأته قال: [أما إنّه لو جاءني لاستغفرت له، فأمّا إذا فعل ما فعل، فما أنا بالّذي أطلقه حتّى يتوب الله عليه. ثمّ إنّ الله تعالى أنزل توبته، فقال ﷺ : [تبت على أبي لبابة] فثار النّاس إلى أبي لبابة ليطلقوه، فقال: والله لا حتّى يكون رسول الله ﷺ هو الّذي يطلقني بيده. فجاء النّبيّ ﷺ فأطلقه.
قال: فلمّا أصبح بنو قريظة نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فتواثبت الأوس وقالوا: يا رسول الله؛ إنّهم موالينا-أي حلفاؤنا-دون الخزرج، وقد فعلت في موالي الخزرج ما قد علمت، وكان رسول الله ﷺ قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه، فسألهم إيّاه عبد الله بن أبي سلول فوهبهم له. فلمّا كلّمه الأوس، قال رسول الله ﷺ : [يا معشر الأوس؛ أما ترضون أن أحكّم فيهم رجلا منكم؟] قالوا: بلى، قال: [فذاك] إلى سعد بن معاذ، وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله ﷺ في خيمة امرأة من أسلم يقال لها رفيدة، تداوي الجرحى وتخدم المرضى.
стр. 2176
فلمّا حكّمه رسول الله ﷺ في بني قريظة، أتاه قوم فاحتملوه على حمار، وقد وطّئوا له وسادة من أدم، وكان رجلا جسيما. ثمّ أقبلوا به إلى رسول الله ﷺ وهم يقولون: يا أبا عمرو! أحسن في مواليك، فإنّ رسول الله ﷺ إنّما ولاّك ذلك لتحسن فيهم. فلمّا أكثروا عليه؛ قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فعرفوا أنّ بني قريظة مقتولون.
فلمّا انتهى سعد إلى النّبيّ ﷺ قال: [قوموا إلى سيّدكم، فأنزلوه] فقاموا إليه، فقال: يا أبا عمرو؛ إنّ رسول الله قد ولاّك مواليك لتحكم بينهم، فقال سعد: عليكم عهد الله وميثاقه أنّ الحكم فيهم ما حكمت؟ قالوا: نعم. قال: أحكم فيهم أن يقتل الرّجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنّساء. فقال ﷺ : [لقد حكمت فيهم يا سعد بحكم الله من فوق سبعة أرقعة].ثمّ استنزلوا، فحبسهم رسول الله ﷺ في دار «ابنة الحارث» (١) امرأة من بني النّجّار، ثمّ بعث إليهم من يخرجهم إليه إرسالا، وأمر بضرب أعناقهم.
وكان فيهم يومئذ عدوّ الله حييّ بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم في سبعمائة. وقيل: من ثمانمائة إلى تسعمائة، فقالوا لكعب وهو يذهب بهم إلى النّبيّ ﷺ أرسالا: يا كعب ما ترى ما يصنع بنا؟ قال: ما لكم لا تعقلون! ألا ترون من ذهب منكم لا يرجع، هو والله القتل، فلم يزل ذلك دأبهم حتّى فرغ منهم رسول الله ﷺ ، ثمّ أتي بحييّ بن أخطب عدوّ الله وعليه حلّة له فقّاحيّة (٢) ويداه مغلولتان إلى عنقه بحبل، ثمّ أجلس فضرب عنقه (٣).
قالت عائشة ﵂: (كان عليّ والزّبير يضربان أعناق بني قريظة، ورسول الله ﷺ جالس هناك)،قالت عائشة: ولم يقتل من نساء بني قريظة إلاّ امرأة واحدة، كانت والله عندي تتحدّث معي وتضحك، ورسول الله ﷺ يقتل رجالها،
стр. 2177
فبينا هي كذلك إذ هاتف يهتف باسمها: أين فلانة. قالت: هي أنا والله. قالت عائشة:
فقلت لها: ويلك وما تلك؟ قالت: طلبت لأقتل، قلت: ولم؟ قالت: حدثا أحدثته، قالت: فانطلق بها فضرب عنقها. قالت عائشة: ما أنسى عجبا منها، طيب نفس وكثرة ضحك، وقد علمت أنّها تقتل) (١).قال الواقديّ: (واسم تلك المرأة نباتة) (٢) امرأة الحكم القرظيّ، وكانت قتلت خلاّد بن سويد، رمت عليه رحى فقتله، فقتلها رسول الله ﷺ بخلاّد بن سويد.
وعن الزهريّ ﵁ قال: (كان رجل من قريظة يقال له الزّبير بن باطا ويكنّى أبا عبد الرّحمن، مرّ يوما على ثابت بن قيس بن ثابت بن شمّاس في الجاهليّة يوم بغاث، أخذه وحزّ ناصيته ثمّ خلّى سبيله. فجاء ثابت بن قيس يوم بني قريظة فوجده قد صار شيخا كبيرا، فقال له ثابت: يا زبير هل تعرفني؟ قال: نعم؛ وهل يجهل مثلي مثلك؟ قال: فإنّي أريد أن أجازيك بما لك عندي من اليد، قال: افعل، فإنّ الكريم يجزي الكريم.
قال ثابت: فأتيت النّبيّ ﷺ فقلت: يا رسول الله؛ قد كان للزّبير عندي يد وصنيعة وله عليّ منّة وقد أحببت أن أجزيه، فهب لي دمه، فقال ﷺ : [هو لك] فأتاه، فقال له: يا شيخ؛ إنّ رسول الله ﷺ قد وهب لي دمك. فقال: إنّي شيخ كبير، فإن ذهب أهلي وأولادي فما أصنع بالحياة؟ قال ثابت: فأتيت رسول الله ﷺ فسألته أهله وولده، فقال: [هم لك] فقلت: يا شيخ؛ قد وهب لي رسول الله امرأتك وأولادك. فقال: يا ثابت؛ كيف يكون أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ذلك؟ قال: فأتيت رسول الله ﷺ فسألته ماله، فقال: [هو لك] فأعلمته بذلك.
فقال لي: يا ثابت؛ ما فعل الّذي وجهه مرآة مضيئة كعب بن أسد؟ قلت:
قتل، قال: فما فعل سيّد الحاضر والبادي حييّ بن أخطب؟ قلت: قتل، قال: فما فعل
стр. 2178
مقدّمنا إذا شددنا وحامينا إذا كررنا غزال بن شموال؟ قلت: قتل. قال: فما فعل ببني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة؟ قلت: قتلوا كلّهم.
قال: فإنّي أسألك يا ثابت بما بيني وبينك من الصّنيعة واليد إلاّ ما ألحقتني بالقوم، فو الله ما لي في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصائر حتّى ألقى الأحبّة.
فضرب ثابت عنقه) (١).فلمّا بلغ أبا بكر الصّدّيق ﵁ قوله: ألقى الأحبّة، قال: تلقاهم والله في نار جهنّم خالدا فيها أبدا (٢).
قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ؛﴾ أي ألقى في قلوبهم الخوف، ﴿فَرِيقاً تَقْتُلُونَ؛﴾ يعني المقاتلة، ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ (٢٦)؛يعني الذراري،
﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ؛﴾ يعني عقارهم ونخيلهم ومنازلهم وأموالهم من الذهب والفضّة والحليّ والعبيد والإماء، ﴿وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها؛﴾ يعني أرض بني النّضير، وقيل: أرض خيبر.
والمعنى: سيفتح الله لكم أرضا لم تطئوها الآن بأقدامكم يعني خيبر، ففتحها الله عليهم بعد بني قريظة. وقال الحسن: (هي فارس والرّوم) (٣)،وقال قتادة: (هي مكّة) (٤).قوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ (٢٧)؛فيه بيان أنّ الله قادر على إظهار الإسلام بغير القتال، وإنّما أمر المؤمنين بالقتال ليعرضهم لجزيل الثواب.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ (٢٨)؛قال المفسّرون: كان بعض أزواج النبيّ ﷺ سألنه شيئا من عرض الدّنيا وآذينه بزيادة النّفقة، فهجرهنّ رسول الله ﷺ وآلى منهنّ شهرا أن لا يقربهن ولم يخرج إلى أصحابه للصّلوات.
стр. 2179
فقالت الصحابة: ما شأن رسول الله؟ فقال عمر ﵁: إن شئتم ذهبت إليه لأعلمكم ما شأنه؟ فذهب إلى النّبيّ ﷺ فاستأذن فأذن له. قال عمر: فجعلت أقول في نفسي: أيّ شيء أكلّم به رسول الله ﷺ لعلّه ينبسط؟ فقلت: يا رسول الله؛ لو رأيت فلانة وهي تسألني النّفقة فصككتها صكّة؟ فقال ﷺ : [فذلك الّذي أجلسني عنكم].فأتى عمر حفصة فقال لها: لا تسألي رسول الله ﷺ شيئا فما كان من حاجته لك فأولى.
ثمّ جعل يتتبّع نساء النّبيّ ﷺ يكلّمهنّ، حتّى قال لعائشة ﵂: يغرّك أنّك امرأة حسناء وإنّ زوجك يحبّك، لتنتهينّ أو لينزلنّ الله فيكنّ القرآن. فقالت أمّ سلمة: يا ابن الخطّاب؛ أو ما بقي لك إلاّ أن تدخل بين رسول الله ونسائه! فمن تسأل المرأة إلاّ زوجها؟ فأنزل الله هذه الآية ﴿(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ)﴾ إلى آخرها (١).
وكان يومئذ مع رسول الله ﷺ تسع نسوة؛ خمس من قريش: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأمّ سلمة بنت أبي أميّة، فهؤلاء من قريش. وصفيّة بنت حييّ بن أخطب الخيبريّة، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش، وجويريّة بنت الحارث المصطلقيّة (٢).
وعن ابن عبّاس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ جالسا مع حفصة، فتشاجرا فيما بينهما، فقال لها: هل لك أن أجعل بيني وبينك رجلا؟ قالت: نعم، قال: فأبوك إذا، فأرسل إلى عمر ﵁، فلمّا دخل عليها قال: تكلّمي، قالت: يا رسول الله تكلّم ولا تقل إلاّ حقّا! فرفع عمر يده فوجأ وجهها ثمّ رفع فوجأ وجهها، فقال النّبيّ ﷺ : [كفّ].
стр. 2180
فقال عمر: يا عدوّة الله! أو يقول رسول الله إلاّ حقّا، والّذي بعثه بالحقّ لولا مجلسه ما رفعت يدي حتّى تموتي. فقام ﷺ فصعد إلى غرفة، فمكث فيها شهرا لا يقرب شيئا من نسائه، يتغدّى ويتعشّى فيها، فأنزل الله تعالى: ﴿(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها)﴾ الآية، فنزل النّبيّ ﷺ فعرض ذلك عليهنّ كلّهنّ، فلم يخترن إلاّ الله ورسوله، وكان آخر من عرض عليها حفصة، فقالت: يا رسول الله؛ إنّي في مكان العائذة بك من النّار، والله لا أعود لشيء تكرهه أبدا، بل أختار الله ورسوله، فرضي عنها.
وقيل: إنّ النّبيّ ﷺ لمّا نزلت عليه آية التّخيير بدأ بعائشة أحبّهنّ إليه، فخيّرها فاختارت الله ورسوله والدّار الآخرة، فرؤي الفرح في وجهه ﵇، وتابعها جميع نسائه على ذلك، فشكرهنّ الله وقصر نبيّه ﷺ عليهنّ، فقال (لا يحلّ لك النّساء من بعد) (١).
قيل: لمّا نزلت هذه الآية، قال النّبيّ ﷺ : [يا عائشة؛ إنّي ذاكر لك أمرا فلا تعجلي حتّى تستأمري فيه أبوك] ثمّ قرأ هذه الآية، فقال:: ﴿(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها)﴾ إلى قوله: ﴿(وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ)﴾؛فقالت عائشة ﵂: قد علم الله أنّه أبويّ لم يكونا يأمرانني بفراقك، وهل أستأمر في هذا؟! إنّي أريد الله ورسوله والدّار الآخرة.
ثمّ قالت: يا رسول الله؛ لا تخبر أزواجك أنّي اخترتك. ثمّ فعل أزواج رسول الله ﷺ كما فعلت (٢).
стр. 2181
وقيل: لمّا نزلت آية التّخيير، دعا رسول الله ﷺ نساءه وخيّرهنّ، وقال لعائشة:
[أمّا أنت فلا تحدثي من أمرك شيئا حتّى تشاوري أبويك] فقالت: أفيك أشاورهما؟! أنا أختار الله ورسوله والدّار الآخرة، ما لنا والدّنيا؟! فتبعها سائر أزواجه، ولم تختر واحدة منهنّ نفسها إلاّ المرأة الحميريّة (١).
قوله تعالى: ﴿(فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ)﴾ أي أعطيكن مهركنّ ﴿(وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً)﴾ أي أطلّقكنّ على وجه السّنة. وقيل: معناه: أخرجكنّ من البيوت، لأنه ذكر المتعة قبل التّسريح.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ؛﴾ أي ثواب الله ورضى رسوله ﴿وَالدّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي الجنّة، ﴿فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ؛﴾ باختيار ثواب الله ورضى رسوله، ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ (٢٩)،في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ؛﴾ قال ابن عبّاس ﵄: (يعني النّشوز وسوء الخلق) (٢) ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ؛﴾ أي يجعل عذاب جرمها في الآخرة كعذاب جرمين. والمعنى: يزيد في عذابها ضعفا، كما زيد في ثوابها ضعفا في قوله ﴿(نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ)﴾.
وإنّما ضوعف عذابهن على الفاحشة لأنّهن يشاهدن من الزّواجر ما يردع عن مواقعة الذّنوب ما لا يشاهد غيرهن، فإذا لم يمتنعن استحققن تضعيف العذاب.
وقوله تعالى: ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ (٣٠)؛أي وكان عذابها على الله هيّنا.
وقوله تعالى ﴿(يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ)﴾،قرأ ابن كثير وابن عامر «(نضعّف)» بالنون وكسر العين مشدّدة من غير ألف «(العذاب)» بالنصب (٣)،وقرأ أبو
стр. 2182
عمرو «(يضعّف)» بالياء وفتح العين والتشديد، ورفع ﴿(الْعَذابُ)﴾،قال أبو عمرو: (وإنّما قرأت هكذا مشدّدا من غير ألف لقوله ﴿(ضِعْفَيْنِ)﴾،يقال: ضعّفت الشّيء إذا جعلته مثله وضاعفته إذا جعلته أمثاله) (١).وقرأ الباقون «(يضاعف)» بالألف ورفع ﴿(الْعَذابُ)﴾.
قوله تعالى: ﴿*وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ؛﴾ أي ومن يطع منكن لله ورسوله. وقيل: ومن تقم منكنّ على طاعة الله وطاعة رسوله، ﴿وَتَعْمَلْ صالِحاً؛﴾ فيما بينها وبين ربها، ﴿نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ؛﴾ أي نعطيها مكان كلّ حسنة عشرين حسنة، ﴿وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً﴾ (٣١)؛أي حسنا؛ يعني الجنّة. والرّزق الكريم: ما سلم من كلّ آفة، ولا يكون ذلك إلاّ في الجنّة.
قرأ يعقوب «(تقنت)» بالتاء ومثله روي عن ابن عامر، وقوله ﴿(وَتَعْمَلْ صالِحاً)﴾، قرأ الأعمش وحمزة والكسائي وخلف «(ويعمل صالحا يؤتها)» بالياء فيهما. وقرأ غيرهم ﴿(وَتَعْمَلْ)﴾ بالتاء (و ﴿نُؤْتِها﴾) بالنّون. قال الفرّاء: (وإنّما قرئ ﴿(يَقْنُتْ)﴾ بالياء لأن ﴿(مَنْ)﴾ أداة تقوم مقام الاسم، يعبّر به عن الواحد والاثنين والجمع والمؤنّث والمذكّر، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ (٢) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (٣)، ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ﴾).
قوله تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ؛﴾ معناه: ليس قدركنّ عندي مثل قدر غيركن من النّساء الصالحات، أنتنّ أكرم عليّ، وأنا بكنّ أرحم وثوابكن أعظم، ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ؛﴾ الله. وشرط عليهنّ التقوى بيانا أنّ فضيلتهنّ إنّما تكون بالتّقوى لا باتّصالهن بالنبيّ ﷺ . وقيل: معناه: ليست حالتكن كحالة النّساء غيركن في الطاعة والمعصية والثواب والعقاب إن كنتن متّقيات عن المعاصي مطيعات لله تعالى.
стр. 2183
قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ؛﴾ أي فلا تلنّ القول للرّجال على وجه يورث ذلك الطمع فيكن، فيطمع المنافقون في مواقعتكن، فقوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ؛﴾ يعني زنى وفجور ونفاق. والمرأة مندوبة إذا خاطبت الأجانب إلى الغلظة في المقالة؛ لأن ذلك أبعد من الطّمع من الزّينة.
وإنّما قال ﴿(لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ)﴾ ولم يقل كواحدة؛ لأن أحدا عامّ يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكّر والمؤنث، قال تعالى ﴿(لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ)﴾ (١) وقال تعالى ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ (٣٢)؛أي قلن قولا حسنا لا يؤدّي إلى الزينة، وقيل: معناه: وقلن ما يوجبه الدّين والإسلام بغير خضوع فيه، بل بتصريح وبيان.
قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ؛﴾ أي الزمن بيوتكن ولا تخرجن إلاّ في ضرورة.
قرأ نافع وعاصم ﴿(وَقَرْنَ)﴾ بفتح القاف، وهو من قررت في المكان أقرّ، وكان الأصل اقررن في بيوتكنّ، فحذفت الرّاء الأولى التي هي عين الفعل لأجل نقل التّضعيف، وألقيت حركتها على القاف كقوله ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (٣) و ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً﴾ (٤)،والأصل ظللت وظللتم. وقرأ الباقون «(وقرن)» بكسر القاف من الوقار؛ أي كنّ أهل سكينة ووقار، والأمر منه للرّجل قرّ، وللمرأة قرّي، ولجماعة النساء قرن، كما يقال من الوعد: عدن، ومن الوصل: صلن.
وعن محمّد بن سيرين قال: (قيل لسودة بنت زمعة: ألا تحجّين؛ ألا تعتمرين كما يفعل أخواتك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت، ثمّ أمرني الله أن أقرّ في بيتي، فو الله لا أخرج منه حتّى أموت. فو الله ما أخرجت من باب بيتها حتّى أخرجوا جنازتها ﵂ (٥).
стр. 2184
قوله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى؛﴾ التّبرّج: التّبختر وإظهار الزّينة، وما يستدعي به من شهوة الرّجال وإبراز المحاسن للناس. والجاهلية الأولى: هي ما بين عيسى ﵇ ومحمّد ﷺ (١)،كانت المرأة من أهل ذلك الزمان تتّخذ الدّرع من اللّؤلؤ فتلبسه ثم تمشي وسط الطريق ليس عليها غيره، وتعرض نفسها للرّجال. وقال بعضهم: الجاهلية الأولى ما بين آدم ونوح، كان نساؤهم أقبح ما يكون من النّساء، ورجالهم حسان، وكانت المرأة تراود الرجل عن نفسه. فنهى الله تعالى هؤلاء عن فعل أهل الجاهليّة وأمرهنّ بإقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة وطاعة الله ورسوله في باقي الآية.
قوله تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ؛﴾ أي إنّما أمركنّ الله بما أمركنّ من الطاعة ولزوم البيوت ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ،﴾ يعني رجس الذّنوب والعيوب، ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (٣٣).وقال ابن عبّاس: (عمل الشّيطان وما ليس فيه رضى).ومعنى الرّجس: السّوء وما يوجب العقوبة. والمراد بأهل البيت هاهنا نساء النّبيّ ﷺ لأنّهنّ في بيته. وقيل: أهل البيت كلّ من اتّصل بالنبيّ ﷺ من جهة نسب عليّ أو نسب على العموم (٢).وعن أبي سعيد الخدريّ: (أنّ الآية نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين ﵃ أجمعين) (٣).
стр. 2185
وعن أمّ سلمة ﵂ قالت: لمّا نزلت هذه الآية، دعا رسول الله ﷺ عليّا وفاطمة والحسن والحسين، فجمعهم وأتى بقطيفة خيبريّة فلفّها عليهم، ثمّ ألوى بيده إلى السّماء، فقال: [اللهمّ هؤلاء أهلي أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا] فقالت أمّ سلمة: أولست من أهلك؟ قال: [نعم] (١) فدخلت الكساء بعد ما دعا وانقضى دعاؤه.
وعن عكرمة ﵁ أنه قال: (نزلت هذه الآية في أزواج النّبيّ ﷺ خاصّة، وليس هو الّذي تذهبون إليه) (٢)،وكان عكرمة ينادي بهذا في السّوق (٣)،واحتجّ بقوله في الخطاب ﴿(وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ)﴾ وكلا الخطابين لأزواج النبيّ ﷺ ، يعني الخطاب الأول ﴿(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)﴾،وهذا الخطاب الثاني. وإنه ذكّر الخطاب في قوله ﴿(عَنْكُمُ)﴾ و ﴿(يُطَهِّرَكُمْ)﴾ لأنّ النّبيّ ﷺ كان فيهنّ فغلب المذكّر.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ؛﴾ أي واحفظن ما يقرأ عليكن في بيوتكن من القرآن والمواعظ. وهذا حثّ لهن على حفظ القرآن والأخبار ومذاكرتهن بهما للإحاطة بحدود الشّريعة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ (٣٤)؛أي لطيفا بأوليائه، خبيرا بجميع خلقه وبجميع مصالحهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ؛﴾ الآية، قال قتادة: (لمّا ذكر الله أزواج النّبيّ ﷺ دخل نساء من المسلمات عليهنّ؛ فقلن: ذكرتنّ ولم نذكر! فأنزل الله هذه الآية) (٤).
стр. 2186
وقال مقاتل: (لمّا رجعت أسماء بنت عميس من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، دخلت على نساء رسول الله ﷺ ؛ فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن: لا. فأتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إنّ النّساء لفي خيبة وخسارة! قال: [وممّ ذلك؟] قالت: لأنّهنّ لا يذكرن بخير كما يذكر الرّجال. فأنزل الله هذه الآية) (١).
وقال مقاتل: (قالت أمّ سلمة بنت أبي أميّة ونسيبة بنت كعب الأنصاريّة للنّبيّ ﷺ : ما بال ربنا يذكر الرّجال ولا يذكر النّساء في شيء من كتابه، فعسى أن لا يكون فيهنّ خير، ولا لله فيهنّ حاجة. فأنزل الله هذه الآية) (٢).
وقيل: إنّ أزواج النبيّ ﷺ قلن: (يا رسول الله! ذكر الله الرّجال في القرآن، ولم يذكر النّساء بخير، فما فينا خير نذكر به، إنّا نخاف أن لا يتقبّل منّا طاعة).فأنزل الله هذه الآية (٣).
واعلم: أنّ الرجال والنساء يجازون بأعمالهم الصالحة مغفرة لذنوبهم وأجرا عظيما.
ومعنى الآية: ﴿(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ)﴾ يعني المخلصين بالتّوحيد والمخلصات ﴿(وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ)﴾ أي المصدّقين بالتوحيد والمصدّقات. والإسلام في اللغة: هو الانقياد والاستسلام. والإيمان في اللغة: هو التّصديق، غير أنّ معنى الإسلام والإيمان في هذه الآية واحد.
стр. 2187
قوله تعالى: ﴿وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ؛﴾ أي المطيعين لله في أوامره ونواهيه والمطيعات. والقانت: هو المواظب على الطاعة، والقنوت: طول القيام في الصّلوات. وقوله تعالى: ﴿وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ؛﴾ يعني الصّادقين في إيمانهم والصّادقات. وقوله تعالى: ﴿وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ؛﴾ الصّابر: هو الذي يحبس نفسه عن جميع ما يجب الصّبر عنه، ويصبر على جميع ما يجب الصبر عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ؛﴾ يعني بالمتصدّقين الذين يؤدّون ما عليهم من الصّدقة المفروضة. ويقال: أراد به جميع الصّدقات. وأما الخاشع: فهو المتواضع لله تعالى وللناس.
وقوله تعالى: ﴿وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ؛﴾ يعني الصّائمين صوم الفرض بنيّة صادقة، ولكن فطرهم على حلال. قال ابن عبّاس: (من صام شهر رمضان وثلاثة أيّام من كلّ شهر الغرّ البيض، كان من أهل هذه الآية، ويؤتون يوم القيامة بمائدة من الجنّة، يأكلون منها والنّاس في شدّة، ويظلّهم الله تحت ظلّ عرشه والنّاس في شدّة، وينفح من أفواههم ريح المسك) (١).
وقوله تعالى: ﴿وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ؛﴾ أي عمّا لا يحلّ، وقوله تعالى: ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ؛﴾ قيل: أراد به الذّكر في الصّلوات الخمس. وقيل: أراد به الذّكر باللّسان والقلب في جميع الأحوال. قال ابن عبّاس: (يريد في أدبار الصّلوات غدوّا وعشيّا وفي المضاجع، وكلّما استيقظ من نومه، وكلّما غدا وراح من منزله ذكر الله).وقال مجاهد: (لا يكون الرّجل من الذاكرين كثيرا حتّى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا) (٢).وعن أبي هريرة؛ قال:
قال رسول الله ﷺ : [من استيقظ من اللّيل وأيقظ امرأته فصلّيا ركعتين ركعتين، كتبا
стр. 2188
من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات] (١).وقوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٣٥)؛وهو الجنّة.
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ؛﴾ نزلت هذه الآية في عبد الله بن جحش وأخته زينب، وكانت أمّهما أميمة بنت عبد المطّلب عمّة النبيّ ﷺ ، خطب النّبيّ ﷺ زينب بنت جحش لزيد ابن حارثة مولاه، فكره أخوها عبد الله أن يزوّجها من زيد، وكان زيد عربيّا في الجاهليّة مولاه في الإسلام، كان رسول الله ﷺ أصابه من سبي الجاهليّة فأعتقه وتبنّاه.
فقالت زينب: لا أرضاه لنفسي، ثمّ قالت: يا رسول الله! أنا أتمّ نساء قريش من ابنة عمّك، فلم أكن لأفعل ولا أرضاه يا رسول الله، وقال أخوها عبد الله كذلك أيضا، وكانت زينب بيضاء جميلة، وكان فيها حدّة، فقال ﷺ : [لقد رضيته لك] فأنزل الله هذه الآية (٢).
﴿(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ)﴾ أي ما ينبغي لمؤمن ﴿(وَلا مُؤْمِنَةٍ)﴾ يعني عبد الله بن جحش وأخته زينب إذا اختار الله تعالى ورسوله أمرا ﴿(أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)﴾ بخلاف ما اختار الله ورسوله.
قرأ أهل الكوفة ﴿(أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)﴾ بالياء للحائل بين التأنيث والفعل، وقرأ الباقون بالتاء (٣).وقوله تعالى ﴿(الْخِيَرَةُ)﴾ قراءة العامّة بفتح الياء؛ أي الاختيار،
стр. 2189
وقرأ ابن السّميقع «(الخيرة)» بسكون الياء، وهما لغتان. وإنّما جمع الضمير في قوله ﴿(لَهُمُ الْخِيَرَةُ)﴾ لأن المراد بقوله ﴿(لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ)﴾ كلّ مؤمن ومؤمنة في الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ؛﴾ أي فيما أمرته، ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ (٣٦)؛أي فقد أخطأ خطأ، وذهب عن الحقّ والصواب ذهابا بيّنا.
فلما نزلت الآية قالت: قد رضيت يا رسول الله. وكذلك رضي أخوها، فجعلت أمرها إلى رسول الله ﷺ ، فزوّجها رسول الله ﷺ من زيد وساق إليهما ﵇ عشرة مثاقيل وستّين درهما؛ وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا؛ وخمسين مدّا من طعام وثلاثين صاعا من تمر (١).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ؛﴾ أي واذكر يا محمّد قولك ﴿(لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ)﴾ بالإسلام وغيره، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ؛﴾ بالإعتاق؛ وهو زيد ابن حارثة؛ وقع بينه وبين امرأته زينب تشاجر، فجاء زيد إلى النّبيّ ﷺ يشكوها بما كانت تستطيل عليه بشرفها.
فقال ﷺ لزيد على سبيل الأمر بالمعروف: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ؛﴾ امرأتك ولا تطلّقها، ﴿وَاتَّقِ اللهَ؛﴾ فيها ولا تفعل في أمرها ما تأثم به. قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ؛﴾ خطاب للنبيّ ﷺ ، وذلك أنّ النّبيّ ﷺ أضمر في نفسه أنّه إن طلّقها زيد، تزوّجها هو وضمّها إلى نفسه صلة لرحمها وشفقة عليها، فعاتبه الله على ذلك وإخفائه؛ لكي لا يكون ظاهر الأنبياء ﵈ إلاّ كباطنهم.
وكان النبيّ ﷺ يعلم أنّهما لا يتّفقان لكثرة ما كان يجري بينهما من الخصومة، فجعل يخفيه عن زيد، وكان الأولى بالنبيّ ﷺ أن يدعوهما إلى الخلع فلم يفعل، وقال له: ﴿(أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ)﴾ خشية أنه لو خالعها ثم تزوّجها النبيّ ﵇ أن يطعن الناس عليه فيقال: تزوّج بحليلة ابنه بعد ما بيّن للناس أنّ حليلة الابن حرام على الأب، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النّاسَ؛﴾ أي تخاف لائمتهم أن يقولوا:
стр. 2190
أمر رجلا بطلاق امرأته ثمّ نكحها. قال ابن عبّاس في هذه الآية: (أراد بالنّاس اليهود، خشي أن يقول اليهود: تزوّج محمّد امرأة ابنه).وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ؛﴾ أي هو أولى بأن تخشاه في كلّ الأحوال.
وعن عليّ بن الحسن: أن سئل عن هذه الآية فقال: (كان الله تعالى قد أعلم نبيّه ﵇ أنّ زينب ستكون من أزواجه، وأنّ زيدا سيطلّقها، فعلى هذا يكون النبي ﵇ معاتبا على قوله: ﴿(أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ)﴾ مع علمه بأنّها ستكون زوجته، وكتمانه ما أخبره الله به، وإنّما كتم النّبيّ ﷺ لأنّه استحيا أن يقول لزيد: إنّ زوجتك ستكون امرأتي) (١).
وقيل: إنّ زيد بن حارثة لمّا أراد فراقها، جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله؛ إنّي أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: [ما لك؟ أرابك منها شيء؟] قال:
لا والله يا رسول الله، ما رأيت منها إلا خيرا، ولكنّها تتعظّم عليّ لشرفها وتؤذيني بلسانها، فقال ﷺ : [أمسك عليك زوجك واتّق الله].
ثمّ إنّ زيدا طلّقها، فلمّا انقضت عدّتها قال ﷺ لزيد: [ما أجد في نفسي أحدا أوثق منك، اذهب إلى زينب فاخطبها لي] قال زيد: فذهبت فإذا هي تخمّر عجينها، فلمّا رأيتها عظمت في صدري، حتّى لم أستطع أن أنظر إليها حين علمت أنّ رسول الله ﷺ ذكرها، فولّيتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري؛ إنّ رسول الله ﷺ يخطبك؛ ففرحت بذلك، ونزل القرآن ﴿(زَوَّجْناكَها)﴾ فتزوّجها رسول الله ﷺ فدخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أو لم عليها، أطعم النّاس الخبز واللّحم حتّى امتدّ النّهار (٢).
стр. 2191
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها؛﴾ قضاء الوطر في اللّغة: بلوغ منتهى ما في النّفس من الشّيء، يقال: قضى وطرا منها؛ إذا بلغ ما أراد من حاجته فيها، ثم صار عبارة عن الطّلاق؛ لأنّ الرجل إنّما يطلّق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة.
وعن أنس ﵁ أنّه قال: (لمّا انقضت عدّة زينب بنت جحش خطبها رسول الله ﷺ ، ونزل قوله تعالى ﴿(زَوَّجْناكَها)﴾ فجاء رسول الله ﷺ حتّى دخل عليها بغير إذن لقوله تعالى ﴿(زَوَّجْناكَها)﴾.وكانت زينب تفاخر نساء النّبيّ ﷺ وتقول: زوّجكنّ أهلوكنّ، وزوّجني الله (١).
ومعنى الآية: ﴿(فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً)﴾ وطلّقها ﴿(زَوَّجْناكَها)﴾.وقوله تعالى:
﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً؛﴾ أي زوّجناك زينب لكيلا يظنّ أن امرأة المتبنّى لا تحلّ. والأدعياء: جمع دعيّ؛ وهو الذي يدعى ابنا من غير ولادة.
قال الحسن: (كانت العرب تظنّ أنّ حرمة المتبنّى كحرمة الابن، فبيّن الله «أنّ نساء» (٢) الأدعياء غير محرّمة على المتبنّى وإن أصابوهنّ، وهو قوله ﴿(إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً)﴾ بخلاف ابن الصّلب، فإنّ امرأته تحرم بنفس العقد).
وقوله تعالى: ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ (٣٧)؛معناه: وكان تزويج النبيّ ﷺ لزينب قضاء كائنا مكتوبا في اللوح المحفوظ.
قوله تعالى: ﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ﴾ أي ما كان عليه من ضيق وإثم فيما شرّعه الله تعالى وأحلّه له كسنّة الله، ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ،﴾ أي سائر الأنبياء الماضين في التّوسعة عليهم في النّكاح،
стр. 2192
فقوله: ﴿(سُنَّةَ اللهِ)﴾ منصوب بنزع الخافض، وقوله تعالى: ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ (٣٨)؛أي قضاء مقضيّا، أخبر الله تعالى أن أمر زينب كان من حكم الله وقدره.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ؛﴾ موضع ﴿(الَّذِينَ)﴾ الخفض؛ لأنه نعت الأنبياء ﵈ الذين خلوا من قبل، كانوا يبلّغون الرسالة، ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللهَ،﴾ ويخشون الله ولا يخشون أحدا سواه، أي لا يخشون مقالة الناس، ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً﴾ (٣٩)؛أي مجازيا لمن يخشاه، وقيل:
حفيظا لأعمال العباد، مجازيا لهم.
قوله تعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ؛﴾ وذلك أنّ رسول الله ﷺ لمّا تزوّج زينب، قال النّاس: إنّ محمّدا تزوّج امرأة ابنه! فأنزل الله تعالى ﴿(ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ)﴾،يعني أنّه ليس بأبي زيد حتى تحرم عليه زوجته، ﴿وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ؛﴾ فعظّموه وأقرّوا به (١).
قرأ الحسن وعاصم ﴿(وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ)﴾ بفتح التاء؛ أي آخر النّبيّين، وقرأ الباقون بكسر التّاء على الفاعل؛ أي إنه ختم النّبيين بالنبوّة، ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (٤٠)؛أي لم يزل عالما بكلّ شيء من أقوالكم وأفعالكم.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (٤٢)؛
اختلفوا في المراد بالذّكر الكثير في هذه الآية. قال الكلبيّ:
(المراد به الصّلوات الخمس، وهي تتضمّن أذكارا كثيرة، وأراد بالتّسبيح التّنزيه في الصّلاة).وقال مجاهد: (هو أن لا ينساه أبدا).وقال مقاتل: (هو التّسبيح والتّحميد والتّهليل والتّكبير على كلّ حال، وهو أن يقول: سبحان الله؛ والحمد لله؛ ولا إله إلاّ الله؛ والله أكبر. وهذه الكلمات يتكلّم بهنّ صاحب الجنابة والغائط والحدث) (٢).
стр. 2193
قال ﷺ : [يقول الله تعالى: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحرّكت بي شفاهه] (١).
قوله تعالى: ﴿(وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)﴾ بالغداة والعشيّ، قال الكلبيّ: (أمّا بكرة فصلاة الفجر، وأمّا أصيلا فصلاة الظّهر والعصر والمغرب والعشاء).وقال بعضهم:
أراد بذلك صلاة الصّبح وصلاة العصر على قول قتادة، وصلاة المغرب على قول غيره.
وخصّ طرفي النهار بالذّكر؛ لأنه يجتمع عندهما ملائكة اللّيل والنهار، فيقولون: أتيناهم وهم يصلّون، وتركناهم وهم يصلّون. وقيل: خصّ التسبيح بطرفي النهار؛ لأن صحيفة العبد إذا كان في أوّلها وآخرها ذكر وتسبيح يرجى أن يغفر له ما بين طرفي الصحيفة.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [ما جلس قوم قطّ يذكرون الله تعالى، إلاّ نادى منادي السّماء: أن قوموا فقد غفرت لكم ذنوبكم، وبدّلت سيّئاتكم حسنات] (٢).
وقيل: معنى قوله ﴿(اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً)﴾ أي باللّيل والنهار، وفي البرّ والبحر، والسّفر والحضر، والغنى والفقر، والصّحة والسّقم، والسّر والعلانية، وعلى كلّ حال.
وقال مجاهد: (الكثير هو الّذي لا يتناهى أبدا) (٣).
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ؛﴾ أي يرحمكم ويغفر لكم، وقوله ﴿(وَمَلائِكَتُهُ)﴾ أي يدعون لكم. وقيل: يأمر الملائكة بالاستغفار لكم.
والصّلاة من الله الرحمة بالثواب، ومن المؤمنين الدّعاء، ومن الملائكة الاستغفار للمؤمنين.
стр. 2194
وقوله تعالى: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ؛﴾ أي من ظلمات المعاصي والجهل ﴿إِلَى النُّورِ؛﴾ العلم والطاعة، وقيل: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. وقوله تعالى: ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ (٤٣)؛أي لم يزل رحيما بهم إذ رضي عنهم وأمر الملائكة بالاستغفار لهم.
قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ؛﴾ أي تحية المؤمنين من الله تعالى ﴿(يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ)﴾ أن يسلّم عليهم، يقول لهم الملائكة بأمر الله: السّلام عليكم؛ مرحبا بعبادي المؤمنين الّذين أرضوني في دار الدّنيا باتّباع أمري. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (١).وقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ (٤٤)؛أي رزقا حسنا في الجنّة، وقيل: الأجر الكريم هو الذي يكون عظيم القدر.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً؛﴾ على أمّتك وعلى جميع الأمم بتبليغ الرّسالة، ﴿وَمُبَشِّراً؛﴾ للخلق بالجنّة والثواب لمن أطاع الله وصدّقك، ﴿وَنَذِيراً﴾ (٤٥)؛أي ومخوّفا بالنار والعقاب لمن عصى الله تعالى وكذبك.
وقوله تعالى: ﴿وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ؛﴾ أي وأرسلناك للناس راعيا للخلق إلى دين الله تعالى بأمره، يعني إنّه أمرك بهذا. وقوله تعالى: ﴿وَسِراجاً مُنِيراً﴾ (٤٦)؛أي وأرسلناك سراجا مضيئا لمن تبعك واهتدى بك، كالسّراج في الظّلمة يستضاء به.
وإنّما سمّي النبيّ ﵇ سراجا؛ لأنّه بعث والأرض في ظلمة الشّرك، فكان حين بعث كالسّراج في الظّلمة.
وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ (٤٧)؛أراد بالفضل الكبير مغفرة الله لهم، وما أعدّ لهم في الجنّة.
قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ؛﴾ فيما يطلبونه منك، فقد ذكرنا تفسيره في أوّل السّورة. وقوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذاهُمْ﴾ أي اصبر على أذاهم واحتمل منهم، ولا تشتغل بمجازاتهم إلى أن تؤمر فيهم بأمر، وهذا منسوخ بآية
стр. 2195
السّيف. وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ؛﴾ أي فوّض أمورك إليه، فإنه سيكفيك أمرهم إذا توكّلت عليه؛ أي توكّل عليه في كفاية شرّهم وأذاهم، ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (٤٨)؛إذا وكّلت أمرك إليه.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ؛﴾ أي إذا تزوّجتموهنّ من قبل أن تجامعوهن، ﴿فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها،﴾ تستوفونها بالعدد لا بالحيض ولا بالشّهور.
والاعتداد هو استيفاء العدد، أسقط الله العدّة من المطلّقة قبل الدّخول لبراءة رحمها، فلو شاءت تزوّجت من يومها.
قوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ (٤٩)؛أي أعطوهنّ متعة الطلاق، وهذا على سبيل الوجوب فيمن يدخل بها ولم يسمّ لها مهرا، وعلى النّدب في من سمّى لها مهرا ثم طلّقها قبل الدّخول.
وقال سعيد بن المسيّب: (نسخ حكم هذه الآية بقوله في سورة البقرة ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ (١)).وقال الحسن: (المتعة واجبة لكلّ مطلّقة ومختلعة وملتعنة، ولكن لا يجير عليها الزّوج) (٢).
وقوله تعالى: ﴿(وَسَرِّحُوهُنَّ)﴾ أراد له التسريح عن المنزل لا عن النكاح؛ لأن حقّ الحبس لا يثبت إلاّ بأحد الأمرين: إما النكاح؛ وإما العدّة، وقد عدّ ما جميع في هذا الموضع بعدد الطّلاق المذكور.
والسّراح الجميل: هو الذي لا يكون فيه جفوة ولا أذى ولا منع حقّ. قال ابن عبّاس ﵄ في قوله ﴿(فَمَتِّعُوهُنَّ)﴾: (أي أعطوهنّ المتعة، قال: وهذا إذا لم يكن سمّى لها صداقا، فأمّا إذا فرض لها صداقا فلها نصف) (٣).
стр. 2196
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ أي أبحنا لك نساءك اللاّتي تزوّجتهن بمهور مسمّاة، وأعطيت مهورهنّ، وسمّى المهر أجرا لأنه يجب بدلا عن منافع البضع، كما أنّ الأجر يجب بدلا عن منافع الدّار والعبد.
قوله تعالى: ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ؛﴾ أي وأبحنا لك ما ملكت يمينك؛ يعني الجواري التي يملكها. وقوله تعالى: ﴿مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ؛﴾ أي ممّا أعطاك الله من الغنيمة مثل جويريّة بنت الحارث، وصفيّة بنت حييّ بن أخطب.
ويدخل في هذه اللفظة الشّراء والتزوّج، كما روي في صفيّة [أنّه ﵇ أعتقها ثمّ تزوّجها، وجعل عتقها صداقها] (١).
قوله تعالى: ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ؛﴾ أراد به إباحة تزويج بنات عمّه وبنات عمّاته من (٢) بني عبد المطّلب، ﴿وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ،﴾ وبنات خاله وبنات خالاته؛ يعني نساء بني زهرة من بني عبد مناف. وقوله تعالى: ﴿اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ؛﴾ أي هاجرن معك من مكّة إلى المدينة، وهذا إنّما كان قبل تحليل غير المهاجرات، ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل.
قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ؛﴾ بلا مهر إن أراد النبيّ أن يتزوّجها، ومن قرأ ﴿(وَهَبَتْ)﴾ بالفتح، فمعناه: أحللناها أن وهبت، وهي قراءة الحسن، فالفتح على الماضي والكسر على الاستئناف (٣)،وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها؛﴾ أي إن أراد النبيّ أن يتزوّجها فله ذلك. وقوله تعالى:
стр. 2197
﴿خالِصَةً لَكَ؛﴾ أي خاصّة لك، ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ؛﴾ فليس لامرأة أن تهب نفسها لرجل بغير شهود ولا وليّ ولا مهر إلاّ للنبيّ ﷺ ، وهذا من خصائصه في النّكاح، كالتّخيير والعدد في النّساء.
ولو تزوّجها بلفظ الهبة وقبلها بشهود ومهر انعقد النكاح ولزم المهر، وهذا مذهب أبي حنيفة. وقال الشافعيّ ومالك: (لا ينعقد النّكاح بلفظ الهبة إلاّ للنّبيّ ﷺ خاصّة؛ لأنّه تعالى قال ﴿(إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ)﴾ ولم يقل لك، لأنّه لو قال: إن وهبت نفسها لك، كان يجوز أن يتوهّم أنّه يجوز ذلك لغيره ﵇ كما جاز في قوله تعالى: ﴿(وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ)﴾،لأنّه قال تعالى ﴿(خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)﴾.
وحجّة أبي حنيفة وأصحابه: أنّ إضافة الهبة إلى المرأة دليلا أنّ النبيّ لم يكن مخصوصا بالنكاح بلفظة الهبة، وإنّما كانت خصوصيّة في جواز النّكاح بغير بدل، ولو لم يكن بلفظ الهبة نكاحا لما قال تعالى ﴿(إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها)﴾،فلمّا جعل الله الهبة جوابا للاستنكاح، علم أنّ لفظ الهبة نكاح.
وقوله ﴿(خالِصَةً)﴾ نعت مصدر؛ تقديره: إن وهبت نفسها هبة خالصة لك بغير عوض، أحللنا لك ذلك من دون المؤمنين، فأمّا المؤمنون إذا قبلوا هذه الهبة على وجه النّكاح لزمهم المهر.
ويقال: إن الخالصة نعت للمرأة؛ أي جعلناها خالصة لك فلا تحلّ لغيرك من بعدك.
وقد اختلفوا في هذه المرأة التي وهبت نفسها للنّبيّ من هي؟ فقال قتادة: (هي ميمونة بنت الحارث) (١).وقال الشافعيّ: (زينب بنت خزيمة، امرأة من الأنصار، وكانت تسمّى أمّ المساكين) (٢).وقال الضحّاك ومقاتل: (هي أمّ شريك بن جابر من
стр. 2198
بني أسد) (١).وقال عروة بن الزّبير: (هي خولة بنت حكيم بن الأوقص من بني سليم) (٢).
قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ،﴾ أي قد علمنا المصلحة للمؤمنين في أن لا يتزوّجوا أكثر من الأربع، ولا يتزوجوا بغير مهر ولا وليّ ولا شهود. والمعنى: أوجبنا عليهم أن لا يتزوجوا أكثر من أربع بمهر وولي وشهود.
وقوله تعالى: ﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ،﴾ أي وقد علمنا ما فرضنا عليهم فيما ملكت أيمانهم حتى لا يجوز لهم التزويج بالمعتقة من غير مهر، وحتى لا يباح لهم بملك اليمين كما أبيح للنبيّ ﷺ ، فإنه كان له الصفيّ من الغنيمة ولم يكن لغيره. وقيل: معناه وما ملكت أيمانهم ممن يجوز سبيه وحربه، فأما ما كان له عهد فلا.
قوله تعالى: ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ،﴾ أي ضيق في أمر النكاح ومنع من شيء تريده، وهذا فيه تقديم؛ تقديره: خالصة لك من دون المؤمنين لكيلا يكون عليك حرج، أي أحللنا لك ما ذكرنا؛ ليرتفع عنك الحرج والضيق. قوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً،﴾ أي غفورا للنبي ﷺ في التزويج بغير مهر، ﴿رَحِيماً﴾ (٥٠)،به في تحليل ذلك له. وقيل: غفور لمن يستحقّ المغفرة، رحيم بالعباد فيما يتّصل بالدّين والدنيا.
قوله تعالى: ﴿*تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ،﴾ معناه: تؤخّر من تشاء من فراشك من نسائك، وتضمّ إلى فراشك من تشاء منهن من غير حرج عليك. وهذا من خصائص النبيّ ﷺ تفضيلا له، أبيح له أن يجعل لمن أحبّ منهنّ يوما أو أكثر، ويعطّل من شاء منهنّ فلا يأتيها. وكان القسم واجبا على النبيّ ﷺ والتسوية بينهن، فلما «نزلت» (٣) هذه الآية سقط الوجوب، وصار الاختيار إليه فيهن. قال منصور عن أبي رزين: (وكان ممّن آوى عائشة وأمّ سلمة وزينب
стр. 2199
وحفصة ﵅، وكان يسوّي بينهنّ في القسم، وكان ممّن أرجى سودة وجويريّة وصفيّة وأمّ حبيبة وميمونة، وكان يقسم لهنّ ما شاء، وكان قد أراد أن يفارقهنّ، فقلن له: اقسم لنا ما شئت من نفسك، ودعنا على حالنا) (١).
قوله تعالى: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ،﴾ معناه: إن أردت أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلتهنّ من القسمة وتضمّها إليه، فلا عتب عليك ولا لوم.
وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ،﴾ أي ذلك التخيير الذي خيّرتك في صحبتهنّ أدنى إلى رضاهن إذا كان ذلك منزّلا من الله عليك، ويرضاهنّ كلّهن بما أعطيتهن من تقريب وإرجاء وإيواء. قال قتادة: (إذا علمن أنّ هذا جاء من الله لرخصة، كان أطيب لأنفسهنّ وأقلّ لحزنهنّ) (٢).
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ،﴾ والله يعلم ما في قلوبكم من أمر النساء والميل إلى بعضهنّ، ويعلم ما في قلوبكم من الرّضا والسّخط وغير ذلك، ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً،﴾ بمصالح العباد، ﴿حَلِيماً﴾ (٥١)،على جهلهم ولا يعاقبهم بكلّ ذنب.
قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ،﴾ قال قتادة: (وذلك أنّ النّبيّ ﷺ لمّا خيّر نساءه فاخترن الله ورسوله، شكر الله لهنّ فقصره الله عليهنّ وحرّم عليه سواهنّ) (٣).وكن يومئذ تسعا: عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة، وأمّ حبيبة، وصفيّة، وميمونة، وجويريّة، وسودة (٤).
стр. 2200
ومعنى الآية: لا يحلّ لك من النساء سوى هؤلاء اللاّتي اخترنك، ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ،﴾ وليس لك أن تطلّق واحدة منهن وتزوّج بدلها. وقوله: ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ،﴾ يعني ماريّة القبطية وغيرها من السّبايا. وقوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾ (٥٢)،أي حفيظا.
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: [ما مات رسول الله ﷺ حتّى حلّت له النّساء] (١).
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ،﴾ نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب، قال أنس ابن مالك: (لمّا بنى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش، أو لم عليها بتمر وسويق وذبح شاة، وبعثت إليه أمّي أمّ سليم بحيس في تور من حجارة، فأمرني رسول الله ﷺ أن أدعو أصحابه إلى الطّعام فدعوتهم، فجعل القوم يدخلون فيأكلون ويخرجون، ثمّ يجيء قوم آخرون فيأكلون ويخرجون، فوضع النّبيّ ﷺ يده على الطّعام ودعا فيه، فأكلوا حتّى شبعوا وخرجوا، وبقيت طائفة منهم لم يخرجوا.
فقال ﷺ : [ارفعوا طعامكم] فرفعوا وخرج النّبيّ ﷺ وبقي أولئك القوم يتحدّثون في البيت فأطالوا المكث. وإنّما خرج رسول الله ﷺ لكي يخرجوا، فمشى رسول الله ﷺ إلى جميع بيوت أزواجه، ثمّ رجع فإذا القوم جلوس يتحدّثون في بيته، وكان النّبيّ ﷺ شديد الحياء، فأنزل الله هذه الآية) (٢).
стр. 2201
قال أنس: (فلمّا نزلت آية الحجاب جئت لأدخل كما كنت، فقال ﷺ :
[وراءك يا أنس]) (١).
ومعنى الآية: ﴿(لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ)﴾ ﷺ ﴿(إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ)﴾ أي إلا أن يدعوا إلى الضيافة أو يؤذن لكم في الدخول، من غير أن يجتنبوا وقت الطعام فيستأذنوا في ذلك الوقت، ثم تقعدوا انتظارا لبلوغ الطعام ونضجه.
ومعنى: ﴿(غَيْرَ ناظِرِينَ)﴾ أي منتظرين نضجه وإدراكه، يقال: أنى يأني إناه، إذا حان وأدرك، وكانوا يدخلون بيته فيجلسون منتظرين إدراك الطعام، فنهوا عن ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا،﴾ أي فتفرّقوا، ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ،﴾ ولا تجلسوا مستأنسين لحديث بعد أن تأكلوا، ﴿إِنَّ ذلِكُمْ،﴾ إنّ طول مقامكم بعد في منزل النبي ﵇، ﴿كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ،﴾ ﷺ ، ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ،﴾ أن يأمركم بالخروج، ﴿وَاللهُ،﴾ ، ﴿لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ،﴾ أي لا يمنعه عن بيان ما هو الحقّ استحياء منكم، وإن كان رسوله يفعل ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ،﴾ أي إذا سألتم أزواج النبيّ ﷺ من متاع البيت، فخاطبوهم من وراء الباب والسّتر، قال مقاتل: (أمر الله المؤمنين أن لا يكلّموا نساء النّبيّ ﷺ إلاّ من وراء حجاب) (٢).وعن أنس ﵁ قال: قال عمر: (يا رسول الله إنّه يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرت أمّهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت آية الحجاب) (٣).
وعن عائشة ﵂ قالت: (كان عمر يقول: يا رسول الله احجب نساءك، فلم يفعل حتّى نزلت هذه الآية) (٤).وعن عامر ﵁ قال: (مرّ عمر ﵁ على
стр. 2202
نساء النّبيّ ﷺ فقال لهنّ: احتجبن؛ فإنّ لكنّ على النّساء فضلا كما أنّ لزوجكنّ على الرّجال فضلا. فلم يلبثوا إلاّ يسيرا حتّى نزلت آية الحجاب).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: (أمر عمر بن الخطّاب نساء النّبيّ ﷺ فقال:
الحجاب، فقالت زينب: يا ابن الخطّاب إنّك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا؟!) (١).وقال أنس: (كنت أدخل على رسول الله ﷺ بغير إذن، فجئت يوما لأدخل فقال: [مكانك يا بنيّ، قد حدث بعد أن لا يدخل علينا إلاّ بإذن] (٢).
وعن اسماعيل بن أبي حكيم (٣) في قوله تعالى: ﴿(فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ)﴾ قال: (هذا أدب أدّب الله به الثّقلاء) (٤).وقالت عائشة ﵂: (حسبك من الثقلاء أن الله لم يحتملهم فقال: ﴿(فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا)﴾ (٥).
قوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ،﴾ أي سؤالكم إياهن المتاع من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من الرّيبة. وهذا الحكم في الحجاب وإن نزل في أزواج النبي ﷺ ، فالمعنى عامّ فيه وفي غيره، ونحن مأمورون باتباعه والاقتداء به، إلا فيما خصّه الله به دون أمّته.
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ،﴾ أي ليس لكم أن تؤذوه بالدخول في منزله بغير إذنه، ولا بالحديث مع أزواجه ولا بشيء من الأشياء، ولا يحلّ لكم ذلك.
стр. 2203
قوله تعالى: ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً،﴾ نزل في طلحة بن عبيد الله، قال: (ينهانا محمّد ﷺ أن ندخل على بنات أعمامنا-يعني عائشة وهما من بني تيم بن مرّة-فلأن مات رسول الله ﷺ وأنا حيّ لأتزوجنّ عائشة) (١).فحرّم الله أزواج النبي ﷺ على عامّة الناس، وجعلهنّ كأمّهاتهم في الإكرام والتحريم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً﴾ (٥٣)،أي إنّ الذي قلتم وتمنّيتم من تزويج أزواجه بعد موته كان عند الله عظيما في الوزر والعقوبة.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ،﴾ أي إن تظهروا قولا أو تضمروه، فإنّ الله عالم بالظواهر والبواطن والضمائر. وقيل: معناه إن تظهروا أشياء من أمرهنّ، يعني طلحة، قوله تعالى: ﴿(أَوْ تُخْفُوهُ)﴾ أي تسرّونه في أنفسكم، وذلك أنّ نفسه حدّثته بتزويج عائشة. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (٥٤)،أي عليم بكل شيء من السرّ والعلانية.
فلمّا نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب: يا رسول الله ونحن أيضا نكلّمهنّ من وراء حجاب؟ فأنزل الله:
قوله تعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ،﴾ الآية. أي لا حرج عليهن في إذن آبائهن بالدخول عليهن، ولا في إذن الأبناء والإخوان وأبناء الإخوان وأبناء الأخوات.
فإن قيل: فهلاّ ذكر الأعمام والأخوال؟ قيل: إنّ العمّ والخال يجريان مجرى الوالدين في الرّؤية، وكان ذكر الآباء يتضمّن ثبات حكم الأعمام والأخوال. وقيل:
إنما لم يذكر الأعمام والأخوال لكي لا يدخل أبناؤهما، ولا يطمعا فيهن.
стр. 2204
قوله تعالى: ﴿وَلا نِسائِهِنَّ،﴾ قال ابن عباس ﵄: (يعني نساء المؤمنين، لا نساء اليهود والنّصارى يصفن لأزواجهنّ نساء رسول الله ﷺ إن رأينهنّ).وقوله تعالى: ﴿وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ،﴾ يعني العبيد والإماء، قيل:
حمله على الإماء أولى؛ لأن الحرّ والعبيد يختلفان فيما يباح لهما من النّظر، فلا يجوز للبالغين من العبيد أن ينظروا إلى شيء منهن.
قوله تعالى: ﴿وَاتَّقِينَ اللهَ،﴾ أي واتّقين الله أن يراكنّ غير هؤلاء، وقيل: اتّقين الله في الإذن لغير المحارم في الدخول عليكن، ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ،﴾ من أعمال العباد، ﴿شَهِيداً﴾ (٥٥)،لم يغب عنه شيء.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ،﴾ معناه: أنّ الله يترحّم على النّبيّ ويثني عليه، وقوله: ﴿(وَمَلائِكَتَهُ)﴾ أي والملائكة يدعون له بالرّحمة، وقوله تعالى: ﴿(يُصَلُّونَ)﴾ الضمير فيه يعود على الملائكة دون اسم الله تعالى؛ لأن الله يفرد ذكره عن ذكر غيره إعظاما كما تقدم في قوله: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾. وقرأ ابن عباس: «(وملائكته)» بالرفع عطفا على محل قوله تعالى قبل دخول ﴿(إِنَّ)﴾،ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ﴾ (١) وقد مضى ذلك.
وقيل: معنى قوله: ﴿(وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ)﴾ أي يثنون ويترحّمون ويدعون له. وقال مقاتل: (أمّا صلاة الله فالمغفرة، وأمّا صلاة الملائكة فالاستغفار له).وقوله تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ،﴾ أي قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، تعظيما وإجلالا وتفضيلا.
وعن كعب بن عجرة قال: لمّا نزلت هذه الآية، قيل: يا رسول الله كيف الصّلاة عليك؟ قال: [قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل
стр. 2205
محمّد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد] (١).
وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: (إذا صلّيتم على النّبيّ ﷺ فأحسنوا الصّلاة عليه؛ فإنّكم لا تدرون لعلّ ذلك يعرض عليه. قالوا: فعلّمنا ذلك. قال: قولوا: اللهمّ اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيّد المرسلين وإمام المتّقين وخاتم النّبيّين محمّد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير ورسول الرّحمة. اللهمّ ابعثه مقاما محمودا يغبطه فيه الأوّلون والآخرون. اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد) (٢).
قوله تعالى: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٥٦)،يجوز أن يكون معناه: واخضعوا لأمره خضوعا، ويجوز أن يكون معناه: الدّعاء بالسلام، يقول: السّلام عليك يا رسول الله. وعن الحسن قال: سئل النّبيّ ﷺ فقيل: يا رسول الله عرفنا السّلام عليك، فكيف الصّلاة عليك؟ قال: [قولوا: اللهمّ اجعل صلواتك وبركاتك على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد] (٣).
والأفضل في هذا الباب أن تصلّي على محمّد وعلى آله، فتقول: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد. فإنّ اقتصر على أحدهما جاز.
واختلفوا في كيفيّة وجوب الصلاة على النبي ﷺ ، فقال بعضهم: تجب في العمر مرّة واحدة بمنزلة الشهادتين، وإلى هذا ذهب الكرخيّ قال: (إذا صلّى عليه في عمره مرّة واحدة فقد أدّى فرضه، إلاّ أنّ المستحبّ لكلّ مسلم أن يكثر من الصّلاة عليه في مقابلة حقّه في الدّين علينا، كما يلزم المرء الدّعاء لأبويه المؤمنين ليقضي بذلك الدّعاء حقّهما عليه).
стр. 2206
وقال بعضهم: تجب عليه في كلّ مجلس مرّة بمنزلة سجدة التّلاوة. وقال الطّحاويّ: (تجب الصّلاة على النّبيّ ﷺ كلّما ذكر) واستدلّ بما روي أنّ جبريل ﵇ قال للنبيّ ﷺ : [من ذكرت عنده فلم يصلّ عليك فلا غفر الله له] (١).وقال الشافعيّ ﵁: (الصّلاة عليه فرض في كلّ صلاة) وهذا قول لم يقل به أحد غيره (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ،﴾ قال المفسّرون: هم المشركون واليهود والنصارى، وصفوا الله بالولد فقالوا: عزيز ابن الله، والمسيح ابن الله، والملائكة بنات الله، وكذبوا رسوله وشجّوا وجهه وكسروا رباعيته، وقالوا: مجنون، وشاعر، وساحر كذاب. قال ﷺ : [ما من أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى، جعلوا له ندّا وجعلوا له ولدا، وهو مع ذلك يعافيهم ويعطيهم ويرزقهم] (٣) وكذلك قالت اليهود: يد الله مغلولة، وقالوا: إن الله فقير.
ومعنى: يؤذون الله، أي يخالفون أمر الله ويعصونه ويصفونه بما هو منزّه عنه، والله تعالى لا يلحقه أذى. وقوله تعالى: ﴿(لَعَنَهُمُ اللهُ)﴾ أي باعدهم الله يعني بالقتل والجلاء في الدّنيا، والعذاب بالنار في الآخرة، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً﴾ (٥٧)،أي ذي هوان.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا،﴾ أي يرمونهم بما ليس فيهم، قال قتادة والحسن: (إيّاكم وإيذاء المؤمن؛ فإنّ الله يغضب له ويؤذي من آذاه) (٤).وعن عبد الرحمن بن سمرة (٥) قال:
стр. 2207
خرج النّبيّ ﷺ على أصحابه فقال: [رأيت اللّيلة عجبا، رأيت رجالا معلّقون بألسنتهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الّذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا].
قوله تعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ (٥٨)،أي فقد قالوا كذبا وجنوا على أنفسهم وزرا وعقوبة.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ،﴾ أي قل لنسائك وبناتك والحرائر من النساء يلقين على رءوسهن ووجوههنّ من جلابيبهن، والجلباب: هو المقنعة التي تستر بها المرأة ما يظهر من العنق والصدر، وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة.
قال المفسّرون: يغطّين رءوسهن ووجوههن إلا عينا واحدة. وظاهر الآية يقتضي أن يكنّ مأمورات بالسّتر التام عند الخروج إلى الطّرق، فعليهن أن يستترن إلا بمقدار ما يعرفن به الطريق.
وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٥٩)،معناه: ذلك أقرب أن يعرفن الحرائر من الإماء فلا يؤذي الحرائر؛ لأن الناس كانوا يومئذ يمازحون الإماء ولا يمازحون الحرائر، وكان المنافقون يمازحون الحرائر، فإذا قيل لهم في ذلك، قالوا: حسبنا أنّهن إماء. فأمر الله الحرائر بهذا النوع من السّتر قطعا لأعذار المنافقين.
وعن عمر ﵁: أنّه كان يضرب الإماء ويقول: (اكشفن رءوسكنّ ولا تتشبّهن بالحرائر) (١).ومرّت جارية بعمر ﵁ متقنّعة، فعلاها بالدرّة وقال: (يا لكاع، أتتشبّهين بالحرائر، ألقي القناع) (٢).
стр. 2208
ويقال في معنى ذلك: ﴿(أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ)﴾ أي أقرب إلى أن يعرفن بالسّتر والصلاح؛ فييئس منهن فسّاق الرّجال، فلا يطمعون فيهن كطمعهم فيمن تتبرّج وتتكشّف.
قوله تعالى: ﴿*لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ،﴾ أي لإن لم ينته المنافقون عن نفاقهم، ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ،﴾ يعني الفجور وهم الزّناة وضعفاء الدّين عن أذى المؤمنين، ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ،﴾ وهم قوم كانوا يوقعون الأخبار بما يكره المؤمنون، ويقولون: قد أتاكم العدوّ، ويقولون لسراياهم: أنهم قتلوا وهزموا، يخيفون المؤمنين بذلك. لئن لم ينتهوا عن هذه الأفعال القبيحة، ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ،﴾ أي لنسلطنّك عليهم، ونأمرك بقتلهم حتى تقتلهم وتخلو منهم المدينة، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٦٠)،أي في المدينة، والمعنى: لا يساكنونك في المدينة إلا يسيرا حتى يهلكوا،
﴿مَلْعُونِينَ،﴾ مطرودين مبعدين عن الرّحمة، ﴿أَيْنَما ثُقِفُوا،﴾ أي أينما وجدوا وأدركوا.
قوله تعالى: ﴿(مَلْعُونِينَ)﴾ نصب على الحال، وقيل: على الذمّ، وتقدير النصب على الحال: لا يجاورونك إلا وهم ملعونون مطرودون مخذولون.
وقوله تعالى: ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ (٦١)،أي أخذوا وقتلوا مرّة بعد مرّة؛ لأنه إذا ظهر أمر المنافقين كانوا بمنزلة الكفّار، ومن حقّ الكفار أن يقتلوا حيث يوجدون. قال قتادة: (أراد المنافقون أن يظهروا ما في قلوبهم من النّفاق، فلمّا وعدهم الله في هذه الآية فكتموه) (١).
قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ،﴾ أراد بالسّنة الطريقة التي أمر الله بلزومها واتباعها، وقد كانت هذه السّنة في الأمم الماضية، لمّا آذى المنافقون أنبياءهم، أمر الله أنبياءه بقتالهم.
стр. 2209
قال الزجّاج: (سنّ الله في الّذين ينافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن يقتلوا حيثما ثقفوا) (١) ولا يبدّل الله سنّته فيهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ (٦٢)،أي هكذا سنة الله فيهم إذا أظهروا النفاق.
قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ،﴾ قال الكلبيّ: (سأل أهل مكّة النّبيّ ﷺ عن السّاعة وعن قيامها) فقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ،﴾ أي قل لهم يا محمّد: إنّما العلم بوقت قيامها عند الله، لا يطلع أحدا عليها. وقوله تعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ (٦٣)،أي أيّ شيء يعلمك أمر الساعة ومتى يكون قيامها، أي أنت لا تعرفه، ثم قال: ﴿(لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً)﴾.
وما بعد هذه الآية:
﴿إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (٦٥)،ظاهر المعنى.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ،﴾ أي تقلّب وجوه الكفار ظهر البطن، وقيل: تقلّب إلى سواد، وقيل: تقلّب إلى الأقفية.
وقرأ أبو جعفر: «(تقلّب)» بفتح التاء بمعنى تتقلّب. وقرأ عيسى بن عمر: «(نقلّب)» بالنون وكسر اللام «(وجوههم)» بالنصب. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ (٦٦)،في الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ (٦٧) أي صرفونا عن الدّين وعن سبيل الهدى. قرأ الحسن وابن عامر ويعقوب: «(ساداتنا)» بالألف وكسر التاء على جمع الجمع.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ،﴾ أي عذّبهم مثلي عذابنا، فيكون ضعف على كفرهم وضعف على دعائهم لنا إلى الضلال. وقوله:
﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ (٦٨)،قرأ عاصم ﴿(كَبِيراً)﴾ بالباء؛ أي عظيما، وقرأ الباقون بالثاء من الكثرة، وإنما اختاروا الكثرة لقوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ (٢) وقوله
стр. 2210
تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١) فهذا يشهد للكثرة.
حدثنا محمّد بن الحسن العسقلاني، قال: (سمعت محمّد بن السري يقول:
رأيت في المنام كأنّي في مسجد عسقلان، وكأنّ رجلا يناظرني ويقول: ﴿(وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً)﴾ وأنا أقول: «(كثيرا)».وإذا بالنبيّ ﷺ فدخل علينا المسجد، وكان في وسط المسجد منارة لها باب، وكان النبيّ ﷺ يقصدها.
فقلت: هذا النبيّ ﷺ ، فقلت: السّلام عليك يا رسول الله استغفر لي. فأمسك عنّي، فجئته عن يمينه فقلت: يا رسول الله استغفر لي، فأعرض عني، فقمت من تلقاء صدره، حدّثنا سفيان بن عيينة عن محمّد بن المنكدر وعن جابر بن عبد الله: [أنّك ما سئلت شيئا قط فقلت لا] فتبسّم ﵇ وقال: [اللهم اغفر له].فقلت: يا رسول الله إني وهذا نتكلّم في قوله تعالى: (والعنهم لعنا كثيرا)،فأنا أقول: (كثيرا) وهذا يقول:
﴿(كَبِيراً)﴾،قال: فدخل النبيّ ﷺ المنارة وهو يقول: كثيرا، كثيرا، بالثاء إلى أن غاب عني صوته) (٢).
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا،﴾ أي لا تكونوا في أذى محمّد ﷺ كبني إسرائيل، الذين آذوا موسى بعيب أضافوه إليه، فبرّأه الله مما قالوا عليه، ﴿وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾ (٦٩)، أي رفيع القدر والمنزلة.
واختلفوا في العيب الذي أضافه بنوا إسرائيل إلى موسى، قال بعضهم: كان هارون أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى لزيادة رفقه بهم، فلما مات هارون في حال غيبتهما عنهم، قالوا: إنّ موسى قتله لتخلص له النّبوة، فأحياه الله تعالى حتى كذبهم.
وقال بعضهم: كان أذاهم له أنهم رموه بالأدرة لكثرة حيائه واستتاره عن الناس، وكانت بنوا إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان