قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ؛﴾ أي إن صليت إلى قبلتهم واتبعت ملّتهم، ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ؛﴾ إنّها حقّ وإنّها قبلة إبراهيم، ﴿إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ (١٤٥)؛أي الجاحدين الضارين لأنفسهم، وهذا وعيد على معصية علم الله أنّها لا تقع منه كقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (١) وقد علم الله أنه لا يشرك.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ؛﴾ يعني مؤمني أهل الكتاب:
عبد الله بن سلام وأصحابه، ﴿يَعْرِفُونَهُ؛﴾ أي يعرفون محمّدا ﷺ ، ﴿كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ،﴾ من بين الصّبيان. روي عن ابن عباس أنه قال: [لمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة قال عمر ﵁ لعبد الله بن سلام: قد أنزل الله على نبيّه ﵇ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾ كيف يا عبد الله هذه المعرفة؟ قال: يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصّبيان يلعب، وأنا أشدّ معرفة بمحمّد ﷺ منّي لابني، فقال عمر: وكيف ذلك؟ قال: أشهد أنّه رسول الله حقّ من الله تعالى وقد نعته الله في كتابنا. فقال له عمر: وفّقك الله يا ابن سلام، فقد صدقت وأصبت] (٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ؛﴾ مثل كعب بن الأشرف وأصحابه (يكتمون الحقّ) يعني محمدا ﷺ وأمر الكعبة، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١٤٦)؛ أن ذلك حقّ. روي عن عبد الله بن سلام قال لرسول الله ﷺ حين نزلت هذه الآية: (كنت يا رسول الله أشدّ معرفة لك منّي بابني. قال له: [وكيف ذلك؟] قال:
لأنّي أشهد أنّ محمّدا رسول الله ﷺ حقّا يقينا؛ ولا أشهد بذلك لابني؛ لأنّي لا أدري ما أحدثت النّساء. فقال له عمر: وفّقك الله يا عبد الله) (٣).
стр. 247
قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ؛﴾ أي هذا القرآن حقّ. وقيل: جاءك بالحقّ من ربك يا محمد أنّ الكعبة قبلة إبراهيم تعلمها اليهود. وقرأ عليّ ﵁: «(الحقّ)» نصبا على الإغراء. قوله تعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١٤٧)؛أي لا تكوننّ من الشاكّين في أمر القرآن والقبلة. والخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ ؛ والمراد به غيره، وكذلك كل ما ورد عليك من هذا فهذا سبيله.
قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها؛﴾ أي لكل ملّة من اليهود والنصارى قبلة هو موليها، أي مستقبلها؛ ومقبل إليها. يقال: ولّيته ووليت إليه إذا أقبلت إليه، ووليت عنه إذا أدبرت عنه. وقيل: معناه: الله مولّيها؛ أي يولي أهل كل ملة القبلة التي يريدونها. وقرأ ابن عباس وابن عامر وأبو رجاء: «(ولكلّ وجهة هو مولّيها)» أي مصروف إليها. وفي حرف أبي: «(ولكلّ قبلة هو مولّيها)».وفي حرف عبد الله: «(ولكلّ جعلنا قبلة هو مولّيها)».
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ؛﴾ أي فبادروا بالطاعات أيها المسلمون فقد ظهر لكم الحق، واستبقوا إلى أوامر الله وطاعته مبادرة من يطلب الاستباق إليها، تقديره: فاستبقوا إلى الخيرات، فحذف الخافض كقول الشاعر (١):
ثنائي عليكم يا آل حرب ومن يمل ... سواكم فإنّي مهتد غير مائل
يعني: ومن يمل إلى سواكم.
قوله تعالى: ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً؛﴾ أي أينما تكونوا أنتم وأهل الكتاب يقبض الله أرواحكم ويجمعكم للحساب فيجزيكم بأعمالكم، وإن كانت قد تفرقت بكم البقاع والملل. وقيل: هذا خطاب للمؤمنين الذين قد سبق في علم الله أنّهم يصلّون إلى الكعبة. ومعناه: أينما تكونوا في شرق الأرض وغربها، في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات يجمعكم الله تعالى إلى هذه القبلة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٤٨)؛أي من الخلق والبعث والحساب وغير ذلك.
стр. 248
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ؛﴾ هذا تأكيد لأمر التحويل إلى الكعبة؛ وبيان أنه لا يتغير فينسخ كما تغير بيت المقدس.
و ﴿(حَيْثُ)﴾ مبني على الضمّ مثل (قط).وقيل: رفع على الغاية مثل (قبل، وبعد).وقرأ عبيد بن عمير: «(ومن حيث)» بالنصب؛ قال: لأنّها ساكنة في الأصل، وإذا اجتمع ساكنان حرّك الثاني بالفتح، لأنه أخف الحركات مثل (ليت، وكيف).
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ؛﴾ أي الأمر بالتوجه إلى الكعبة لصدق ﴿(مِنْ رَبِّكَ)﴾. ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (١٤٩).
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ؛﴾ بيان أن حكم النبيّ ﷺ وأمته في التوجه إلى الكعبة في السفر والحضر سواء؛ لأنه كان يجوز أن يظنّ ظانّ الفرق بين المسافر والمقيم كالنفل على الراحلة، فبيّن الله تعالى أن المسافر كالمقيم في التوجه.
قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ؛﴾ أي لئلا يكون لليهود عليكم حجّة، ولأنّ المسلمين لو لم يصلوا إلى الكعبة لكان ذلك مخالفة للبشارة السابقة؛ فيكون ذلك حجّة لهم بأن يقولوا: ليس هو النبي المبشّر.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ؛﴾ أي لا يحاجكم أحد إلا من ظلم فيما وضح له؛ واحتج بغير الحق. وأراد بالذين ظلموا قريشا واليهود. وكانت حجة قريش الباطلة أن قالوا: إنّما رجع إلى الكعبة لأنه علم أنّها قبلة آبائه وهو الحق وكذا يرجع إلى ديننا ويعلم أنه حقّ. وأما اليهود فإنّهم يقولون: إن كانت قبلتنا ضلالة فقد صليت إليها سبعة عشر شهرا، وإن كانت هدى فقد انصرفت عنها. وقيل: لأن اليهود يقولون: إن محمدا لم ينصرف عن بيت المقدس مع علمه بأنه حقّ إلا أنه إنما يفعل برأيه ويزعم أنه أمر به. وقيل: إن من حجة مشركي مكة أنّهم قالوا لمّا صرفت القبلة إلى الكعبة: إنّ محمّدا قد تحيّر في دينه وتوجّه إلى قبلتنا وعلم أنّا أهدى سبيلا منه وإنه لا يستغني عنا ولا شكّ أنه يرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا. فأجابهم الله تعالى بهذه الآية ﴿(لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)﴾ نفى أن لا
стр. 249
يكون لأحد حجة قبل رسول الله ﷺ وأصحابه. بسبب (١) تحويلهم إلى الكعبة. إلا الذين ظلموا من قريش فإن لهم قبلهم حجة لما ذكرنا.
والحجة: الخصومة والجدال والدعوة الباطلة كقوله تعالى: ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ﴾ (٢) أي لا خصومة. وقوله تعالى: ﴿أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ﴾ (٣) و ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾ (٤) وحاججتهم؛ كلها بمعنى المخاصمة والمجادلة لا بمعنى الدليل والبرهان. وموضع ﴿(الَّذِينَ)﴾ (الّذين) نصب بنزع الخافض، تقديره: إلاّ الّذين ظلموا. وقال الفرّاء: موضعه نصب بالاستثناء. وإنما قال: ﴿(مِنْهُمْ)﴾ ردّا إلى لفظ الناس؛ لأنه عامّ وإن كان كل واحد منهم غير الآخر. وقال بعضهم: هذا الاستثناء منقطع من الكلام الأول، ومعناه: لئلا يكون كلهم عليكم حجة؛ اللهم إلا الذين ظلموا فإنّهم يحاجونكم بالباطل ويجادلونكم بالظلم، وهذا كما يقدر في الكلام للرجل: الناس كلّهم لك حامدون إلا الظالم لك. وقولهم للرجل: ما لك عندي حقّ إلا أن يظلم.
وما لك حجّة إلا الباطل.
وقال أبو روق: (معنى الآية: ﴿(لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ)﴾ يعني اليهود عليكم حجة).
وذلك أنّهم قد عرفوا أن الكعبة قبلة إبراهيم ﵇ وقد كانوا وجدوا في التوراة أن محمّدا ﷺ يحوّله الله إليها لئلا يكون لهم حجة فيحتجوا بأن النبي ﷺ الذي نجده سيحوّل إليها، ولم تحول أنت. فلما حوّل النبي ﷺ ذهبت حجتهم. ثم قال: ﴿(إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)﴾ يعني إلا الذين يظلموكم فيكتموا ما عرفوا من ذلك. وكان أبو عبيدة يقول: (إلاّ) هنا بمعنى (ولا) كأنه قال: لئلا يكون للناس عليكم حجة ولا الذين ظلموا، والذين ظلموا لا يكونوا حجة لهم. قال الشاعر:
وكلّ أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلاّ الفرقدان
стр. 250
يعني: والفرقدان أيضا يفترقان. وقال آخر (١):
ما بالمدينة دار غير واحدة ... دار الخليفة إلاّ دار مروانا
يعني: ولا دار من دار وإنما حسن ذلك بعد قوله غير واحدة.
قوله : ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي؛﴾ أي لا تخشوا الكفار في انصرافكم إلى الكعبة؛ وفي تظاهرهم عليكم في المحاجة والمحاربة فإني وليكم أظهركم عليهم بالحجة والنصر، واخشوني في تركها ومخالفتها. قوله تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٥٠)؛عطف على قوله: ﴿(لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ)﴾ أي ولكي أتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم ﵇ فيتم لكم الملّة الحنيفية (٢)،وقال علي كرّم الله وجهه: (تمام النّعمة الموت على الإسلام).وروي عنه أنه قال: (النّعم ستّ: الإسلام، والقرآن، ومحمّد ﷺ ، والسّنن، والعافية، والغنى عمّا في أيدي النّاس).قوله تعالى: ﴿(وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)﴾ أي لكي تهتدوا من الضلالة.
قوله تعالى: ﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً؛﴾ هذه الكاف للتشبيه وتحتاج إلى شيء يرجع إليه. واختلفوا؛ فقال بعضهم: هو راجع إلى ما قبله؛ تقديره:
﴿(فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ)﴾ كما أرسلت فيكم رسولا، ﴿مِنْكُمْ،﴾ فيكون إرسال الرسل مؤذنا بإتمام النعمة. والآية خطاب للعرب؛ أي ولأتمّ نعمتي عليكم كما ابتدأت النعمة بإرسال رسول منكم إليكم؛ لأن اختياره من العرب نعمة عظيمة وشرف لهم، واستدعاء إلى الإسلام؛ لأنه لو اختاره من العجم لكانت العرب مع عزمها ونجوتها لا تتبعه.
قوله تعالى: ﴿يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا،﴾ يعني القرآن؛ ﴿وَيُزَكِّيكُمْ؛﴾ أي يصلحكم بأخذ زكاتكم؛ ويأمركم بأشياء تكونوا بها أزكياء؛ ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ﴾
стр. 251
﴿الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ؛﴾ القرآن والفقه والمواعظ ومعرفة التأويل والسّنة؛ ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (١٥١)؛من الأحكام وشرائع الإسلام وأقاصيص الأنبياء وأخبارهم ما لم تكونوا تعلمون قبل إرساله؛ ونعمتي بهذا الرسول محمّد ﷺ .
قوله : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ؛﴾ متصل بما قبله؛ أي كما أنعمنا عليكم برسالة رجل؛ أي منكم إليكم فاذكروني. ومعنى الآية: قال ابن عبّاس:
(تذكروني بالطّاعة أذكركم بمعونتي).وقال ابن جبير: (معناه اذكروني بطاعتكم أذكركم بمغفرتي) (١).وقال الفضيل: (اذكروني بطاعتي أذكركم بثوابي).
روي عن النبي ﷺ أنه قال: [من أطاع الله فقد ذكر الله، وإن قلّ صيامه وصلاته. ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثر صيامه وصلاته وتلاوته القرآن] (٢).
وقيل: معناه اذكروني بالتوحيد والإيمان أذكركم بالدرجات والجنان. وقال أبو بكر ﵁: (كفى بالتّوحيد عبادة، وكفى بالجنّة ثوابا).وقال ابن كيسان: (معناه اذكروني بالشّكر أذكركم بالزّيادة).وقيل: اذكروني على ظاهر الأرض أذكركم في بطنها.
وقال الأصمعي: (رأيت أعرابيا واقفا يوم عرفة بعرفات وهو يقول: إلهي عجّت إليك الأصوات بضروب اللّغات يسألونك الحاجات، وحاجتي إليك أن تذكرني عند البلاء إذا نسيني أهل الدّنيا).وقيل: معناه: اذكروني في الدنيا أذكركم في العقبى. وقيل: اذكروني بالطاعات أذكركم بالمعافاة، دليله قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ (٣).
وقيل: معناه اذكروني في الخلاء والملأ أذكركم في الخلاء والملأ. بيانه: ما روي في الخبر: أن الله تعالى قال في بعض الكتب: [أنا عند ظنّ عبدي بي، فليظنّ بي عبدي
стр. 252
ما شاء؛ فأنا معه إذا ذكرني، فمن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم؛ ومن تقرّب إليّ شبرا تقرّبت منه ذراعا، ومن تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت إليه باعا، ومن أتاني مشيا أتيته هرولة، ومن أتاني بقراب الأرض خطيئة أتيته بمثلها مغفرة بعد أن لا يشرك بي شيئا] (١).
وقيل: معناه اذكروني في الرخاء أذكركم في الشدة والبلاء. وقيل: اذكروني بالسلم والتفويض أذكركم بأصلح الاختيار. دليله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢).وقيل: اذكروني بالشوق والمحبة أذكركم بالوصل والقربة. وقيل:
اذكروني بالتوبة أذكركم بغفران الحوبة. وقيل: اذكروني بالدعاء أذكركم بالعطاء.
وقيل: اذكروني بالسؤال أذكركم بالنوال. اذكروني بلا غفلة أذكركم بلا مهلة، اذكروني بالندم أذكركم بالكرم، اذكروني بالمعذرة أذكركم بالمغفرة، اذكروني بالإرادة أذكركم بالإفادة، اذكروني بالإخلاص أذكركم بالخلاص، اذكروني بالقلوب أذكركم بكشف الكروب، اذكروني بلا نسيان أذكركم بالأمان، اذكروني ذكرا فانيا أذكركم ذكرا باقيا، اذكروني بصفاء السرّ أذكركم بخلاص البرّ، اذكروني بالصفو أذكركم بالعفو، اذكروني بالتعظيم أذكركم بالتكريم، اذكروني بالمناجاة أذكركم بالنجاة، اذكروني بترك الجفاء أذكركم بحفظ الوفاء، اذكروني بالجهد في الخدمة أذكركم بإتمام النعمة، اذكروني بالاستغفار أذكركم بالاغتفار، اذكروني بالمناجاة أذكركم بإعطاء الحاجات، اذكروني بالاعتراف أذكركم بمحو الاقتراف، ولذكر الله أكبر.
قال سفيان بن عيينة: إنّ الله قال: [لقد أعطيت عبادي ما لو أعطيت جبريل وميكائيل قد أجزلت لهما، قلت: اذكروني أذكركم. قلت لموسى: قل للظّلمة لا يذكروني؛ فإنّي أذكر من ذكرني وإنّ ذكري إيّاهم أن ألعنهم] (٣).وقال أبو عثمان
стр. 253
الهندي: (إنّي لأعلم حين يذكرني ربي)،قيل: كيف ذلك؟ قال: (إنّ الله تعالى قال:
﴿(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)﴾ فإذا ذكرت الله ذكرني) (١).
قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ (١٥٢)؛أي اشكروا لي نعم الدنيا والدين ولا تكفروا نعمتي وإحساني إليكم.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (١٥٣)؛أي استعينوا على ما أكرمتكم من عبادة وشكر بالصبر على أداء الفرائض واجتناب المحارم؛ وبالمواظبة على الصلوات والاستكثار منها ﴿(إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ)﴾ على أداء الفرائض.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ؛﴾ نزلت في قتلى بدر من المسلمين وكانوا أربعة عشر رجلا؛ ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين، كان الناس يقولون للرجل يقتل في سبيل الله: مات فلان، وكان الكفار يقولون للشهداء على طريق الطعن: إنّ أصحاب رسول الله ﷺ يقتلون أنفسهم في الحرب من غير سبب ثم يموتون فيذهبون، فنهى الله المسلمين أن يقولوا مثل هذا، ونبّه على أن ذلك كذب بقوله: ﴿(بَلْ أَحْياءٌ)﴾.
واختلفوا في حياتهم؛ والصحيح: أنّهم اليوم أحياء على الحقيقة؛ قال رسول الله ﷺ : [إنّ أرواح الشّهداء في أجواف طير خضر تسرح في رياض الجنّة وتأكل وتشرب من أنهارها وتأوي اللّيل إلى قناديل من نور معلّقة بالعرش] (٢).وقال الحسن: (إنّ الشّهداء أحياء عند ربهم يصل إليهم الرّوح والفرح).وقيل: إنّ مساكن الشهداء سدرة المنتهى.
стр. 254
وقال ﷺ : [يعطى الشّهيد ستّ خصال عند أوّل قطرة من دمه: يكفّر عنه كلّ خطيئة؛ ويرى مقعده من الجنّة؛ ويزوّج من الحور العين؛ ويؤمّن من الفزع الأكبر؛ ومن عذاب القبر؛ ويحلّى حلية الإيمان] (١).قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (١٥٤)؛أي لا يشعرون أنّهم كذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ؛﴾ أي ولنختبرنّكم يا أمة محمّد بشيء من الخوف؛ يعني خوف العدوّ والفزع في القتال؛ وقحط السنين وقلة ذات اليد؛ ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ؛﴾ أي هلاك المواشي وذهاب الأموال. وقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْفُسِ؛﴾ أراد به الموت والقتل والأمراض، وقوله تعالى:
﴿وَالثَّمَراتِ؛﴾ أي لا يخرج الثمار والزروع كما كانت تخرج من قبل؛ أو تصيبها آفة؛ وأراد بالثمرات الأولاد لأنّهم ثمرة القلب وهم إذا هم شغلوا بالجهاد منعهم ذلك عن عمارة البساتين ومناكحة النساء؛ فيقلّ أولادهم وثمرة بساتينهم.
وقال بعضهم: معناه ﴿(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ)﴾ أي خوف الله تعالى، ﴿(وَالْجُوعِ)﴾ يعني صوم رمضان؛ ﴿(وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ)﴾ أداء الزكاة الصدقات؛ ﴿(وَالْأَنْفُسِ)﴾ الأمراض؛ ﴿(وَالثَّمَراتِ)﴾ موت الأولاد؛ لأن ولد الرجل ثمرة فؤاده؛ يدل عليه قوله ﵇: [إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: أقبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجعك، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنّة وسمّوه بيت الحمد] (٢).
قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ (١٥٥)؛أي على هذه الشدائد والبلايا بالثواب لتطيب أنفسهم.
ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾
стр. 255
﴿قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (١٥٦)؛ ﴿(الَّذِينَ)﴾ نعت للصابرين؛ ومعناه: الذين إذا أصابتهم مصيبة من هذه المصائب؛ ﴿(قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ)﴾ عبيد وملك يحكم فينا بما يشاء من الشدة والرخاء، إن عشنا فإليه أرزاقنا، وإن متنا فإليه مردّنا، وإنا إليه راجعون في الآخرة.
قال عكرمة: (طفئ سراج رسول الله ﷺ فقال: [إنّا لله وإنّا إليه راجعون] فقيل:
يا رسول الله أمصيبة هي، قال: [نعم، كلّ شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة]) (١).
وقال ابن جبير: (ما أعطي أحد في المصيبة ما أعطيت هذه الأمّة-يعني الاسترجاع-ولو أعطيها أحد لأعطيها يعقوب ﵇، ألا تسمع إلى قوله تعالى في فقد يوسف: ﴿يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ (٢)) (٣).وقال ﷺ : [من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه، وجعل له خلفا صالحا يرضاه] (٤).
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١٥٧)؛قال ابن عباس: (مغفرة من ربهم ونعمة).قيل: الصلاة هنا الثناء والرحمة والبركة. وجمع الصلوات لأنه عنى بها الرحمة بعد الرحمة. ﴿(وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)﴾ إلى الاسترجاع. وقيل: إلى الجنة والثواب. وقيل: إلى الحقّ والصواب.
وقيل: الرحمة التي لا يعلم مقاديرها إلا الله كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٥).وعن عمر ﵁: أنّه كان إذا قرأ هذه الآية قال:
(نعم العدلان ونعم العلاوة).ويعني بالعدلين: قوله ﴿(صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ)﴾ وبالعلاوة قوله: ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [يقول الله تعالى: إذا
стр. 256
وجّهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في أهله أو ولده أو بدنه فاستقبل ذلك منه بصبر جميل استحيت منه يوم القيامة أن أنشر له ديوانا أو أنصب له ميزانا] (١).
قوله تعالى: ﴿*إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ؛﴾ أي من أعلام دينه ومتعبداته؛ وأراد بالشعائر هاهنا مناسك الحج. وسبب نزول هذه الآية: أنّ أنس بن مالك ﵁ قال: (كنّا نكره الطّواف بين الصّفا والمروة لأنّهما كانا من مشاعر قريش في الجاهليّة فتركناه في الإسلام، فأنزل الله هذه الآية) (٢).
وقال ابن عباس: (كان على الصّفا صنم على صورة رجل يقال له: إسافا، وعلى المروة صنم على صورة امرأة يقال لها: نائلة. وإنّما ذكّروا الصّفا لتذكير إساف، وأنّثوا المروة لتأنيث نائلة؛ وزعم أهل الكتاب أنّهما زنيا في الكعبة فمسخهما الله، فوضعهما على الصّفا والمروة ليعتبر بهما، فلمّا طالت المدّة عبدا من دون الله تعالى. وكان أمر الجاهليّة إذا طافوا بين الصّفا والمروة مسحوا الصّنمين.
فلمّا جاء الإسلام كره المسلمون الطّواف بينهما لأجل الصّنمين، وقالت الأنصار:
إنّ السّعي من أمر الجاهليّة، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿(إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ﴾ الله» (٣).
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما؛﴾ أي فلا إثم في الطواف بينهما لمكان الأصنام عليهما، فإن الطواف بينهما واجب. والجناح هو الإثم؛ وأصله يتطوّف وأدغمت التاء في الطاء. وقرأ أبو حيوة:
«(يطوف بهما)» مخففة.
واختلف العلماء في السعي؛ فقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: هو واجب وينجبر بالدم. وقال مالك والشافعي: هو فرض، ولا ينجبر بالدم كطواف الزيارة.
стр. 257
وقال أنس بن مالك وابن الزبير ومجاهد: هو تطوع إن فعله فحسن، وإن تركه لم يلزمه شيء، واحتجّوا بقراءة ابن عباس وابن سيرين: «(فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)».
وكذلك هو في مصحف عبد الله؛ وبقوله بعد ذلك: ﴿(وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً)﴾ وهذا دليل على أنه تطوّع.
والجواب عنه: أن (لا) صلة كقوله: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ﴾ (١) وقوله: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ (٢).وحجة من أوجبه: أنّ الله سماهما ﴿(مِنْ شَعائِرِ اللهِ)﴾.وأما قوله: ﴿(وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً)﴾ فمعناه من زاد على الطواف الواجب. وحجة من قال إنه فرض: فتسمية الله له من شعائره. قلنا: هذا لا يدلّ على الفرضية؛ فإن الله سمّى المزدلفة المشعر الحرام؛ ولا خلاف أنّ الدم يقوم مقامه.
وسمّي الصّفا؛ لأنه جلس عليه صفيّ الله آدم ﵇. وسميت المروة؛ لأنّها جلست عليها امرأته حوّاء، وأصل السعي: أنّ هاجر أمّ إسماعيل لمّا عطش ابنها إسماعيل وجاع صعدت على الصّفا فقامت عليه تنظر؛ هل ترى من أحد؟ فلم تر أحدا؛ فهبطت من الصّفا حتى جاوزت الوادي ورفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي؛ ثم أتت المروة وقامت عليها؛ هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، فعلت ذلك سبع مرات.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً﴾؛ قرأ حمزة والكسائي: «(يطّوّع)» بالياء وتشديد الطاء والجزم. وكذلك الثاني بمعنى يتطوع. وقرأ عبد الله: «(يتطوّع)» وقرأ الباقون: «(تطوّع)» بالتاء ونصب العين. ومعنى الآية: ومن زاد في الطواف الواجب.
وقال ابن زيد: (ومن تطوّع خيرا فاعتمر).وقيل: من تطوع بالحج والعمرة بعد حجته الواجب. وقال الحسن: (فعل غير المفروض عليه من زكاة وصلاة ونوع من أنواع الطّاعات كلّها)؛ ﴿فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (١٥٨)؛أي مجاز له بعمله عليم (٣) بنيّته يشكر اليسير ويعطي الكثير ويغفر الكبير.
стр. 258
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى؛﴾ هم علماء اليهود الذين كتموا أمر النبيّ ﷺ وصفته في التوراة، وكتموا أمر القبلة والأحكام والحلال والحرام؛ ﴿مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ؛﴾ أي من بعد ما أوضحناه للناس في التوراة والإنجيل؛ وأراد بالناس بني إسرائيل. قوله تعالى:
﴿أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ؛﴾ أي يبعدهم الله من رحمته. وأصل اللّعن في اللغة: هو الطّرد، ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ (١٥٩).
اختلف المفسرون في هؤلاء اللاعنين؛ فقال قتادة: (هم الملائكة).وقال عطاء:
(الجنّ والإنس).وقال الحسن: (عباد الله أجمعون).وقال ابن عباس: (كلّ شيء إلاّ الجنّ والإنس).وقال مجاهد: (اللاّعنون: البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدّت السّنة وأمسكت القطر، ويقولون: هذا لشؤم بني آدم) (١).وقال عكرمة: (دوابّ الأرض وهوامها حتّى الخنافس والعقارب، فيقولون: منعنا القطر لمعاصي بني آدم) (٢).
وإنّما قال لهذه الأشياء اللاعنون ولم يقل اللاعنات؛ لأن من شأن العرب إذا وصفت شيئا من البهائم والجمادات بما هو صفة للناس من قول أو فعل أن يخرجوه على مذهب بني آدم وجمعهم كقوله تعالى حاكيا عن يوسف ﵇: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ (٣) ولم يقل ساجدات وأشباه ذلك. وفي الآية دلالة على وجوب إظهار علوم الدين وزجر عن كتمانها؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا السبب المخصوص.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا؛﴾ أي إلا الذين تابوا من اليهودية وأصلحوا أعمالهم فيما بينهم وبين ربهم. وقيل: أصلحوا ما كانوا أفسدوه مما لا علم لهم به، وبيّنوا صفة محمّد ﷺ في كتابيهم، وشهدوا بالحق فيما عندهم من العلم؛ ﴿فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ؛﴾ أي أتجاوز عنهم وأقبل التوبة منهم، قوله
стр. 259
تعالى: ﴿وَأَنَا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١٦٠)؛أي المتجاوز عن التائبين، الرحيم بهم بعد التوبة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ؛﴾ هذا عامّ في جميع الكفار؛ ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١٦١)؛أما المؤمنون فيلعنوهم في الدنيا والآخرة؛ وأما الكفار فيلعن بعضهم بعضا في الآخرة كما قال تعالى: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ (١).وروي: أن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله ثم الملائكة والناس أجمعون.
وقوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها؛﴾ أي في اللعنة والنار مقيمين. وقيل: إن اللعنة هنا النار؛ لأن اللعنة هي إبعاد الله من رحمته وذلك عذابه. قوله تعالى: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (١٦٢)؛أي ولا هم يمهلون ويؤجلون.
قال أبو العالية: (لا ينظرون فيعتذرون).
قوله : ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ (١٦٣)؛ قال الكلبيّ: (نزلت هذه الآية في كفّار مكّة، قالوا: يا محمّد صف لنا وانسب لنا ربّك، فأنزل الله سورة الإخلاص وهذه الآية) (٢).وقال الضّحاك: عن ابن عباس:
(كان للمشركين في الكعبة ثلاثمائة وستّون صنما يعبدونهم من دون الله إفكا وإثما، فدعاهم الله إلى توحيده والإخلاص في عبادته، فقال: ﴿(وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ)﴾ (٣).ويقال: نزلت هذه الآية في صنف من المجوس؛ ويقال لهم:
الملكانية، يقولون: هما اثنان: خالق الخير، وخالق الشر.
стр. 260
ومعنى الآية: أن الذي يستحق أن تأله قلوبكم إليه في المنافع والمضار وفي جميع حوائجكم وفي التعظيم له إله واحد لا يستحق الإلهية أحد غيره. فلما نزلت هذه الآية عجب المشركون وقالوا: إن محمدا يقول: إن إلهكم إله واحد، فليأتنا بآية إن كان من الصادقين.
فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ؛﴾ أي في تعاقب الليل والنهار؛ وفي الذهاب والمجيء.
والاختلاف مأخوذ من خلف يخلف بمعنى أن كل واحد منها يخلف صاحبه وإذا ذهب أحدهما جاء الآخر خلافه؛ أي بعده. نظيره قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً﴾ (١).وقال عطاء: (أراد اختلاف اللّيل والنّهار في اللّون والطّول والقصر والنّور والظّلمة والزّيادة والنّقصان).والليل: جمع ليلة مثل نخلة ونخل؛ والليالي جمع الجمع. والنهار واحد وجمعه نهر. وقدّم الليل على النهار؛ لأنه هو الأصل والأقدم. قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿(وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ)﴾ يعني السّفن، واحده وجمعه سواء، قال الله تعالى في واحده: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (٣) وقال في جمعه: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (٤).ويذكّر ويؤنث قال الله تعالى في التذكير: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ وقال في التأنيث: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾.
قوله تعالى: ﴿(بِما يَنْفَعُ النّاسَ)﴾ يعني ركوبها والحمل عليها في التجارات والمكاسب وأنواع المطالب.
قوله تعالى: ﴿وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ؛﴾ يعني المطر، ﴿فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها؛﴾ أي بعد يبسها وجذوبتها، ﴿وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ؛﴾ أي نشر وفرق من كل دابة من أجناس مختلفة، منهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع، ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ؛﴾ أي تقليبها دبورا وشمالا وجنوبا وصبا. وقيل: تصريفها مرة بالرحمة ومرة بالعذاب.
стр. 261
وقرأ حمزة والكسائي وخلف: «(وتصريف الرّيح)» بغير ألف على الواحد. وقرأ الباقون: «(الرّياح)» على الجمع. قال ابن عباس: (الرّياح للرّحمة؛ والرّيح للعذاب)، وكان النبيّ ﷺ إذا هاجت الريح يقول: [اللهمّ اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا] (١).
قوله تعالى: ﴿وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ؛﴾ أي المذلّل، ﴿بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ؛﴾ سمي سحابا لأنه ينسحب بالسير في سرعة. قوله تعالى: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١٦٤)؛أي لعلامات دالة على وحدانية الله لقوم يعرفون لو كانت هذه الأمور إلى اثنين لاختلفا. وقيل: لآيات لقوم يعقلون فيعلمون أنّ لهذه الأشياء خالقا وصانعا. قال رسول الله ﷺ : [ويل لمن قرأ هذه الآية ولم يتفكّر فيها ويعتبر بها] (٢).
قيل: إنّ السحاب كالمنخل يخرج منه المطر قطرة قطرة ولا تلتقي منه قطرتان في الجوّ؛ إذ لو خرج منهمرا سيّالا لأغرق ما أتى عليه كما في طوفان نوح ﵇ قال الله تعالى في طوفان نوح: ﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ (٣).
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً؛﴾ وهم المشركون. والأنداد: هم الأصنام المعبودة من دون الله، قاله أكثر المفسرين، وقال السديّ: (يعني سادتهم وقادتهم الّذين كانوا يطيعونهم في معصية الله) (٤).
قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ؛﴾ أي كحب المؤمنين الله تعالى.
يقال: بعت غلامي كبيع غلامك؛ أي كبيعك غلامك. وأنشد الفرّاء:
стр. 262
أبيت ولست مسلّما ما دمت حيّا ... على زيد كتسليم الأمير
أي كتسليمي على الأمير، وهذا قول أكثر العلماء. وقال الزجّاج: (تقدير الآية:
يحبّونهم كحب الله؛ يعني يسوّون بين هذه الأصنام وبين الله تعالى في المحبّة).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ؛﴾ أي يخلصون في محبة الله لا يشركون به غيره؛ وهم يشركون معه معبوداتهم. وقيل: إنّ المؤمنين يعبدون الله في كلّ حال؛ والكفار يعبدون الأوثان في الرخاء فإذا أصابتهم شدة تركوا عبادتها. وقال ابن عباس: (معناه أثبت وأدوم، وذلك أنّ المشركين كانوا يعبدون صنما فإذا رأوا شيئا أحسن منه تركوه وأقبلوا على عبادة الأحسن).وقال قتادة: (إنّ الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله تعالى كما قال تعالى: ﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١) والمؤمن لا يعرض عن الله تعالى في السّرّاء والضّرّاء والشّدّة والرّخاء).وقيل: لأنّ الكفار يرون معبودهم مصنوعهم؛ والمؤمنون يرون الله تعالى صانعهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ﴾. قرأ أبو رجاء والحسن وشيبة ونافع وقتادة ويعقوب وأيوب: «(ولو ترى)» بالتاء على أنه خطاب للنبي ﷺ . والجواب محذوف تقديره: ولو ترى يا محمد ﴿(الَّذِينَ ظَلَمُوا)﴾ أي أشركوا ﴿(إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ)﴾ لرأيت أمرا عظيما؛ ولعلمت ما يصيرون إليه، أو تعجبت منه. وقرأ الباقون بالياء؛ فمعناه: ﴿(وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)﴾ أنفسهم عند رؤية العذاب لعلموا، ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً؛﴾ أو لآمنوا أو لعلموا مضرّة الكفر. نظيره هذه الآية في المحذوف:
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ (٢) أي لكان هذا القرآن.
وقوله تعالى: ﴿(إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ)﴾ قرأ ابن عامر: «(إذ يرون العذاب)» بضم الياء على التعدي. وقرأ الباقون بفتحه على اللّزوم. وقيل: معنى الآية: ولو يرى عبدة الأوثان اليوم ما يرون حين رؤية شدة عذاب الله وقوته لتركوا عبادة الأوثان ومحبتها.
стр. 263
وهذا التأويل على قراءة الياء. وقوله: ﴿(أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً)﴾ أي لأن القوة لله جميعا؛ ﴿وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ﴾ (١٦٥)؛للرؤساء والأتباع من عبدة الأوثان.
وقرأ الحسن وقتادة وشيبة وسلام ويعقوب: «(إنّ القوّة لله جميعا وإنّ الله)» بالكسر فيهما على الاستئناف. والكلام تامّ عند قوله: ﴿(يَرَوْنَ الْعَذابَ)﴾ مع إضمار الجواب؛ كما ذكرنا. وقرأ الباقون بفتحها على معنى بأنّ القوة لله جميعا معطوف على ما قبل. وقيل: على معنى لرأوا أنّ القوة لله جميعا، أو لأيقنوا.
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا،﴾ متصل بقوله:
﴿(شَدِيدُ الْعَذابِ)﴾ أي شديد العذاب وقت تبرّأ المتّبعون من التابعين، ﴿وَرَأَوُا الْعَذابَ،﴾ جميعا ودخلوا في النار جميعا وعاينوا ما فيها. قرأ مجاهد بتقديم الفاعلين على المفعولين؛ وقرأ الباقون بالضدّ. (والتّابعون هم الأتباع والضّعفاء والسّفلة) قاله أكثر المفسرين. وقال السديّ: (هم الشّياطين يتبرّءون من الإنس).
قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ (١٦٦)،قال ابن عبّاس ومجاهد وقتادة: (يعني أسباب المودّة والوصلات الّتي كانت بينهم في الدّنيا، فصارت محبّتهم عداوة).وقال الكلبيّ: (يعني بالأسباب الأرحام).وقال أبو روق:
(الحلف والعهود الّتي كانت بينهم في الدّنيا؛ وتقطّع بينهم الأسباب؛ أي لا سبب يبقى لهم إلى رحمة الله تعالى بوجه من الوجوه).
قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا؛﴾ أي قال السفلاء والخدم: ﴿لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا؛﴾ أي قالوا: لو أن لنا رجعة إلى الدنيا لتبرأنا منهم كما تبرّءوا منا في الآخرة، يقول الله تعالى: ﴿كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ؛﴾ التي عملوها في الدنيا لغير الله؛ ﴿حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ؛﴾ أي كما أراهم العذاب؛ وكما تبرأ بعضهم من بعض كذلك يريهم الله أعمالهم التي عملوها في الدنيا لغير الله حسرات عليهم؛ أي ندمات عليهم كما أراهم تبرّأ بعضهم عن بعض. وقيل:
أراد أعمالهم الصالحة التي عملوها. قال السديّ: (ترفع لهم الجنّة فينظرون إليها وإلى تبوّئهم فيها لو أطاعوا الله، فيقال لهم: تلك منازلكم لو أطعتم الله تعالى؛
стр. 264
ثمّ يمنعون عنها، فذلك حين يندمون) (١).وقوله تعالى: ﴿وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ (١٦٧)؛أي التابعون والمتبوعون.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً؛﴾ أي من الزروع والأنعام وغير ذلك مما أحلّ الله لكم. والطيب صفة للحلال؛ وهما واحد، ويجوز أن يكون الحلال المستلذّ. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ؛﴾ أي لا تسلكوا طريقة التي يدعوكم إليها.
وقيل: نزلت هذه الآية في ثقيف وخزاعة وبني عامر بن صعصعة؛ كانوا يحرّمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وبعض الحروث.
ووجه دخول (من) التي هي للتبعيض: أن كل ما في الأرض لا يمكن أكله لا يحلّ. وقوله تعالى: ﴿(حَلالاً طَيِّباً)﴾ انتصبا على الحال. وقيل: على المفعول؛ أي كلوا حلالا طيبا مما في الأرض.
وقوله: ﴿(خُطُواتِ الشَّيْطانِ)﴾ قرأ شيبة ونافع وعاصم في رواية أبي بكر، والأعمش وحمزة وأبي عمرو؛ وابن كثير في رواية: بسكون الطاء في جميع القرآن. وقرأ قنبل وحفص: بضم الخاء والطاء في جميع القرآن. وقرأ عليّ ﵁ وسلام عليه: بضمّ الخاء والطاء وهمزة بعد الطاء. وقرأ أبو السمّال العدويّ وعبيد بن عمير:
«(خطوات)» بفتح الخاء والطاء.
فمن أسكن الطاء بقّاه على الأصل؛ وطلب الخفّة؛ لأنه جمع خطوة بإسكان الطاء، ومن ضمّ الطاء فإنه اتبع ضمة الخاء ضمة الطاء مثل ظلمة وظلمات وقربة وقربات. ومن همز الواو مع الضم ذهب بها مذهب الخطيئة، ومن فتح الخاء والطاء فإنه أراد جمع خطوة مثل ثمرات.
стр. 265
واختلف المفسرون في قوله: ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ؛﴾ فعن ابن عبّاس: (أنّ خطوات الشّيطان عمله) (١).وقال مجاهد وقتادة والضحاك: (خطاياه) (٢).وقال الكلبيّ والسديّ: (طاعته) (٣).وقال عطاء: (زلاّته وشهواته).وقال المؤرّج: (آثاره).وقال القتبيّ والزجّاج: (طرقه).
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١٦٨)؛أي بيّن العداوة، وقيل:
مظهرها قد بان عداوته لكم بإبائه السجود لأبيكم آدم وغروره إياه حين أخرجه من الجنة.
ثم بيّن الله عداوته فقال: ﴿إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ؛﴾ أي بالإثم والمعاصي، وقيل: السوء: ما يجب به التعزير؛ والفحشاء: ما يجب به الحدّ. وقيل: كل ما كان في القرآن من الفحشاء فهو زنا، إلا قوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾ (٤) فإنه منع الزكاة. وقيل: الفحشاء: ما قبح من القول والفعل. وقال طاوس: (الفحشاء: ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة).وقال عطاء: (هي البخل).وقال السديّ: (هي الزّنا).
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (١٦٩)؛من تحريم الحرث والأنعام وغير ذلك؛ ومن وصفكم الله تعالى بالأنداد والأولاد، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. فإن قيل: كيف يصحّ أن يأمر الشيطان وهو لا يشاهد ولا يسمع صوته؟ قيل: معنى يأمركم يدعوكم ويرغبكم كما يقول الإنسان: نفسي تأمرني بكذا؛ أي تدعوني إليه.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ؛﴾ أي إذا قيل لهؤلاء الكفار: اتبعوا في التحليل والتحريم ما أنزل الله؛ ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا؛﴾ أي ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأوثان وتحريم البحيرة والسائبة ونحو ذلك. يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ؛﴾ أي أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهّالا لا يعقلون؛ ﴿شَيْئاً؛﴾ من الدين، ﴿وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (١٧٠)؛للسّنة.
стр. 266
وقيل: إن هذه الآية قصة مستأنفة؛ وإنّها نزلت في اليهود؛ فعلى هذا تكون الهاء والميم في قوله: ﴿(لَهُمُ)﴾ كناية عن غير مذكور. وعن ابن عباس قال: [دعا رسول الله ﷺ اليهود والنّصارى إلى الإسلام ورغّبهم فيه وحذّرهم عذاب الله، فقال له رافع بن خارجة ومالك بن عوف: بل نتّبع ما وجدنا عليه آباءنا فهم كانوا خيرا منّا وأعلم؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية] (١).
قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً؛﴾ هذا مثل ضربه الله تعالى للكفار فوصفهم بعد ما أمرهم ونهاهم؛ فلم يأتمروا ولم ينتهوا بصفة الدواب، معناه: مثلنا أو مثلك يا محمّد مع الكفار أو مثل واعظ الذين كفروا. فحذف اختصارا كمثل الذي يصيح بها بما لا يدري ما يقال له إلا أنه يسمع الصوت، وهو الإبل والبقر والغنم ينزجر بالصوت ولا تفقه ما يقال لها؛ ولا تحسن جوابا؛ فكما أنّ البهائم لا تفهم كلام من يدعوها، فكذا هؤلاء الكفار لا ينتفعون بوعظ النبي ﷺ . وهذا قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع وأكثر المفسرين، فإنّهم قالوا المراد ﴿(بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً)﴾ البهائم التي لا تعقل كالأنعام والحمير ونحوها (٢).
وأضاف المثل إلى الكفار اختصارا لدلالة الكلام عليه؛ وتقديره: مثلك يا محمد ومثل الذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله تعالى كمثل الداعي الذي ينعق بهم؛ أي يصوّت ويصيح بها، يقال: نعق ينعق نعقا ونعاقا؛ إذا صاح وزجر، قال الشاعر (٣):
فانعق بضأنك يا جرير فإنّما ... منّتك نفسك في الخلاء ضلالا
стр. 267
فكما أنّ هذه البهائم تسمع الصوت ولا تفهم ولا تعقل ما يقال لها؛ كذلك الكافر لا ينتفع بوعظ إن أمرته بخير أو زجرته عن شرّ؛ غير أنه يسمع صوتك. وقال الحسن:
(معناه: مثله فيما أتيتم به حيث يسمعونه ولا يعقلونه كمثل راعي الغنم الذي ينعق بها، فإذا سمعت الصوت رفعت رأسها فاستمعت إلى الصوت والدعاء ولا تعقل منه شيئا، ثم تعود بعد ذلك إلى مرعاها؛ لم تفقه ما ناداها به).وقال قوم: معنى الآية: مثل الكفار في دعائهم الأصنام وعبادتهم الأوثان كمثل الرجل يصيح في جوف الجبال، فيجيبه فيها صوت يقال لها الصّدى؛ يجيبه ولا ينفعه.
قوله تعالى: ﴿(إِلاّ دُعاءً وَنِداءً)﴾. وقيل: إنّ الدعاء والنداء واحد كما أن الحلال والطّيب واحد. وقيل: الدعاء ما يكون للقريب، والنداء إنما يكون مدّ الصوت للبعيد.
قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (١٧١)؛أي هم صمّ عن الخير لا يسمعون الحقّ؛ والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل بما يسمعه: كأنه أصمّ.
وقوله تعالى: ﴿(بُكْمٌ)﴾ أي خرس لا يتكلمون بخير، ﴿(عُمْيٌ)﴾ لا يبصرون الهدى فهم لا يعقلون ما يؤمرون به.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ؛﴾ أي من حلال ما رزقناكم من الحرث والأنعام وسائر المأكولات، قال ﷺ : [إنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ الطّيّب، وإنّ الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين؛ فقال: يا أيّها الرّسل كلوا من الطّيّبات، وقال: يا أيّها الّذين آمنوا كلوا من طيّبات ما رزقناكم] (١).
قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١٧٢)؛ أي واشكروا لله على ما رزقكم وأباح لكم من النعم إن كنتم إيّاه تعبدون؛ أي إن كنتم تقرّون أنه إلهكم ورازقكم، وهذا أمر إباحة وتخيير؛ أعني قوله تعالى: ﴿(كُلُوا)﴾ لأن تناول المشتهى لا يدخل في التعبد؛ وقد يكون الأكل تعبّدا في بعض الأحوال عند دفع ضرر النفس أو تقويتها على الطاعة، وعند مساعدة الضيف إذا امتنع عن الأكل.
стр. 268
فلما نزلت هذه الآية قالت الكفار: إذا لم تكن البحيرة والسائبة والوصيلة محرمة في المحرمات، فأنزل الله تعالى قوله تعالى: ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ؛﴾ قرأ السلمي: «(إنما حرم عليكم)» براء مضمومة مخففة «(الميتة والدم ولحم الخنزير)» رفعا.
وروي عن أبي جعفر أن قرأ: «(حرم)» بضم الحاء وكسر الراء وتشديدها ورفع ما بعدها. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: «(إنما حرم عليكم الميتة)» بنصب الحاء والراء وتشديد الراء ورفع الميتة وما بعدها، وجعل (ما) بمعنى الذي المنفصلة، ويكون موضع (ما) نصبا باسم إنّ؛ وما بعدها خبرها. كما قال: ﴿إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ (١).وقرأه الباقون «(حرم)» بنصب الحاء وتشديد الراء ونصب «(الميتة)» وما بعدها، وجعلوا ﴿(إِنَّما)﴾ كلمة واحدة تأكيدا وتحقيقا. والميتة: ما لم يذكّ، والدم: يعني المسفوح الجاري. وهذه الآية مخصوصة بالسّنة؛ وهو قوله ﷺ : [أحلّت لنا ميتتان: السّمك والجراد، والدّمان:
الكبد والطّحال] (١).
قوله تعالى: ﴿(وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ)﴾ أراد جميع أجزائه وكل بدنه، فعبّر ذلك باللحم؛ لأنه معظمه وقوامه. وقوله تعالى: ﴿(وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ)﴾ أي ما ذكر عليه عند الذبح اسم غير الله، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: (يعني ما ذبح للأصنام والطّواغيت كلّها) وأصل الإهلال رفع الصوت، ومنه إهلال الحجّ؛ وهو رفع الصوت بالتلبية، ومنه إهلال الصبي واستهلاله؛ وهو صياحه عند خروجه من بطن أمّه.
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ؛﴾ قرأ عاصم وحمزة ويعقوب وأبو عمرو: «(فمن اضطرّ)» بكسر النون فيه وفيما يشابهه مثل (أن اقتلوا) وأمثاله. وقرأ ابن محيصن: «(فمن اضطرّ)» بإدغام الضاد في الطاء حتى يكون طاء خالصة.
стр. 269
ومعنى الآية: فمن أحرج فالتجأ إلى ذلك بالمجاعة والإكراه، ﴿(غَيْرَ باغٍ)﴾ أي غير طالب لذلك؛ أي غير طالب تلذّذ، ﴿(وَلا عادٍ)﴾ أي ولا متجاوز قدر ما يسدّ به رمقه، وقوله : ﴿(غَيْرَ باغٍ)﴾ نصب ﴿(غَيْرَ)﴾ على الحال، وقيل: على الاستثناء؛ وإذا رأيت (غير) لا يقع في موضعها (إلاّ) فهي حال؛ وإذا يقع في موضعها (إلاّ) فهي استثناء؛ فقس على هذا.
وقال بعض المفسرين: على معنى ﴿(غَيْرَ باغٍ)﴾ أي غير قاطع للطريق، ﴿(وَلا عادٍ)﴾ أي ولا مفارق للأئمة ولا مشاقّ للأمّة خارج عليهم بسيفه، ومن خرج يخيف السبيل؛ أو يفسد في الأرض؛ أو آبق من سيده؛ أو فرّ من غريمه؛ أو خرج عاصيا بأيّ وجه كان فاضطرّ إلى الميتة؛ لم يجز أكلها، واضطرّ إلى الخمر عند العطش؛ لم يحلّ له شربها، وهذا قول مجاهد وابن جبير والكلبيّ، وبهذا التأويل أخذ الشافعيّ ﵀، وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله: «يجوز ذلك لهم ولو كانوا بغاة خارجين على المسلمين كما يجوز لأهل العدل».
قال ابن عباس والحسن ومسروق: (تفسير قوله: ﴿(غَيْرَ باغٍ)﴾ أي غير باغ في الميتة، ولا عاد في الأكل).وقال مقاتل: (أي غير باغ ومستحلّ، ولا عاد أي ولا متزوّد منها).وقال السديّ: (غير باغ في أكله بشهوة وتلذّذ، ولا عاد أي لا يأكل حتّى يشبع منها، ولكن يأكل منها ما يمسك رمقه).وقال بعضهم: غير باغ؛ أي متجاوز للقدر الذي يحل له، ولا عاد؛ أي لا يقصر فيها فيما يحل له منها؛ فلا يأكله.
قال مسروق: (بلغني أنّه من اضطرّ إلى الميتة فلم يأكلها حتّى مات دخل النّار).
واختلف الفقهاء في حدّ الاضطرار إلى الميتة فيما يحلّ للمضطر أكله من الميتة، فقال بعضهم: إنه لا يجوز له الأكل إلا عند خوف التلف في آخر الرمق وهو الصحيح، وقال بعضهم: إذا كان يضعف عن الفرائض. وقال بعضهم: إذا كان بحيث لو دخل إلى سوق لا ينظر إلى شيء سوى المطعوم.
وأما مقدار ما يأكل عند الضرورة فقال أبو حنيفة: (لا يأكل إلا ما يسدّ رمقه)، وهو أحد قولي الشافعي. وقال مالك: (يأكل حتى يشبع ويتزوّد منها، فإن وجد شيئا مباحا طرحها).وقال مقاتل: (لا يزيد على ثلاثة لقم).
стр. 270
قوله: (فلا إثم عليه) أي فلا حرج عليه في أكلها، ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ؛﴾ لمن أكل من الحرام في حالة الاضطرار، ﴿رَحِيمٌ﴾ (١٧٣)؛به حيث رخّص له في ذلك، فإن قيل: قوله تعالى: ﴿(فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ)﴾ تناقض قوله: ﴿(إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)﴾؛لأنّ الغفران يقتضي إثبات الإثم؟ قيل: لأنه بالغفران قد يسّر ما لولا الإباحة لكانت معصية، وبرحمته جوّز عند الضرورة إحياء النفس بتناوله.
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ،﴾ نزل في علماء اليهود والنصارى، قال الكلبيّ: عن أبي صالح عن ابن عباس: (كان علماء اليهود يأخذون من سفلتهم الهداية، وكانوا يرجون أن يكون النّبيّ المبعوث منهم، فلمّا بعث الله محمّدا ﷺ من غيرهم، خافوا ذهاب مآكلهم وزوال رئاستهم، فعمدوا إلى صفة محمّد ﷺ فغيّروها ثمّ أخرجوها إليهم وقالوا: هذا نعت النّبيّ الّذي يخرج في آخر الزّمان، لا يشبه نعت هذا النّبيّ الّذي بمكّة، فإذا نظرت السّفلة إلى النّعت المغيّر وجدوه مخالفا لصفة محمّد ﷺ فلا يتّبعونه، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ)﴾ يعني صفة محمّد ﷺ ونبوّته) (١) ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ؛﴾ أي بالمكتوب، ﴿ثَمَناً قَلِيلاً؛﴾ أي عوضا يسيرا؛ يعني المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم، ﴿أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النّارَ؛﴾ ذكر البطون هاهنا للتأكيد؛ ما يأكلون إلا ما يوردهم النار؛ وهي الرّشوة والحرام، ومن الدين والإسلام، فلما كان عاقبته النار سمّاه في الحال نارا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً﴾ (٢) يعني أنّ عاقبته النار، وقال ﵇ في الذي يشرب في الإناء الذهب والفضة: [إنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم] (٣) أخبر عن المال بالحال.
стр. 271
قوله : ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ أي لا يكلمهم كلاما ينفعهم ويسرهم كما يكلم أولياءه من البشارة والرضا، وأما التهديد فلا بدّ منه لقوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١).وقيل: معناه: لا يسمعهم كلام نفسه، بل يرسل إليهم ملائكة العذاب، فيكلمونهم بأمر الله، وإنّما أضاف السؤال إلى نفسه؛ لأن سؤال الملائكة بأمره.
قوله تعالى: ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ؛﴾ أي لا يطهّرهم من دنس ذنوبهم؛ ولا يثني عليهم خيرا؛ ولا يصلح أعمالهم الخبيثة؛ ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٧٤)؛ أي مؤلم.
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ﴾ (١٧٥)؛أي الذين مالوا إلى التحريف للتوراة والإنجيل هم الذين استبدلوا الكفر بالإيمان، وقوله تعالى: ﴿(وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ)﴾ معناه: أنّ الإيمان بالنبي ﷺ يوجب المغفرة؛ والكفر به يوجب العذاب؛ فيكون المستبدل للكفر بالإيمان مشتريا للعذاب بالمغفرة.
قوله تعالى: ﴿(فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ)﴾ قال الحسن وقتادة والربيع: (والله وما لهم عليها من صبر، ولكن ما أجرأهم على العمل الّذي يقرّبهم إلى النّار!) (٢).وقال الكسائيّ وقطرب: (ما أصبرهم على عمل أهل النّار؛ أي ما أدومهم عليه).وقيل:
معناه: ما ألقاهم في النار. وقال عطاء والسدي: (معناه: ما الّذي أصبرهم على النّار، وأيّ شيء صبّرهم على النّار حين تركوا الحقّ واتّبعوا الباطل) (٣).
وقيل: هو لفظ استفهام بمعنى التوبيخ لهم والتعجب لنا، كأنه قال: ما أجرأهم على فعل أهل النار مع علمهم. قالوا: وهذه لغة يمانية. وقال الفراء: (أخبرني
стр. 272
الكسائيّ؛ قال: أخبرني قاضي اليمن: أنّ خصمين اختصما إليه، فوجبت اليمين على أحدهما؛ فحلف، فقال له خصمه: ما أصبرك على الله! أي ما أجرأك على الله).
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي ذلك العذاب لهم في الآخرة. وقيل: ذلك الضلال ﴿(بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ)﴾ أي بالعذاب والصّدق. واختلفوا فيه؛ فحينئذ يكون ذلك في موضع الرفع. وقال بعضهم: هو في محل النصب؛ معناه: فعلنا ذلك بهم؛ بأنّ الله أو لأن الله نزّل الكتاب بالحق فاختلفوا فيه وكفروا به؛ فنزع الخافض.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ؛﴾ قيل: هم اليهود والنصارى، وأراد بالكتاب: التوراة والإنجيل وما فيهما من البشارة بمحمّد ﷺ وصحّة أمره ودينه.
وقيل: هم الكفار كلهم، وأراد بالكتاب القرآن واختلافهم فيه؛ لأنّ بعضهم قال: هو سحر، وبعضهم قال: هو قول البشر، وبعضهم قال: هو أساطير الأولين، ﴿(وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ)﴾ ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ؛﴾ (١٧٦) أي خلاف طويل.
قوله : ﴿*لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ؛﴾ قرأ حمزة وحفص: «(ليس البرّ)» بالنصب، ووجه ذلك: أنهما جعلا (أن) وصلتها في موضع الرفع على اسم ليس، تقديره: ليس توليتكم وجوهكم البرّ، كقوله تعالى:
﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ﴾ (١).وقرأ الباقون بالرفع على أنه اسم (ليس).
واختلف المفسرون في هذه الآية؛ فقال قوم: أراد بها اليهود والنصارى قبل المشرق، وزعم كل فريق منهم أن البرّ في ذلك، فأخبر الله تعالى أن البرّ غير دينهم وعملهم، وعلى هذا القول قتادة والربيع ومقاتل.
وقيل: لمّا حوّلت القبلة إلى الكعبة كثر الخوض في أمر القبلة، فتوجّهت النصارى نحو المشرق، واليهود يصلون قبل المغرب إلى بيت المقدس، واتخذوهما قبلة
стр. 273
وزعموا أنه البرّ، فأكذبهم الله تعالى بهذا وبيّن أن البر في طاعته واتباع أمره، وأن البرّ يتمّ بالإيمان. وقيل: معناه: ليس البرّ كله في الصّلاة فقط، ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ،﴾ الذي يؤدّي للثواب، ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ،﴾ والإقرار بالملائكة أنّهم عباد الله ورسله؛ لا كما قال بعض الكفار: أنّ الملائكة بنات الله. والإقرار بالنبيّين كلهم.
فإن قيل لهم: جعل ﴿(مَنْ)﴾ خبر ﴿الْبِرَّ،﴾ ﴿(الْبِرَّ)﴾ و ﴿(مَنْ)﴾ اسم و ﴿(الْبِرَّ)﴾ فعل، وهم لا يجبرون: ﴿(الْبِرَّ)﴾ زيد. قيل: معناه عند بعضهم: ولكنّ البرّ الإيمان بالله، والعرب تجعل الاسم خبرا للفعل كقولهم: البرّ الصادق الذي يصل رحمه ويخفي صدقته، يريدون صلة الرحم وإخفاء الصدقة، فيكون ﴿(مَنْ)﴾ في موضع المصدر كأنه قال: ولكن البرّ من آمن بالله والبرّ برّ من آمن بالله، كما يقال: الجود من حاتم، والشجاعة من عنتر؛ أي الجود جود حاتم، والشجاعة شجاعة عنتر، ومثله قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١).
أي أهل القرية. ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ (٢)؛أي كخلق نفس. وقال أبو عبيدة: (معناه: ولكنّ البارّ من آمن بالله، كقوله: ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ (٣) أي للمتّقي).وقيل: معناه: ولكن ذا البرّ من آمن بالله، كقوله: ﴿هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ﴾ (٤) هم ذو درجات.
قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ؛﴾ أي من آمن بالله والملائكة كلهم والكتاب يعني الكتب، والنبيين أجمع.
قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ؛﴾ اختلفوا في الهاء الذي في ﴿(حُبِّهِ)﴾؛ فقال أكثر المفسرين: الهاء في ﴿(حُبِّهِ)﴾ راجع إلى المال؛ يعني إعطاء المال في صحته ومحبته إياه وصلته به، وهو صحيح يخشى الفقر ويأمل الغنى، ولا يهمل حتى إذا بلغت الحلقوم فيقول: لفلان كذا أو لفلان كذا. أو قيل: هي عائدة إلى الله؛ أي على حب الله تعالى. وقيل: على حب الأنبياء.
стр. 274
قوله تعالى: ﴿ذَوِي الْقُرْبى؛﴾ أي أهل القربى؛ قال ﷺ : [أفضل الصّدقة على ذوي الرّحم الكاشح] (١).وعن ميمونة زوج النبيّ ﷺ قالت: أعتقت جارية لي، فدخل عليّ رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك؛ فقال: [آجرك الله، أما أنّك لو أعطيتها بعض أخوالك كان أعظم لأجرك] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ﴾ (٣) ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ؛﴾ يعني المجتاز، قال مجاهد: (وهو المسافر والمنقطع عن أهله يمرّ عليك) (٤).وقال قتادة:
(وهو الضّيف ينزل بالرّجل) قال: (لقوله ﷺ : [من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه] وقال ﷺ : [حقّ الضّيافة ثلاث، فما فوق ذلك فهو صدقة] (٥).وإنّما قيل للمسافر والضّيف: ابن السّبيل؛ لملازمته الطّريق كما يقال للرّجل الّذي أتت عليه الدّهور: ابن اللّيالي والأيّام) (٦).
قوله تعالى: ﴿وَالسّائِلِينَ؛﴾ يعني المستطعمين الطالبين، قال رسول الله ﷺ : [للسّائل حقّ وإن جاء على ظهر فرس] (٧) وقال ﷺ : [هديّة الله للمؤمن
стр. 275
السّائل على بابه] (١).قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقابِ؛﴾ يعني المكاتبين؛ كذا قال أكثر أهل التفسير. وقيل: فداء الأسارى. وقيل: عتق النّسمة هو شراؤها للعتق وفكّ الرقبة.
قوله تعالى: ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ؛﴾ يعني المفروضة، وقوله تعالى:
﴿وَآتَى الزَّكاةَ؛﴾ يعني الواجبة، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا؛﴾ يعني فيما بينهم وبين الله، وفيما بينهم وبين الناس إذا وعدوا أنجزوا؛ وإذا حلفوا برّوا؛ وإذا نذروا أوفوا؛ وإذا قالوا صدقوا؛ وإذا ائتمنوا أدّوا. وقيل: معناه الموفون بالعهود التي أمر الله بوفائها من سائر المواثيق؛ مدحهم على الوفاء بما عاهدوا رسول الله ﷺ من نصرته على الأعداء؛ ومظاهرته بالجهاد.
واختلفوا في رفع الموفين؛ فقال الفراء والأخفش: (هو عطف على محلّ (من) في قوله ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ كأنّه قال: ولكنّ البرّ المؤمنون والموفون) (٢).
وقيل: هو رفع على الابتداء، والخبر تقديره: وهم الموفون.
قوله تعالى: ﴿وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ؛﴾ في انتصابه خلاف؛ قال الكسائيّ: (عطف على ذوي القربى، كأنّه قال: وآتى الصّابرين).وقال بعضهم:
معناه: أعني الصابرين. وقال الخليل والفرّاء: (نصب على المدح، والعرب تنصب على المدح والذّمّ، فالمدح مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ (٣)،والذّمّ مثل قوله تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ (٤)) (٥).وقوله تعالى: ﴿(فِي الْبَأْساءِ)﴾ يعني الشدة والفقر، ﴿(الضَّرّاءِ)﴾ يعني المرض والزّمانة، وفي هاتين الحالتين يعظم موقع الصبر على العبادة.
стр. 276
قوله تعالى: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ؛﴾ أي وقت القتال وشدة الحرب، يقال: لا بأس عليك؛ أي لا شدة. وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا؛﴾ أي في إيمانهم وجهادهم ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١٧٧)؛محارم الله تعالى. قيل: [جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن الإيمان؛ فقرأ هذه الآية] (١).
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى؛﴾ نزلت هذه الآية في الأوس والخزرج وكان بينهما قتلى وجراحات في الجاهلية، وكان لأحدهما طول على الآخر في الكثرة والشرف، فأقسموا ليقتلنّ بالعبد منا الحرّ منهم؛ وبالمرأة منا الرجل منهم؛ وبالرجل منا الرجلين منهم، وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك، فلم يأخذها بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام، فرفعوا أمرهم إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى هذه الآية وأمرهم بالمساواة؛ فرضوا وسلّموا.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ؛﴾ قيل: إن (من) اسم القاتل من ترك له القود وصحّ عنه من القصاص في قتل العمد؛ فرضي منه بالدّية، وقوله:
﴿(مِنْ أَخِيهِ)﴾ أي من أخ المقتول منه؛ فيسع العافي بالمعروف؛ أي بترفق في طلب الدية من القاتل ولا يعسر؛ وليؤدّ القاتل إليه بإحسان؛ أي لا يبخس ولا يماطل، هذا قول أكثر المفسرين. قالوا: العفو: أن يقبل الدية في قتل العمد، وقيل في تأويله: إن العفو في اللغة ما سهل وتيسر، قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ (٢)؛أي ما سهل من الأخلاق، فعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿(فَمَنْ عُفِيَ لَهُ)﴾ أي وليّ القتيل إذا بدل له من بدل أخيه شيء من المال من جانب القاتل؛ فله ﴿فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ؛﴾ أي فليقبله، ﴿وَأَداءٌ؛﴾ أي ليؤدّ، ﴿إِلَيْهِ،﴾ القاتل ﴿بِإِحْسانٍ﴾.
стр. 277
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ؛﴾ أي أن الصلح عن القصاص على شيء من الدية أو غير ذلك تسهيل من ربكم عليكم، رحمة رحمكم الله بها؛ وذلك أن الله كتب على أهل التوراة في النفس والجراح أن يقيدوا ولا يأخذوا الدية ولا يعفوا، وعلى أهل الإنجيل أن يعفوا ولا يقيدوا ولا يأخذوا الدية، فخيّر الله هذه الأمة بين القصاص والدية والعفو.
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٧٨)؛أي إذا قتل الوليّ قاتل وليه بعد أخذ الدية منه فله عذاب أليم: القتل في الدنيا والنار في الآخرة، ومن قتل بعد أخذ الدية يقتل ولا يعفى عنه، قال ﷺ : [لا أعافي رجلا قتل بعد أخذ الدّية] (١).
وفي هذه الآية دليل على أن القاتل لا يصير كافرا ولا يخلد في النار؛ لأن الله تعالى خاطبهم فقال: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ)﴾ وقال في آخر الآية: ﴿(فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ)﴾ فسمّى القاتل أخا للمقتول، وقال تعالى: ﴿(ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ)﴾ وهما يلحقان المؤمنين دون الكفار. ويروى أن مسروقا: (سئل هل للقاتل توبة؟ فقال: لا أغلق بابا فتحه الله).
قوله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ؛﴾ يعني أن الذي يريد قتل غيره إذا علم أنه إذا قتل قتل؛ أمسك عن القتل وارتدع؛ فيكون ذلك حياة له وحياة للذي همّ بقتله، وفي بقائهما بقاء لمن يتعصب لهما؛ لأن الفتنة تنبئ بالقتل؛ فتؤدي إلى المحاربة التي لا منتهى لها. وقيل: أراد الآخرة بذلك لا من اقتصّ منه في الدنيا حيّ في الآخرة، وإذا لم يقتصّ منه في الدنيا اقتص منه في الآخرة؛ فمعنى الحياة سلامته في الآخرة. قوله تعالى: ﴿(يا أُولِي الْأَلْبابِ)﴾ أي يا ذوي العقول، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٧٩)؛أي لكي تتقوا القتل مخافة القصاص.
стр. 278
قوله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ؛﴾ أي فرض عليكم إذا حضر أحدكم أسباب الموت من العلل والأمراض، ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً؛﴾ أي مالا، ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ؛﴾ وفي ارتفاع الوصية وجهان؛ أحدهما: اسم ما لم يسمّ فاعله؛ أي كتب عليكم الوصية، والثاني: بخبر الجار والمجرور. وفي قوله: ﴿لِلْوالِدَيْنِ﴾.وقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ؛﴾ أي لا يزيد على الثّلث؛ ولا يوصي للغني ويترك الفقير. كما قيل: الوصية للأحوج فالأحوج. وقوله تعالى:
﴿حَقًّا؛﴾ أي حقّا واجبا وهو نعت على المصدر، معناه: حقّ ذلك حقا. وقيل:
على المفعول؛ أي جعل الوصية حقّا. وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (١٨٠)؛أي على المؤمنين.
وسبب نزول هذه الآية: أنّهم كانوا في ابتداء الإسلام يوصون للأباعد طلبا للرياء، فأمر الله تعالى من ﴿(تَرَكَ خَيْراً)﴾ أي مالا. نظيره قوله تعالى: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ (١) أي من مال، وقوله: ﴿إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٢) أي من مال، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٣).وقوله تعالى: ﴿(إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ)﴾ أي إذا مرض أحدكم؛ لأنه إذا عاين الموت فقد شغل عن الوصية.
وهذه الآية منسوخة عند أكثر العلماء، واختلفوا بأيّ دليل نسخت؛ فقال بعضهم: بآية المواريث، وهذا لا يصحّ؛ لأنّ الله تعالى قال فيها: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها﴾ (٤).والصحيح: أنّها نسخت بقوله ﵇: [لا وصيّة لوارث] (٥).وهذا الخبر وإن كان خبر واحد فقد تلقّته الأمة بالقبول، فقد جرى مجرى التواتر، ويجوز نسخ القرآن بمثل هذه السّنة، ولا تجب الوصية إلا على من عليه شيء من الواجبات لله تعالى أو لعباده، وتستحبّ لمن لا شيء عليه بالوصية بالثلث لأقاربه الذين لا يرثونه بالرحم، وفي جهات الخير إذا لم يخف ضررا على ورثته، قال الضّحاك: (من
стр. 279
مات ولم يوص لذي قرابته، فقد ختم عليه بمعصيته) (١).وقيل: لا يجب على أحد وصية، فإن أوصى فحسن، وإن لم يوص فلا شيء عليه، وهذا قول عليّ وابن عمر وعائشة وعكرمة ومجاهد والسديّ.
قال عروة بن الزبير: (دخل عليّ ﵁ على مريض يعوده؛ فقال: إنّي أريد أن أوصي، قال عليّ ﵁: إنّ الله قال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾ وإنّما تترك شيئا يسيرا فدعه لعيالك، فإنّه أفضل) (٢).وروى نافع عن ابن عمر: (أنّه لم يوص، فقال: أمّا رباعي فلا أحبّ أن يشارك ولدي فيها أحد) (٣).وروي: (أنّ رجلا قال لعائشة ﵂: إنّي أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: إنّما قال الله تعالى ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾ وهذا شيء يسير فاترك لعيالك) (٤).وقد روي عن عروة بن ثابت قال للربيع بن خيثم: (أوص لي بمصحفك، فنظر إلى ابنه، وقال: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ﴾) (٥).
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ؛﴾ أي فمن غيّر الوصية من الأوصياء أو الأولياء أو الشّهدة بعد ما سمعه؛ ﴿فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ أي المبدّل بعد الموصي؛ ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ؛﴾ لما قاله الموصي؛ ﴿عَلِيمٌ﴾ (١٨١)؛بما فعله الوصيّ. وإنّما ذكّر الوصية وهي مؤنّثة؛ لأنّها في معنى الإيصاء كقوله: ﴿فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ ردّه إلى الوعظ، وقيل: لأنّ الوصية قول فذهب إلى المعنى وترك اللفظ.
стр. 280
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً؛﴾ لما توعّد الله المبدّل؛ خاف الأوصياء من التبديل، فكانوا ينفذون وصية الميت وإن جار في وصيته واستغرقت كلّ المال، فأنزل الله هذه الآية وبيّن أن الإثم في تبديل الحقّ بالباطل، وإذا غيّر الوصيّ من باطل إلى حقّ على طريق الإصلاح فهو محسن فلا أثم عليه.
ومعنى الآية: لمن علم من موص جنفا مثل قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما﴾ (١) أي إلا أن يعلما. وقوله تعالى: ﴿(جَنَفاً)﴾ أي ميلا عن الحقّ على جهة الخطأ.
وقوله تعالى: ﴿(أَوْ إِثْماً)﴾ أي ميلا إلى جهة العمد؛ بأن زاد في الوصية على الثّلث؛ أو أقرّ بغير الواجب؛ أو جحد حقّا عليه، ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ؛﴾ أي الوصيّ بين ورثة الموصي وغرمائه، بأن ردّ الوصية إلى المعروف الذي أمر الله به، ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ،﴾ في التبديل.
والهاء والميم في قوله تعالى: ﴿(بَيْنَهُمْ)﴾ كناية عن الورثة، والكناية تصحّ عن المعلوم وإن لم يكن مذكورا، قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٨٢)؛يعني غفور رحيم إذ رخّص للوصي في خلاف الوصية على جهة الإصلاح.
قرأ مجاهد وعطاء وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشيبة ونافع وحفص:
«(موص)» بالتخفيف، وقرأ الباقون: «(موصّ)» بالتشديد.
وقوله تعالى: ﴿(جَنَفاً)﴾ أي جورا وعدولا عن الحق، والجنف: الميل في الكلام وفي الأمور كلّها. وقرأ عليّ كرّم الله وجهه: «(حيفا)» بالحاء والياء؛ أي ظلما. قال الفراء: (الفرق بين الجنف والحيف: أنّ الجنف عدول عن الشّيء، والحيف حمل على الشّيء حتّى ينتقصه، وعلى الرّجل حتّى ينتقص حقّه).قال المفسّرون: الجنف الخطأ، والإثم العمد.
ومعنى الآية: من حضر مريضا وهو يوصي، فخاف أن يخطئ في وصيّته ليفعل ما ليس له فعله، أو يتعمّد جورا فيها فيأمر بما ليس له، فلا حرج على من حضره أن يصلح بينه وبين ورثته؛ بأن يأمره بالعدل في وصيته وينهاه عن الجنف؛ فينظر للموصي
стр. 281
وللورثة، وهذا قول مجاهد؛ قال: (هذا حين يحضره الموت، فإذا أسرف أمره بالعدل، وإذا قصّر؛ قال: افعل كذا، أعط فلانا كذا) (١).
وقال آخرون: هو إذا أخطأ الميت في وصيته وأحاف فيها متعمّدا، فلا حرج على وليّه أو وصيّه أو والي أمور المسلمين أن يصلح بعد موته بين الورثة وبين الموصى لهم، ويردّ الوصية إلى العدل والحقّ، وهذا قول ابن عباس وقتادة والربيع.
وروي عن عطاء أنه قال: (هو أن يعطي عند حضور أجله بعض ورثته دون بعض ممّا سيرثونه بعد موته، فلا إثم على من أصلح بين الورثة) (٢).
وقال طاوس: (هو أن يوصي لبني ابنه يريد ابنه، أو لبني بنته يريد بنته، أو لزوج ابنته يريد ابنته، فلا حرج على من أصلح بين الورثة) (٣).
وقال السديّ: (هو في الوصيّة للآباء والأقربين، يميل إلى بعضهم ويحيف على بعضهم، فالأصلح أن لا ينفّذها؛ ولكن يصلح بينهم على ما يرى أنّه الحقّ، ينقص بعضا ويزيد بعضا) (٤).
قال ابن زيد: (فعجز الموصي أن يوصي للوالدين كما أمره الله تعالى، وعجز الموصى إليه أن يصلح، فانتزع الله ذلك منهم، وفرض الفرائض) (٥).قال رسول الله ﷺ : [إنّ الله لم يرضى بملك مقرّب، ولا بنيّ مرسل حتّى تولّى قسمة مواريثكم] (٦).
стр. 282
وقوله تعالى: ﴿(فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ)﴾ ولم يخيّر للورثة ولا للمختانين في الوصيّة ذكر؛ لأن سياق الآية وما تقدّم من ذكر الوصية يدلّ عليه. روي أن سعد بن أبي وقّاص قال: مرضت مرضا أشرفت منه على الموت؛ فعادني رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنّ لي مالا كثيرا، وليس يرثني إلاّ بنت واحدة لي أفأوصي بثلثي مالي؟ قال:
[لا] فقلت: بشطر المال؟ قال: [لا].قلت: فثلث مالي؟ قال: [نعم، والثّلث كثير، إنّك يا سعد إن تترك ولدك غنيّا خيرا من أن تتركهم عالة يتكفّفون النّاس] (١).
وروي أنّ جارا لمسروق أوصى فدعا مسروقا يشهده، فوجده قد زاد وأكثر، فقال: (لا أشهد، إنّ الله تعالى قد قسّم بينكم فأحسن القسمة، فمن يرغب برأيه عن أمر الله فقد ضلّ، أوص لذي قرابتك الّذين لا يرثون؛ ودع المال على قسم الله) (٢).
وقال ﷺ : [من حاف في وصيّته ألقي في اللّواء؛ واللّواء واد في جهنّم] (٣).
وقال ﷺ : [إنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى وحاف في وصيّته فيختم له بشرّ عمله فيدخل النّار] (٤).
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ؛﴾ قال الحسن: (إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فارع لها سمعك، فإنّها لأمر تؤمر به ولنهي تنهى عنه).وقال جعفر الصّادق: (لذّة ما في النّداء إزالة تعب العبادة والعناء).
قوله تعالى: ﴿(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ)﴾ أي فرض عليكم الصيام، ﴿كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ،﴾ كما فرض على الذين من قبلكم من الأنبياء والأمم،
стр. 283
أوّلهم آدم ﵇. وهو ما روي عن علي كرّم الله وجهه أنه قال: أتيت النّبيّ ﷺ ذات يوم عند انتصاف النّهار، فسلّمت عليه فردّ عليّ السّلام ثمّ قال: [يا عليّ، هذا جبريل يقرئك السّلام] قلت: وعليه السّلام يا رسول الله، قال: [يا عليّ، يقول لك جبريل: صم من كلّ شهر ثلاثة أيّام؛ يكتب لك بأوّل يوم عشرة آلاف حسنة، وباليوم الثّاني ثلاثون ألف حسنة، وباليوم الثّالث مائة ألف حسنة] فقلت: يا رسول الله، ثواب لي خاصّة أم للنّاس عامّة؟ فقال: [يا عليّ، يعطيك الله هذا الثّواب ولمن يعمل مثل عملك بعدك] قلت: يا رسول الله، وما هي؟ قال: [أيّام البيض؛ ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر] (١).
قال عنترة: قلت لعليّ ﵁: لأيّ شيء سميت هذه الأيام البيض؟ قال: [لمّا أهبط الله آدم ﵇ من الجنّة أحرقته الشّمس، فاسودّ جسده، فأتاه جبريل ﵇، فقال: يا آدم أتحبّ أن تبيّض جسدك، قال: نعم، قال: صم من الشّهر ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر. فصام آدم ﵇ أوّل يوم فابيضّ ثلث جسده، وصام اليوم الثّاني فابيضّ ثلثاه، وصام اليوم الثّالث فابيضّ كلّ جسده، فسمّيت أيّام البيض] (٢).
قال المفسّرون: فرض الله تعالى على رسوله محمّد ﷺ وعلى المؤمنين صيام يوم عاشوراء وصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر حين قدم المدينة، فكانوا يصومون إلى أن نزل صوم شهر رمضان قبل قتال بدر بشهر وأيّام.
وقال الحسن: (أراد بالّذي من قبلنا النّصارى، فشبّه صيامنا بصيامهم لاتّفاقهما في الوقت والقدر؛ لأنّ الله تعالى فرض على النّصارى صوم شهر رمضان، فاشتدّ
стр. 284
ذلك عليهم؛ لأنّهم ربّما كان يأتي في الحرّ الشّديد؛ وكان يضرّهم في أسفارهم؛ فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السّنة بين الشّتاء والصّيف، فجعلوه في الرّبيع وزادوا فيه عشرة أيّام كفّارة لما صنعوا؛ فصار أربعين يوما).قال مجاهد: (أصابهم موتان عظيم؛ فقالوا: زيدوا في صيامكم؛ فزادوا عشرا قبل، وعشرا بعد، فصار خمسين يوما).
قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٨٣)؛أي لكي تتّقوا الأكل والشّرب والجماع في زمان الصّوم. وقيل: معناه لتكونوا أتقياء. وأصل الصيام والصوم في اللغة: الإمساك، يقال: صامت الريح إذا سكنت، وصامت الخيل إذا وقفت وأمسكت عن السير. قال النابغة (١):
خيل صيّام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللّجما
ويقال: صام النهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة؛ لأن الشمس إذا بلغت كبد السماء وقفت وأمسكت عن السّير سويعة. قال امرؤ القيس (٢):
فدع ذا وسلّ الهمّ عنك بجسرة ... ذمول إذا صام النّهار وهجّرا
وقال آخر:
حتّى إذا صام النّهار واعتدل ... وسال للشّمس لعاب فنزل
ويقال للرجل إذا أمسك عن الكلام: صام، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً﴾ (٣) أي صمتا. فالصوم: هو الإمساك عن المفطرات.
قوله : ﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ؛﴾ يعني شهر رمضان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين. قال رسول الله ﷺ : [نحن أمّة أمّيّة لا نحسب ولا نكتب، الشّهر هكذا وهكذا وهكذا] وعقد الإبهام في الثالثة [والشّهر هكذا وهكذا وهكذا] إتمام الثّلاثين (٤).
стр. 285
ونصب (أيّاما) على الظرف؛ أي في أيام؛ وقيل: على خبر ما لم يسمّ فاعله؛ أي كتب عليكم الصيام أياما. وقيل: بإضمار فعل؛ أي صوموا أياما.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ؛﴾ أي فافطر فعدة كقوله: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ (١) تقديره: فحلق أو قصر ففدية؛ فاختصر وتقديره: فعليه عدة.
قراءة أبي عبيد: «(فعدّة)» بالنصب؛ أي فليصم عدة. و «(أخر)» في موضع خفض؛ إلا أنّها لا تنصرف؛ لأنّها معدولة عن جهتها فكان حقّها (أخريات) فلما عدل إلى (فعل) لم يجز مثل عمر وزفر. ومعنى الآية: فليصم عدة من أيام أخر غير أيام مرضه أو سفره.
قوله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ؛﴾ قرأ ابن عباس وعائشة وعطاء وابن جبير وعكرمة ومجاهد «(يطوّقونه)» بضمّ الياء وفتح الطاء والواو والتشديد؛ أي يكلّفونه. وروي عن مجاهد وعكرمة بفتح الياء وتشديد الطاء والواو؛ أي يطّوّقونه بمعنى يكلّفونه. وروي عن ابن عبّاس أيضا أنه قرأ:
«(يطّيّقونه)» بفتح الياء وتشديد الطاء والياء الثانية وفتحها بمعنى يطيقونه. يقال: طاق وأطاق بمعنى واحد.
قوله تعالى: ﴿(فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ)﴾ قرأ أهل المدينة والشام «(فدية طعام)» مضافا إلى «(مساكين)» جمعا؛ أضاف الطعام إلى الفدية وإن كانا واحدا لاختلاف اللفظين، كقوله تعالى: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ (٢).وقولهم: مسجد الجامع، وربيع الأوّل. وقرأ ابن عبّاس: «(طعام مسكين)» على الواحد، وهي قراءة الباقين غير نافع، فمن وحّد فمعناه لكل يوم طعام مسكين واحد، ومن جمع ردّة إلى الجمع؛ أي عليه إطعام مساكين فدية أيّام يفطر فيها.