← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ (٥٠)؛أي يقول لهم الخازن: إنّ هذا العذاب الذي كنتم به تشكّون في الدّنيا أو تكذبون به. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٥٢) الأمين هو المقام الذي أمنوا فيه الغير من الموت والحوادث، والمقام هو المجلس، وقرئ «(مقام)» بضمّ الميم، يريد موضع الإقامة، ومعنى القراءتين واحد. وقوله: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ؛﴾ السّندس ما لطف من الدّيباج، والاستبرق ما غلظ منه مع دقّة السّلك، وهما نوعان من الحرير. وقوله تعالى: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ (٥٣)؛أي يقابل بعضهم بعضا في المجالس بالتحيّة والمحبّة. قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (٥٤)؛أي كذلك حالهم في الجنّة، وقرنّاهم بحور عين، والحور: الشّديدة بياض العين، الشديدة سوادها، البيضاء البشرة والعين، جمع العيناء، واسعة العين الحسنة، قال مجاهد: (الحور: هنّ اللّواتي يحار الطّرف فيهنّ، يرى مخّ سوقهنّ من وراء ثيابهنّ، يرى النّاظر وجهه في صدر إحداهنّ كالمرآة من رقّة الجلد وصفاء اللّون) (١). قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ (٥٥)؛فيه بيان أنّ بساتين الجنّة تشتمل على كلّ الفواكه في كلّ وقت من الأوقات بخلاف بساتين الدّنيا، وقوله تعالى: ﴿(آمِنِينَ)﴾ من الانقطاع والنّقصان، وآمنين مما يخاف من الفواكه من التّخم والأمراض والأسقام. قوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى؛﴾ أي لا يموتون سوى الموتة التي ذاقوها في الدّنيا، ﴿وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ (٥٦)؛ أي ودفع عنهم ربّهم عذاب النار مع ما أعطاهم من النعيم المقيم. وقوله تعالى: ﴿فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٥٧)؛أي فعل الله ذلك بالمتّقين تفضّلا منه عليهم. وسمي الثواب «فَضْلاً» لأنّ الله تعالى لم يكلّفهم لحاجته، ولكن ليصلوا إلى ذلك الثواب.

стр. 2487

قوله تعالى: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ؛﴾ أي أنزلنا القرآن بلغتك ولغة قومك ليسهل عليهم، و ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٥٨)؛يتّعظون فيؤمنوا به، ولولا تيسير الله حفظهما ما قدر أحد على حفظه لعظم أمره وجلال قدره. قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ (٥٩)؛أي انتظر بالكفّار ما وعدناهم من العذاب إنّهم منتظرون هلاكك. قال رسول الله ﷺ : [من قرأ سورة الدّخّان في ليلة الجمعة إيمانا واحتسابا وتصديقا بها، أصبح مغفورا له، وإن قرأها في سائر اللّيالي كانت له نورا يوم القيامة] (١). آخر تفسير سورة (الدخان) والحمد لله رب العالمين.

стр. 2488

سورة الجاثية سورة الجاثية مكّيّة، وهي ألفان ومائة وواحد وسبعون حرفا، وأربعمائة وثمان وثمانون كلمة، وسبع وثلاثون آية (١).قال ﷺ : [من قرأها ستر الله عورته، وسكّن روعته عند الحساب] (٢). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٢)؛ ﴿(حم)﴾ مبتدأ وخبره ﴿(تَنْزِيلُ)﴾،و قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) أي لدلالات على الحقّ تدلّ بخلقها على أنّ لها خالقا قديما لا أوّل له، ويدلّ تعظيمها وبقاؤها من غير علاقة فوقها ولا عماد تحتها على قادر لا يعجزه شيء. وقوله تعالى ﴿(لَآياتٍ)﴾ في موضع نصب؛ لأنه اسم ﴿(إِنَّ)﴾،كما يقال: إنّ في الدار لزيدا. قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ؛﴾ أي وفي خلقكم حالا بعد حال من نطفة إلى أن يصير إنسانا ثم يصير فيه العقل ثم الحواسّ، وما يبثّ من دابّة على وجه الأرض على اختلاف أجناس الدواب ومنافعها وصورها، وما يقصر من منافعها في ذلك دلالات واضحة على وحدانيّة الله تعالى، ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٤)؛يطلبون علم اليقين، ويوقنون أنّه لا إله غيره. وقرأ حمزة «(آيات)» ﴿(وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ)﴾ بالكسر على أنّهما منصوبان نسقا على قوله تعالى ﴿(إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾ على معنى وإنّ في خلقكم آيات، ومن رفع

стр. 2489

فعلى الاستئناف بعد أن، تقول العرب: إنّ لي عليكم مالا وعلى أخيك مال، ينصبون الثاني ويرفعونه (١). قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ؛﴾ أي وفي ذهابهما ومجيئهما، وما يحدث في كلّ واحد منهما من الزيادة والنّقصان من غير أن يكونا جميعا أزيد من أربع وعشرين ساعة، ﴿وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ،﴾ وفيما أنزل الله من السّماء من المطر فأحيا به الأرض بعد يبسها، وفي تقلّب الرياح شمالا وجنوبا وقبولا ودبورا وعذابا ورحمة، ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٥)؛الدلالة ويتدبّرونها. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي تلك التي سبق ذكرها دلائل الله لعباده يتلوها عليك جبريل بأمرنا بقصصنا عليك بالحقّ، ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ،﴾ كتاب، ﴿اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦)؛إن لم يؤمنوا بهذا القرآن. ومن قرأ بالتاء فعلى تأويل: قل لهم يا محمّد: فبأيّ حديث تؤمنون. قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٨)؛يعني النضر بن الحارث، كان يروي من أحاديث العجم للمشركين فيستملحون حديثه، وكان إذا سمع آيات القرآن استهزأ بها، فجعل الله له العذاب مرّتين، مرّة أليما ومرّة مهينا، وقد ذكرنا تفسير الآية في سورة لقمان. ومعنى الآية: ويل لكلّ كذاب فاجر كثير الإثم، يسمع القرآن يقرأ عليه ولا يتدبّره، ولا يخشع لاستماعه، بل يقيم على كفره متعظّما عن الإيمان بالله، كأن لم يسمع آيات الله، فخوّفه يا محمّد بعذاب وجيع يخلص وجعه إليه. قوله تعالى: ﴿وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً؛﴾ أي إذا سمع من آيات القرآن شيئا اتّخذها هزوا، ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٩).

стр. 2490

قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ؛﴾ أي لهم من بعد موتهم جهنّم، ﴿وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً؛﴾ ولا ينفعهم ما كسبوا من الأموال والأولاد شيئا، ﴿وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ؛﴾ أربابا في دفع شيء من عذاب الله، ﴿وَلَهُمْ؛﴾ في الآخرة؛ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٠)؛كلّ ذلك للنّضر بن الحارث وأمثاله. وقوله: ﴿هذا هُدىً؛﴾ أي هذا القرآن بيان للحقّ من الباطل في كلّ ما يحتاج إليه من أمر الدّين والدّنيا، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ؛﴾ الله أي جحدوا دلائل الله، ﴿لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ (١١)؛أي عذاب من عذاب وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم، وقرئ ﴿(أَلِيمٌ)﴾ بالرفع على نعت العذاب، وبالكسر على نعت الرّجز. قوله تعالى: ﴿*اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ؛﴾ أي هو الّذي ذلّل لكم البحر بتسهيل السبيل إلى سلوكها باتّخاذ السّفن وإصلاحها، ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١٢)،وباقي الآية قد تقدّم تفسيرها. قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ؛﴾ من شمس وقمر ونجوم ومطر وثلج وبرد، ﴿وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ من دابّة وشجر ونبات وثمار وأنهار، ومعنى سخّره لنا: هو أنّه خلقها لانتفاعنا بها على الوجه الذي يريده. قوله تعالى: ﴿جَمِيعاً مِنْهُ؛﴾ أي الكلّ رحمة منه وبفضله ومنّه، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١٣)؛في صنع الله وإحسانه، فيوحّدونه. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ؛﴾ نزلت في عمر ﵁: شتمه رجل من بني غفار بمكّة، فهمّ أن يبطش به، فأمره الله بالعفو والتّجاوز (١).والمعنى: قل للّذين آمنوا اغفروا، ولكنه شبّهه بالشرط والجزاء كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (٢).

стр. 2491

وقوله: ﴿(لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ)﴾ أي لا يخافون عذاب الله من إيذائكم، فتجاوزوا عنهم ليوفّيهم الله عقاب سيّئاتهم بما عملوا. ويجوز أن يكون المعنى: تجاوزوا عن الذين لا يرجون ثواب الله للمؤمنين، ﴿لِيَجْزِيَ؛﴾ الله، ﴿قَوْماً،﴾ المؤمنين يوم الجزاء، ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٤)؛بما كانوا يعملون من الخيرات. وقيل: إن الآية نزلت في أصحاب النبيّ ﷺ ، كانوا في أذى شديد من أهل مكّة قبل أن يؤمروا بقتالهم، فأمر الله المؤمنين بترك مكافأتهم، ثم نسخت بقوله تعالى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ (١). وقال الحسن: (لم تنسخ هذه الآية، وهي على الاستحباب في العفو ما لم يؤدّوا إلى الإخلال بحقّ الله أو إلى إذلال الدّين). ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (١٥). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ؛﴾ يعني التوراة والإنجيل، ﴿وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ؛﴾ أي الفهم في الكتاب وفصل الأمر، وجعلنا فيهم الأنبياء والرّسل، ﴿وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ؛﴾ أي من الحلال ومن لذيذ الأطعمة كالمنّ والسّلوى وغيرهما، ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (١٦)؛أي على عالمي زمانهم بكثرة النبيّين فيهم، وفضّل الله أمّة نبيّنا محمد ﷺ بكثرة العلماء فيهم، والقائمين بالحقّ منهم كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ؛﴾ يعني العلم بمبعث النّبيّ محمّد ﷺ ، وما بيّن لهم من الأمر، ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١٧)؛الآية قد تقدّم تفسيرها. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها؛﴾ أي ثم أكرمناك يا محمّد بعد اختلافهم فجعلناك على طريقة مستقرّة من الدّين، فاستقم

стр. 2492

عليها وادع الخلق إليها، ولا تعمل بأهواء الذين يخالفونك في أمر الدّين والقبلة، وهو قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٨)،توحيد الله؛ قيل: يعني كفّار قريش. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً؛﴾ أي لن يدفعوا عنك من عذاب الله شيئا إن اتّبعت أهواءهم، ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ،﴾ يعني المشركين أنصار بعضهم بعضا، ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (١٩)؛أي ناصر المؤمنين المتّقين الشرك وهم أمة محمّد ﷺ . قوله تعالى: ﴿هذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ؛﴾ أي هذا القرآن عظات للناس وعبرة وبيان لهم من الضّلالة ونجاة من العذاب، ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢٠)؛أنه من الله تعالى. قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ؛﴾ قيل: إنّ هذه الآية نزلت في ثلاث نفر من المشركين؛ وهم عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، بارزوا عليّا وحمزة وعبيدة بن الحارث ﵃ يوم بدر، كانوا يقولون لهم: لئن كان محمّد حقّا في الآخرة لتفضّل عليكم في الآخرة كما فضّلنا عليكم في الدّنيا (١). ومعنى الآية: أحسب الذين ﴿(اجْتَرَحُوا)﴾ اكتسبوا ﴿(السَّيِّئاتِ)﴾ المعاصي ﴿(أَنْ نَجْعَلَهُمْ)﴾ في الآخرة ﴿(كَالَّذِينَ آمَنُوا)﴾ بمحمّد ﷺ والقرآن ﴿(وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ)﴾ من الصّلاة والزكاة. وتمّ الكلام، ثم قال: ﴿سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ،﴾ ارتفع «(سواء)» على أنه خبر مبتدأ مقدّم، تقديره: محياهم ومماتهم سواء، والضمير فيهما يعود إلى القبيلتين المؤمنين والكافرين، يقول المؤمن مؤمن في محياه ومؤمن في مماته، والكافر كافر في حياته ومماته. والمعنى: إنّ المؤمن يموت على إيمانه ويبعث عليه، والكافر يموت على كفره ويبعث عليه، يريد محيا القبيلتين ومماتهم سواء.

стр. 2493

ومن قرأ ﴿(سَواءً)﴾ بالنصب جعله مفعولا ثانيا، فجعله على تقدير: فجعل محياهم ومماتهم سواء، يعني أحسبوا أنّ حياتهم وموتهم كحياة المؤمنين وموتهم؛ كلاّ، وقوله تعالى: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ (٢١)؛أي بئس ما يقضون حين يرون أنّ لهم في الآخرة ما للمؤمنين، ﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٢٢). قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ؛﴾ وذلك أنّ أهل مكّة كانوا يعبدون الحجر والخشب، فإذا رأوا ما هو أحسن منه، رموا بالأوّل وعبدوا الثاني، فهم يعبدون ما تهواه أنفسهم، قال قتادة: (هو الكافر لا يهوى ما شاء إلاّ ركبه، يبنون العبادة على الهوى لا على الحجّة، فأنزل الله هذه الآية: ﴿(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ))﴾.قال الحسن: (اتّخذ إلهه هواه لا يعرف إلهه بعقله وإنّما يعرفه بهواه). وقوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ؛﴾ أي خذله على ما سبق في عمله أنه ضالّ قبل أن يخلقه، ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ؛﴾ فلم يسمع الهدى؛ وعلى ﴿وَقَلْبِهِ؛﴾ فلم يعقل الهدى، ﴿وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً؛﴾ أي ظلمة فهو لا يبصر الهدى به. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ؛﴾ أي من يهديه من بعد إضلال الله له، ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢٣)؛فتعرفوا قدرته على ما يشاء. قوله تعالى: ﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا؛﴾ أي نموت نحن ويحيى آخرون ممّن يأتون بعدنا، وقال الزجّاج: (معناه نحيي ونميت، والواو للاجتماع) (١) والقائلون بهذا زنادقة قريش. قوله تعالى: ﴿وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ؛﴾ أي إلاّ طول العمر واختلاف الليل والنهار، ﴿وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ؛﴾ أي لم يقولوه على علم علموه، بل قالوا ضلاّلا شاكّين.

стр. 2494

قوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ (٢٤)؛وكان هذا القول من زنادقتهم الذين كانوا ينكرون الصانع الحكيم، ويزعمون أنّ الزمان ومضيّ الأوقات هو الذي يحدث هذه الحوادث، يموت قوم ويحيا قوم. قوله تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٢٧)؛فيه بيان أنّهم كانوا يتعلّقون بالحجج الباطلة، ولو تأمّلوا لعلموا أنّ دلائل معجزات النبيّ ﷺ أوكد مما كانوا يطلبون. قوله تعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً؛﴾ أي وترى أهل كلّ دين باركة على الرّكب متهيّئة للحساب والجزاء، مترقبة لما يصنع بها، كما ينحني بين يدي الحاكم ينتظر القضاء، ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا؛﴾ أي إلى صحائف أعمالها، يقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢٨)؛في دار الدّنيا من الخير والشرّ. قوله تعالى: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢٩)؛يعني كتاب الحفظ يقرءونه فيدلّهم على ما عملوا، فكأنّه ينطق كما يقال: نطق الكتاب بتحريم الخمر، وقوله ﴿(بِالْحَقِّ)﴾ أي بالعدل، فيه حسناتهم وسيّئاتهم، وقوله تعالى ﴿(إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ)﴾ أي نأمر الملائكة بنسخ ما عملتم وتبيينه بيانا شافيا وتثبيته عليكم. وما بعدها هذا ظاهر المعنى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾ (٣١). قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ؛﴾ لبعث، ﴿وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها؛﴾ أي القيامة كائنة من غير شكّ، ﴿قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السّاعَةُ؛﴾ أنكرتموهم وأظهرتم الشكّ فقلتم: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (٣٢)؛ومن قرأ «(والسّاعة)» بالنصب فهو عطف على ﴿(وَعْدَ)﴾ ﴿وَبَدا لَهُمْ؛﴾ في الآخرة، ﴿سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٣٣)؛في الدّنيا؛ أي ظهر لهم قبائح أعمالهم حين عاينوا ذلك في كتابهم الذي أحصى عليهم كلّ قليل وكثير.

стр. 2495

قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٣٤)؛أي نترككم في النار، ونترك مراعاتكم وحفظكم، ولا نحفظكم من العذاب كما لم تحفظوا حقّ الله، وتركتم الإيمان والعمل بلقاء هذا اليوم. والنسيان ضدّ الحفظ، وقد يكون للتّرك. قوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُواً؛﴾ أي ذلك العذاب عليكم بسبب أنّكم اتّخذتم كتاب الله ورسوله استهزاء، ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا؛﴾ حتى قلتم لا بعث ولا حساب، ﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (٣٥) أي لا يطلب رضاهم، ولا يقالون؛ لأنه لا يقبل في ذلك اليوم استقالة (١) وقد انقطعت المعاينة فلا يجابون، ولا يقبل لهم في «ذلك» اليوم عذر ولا توبة. قوله تعالى: ﴿فَلِلّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٣٦)؛أي لله الشّكر على عظيم نعمائه على الخلائق كلّهم، ﴿وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ وهو المختصّ بالكبرياء في السّماوات والأرض، وله العظمة والجبروت فيهما، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ؛﴾ في ملكه وسلطانه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ (٣٧)؛في قضائه وأمره (٢) له وحده في أعلى مراتب التّعظيم لأنه سبحانه لا يجوز عليه صفة النقص، قال رسول الله ﷺ : [يقول الله: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، من نازعني واحدة منها ألقيته في جهنّم] (٣). آخر تفسير سورة (الجاثية) والحمد لله رب العالمين. آخر المجلد الخامس من التفسير الكبير للإمام الطبراني

стр. 2496

سورة الأحقاف سورة الأحقاف مكّيّة، وهي ألفان وخمسمائة وخمسة وخمسون حرفا، وستّمائة وأربعون كلمة، وخمس وثلاثون آية. [من قرأها أعطي من الأجر بعدد كلّ رمل في الدّنيا عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيّئات، ورفع له عشر درجات] هكذا قال النّبيّ ﷺ (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٢)؛قد تقدّم تفسيره. قوله تعالى: ﴿ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ؛﴾ ظاهر المعنى، ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى؛﴾ ينتهي إليه وهو يوم القيامة تنتهي إليه السّماوات والأرض، وهذا إشارة إلى فنائهما وانقضائهما. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (٢)؛أي معرضون عمّا خوّفوا به من القرآن، ولا يتدبّرون ولا يتفكّرون. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ من الملائكة والأصنام، وتدّعون أنّها آلهة، ﴿أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ؛﴾ أي أخبروني ماذا خلقوا من الأرض، لأنّ الخالق هو الذي يستحق العبادة، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ﴾ أم لهم نصيب في خلق السّماوات، فذلك ما أشركتموهم في عبادة الله تعالى، ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا؛﴾ القرآن فيه برهان ما تدّعون، ﴿أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ؛﴾ معناه ائتوني ببقية من علم المتقدّمين، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤).

стр. 2497

وقيل: الأثارة؛ والأثرة-بإسكان الثاء-والأثرة-بفتحها-معناها: الرّواية من العلماء، يقال: فلان يأثر الحديث عن فلان، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ (١)،والعلم المأثور هو المروي. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ؛﴾ أي أبعد ذهابا عن الصّواب ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب دعاء ولو دعاه، ﴿(إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ)﴾ يعني الأصنام، ﴿وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ (٥) أي عن دعاء من دعاها؛ لأنّها جماد لا تسمع ولا تبصر. قوله تعالى: ﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ (٦) معناه: وإذا جمع الناس يوم القيامة صارت الأصنام أعداء لمن عبدها في الدّنيا، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (٢)،وقال: ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٧)؛ويقولون: إنّ محمّدا أتى به من نفسه، وهو قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئاً؛﴾ أي لا يقدرون أن يردّوا عنّي عذابه، فكيف أفتري على الله لأجلكم وأنتم لا تقدرون على دفع عقابه عنّي إن افتريت عليه شيئا؟ وهو قوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ؛﴾ أي الله أعلم بما تقولون في القرآن وتخوضون فيه من التّكذيب به والقول فيه إنه سحر وكهانة، ﴿كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ؛﴾ أي القرآن جاء من عند الله، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٨)؛في تأخير العذاب عنكم حين لم يعجّل عليكم بالعقوبة. قال الزجّاج: (هذا دعاء لهم؛ أي التّوبة، معناه: أنّ من أتى من الكبائر بمثل ما أتيتم به من الافتراء على الله ثمّ تاب، فالله غفور رحيم؛ أي غفور له رحيم به) (٤).

стр. 2498

قوله تعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ؛﴾ أي ما أنا أوّل رسول أرسل إلى الناس، قد بعث قبلي كثر من الرّسل. والبديع من كلّ شيء المبتدع، ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ؛﴾ أيتركني بمكّة أو يخرجني منها أو يخرجكم. وقيل: معناه: لا أدري أموت أم أقتل، ولا أدري أيّها المكذّبون أترمون بالحجارة من السّماء أو يخسف بكم. وهذا إنّما هو في الدّنيا، فأمّا في الآخرة فقد علم أنه في الجنّة، وأنّ من كذبه في النار، ألا تراه يقول: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ؛﴾ وقد أوحي إليه ما يصير إليه الكافر والمؤمن في الآخرة. وقيل: معناه: وما أدري ماذا أومر به في الكفّار من حرب أو سلم، وما أدري ماذا يفعل الله بهم أيعاجلهم الله بالعقوبة أو يؤخّرها عنهم. قوله تعالى: ﴿(إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ)﴾ أي ما أتّبع إلاّ القرآن ولا أبتدع من عندي شيئا، ﴿وَما أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٩)؛أي أنذركم وأبيّن لكم الشرائع. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ؛﴾ ثم اختلفوا، والمراد بشاهد في هذه الآية فقال من ذهب إلى أنّ هذه السّورة مكّية كلّها: أنّ المراد به يامين بن يامين، فإنّ عبد الله بن سلام ممّن أسلم بالمدينة، وهذا شاهد قدم بمكّة فآمن. وقيل: إنّ المراد بالشاهد موسى ﵇ كان من بني إسرائيل، وكان شهادته للنبيّ ﷺ في التوراة من تصديق القرآن، ومثل القرآن هو التوراة (١). وقال ابن عبّاس: (هو عبد الله بن سلام)،روي: أنّه قدم من الشّام، فأتى النّبيّ ﵇ ليلا وشهد أنّ نعته مكتوب في التّوراة فآمن به، ثم قال: أخبئني في البيت، ثمّ أحضر اليهود سلهم عنّي، فإنّهم سيذكرونني عندك ويخبرونك بمكاني من العلم. ففعل ذلك رسول الله ﷺ واستخبر اليهود وقال لهم: [ما تقولون في عبد الله ابن سلام؟] فقالوا: عالمنا وابن عالمنا، وسيّدنا وابن سيّدنا، وبقيّة المتقدّمين منّا. فقال ﷺ : [أرأيتم إن آمن بي تؤمنوا أنتم؟] فقالوا: إنّه لا يفعل ذلك.

стр. 2499

فكرّر عليهم النّبيّ ﷺ مرّة بعد أخرى حتّى قالوا: نعم، فخرج عبد الله بن سلام وقال لهم: ألم يأتكم في التّوراة عن موسى ﵇: إذا رأيتم محمّدا ﷺ فأقرءوه منّي السّلام وآمنوا به؟ ثمّ جعل يوقفهم من التّوراة على مواضع منها فيها ذكر النّبيّ ﷺ وصفته، وكانوا يستكبرون ويجحدون، فقال عبد الله بن سلام للنّبيّ ﷺ : أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله، أرسلك بالهدى ودين الحقّ. فقالوا: ما كنت أهلا لما أتينا عليك، ولكنّك كنت غائبا فكرهنا أن نغتابك (١). ومعنى الآية: أخبروني ماذا تقولون إن كان القرآن من عند الله، أنزله وكفرتم أيّها المشركون، (وشهد شاهد من بني إسرائيل) عبد الله بن سلام على صدق النبيّ ﷺ في نبوّته (على مثله) أي عليه أنّه من عند الله، والمثل صلة. وقوله تعالى (فآمن) يعني الشاهد واستكبرتم أنتم عن الإيمان به، وجواب (إن) محذوف؛ وتقديره: أليس قد ظلمهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٠)؛وقيل: تقدير الجواب: (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم) أفأمنوا عقوبة الله، ﴿(إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ)﴾ يعني المعاندين بعد الوضوح والبيان يحرمهم الله الهداية. قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ؛﴾ أي قال الكفار من بني أسد وغطفان وأشجع لمن أسلم من جهينة ومزينة وأسلم وغفار: (لو كان هذا) يعنون القرآن (خيرا) مما نحن عليه لما سبق رعاة الشاة ونحن أرفع منهم، ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ؛﴾ مع ظهوره ووضوحه، ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ مع ذلك، ﴿هذا؛﴾ القرآن؛ ﴿إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ (١١)؛كذب متقادم اتّبعه محمّد وأحبّاؤه في عصره.

стр. 2500

يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً؛﴾ أي ويشهد للقرآن كتاب موسى قبله إمام يقتدى ونجاة من العذاب لمن آمن به، ﴿وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ وهذا القرآن مصدّق لما في التوراة. وقوله تعالى: ﴿لِساناً عَرَبِيًّا؛﴾ أي بلسان عربيّ تعقلونه. ويجوز أن يكون منصوبا على الحال، ويكون (لسانا) توكيدا، كما يقال: جاءني زيد رجلا صالحا، يريد: جاءني زيد صالحا، وقال الزجّاج: (قوله تعالى: (اماما) نصب على الحال) (١)؛تقديره: وتقدّمه كتاب موسى ﵇ إماما. وفي الكلام محذوف تقديره: إماما ورحمة فلم يهتدوا به، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ (٢) وذلك أنّ المشركين لم يهتدوا بالتوراة فيتركوا عبادة الأصنام ويعرفوا منه صفة النبيّ ﷺ . ثم قال تعالى: ﴿وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ؛﴾ غير الكتب التي قبله ﴿(لِساناً عَرَبِيًّا)﴾ منصوب على الحال؛ أي مصدّق لما بين يديه عربيّا. ومعنى قوله تعالى ﴿(كِتابُ مُوسى إِماماً)﴾ أي يقتدى به؛ يعني التوراة، (ورحمة) من الله للمؤمنين به؛ قيل: القرآن. وعن عروة عن أبيه (٣) قال: (كانت زنّيرة (٤) امرأة ضعيفة البصر، فلمّا أسلمت كان الأشراف من مشركي قريش يستهزءون بها ويقولون: والله لو كان ما جاء به محمّد خيرا ما سبقتنا إليه زنّيرة (٥).فأنزل الله تعالى فيها وفي أمثالها ﴿(وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ)﴾ أي أساطير الأوّلين) (٦).

стр. 2501

قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ؛﴾ أي أنزلناه لتخوّف، ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا،﴾ يعني مشركي مكّة. ومن قرأ بالياء أسند الفعل إلى الكتاب (١).وقوله تعالى: ﴿وَبُشْرى﴾ أي وهو بشرى، ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (١٢)؛الموحّدين، يعني الكتاب. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٤). قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً؛﴾ في الآية دليل (٢) على أنّها نزلت في رجل بعينه؛ لأنّ الناس كلّهم لا يكون حملهم ورضاعهم ثلاثون شهرا، ولا يقولون إذا بلغوا أربعين سنة: ﴿(رَبِّ أَوْزِعْنِي)﴾.وجاء في التفسير: أنّها نزلت في أبي بكر الصدّيق ﵁ (٣). قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً؛﴾ أي على كلفة ومشقّة، وأراد به الحمل في البطن إذا ثقل عليها الولد، قوله تعالى: ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً؛﴾ يريد شدّة الطّلق ومشقّة الوضع. قرأ أهل الكوفة «(إحسانا)» وهي قراءة ابن عبّاس ﵁. قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً؛﴾ أي حمله ستّة أشهر ورضاعه أربعة وعشرون شهرا. وروى عكرمة عن ابن عبّاس ﵁ قال: (إذا حملت المرأة تسعة أشهر أرضعته أحد وعشرين شهرا).وقال مقاتل وعطاء والكلبيّ: (هذه الآية نزلت في أبي بكر ﵁، وكان حمله وفصاله هذا القدر) (٤)،ويدلّ على صحّة هذا قوله تعالى: ﴿(حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ ... )﴾ ثم إلى آخر الآية. وقرأ الحسن ويعقوب «(وفصله)» بغير ألف.

стр. 2502

قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ؛﴾ قال ابن عبّاس ﵁: (أشدّه بضع وثلاثون سنة) وقال: (ثماني عشرة سنة).وذلك أنه صحب رسول الله ﷺ وهو ابن ثماني عشرة سنة، والنبيّ ﷺ ابن عشرين سنة في تجارته إلى الشام، وكان لا يفارقه في أسفاره وحضوره. فلما ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً؛﴾ ونبئ رسول الله ﷺ دعا ربّه، ﴿قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ؛﴾ أي ألهمني شكر نعمتك، ﴿الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ؛﴾ بالهداية والإيمان حتى لم أشرك بك شيئا، ﴿وَعَلى والِدَيَّ؛﴾ أبي قحافة عثمان بن عمر وأمّي أمّ الخير بنت صخر بن عمر، قال عليّ ﵁: (هذه الآية نزلت في أبي بكر أسلم أبواه جميعا، ولم يجتمع أحد من الصّحابة والمهاجرين أبواه غيره، وأوصاه الله بهما) (١). قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ؛﴾ فأجاب الله وأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله ولم يرد شيئا من الخير إلاّ أعانه الله عليه، واستجاب الله في درّيته حين قال: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي؛﴾ فلم يبق له ولد ولا والد إلاّ آمنوا بالله وحده، قال موسى بن عقبة (٢): (لم يدرك أربعة النّبيّ ﷺ هم وأبناؤهم إلاّ هؤلاء: أبو قحافة، وأبو بكر، وابنه عبد الرّحمن، وأبو عتيق بن عبد الرّحمن بن أبي بكر ﵁ (٣).قال البخاريّ: (أبو عتيق أدرك النّبيّ ﷺ . قوله (وأصلح لي في درّيّتي) أي اجعل أولادي كلّهم صالحين، وقوله: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١٥)؛أي إنّي أقبلت إلى كلّ ما يجب وأسلمت لك بقلبي ولساني وإنّي من المخلصين، فأسلم أبوه وأمّه ولم يبق له ولد إلاّ أسلم.

стр. 2503

قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا؛﴾ أي أهل هذه الصّفة الذين يتقبّل عنهم أحسن ما عملوا وهو الطاعات، ﴿وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ؛﴾ التي سبقت في الجهل، وقوله تعالى: ﴿فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ؛﴾ أي يدخلون في أصحاب الجنّة وعدا صدقا من الله تعالى، ﴿الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ (١٦)؛به في الدّنيا على ألسنة الرسل. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما؛﴾ نزلت في عبد الرّحمن بن أبي بكر، قال لأبيه وأمه قبل أن يسلم حين كانا يدعوانه إلى الإسلام، ويخبرانه بالبعث بعد الموت وهو يأبى ويسيء القول لهما، فقال لهما: ﴿(أُفٍّ لَكُما)﴾ أي أفّ قذفا لكما، كما يقال عند شمّ الرائحة الكريهة، ﴿أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي؛﴾ أي تخوّفانني أن أخرج من القبر وقد مضت القرون من قبل ولم يخرج أحد منهم من قبره، أين عبد الله بن جدعان؟ أين فلان وأين فلان؟! ﴿وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ؛﴾ يعني أبويه يدعوان الله له بالهدى ويقولان له: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ؛﴾ أي صدّق بالبعث، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ،﴾ بالبعث، ﴿فَيَقُولُ ما هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٧)؛فيقول لهما: ما هذا الذي تقولان إلاّ أكاذيب الأوّلين (١). والاستغاثة بالله دعاؤك الله ليغيثك على ما نابك، والجارّ محذوف؛ تقديره: يستغيثان بالله. وقرأ القرّاء والأعمش «(أن أخرج)» بفتح الألف وضمّ الراء (٢). قال ابن عبّاس: (فلمّا ألحّ عليه أبواه في دعائه إلى الإيمان؛ قال لهما: أحيوا لي عبد الله بن جدعان، فإنّه كان شيخا صدوقا، وأحيوا لي عامر بن كعب، ومشايخ

стр. 2504

من قريش حتّى أسألهم عن ما تقولان، وأخرجا لي بعض آبائي وأجدادي من قبورهم لأسألهم، فإن صدّقوا كما آمنت) (١). قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ أي وجبت عليهم كلمة العذاب في أمم قد مضت من قبلهم، ﴿مِنْ؛﴾ كفار، ﴿الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ (١٨)؛الإيمان. ثم أسلم عبد الرحمن وحسن إسلامه، وكان من أفاضل المؤمنين. وذهب الحسن إلى أنّ الآية نزلت في كافر عاقّ لوالديه مكذّب للبعث (٢)،مات على كفره، قال: (لأنّ قوله ﴿(أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ)﴾ إعلام بأنّهم لا يؤمنون) وإلى هذا القول ذهب الزجّاج (٣). ويروى أن معاوية كتب إلى مروان: (لتأخذنّ على النّاس البيعة ليزيد) فكره ذلك عبد الرّحمن وقال: (أتأخذون البيعة لأبنائكم؟!) قال مروان: هذا الّذي يقول الله فيه ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ فلمّا بلغ ذلك عائشة فقالت: (كذب مروان! والله ما هو به، إنّما أنزل الله ذلك في رجل من بني أميّة، ولو شئت أن أسمّيه لسمّيته لكم، ولكن أشهد أنّ الله لعن أباك وأنت في صلبه، فهو في قصص من لعنه الله) (٤).

стр. 2505

قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا؛﴾ أي ولكلّ الفريقين من الكافرين والمؤمنين منازل مما عملوا، ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١٩)؛أي لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد في سيّئاتهم. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ؛﴾ أي وأنذرهم يوم يعرض كفّار مكّة على النار ويقال لهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا؛﴾ أي أذهبتم أموالكم، وقيل: قوّتكم وشبابكم في لذاتكم في الدّنيا، لا في طلب رضى الله، بل في وجوه محرّمة، وانتقصتم بطيّباتكم في الدّنيا، ﴿وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها،﴾ (ف) ليس لكم، ﴿فَالْيَوْمَ،﴾ ههنا حسنات، وإنما ﴿تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ؛﴾ أي الهوان الشديد باستكباركم في الأرض بالباطل، وخروجكم من أمر الله تعالى إلى المعصية. وعن ابن عبّاس: أنّ عمر ﵁ قال للنّبيّ ﷺ : (أدع الله أن يوسّع على أمّتك، فقد وسّع الله على فارس والرّوم وهم لا يعبدون الله تعالى) فقال ﷺ : [أوفي شكّ أنت يا ابن الخطّاب؟! أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في حياتهم الدّنيا] (١). وروي: أنّ عمر ﵁ قال: (دخلت على رسول الله ﷺ في بيت حفصة وإنّه لمضطجع على حصير، وإنّ بعضه لعلى التّراب، وتحت رأسه وسادة محشوّة ليفا، فسلّمت ثمّ جلست، فقلت: يا رسول الله؛ أنت نبيّ الله وصفوته وخيرته من خلقه، وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الدّيباج والحرير، فقال ﷺ : [يا عمر؛ إنّ أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم وهي وشيكة الانقطاع، وإنّا أخّرت لنا طيّباتنا]) (٢). وعن سالم بن عبد الله بن عمر كان يقول: (والله ما نعبأ بلذات العيش بأن نأمر بصغار المعزى فتسمط لنا، ونأمر بلباب الحنطة فيخبز لنا، ونأمر بالنّبيذ فينبذ لنا، حتّى إذا صار مثل عين يعقوب أكلنا هذا وشربنا هذا، ولكنّا أردنا أن نستبقي طيّباتنا

стр. 2506

لأنّا سمعنا الله يذكر قوما فقال ﴿(أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ (١). وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (رأى عمر ﵁ في يديّ لحما معلّقا فقال: ما هذا يا جابر؟ قال: اشتهيت لحما فاشتريته، فقال عمر: وكلّما اشتهيت يا جابر اشتريت؟ أما تخاف هذه الآية ﴿(أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ (٢). وعن محمّد بن ميسرة قال: قال جابر بن عبد الله: (اشتهى أهلي لحما فشريته ومررت بعمر، فقال: ما هذا يا جابر؟ قلت: اشتهى أهلي اللّحم فاشتريت هذا اللّحم بدرهم، فقال: أو كلّما اشتهى أحدكم شيئا جعله في بطنه، أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية ﴿(أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا» (٣). وعن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة قال: (دخل عتبة بن فرقد على عمر ﵁ وهو يكوّم كعكا شاميّا ويتفوّق لبنا حازرا (٤) فقال: يا أمير المؤمنين لو أمرت أن يصنع لك طعام ألين من هذا؟ فقال: يا ابن فرقد؛ أترى أحدا من العرب أقدر على ذلك منّي؟ فقال: ما أحد أقدر على ذلك منك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: سمعت الله تعالى عيّر أقواما فقال ﴿(أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها)﴾ والله لو شئت أن أكون أصلبكم طعاما وأحسنكم ثيابا لفعلت، ولكن أستبقي دنياي لآخرتي) (٥).

стр. 2507

وعن حفص بن أبي العاص قال: (كنت أتغدّى مع عمر ﵁ فيجيء بخبز متقطّع يابس غليظ، فجعل يأكل منه ويقول لنا: كلوا، فجعل يعتذر فقال: ما لكم لا تأكلون؟ قلنا: لا نأكله والله يا أمير المؤمنين، ما نستطيع لكنّا نرجع إلى طعام ألين من طعامكم هذا. فقال: يا ابن العاص أما ترى أنّي قادر أن آمر بدقيق أن ينخل بخرقة، وأن يخبز في تنّور، وآمر بعناق سمينة فليسمط عنها شعرها ثمّ تخرج مصليّة كأنّها كذا وكذا، أما ترى أنّي أقدر أن أعمل إلى صاع أو صاعين من زبيب فأجعله في سقاء ثمّ أنشّ عليه من الماء فيصبح كأنّه دم غزال؟ قال: قلت والله يا أمير المؤمنين لجادّ ما نعت العيش؟ قال: أجل والله الّذي لا إله إلاّ هو، لولا أنّي أخاف أن تنقص حسناتي يوم القيامة لشاركتكم في العيش، ولكنّي سمعت الله تعالى يقول: ﴿(أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها)﴾ (١). وكان يقول: (لا تنخلوا الدّقيق فإنّه كلّه طعام)،وكان عمر ﵁ يتغدّى اللّبن والقديد، وعن الزهريّ ﵁ قال: (حدّثني عبد الله بن عبّاس عن عمر ﵁ أنّه حدّثه: أنّه دخل على رسول الله ﷺ فوجده على حصير مرمولا (٢) قد أثّر الشّريط في جنبه متوسّدا وسادة من أدم حشوها ليف، قال عمر ﵁: فالتفتّ في البيت فو الله ما رأيت شيئا يردّ البصر إلاّ إهابا جلودا معطوفة قد سطع ريحها، فبكيت وقلت: يا رسول الله، إنّك خيرة الله من خلقه، وهذا كسرى وقيصر في الدّيباج والحرير، فاستوى رسول الله ﷺ جالسا وقال: [أوفي شكّ أنت يا ابن الخطّاب؟! أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في حياتهم الدّنيا]) (٣). وروي: أنّ عمر ﵁ قدم من الشّام، فصنع له طعام طيّبا فقال: هذا لنا! فما لنفوس المسلمين الّذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشّعير؟ فقال خالد بن الوليد:

стр. 2508

لهم الجنّة يا أمير المؤمنين، فاغرورقت عينا عمر بالدّموع، ثمّ قال: لئن كان حظّنا في الخطام وهم في رياض الجنّة، لقد باينونا بونا بعيدا) (١). وروي: أنّ النّبيّ ﷺ دخل على أهل الصّفّة، فرآهم يرقّعون ثيابهم بالأدم، ما يجدون لها رقاعا، فقال: [هل أنتم اليوم خير من قوم يعدو أحدهم في خلّة ويروح في أخرى، ويعدّ عليه بجفنة ويراح (٢) بأخرى] (٣). قوله تعالى: ﴿(فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ)﴾ يعني يوم القيامة تجزون العذاب الذي فيه ذلّكم وخزيكم، ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ (٢٠). قوله تعالى: ﴿*وَاذْكُرْ أَخا عادٍ؛﴾ أي اذكر يا محمّد لقومك أهل مكّة أخا عاد وهو هود ﵇، ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ؛﴾ أي إذ خوّف قومه وحذرهم عذاب الله إن لم يؤمنوا بالأحقاف، وهو جمع حقف وهو المستطيل المعوجّ من الرّمل، قال عطاء: (رمال بلاد الشّعر)،وقال مقاتل: (هي باليمن في حضرموت) (٤)،وقال ابن عبّاس: (واد بين عمان ومهرة) (٥) وإلى مهرة ينسب الجمال المهريّة. وقال قتادة: (ذكر لنا أنّ عادا كانوا حيّا باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشّعر، وكانوا من قبيل إرم) (٦).وقال ابن زيد: (الأحقاف: ما استطال من الرّمل وأشرف كهيئة الجبل، ولم يبلغ أن يكون جبالا، وجمعه حقف، والأحقاف جمع الجمع) (٧).

стр. 2509

قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ؛﴾ أي وقد مضت الرسل من قبل هود ومن بعده إلى قومهم، ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ؛﴾ أي لم يبعث رسولا قبل هود ولا بعده إلاّ بالأمر بعبادة الله وحده، وهذا كلام اعترض بين إنذار هود وكلامه لقومه، ثم عاد إلى كلام هود لقومه بقوله: ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٢١)؛تقدير الكلام: إذ أنذر قومه بالأحقاف وقال: إنّي أخاف عليكم عذاب يوم عظيم، ويحتمل أن يكون المراد بهذا العذاب عذاب الدّنيا، ويحتمل عذاب الآخرة. قوله تعالى: ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا؛﴾ أي قالوا: يا هود أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا بالإفك، ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا؛﴾ من العذاب، ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٢٢) إنّ العذاب نازل بنا، ﴿قالَ،﴾ لهم هود: ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾ بمجيء العذاب، ﴿عِنْدَ اللهِ،﴾ يعلم متى يأتيكم العذاب وأنا ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ؛﴾ إليكم من الوحي والإنذار، والمعنى: إنما أنا مبلّغ، والعلم بوقت العذاب عند الله، ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ (٢٣)؛أي أمر الله وعقابه. قوله تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ؛﴾ معناه: فلمّا رأوا العذاب الذي خوّفوا به عارضا كهيئة السّحاب تستقبل أوديتهم التي كانوا إذا رأوا الغيم من نواحيها كانت سنتهم سنة خصب، ظنّوه سحاب خير، ﴿قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا؛﴾ أي هذا الذي وعدتنا به سحاب قد عرض في السّماء ممطرنا، فقال لهم هود: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢٤)؛أي ريح الدّبور جاءت من قبل المغرب فيها عذاب أليم وجيع لكم. قال المفسّرون: كان عاد قد حبس عنهم المطر أيّاما، فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من واد لهم يقال له: المغيث، فلمّا رأوه مستقبل أوديتهم استكبروا وقالوا: ﴿(هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا)﴾ غيم فيه مطر، فقال هود: ﴿(بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ)﴾ ثم بيّن ما هو؛ فقال: ﴿(رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ)﴾. قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها؛﴾ أي تهلك كلّ شيء مرّت به من الناس والدواب والأموال، ﴿فَأَصْبَحُوا؛﴾ يعني عادا؛ ﴿لا يُرى إِلاّ﴾

стр. 2510

﴿مَساكِنُهُمْ؛﴾ قال الزجاج: (معناه لا ترى شيئا إلاّ مساكنهم، والمعنى: لا تر أيّها المخاطب إلاّ مساكنهم، لأنّ السّكّان والأنعام بادت بالريح) (١). قال ابن عبّاس: (فلم يبق إلاّ هود ومن معه)،وعن ابن عبّاس قال: (لمّا رأوا العارض قاموا، فأوّل ما عرفوا أنّه عذاب رأوا ما كان خارجا من ديارهم من الرّعاة والمواشي تطير به الرّيح بين السّماء والأرض، فرأوا الفساطيط والضّعائن ترفعها الرّياح كأنّها جراد فدخلوا بيوتهم وأغلقوا على أنفسهم الأبواب، فجاءت الرّيح فقلعت أبوابهم واحتملتهم إلى عنان السّماء، ثمّ هرعتهم وأهالت الرّمال، فكانوا تحت الرّمل سبع ليال وثمانية أيّام حسوما لهم أنين، ثمّ أمر الله بعد ذلك فاحتملتهم فرمت بهم في البحر) (٢). وقرأ الأعمش وحمزة وعاصم ويعقوب «(فأصبحوا لا يرى)» بياء مضمومة «(إلاّ مساكنهم)» بالرفع أي لا ترى الناس إلاّ مساكنهم لأنّهم كانوا تحت الرّمل. قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢٥)؛أي هكذا نجزي من أجرم جرمهم بمثل ما جازيناهم. وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا رأى الرّيح فزع، وقال: [اللهمّ إنّي أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما أرسلت به] وكان يقوم ويقعد ويتغيّر لونه، فيقول له: ما لك يا رسول الله؟! فيقول: [إنّي أخاف أن تكون مثل قوم هود حيث قالوا: هذا عارض ممطرنا] (٣).

стр. 2511

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ؛﴾ الخطاب لأهل مكّة، والمعنى: ولقد مكّنا عادا فيما لم نمكّنكم فيه من البسطة في المال والولد وزيادة القوّة والقامة وشدّة الأبدان، قال المبرّد: (ما) في قوله (فيما) بمنزلة (الّذي) و (إن) بمنزلة (ما) (١). وتقديره: ولقد مكنّاهم في الذي ما مكنّاكم فيه، ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً؛﴾ أي قلوبا يعقلون بها فلم ينفعهم ذلك من عذاب الله إذ نزل بهم بسبب أنّهم، ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ؛﴾ دلائل الله، ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٢٦)؛أي نزل بهم عقاب استهزائهم بالرّسل، أخبر الله أنّهم أعرضوا عن قبول الحجج والتفكّر فيما يدلّهم على التوحيد ما أعطاهم الله من الحواسّ التي تدرك بها الأدلّة. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى؛﴾ هذه زيادة التخويف لأهل مكّة، والمعنى: ولقد أهلكنا ما حولكم من أهل القرى مثل عاد وقوم تبّع باليمن وقوم صالح بالحجر وقوم لوط على طريقكم بالشّام، أراد بالقرى المهلكة باليمن والشّام. قوله تعالى: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢٧)؛وبيّنا لكم الآيات في كلّ وجه لكي ترجعون من الكفر إلى الإيمان، وقيل: معناه: وبيّنا الآيات لعلّ أهل القرى يرجعون. وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْباناً آلِهَةً؛﴾ فهلاّ حين نزل بهم العذاب أعانهم الذين عبدوهم من دون الله ليقرّبوهم إلى الله في زعمهم، وقوله تعالى: ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ؛﴾ أي بل ما نفعوهم، وقوله تعالى: ﴿وَذلِكَ إِفْكُهُمْ؛﴾ أي إنّ دعاءهم آلهتهم هو إفكهم وافتراؤهم، ﴿وَما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢٨)،يعني اتّخاذهم الآلهة من دون الله هو كذبهم وافتراؤهم على الله أنّها آلهة.

стр. 2512

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ؛﴾ معناه: اذكر إذ وجّهنا نفرا من الجنّ؛ وذلك أنّ رسول الله ﷺ لمّا آيس من إسلام أهل مكّة، خرج إلى الطّائف ليدعوهم إلى الإسلام، فلمّا انصرف من الطّائف راجعا إلى مكّة (١) ووصل بطن نخلة، قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر، فمرّ به نفر من أشراف جنّ نصيبين من اليمن فاستمعوا القرآن. قال ابن عبّاس: (كانوا تسعة نفر) (٢)،وقال الكلبيّ ومقاتل (٣): (كانوا سبعة صرفوا إلى النّبيّ ﷺ ليستمعوا منه وينذروا قومهم).وهو قوله تعالى: ﴿(يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ)﴾. فلمّا انتهوا إلى النبيّ ﷺ قال بعضهم لبعض: اسكتوا حتى تستمعوا قراءته، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا؛﴾ أي فلما فرغ من التلاوة قال بعضهم لبعض: اسكتوا حتى تستمعوا قراءته، وإنما قالوا ذلك لأنهم سمعوا شيئا لم يسمعوا مثله، فلما فرغ من القرآن انصرفوا إلى قومهم مخوّفين لهم بالقرآن، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (٢٩)،أي فلما فرغ من التلاوة انصرفوا إلى قومهم منذرين؛ أي محذّرين إياهم عذابا إن لم يؤمنوا، وهذا قاله (٤) سعيد بن جبير وجماعة من أئمّة الخبر. وقال آخرون: بل أمر رسول الله ﷺ أن ينذر الجنّ ويدعوهم إلى الله، فقرأ عليهم القرآن، فصرف الله نفرا من الجنّ وجمعهم له، فقال ﷺ لأصحابه: [إنّي أمرت أن أقرأ على الجنّ اللّيلة، فأيّكم تبعني] فأطرقوا، فقال لهم مرّة ثانية، فأطرقوا، فقال لهم مرّة ثالثة، فاتّبعه عبد الله بن مسعود، قال عبد الله بن مسعود: (لم يحضر معه أحد غيري، فانطلقنا حتّى إذا كنّا بأعلى مكّة دخل النّبيّ ﷺ شعبا يقال له

стр. 2513

شعب الحجون، وحطّ لي ثمّ أمرني أن أجلس فيه، وقال: [لا تخرج منه حتّى أدعو إليك]. ثمّ انطلق حتّى قام فافتتح القرآن، فجعلت أرى أمثال النّور تهوي، وسمعت لفظا شديدا حتّى خفت على رسول الله ﷺ ، وغشيته سودة كبيرة حالت بيني وبينه حتّى ما سمعت صوته، ثمّ طفقوا يتقطّعون أمثال قطع السّحاب ذاهبين. ففزع رسول الله ﷺ مع الفجر، وقال: [أنمت؟] قلت: لا والله؛ ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالنّاس حتّى سمعتك تفزعهم بعصاك تقول: [اجلسوا] فقال: [لو خرجت لم آمن عليك أن يختطفك بعضهم] ثمّ قال: [هل رأيت؟] فقلت: نعم؛ رأيت رجالا سودا. قال: [أولئك جنّ نصيبين، سألوني المتاع فمنعتهم بكلّ عظم حليل وروثة وبعرة] فقالوا: يا رسول الله ﷺ يقذّرها للنّاس علينا، فنهى رسول الله ﷺ أن يستنجى بالعظم والرّوث، فقلت: يا رسول الله ﷺ وما يعني ذلك منهم؟ قال: [إنّهم لا يجدون عظما إلاّ يجدون عليه لحمة يوم أكل، ولا روثة إلاّ وجدوا فيها حبّها يوم أكلت]. فقلت: يا رسول الله سمعت لفظا كثيرا شديدا، قال: [إنّ الجنّ تدارت في قتيل قتل بينهم، فتحاكموا إليّ فقضيت بينهم].ثمّ قال لي رسول الله: [هل معك ماء؟] فقلت: يا رسول الله معي نبيذ تمر في إداوة، فاستدعاه فصببت على يديه فتوضّأ به وقال: [ثمرة طيّبة وماء طهور] (١). وعن رسول الله ﷺ قال: [الجنّ على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصنف حيّات وكلاب يحلّون ويظعنون] (٢).

стр. 2514

قوله تعالى: ﴿(فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا)﴾ أي قال بعضهم لبعض: أنصتوا، فأنصتوا واستمعوا القرآن حتى كان يقع بعضهم على بعض من شدّة رغبتهم في سماع القرآن؛ قوله تعالى: ﴿(فَلَمّا قُضِيَ)﴾ أي فلمّا فرغ من تلاوة القرآن، وقرأ لاحق ابن حميد (١) «(قضى)» بفتح القاف والضاد يعني النبيّ ﷺ ؛ ثم جعل النبيّ ﷺ أولئك النفر من الجنّ رسلا إلى قومهم. وأسماء أولئك النّفر: شاضر وماصر ومنشي وماشي والأحقب (٢) وعمرو بن جابر وزوبعة. وعن ابن مسعود ﵁: (أن كان في نفر من أصحاب رسول الله يمشون، ورفع لهم إعصار، ثمّ جاء إعصار أعظم منه، ثمّ انقشع فإذا حيّة قتيل، فعمد منّا رجل إلى ردائه فشقّه وكفّن الحيّة ببعضه ودفنها! فلمّا جنّ اللّيل إذا امرأتان تسألان: أيّكم دفن عمرو بن جابر؟! فقلنا: ما ندري من عمرو بن جابر! فقالتا: إن كنتم ابتغيتم الأجر فقد وجدتموه، إنّ فسقة الجنّ اقتتلوا مع مؤمنيهم، فقتل عمرو بن جابر وهو الحيّة الّتي رأيتم وهو النّفر من الجنّ الّذين استمعوا القرآن) (٣). وذكر: أنّ حية دخلت على رجل من التابعين وهي تلهث عطشى فسقاها، ثم إنها ماتت فدفنها، فأتي من الليل فسلّم عليه وأخبر أن تلك الحية كانت رجلا من جنّ نصيبين اسمه زوبعة.

стр. 2515

وبلغنا في فضائل عمر بن عبد العزيز أنه كان يمشي بأرض فلاة، فإذا حية ميتة فكفنها بفضلة من ردائه ودفنها، فاذا قائل يقول يا سرق اشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول ستموت بأرض فلاة فيكفنك ويدفنك رجل صالح، فقال من أنت رحمك الله؟ فقال رجل من الجن الذين استمعوا القرآن من رسول الله ﷺ لم يبق منهم إلا أنا وسرق (١)،وهذا سرق قد مات. وقد قتلت عائشة ﵂ حية رأتها في حجرتها تستمع وعائشة تقرأ فأتيت في المنام فقيل لها: إنك قد قتلت رجلا مؤمنا من الجنّ الذين قدموا على رسول الله ﷺ فقالت: لو كان مؤمنا ما دخل على حريم رسول الله ﷺ ، فقيل لها: ما دخل عليك إلاّ وأنت متقنّعة، وما جاء إلاّ ليستمع الذّكر، فأصبحت عائشة فزعة واشترت رقابا فأعتقتهم (٢). ويقال: الذين جاءوا ليستمعوا القرآن كانوا يهودا فأسلموا، ولذلك قوله تعالى: ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣٠). قوله تعالى: ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ؛﴾ يعني محمّدا ﷺ ، ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣١)؛فاستجاب لهم من قومهم نحو من سبعين رجلا من الجنّ، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فواقفوه بالبطحاء، فقرأ عليهم القرآن، فقال بعضهم: أمرهم ونهاهم. واختلف العلماء في مؤمني الجنّ، فقال بعضهم: ليس لمؤمني الجنّ إلاّ نجا منهم من النار، وتأوّلوا فيه، قوله: ﴿(يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ)﴾، وعن الليث أنه (الجنّ ثوابهم أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا ترابا مثل البهائم) (٣).وقال آخرون: إذا كان عليهم العقاب في الإساءة، وجب أن يكون لهم

стр. 2516

الثواب في الإحسان مثل الإنس، وعن الضحّاك قال: (الجنّ يدخلون الجنّة ويأكلون ويشربون) (١). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي لا يعجز الله ولا يفوته، ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ؛﴾ الذين لا يجيبون الرسل، ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٣٢). قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ؛﴾ أي لم يضعف عن إبداعهنّ، ﴿بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣٣)؛والمعنى: أليس الله بقادر على إحياء الموتى فيما ترون يا أهل مكّة، فإنّ خلق السموات والأرض بما فيهنّ من العجائب والبدائع أعظم من إعادة الحياة في الميّت بعد ما كانت فيه. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٣٤)؛الآية ظاهرة المعنى. وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ؛﴾ وهم خمسة أولو الكتب والشرائع: محمّد ﷺ ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله عليهم (٢)،وقيل: إنّهم رسل سلخوا من جلودهم فلم يجزعوا. وقيل: أراد بأولي العزم الأنبياء كلّهم، وحرف (من) على هذا القول لتبيين الجنس كما في قوله ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ (٣)،قال ابن يزيد: (كلّ الرّسل كانوا أولي عزم) (٤).

стр. 2517

وقال بعضهم: كلّ الأنبياء أولو عزم إلاّ يونس ﵇، ألا ترى أنّ نبيّنا ﷺ نهي عن أن يكون مثله لخفّة وعجلة ظهرت منه حين ولّى مغاضبا لقومه، فابتلاه الله بالحوت فابتلعه، وقيل: أولو العزم نجباء الرّسل المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر، قال الله تعالى فيهم ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١). وقال مقاتل: (أولو العزم ستّة: نوح صبر على أذى قومه وكانوا يضربونه حتّى يغشى عليه، وإبراهيم صبر على النّار، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف صبر على البئر والسّجن، وأيّوب صبر على الضّرّ) (٢).قال ابن عبّاس: (العزم: الصّبر)،وقال القرظيّ: (الرّأي والصّواب). وقال الحسن: (أولو العزم أربعة: إبراهيم وموسى وداود وعيسى ﵈، أمّا إبراهيم فعزمه أنّه قيل له: أسلم، فقال أسلمت لرب العالمين، وابتلي في ولده وماله ونفسه، فوجد صادقا وافيا في جميع ما ابتلي به، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (٣)،وقال الله تعالى: ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ (٤)، وأمّا موسى فعزمه أنّ قومه كلّما قالوا له: إنّا لمدركون، قال: كلاّ إنّ معي ربي سيهدين. وأمّا داود ﵇ فعزمه أنّه أخطأ خطيئة فبكى عليها أربعين سنة. وأمّا عيسى فعزمه أن لم يضع لبنة على لبنة زهدا في الدّنيا) (٥). فكأنّ الله تعالى قال لنبيّه ﷺ : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرّسل؛ أي كن صادقا فيما ابتليت به مثل صدق إبراهيم ﵇، وكن واثقا بنصر مولاك مثل ثقة موسى ﵇ مهتمّا بما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود ﵇، زاهدا في الدّنيا مثل زهد عيسى ﵇، فقال الشاعر:

стр. 2518

أولو العزم نوح والخليل كلاهما ... موسى وعيسى والنّبيّ محمّد فلمّا نزلت هذه الآية قال النبيّ ﷺ : [والله لأصبرنّ كما صبر أولو العزم من الرّسل، وأجهد كما جهدوا، ولا قوّة إلاّ بالله] (١). وقوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ؛﴾ وذلك أنّ النبيّ ﷺ ضجر بعض الضّجر من كفرهم، وأحبّ أن ينزل العذاب بمن أبى منهم الإسلام، فأمر بالصّبر وترك الاستعجال، ثم أخبر أنّ العذاب منهم قريب، فقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ؛﴾ من العذاب في الآخرة؛ ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ؛﴾ أي إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدّنيا والقبور كأنّه ساعة، لأنّ ما مضى كأنّه لم يكن وإن كان طويلا. وتمّ الكلام، ثم قال تعالى: ﴿بَلاغٌ؛﴾ أي هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغ عن الله إليك، والبلاغ بمعنى التبليغ بلّغكم محمّد ﷺ عن الله . قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٢٥)؛أي لا يقع العذاب إلاّ بالعاصين الخارجين عن أمر الله تعالى، وقيل: معناه: ما يهلك إلاّ مشرك أو منافق. آخر تفسير سورة (الأحقاف) والحمد لله رب العالمين

стр. 2519

سورة محمّد ﷺ سورة محمّد مدنيّة، وهي ألفان وثلاثمائة وتسعة وأربعون حرفا، وخمسمائة وتسع وثلاثون كلمة، وثمان وثلاثون آية. قال النّبيّ ﷺ : [من قرأ سورة محمّد كان حقّا على الله تعالى أن يسقيه من أنهار الجنّة] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ (١)؛معناه: الذين كفروا بتوحيد الله وصدّوا الناس عن الإسلام، يعني كفار مكّة أضلّ أعمالهم؛ أي أبطلها وأذهبها فلا أجر لهم فيها وكأنّها لم تكن، وأراد بأعمالهم إطعامهم الطعام وصلتهم الأرحام. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ؛﴾ أي صدّقوا بالقرآن الذي نزل على محمّد، ﴿وَهُوَ الْحَقُّ؛﴾ أي الصدق، ﴿مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ؛﴾ أي غفرها لهم فلا يحاسبون عليها، ﴿وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ (٢)؛أي حالهم، قال المبرّد: (البال: الحال).وقال ابن عبّاس: (عصمهم أيّام حياتهم حتّى لم يمنعوا) (٢).

стр. 2520

وقيل: معناه: وأظهرهم على أعدائهم وقوّاهم من ضعفهم، قال ابن عبّاس ﵁: (الّذين كفروا صدّوا عن سبيل الله أهل مكّة، والّذين آمنوا وعملوا الصّالحات للأنصار) (١). قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ؛﴾ أي ذلك الإضلال والإصلاح باتّباع الذين كفروا الشّرك، ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ،﴾ واتّباع المؤمنين التوحيد والقرآن، فالشّرك هو الباطل، والتوحيد هو الحقّ والقرآن. قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ﴾ (٣)؛معنى أنّ من كان كافرا أضلّ الله عمله، ومن كان مؤمنا كفّر الله سيّئاته وأصلح باله. وقوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ؛﴾ أي إذا لقيتموهم في القتال فاضربوا رقابهم؛ أي اقتلوهم، والمعنى: فاضربوا الرقاب ضربا، وهذا مصدر أقيم مقام الأمر، كما في قوله ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٢)،وقيل: انتصب قوله (فضرب) على الإغراء. قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ؛﴾ أي حتى إذا أكثرتم القتل فيهم وغلبتموهم وبالغتم في قتلهم فاستوثقوهم بالأسر، ولا يكون الأسر إلاّ بعد المبالغة في القتل، كما قال الله ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣)،والمعنى حتى إذا قهرتموهم وغلبتموهم وصاروا أسارى في أيديكم فشدّوا وثاقهم كيلا يهربوا، يقال: أوثقه أي إيثاقا ووثاقا إذا شدّ أسره لئلاّ يفلت. قوله تعالى: ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها؛﴾ معناه: فإما أن تمنّوا عليهم بعد أن تأسروهم وتطلقوهم بغير فداء، وإما تطلقوهم يفدون

стр. 2521

بأسراكم عندهم أو بمال، والمعنى: فإمّا بعد أن تأسروهم إما مننتم عليهم منّا فأطلقتموهم بغير عوض، وإما أن تفدوا فداء. وعن ابن عبّاس قال: (هذه الآية منسوخة بقوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١)).وإليه ذهب أبو حنيفة وقال: (لا يجوز المنّ على الأسير ولا الفداء بالمال ولا بغير المال من الأسارى، ولا يباع السّبي من أهل الحرب) (٢). ولم يختلف أهل التفسير في أنّ التوبة نزلت بعد سورة محمّد ﷺ ، ولا خلاف بين العلماء في جواز قتل الأسير وجواز قسمة الأسارى بين المسلمين إذا لم يكن الأسارى من العرب، وإنما اختلفوا في جواز المنّ عليهم في مفاداتهم بالمال أو النفس. قال الشافعيّ: (يجوز المنّ عليهم لأنّ النّبيّ ﷺ منّ على أبي عزّة الشّاعر يوم بدر على أن لا يقاتل، فرجع إلى مكّة ثمّ عاد بعد ذلك للقتال فأسر، فأمر النّبيّ ﷺ بقتله) (٣).فأجاب أصحابنا عن هذا إنّما منّ عليه كما منّ العرب، وكان لا يجوز استرقاقه، وقال أبو يوسف ومحمّد: (تجوز مفاداة الأسير) (٤). قوله تعالى: ﴿(حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها)﴾ أي حتى يضع أهل الحرب أسلحتهم، والأوزار في اللغة: الأثقال، وقيل: المراد بالأوزار هنا الآثام، وقال ابن عبّاس: (معنى قوله ﴿(حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها)﴾ أي حتّى لا يبقى أحد من

стр. 2522

المشركين).وقال مجاهد: (حتّى لا يكون دين إلاّ الإسلام) (١). وقيل: حتى تضع حربكم وقتالكم أوزار المشركين وقبائح أعمالهم بأن يسلموا فلا يبقى دين غير الإسلام، ولا يعبد وثن. وقال الفرّاء: (معناه: حتّى لا يبقى إلاّ مسلم أو مسالم) (٢). وقيل: معناه: حتى تضع أهل الحرب آلتها وعدّتها، وآلتهم أسلحتهم فيمسكوا عن الحرب، وحرب القوم المحاربون كالرّكب والشّرب، ويقال أيضا للكراع: أوزار، قال الشاعر وهو الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها ... رماحا طوالا وخيلا ذكورا ومعنى الآية: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يظهر الإسلام على الأديان كلّها، ويدخل فيه أهل مكّة طوعا وكرها، ويكون الدّين كلّه لله، فلا يحتاج إلى قتال ولا إلى جهاد، وذلك عند نزول عيسى ﵇ من السّماء فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، يلقى الذئب الشاة فلا يتعرّض، ولا تكون عداوة بين اثنين. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ؛﴾ أي ذلك الذي أمرتم به من الجهاد (٣)،ولو يشاء الله لانتقم منهم؛ أي من الكفّار من غير أن يأمركم بقتالهم، المعنى: ولو يشاء الله لانتصر من الكفّار بإهلاكهم، ويعذّبهم بما شاء، ﴿وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ؛﴾ ولكن يأمركم بالحرب ليبلو بعضكم بعضا، قال ابن عبّاس: (يريد من قتل من المؤمنين صار إلى الثّواب، ومن قتل من المشركين صار إلى العذاب)،يعني: ولكن ليتعبّدكم بالقتال تعويضا للثواب. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ (٤)؛قرأ العامّة «(والّذين قاتلوا في سبيل الله)» وقرأ أبو عمرو «(قتلوا)» بضمّ القاف وكسر التاء مخفّفا، وقرأ الحسن بضمّ القاف وكسر التاء مشدّدا، وقرأ عاصم والجحدريّ: «(قتلوا)»

стр. 2523

بفتح القاف والتاء، والوجه قراءة العامّة لأنّها تشمل من قاتل قتل أو لم يقتل، وقراءة أبي عمرو تخصّ المقتولين، ولأنّه تعالى قال ﴿(سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ)﴾ قال ابن عباس: (سيهديهم إلى أرشد الأمور، ويعصمهم أيّام حياتهم في الدّنيا)،وهذا لا يحسن في وصف المقتولين. ومعنى الآية: والذين قتلوا في سبيل الله يوم بدر فلن يبطل الله ثواب أعمالهم كما أبطل ثواب أعمال الكفّار؛ و ﴿سَيَهْدِيهِمْ؛﴾ إلى ثوابه وجنّته، ﴿وَيُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ (٥)؛في النّعيم. قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ (٦)؛أي بيّنها لهم حتى عرفوها من غير استدلال، وذلك أنّهم إذا دخلوا الجنة تعرّفوا إلى منازلهم. وقيل: معناه: طيّبها لهم من العرف وهي الرائحة الطيّبة، وطعام معرّف؛ أي مطيّب. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ؛﴾ أي إن تنصروا دين الله ونبيّه ﷺ ينصركم بالتوفيق والكفاية والإظهار على الأعداء، ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ (٧)؛عند القتال بتقوية قلوبكم، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ؛﴾ أي فمكروها لهم وسوءا، والتّعس في اللغة: الانحطاط والعثور، يقال: تعس يتعس إذا انكبّ وعثر، قال ابن عبّاس: (يريد: في الدّنيا العثرة، وفي الآخرة التّردّي في النّار). وانتصب قوله (فتعسا لهم) على الدّعاء؛ أي أتعسهم الله تعسا، قال الفرّاء: (هو نصب على المصدر)،وأصل التّعس في الدواب والناس، وهو أن يقال للعاثر: تعسا؛ إذا لم يريدوا قيامه، وضدّه لعّا إذا أرادوا قيامه (١). قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ (٨)؛أي أبطلها وأحبطها لأنّها كانت في طاعة الشيطان. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ؛﴾ أي ذلك التّعس والإضلال بأنّهم كرهوا ما أنزل الله على نبيّه ﷺ وبيّن من الفرائض من الصّلاة والزكاة، ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾ (٩)؛لأنّها لم تكن في إيمان.

стр. 2524

قوله تعالى: ﴿*أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ؛﴾ يعني أهل مكّة، ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ من الأمم المكذّبة، ﴿دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ؛﴾ منازلهم وأهلكهم بالعذاب، والتدمير: الهلاك، ثم يوعد مشركي مكّة فقال: ﴿وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها﴾ (١٠)؛أن لم يؤمنوا؛ أي أمثال عقوبتهم وأشباه عقوبات من كان قبلهم. وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ أي ذلك النّصر للمؤمنين والهلاك للكافرين بأنّ الله وليّ الذين آمنوا يلي أمرهم ويتولّى نصرهم، ﴿وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ (١١)؛أي ليس لهم وليّ يعينهم ولا ناصر ينجيهم من العذاب. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ ظاهر المعنى، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ؛﴾ في الدّنيا، ﴿وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ؛﴾ تأكل وتشرب ولا تدري ما في غد، كذلك الكفار لا يلتفتون إلى الآخرة، ﴿وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ (١٢)؛أي منزلهم ومقامهم ومصيرهم. وأراد بالتمتّع التعيّش في الدنيا في الجهل، وشبّه أكل الكافر بأكل الأنعام لأنّهم يأكلون للشّبع لا يهمّهم ما في غد، والمؤمن همّته مصروفة إلى أمر دينه يأكل للقيام بعبادة الله لا للشّبع، ويكون قصده من التّمتّع إعفاف نفسه وزوجته، وابتغاء ما كتب من الولد. وفي الحديث عن النبيّ ﷺ أنه قال: [ما ملأ ابن آدم وعاء شرّا من بطنه، فإن كان لا بدّ: فثلثا للطّعام وثلثا للشّراب وثلثا للنّفس] (١).وقال الحسن: (وهو أنّكم إذا أشبعتم عصيتم شئتم أو أبيتم).

стр. 2525

قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ؛﴾ هذا تحذير لأهل مكّة بقوله: كم أهلكنا من أهل قرية من كان أكثر عددا وأبسط ملكا ويدا من أهل قريتك؛ يعني مكّة التي أخرجتك أهلها، ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ (١٣)؛فلم يكن لهم ناصر ينجيهم من عذاب الله، فحذّر قومك يا محمّد مثل حالتهم. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ؛﴾ معناه: حال من كان على نصره من ربه ويقين كحال من زيّن له قبح عمله فيعبدوا الأوثان، ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ (١٤)؛في عبادتها. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ؛﴾ أي صفة الجنّة التي وعد المتّقون الشرك والكبائر، ﴿فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ؛﴾ أي متغيّر طعمه وريحه، يقال: آسن الماء يأسن أسونا وأسنا إذا تغيّر، وهو الذي لا يشتهيه من نتنه فهو آسن وأسن، مثل حاذر وحذر. وقيل: إن الآسن ما يعرض أن يتغيّر، والأسن بالقصر: ما تغيّر في الحال، وقرأ ابن كثير «(أسن)» بالقصر (١). قوله تعالى: ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ؛﴾ أي لم يحمض كما تحمض وتتغيّر ألبان الدّنيا؛ لأنه لم يخرج من ضروع الأنعام، ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ؛﴾ بخلاف خمر الدّنيا؛ فإنّها لا تخلو من المرارة، وعن ما يحدث فيها من أنواع المرض ومن العقوبة في الدّنيا والآخرة. قوله تعالى: ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى؛﴾ أي مصفّى من الأقذار، من العكر والكدر، بخلاف عسل الدّنيا الذي يكون من بطون النّحل، فإنه لا يخلو من الشّعر وغيره. قال مقاتل: (أنهار الجنّة المذكورة تتفجّر من الكوثر إلى الجنّة) (٢). ويقال: إنّها تتفجر من تحت شجرة طوبى.
следующие страницы →