بأسراكم عندهم أو بمال، والمعنى: فإمّا بعد أن تأسروهم إما مننتم عليهم منّا فأطلقتموهم بغير عوض، وإما أن تفدوا فداء.
وعن ابن عبّاس قال: (هذه الآية منسوخة بقوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١)).وإليه ذهب أبو حنيفة وقال: (لا يجوز المنّ على الأسير ولا الفداء بالمال ولا بغير المال من الأسارى، ولا يباع السّبي من أهل الحرب) (٢).
ولم يختلف أهل التفسير في أنّ التوبة نزلت بعد سورة محمّد ﷺ ، ولا خلاف بين العلماء في جواز قتل الأسير وجواز قسمة الأسارى بين المسلمين إذا لم يكن الأسارى من العرب، وإنما اختلفوا في جواز المنّ عليهم في مفاداتهم بالمال أو النفس.
قال الشافعيّ: (يجوز المنّ عليهم لأنّ النّبيّ ﷺ منّ على أبي عزّة الشّاعر يوم بدر على أن لا يقاتل، فرجع إلى مكّة ثمّ عاد بعد ذلك للقتال فأسر، فأمر النّبيّ ﷺ بقتله) (٣).فأجاب أصحابنا عن هذا إنّما منّ عليه كما منّ العرب، وكان لا يجوز استرقاقه، وقال أبو يوسف ومحمّد: (تجوز مفاداة الأسير) (٤).
قوله تعالى: ﴿(حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها)﴾ أي حتى يضع أهل الحرب أسلحتهم، والأوزار في اللغة: الأثقال، وقيل: المراد بالأوزار هنا الآثام، وقال ابن عبّاس: (معنى قوله ﴿(حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها)﴾ أي حتّى لا يبقى أحد من
стр. 2522
المشركين).وقال مجاهد: (حتّى لا يكون دين إلاّ الإسلام) (١).
وقيل: حتى تضع حربكم وقتالكم أوزار المشركين وقبائح أعمالهم بأن يسلموا فلا يبقى دين غير الإسلام، ولا يعبد وثن. وقال الفرّاء: (معناه: حتّى لا يبقى إلاّ مسلم أو مسالم) (٢).
وقيل: معناه: حتى تضع أهل الحرب آلتها وعدّتها، وآلتهم أسلحتهم فيمسكوا عن الحرب، وحرب القوم المحاربون كالرّكب والشّرب، ويقال أيضا للكراع: أوزار، قال الشاعر وهو الأعشى:
وأعددت للحرب أوزارها ... رماحا طوالا وخيلا ذكورا
ومعنى الآية: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يظهر الإسلام على الأديان كلّها، ويدخل فيه أهل مكّة طوعا وكرها، ويكون الدّين كلّه لله، فلا يحتاج إلى قتال ولا إلى جهاد، وذلك عند نزول عيسى ﵇ من السّماء فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، يلقى الذئب الشاة فلا يتعرّض، ولا تكون عداوة بين اثنين.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ؛﴾ أي ذلك الذي أمرتم به من الجهاد (٣)،ولو يشاء الله لانتقم منهم؛ أي من الكفّار من غير أن يأمركم بقتالهم، المعنى: ولو يشاء الله لانتصر من الكفّار بإهلاكهم، ويعذّبهم بما شاء، ﴿وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ؛﴾ ولكن يأمركم بالحرب ليبلو بعضكم بعضا، قال ابن عبّاس: (يريد من قتل من المؤمنين صار إلى الثّواب، ومن قتل من المشركين صار إلى العذاب)،يعني: ولكن ليتعبّدكم بالقتال تعويضا للثواب.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ (٤)؛قرأ العامّة «(والّذين قاتلوا في سبيل الله)» وقرأ أبو عمرو «(قتلوا)» بضمّ القاف وكسر التاء مخفّفا، وقرأ الحسن بضمّ القاف وكسر التاء مشدّدا، وقرأ عاصم والجحدريّ: «(قتلوا)»
стр. 2523
بفتح القاف والتاء، والوجه قراءة العامّة لأنّها تشمل من قاتل قتل أو لم يقتل، وقراءة أبي عمرو تخصّ المقتولين، ولأنّه تعالى قال ﴿(سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ)﴾ قال ابن عباس:
(سيهديهم إلى أرشد الأمور، ويعصمهم أيّام حياتهم في الدّنيا)،وهذا لا يحسن في وصف المقتولين.
ومعنى الآية: والذين قتلوا في سبيل الله يوم بدر فلن يبطل الله ثواب أعمالهم كما أبطل ثواب أعمال الكفّار؛ و ﴿سَيَهْدِيهِمْ؛﴾ إلى ثوابه وجنّته، ﴿وَيُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ (٥)؛في النّعيم.
قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ (٦)؛أي بيّنها لهم حتى عرفوها من غير استدلال، وذلك أنّهم إذا دخلوا الجنة تعرّفوا إلى منازلهم. وقيل:
معناه: طيّبها لهم من العرف وهي الرائحة الطيّبة، وطعام معرّف؛ أي مطيّب.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ؛﴾ أي إن تنصروا دين الله ونبيّه ﷺ ينصركم بالتوفيق والكفاية والإظهار على الأعداء، ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ (٧)؛عند القتال بتقوية قلوبكم،
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ؛﴾ أي فمكروها لهم وسوءا، والتّعس في اللغة: الانحطاط والعثور، يقال: تعس يتعس إذا انكبّ وعثر، قال ابن عبّاس: (يريد: في الدّنيا العثرة، وفي الآخرة التّردّي في النّار).
وانتصب قوله (فتعسا لهم) على الدّعاء؛ أي أتعسهم الله تعسا، قال الفرّاء:
(هو نصب على المصدر)،وأصل التّعس في الدواب والناس، وهو أن يقال للعاثر:
تعسا؛ إذا لم يريدوا قيامه، وضدّه لعّا إذا أرادوا قيامه (١).
قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ (٨)؛أي أبطلها وأحبطها لأنّها كانت في طاعة الشيطان.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ؛﴾ أي ذلك التّعس والإضلال بأنّهم كرهوا ما أنزل الله على نبيّه ﷺ وبيّن من الفرائض من الصّلاة والزكاة، ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾ (٩)؛لأنّها لم تكن في إيمان.
стр. 2524
قوله تعالى: ﴿*أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ؛﴾ يعني أهل مكّة، ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ من الأمم المكذّبة، ﴿دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ؛﴾ منازلهم وأهلكهم بالعذاب، والتدمير: الهلاك، ثم يوعد مشركي مكّة فقال:
﴿وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها﴾ (١٠)؛أن لم يؤمنوا؛ أي أمثال عقوبتهم وأشباه عقوبات من كان قبلهم.
وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ أي ذلك النّصر للمؤمنين والهلاك للكافرين بأنّ الله وليّ الذين آمنوا يلي أمرهم ويتولّى نصرهم، ﴿وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ (١١)؛أي ليس لهم وليّ يعينهم ولا ناصر ينجيهم من العذاب.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ ظاهر المعنى، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ؛﴾ في الدّنيا، ﴿وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ؛﴾ تأكل وتشرب ولا تدري ما في غد، كذلك الكفار لا يلتفتون إلى الآخرة، ﴿وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ (١٢)؛أي منزلهم ومقامهم ومصيرهم.
وأراد بالتمتّع التعيّش في الدنيا في الجهل، وشبّه أكل الكافر بأكل الأنعام لأنّهم يأكلون للشّبع لا يهمّهم ما في غد، والمؤمن همّته مصروفة إلى أمر دينه يأكل للقيام بعبادة الله لا للشّبع، ويكون قصده من التّمتّع إعفاف نفسه وزوجته، وابتغاء ما كتب من الولد.
وفي الحديث عن النبيّ ﷺ أنه قال: [ما ملأ ابن آدم وعاء شرّا من بطنه، فإن كان لا بدّ: فثلثا للطّعام وثلثا للشّراب وثلثا للنّفس] (١).وقال الحسن: (وهو أنّكم إذا أشبعتم عصيتم شئتم أو أبيتم).
стр. 2525
قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ؛﴾ هذا تحذير لأهل مكّة بقوله: كم أهلكنا من أهل قرية من كان أكثر عددا وأبسط ملكا ويدا من أهل قريتك؛ يعني مكّة التي أخرجتك أهلها، ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ (١٣)؛فلم يكن لهم ناصر ينجيهم من عذاب الله، فحذّر قومك يا محمّد مثل حالتهم.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ؛﴾ معناه: حال من كان على نصره من ربه ويقين كحال من زيّن له قبح عمله فيعبدوا الأوثان، ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ (١٤)؛في عبادتها.
قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ؛﴾ أي صفة الجنّة التي وعد المتّقون الشرك والكبائر، ﴿فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ؛﴾ أي متغيّر طعمه وريحه، يقال: آسن الماء يأسن أسونا وأسنا إذا تغيّر، وهو الذي لا يشتهيه من نتنه فهو آسن وأسن، مثل حاذر وحذر. وقيل: إن الآسن ما يعرض أن يتغيّر، والأسن بالقصر: ما تغيّر في الحال، وقرأ ابن كثير «(أسن)» بالقصر (١).
قوله تعالى: ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ؛﴾ أي لم يحمض كما تحمض وتتغيّر ألبان الدّنيا؛ لأنه لم يخرج من ضروع الأنعام، ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ؛﴾ بخلاف خمر الدّنيا؛ فإنّها لا تخلو من المرارة، وعن ما يحدث فيها من أنواع المرض ومن العقوبة في الدّنيا والآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى؛﴾ أي مصفّى من الأقذار، من العكر والكدر، بخلاف عسل الدّنيا الذي يكون من بطون النّحل، فإنه لا يخلو من الشّعر وغيره. قال مقاتل: (أنهار الجنّة المذكورة تتفجّر من الكوثر إلى الجنّة) (٢).
ويقال: إنّها تتفجر من تحت شجرة طوبى.
стр. 2526
قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ؛﴾ أي ولهم في الجنّة من جميع أنواع الثّمرات والفواكه مما علموه وما لم يعلموه، ومما سمعوه وما لم يسمعوه، ظاهرها مثل باطنها، لا يخالطها قشر ولا رذال (١) ولا نوى.
قوله تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ؛﴾ أي ولهم مع ذلك النعيم المقيم مغفرة من ربهم لذنوبهم، فلا يذكر شيء من معارضيهم في الجنّة؛ لأنّ الله تعالى قد سترها عليهم فهي بمنزلة ما لم يعمل، ﴿كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ (١٥)؛أي من كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار ﴿(وَسُقُوا ماءً حَمِيماً)﴾ شديد الحرّ تستعر عليه جهنّم منذ خلقت ﴿(فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ)﴾ في الجوف من شدّة الحرّ، والأمعاء: جميع ما في البطن من الحوايا، واحدها معاء، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ (٢).
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [إذا شربه صاحبه قطّع أمعاءه حتّى يخرج من دبره] (٣).وعن محمّد بن عبد الله الكاتب قال: قدمت من مكّة، فلمّا صرت إلى طيزناباذ ذكرت بيت أبي نؤاس (٤):
بطيزناباذ كرم ما مررت به ... إلاّ تعجّبت ممّن شرب الماء
فهتف به هاتف أسمعه ولا أراه:
في الجحيم حميم ما تجرّعه خل ... ق إلاّ ما بقي له بطن أمعاء
стр. 2527
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً؛﴾ وذلك أنّ النّبيّ ﷺ خطب يوم الجمعة وعاب المنافقين في خطبته، فلمّا خرجوا من المسجد قالوا لعبد الله بن مسعود: ماذا قال محمّد على المنبر السّاعة؟ فقد سمعنا قوله ولم نفهمه، كأنّهم كانوا يسمعون سماع تهاون واستخفاف (١).
والآنف: السّاعة؛ من قولك: استأنفت الشّيء إذا ابتدأته، والمعنى: ومن هؤلاء الكفّار من يستمع إليك: المنافقون يستمعون قولك فلا يعونه ولا يفهمونه تهاونا منهم بذلك وتثاقلا، فإذا خرجوا قالوا للّذين أوتوا العلم من الصحابة: ماذا قال محمّد الآن، وذلك أنّهم سألوا ابن مسعود وابن عبّاس عمّا قال النبيّ ﷺ استهزاء وتهاونا، وهذا كالرجل يستمع إلى غير سماع استخفافا، ثم يقول بعد ذلك لأصحابه: أليس الذي كان يقول فلان.
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ؛﴾ أي ختم عليها بالكفر فلا يعقلون الإيمان، والطبع هو الختم على القلب بسمة تعلمها الملائكة بأنّه جاحد لا يفلح أبدا، ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ (١٦)؛في الكفر والنّفاق.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ (١٧)؛ أي والذين اهتدوا بالإيمان بك والاستماع الى خطبتك زادهم الله بصيرة في دينهم، وألهمهم ترك المعاصي واجتناب المحارم. ويجوز أن يكون زادهم إعراض المنافقين هدى، وأعطاهم الله ثواب تقواهم في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً؛﴾ أي ما ينتظر هؤلاء الكفار والمنافقون إلاّ أن تأتيهم الساعة فجأة على غرّة منهم، ﴿فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها؛﴾ أي علاماتها، ومن أشراطها خروج نبيّنا ﷺ ، فإنّها تأتيهم بغتة في آخر
стр. 2528
الزمان (١)،قال ﷺ : [بعثت أنا والسّاعة كهاتين] (٢)،ومن أشراطها أيضا بيع الحكم وقطيعة الرّحم.
قوله تعالى: ﴿فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ﴾ (١٨)؛أي من أين لهم التوبة؟ ومن أين لهم أن يتذكّروا أو يتوبوا إذا جاءتهم الساعة حين لا ينفعهم ذلك.
قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ؛﴾ الخطاب للنبيّ ﷺ ، والمراد به غيره. والمعنى: إذا جاءتهم الساعة فاعلم أنّه لا قاضي حينئذ إلاّ الله، ولا مخرج يومئذ إلاّ إليه، والنبيّ ﷺ قد كان علم ذلك، ولكن هذا خطاب يدخل فيه الناس.
والمعنى: من علم أن لا إله إلاّ الله فليقم على العلم ويثبت عليه. قوله تعالى:
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ؛﴾ أي استعصم من مواقعة ذنب يوجب الاستغفار.
ويقال: معناه: استغفر لصغائرك؛ فإنه لا صغيرة مع الإصرار، ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ،﴾ واستغفر لذنوب المؤمنين والمؤمنات، وهذا إكرام من الله لهذه الأمة حين أمر نبيّهم أن يستغفر لهم وهو الشفيع المجاب فيهم.
وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ﴾ (١٩)؛أي متصرّفاتكم في الدّنيا من أوّل ما ينقلبون من ظهر إلى بطن إلى أن تخرجوا من دنياكم إلى قبوركم، ويعلم أين مثواكم في الآخرة، قال عكرمة: (معناه: والله يعلم متقلّبكم من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمّهات، ومثواكم مقامكم في الأرض) (٣).وقال مقاتل: (والله يعلم منتشركم بالنّهار ومأواكم باللّيل) (٤).والمعنى: إنّه عالم بجميع أحوالكم، لا يخفى عليه شيء منها.
стр. 2529
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ؛﴾ قال ابن عبّاس:
(إنّ المؤمنين سألوا ربّهم أن ينزل سورة فيها ثواب القتال في سبيل الله).وقيل: إنّ المؤمنين كانوا يشتاقون إلى تواتر نزول القرآن، وكانوا يستوحشون إذا أبطأ الوحي، وهو قولهم ﴿(لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ)﴾ أي هلاّ نزّلت سورة، يقول الله تعالى: ﴿فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ؛﴾ أي بالأحكام التي لا يجري عليها النسخ، يعني لا ينسخ منها شيء، قال قتادة: (كلّ سورة يذكر فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشدّ السّور على المنافقين) (١).
والمعنى: أنّ المؤمنين قالوا: هلاّ أنزلت سورة تأمرنا بالجهاد، قال الله تعالى:
(فإذا أنزلت سورة محكمة) ﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ؛﴾ أي إيجاب القتال، ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ؛﴾ وهم المنافقون، ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ؛﴾ عند ذكر القتال كنظر الذي هو في غشيان من الموت، كراهة منهم للقتال مخافة أن يقتلوا في الحرب. قال الزجّاج: معناه: رأيت المنافقين يشخصون نحوك بأبصارهم، وينظرون إليك نظرا شديدا، شزرا بتحديق شديد كراهة منهم للجهاد نظر المغشيّ عليه من الموت.
قوله تعالى: ﴿فَأَوْلى لَهُمْ﴾ (٢٠)؛كلمة وعيد لهم، ومعناه: وليهم المكروه والعقاب أولى لهم، وهذا كما قال تعالى ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ (٢)،قال الأصمعيّ: (معنى قوله: أولى لك فأولى؛ أي وليك وقاربك ما تكره) (٣).
وقوله تعالى: ﴿طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ؛﴾ ابتداء وخبره محذوف، تقديره:
طاعة وقول معروف أمثل وأحسن، والمعنى على هذا: أنّ الله تعالى قال: لو أطاعوا وقالوا قولا معروفا كان أمثل وأحسن. ويجوز أن يكون هذا متّصلا بما قبله على معنى: فأولى لهم طاعة لله ولرسوله وقول معروف بالإجابة والطاعة.
стр. 2530
قوله تعالى: ﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ؛﴾ فإذا وجد الأمر ولزم فرض القتال، نكلوا وكذبوا فيما وعدوك من أنفسهم، ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ (٢١)؛أي لو صدّقوا الله في إيمانهم وجهادهم لكان خيرا لهم من المعصية والكراهة والمخالفة.
وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي فلعلّكم إن انصرفتم من محمّد ﷺ وعن ما يأمركم به أن تعودوا إلى مثل ما كنتم عليه من الكفر والفساد في الأرض من وأد البنات، ومن قتل بعضكم بعضا كفعل الجاهليّة، وقيل: معناه: لعلّكم إن تولّيتم أمر هذه الأمة بعد النبيّ ﷺ أن تفسدوا في الأرض بالقتال، ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ (٢٢)؛بالبغي، فيقتل قريش بني هاشم، وبنو هاشم قريشا.
وذهب كثير من الناس إلى أنّ هؤلاء بنو أميّة، والمعنى: فلعلّكم إن أعرضتم عن الإيمان والقرآن، وفارقتم أحكامه أن تفسدوا في الأرض فتعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهليّة من الفساد وقتل بعضكم بعضا، وتقطّعوا أرحامكم بسفك الدماء بعد ما جمعكم الله بالاسلام والألفة، فتعودوا إلى ما كنتم عليه في جاهليّتكم من القتل والبغي وقطيعة الرّحم. وقال المسيّب بن شريك (١): (معناه: فهل عسيتم إن تولّيتم أمر النّاس أن تفسدوا في الأرض بالظّلم، نزلت في أميّة بن خلف وفي بني هاشم) (٢).
قرأ يعقوب وأبو حاتم: «(وتقطعوا)» مخفّفا من القطع اعتبارا بقوله ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ (٣)،وقول الحسن «(وتقطّعوا)» بفتح الحروف المشدّدة اعتبارا بقوله ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ (٤)،وقرأ الكافّة «(وتقطّعوا)» بضمّ التاء وتشديد الطاء وكسرها من القطع على التكثير لأجل الأرحام.
стр. 2531
ثم ذمّ الله تعالى من يريد ذلك فقال تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ﴾ (٢٣)؛فلا يسمعون الحقّ ولا يهتدون للرّشد، يعني المنافقين الذين يفسدون في الأرض، ويقطّعون أرحامهم، ونسبهم الله تعالى إلى الصّمم والعمى لإعراضهم عن أمر الله تعالى، وأمّا في مشاهدتهم فإنّهم لا يكونون صمّا ولا عميانا، ومثله قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ (١).
قوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ؛﴾ فتعرفوا ما يوعدون للمتمسّك بالقرآن، ﴿أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ (٢٤)؛يعني الطّبع على القلب، وهذا استعارة لإغلاق القلب عن معرفة الإسلام والقرآن، وكأنّ على قلوبهم أقفالا تمنعهم من الاستدلال.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى؛﴾ قال قتادة: (هم كفّار أهل الكتاب، كفروا بمحمّد ﷺ وهم يعرفونه ويجدون صفته في كتابهم، ونعته مكتوبا عندهم) (٢).فمعناه: إنّ الذين رجعوا كفّارا من بعد ما ظهر لهم أمر النبيّ ﷺ بنعته وصفته في كتابهم، ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ؛﴾ أي زيّن لهم القبيح، ﴿وَأَمْلى لَهُمْ﴾ (٢٥)؛الله تعالى؛ أي أمهلهم موسّعا عليهم ليتمادوا في طغيانهم، ولم يعجّل عليهم بالعقوبة.
ويحسن الوقوف على قول: (سوّل لهم) لأنه فعل الشيطان، والإملاء فعل الله تعالى، وعلى قول الحسن: لا يحسن الوقوف؛ لأنّه يقال في تفسيره: ﴿(وَأَمْلى لَهُمْ)﴾:مدّ لهم الشّيطان في العمل.
وقرأ أبو عمرو «(وأملي لهم)» على ما لم يسمّ فاعله، وهو حسن للفصل بين فعل الشّيطان وفعل الله تعالى، ونعلم يقينا أنّه لا يؤخّر أحد مدّة أحد ولا يوسّع فيها إلاّ الله تعالى. وقرأ مجاهد «(وأملي)» بضمّ الهمزة وإسكان الياء على معنى: وأنا أملي لهم.
стр. 2532
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ؛﴾ معناه: ذلك الإملاء لليهود بأنّهم قالوا للمشركين: سنطيعكم في بعض الأمور؛ أي في التّعاون على عداوة محمّد ﷺ ، قالوا ذلك فيما بينهم، فأخبر الله تعالى عنهم وأعلم أنه يعلم ذلك فقال: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ﴾ (٢٦)؛وقرأ بكسر الألف على المصدر؛ أي إسرارهم بكسر الألف، والمعنى: والله يعلم أسرار اليهود والمنافقين.
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ؛﴾ أي كيف يكون حالهم إذا قبضت أرواحهم الملائكة، ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ (٢٧)،وظهورهم بمقامع الحديد عند قبض الأرواح.
ثم ذكر سبب ذلك الضّرب: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾ (٢٨)؛بما كتموا من التوراة، وكفروا بمحمّد ﷺ ، وكرهوا ما فيه رضوان الله وهو الطاعة والإيمان ﴿(فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ)﴾،معنى ما كان من برّ وصلة وخير عملوه في غير الإيمان بكفرهم.
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ؛﴾ أظنّ المنافقون؛ ﴿أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ﴾ (٢٩)؛يعني أن لن يتلوا شيئا يظهر فيه حقدهم للمسلمين وضغنهم عليهم، فأمر الله تعالى بالقتال والنّفقة، فبخل المنافقون بالمال فظهر نفاقهم، والضّغن: هو الحقد الذي يضمره الإنسان بقلبه ولا يظهره لغيره.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ؛﴾ أي لعرّفناكهم وأعلمناكهم، ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ؛﴾ أي بالعلامة القبيحة التي نظهرها عليهم، قال الزجّاج:
(معناه: لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة؛ وهي السّيماء؛ فلعرفتهم بتلك العلامة) (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ؛﴾ أعلم الله النبيّ ﷺ أن يطلعه على نفاقهم في فحوى كلامهم، فكان لا يتكلّم بعد نزول الآية منافق عند النبيّ ﷺ إلاّ عرف بكلامه وبما يعتذرون إليه به من المعاذير الكاذبة.
стр. 2533
قال المفسّرون معنى قوله (في لحن القول) أي في فحوى القول، ومعناه:
ومقصده، ويقال: فلان لحن بحجّته ولاحن في كلامه، وفي الحديث: [لعلّ بعضكم ألحن بحجّته] (١) أي أذهب بها في الجهات لقوّته على تصريف الكلام، وإذا قيل:
لحن في كلامه أو ألحن؛ فمعناه: ذهب بالكلام إلى خلاف جهة الصّواب.
ولحن القارئ إذا ترك الإعراب الصّواب وعدل عنه. وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ﴾ (٣٠)؛أي يعلم ظواهرها وبواطنها.
قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ؛﴾ لنعاملكم معاملة المختبر فيما نأمركم به من الجهاد حتى نميّز المجاهدين منكم من غيرهم، والصابرين في القتال من الذين لا يصبرون.
وإنما كنّى بالعلم عن التمييز؛ لأنه يتوصّل بالعلم إلى التمييز، فكان الله تعالى عالما بكلّ منهم قبل أن خلقهم، ولكن أراد بالعلم في هذه الآية العلم الذي يجب به الجزاء، وهو علم الشهادة لا علم الغيب.
وقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ (٣١)؛أي نختبر بما نأمركم به وننهاكم عنه أخباركم وأحوالكم حتى يظهر للناس، وكان الفضيل بن عياض إذا أتى على هذه الآية بكى وقال: (إنّك إن بلوت أخبارنا وفضحتنا وهتكت أستارنا) (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ؛﴾ يعني بني قريظة والنّضير، ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى؛﴾ في التوراة، ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً؛﴾ بتركهم الهدى، إنما يضرّون أنفسهم، ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ﴾ (٣٢)؛فلا يريدون لها في الآخرة ثوابا.
стр. 2534
قوله تعالى: ﴿*يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ (٣٣)؛أي أطيعوا الله في الفرائض وأطيعوا الرسول في السّنن، ﴿(وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ)﴾ بالشّرك والربا، فإن الشرك يبطل العمل، قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (١)،والرّياء يحبط العمل بالمعصية، وقيل: بالعجب. وقال عطاء: (بالشّكّ والنّفاق)،قال الحسن: (بالمعاصي والكبائر).
ويستدلّ بظاهر هذه الآية: على أنّ من شرع في قربة نحو الصلاة والصوم والحجّ، لم يجز له الخروج منها قبل إتمامها؛ لما فيه من إبطال عملها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ (٣٤)؛وإنما ذكر الموت على الكفر؛ لأن الكفار قبل الموت يفرض أن يؤمن فيغفر له، وإذا مات على كفره حبط عمله حبوطا لا يلحقه التدارك والتّلافي.
قوله تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ؛﴾ أي لا تعطفوا عن قتال الكفّار وتدعوهم إلى الصّلح ﴿(وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ)﴾ بما وعدكم الله من النصر في الدّنيا والثواب والكرامة في الأخرى. قال الزجّاج: (منع الله المسلمين أن يدعوا الكفّار إلى الصّلح وأمرهم بحربهم حتّى يسلموا) (٢) ﴿(وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ)﴾ أي الغالبون.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ مَعَكُمْ؛﴾ أي بالعون والنّصرة على عدوّكم بثوابي حفظكم، ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ (٣٥)؛أي لن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم، وفي الآية دلالة على أنّه لا يجوز للإمام أن يدعوا الكفار إلى الصّلح، ولا أن يجيبهم إلى الصّلح في حال ما تكون الغلبة للمسلمين، فإنّ الواو في قوله: ﴿(وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ)﴾ واو الحال، كما يقال: لا تسلّم على فلان وأنت راكب؛ أي في حال ما كنت راكبا.
стр. 2535
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ؛﴾ أي الدّنيا بما فيها من زينتها باطل وغرور، تفنى وتزول عن قريب، واللّعب: العمل الذي لا تتعلّق به فائدة، واللهو: هو الفرح الذي لا يبقى.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ؛﴾ أي تؤمنوا بمحمّد ﷺ والقرآن، وتتّقوا الفواحش والكبائر، يؤتكم ثواب أعمالكم كافيا وافيا، ﴿وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ﴾ (٣٦)؛كلّها في الإنفاق في سبيله، بل يأمركم بالإيمان والطاعة ليثيبكم الجنّة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ (١).
وقيل: معناه: ولا يسألكم محمّد ﷺ أموالكم، وقيل: معناه: ولا يسألكم الله ورسوله أموالكم كلّها، إنما يسألكم ربع العشر، فطيبوا نفسا،
قوله تعالى: ﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ﴾ (٣٧)؛معناه: إن يجهدكم في المسألة، ويلحّ عليكم ويسألكم جميع أموالكم، فبخلوا بها ويمنعوا الواجب.
وقوله ﴿(وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ)﴾ التي تحدث في القلوب بسبب البخل، قال قتادة: (قد علم الله أنّ في مسألة المال خروج الأضغان) (٢).وقوله (أضغانكم) أي بغضكم وعداوتكم لله ولرسوله، ولكن فرض عليكم يسيرا وهو ربع العشر. والإحفاء في المسألة: هو الإلحاح والتشديد. وقيل: معنى الآية: ولا يسألكم أموالكم لنفسه، بل يسألكم ليؤتكم أجوركم.
قوله تعالى: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ؛﴾ يعني ما فرض عليهم في أموالهم من الزكاة، ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ؛﴾ بذلك، ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ؛﴾ بذلك، ﴿فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ؛﴾ عاقبة بخله تعود عليه في العقاب، فيصير بخله على نفسه، ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ؛﴾ عن ما عندكم من الأموال وعن أعمالكم، ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ،﴾ وأنتم محتاجون إلى الله وإلى ما عنده من
стр. 2536
الجزاء والرّحمة والمغفرة، ثم يأمركم بالإنفاق لحاجته ولا لجرّ منفعة ولا لدفع مضرّة، وإنما أمركم بذلك لمصالحكم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ؛﴾ أي وإن تعرضوا عن طاعة الله يستبدل قوما لا يعصون ويفعلون ما يؤمرون، وقيل: معناه: وإن تعرضوا عن الإسلام وعمّا افترض عليكم من حقّ يستبدل قوما غيركم أطوع لله منكم، ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ (٣٨)؛بل يكون أمثل منكم وأطوع. قال الكلبيّ:
(هم كندة والنّخع)،وقال الحسن: (هم العجم)،قال عكرمة: (هم فارس والرّوم) (١).
وعن رسول الله ﷺ أنّه سئل عن هذه الآية؛ فقيل: يا رسول الله من هؤلاء الّذين إن تولّينا استبدلوا ثمّ لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب رسول الله في صدر سلمان الفارسيّ-وقيل: على فخذه-وقال: [هذا وأصحابه].وقال: [والّذي نفسي بيده، لو كان الإيمان معلّقا بالثّريّا لتناوله رجال من أبناء فارس] (٢).قال الكلبيّ في قوله:
﴿(وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ)﴾ قال: (لم يتولّوا ولم يستبدل بهم) (٣).
آخر تفسير سورة (محمد) والحمد لله رب العالمين.
стр. 2537
سورة الفتح
سورة الفتح مدنيّة، وهي ألفان وأربعمائة وثمانية وثلاثون حرفا، وخمسمائة وستّون كلمة، وتسع وعشرون آية، قال رسول الله ﷺ : [من قرأ سورة الفتح كان كمن بايع محمّدا ﷺ تحت الشّجرة] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ (١)؛وذلك أنّ النّبيّ ﷺ خرج إلى مكّة يريد العمرة، وتجهّز معه ناس كثير من أصحابه ومعهم الهدي يسوقونها مع أنفسهم، فبلغ ذلك قريشا فاستعدّوا ليصدّوه وأصحابه، فلمّا نزل رسول الله ﷺ بالحديبية، فزع المشركون بنزوله ﷺ ، فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثّقفيّ ليأتيهم بالخبر، فلمّا أتاهم عروة أبصر قوما عمّارا لم يأتوا للقتال، فرجع إلى قريش وأخبرهم بذلك وهو كاره لصدّهم رسول الله ﷺ عن الكعبة، فشتموه واتّهموه.
ثمّ بعثوا رجلين آخرين، فقال النّبيّ ﷺ : [ابعثوا الهدي في وجوههما ولبّوا] فلمّا رجع الرّجلان إليهم قالا لهم مثل ما قال عروة. فبعثوا سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤيّ، قال ﷺ حين أبصره: [هذا رجل فاجر، وما أرى إلاّ قد سهل أمركم].فلمّا أتاهم سهيل تذاكروا المهادنة والموادعة.
فلمّا كان في وسط النّهار، أمر النّبيّ ﷺ بالبيعة، فنادى مناديه في العزم: [الآن روح القدس جبريل ﵇ نزل على رسول الله ﷺ ، فأمره بالبيعة].فأتوا رسول الله ﷺ وقد جلس تحت الشّجرة، فبايعه المسلمون وكادت (٢) تلك البيعة في صدور المشركين.
стр. 2538
فلمّا أمسوا وهم على ذلك، رمى رجل من المشركين باللّيل في أصحاب رسول الله ﷺ ، فثار المسلمون بالحجارة فرموا أعداء الله حتّى أدخلوهم البيوت وهزموهم بإذن الله. وأقبل أشرافهم إلى النّبيّ ﷺ فقالوا: يا محمّد هذا لم يكن عن رضى منّا ولا ممالأة، وإنّما فعله سفهاؤنا، وعرضوا الصّلح على النّبيّ ﷺ فقبله، ولم يعطهم المشركون الصّلح حتّى قهرهم المسلمون في غير قتال بالرّمي بالحجارة.
فاصطلح الفريقان على أن يتوادعوا سنين، على أن يرجع النّبيّ ﷺ وأصحابه تلك السّنة، فمن لحق بالنّبيّ ﷺ من المشركين لم يقبله حتّى تنقضي المدّة، ومن لحق بالمشركين من أصحاب النّبيّ ﷺ فهو منهم. على أنّ المسلمين إذا شاءوا اعتمروا العام القابل في هذا الشّهر الّذي صدّهم المشركون فيه، على أن أن لا يحملوا بأرضهم سلاحا.
فصالحهم رسول الله ﷺ على ذلك، وكتبوا كتاب القضيّة (١) بين النّبيّ ﷺ وبينهم، فوجد رجل من المسلمين من ذلك الشّرط وجدا شديدا، فقالوا: يا رسول الله؛ من لحق بنا منهم لم نقبله، ومن لحق بهم منّا فهو منهم؟ فقال رسول الله ﷺ :
[أمّا من لحق بهم منّا فأبعدهم الله، وأمّا من أرادنا منهم فسيجعل الله له مخرجا، وإن يعلم الله منه الصّدق ينجّيه منهم].
فلمّا فرغوا من كتاب القضيّة، أقبل جندل بن سهيل وهو يرشف في قيوده، وكان أبوه قد أوثقه حين خشي أن يذهب إلى رسول الله، فجاء حتّى وقع بين ظهران المسلمين؛ وقال: إنّي منكم وإنّي أعوذ بالله أن ترجعوني إلى الكفّار.
فأراد رجال من المسلمين أن يمنعوه، وناشدهم سهيل بن عمرو العهد والميثاق! فقال ﷺ : [خلّوا بينهم وبينه؛ فسينجّيه الله منهم].فانطلق به أبوه، وكان ماء الحديبية قد قلّ من كثرة من مع رسول الله ﷺ ، فأتي بدلو من الماء، فتوضّأ منه رسول الله ﷺ وتمضمض ثمّ مجّه في الدّلو، ثمّ أمرهم أن يجعلوه في البئر، فامتلأت البئر ماء حتّى جعلوا يغرفون منه وهم جلوس على شفة البئر، وكان هذا شأن الحديبية.
стр. 2539
ولبث رسول الله ﷺ شهرا وصيفا فوعدهم الله خيرا أن يفتحها لهم، فلمّا رجع النبيّ ﷺ إلى المدينة نزل قوله تعالى: ﴿(إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)﴾،والفتح المبين:
ما كان من استعلاء المسلمين عليهم حتى غلبوهم بالحجارة وأدخلوهم بيوتهم، وتيسير الصلح أيضا من الفتح المبين وظهور النبيّ ﷺ على خيبر من الفتح.
قال: (وأنجى الله أبا جندل بن سهيل من أيديهم، وخرج منهم واجتمع إليه قريب من سبعين رجلا كرهوا أن يقعدوا مع المشركين، وعلموا أنّ رسول الله ﷺ لا يقبلهم حتّى تنقضي المدّة، فجعلوا يقطعون الطّريق على المشركين، فأرسل المشركون إلى النّبيّ ﷺ يناشدونه أن يقبضهم إليه، وقالوا: أنت في حلّ ممّن اختارك علينا يا محمّد؛ فإنّهم إن يكونوا معك كان أهون علينا، فلحقوا بالنّبيّ ﷺ (١).
وعن قتادة قال: (بشّر رسول الله ﷺ في ذلك الوقت بفتح مكّة).ومعنى قوله تعالى ﴿(إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)﴾ يعني صلح الحديبية، وكان صلحا بغير قتال، قال الفرّاء: (والفتح قد يكون صلحا) (٢).
ومعنى الفتح في اللّغة: فتح المغلق، والصّلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدودا متعذّرا حتى فتح الله. قال جابر: (ما كنّا نعدّ فتح مكّة إلاّ يوم الحديبية) (٣).وقال الزهريّ: (لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أنّ المشركين اختلطوا بالمسلمين وسمعوا كلامهم فتمكّن الإسلام في قلوبهم) (٤).
ويجوز أن يكون معنى الفتح: الإكرام بالنبوّة والإسلام والأمر بدعوة الخلق إليهما. وقيل: معنى ﴿(فَتَحْنا لَكَ)﴾ أي قضينا لك بالنصر، ومنه المفتاح وهو القاضي، ومنه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ﴾ (٥) أي اقض بيننا.
стр. 2540
وذهب بعض المفسّرين إلى أنّ المراد بالآية فتح مكّة بالغلبة والقهر؛ لأنّ الصّلح لا يسمّى فتحا على الإطلاق، قال الشعبيّ: (بويع النّبيّ ﷺ في ذلك الوقت بيعة الرّضوان، فأظهره الله على خيبر في منصرفه، وظهرت الرّوم على فارس في ذلك الوقت) (١)،والفتح في اللغة: هو الفرج المزيل للهمّ.
قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ؛﴾ قال ابن الأنباريّ: (سألت أبا عبّاس (٢) عن اللاّم في قوله: ﴿(لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ)﴾،فقال: هو لام كي، معناها: إنّا فتحنا لك فتحا مبينا لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النّعمة في الفتح، فلمّا انضمّ إلى المغفرة حادث واقع حسن معنى (كي).
وقوله تعالى ﴿(ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ)﴾ المراد بالذنب ههنا الصغائر، فأما الكبائر فالأنبياء معصومون منها أبدا؛ لأنّهم الأمناء على الوحي والرسالة. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (كان النّبيّ ﷺ يقوم حتّى تدمى قدماه، فقيل: يا رسول الله؛ أتصنع هذا وقد جاءك من الله أن قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟! قال: [أفلا أكون عبدا شكورا]) (٣).
قوله تعالى: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ (٢)؛أي بالنبوّة والمغفرة، والمعنى ليجتمع لك مع الفتح تمام النّعمة بالمغفرة والهداية إلى صراط مستقيم وهو الإسلام.
قوله تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ (٣)؛أي ينصرك بالحجّة والسيف على عدوّك نصرا قويا لا ذلّ معه.
стр. 2541
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ؛﴾ قيل: السّكينة هي ما أسكن الله قلوبهم من التّعظيم لله ولرسوله والوقار لئلاّ تزعج نفوسهم لما يرد عليهم. وقوله تعالى: ﴿لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ؛﴾ أي ليزدادوا تصديقا إلى تصديقهم السابق. قال الكلبيّ: (لمّا نزلت آية من السّماء فصدّقوا بها ازدادوا تصديقا إلى تصديقهم).
قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي جموع أهل السّماوات والأرض، يعني الملائكة والجنّ والإنس والشياطين، ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً؛﴾ بمصالح خلقه، ﴿حَكِيماً﴾ (٤)؛فيما يأمرهم به وينهاهم عنه.
قال ابن عبّاس: (فلمّا نزل ﴿(إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ)﴾ قال الصّحابة: هنيئا لك يا رسول الله ﷺ ما أعطاك الله، فما لنا؟ فأنزل الله
قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٥)؛ أي نجاة عظيمة من النار وظفرا بالجنّة (١).
قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ؛﴾ معناه: إنّا فتحنا لك ليدخل الله المؤمنين والمؤمنات جنّات تجري من تحتها الأنهار وليعذّب المنافقين من الرّجال والمنافقات من النساء، وهم أظهروا الإيمان باللّسان وأسرّوا الكفر من أهل المدينة، ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ؛﴾ من أهل مكّة، ﴿الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ؛﴾ ومعنى ظنّهم السوء: أنّهم ظنّوا أن محمّدا ﷺ لا ينصر عليهم وأنّهم هم الذين ينصرهم الله على رسوله، وذلك قبيح لا يجوز في صفة الله تعالى.
وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ؛﴾ أي العذاب والهلاك، ﴿وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ أي وطردهم عن رحمته، ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ؛﴾ في الآخرة، ﴿وَساءَتْ مَصِيراً﴾ (٦).
стр. 2542
قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ وليس على وجه التّكرار؛ لأنّ الأول في إعانة المؤمنين، وهذا متّصل بذكر المنافقين في الانتقام منهم، ومعنى ذلك: أنّ في الأول ﴿(وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾ فالله قادر على أن يسخّرهم لينتقم بهم من أعدائه من كلّ ما دبّ ودرج من ذلك حتى البرغوث والعقرب؛ لأنّ الله لم يأمر المسلمين بالقتال لأجل هلاك المشركين، وإنما أمرهم بالقتال ليعوّضهم بذلك جزيل الثواب الذي لا ينال إلاّ بالقتال، وههنا متّصل ذكر الانتقام من المنافقين.
وقوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (٧)؛أي لم يزل منيعا مستغنيا من الكفّار، حكيما في أمره وقضائه.
قوله تعالى: ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ (٨)؛معناه: إنا أرسلناك يا محمّد شاهدا على أمّتك بتبليغ الرسالة، وقيل: شاهد على أقوالهم وأفعالهم فإنّها تعرض عليه، (ومبشّرا) بالجنة للمطيعين، (ونذيرا) أي مخوّفا بالنار لمن عصى الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ؛﴾ أي قرئ بالتاء في الأربعة على معنى قولهم: لتؤمن بالله ورسوله، وقرئ بالياء في الأربعة أيضا؛ يعني: من آمن به وصدّقه، قوله تعالى: ﴿(وَتُعَزِّرُوهُ)﴾ راجع إلى النبيّ ﷺ ؛ أي يعينوه وينصرونه بالسّيف واللسان، وقرأ محمّد بن السّميقع: «(وتعزّزوه)» بزاءين، وقوله ﴿(وَتُوَقِّرُوهُ)﴾ أي وتعظّموه وتبجّلوه، وهذا وقف تامّ.
وقوله تعالى: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ؛﴾ أي وتسبحون الله ، ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (٩)؛أي يصلّون له بالغداة والعشيّ، وفي قراءة ابن عبّاس: «(وتسبحوا الله بكرة وأصيلا)» (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ؛﴾ يعني بيعة الرّضوان بالحديبية، ﴿إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ،﴾ بايعوا النبيّ ﷺ على أن لا يفرّوا ويقاتلوا، بايعهم النبيّ
стр. 2543
صلّى الله عليه وسلّم تحت شجرة استظلّ بها بالحديبية، وكان الذين بايعوه نحو ألف رجل وخمسمائة رجل، بايعوه على النّصرة والنّصح والسمع والطاعة، وأن لا يفرّوا من العدوّ.
ومعنى الآية: إنّ الذين يبايعونك يا محمّد بالحديبية على أن لا يفرّوا، إنما يبايعون في ذات الله، ليس أنت المراد بذلك، بل المراد به القيام بعبادة الله. وقيل: المراد بذلك أنّهم باعوا الله أنفسهم بالجنّة.
وقوله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ؛﴾ أي نعمة الله في الهداية فوق أيديهم في الطاعة، يعني إحسان الله إليهم بأن هداهم للإيمان أبلغ وأتمّ من إحسانهم إليك بالنّصرة والبيعة، وقال ابن كيسان (١): (معناه: قوّة الله ونصرته فوق أيديهم ونصرتهم؛ أي اتّق بالله ونصرته لك لا بنصرتهم، وإن بايعوك)،وقال: (معناه: يد الله في الثّواب والوفاء لهم فوق أيديهم في الوفاء، فإنّهم لو وفّوا بما ضمنوا فالله أوفى بما ضمن، وأقدر على ذلك).واليد ههنا هي القدرة.
قوله: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ؛﴾ أي من نقض عقد البيعة فضرر نقضه عائد عليه، وليس له الجنّة ولا كرامة، ﴿وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ؛﴾ من البيعة فتمّ على ذلك واستقام، ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (١٠)؛ فسيعطيه الله في الآخرة ثوابا عظيما في الجنة.
وروي أنّ هؤلاء المبايعين لم ينقض أحد منهم البيعة؛ لأنّهم كانوا مخلصين، ولذلك قال الله (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشّجرة) رضاه عنهم دليل على أنّهم كانوا مؤمنين على الحقيقة، أولياء الله أهل النّصرة، والذي لم يدخل معهم في البيعة يومئذ إلا رجل من المنافقين يقال له جدّ بن قيس، اختبأ يومئذ تحت إبط بعيره ولم يدخل في بيعتهم، أماته الله على نفاقه (٢).
стр. 2544
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا﴾ أخبر الله النبيّ ﷺ أنه إذا رجع من الحديبية إلى المدينة، أتاه الأعراب الذين يخلفون عنه بغير عذر، ولم يخرجوا معه وهم مزينة وجهينة وغطفان وقوم من الدّيل، فيقولون له:
شغلتنا أموالنا وأهلونا عن الخروج معك يا محمد، أي شغلتنا النساء والذراري فلم يكن لنا من يخلفنا فيهم، ﴿فَاسْتَغْفِرْ لَنا؛﴾ من التخلّف عنك.
قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ؛﴾ أي يسألون المغفرة بألسنتهم ﴿(ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ)﴾ يعني: لأنّهم لا يبالون أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم.
وقد كان النّبيّ ﷺ حين أراد المسير إلى مكّة عام الحديبية، استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذرا من قريش أن يحاربوه ويصرفوه عن البيت، وأحرم ﵇ بالعمرة وساق الهدي ليعلم النّاس أنّه لا يريد حربا، فتثاقل عنه كثير من الأعراب وقالوا: نذهب معه إلى قوم قد جاءوا يقتلون أصحابه فيقاتلهم، فتخلّفوا عنه، واعتلّوا بالشّغل، فأنزل الله تعالى ﴿(سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا)﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً؛﴾ معناه: من يمنعكم من عذاب الله إن أقمتم على الكفر والنفاق، ﴿بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (١١)؛معناه: بل كان الله عالما بتخلّفكم عن القتال من غير عذر.
قرأ حمزة والكسائي وخلف «(ضرّا)» بضم الضاد وهو سوء الحال، وقرأ الباقون «(ضرّا)» بفتح الضاد لأنه قابله بالنفع، وأراد بالنفع الغنيمة. وذلك أنّهم ظنّوا أن تخلّفهم عن النبيّ ﷺ يدفع عنهم الضّرّ، ويعجّل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم وأموالهم، فأخبرهم الله تعالى أنه إن أراد بهم شيئا لم يقدر أحد على دفعه عنهم.
قوله تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾ أظهر الله نفاقهم، وبيّن أنّ تخلّفهم عنه لم يكن بسبب أموالهم وأهليهم، ولكن كانوا
стр. 2545
يقولون فيما بينهم: يستأصل محمّدا وأصحابه عدوّهم في هذه الكرّة فلا يرجعون إلى المدينة أبدا فنستريح منهم.
وقوله تعالى: ﴿وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ؛﴾ أي زيّن الشيطان لكم ذلك الظنّ في قلوبكم، ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ؛﴾ أي ظننتم نبيّ الله وأصحابه أنّهم لن يرجعوا من سفرهم هذا وأنّهم سيهلكون.
قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ (١٢)؛أي هلكى فاسدي القلوب لا تصلحون لخير، والبوار الهلاك، وما بعد هذا،
﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (١٣) وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (١٤)،ظاهر المعنى.
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ؛﴾ يعني هؤلاء المخلّفين سيقولون لرسول الله ﷺ وأصحابه: ﴿إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ،﴾ خير، ﴿لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ؛﴾ نخرج معكم، فأمر الله النبيّ ﷺ أن يمنعهم من ذلك بعد تخلّفهم من غزوة الحديبية.
فلما رجع النبيّ ﷺ من الحديبية وانطلق إلى خيبر، قال هؤلاء المخلّفون ﴿(ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ)﴾ قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ؛﴾ أي أنّ الله تعالى خصّ أهل الحديبية بمغانم خيبر، وأمر النبيّ ﷺ أن لا يأذن للمنافقين أن يخرجوهم معهم إلاّ متطوّعين ليس لهم من المغانم شيء. فأراد المنافقون أن يشاركوا فيها ليبطلوا حكم الله تعالى، ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ؛﴾ يعني: أمر الله نبيّه ﷺ أن لا يسيّر معه منهم أحدا.
ومعنى قوله (من قبل) أي قال الله في ذلك بالحديبية قبل خيبر، وقبل خروجنا إليكم: أنّ غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا؛﴾ أي سيقولون للنبيّ ﷺ لم يأمركم الله بذلك، ولكن تحسدوننا أن نشارككم في الغنيمة.
قوله تعالى: ﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (١٥)؛أي لا يعلمون عن الله ما لهم وعليهم من الدين إلاّ قليلا منهم، وهو من صدّق الرسول ولم ينافق.
стр. 2546
قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ؛﴾ أي قل لهؤلاء المخلّفين عن الحديبية: ﴿سَتُدْعَوْنَ؛﴾ بعد موت النبي ﷺ ﴿إِلى؛﴾ قتال؛ ﴿قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ؛﴾ أي أهل اليمامة، قال الزهريّ: (هم أهل اليمامة بنو حنيفة أتباع مسيلمة، فأتاه أبو بكر ﵁،قال رافع بن خديج: (كنّا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتّى دعا أبو بكر ﵁ إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنّهم هم) (١).
وقال ابن جريج: (سيدعوكم عمر ﵁ إلى قتال فارس والرّوم) ﴿تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ؛﴾ معناه: تقاتلوهم أن يكون منهم الإسلام، ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا؛﴾ أبا بكر وعمر، ﴿يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً؛﴾ عظيما في الجنّة، ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ؛﴾ عن طاعة محمّد ﷺ في المسير إلى الحديبية، ﴿يُعَذِّبْكُمْ؛﴾ في الآخرة، ﴿عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٦)؛شديدا.
قرأ أبيّ «(أو يسلموا)» بحذف النّون؛ أي حتى يسلموا، وكقول امرئ القيس: (أو نموت) (٢)،وقرأ الكافّة بإثبات النّون في محل الرفع عطفا على (تقاتلونهم).
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ؛﴾ أي ليس على هؤلاء إثم في قعودهم عن القتال لعجزهم عنه، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ عائد إلى من يلزمه الجهاد، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ؛﴾ عن الجهاد مع قدرته عليه، ﴿يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٧).
قوله تعالى: ﴿*لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ؛﴾ يعني بيعة الرّضوان بالحديبية، وإنما سميت بيعة الرضوان بهذه الآية، وكان سبب هذه البيعة (٣):أنّ رسول الله ﷺ لمّا سار يريد مكّة، فلمّا بلغ الحديبية
стр. 2547
وقفت ناقته، فزجرها فلم تنزجر وبركت، فقال ﷺ : [ما هذا بعادة، ولكن حبسها حابس الفيل].
ودعا عمر ﵁ ليرسله إلى أهل مكّة، فيأذنوا له بأن يدخل مكّة ويحلّ من عمرته وينحر هديه، فقال عمر ﵁: يا رسول الله؛ ما لي بها حميم وليس بمكّة من بني عديّ بن كعب يمنعني، وإنّي أخاف قريش على نفسي لأنّها قد علمت عداوتي إيّاها، ولكن أدلّك على رجل أعزّ بها منّي عثمان بن عفّان، قال: [صدقت].فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفّان فأرسله.
فجاء الشّيطان وصاح في عسكر رسول الله ﷺ : بأنّ أهل مكّة قتلوا عثمان، فقام رسول الله ﷺ إلى الشّجرة فاستند إليها، وبايع النّاس على قتال أهل مكّة.
قال عبد الله بن معقل: كنت قائما على رأس رسول الله ﷺ ذلك اليوم، وبيدي غصن من الشّجرة أذبّ به عنه وهو يبايع النّاس، كان أوّل من بايع رجل من بني أسد يقال له أبو سنان بن وهب (١).
واختلفوا في عدد أهل البيعة، فقال قتادة: (كانوا خمس عشرة مائة)،وقال ابن عبّاس: (كانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين) (٢)،وقال جابر: (كانوا ألفا وأربعمائة) (٣).
قوله تعالى: ﴿فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ؛﴾ أي فعلم الله ما في قلوبهم من الصّدق والوفاء والإخلاص والعزم على القتال، ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ؛﴾ يعني الطّمأنينة والصبر والرضا حين بايعوا على أن يقاتلوا ولا يفرّوا، ﴿وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ (١٨)؛أي وأعطاهم فتح خيبر.
стр. 2548
قوله تعالى: ﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها؛﴾ معناه: ومغانم كثيرة يأخذونها من أموال يهود خيبر، وكانت خيبر ذات عقار وأموال، ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً؛﴾ أي غالبا، ﴿حَكِيماً﴾ (١٩)؛في أمره، حكم لهم بالغنيمة، ولأهل خيبر بالسّبي والهزيمة.
وعن أنس ﵁: (وأنا رديف أبي طلحة يوم أتينا إلى خيبر، فصبّحهم رسول الله ﷺ وقد أخذوا مساحيهم وفئوسهم وغدوا على حروثهم، فلمّا رأونا ألقوا ما بأيديهم، فقال رسول الله ﷺ : [الله أكبر، خربت خيبر، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين]) (١).
وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر، سرينا ليلا وعامر بن الأكوع معنا وكان شاعرا، فقال له رجل من القوم: ألا تسمعنا يا عامر، فنزل يحدوا بالقوم يرتجز ويقول:
اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا
هم الّذين بغوا علينا ... ونحن من فضلك ما استغنينا
فاغفر بفضلك ما أتينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
وألقينّ السّكينة علينا
قال ﷺ : [من هذا؟] قالوا: عامر بن الأكوع، قال: [قد غفر لك ربّك يا عامر] فقال رجل: لو أمتعتنا به يا رسول الله ﷺ .وإنما قال ذلك؛ لأنّ رسول الله ﷺ ما استغفر لرجل قطّ إلاّ استشهد.
قال: (فلمّا قدمنا خيبر وتصافّ القوم، خرج يهوديّ فخرج إليه عامر بن الأكوع وهو يقول:
قد علمت خيبر أنّي عامر ... شاكي السّلاح بطل مغامر
стр. 2549
واختلفا بضربتين، فوقع سيف اليهوديّ في ترس عامر، ووقع سيف عامر على ركبة نفسه وساقه فمات منها. قال سلمة بن الأكوع: فمررت على نفر من الصّحابة وهم يقولون: بطل عمل عامر، فأتيت النّبيّ ﷺ وأنا أبكي فأخبرته بذلك، فقال:
[كذب من قال ذلك، بل له أجره مرّتين].
ثمّ عاد رسول الله ﷺ عليّا ﵁ وكان حينئذ أرمد قد عصب عينه بشقّ برد، قال سلمة بن الأكوع: فجئت به أقوده إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ :
[ما لك يا عليّ؟] قال: رمدت يا رسول الله، قال: [ادن منّي] فدنا منه، فتفل في عينيه فبرئ من ساعته، وما وجعت عيناه بعد ذلك أبدا حتّى مضى سبيله. ثمّ أعطاه رسول الله ﷺ الرّاية فهدى بها وعليه حلّة أرجوان حمراء، فأتى مدينة خيبر، فخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه وهو يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر أنّي مرحب ... شاكي السّلاح بطل مجرّب
أطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذا الحروب أقبلت نلتهب (١)
كان حمايا مانعا لا يقرب
فبرز إليه عليّ ﵁، وقال:
أنا الّذي سمّتني أمّي حيدره ... كليث غابات شديد قسوره
أكيلكم بالسّيف كيل السّندره
فاختلفا بضربتين، فبدره عليّ ﵁ بالضّربة فقدّ الحجر والمغفر وفلق رأسه فوقع ميّتا، وكان الفتح على يديه) (٢).
ثمّ خرج بعد مرحب أخوه ياسر وهو يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر أنّي ياسره ... شاكي السّلاح بطل معاقره
стр. 2550
إذا اللّيوث أقبلت مبادره ... إنّ سلاحي فيه موت حاضره
فخرج إليه الزّبير بن العوّام ﵁ وهو يقول:
قد علمت أنّي زبار ... قوم لقوم غير ناكث فرّار
ابن حماة المجد وابن الأخيار ... ياسر لا يغررك جمع الكفّار
فجمعهم مثل السّراب جار
فقالت أمّه صفيّة بنت عبد المطّلب: أيقتل ابني يا رسول الله؟ قال: [ابنك يقتله].ثمّ التقيا فقتله زبير (١).
ثمّ لم يزل رسول الله ﷺ يفتح الحصون حصنا حصنا، ويحوز الأموال، فلمّا أمسى النّاس أوقد نيرانا كثيرا، فقال ﷺ : [على أيّ شيء توقدون؟] قالوا: على لحم الحمر الإنسيّ، فقال رسول الله ﷺ : [أهرقوها واكسروا القدور] فقالوا: نهديك القدور ونغسلها، فقال: [هي أو ذاك].
ثمّ أتي رسول الله بصفيّة بنت حييّ بن أخطب وبأخرى معها، أتى بهما بلال ﵁، فلمّا رأت المرأة الّتي مع صفيّة القتلى من اليهود صرخت وصكّت وجهها وحست التّراب على رأسها، فقال ﷺ : [اعزلوا عنّي هذه الشّيطانة] وأمر بصفيّة فأجلست خلفه وألقى عليها رداءه، فعرف المسلمون أنّ رسول الله أصفاها لنفسه.
وكانت قد رأت في منام وهي عروس كنانة بن ربيع أنّ قمرا وقع في حجرها، فقصّت رؤياها على زوجها فلطم وجهها لطمة اخضرّت عيناها منها، وقال: إنّك تتمنّين ملك الحجاز محمّدا.
فلمّا رأى رسول الله خضرة عينها سألها عن ذلك، فأخبرته الخبر، فأوتي من زوجها كنانة بن الرّبيع كان عنده كنز بني النّضير، فسأله إيّاه فجحده أن يكون عالما بمكانه. فجاء يهوديّ فقال: فإنّي قد رأيت كنانة يطوف بهذه الخربة كلّ غداة، فقال النّبيّ ﷺ لكنانة: [أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك؟] قال: نعم، فأمر رسول الله ﷺ
стр. 2551
بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثمّ سأله ما بقي فأبى أن يؤدّيه، فأمر به رسول الله ﷺ فضرب عنقه (١).
قوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها؛﴾ أي وعدكم الله في المستقبل من زمان غنائم كثيرة تأخذونها، قال مقاتل: (من قاتل مع النّبيّ ﷺ ومن بعده إلى يوم القيامة) (٢) ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ؛﴾ يعني غنيمة خيبر، ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ؛﴾ أي منع أسدا وغطفان من قتالكم، وكانوا حلفاء لأهل خيبر، وذلك أنّ النّبيّ ﷺ لمّا قصد خيبر وحاصر أهلها، همّت قبائل من أسد وغطفان أن يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم بالمدينة، فكفّ الله أيديهم بإلقاء الرّعب في قلوبهم (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ؛﴾ أي ولتكون غنيمة خيبر دلالة على المؤمنين على صدقك يا محمّد، حيث إنّ الله تعالى أخبر أنّهم يصيبونها في المستقبل، ثم وجد المخبر على وفق الخبر، وقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ (٢٠)؛أي ويثيبكم على دين الإسلام، ويرشدكم إلى الأدلّة في الدين.
قوله تعالى: ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها؛﴾ أي وعدكم فتح بلدة أخرى لم يقدروا عليها الآن، ﴿قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها؛﴾ يفتحها عليكم، قال الفرّاء: (حفظها لكم ومنعها من غيركم حتّى يفتحها لكم) (٤).
واختلفوا فيها، فقال ابن عبّاس وابن أبي ليلى والحسن ومقاتل: (هي فارس والرّوم) وكانت العرب لا تقدر على قتال فارس والرّوم، وفتح مدائنها حتّى قدروا عليها بالإسلام. وقال قتادة: (هي مكّة) (٥)،وقال عكرمة: (هي خيبر).وقوله تعالى
стр. 2552
(قد أحاط الله بها) أي أحاطت قدرته بها وبأهلها، ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ (٢١)؛كلّ شيء من فتح القرى والنصر وغير ذلك قدير.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ؛﴾ يعني أسدا وغطفان الذين أرادوا نهب ذراري المسلمين فانهزموا عنكم لأنّ الله ينصركم عليهم، ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (٢٢)؛قال ابن عباس: (من تولّى غير الله خذله الله ولم ينصره).
قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ؛﴾ أي سنة الله التي قد خلت من قبل في نصر أوليائه وقهر أعدائه؛ أي هذه سنّتي في أهل طاعة وأهل معصية أنصر أوليائي وأخذل أعدائي، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ؛﴾ لحكم الله، ﴿تَبْدِيلاً﴾ (٢٣)،تغييرا.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ؛﴾ أوّل هذه الآية يدلّ على أنّ الله تعالى منع أيدي أهل مكّة يوم الحديبية عن قتال المسلمين بالرّعب، ومنع أيدينا عن قتالهم بالنّهي.
وقيل: إنّ المؤمنين لم ينهوا عن قتالهم يومئذ، ولكن لم يقدّر الله ذلك للمؤمنين إبقاء للمؤمنين المستضعفين الذين كانوا في أيدي المشركين كما قال تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿(مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ)﴾،قال أنس ﵁: (وذلك أنّ ثمانين رجلا من أهل مكّة هبطوا على رسول الله من جبل التّنعيم عند صلاة الفجر متسلّحين، يريدون غرّة (١) النّبيّ ﷺ عام الحديبية، فأخذهم رسول الله وأعتقهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية) ﴿(وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾
стр. 2553
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ)﴾ (١).
وقال ابن عبّاس: (بعثت قريش أربعين رجلا أو خمسين رجلا منهم، وأمروهم أن يطوفوا بعسكر رسول الله ﷺ عام الحديبية ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا، فأخذوا فأتي بهم رسول الله، فعفا عنهم وخلّى سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله بالحجارة والنّبل، فأنزل الله هذه الآية). ﴿(هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ)﴾ (٢) أي هم الذين كفروا بمحمّد والقرآن، يعني كفّار مكة، وصدّوكم عن المسجد الحرام أن تطوفوا به للعمرة ويحلوا من عمرتكم.
وقوله تعالى ﴿(وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً)﴾ أي وصدّوا الهدي ممنوعا أن يبلغ محلّه الذي إذا صار إليه حلّ نحره وهو الحرم، وكان النبيّ ﷺ ساق في ذلك العام سبعين بدنة إلى مكّة. (معكوفا) في اللغة هو الممنوع عن الذهاب في جهته بالإقامة في مكانه، يقال:
عكف على الأمر عكوفا، واعتكف في المسجد إذا أقام به.
ومعنى الآية: هم الذين كفروا وصدّوكم عن المسجد الحرام، وصدّوا الهدي وهي البدن التي ساقها رسول الله ﷺ وكانت سبعين بدنة معكوفا أي محبوسا أن يبلغ محلّه أي مسجده، وهذه الآية دلالة على أن محلّ الهدي الحرم، ولو كان محله غير الحرم لما كان معكوفا عن بلوغ محلّه.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ؛﴾ معناه: ولو تطأوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات مقيمات بمكّة لم تعلموهم فتقتلوهم، ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ،﴾ قبلهم، ﴿مَعَرَّةٌ؛﴾ أي عيب ومسبّة في العرب بأنّكم قتلتم أهل دينكم، ويقال: أراد بالمعرّة الغمّ والجزع. وجواب (لولا) محذوف تقديره:
стр. 2554
لولا ذلك لدخلتم على أهل مكّة ولوطأتموهم ليلا ولضربتم رقاب المشركين بنصرنا إيّاكم، ولكنّ الله منع من ذلك كراهة وطء المؤمنين المستضعفين الذين كانوا بمكّة، والمؤمنات بالقتل لأنّهم لو دخلوا مكّة لم يتميّز لهم المؤمنون من الكفّار، فلم يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين.
وقيل: المراد بالمعرّة الإثم والدّية والكفّارة، إلا أن الصحيح (١) ما ذكرناه من قبل؛ لأنه لا خلاف بين العلماء أنّ المسلمين إذا قصدوا (٢) حصنا من حصون الكفار وقاتلهم وأصابوا من في الحصن من أطفال الكفّار ومن أسارى المسلمين أنه لا إثم عليهم ولا ديّة ولا كفارة، ولقد حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف ورماهم بالمنجنيق مع نهيه عن قتل النساء والولدان (٣).
قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ؛﴾ موضعه التقديم، تقديره: لولا أن تطئوهم بغير علم، ﴿لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ؛﴾ اللام متعلّقة بمحذوف دلّ عليه معنى الكلام على تقدير: حال بينكم وبينهم (ليدخل الله في رحمته من يشاء) يعني من أسلم من الكفّار بعد الصّلح، ورحمة الله جنّته، قوله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (٢٥)؛معناه: لو تميّز المؤمنون عن الكفّار لعذبنا الكفار عذابا أليما يعني بالقتل والسّبي بأيديكم.
قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ﴾ قال مقاتل: (إنّ النّبيّ ﷺ لمّا قدم الحديبية ومعه الهدي، قال كفّار مكّة: قتل محمّد أبناءنا وإخواننا، ثمّ أتانا يدخل علينا في منازلنا، فتحدّث العرب أنّهم دخلوا علينا على رغم آنافنا، واللاّت والعزّى لا يدخل علينا. فهذه الحميّة حميّة الجاهليّة الّتي دخلت قلوبهم) (٤).
стр. 2555
قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ؛﴾ حتى لم يدخلوا، ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى؛﴾ وهو كلمة لا إله إلاّ الله، الكلمة التي يتّقي بها من الشّرك.
والحميّة في اللغة: هي الأنفة التي تحمي الإنسان كأنّ قلوبهم حميّة لمعصية الله، فأنزل الله بدل ذلك على قلب نبيّه ﵇ وعلى قلوب المؤمنين من الطّمأنينة والسّكون والوقار والهيبة، وألزمهم توحيد الله والإيمان برسوله.
قوله تعالى: ﴿وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها؛﴾ أي كانوا أحقّ بكلمة التوحيد من كفّار مكّة وكانوا أهلها في علم الله تعالى مستحقّين لها في الدّنيا، ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛﴾ من أمرهم، ﴿عَلِيماً﴾ (٢٦).
وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إنّي لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقّا من قلبه إلاّ حرمه على النّار]،قال عمر ﵁: (أنا أحدّثك بها، هي كلمة الإخلاص الّتي ألزمها الله محمّدا وأصحابه وهي كلمة التّقوى) (١).
وقال عطاء الخراساني: (هي لا إله إلاّ الله والله أكبر) (٢).وعن عليّ ﵁ أن سئل عن كلمة التّقوى فقال: (هي لا إله إلاّ الله والله أكبر) (٣)،وهو قول ابن عمر (٤).وقال عطاء بن رباح: (هي لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير) (٥).
وقيل: إنّ الحميّة التي جعلها الكفار في قلوبهم، هي ما روي: أنّ المشركين لمّا سألوا رسول الله ﷺ أن يكتب لهم بكتاب الصّلح، قال لعليّ ﵁: [أكتب: بسم الله الرّحمن الرّحيم] فقال المشركون: أمّا الرّحمن فلا ندري ما هو، ولكن اكتب:
باسمك اللهمّ، فقال المسلمون: والله لا يكتبها إلاّ بسم الله الرّحمن الرّحيم.
стр. 2556
فقال ﷺ لعليّ: [أكتب: باسمك اللهمّ، ثمّ اكتب: هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله ﷺ ].فقال سهيل بن عمرو: والله لو نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، لكن اكتب باسمك واسم أبيك، فقال ﷺ : [إنّي لرسول الله ولقد كذبتموني].
وقال لعليّ ﵁: [امح رسول الله ﷺ ] فقال عليّ: لا أمحوك يا رسول الله ﷺ ، فمحاه النّبيّ ﷺ ، ثمّ قال: [أكتب: هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبد الله سهيل ابن عمرو على وضع الحرب بين النّاس بكفّ بعضهم عن بعض، على أنّه من قدم مكّة من أصحاب محمّد حاجّا أو معتمرا أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله. ومن قدم المدينة من قريش مجتازا إلى مصر أو الشّام فهو آمن على دمه وماله] (١).
فهذه الحميّة التي في قلوبهم، يعني الأنفة من الاستفتاح ببسم الله الرّحمن الرّحيم، ومن قوله: محمّد رسول الله.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ؛﴾ وذلك أنّ رسول الله ﷺ رأى في المنام وهو بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية كأنّه هو وأصحابه حلقوا وقصّروا، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا وحسبوا أنّهم داخلوا مكّة عامهم ذلك، وقالوا: إنّ رؤية النّبيّ ﷺ حقّ.
فلمّا رجع وأصحابه من الحديبية ولم يدخلوا مكّة، قال المنافقون: والله ما حلقنا ولا قصّرنا ولا دخلنا المسجد الحرام (٢).فأنزل الله الآية وأخبر أنه أرى رسول الله الصّدق في منامه، وأنّهم يدخلونه فقال الله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ؛﴾ يعني العام المقبل، ﴿إِنْ شاءَ اللهُ؛﴾ قال أبو عبيدة: (إنّ معنى: ﴿إِنْ شاءَ اللهُ﴾) حيث أري رسول الله في المنام. وقال أبو العبّاس أحمد بن يحيى: (استثنى الله فيما يعلم، ليستثني الخلق فيما لا يعلمون) (٣).
стр. 2557
وقيل: معناه: بمشيئة الله، وقال بعضهم: هذا اللفظ حكاية الرّؤيا التي رآها النبيّ ﷺ ، وذلك أنّه رأى في المنام أنّ ملكا ينادي: (لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين).وقيل: إنما كان ذلك تأديبا للعباد ليدخلوا كلمة الاستثناء فيما يخبرون عنه في المستقبل من نفي وإثبات، قوله: ﴿آمِنِينَ؛﴾ أي آمنين من العدوّ.
قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ؛﴾ قريبا أنّهم يدخلون مكّة إلى أن يبلغوا آخر النّسك، ﴿لا تَخافُونَ؛﴾ العدوّ، بخلاف عام الحديبية. فيه دليل أن الحلق والتقصير قربة في الإحرام من حيث إن الإحلال يقع بهما، وفيه دليل أن المحرم بالخيار عند التحليل من الإحرام إن شاء حلق وإن شاء قصّر. وفي الحديث: [أنّ النّبيّ ﷺ دعا للمحلّقين ثلاثا، وللمقصّرين مرّة].
قوله تعالى: ﴿(لا تَخافُونَ)﴾ أي لا تخافون من المشركين، ﴿فَعَلِمَ؛﴾ الله ما في تأخير الدّخول عام الحديبية من الخير والصّلاح، ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا؛﴾ أنتم، ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ؛﴾ أي من قبل الدّخول، ﴿فَتْحاً قَرِيباً﴾ (٢٧)؛ يعني فتح خيبر.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ؛﴾ أي أرسل رسوله بالطريق المؤدّي الى الجنّة ودين الإسلام ليظهر دين الإسلام على الأديان كلّها بالحجّة والغلبة، ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ (٢٨)،على نبوّتك ورسالتك إن لم يشهد سهيل وأمثاله.
قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ؛﴾ هذا مبتدأ وخبره قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ؛﴾ أي والّذين معه من المؤمنين أشدّاء على الكفّار، غلاظ عليهم، والأشدّاء جمع الشّديد، وهو قويّ في دين الله تعالى، القويّ على أعداء الله، كانوا لا يميلون إلى الكفّار لقرابة ولا غيرها، بل أظهروا لهم العداوة في الدين، وكانوا على الكفّار كالأسد على فرسه.
قوله تعالى: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ؛﴾ أي متواددون فيما بينهم، متعاطفون حتى أنّهم كانوا بعضهم لبعض كالوالد لولده، والعبد لسيّده، وقوله تعالى: ﴿تَراهُمْ رُكَّعاً﴾
стр. 2558
﴿سُجَّداً؛﴾ أي راكعين وساجدين يكثرون الصلاة لله، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً؛﴾ يعني الجنّة، ورضى الله تعالى.
قوله: ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ؛﴾ أي علامة التهجّد ظاهرة على وجوههم من كثرة السّجود بالليل، والمعنى يتبيّن في وجوههم أثر السّهر، قال الضحّاك: (إذا سهر أصبح مصفرّا) (١)،وقال عطيّة: (مواضع السّجود أشدّ بياضا في يوم القيامة) (٢).وقال مجاهد: (يعني الأثر: الخشوع والتّواضع والسّمت الحسن) (٣).
وقال عكرمة: (هو التّراب على الجباه لأنّهم يسجدون على التّراب لا على الثّياب) (٤).
وقال الحسن في وصفهم: (إذا رأيتهم حسبتهم مرضى، وما بالقوم مرض، ويقول: لعلّهم خولطوا في عقولهم، والله لقد خالطهم أمر عظيم).يريد بذلك ما في قلوبهم من خوف الآخرة.
وقال بعضهم: (سيماهم في وجوههم من أثر السّجود) هو نور يجعله الله في وجوههم يوم القيامة، يعرفون بتلك العلامة أنّهم سجدوا في الدّنيا كما قال الله ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٥)،وقال النبيّ ﷺ : [تحشر أمّتي يوم القيامة غرّا محجّلين من آثار الوضوء] (٦).
وقال منصور: (سألت مجاهد عن قوله: (سيماهم في وجوههم من أثر السّجود) قال: ليس هو الأثر الّذي يكون في جبهة الرّجل مثل ركبة البعير، فقد يكون ذلك برجل هو أقسى قلبا من الحجارة، ولكن هو نور في وجوههم من
стр. 2559
الخشوع) (١).وقال ابن جريج: (هو الوقار)،وقال سمرة: (هو البهاء)،وقال سفيان: (يصلّون باللّيل، فإذا أصبحوا عرف ذلك في وجوههم؛ بيانه قوله ﵇: [من كثرت صلاته باللّيل حسن وجهه بالنّهار] (٢).وروي في بعض الأخبار: أنّ الله تعالى يقول يوم القيامة: يا نار أنضجي، يا نار أحرقي وموضع السّجود لا تقربي.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ؛﴾ أي ذلك الّذي ذكره في القرآن من وصفهم هو ما وصفوا به في التّوراة، ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ؛﴾ أيضا، ثم ذكر الله وصفهم في الإنجيل: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ؛﴾ أي سبيله، وقال ابن زيد: (أولاده).والشّطأ: فراخ الزّرع، يقال: الشّطأ الزّرع أن يخرج سبعا أو ثمانيا أو عشرا، وهذا مثل ضربه الله لأصحاب النبيّ ﷺ ، يعني أنّهم يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون ويقوون، قال قتادة: (مكتوب في الإنجيل: أنّه سيخرج قوم ينبتون نبات الزّرع، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (٣).
قرأ العامّة «(شطأه)» بإسكان الطّاء، وقرأ بعض أهل مكّة والشام بفتحها، وقرأ يحيى بن وثّاب «(شطأه)» مثل عصاه، وقرأ الجحدري: «(شطه)» بلا همزة، وكلّها لغات (٤).
قوله تعالى: ﴿فَآزَرَهُ؛﴾ أي أعانه الشّطأ وقوّاه وشدّه، مأخوذ من المؤازرة وهي المعاونة، والأزر: الظاهر، والوزير المعين، وأعانه الزرع، الشطّ أن يخرج من الشّطأ ثمان وتسع وعشر.
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْلَظَ؛﴾ أي غلظ ذلك الزّرع وتقوّى، ﴿فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ؛﴾ أي قام على قصبه وساوى الصّغار والكبار حتى استوى بعضه مع
стр. 2560
بعض، وصار الفرع مثل الأمّ. والسّوق: جمع ساق، وهو قصبة الزّرع، وساق الشّجرة حاملة الشّجرة. ويجوز أن يكون المراد بالسّاق: الكعب، وكلّما ازداد الزّرع كعبا ازداد قوّة، قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ؛﴾ أي يصير بحال يعجب الحرّاث.
وهذا مثل ضربه الله تعالى لمحمّد وأصحابه، فالزّرع محمّد ﷺ ، والشّطأ أصحابه والمؤمنون حوله، وكانوا في ضعف وقلّة كما كان أوّل الزرع دقيقا ثم غلظ وقوي وتلاحق، وكذلك المؤمنون قوّى بعضهم بعضا حتى استغلظوا واستووا على أمرهم، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ؛﴾ أي إنّما كثّرهم وقوّاهم ليكونوا غيظا للكافرين.
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٢٩)؛قال الزجّاج: (منهم) للجنس وليس يريد بعضهم؛ لأنّهم كلّهم مؤمنون، والأجر العظيم هو الجنّة) (١).
آخر تفسير سورة (الفتح) والحمد لله رب العالمين.