← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وللورثة، وهذا قول مجاهد؛ قال: (هذا حين يحضره الموت، فإذا أسرف أمره بالعدل، وإذا قصّر؛ قال: افعل كذا، أعط فلانا كذا) (١). وقال آخرون: هو إذا أخطأ الميت في وصيته وأحاف فيها متعمّدا، فلا حرج على وليّه أو وصيّه أو والي أمور المسلمين أن يصلح بعد موته بين الورثة وبين الموصى لهم، ويردّ الوصية إلى العدل والحقّ، وهذا قول ابن عباس وقتادة والربيع. وروي عن عطاء أنه قال: (هو أن يعطي عند حضور أجله بعض ورثته دون بعض ممّا سيرثونه بعد موته، فلا إثم على من أصلح بين الورثة) (٢). وقال طاوس: (هو أن يوصي لبني ابنه يريد ابنه، أو لبني بنته يريد بنته، أو لزوج ابنته يريد ابنته، فلا حرج على من أصلح بين الورثة) (٣). وقال السديّ: (هو في الوصيّة للآباء والأقربين، يميل إلى بعضهم ويحيف على بعضهم، فالأصلح أن لا ينفّذها؛ ولكن يصلح بينهم على ما يرى أنّه الحقّ، ينقص بعضا ويزيد بعضا) (٤). قال ابن زيد: (فعجز الموصي أن يوصي للوالدين كما أمره الله تعالى، وعجز الموصى إليه أن يصلح، فانتزع الله ذلك منهم، وفرض الفرائض) (٥).قال رسول الله ﷺ : [إنّ الله لم يرضى بملك مقرّب، ولا بنيّ مرسل حتّى تولّى قسمة مواريثكم] (٦).

стр. 282

وقوله تعالى: ﴿(فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ)﴾ ولم يخيّر للورثة ولا للمختانين في الوصيّة ذكر؛ لأن سياق الآية وما تقدّم من ذكر الوصية يدلّ عليه. روي أن سعد بن أبي وقّاص قال: مرضت مرضا أشرفت منه على الموت؛ فعادني رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنّ لي مالا كثيرا، وليس يرثني إلاّ بنت واحدة لي أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: [لا] فقلت: بشطر المال؟ قال: [لا].قلت: فثلث مالي؟ قال: [نعم، والثّلث كثير، إنّك يا سعد إن تترك ولدك غنيّا خيرا من أن تتركهم عالة يتكفّفون النّاس] (١). وروي أنّ جارا لمسروق أوصى فدعا مسروقا يشهده، فوجده قد زاد وأكثر، فقال: (لا أشهد، إنّ الله تعالى قد قسّم بينكم فأحسن القسمة، فمن يرغب برأيه عن أمر الله فقد ضلّ، أوص لذي قرابتك الّذين لا يرثون؛ ودع المال على قسم الله) (٢). وقال ﷺ : [من حاف في وصيّته ألقي في اللّواء؛ واللّواء واد في جهنّم] (٣). وقال ﷺ : [إنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى وحاف في وصيّته فيختم له بشرّ عمله فيدخل النّار] (٤). قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ؛﴾ قال الحسن: (إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فارع لها سمعك، فإنّها لأمر تؤمر به ولنهي تنهى عنه).وقال جعفر الصّادق: (لذّة ما في النّداء إزالة تعب العبادة والعناء). قوله تعالى: ﴿(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ)﴾ أي فرض عليكم الصيام، ﴿كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ،﴾ كما فرض على الذين من قبلكم من الأنبياء والأمم،

стр. 283

أوّلهم آدم ﵇. وهو ما روي عن علي كرّم الله وجهه أنه قال: أتيت النّبيّ ﷺ ذات يوم عند انتصاف النّهار، فسلّمت عليه فردّ عليّ السّلام ثمّ قال: [يا عليّ، هذا جبريل يقرئك السّلام] قلت: وعليه السّلام يا رسول الله، قال: [يا عليّ، يقول لك جبريل: صم من كلّ شهر ثلاثة أيّام؛ يكتب لك بأوّل يوم عشرة آلاف حسنة، وباليوم الثّاني ثلاثون ألف حسنة، وباليوم الثّالث مائة ألف حسنة] فقلت: يا رسول الله، ثواب لي خاصّة أم للنّاس عامّة؟ فقال: [يا عليّ، يعطيك الله هذا الثّواب ولمن يعمل مثل عملك بعدك] قلت: يا رسول الله، وما هي؟ قال: [أيّام البيض؛ ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر] (١). قال عنترة: قلت لعليّ ﵁: لأيّ شيء سميت هذه الأيام البيض؟ قال: [لمّا أهبط الله آدم ﵇ من الجنّة أحرقته الشّمس، فاسودّ جسده، فأتاه جبريل ﵇، فقال: يا آدم أتحبّ أن تبيّض جسدك، قال: نعم، قال: صم من الشّهر ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر. فصام آدم ﵇ أوّل يوم فابيضّ ثلث جسده، وصام اليوم الثّاني فابيضّ ثلثاه، وصام اليوم الثّالث فابيضّ كلّ جسده، فسمّيت أيّام البيض] (٢). قال المفسّرون: فرض الله تعالى على رسوله محمّد ﷺ وعلى المؤمنين صيام يوم عاشوراء وصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر حين قدم المدينة، فكانوا يصومون إلى أن نزل صوم شهر رمضان قبل قتال بدر بشهر وأيّام. وقال الحسن: (أراد بالّذي من قبلنا النّصارى، فشبّه صيامنا بصيامهم لاتّفاقهما في الوقت والقدر؛ لأنّ الله تعالى فرض على النّصارى صوم شهر رمضان، فاشتدّ

стр. 284

ذلك عليهم؛ لأنّهم ربّما كان يأتي في الحرّ الشّديد؛ وكان يضرّهم في أسفارهم؛ فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السّنة بين الشّتاء والصّيف، فجعلوه في الرّبيع وزادوا فيه عشرة أيّام كفّارة لما صنعوا؛ فصار أربعين يوما).قال مجاهد: (أصابهم موتان عظيم؛ فقالوا: زيدوا في صيامكم؛ فزادوا عشرا قبل، وعشرا بعد، فصار خمسين يوما). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٨٣)؛أي لكي تتّقوا الأكل والشّرب والجماع في زمان الصّوم. وقيل: معناه لتكونوا أتقياء. وأصل الصيام والصوم في اللغة: الإمساك، يقال: صامت الريح إذا سكنت، وصامت الخيل إذا وقفت وأمسكت عن السير. قال النابغة (١): خيل صيّام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللّجما ويقال: صام النهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة؛ لأن الشمس إذا بلغت كبد السماء وقفت وأمسكت عن السّير سويعة. قال امرؤ القيس (٢): فدع ذا وسلّ الهمّ عنك بجسرة ... ذمول إذا صام النّهار وهجّرا وقال آخر: حتّى إذا صام النّهار واعتدل ... وسال للشّمس لعاب فنزل ويقال للرجل إذا أمسك عن الكلام: صام، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً﴾ (٣) أي صمتا. فالصوم: هو الإمساك عن المفطرات. قوله : ﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ؛﴾ يعني شهر رمضان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين. قال رسول الله ﷺ : [نحن أمّة أمّيّة لا نحسب ولا نكتب، الشّهر هكذا وهكذا وهكذا] وعقد الإبهام في الثالثة [والشّهر هكذا وهكذا وهكذا] إتمام الثّلاثين (٤).

стр. 285

ونصب (أيّاما) على الظرف؛ أي في أيام؛ وقيل: على خبر ما لم يسمّ فاعله؛ أي كتب عليكم الصيام أياما. وقيل: بإضمار فعل؛ أي صوموا أياما. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ؛﴾ أي فافطر فعدة كقوله: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ (١) تقديره: فحلق أو قصر ففدية؛ فاختصر وتقديره: فعليه عدة. قراءة أبي عبيد: «(فعدّة)» بالنصب؛ أي فليصم عدة. و «(أخر)» في موضع خفض؛ إلا أنّها لا تنصرف؛ لأنّها معدولة عن جهتها فكان حقّها (أخريات) فلما عدل إلى (فعل) لم يجز مثل عمر وزفر. ومعنى الآية: فليصم عدة من أيام أخر غير أيام مرضه أو سفره. قوله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ؛﴾ قرأ ابن عباس وعائشة وعطاء وابن جبير وعكرمة ومجاهد «(يطوّقونه)» بضمّ الياء وفتح الطاء والواو والتشديد؛ أي يكلّفونه. وروي عن مجاهد وعكرمة بفتح الياء وتشديد الطاء والواو؛ أي يطّوّقونه بمعنى يكلّفونه. وروي عن ابن عبّاس أيضا أنه قرأ: «(يطّيّقونه)» بفتح الياء وتشديد الطاء والياء الثانية وفتحها بمعنى يطيقونه. يقال: طاق وأطاق بمعنى واحد. قوله تعالى: ﴿(فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ)﴾ قرأ أهل المدينة والشام «(فدية طعام)» مضافا إلى «(مساكين)» جمعا؛ أضاف الطعام إلى الفدية وإن كانا واحدا لاختلاف اللفظين، كقوله تعالى: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ (٢).وقولهم: مسجد الجامع، وربيع الأوّل. وقرأ ابن عبّاس: «(طعام مسكين)» على الواحد، وهي قراءة الباقين غير نافع، فمن وحّد فمعناه لكل يوم طعام مسكين واحد، ومن جمع ردّة إلى الجمع؛ أي عليه إطعام مساكين فدية أيّام يفطر فيها.

стр. 286

ومعنى الآية: ﴿(وَعَلَى الَّذِينَ)﴾ يطيقون الصوم فلم يصوموا ﴿(فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ)﴾ وذلك أنه كان يرخص في الصوم الأول لمن يطيق الصوم أن يفطر ويتصدق مكان كلّ يوم على مسكين؛ ثم نسخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١). قوله : ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ؛﴾ قرأ يحيى بن وثّاب وحمزة والكسائيّ: «(يطّوّع)» بالياء وتشديد الطاء وجزم العين على معنى يتطوّع. وقرأ الآخرون بالتاء وفتح العين وتخفيف الطاء على الفعل الماضي. ومعنى الآية: فمن يتطوّع خيرا؛ أي زاد على طعام مسكين واحد فهو خير له؛ ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ؛﴾ من أن تطعموا وتفطروا، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١٨٤)؛ثواب الله في الصوم. واختلف العلماء في تأويل هذه الآية وحكمها؛ فقال قوم: كان ذلك في أوّل ما فرض الله الصوم، وذلك أن الله لمّا نزّل فرض صيام شهر رمضان على رسول الله ﷺ وأمر أصحابه بذلك، شقّ عليهم الصوم؛ وكانوا قوما لم يتعوّدوا الصوم؛ فخيّرهم الله تعالى بين الصيام والإطعام؛ فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وافتدى بالطعام. ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ونزلت العزيمة في إيجاب الصّوم. وعلى هذا القول معاذ بن جبل وأنس بن مالك وسلمة بن الأكوع وابن عمر وعلقمة وعكرمة والشعبي والزهري وإبراهيم والضّحاك. وهي إحدى الروايات عن ابن عبّاس (٢). وقال آخرون: بل هذا خاصّ للشّيخ الكبير والعجوزة الكبيرة اللذين يطيقان الصّوم ولكن يشقّ عليهما؛ رخص لهما إن شاءا أفطرا مع القدرة ويطعما لكلّ يوم مسكينا؛ ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وثبتت الرخصة للذين لا يطيقونه. وهذا قول الربيع بن أنس ورواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس، قال الحسن: (هذا في المريض، كان إذا وقع عليه اسم المرض وكان يستطيع

стр. 287

الصّيام، فهو بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر وأطعم حتّى نسخ ذلك) (١). فعلى هذه الأقاويل: الآية منسوخة؛ وهذا قول أكثر الفقهاء والمفسّرين. وقال قوم: لم تنسخ هذه ولا شيء منها، وإنّما تأويلها: وعلى الذين يطيقونه في حال شفائهم وفي حال صحّتهم وقوّتهم، ثم عجزوا عن الصّوم؛ فدية طعام مسكين؛ وجعلوا هذه الآية محكمة؛ وهذا قول سعيد بن المسيّب والسديّ؛ وإحدى الروايات عن ابن عبّاس. فجملة ما ذكرنا من الأقاويل على قراءة من قرأ «(يطيقونه)» من الإطاقة وهي القراءة الصحيحة التي عليها عامة أهل القرآن ومصاحف البلدان. وأما على قراءة «(يطّوّقونه)» فيؤوّلونه أنه الشيخ الكبير والعجوزة الكبيرة والمريض الذي لا يرجى برؤه؛ فهم مكلفون ولا يطيقونه، فلهم أن يفطروا ويطعموا مكان كلّ يوم مسكينا، وقالوا: الآية محكمة. قوله تعالى: ﴿(وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)﴾ أي خير لكم من أن تفطروا وتطعموا. قوله تعالى: ﴿(إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)﴾ أي إن كنتم تعلمون ثواب الله تعالى في الصّوم. ثم بيّن الله تعالى أيام الصيام بقوله : ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ؛﴾ قرأ العامّة «(شهر)» بالرفع على معنى أتاكم شهر رمضان. وقال الفرّاء: (ذلكم شهر رمضان).وقيل: ابتداء وما بعده خبر. وقال الأخفش: (هو شهر رمضان).وقال الكسائيّ: (كتب عليكم شهر رمضان). وقرأ الحسن ومجاهد: «(شهر رمضان)» نصب على معنى صوموا شهر رمضان. وقال الأخفش: (نصب على الظّرف؛ أي كتب عليكم الصّيام شهر رمضان) (٢). وقيل: نصب على الإغراء؛ أي التزموا شهر رمضان. وقيل: نصب على البدل من قوله: ﴿(أَيّاماً مَعْدُوداتٍ)﴾.

стр. 288

وسمي الشّهر شهرا لشهرته. واختلفوا في رمضان؛ فقال بعضهم: هو اسم من أسماء الله؛ فيقال: شهر رمضان كما يقال: شهر الله؛ ويدلّ على ذلك ما روي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تقولوا رمضان، انسبوه كما نسبه الله في القرآن فقال: شهر رمضان] (١). قال أبو عمر: (وإنّما سمّي رمضان لأنّه رمضت فيه الفصال من الحرّ).وقيل: سمي بذلك لأنه يرمض الذنوب؛ أي يحرقها. وقيل: لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة كما يأخذ الرمل والحجارة من حرّ الشمس. وقال الخليل: (هو مأخوذ من الرّمض؛ وهو مطر يأتي في الخريف؛ سمّي به هذا الشّهر لأنّه يغسل الأبدان من الآثام غسلا ويطهّر قلوبهم تطهيرا). قوله تعالى: ﴿(الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)﴾ روي أن عطية بن الأسود قال لابن عباس: إنه قد وقع الشكّ في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وقوله: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ و ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ (٢) وقد نزل في سائر الشّهور قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾ (٣)؟ فقال: (أنزل القرآن جملة واحدة من اللّوح المحفوظ في ليلة القدر في شهر رمضان، فوضع في بيت العزّة في سماء الدّنيا، ثمّ نزل به جبريل ﵇ على

стр. 289

النّبيّ ﵇ نجوما عشرين سنة، وذلك قوله : ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ (١)) (٢). وقيل: كان ينزل في كلّ شهر من شهر رمضان إلى سماء الدّنيا ما كان ينزل في تلك السّنة، فنزل من اللوح المحفوظ في عشرين شهرا، ونزل به جبريل في عشرين سنة. وقال بعضهم: كان ابتداء إنزاله على النبيّ ﷺ في شهر رمضان، فأضيف إنزال الكلّ إلى ذلك. وعن واثلة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [أنزلت صحف إبراهيم في ثلاث ليال مضين من شهر رمضان، وأنزلت التّوراة في ستّ ليال مضين من شهر رمضان، وأنزل الإنجيل في ثلاث عشرة مضين من رمضان، وأنزل الزّبور في ثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنزل الفرقان على محمّد ﷺ في الرّابعة والعشرين من شهر رمضان] (٣).وروي أن التوراة أنزلت في اثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان، والإنجيل في ثماني عشرة من رمضان. قوله تعالى: ﴿هُدىً لِلنّاسِ؛﴾ أي أنزل الفرقان هاديا للناس من الضّلالة، وانتصب ﴿(هُدىً)﴾ على القطع؛ لأنّ القرآن معرفة وهدى نكرة. قوله تعالى: ﴿وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ؛﴾ أي ودلالات واضحات من الهدى والفرقان بين الحقّ والباطل. وقيل: معناه: بيّنات من الحلال والحرام؛ والحدود والأحكام.

стр. 290

وعن سعيد بن المسيب عن سلمان ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ في آخر يوم من شعبان؛ فقال: [يا أيّها النّاس، قد أظلّكم شهر عظيم؛ شهر مبارك؛ شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة؛ وقيام ليلة تطوّعا، فمن تقرّب بخصلة من خصال الخير كان كمن أدّى فيه فريضة، ومن أدّى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيمن سواه. وهو شهر الصّبر، والصّبر ثوابه الجنّة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن، وشهر أوّله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النّار، من فطّر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبة من النّار وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيئا. قالوا: يا رسول الله، ليس كلّنا يجد ما يفطّر الصّائم؟ فقال ﷺ : [يعطي الله هذا الثّواب من فطّر صائما على مذقة لبن أو تمر أو بشربة ماء، ومن أشبع فيه صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يضمأ بعدها أبدا حتّى يدخل الجنّة، وكان كمن أعتق رقبة، ومن خفّف عن مملوكه فيه غفر الله له فيه وأعتقه من النّار. فاستكثروا فيه من أربع خصال؛ خصلتان ترضون بهما ربّكم، وخصلتان لا غناء لكم عنهما: فأمّا اللّتان ترضون بهما ربّكم: فشهادة أن لا إله إلاّ الله، وتستغفرونه. وأمّا اللّتان لا غناء لكم عنهما: فتسألون الله الجنّة، وتعودون به من النّار] (١). وعن أبي سعيد الخدري؛ قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ أبواب السّماء وأبواب الجنّة لتفتح أوّل ليلة من شهر رمضان، فلا تغلق إلى آخر ليلة منه، وليس من عبد يصلّي في ليلة منها إلاّ كتب الله له بكلّ سجدة ألف حسنة وسبعمائة حسنة، وبنى له بيتا في الجنّة من ياقوته حمراء له سبعون ألف باب، لكلّ باب منها مصراعان من ذهب. فإذا صام أوّل يوم من شهر رمضان غفر الله له كلّ ذنب إلى آخر يوم من رمضان، وكان كفّارة إلى مثله، وله بكلّ يوم يصومه قصر في الجنّة له ألف باب من ذهب، واستغفر له سبعون ألف ملك من غدوّه إلى أن تورى بالحجاب، وله بكلّ

стр. 291

سجدة يسجدها من ليل أو نهار شجرة يسير الرّاكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها] (١). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا كان أوّل ليلة من شهر رمضان، نادى الجليل جلّت قدرته وعظمته: يا رضوان حلّي جنّتي وزيّنها للصّائمين من أمّة محمّد ﷺ ولا تغلقها حتّى ينقضي شهرهم. ثمّ ينادي: يا مالك أغلق أبواب جهنّم عن الصّائمين من أمّة محمّد، ثمّ لا تفتحها حتّى ينقضي شهرهم. ثمّ ينادي: يا جبريل انزل إلى الأرض فغلّ مردة الشّياطين عن أمّة محمّد ﷺ حتّى لا يفسدوا عليهم صيامهم. ولله في كلّ يوم عند طلوع الشّمس وعند وقت الإفطار عتقا يعتقهم من النّار عبيد وإماء، وله في كلّ سماء ملك طرفه تحت العرش وقوائمه في تخوم الأرض السّابعة، له جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، ينادي: هل من تائب يتاب عليه؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ ولو أذن الله للسّموات والأرض أن يتكلّما لبشّرتا من صام رمضان الجنّة] (٢). وقال ﷺ : [نوم الصّائم عبادة، وصمته تسبيح، وعمله مضاعف] (٣). قوله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ،﴾ قرأ العامة بجزم اللام. وقرأ الحسن والأعرج بكسر اللام، وهي لام الأمر، وحقّها الكسر إذا انفردت؛ كقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٤)؛وإذا وصلت بشيء ففيه وجهان: الجزم والكسر، وإنّما الوصل بثلاثة أحرف؛ بالفاء كقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا﴾

стр. 292

﴿الْبَيْتِ﴾ (١)،وبالواو كقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ (٢) وب (ثمّ) كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (٣). واختلف العلماء في معنى هذه الآية؛ فقال بعضهم: معناها: فمن شهد بالغا عاقلا مقيما صحيحا مكلفا فليصمه، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. وقال قوم: معناه: فمن دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم في داره فليصم الشهر كله غاب بعده فسافر أو أقام فلم يبرح، قاله السديّ والنخعي. قال قتادة: (إنّ عليّا كان يقول: إذا أدركه رمضان وهو مقيم ثمّ سافر فعليه الصّوم). قالوا: والمستحبّ له أن لا يسافر إذا أدركه رمضان مقيما إن أمكنه حتى ينقضي الشهر. وروي في ذلك عن إبراهيم بن طلحة (أنّه جاء إلى عائشة ﵂ يسلّم عليها، فقالت له: فأين تريد؟ قال: أريد العمرة، قالت: جلست حتى إذا دخل عليك شهر رمضان خرجت فيه؟ قال: قد خرج رحلي، قالت: اجلس حتّى إذا أفطرت فاخرج، فلو أدركني رمضان وأنا ببعض الطّريق لأقمت له) (٣). وقال آخرون: معناه: ﴿(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)﴾ أي ما شهد منه وكان حاضرا؛ فإن سافر فله الإفطار إن شاء، قاله ابن عبّاس وعامّة أهل التفسير؛ وهو أصحّ الأقاويل؛ ويدل عليه ما روى ابن عباس؛ قال: [خرج رسول الله ﷺ عام الفتح صائما في رمضان حتّى إذا كان بالكديد أفطره] (٤).وعن الشعبيّ: (أنه سافر في رمضان فأفطر عند باب الجسر).وعن أبي ميسرة: (أنه خرج في رمضان حتى إذا بلغ القنطرة دعا بماء فشرب). قوله : ﴿وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ؛﴾ أي من كان مريضا أو مسافرا فأفطر فعليه قضاء ما أفطر فيه.

стр. 293

واختلفوا في المرض الذي أباح الله فيه الإفطار؛ فقال قوم: هو كلّ مرض يسمى مرضا. قال طريف بن تمّام: (دخلت على ابن سيرين في رمضان وهو يأكل، فلمّا فرغ قال: إنّه وجعت إصبعي هذه) (١).وقال آخرون: هو كلّ مرض كان الأغلب من أمر صاحبه بالصوم الزيادة في علته زيادة غير محتملة. وقال حسن وإبراهيم: (إذا لم يستطع المريض أن يصلّي الفرائض فله أن يفطر) (٢).والأصل فيه أنه إذا لم يمكنه الصوم وأجهده أفطر، وإذا لم يجهده فهو بمعنى الصحيح الذي يطيق الصوم. وقوله تعالى: ﴿(أَوْ عَلى سَفَرٍ)﴾ واختلفوا في صيام المسافر، فقال قوم: الإفطار في السفر عزيمة واجبة وليس برخصة، فمن صام في السّفر فعليه القضاء إذا أقام؛ وهو قول أبي هريرة وابن عبّاس وعروة بن الزبير والضحاك، وتمسكوا بقوله ﷺ : [ليس من البرّ الصّيام في السّفر] (٣).وعن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: (الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر) (٤). وقال آخرون: الإفطار في السفر رخصة من الله ؛ والفرض الصوم، فمن صام ففرضه أدّى؛ ومن أفطر فبرخصة الله أخذ، ولا قضاء على من صام إذا أقام. وهذا هو الصحيح؛ وعليه عامة الفقهاء؛ يدلّ عليه ما روى جابر قال: [كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر، فمنّا المفطر ومنّا الصّائم؛ فلم يكن بعضنا يعيب ببعض] (٥).

стр. 294

وعن حمزة بن عمرو أنه قال: يا رسول الله، إنّي أجد فيّ قوّة على الصّوم في السّفر، فهل عليّ جناح؟ قال: [هي رخصة من الله ، فمن أخذها فحسن، ومن أحبّ أن يصوم فلا جناح عليه] (١). فأمّا قوله ﷺ : [ليس من البرّ الصّيام في السّفر] فإنّ أصله ما روى جابر: أنّ رسول الله ﷺ مرّ برجل في ظلّ شجرة يرشّ عليه الماء، فقال: [ما بال صاحبكم هذا؟] قالوا: يا رسول الله، هو صائم. فقال: [ليس من البرّ أن تصوموا في السّفر، فعليكم برخصة الله تعالى الّتي رخّص لكم فاقبلوها] (٢).وكذلك تأويل قوله ﵇: [الصّيام في السّفر، كالفطر في الحضر] يدلّ عليه حديث مجاهد: (عن ابن عمر أنّه مرّ برجل ينضح عليه الماء في وجهه وهو صائم، فقال له: أفطر ويحك! فإنّي أراك إن متّ على هذا دخلت النّار) (٣). والذي يؤيّد ما قلناه ما روي عن عروة وسالم: (أنّهما كانا عند عمر بن عبد العزيز إذ هو أمير على المدينة، فتذاكروا الصّوم في السّفر، فقال سالم: كان ابن عمر لا يصوم في السّفر. وقال عروة: كانت عائشة تصوم في السّفر، فقال سالم: إنّما أحدّثك عن ابن عمر، فقال عروة: إنّما أحدّثك عن عائشة، فارتفعت أصواتهما، فقال عمر بن عبد العزيز: اللهمّ عفوا إن كان يسرا فصوموا وإن كان عسرا فأفطروا) (٤). ثم اختلف في المستحب؛ فقال قوم: الصوم أفضل؛ وهو قول معاذ بن جبل وأنس وإبراهيم ومجاهد؛ وروي أن أنس بن مالك أمر غلامه أو غلاما له بالصوم في السفر، فقيل له في هذه الآية. فقال: (نزلت ونحن نرتحل يومئذ جياعا وننزل على غير شبع، فمن أفطر فرخصته، ومن صام فالصّوم أفضل) (٥).

стр. 295

وقال آخرون: المستحبّ الإفطار لما روي عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ إلى مكّة عام الفتح في رمضان، فصام حتّى إذا بلغ كراع الغميم (١) فصام النّاس، فبلغه أنّ النّاس قد شقّ عليهم الصّيام، فدعا بقدح ماء بعد العصر فشرب والنّاس ينظرون، فأفطر بعضهم وصام بعضهم، فبلغه أنّ ناسا صاموا، فقال: [أولئك العصاة] (٢). وعن يعلى بن يوسف؛ قال: سألت ابن عمر عن الصّوم في السّفر، فقال: (أرأيت لو تصدّقت على رجل فردّها عليك، ألم تغضب؟) قلت: بلى، قال: (فإنّها صدقة من الله تعالى تصدّق بها عليكم) (٣). قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ؛﴾ أي حين رخّص الإفطار للمريض والمسافر؛ ﴿وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ؛﴾ أي تكليف الصوم في المرض والسفر. قرأ يزيد بن القعقاع: «(اليسّر)» و «(العسّر)» مثقّلين في جميع القرآن. وقرأ الباقون بالتخفيف؛ وهو الاختيار وهما لغتان جيدتان. قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ؛﴾ قرأ أبو بكر: بتشديد الميم. وقرأ الباقون بالتخفيف؛ وهو الاختيار لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٤).والواو في قوله: ﴿(وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ)﴾ واو العطف؛ واللام لام (كي)،تقديره: ﴿(يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ)﴾ أي يريد لأن يسهّل عليكم ﴿(وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ)﴾.

стр. 296

وقال الزجّاج: (معناه: فعل الله ذلك ليسهّل عليكم ما أفطرتم في مرضكم وسفركم، إذا برأتم وأقمتم فقضيتموها) (١).وقيل: ومعنى (ولتكملوا العدّة) أي ولتتمّموا مدة ما أفطرتم بالمرض والسفر. وقيل: معناه عدة ثلاثين يوما إذا غمّ عليكم هلال شوال. قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ؛﴾ أي ولتعظّموا الله بقلوبكم وأفواهكم وأعمالكم على ما هداكم لدينه وشريعته ووفّقكم ورزقكم شهر رمضان، وخصّكم به دون سائر أهل الملل. ويقال: أراد بذلك التكبير في صلاة عيد الفطر. وقال بعضهم: أراد به التكبير ليلة الفطر، قال ابن عباس: (حقّ على المسلمين إذا رأوا هلال شوّال أن يكبروا) (٢). وروي عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة وغيرهما: (أنّهم كانوا يكبرون ليلة الفطر يجهرون بالتّكبير). قوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١٨٥)؛أي لكي تشكروا الله على الرخصة ونعمة الهدى. وقوله : ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ؛﴾ إلا أنه اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية؛ فقال ابن «عباس» (٣): (نزلت في عمر ﵁ وأصحابه حين أصابوا من أهليهم في ليالي رمضان) وستأتي قصّتهم إن شاء الله تعالى. وروى الكلبيّ عن أبي صالح عنه قال: (قال يهود المدينة: يا محمّد، كيف يسمع ربّنا دعاءنا وأنت تزعم بيننا وبين السّماء مسيرة خمسمائة عام؛ وأنّ غلظ كلّ سماء مثل ذلك؟ فأنزل الله هذه الآية).وقال عطاء وقتادة: (لمّا نزل قوله تعالى:

стр. 297

﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١) قال رجل: يا رسول الله! كيف ندعو ربّنا؟ ومتى ندعوه؟ فأنزل الله هذه الآية) (٢).وقال الضحّاك: (سأل بعض الصّحابة رسول الله ﷺ : أقريب ربّنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية). قال أهل المعاني: فيه إضمار كأنه قال: فقل لهم يا محمّد وأعلمهم أني قريب منهم بالعلم. قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ؛﴾ فإن قيل: ما وجه هذه الآية وقوله: ﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقد يدعوه كثير من خلقه فلا يجيب دعاءه؟! قلنا: اختلف العلماء في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى الدعاء هنا الطاعة، ومعنى الإجابة الثّواب. كأنه قال: أجيب دعوة الدّاعي بالثواب إذا أطاعني. وقيل: معناه الخصوص؛ وإن كان اللفظ عامّا، أي أجيب دعوة الدّاعي إن شئت (٣)،وأجيب دعوة الداعي إذا وافق القضاء، وأجيب دعوة الداعي إذا كانت الإجابة له خيرا. ويدلّ عليه ما روي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : [ما من مسلم دعا الله بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إمّا أن يعجّل دعوته؛ وإمّا أن يدّخر له في الآخرة؛ وإمّا أن يدفع عنه من السّوء مثلها]،قالوا: يا رسول الله إذن نكثر؟ قال: [الله أكثر] (٤).

стр. 298

و «قال» بعضهم: هو عامّ وليس فيه أكثر من إجابة الدعوة؛ فأما إعطاء الأمنية وقضاء الحاجة، فليس بمذكور. وقد يجيب السيد عبده؛ والوالد ولده، ولا يعطيه سؤاله؛ فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول الدعوة؛ لأن قوله: أجيب وأستجيب هو خبر؛ والخبر لا يعترض عليه النسخ؛ لأنه إذا نسخ صار المخبر كذّابا، فتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. ودليل هذا التأويل ما روى ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: [من فتح له باب في الدّعاء فتحت له أبواب الإجابة] (١).وأوحى الله إلى داود ﵇: [قل للظّلمة لا يدعوني، فإنّي أوجبت على نفسي أن أجيب من دعاني؛ وإنّي إذا أجيب الظّالمين لعنتهم] (٢).وقيل: إن الله تعالى يجيب دعاء المؤمن في الوقت، إلا أنه يؤخر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته. يدل عليه ما روى جابر قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ العبد ليدعو الله تعالى وهو يجيبه؛ فيقول: يا جبريل اقض لعبدي هذا حاجته وأخّرها؛ فإنّي أحبّ أن لا أزال أسمع صوته. وإنّ العبد ليدعو الله وهو يبغضه؛ فيقول: يا جبريل اقض لعبدي هذا حاجته وأعجلها؛ فإنّي أكره أن أسمع صوته] (٣). وبلغنا عن يحيى بن سعيد قال: «رأيت ربّ العزّة في المنام فقلت: يا رب، كم أدعوك فلم تستجب لي؟ فقال: يا يحيى، إنّي أحبّ أن أسمع صوتك». وقال بعضهم: إن للدعاء آدابا وشرائط هي أسباب الإجابة ونيل الأمنية، فمن راعاها واستكملها كان من أهل الإجابة، ومن أغفلها وأخلّ بها فهو من أهل الاعتداء في الدعاء. وقيل: ما من أحد يدعو الله تعالى على ما توجبه الحكمة إلا وهو يجيب دعاءه. والدعاء على شرط الحكمة أن يقول: اللهم افعل لي كذا، أو كذا إن لم يكن مفسدة في ديني وفيما يرضيك عني.

стр. 299

ويحكى أن إبراهيم بن أدهم ﵀ قيل له: ما بالنا ندعو الله فلا يستجيب لنا؟ فقال: (لأنّكم عرفتم الله فلم تطيعوه؛ وعرفتم رسوله فلم تتّبعوه؛ وعرفتم القرآن فلم تعملوا به؛ وأكلتم نعمة الله فلم تؤدّوا شكرها؛ وعرفتم الجنّة فلم تطلبوها؛ وعرفتم النّار فلم تهربوا منها؛ وعرفتم الشّيطان فوافقتموه؛ وعرفتم الموت فلم تستعدّوا له؛ ودفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم؛ وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب النّاس). قوله : ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي؛﴾ أي فليجيبوا لي بالطاعة؛ يقال: أجاب واستجاب بمعنى. قال الشاعر: وداع دعاء من يجيب إلى النّداء ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب وقال رجاء الخرسانيّ (١): (معناه فليدعوني).والإجابة من الله تعالى الإعطاء؛ ومن العبد الطّاعة. وفي بعض التفاسير: الاستجابة أن تقول في بعض صلاتك: لبّيك اللهمّ لبّيك ... إلى آخر التلبية. وقوله تعالى: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١٨٦)؛الإيمان أن تقول: آمنت بالله وكفرت بالجبت والطاغوت؛ وعدك حقّ؛ ولقاؤك حقّ؛ وأشهد أنك واحد فرد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد؛ وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها؛ وأنك تبعث من في القبور. قال ابن عباس: (ما تركت هذه الكلمات بعد صلاة بعد ما نزلت هذه الآية). وقال الكلبيّ: (ما تركتها منذ أربعين سنة).فعلى هذا معنى الاستجابة: الإجابة بالطاعة والانقياد في كلّ ما ألزمه؛ وقوله: ﴿(لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)﴾ أي ليكونوا على رجاء الرّشد في مصالح الدّنيا والآخرة.

стр. 300

قوله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ؛﴾ قال المفسّرون: كان الرجل في ابتداء الأمر إذا أفطر أحلّ له الطعام والشراب والجماع إلى أن يصلّي العشاء الأخيرة أو ترقّد قبلها، فإذا صلّى العشاء ورقد قبل الصلاة ولم يفطر، حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى مثلها من القابلة. ثم إنّ عمر ﵁ واقع أهله بعد ما صلّى العشاء؛ فلمّا اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه، ثمّ أتى النّبيّ ﷺ ؛ فقال: يا رسول الله، إنّي أعتذر إليك وإلى الله من نفسي هذه الخاطئة، إنّي راجعت أهلي بعد ما صلّيت صلاة العشاء الأخيرة؛ فوجدت رائحة طيّبة فسوّلت لي نفسي فجامعت أهلي، فهل لي من رخصة؟ فقال النّبيّ ﷺ : [ما كنت جديرا بذلك يا عمر!] فقام رجال فاعترفوا بالّذي كانوا صنعوا بعد العشاء، فنزلت في عمر وأصحابه ﴿(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ)﴾ (١) أي أبيح لكم ليلة الصّيام الرّفث. قرأ ابن مسعود والأعمش: «(الرّفوث)» برفع الواو والفاء وبواو. والرفوث والرفث كناية عن الجماع. قال ابن عباس: (إنّ الله حييّ كريم؛ فكلّ ما ذكر الله تعالى في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدّخول، فإنّما يريد به الجماع) (٢). قال الشاعر: فضلنا هنالك في نعمة ... وكلّ اللّذاذة غير الرّفث

стр. 301

وقال القتيبيّ: (الرّفث هو الإفصاح عمّا تحبّ أن يكنى به عن ذكر النّكاح؛ وأصله الفحش والقول القبيح).وقال الزجّاج: (الرّفث كلّ كلمة جامعة لكلّ ما يريده الرّجال من النّساء) (١). قوله : ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ؛﴾ أي هن سكن لكم وأنتم سكن لهن؛ قاله أكثر المفسّرين. ونظيره قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً﴾ (٢) أي سكنا، ودليله قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها﴾ (٣). وقال أهل المعاني: اللّباس: الشّعار الذي يلي الجلد من الثياب؛ فسمي كل واحد من الزّوجين لباسا؛ لتجرّدهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد؛ وانضمام جسد كلّ واحد منهما إلى جسد صاحبه، حتى يصير كلّ واحد منهما لصاحبه كالثّوب الذي يلبسه. وقال بعضهم: يقال: لما ستر الشيء وواراه لباسا، فجاز أن يكون كلّ واحد منهما لصاحبه سترا عما لا يحل، كما روي في الخبر [من تزوّج فقد أحرز نصف دينه] (٤). قوله : ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ؛﴾ أي علم الله أنكم كنتم تظلمون أنفسكم بمعصيتكم وجماعكم بعد العشاء الأخيرة في ليالي الصّوم فتجاوز عنكم ولم يعاقبكم على ذلك وعفا عنكم ذنوبكم. قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ؛﴾ أي جامعوهن في ليالي الصوم فهو حلال لكم. سميت المجامعة مباشرة؛ لتلاصق بشرة كلّ واحد منهما لصاحبه.

стр. 302

وقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ؛﴾ أي واطلبوا ما قضى الله لكم من الولد. قال مجاهد: (إن لم تلد هذه فهذه) (١).وقال ابن زيد: «وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ)﴾ أي «ما» أحلّ لكم من الجماع) (٢).وقرأ معاذ بن جبل: «(وابتغوا ما كتب الله لكم من الاتّباع)» يعني ليلة القدر، وكذلك روى أبو الجوزاء عن ابن عباس. وقرأ الأعمش: «(وأتوا ما كتب الله لكم)» أي افعلوا. وأشبه الأقاويل فظاهر الآية في تأويل قوله: ﴿(وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ)﴾ قول من تأوّله على الولد؛ لأنه عقيب قوله ﴿(بَاشِرُوهُنَّ)﴾ وهو أمر بإباحة الطلب وندب كقوله ﷺ : [تناكحوا تكثروا، فإنّي أباهي بكم الأمم يوم القيامة حتّى بالسّقط] (٣). وقال أهل الظاهر: هو أمر إيجاب وحتم يدلّ عليه ما روى أنس بن مالك: أنّ امرأة كان يقال لها الخولاء عطّارة أهل المدينة، دخلت على عائشة ﵂؛ فقالت: يا أمّ المؤمنين، زوجي فلان أتزيّن له كلّ ليلة وأتطيّب كأنّي عروس زفّت إليه، فإذا أوى إلى فراشه دخلت في لحافه ألتمس بذلك رضي الله تعالى؛ فحوّل وجهه عنّي أراه قد أبغضني؟ فقالت: اجلسي حتّى يدخل رسول الله ﷺ . قالت: فبينما أنا كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ فقال: [ما هذه الرّوائح الّتي أجدها، هل أتتكم الخولاء؟ ابتعتم منها شيئا؟] قالت عائشة: لا والله يا رسول الله، فقصّت عليه الخولاء قصّتها، فقال لها: [اذهبي واسمعي له وأطيعي] فقالت: أفعل يا رسول الله، فما لي من الأجر؟ قال: [ما من امرأة رفعت من بيت زوجها ووضعته تريد الإحسان إلاّ كتب الله لها حسنة، ومحى عنها سيّئة، ورفع لها درجة. وما من امرأة حملت من زوجها حين تحمل إلاّ كتب الله لها من الأجر مثل القائم ليلة الصّيام نهاره والغازي في سبيل الله. وما من امرأة يأتيها طلق إلاّ كتب الله لها بكلّ طلقة عتق نسمة؛ وبكلّ رضعة عتق رقبة. فإذا فطمت ولدها نادى مناد من السّماء: أيّتها المرأة قد كفيت بالعمل فيما مضى، فاستأنفي العمل فيما بقي].

стр. 303

قالت عائشة: قد أعطي النّساء خيرا كثيرا، فما بالكم يا معشر الرّجال، فضحك رسول الله ﷺ ؛ قال: [ما من رجل أخذ بيد امرأته يراودها إلاّ كتب الله له حسنة؛ وإن عانقها فعشر حسنات؛ وإن قبّلها فعشرون حسنة؛ وإن أتاها كان خيرا من الدّنيا وما فيها، فإذا قام ليغتسل لم يمرّ الماء على شعرة من جسده إلاّ تمحى عنه سيّئة ويعطى له درجة، ويعطى بغسله خيرا من الدّنيا وما فيها، وإنّ الله يباهي به الملائكة، يقول: انظروا إلى عبدي قام في ليلة باردة يغتسل من الجنابة، يتيقّن بأنّي ربّه، اشهدوا أنّي قد غفرت له] (١). قوله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ؛﴾ هذا أمر إباحة مثل ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ (٢) وشبهه. نزلت في رجل من الأنصار يسمى صرمة بن أنس هكذا قال الكلبيّ. وقال معاذ بن جبل: (اسمه أبو صرمة).وقال عكرمة والسديّ: (اسمه أبو أقيس بن صرمة).وقال مقاتل: (صرمة بن إياس). وكانت قصته: أنّه ظلّ نهاره يعمل في أرض له وهو صائم، فلمّا أمسى قال لأهله: قدّمي الطّعام، فأرادت المرأة أن تطعمه شيئا سخنا، فأخذت تعمل له سخينة، وكان ذلك الوقت من صلّى العشاء أو نام حرم عليه الطّعام والشّراب والجماع، فلمّا فرغت من طبخ طعامه؛ إذ به قد نام فأيقظته فكره أن يعصي الله تعالى ورسوله، فأبى أن يأكل فأصبح صائما مجهودا، فلم ينتصف النّهار حتّى غشي عليه، فلمّا أفاق أتى رسول الله ﷺ وقد أجهده الصّوم، فلمّا رآه رسول الله ﷺ قال له: [يا أبا قيس، ما لك طريحا!] قال: ظللت أمس في النّخل نهاري كلّه أجرّ بالجريد حتّى أمسيت. -وفي بعض النّسخ: أجرّ الجريد-فأتيت أهلي، فأرادت امرأتي أن تطعمني شيئا سخنا، فأبطأت عليّ فنمت، فأيقظوني وقد حرم الطّعام والشّراب؟ فطويت

стр. 304

فأصبحت قد أجهدني الصّوم. فاغتمّ رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)﴾ (١).أي كلوا في ليالي الصّوم واشربوا فيها حتى يتبين لكم بياض النهار وضوءيه من سواد الليل وظلمته، كذا قال المفسّرون. وقيل: معناه حتى يتبين لكم الفجر الأول من الثاني، قال الشاعر: الخيط الأبيض قبل الصّبح منصدع ... والخيط الأسود حين اللّيل مركوم وعن عديّ بن حاتم قال: علّمني رسول الله ﷺ الصّلاة والصّيام فقال: [صلّ كذا وكذا، وصم كذا وكذا، فإذا غابت الشّمس فكل واشرب حتّى يتبيّن لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود؛ وصم ثلاثين يوما إلاّ أن ترى الهلال قبل ذلك] قال: فأخذت خيطين من حرير أبيض وأسود، وكنت أنظر فيهما فلا يتبيّن لي، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فضحك حتّى بدت نواجذه، فقال: [يا عدي، إنّما ذلك بياض النّهار من سواد اللّيل] (٢). وقوله: ﴿(مِنَ الْفَجْرِ)﴾ يعني المستطير الذي ينتشر ويأخذ الأفق؛ وهو الثاني؛ وهو الفجر الصادق الذي تحلّ فيه الصّلاة؛ ويحرم فيه الطعام على الصّيام. وأما الفجر الأول؛ وهو الذي يستطع في السّماء مستطيلا كذنب السّرحان ولا ينتشر؛ فذلك من الليل لا تحلّ الصلاة فيه، ولا يحرم الطعام فيه على الصائم؛ وهو الفجر الكاذب (٣).

стр. 305

وعن سمرة بن جندب؛ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يمنعكم من السّحور أذان بلال، ولا الصّبح المستطيل؛ ولكن الصّبح المستطير في الأفق] (١). قوله : ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ؛﴾ قال عبد الله بن أبي أوفى: كنّا مع رسول الله ﷺ في مسير وهو صائم؛ فلمّا غربت الشّمس قال لرجل: [انزل فأخرج لي ماء؟] فقال: يا رسول الله، لو أمسيت؟ قال: [انزل فأخرج لي ماء] فقال: يا رسول الله، إنّ علينا نهارا؟ فقال له الثّالثة؛ فنزل فخرج له، ثمّ قال رسول الله ﷺ : [إذا أقبل اللّيل من هاهنا، وأدبر النّهار من هاهنا، فقد أفطر الصّائم].وفي بعض الألفاظ: [أكل أو لم يأكل] (٢). قوله : ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ؛﴾ أصل العكوف والاعتكاف الملازمة والاقامة (٣)؛يقال: عكف بالمكان إذا أقام به، قال الله تعالى: ﴿فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ﴾ (٤) أي يقيمون. قال الفرزدق (٥) يصف القدور: ترى حولهنّ المعتفين كأنّهم ... على صنم في الجاهليّة عكّف والاعتكاف: هو حبس النّفس في المسجد على عبادة الله تعالى. واختلف العلماء في معنى المباشرة التي نهى المعتكف عنها؛ فقال قوم: هي المجامعة خاصة؛ معناه: ولا تجامعوهنّ وأنتم معتكفين في المساجد؛ قاله ابن عباس

стр. 306

وعطاء والضحاك والربيع. وقال قتادة (١) ومقاتل والكلبيّ: (نزلت هذه الآية في نفر من الصّحابة كانوا يعتكفون في المسجد، فإذا أعرضت بالرّجل منهم حاجة إلى أهله خرج إليها، فجامعها ثمّ يغتسل ويرجع إلى المسجد، فنهوا أن يجامعوا نساءهم ليلا ونهارا حتّى يفرغوا من اعتكافهم). وقال ابن زيد: (المباشرة: الجماع واللّمس والقبلة وأنواع التّلذّذ) (٢).والجماع مفسد للاعتكاف بالإجماع. وأما المباشرة غير الجماع فعلى ضربين: ضرب يقصد به التلذّذ بالمرأة فهو مكروه ولا يفسد الاعتكاف عند أكثر الفقهاء؛ وقال مالك: (يفسده). والضرب الثاني: ما لا يقصد به التلذّذ بالمرأة؛ فهو مباح كما جاء في خبر عائشة ﵂ [أنّ رسول الله ﷺ كان يدخل إليها رأسه فترجّله وهو معتكف] (٣).قال رسول الله ﷺ : [من اعتكف عشرا في رمضان كان بحجّتين وعمرتين] (٤). قوله : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ؛﴾ أي المجامعة في الاعتكاف معصية. وقيل: جميع ما في هذه الآية إلى آخرها أحكام الله، ﴿فَلا تَقْرَبُوها؛﴾ يعني المباشر في الاعتكاف. وقيل: أحكام الله لا تقربوها بالخلاف، ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ،﴾ لكم هذه الأحكام؛ أي فهكذا يبيّن للناس سائر أدلّته على دينه وشرائعه، وقيل: سائر أوامره ونواهيه لكي تتّقوا معاصيه. و ﴿(حُدُودُ اللهِ)﴾ قال السديّ: (شروط الله) (٥) وقال شهر بن حوشب: (فرائض الله).وقال الضحّاك: (معصية الله) (٦).وأصل الحد في اللغة: المنع، وقيل منه للبوّاب: حداد. وقال الخليل بن أحمد: الحدّ: الجامع المانع، ومنه حدود الدّار والأرض؛ وهي

стр. 307

ما تمنع غيرها أن يدخل فيها غيرها. وسمي الحديد حديدا لأنه يمتنع به من الأعداء. ويقال: حدّت المرأة وأحدّت إذا منعت نفسها من الزينة. فحدود الله هي ما منع الله منها أو منع من مخالفتها والتعدّي إلى غيرها. قوله تعالى: ﴿(فَلا تَقْرَبُوها)﴾ أي فلا تأتوها، يقال: قربت من الشيء أقربه، وقربته وقربت منه بضمّ الراء؛ إذا دنوت منه. وقوله تعالى: ﴿(كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ)﴾ أي هكذا يبيّن الله؛ ﴿آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (١٨٧)؛لكي تتّقوها وتنجوا من سخط الله والعذاب. قوله : ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ؛﴾ أكل المال بالباطل على وجهين؛ أحدهما: أخذه على وجه الظّلم بالغصب والخيانة وشهادة الزّور واليمين الفاجرة؛ والثاني: أخذه من جهات محظورة مع رضاء صاحبه؛ مثل القمار وأجرة الغناء والملاهي والنائحة وثمن الخمر والخنزير والرّبا وأشباه ذلك. ومعنى الآية: ولا يأكل بعضكم أموال بعض بالباطل؛ أي من غير الوجه الذي أباحه الله تعالى. وأصل الباطل: الشيء الذاهب الزائل؛ يقال: بطل يبطل بطولا وبطلانا؛ إذا ذهب. قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ؛﴾ أي ولا تظهروا حجّتكم للحكام بالباطل، فيحكم الحاكم في الظاهر مع علم المحكوم له أنه غير مستحقّ في الباطن. وأصل الإدلاء: هو إرساله الدلو في البئر؛ يقال: أدلى دلوه؛ إذا أرسلها، قال الله تعالى: ﴿فَأَدْلى دَلْوَهُ﴾ (١) ودلاّها يدلوها؛ إذا أخرجها ثم جعل كلّ إلقاء قول أو فعل إدلاء، ومنه قيل للمحتجّ بدعواه: أدلى بحجّته؛ لأن الحجّة سبب وصوله إلى دعواه كالدلو سبب وصوله إلى الماء. واختلف النحاة في محلّ قوله: ﴿(وَتُدْلُوا بِها)﴾ قال بعضهم: الجزم لتكرّر حرف النهي؛ أي لا تأكلوا ولا تدلوا وكذلك هو في حرف أبي بإثبات (لا).وقيل: هو

стр. 308

نصب على الظّرف كقول الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إن فعلت عظيم وقيل: نصب بإضمار (إن) المخفّفة. وقال الأخفش: (نصب على الجواب بالواو). قوله : ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١٨٨)؛أي لتأكلوا طائفة من أموال الناس بالظلم والجور وأنتم تعلمون أنكم مبطلون في دعواكم. قال ابن عباس: (هذا في الرّجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بيّنة؛ فيجحد المال ويخاصمهم فيه إلى الحكّام؛ وهو يعرف أنّ الحقّ عليه ويعلم أنّه إثم أكل حرام) (١).وقال مجاهد: (معنى الآية: لا تخاصم وأنت ظالم) (٢).وقال الحسن: (هو أن يكون للرّجل على صاحبه حقّ؛ فإذا طالبه به دعاه إلى الحاكم؛ فيحلف له ويذهب بحقّه).وقال الكلبيّ: (هو أن يقيم شهادة الزّور). وقال شريح لبعض الخصوم: (إنّي أقضي لك وأنا أظنّك ظالما؛ ولا يسعني إلاّ أن أقضي بما يحضرني من البيّنة؛ وإنّ قضائي لا يحلّ لك حراما). وعن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّما أنا بشر مثلكم، ولعلّ بعضكم يكون ألحن بحجّته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فإنّما أقطع له قطعة من نار] (٣). قوله : ﴿*يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ﴾ نزلت هذه الآية في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنمة (٤) الأنصاريين، سألا رسول الله ﷺ

стр. 309

فقالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو رقيقا مثل الخيط، ثمّ يزداد حتّى يمتلئ ويستوي، ثمّ لا يزال ينقص حتّى يعود كما بدأ، ولا يكون على حالة واحدة (١). فأنزل الله تعالى: ﴿(يَسْئَلُونَكَ)﴾ يا محمد ﴿*عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ عن الحكمة في معناها. وهي جمع هلال مثل رداء وأردية؛ وسمي هلالا لأنه حين يرى يهلّ الناس بذكر الله؛ أي يرفعون أصواتهم كما يقال: أهلّ القوم بالحج؛ إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية. قوله تعالى: ﴿(قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ)﴾ أي هي بيان المواقيت التي يحتاج الناس إليها في صومهم وفطرهم وعدّة نسائهم وآجال ديونهم ومدّة إجاراتهم وحيض الحائض وعدّة الحامل وغير ذلك، أخبرهم الله تعالى عن الحكمة في زيادة القمر ونقصانه واختلاف أحواله؛ فلهذا خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حال واحد. وقوله: ﴿وَالْحَجِّ﴾ أي وبيان وقت حجّهم. ولو جعل القمر مدوّرا كالشمس أبدا لم تعرف المواقيت ولا السّنون ولا الشهور. وقوله : ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها؛﴾ قال المفسرون: كان النّاس في الجاهلية وفي أوّل الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحجّ والعمرة لم يدخل حائطا ولا دارا ولا بيتا من بابه؛ فإن كان من أهل المدر؛ أي البيوت نقب نقبا في ظهر بيته، ويتخذ سلّما إليه يدخل منه ويخرج؛ ولا يدخل من الباب. وإن كان من أهل الوبر؛ أي الخيام والفساطيط خرج ودخل من خلف الخيمة والفساطيط؛ ولا يدخل في الباب ولا يخرج منه حتى يحلّ من إحرامه. ويرون ذلك برّا إلا أن يكون الرجل من الحمس وهم: قريش؛ وكنانة؛ وخزاعة؛ وثقيف؛ وجثيم؛ وبنو عامر بن صعصعة؛ وبنو النضر بن معولة؛ سمّوا حمسا لتشدّدهم في دينهم وعلى أنفسهم، فإنّهم كانوا لا يستظلّون أيام منى ولا يسلون السّمن ولا يأقطون الأقط. والحماسة الشدة والصلابة، إلا أنّهم كانوا مع هذا يدخلون البيوت من أبوابها بخلاف الفريق الأوّل. فلما كان في زمن الحديبية أهل رسول الله ﷺ بالعمرة فدخل

стр. 310

بستانا من بابه قد خرب وهو محرم، فأتبعه عطيّة بن عامر السلمي من غير الحمس؛ فدخل معه من الباب وهو محرم، فقال له رسول الله ﷺ : [لم دخلت من الباب وأنت محرم من غير الحمس؟] فقال: رأيتك يا رسول الله دخلت الباب وأنت محرم، فدخلت على أثرك، فقال رسول الله ﷺ : [أنا من الحمس] فقال الرّجل: إن كنت أحمسيّا يا رسول الله فأنا أحمسيّ؛ لأنّ ديننا واحد؛ رضيت بهديك وسنّتك يا رسول الله، فأنزل الله هذه الآية (١). وقال الزهريّ: (كان ناس من الأنصار إذا أهلّوا بالعمرة لا يستظلّون بشيء ولا يدخلون البيت كي لا يحول بينهم وبين السّماء شيء ما داموا محرمين، حتّى كان زمن الحديبية؛ أهلّ رسول الله ﷺ بالعمرة فدخل حجرة؛ فدخل رجل منهم على أثره من الأنصار. فقال له رسول الله ﷺ : [لم فعلت ذلك؟] فقال: إنّي رأيتك يا رسول الله عليك السّلام دخلت، فقال له رسول الله ﷺ : [أنا أحمس؛ والحمس لا يبالون بذلك] فقال الأنصاريّ: أنا أحمس؛ يعني أنا على دينك وسنّتك، فأنزل الله هذه الآية ﴿(وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها)﴾ أي ليس من خلفها إذا أحرمتم) (٢). قرأ حمزة والكسائي وعاصم ونافع وابن عامر وابن كثير: بكسر الباء (من البيوت) في جميع القرآن. وقرأ الباقون بضمها. قوله تعالى: ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى؛﴾ أي ليس البرّ بأن تأتوا البيوت من خلفها إذا أحرمتم؛ ولكن البرّ من اتّقى الشرك والمعاصي. قوله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها؛﴾ أي ائتوا البيوت محرمين ومحلّين من أبوابها، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٨٩)؛أي اتّقوا الله في جميع ما أمركم به ونهاكم عنه لكي تنجوا من العقوبة وتفوزوا بالبقاء في الجنّة.

стр. 311

وقد روي عن بعضهم أنه كان يقول في هذه الآية: (ليس البرّ أن تطلبوا المعروف من غير أهله، ولكن اطلبوه من أهله). قوله : ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ؛﴾ أي وقاتلوا في دين الله وطاعته الذين يقاتلونكم. قال الربيع وعبد الرحمن بن زيد: (هذه أوّل آية نزلت في القتال، وذلك أنّ رسول الله ﷺ وأصحابه خرجوا في العام الّذي أرادوا فيه العمرة فنزلوا بالحديبية قريبا من مكّة) (١).والحديبية اسم للبئر فسمّي ذلك الموضع باسم البئر، فصدّه المشركون عن البيت، فأقام بالحديبية شهرا ثمّ صالحه المشركون على أن يرجع عامه ذلك على أن يخلوا له مكّة من العام القابل ثلاثة أيّام، فيطوف وينحر الهدي ويفعل ما يشاء؛ وصالحوه على أن لا يكون بينه وبينهم قتال إلى عشر (٢) سنين. فرجع النّبيّ ﷺ إلى المدينة، فلمّا كان العام المقبل تجهّز لعمرة القضاء؛ وكانوا يخافون أن لا تفي قريش بذلك؛ وكانوا يكرهون قتالهم في الشّهر الحرام وفي الحرم، فأنزل الله هذه الآية. ومعناها: وقاتلوا في طاعة الله الذين يبدءونكم بالقتال؛ ﴿وَلا تَعْتَدُوا؛﴾ أي ولا تنقضوا العهد بالبداءة بقتالهم قبل تقديم الدعوة، ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١٩٠)؛أي المتجاوزين عن الحدود؛ أي لا يرضى عنهم عملهم. فلما نزلت هذه الآية كان ﷺ يقاتل من قاتله ويكفّ عمن كفّ عنه، حتى نزل قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٣) فنسخت هذه الآية وأمر بالقتال مع المشركين كافّة (٤). وقال بعضهم: هذه الآية محكمة أمر رسول الله ﷺ بالقتال ولم ينسخ شيء من حكم هذه الآية؛ فعلى هذا القول معنى قوله: ﴿(وَلا تَعْتَدُوا)﴾ أي لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السّلم وكفّ يده عن قتالكم؛ فإن فعلتم

стр. 312

ذلك فقد اعتديتم؛ وهو قول ابن عبّاس ومجاهد (١).فمعنى الآية: ﴿(وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ)﴾ أي الذين هم من أهل القتال دون النساء والولدان الذين لا يقاتلون. فعلى هذا القول الآية غير منسوخة. وقال يحيى بن يحيى (٢): (كتبت إلى عمر بن عبد العزيز أسأله عن قوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ فكتب إليّ أنّ ذلك في النّساء والذّرّيّة والرّهبان ومن لم ينتصب للحرب منهم) (٣). وقال الحسن: «ولا تعتدوا) أي لا تأتوا من نهيتم عنه).وقال بعضهم: الاعتداء ترك قتالهم. وقال بعضهم: نزلت هذه الآية والقتال كان محظورا قبل الهجرة كما قال تعالى: ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤) ثم أمر الله بالقتال بعد الهجرة لمن قاتلهم بهذه؛ ثم نزلت آية أخرى في الإذن بالقتال عامة لمن قاتلهم ولمن لم يقاتلهم، وهو قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ (٥). وعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث على سريّة أو جيش أميرا أوصاه في نفسه خاصّة بتقوى الله وبمن تبعه من المسلمين خيرا. وقال: [اغزوا باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا وليدا] (٦).

стр. 313

قوله : ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ؛﴾ أي اقتلوا الذين يبدءونكم بالقتال من أهل مكّة حيث وجدتموهم؛ ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ؛﴾ أي كما أخرجوكم من مكّة؛ قوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ؛﴾ أي والشّرك الذي هم فيه أعظم ذنبا من قتلكم إياهم في الحرم والأشهر الحرم والإحرام. هكذا قال عامة المفسرين. وقال الكسائيّ: (الفتنة هاهنا العذاب) وكانوا يعذّبون من أسلم. قوله تعالى: ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ؛﴾ أي إذا بدءوكم في غير الحرم، ثم لجئوا إلى الحرم فكفوا عن قتالهم ولا تقاتلوهم في الحرم حتّى يقاتلوكم فيه، فإن بدءوكم بالقتال في الحرم فاقتلوهم فيه، ﴿كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾ (١٩١). قرأ عيسى بن عمر وطلحة بن مصرّف ويحيى بن وثّاب والأعمش وحمزة والكسائي: «(ولا تقتلوهم)» بغير ألف من القتل على معنى ولا تقتلوا بعضهم. تقول العرب: قتلنا بني تميم؛ وإنّما قتلوا بعضهم. وقرأ الباقون كلها بالألف من القتال. واختلفوا في حكم هذه الآية؛ فقال بعضهم: هي منسوخة؛ نهوا عن الابتداء بالقتال، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ،﴾ وهذا قول قتادة والربيع (١).وقال مقاتل: ﴿(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ)﴾ أي حيث أدركتموهم في الحلّ والحرم. لما نزلت هذه الآية نسخها قوله تعالى: ﴿(وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ)﴾ ثمّ نسختها آية السيف التي في براءة، فهي ناسخة منسوخة). وقال آخرون: هذه آية محكمة؛ ولا يجوز الابتداء في القتال في الحرم. وهو قول مجاهد (٢) وأكثر المفسرين. وسمّي الكفر فتنة؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك كما أن الفتنة تؤدي إلى الهلاك. قوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٩٢)؛أي فإن انتهوا عن القتال والكفر فإن الله ﴿(غَفُورٌ)﴾ لما مضى من جهلهم ولما سلف من كفرهم، ﴿(رَحِيمٌ)﴾ بهم بعد توبتهم وإسلامهم.

стр. 314

قوله : ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ؛﴾ أي قاتلوا المشركين حتى لا يكون شرك؛ أي قاتلوهم حتى يسلموا، فليس يقبل من الوثنيّ جزية ولا يرضى منه إلا بالإسلام، وليسوا كأهل الكتاب الذين يؤخذ منهم الجزية. والحكمة في ذلك: أنّ مع أهل الكتاب كتبا منزّلة فيها الحقّ وإن كانوا قد أهملوها، فأمهلهم الله بحرمة تلك الكتب من القتل وأمر بإذلالهم بالجزية، ولينظروا في كتبهم وليدبّروها فيقفوا على الحقّ منها فيتبعوه. وأما أهل الأوثان فليس لهم كتب ترشدهم إلى الحقّ وكان إمهالهم زائدا في شركهم؛ فأبى الله أن يرضى منهم إلاّ بالإسلام أو القتل. قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ؛﴾ أي وتكون الطاعة لله وحده وأن لا يعبدوا دونه شيئا. قوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ (١٩٣)؛أي ﴿(فَإِنِ انْتَهَوْا)﴾ عن القتال والكفر ﴿(فَلا عُدْوانَ)﴾ أي فلا سبيل ولا حجّة في القتل في الحرم والشهر الحرام إلا على الظالمين. قال قتادة وعكرمة: (في هذه الآية الظّالم الّذي أبى أن يقول لا إله إلاّ الله) (١).وإنّما سمّي الكافر ظالما لوضعه العبادة في غير موضعها. وقيل: معناه: فلا عدوان إلا على الذين يبدءون بالقتال. ومن الدليل على أن هذه الآية غير ناسخة للأولى: أنّها معها في خطاب واحد، ولا يصحّ النسخ إلا بعد التمكّن من الفعل. قال ابن عباس: فسار النّبيّ ﷺ فأخلى له أهل مكّة الحرم ثلاثة أيّام؛ فدخل هو وأصحابه فطافوا ونحروا الهدي وأقاموا بمكّة حتّى قضوا حاجتهم من البيت، ثمّ رجعوا، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ؛﴾ أي الشهر الذي دخلت فيه مكة وهو ذو القعدة، واعتمرت فيه أنت وأصحابك وقضيتم من مكة فيه وطركم في سنة سبع بالشهر الحرام وهو ذو القعدة أيضا الذي صدّوك فيه عن البيت أنت وأصحابك ومنعوكم من مرادكم في سنة ستّ. وقوله تعالى: ﴿(وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ)﴾ أي اقتصصت لكم منهم في الشهر الحرام في ذي القعدة كما صدّوكم في ذي القعدة مراغمة. ﴿(وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ)﴾ جمع الحرمة

стр. 315

كالظلمات جمع الظلمة، والحجرات جمع حجرة. والحرمة: ما يجب حفظه وترك انتهاكه، وإنّما جمع ﴿(وَالْحُرُماتُ)﴾ لأنه أراد الشهر الحرام والبلد الحرام؛ وحرمة الإحرام. والقصاص: المساواة؛ وهو أن يفعل بالفاعل كما فعل. قوله : ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ أي ﴿(فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ)﴾ بالقتال في الحرم فكافئوه وقاتلوه كمثل ما فعل. وسمّى الجزاء اعتداء على مقابلة اللفظ. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١٩٤)؛أي ﴿(اتَّقُوا اللهَ)﴾ في كل ما أمرتم به ونهيتم عنه ﴿(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)﴾ بالنصر والمعونة. قوله : ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ؛﴾ وفي هذه الآية نهي عن البخل. معناه: تصدّقوا يا أهل الميسرة ولا تمسكوا عن الإنفاق ﴿(فِي سَبِيلِ اللهِ)﴾ فإن البخل؛ والإمساك عن ذلك هو الهلاك. وهذا قول حذيفة والحسن وعكرمة وعطاء والضحاك. قال ابن عبّاس في هذه الآية: (أنفق في سبيل الله وإن لم يكن لك إلاّ سهم واحد، ولا يقولنّ أحدكم أنّي لا أجد شيئا) (١).وقال السديّ: (أنفق في سبيل الله ولو عقالا). وقوله تعالى: ﴿(وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)﴾ معناه: ولا تلقوا أنفسكم، فعبّر بالبعض عن الكلّ كقوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٢) و ﴿فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٣).وإنّما حذف ذكر النفس هنا لأن في الباء دليلا عليه؛ والباء زائدة كقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٤).والعرب لا تقول: ألقى بيده إلاّ في الشرّ، والإلقاء في التهلكة معناه: ولا تمسكوا بأيديكم عن الصدقة في الجهاد فتهلكوا. وقيل: هو

стр. 316

الإسراف في الإنفاق حتى لا يبقي له شيئا يأكله فيتلف. وقيل: هو أن يخرج بين الصفّين فيستقتل من غير قصد بنكاية العدوّ. وقيل: معنى ﴿(وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)﴾ أي لا يقل: ليس عندي شيء. وقال الحسن: (إنّهم كانوا ينفرون للغزو ولا ينفقون من أموالهم، فأنزل الله هذه الآية) (١).وقال مقاتل: (لمّا أمر الله تعالى بالإنفاق؛ قال رجل: أمرنا بالنّفقة في سبيل الله؛ فإن أنفقنا أموالنا بقينا فقراء ذوي مسكنة، فقال الله تعالى: ﴿(وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)﴾ يعني أنفقوا ولا تخشوا الفقر فإنّي رازقكم ومخلف عليكم). وعن أبي الدّرداء وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وجابر وأبي أمامة والحسن بن عليّ بن أبي طالب وعمران بن الحصين؛ كلهم حدّثوا عن رسول الله ﷺ أنه قال: [من أرسل نفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكلّ درهم سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه فأنفق فله بكلّ درهم سبعمائة ألف درهم. ثمّ تلا هذه الآية ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أي ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٢). وقال زيد بن أسلم: (إنّ رجالا كانوا يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله ﷺ بغير نفقة؛ فإمّا أن يعطوهم؛ وإمّا كانوا عيالا ووبالا. فأمرهم الله تعالى بالإنفاق على أنفسهم في سبيل الله تعالى، فإذا لم يكن عندك ما تنفق فلا تخرج نفسك بغير نفقة ولا قوّة فتلقي بيدك إلى التّهلكة، فتهلك من الجوع والعطش أو من المشي). التّهلكة: مصدر بمعنى الإهلاك؛ وهو تفعلة من الهلاك. ولم يجئ من كلام العرب مصدر على تفعلة بضمّ العين إلا هذا. وقال بعضهم: التهلكة: كلّ شيء عاقبته إلى الهلاك. قوله : ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٩٥)؛أي (أحسنوا) في النفقة والإفضال على المحتاج. وروى أبو الجوزاء (٣) عن ابن عبّاس ﵁: قال:

стр. 317

(التّهلكة: عذاب الله) (١).فمعنى قوله: ﴿(وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)﴾ أي لا تتركوا الجهاد فتعذّبوا، دليله قوله تعالى: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (٢).وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من مات ولم يغز ولم يحدّث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النّفاق] (٣).وقال ابن سيرين: (الإلقاء في التّهلكة: هو القنوط من رحمة الله).وقال أبو قلابة: (هو الرّجل يصيب الذّنب فيقول: قد هلكت ليس لي توبة فييأس من رحمة الله وينهمك في المعاصي، فنهاهم الله عن ذلك). وسئل بعضهم عن الإلقاء باليد في التهلكة؛ أهو الرجل يحمل على الكتيبة وهم ألف بالسّيف؟ قال: لا، ولكنه الرجل يصيب الذنب فيقول: قد أهلكت لا توبة لي. وقال الفضيل بن عياض في هذه الآية: ﴿(وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)﴾: (بإساءة الظّنّ بالله، فأحسنوا الظّنّ بالله؛ إنّ الله يحبّ المحسنين الظّنّ بالله . قوله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ؛﴾ إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك. وقيل: إتمام العمرة إلى البيت، وإتمام الحج إلى آخر الحجّ كله. وقيل: إتمامهما أن تكون النفقة حلالا وينتهي عن جميع ما نهى الله عنه؛ ويأتي بجميع ما شرع الله من المشاعر والمواقف. وقيل: أتمّوا الحجّ والعمرة من المواقيت. ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ؛﴾ أي إن منعتم من البيت بعد ما أحرمتم بحجّ أو عمرة؛ فأردتم الإحلال فعليكم مما تيسّر من الهدي. قال ابن عبّاس: (أعلاه بدنة؛ وأوسطه بقرة؛ وأدناه شاة، يبعث المحصر بها إلى مكّة ويواعدهم اليوم الّذي يذبحوه عنه. فإذا ذبح عنه حلّ ورجع إلى أهله، ثمّ يقضي ما كان أحرم به).

стр. 318

قوله : ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ؛﴾ أي لا يحلق أحدكم رأسه ولا يحل من الإحرام حتى يبلغ الهدي الحرم؛ أي حتى يعلم أن الهدي قد ذبح عنه في الحرم. قوله : ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً؛﴾ أي من كان مريضا من المحرمين؛ محصرين أو غير محصرين، فلم يستطع الإقامة على شروط الإحرام، فعجّل وفعل شيئا مما يفعله الحلال قبل أن ينحر عنه الهدي، ﴿أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ؛﴾ أي أو كان في رأسه قمل يؤذيه لا يستطيع أن يصبر عليه، فحلق رأسه. قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ؛﴾ أي فعليه فداء ما صنع صيام ثلاثة أيام، ﴿أَوْ صَدَقَةٍ؛﴾ على ستّة مساكين؛ لكل مسكين نصف صاع من برّ أو صاع من تمر، أو صاع من شعير، ﴿أَوْ نُسُكٍ؛﴾ أي شاة يذبحها في الحرم. روي عن كعب بن عجرة؛ أنه قال: نزلت هذه الآية فيّ؛ مرّ بي رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي؛ فقال لي: [أتؤذيك هوامّ رأسك؟] قلت: نعم، قال: [احلق رأسك وأطعم ستّة مساكين؛ لكلّ مسكين نصف صاع من حنطة، أو صم ثلاثة أيّام، أو أنسك بنسيكة] (١). قوله تعالى: ﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ؛﴾ أي فإذا أمنتم الموانع من المرض والعدوّ وكل مانع. ويقال: في الآية إضمار تقديره: فإذا أمنتم من العدوّ وبرئتم من المرض، فاقضوا ما كنتم أحرمتم به قبل الإحصار من حجّ أو عمرة. قوله تعالى: ﴿(فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ)﴾ أي من بدأ بالعمرة في أشهر الحجّ؛ وأقام بمكة في عامه للحجّ؛ فحج من غير أن يرجع إلى أهله؛ فعليه ما تيسّر من الهدي. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ؛﴾ أي

стр. 319

فمن لم يجد الهدي ولا عنه؛ فعليه صيام ثلاثة أيام في الحجّ يصومها قبل يوم النّحر متتابعات ومتفرّقات؛ وصيام سبعة أيّام إذا رجع إلى أهله. ويقال: إذا رجع من منى. ويقال: إذا رجع إلى ما كان عليه؛ أي فرغ من أمر الحجّ. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ؛﴾ أي كاملة للثواب. وقيل: كاملة للهدي. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ؛﴾ أي ذلك التمتع والهدي لمن لم يكن أهله حاضري مكة. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (١٩٦)؛أي اتقوا الله في جميع ما أمرتم به ونهيتم عنه. وقد اختلف السلف في وجوب العمرة؛ فروي عن ابن مسعود والشعبيّ وإبراهيم النخعيّ: (إنّها تطوّع)،وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك. وعن عائشة وابن عبّاس وابن عمر ومجاهد: (أنّها واجبة)؛وبه قال الشافعيّ. ولا دلالة في هذه الآية على الوجوب؛ لأن لفظ الإتمام يقتضي نفي النقصان عنها إذا فعلت؛ لأن ضدّ الإتمام هو النّقصان. وقرئ «(والعمرة لله)» بالرفع على معنى الابتداء. ومن نصب العمرة احتمل أن تكون للابتداء؛ لكن نصبها اتباعا للحجّ، كذا قال الزجّاج. وقوله تعالى: قوله : ﴿(لِلّهِ)﴾ فإنّ أهل الجاهلية كانوا يشركون في إحرامهم؛ كانوا يقولون: (لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك).تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا. فأمر الله تعالى بإخلاص القول والعمل لله تعالى. وأما لفظ الإحصار فقد ذكر الكسائيّ وأكثر أهل اللغة: (أنّ الإحصار هو أن يكون بمرض أو عدوّ، والحصر: أن يكون بحبس عدوّ، يقال: أحصره المرض أو العدوّ فهو محصر. وحصره العدوّ فهو محصور) وهذا على مذهبنا مستمرّ. وقال الفرّاء: (لا فرق بين الحصر والإحصار، وهما شريكان في المعنى) وهذا قريب من مذهب الشّافعي، فإن عنده لا يكون المريض محصرا ولا يكون الإحصار إلا بالعدوّ. فأما المريض فلا يتحلّل بالهدي وإن لم يقدر على الذّهاب. وأنكر المبرد والزجاج على الفراء وقالا: (إنّ الحصر والإحصار مختلفان في المعنى؛ ألا ترى أنّك تقول: حبست الرّجل؛ إذا جعلته في الحبس، وأحبسه إذا عرّضته للحبس).

стр. 320

والهدي في اللغة: اسم لما يهدى إلى البيت؛ وهو جمع هديّة كما يقال: جدي وجديّة (١).وعن عائشة وابن عمر أنّهما قالا: (إنّ الهدي إنّما يكون بقرة أو بدنة). وفائدة قوله: ﴿(فَمَا اسْتَيْسَرَ)﴾ على هذا القول التخير بين أعيان الإبل والبقر، ولا يجوز من كلّ شيء إلا الشيء فصاعدا، إلا الجذع من الضأن فإنه يجزي على ما ورد في الأضحية؛ وهو ما مضى له ستة أشهر. والثّنيّ: البالغ من كل شيء؛ وهو عند الفقهاء في الغنم ما له سنة؛ وفي البقر ما له سنتان؛ وفي الإبل ما له خمس سنين. واختلفوا في المذكور في قوله ﴿(حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)﴾ قال ابن مسعود وابن عبّاس؛ وعطاء وطاوس ومجاهد: (محلّه: منحره؛ وهو الحرم) وقال مالك والشافعيّ: (محلّه: الموضع أحصر فيه؛ فيكون المعنى حتّى يبلغ الهدي محلّه؛ أي ينحر الهدي فيحلّ أكله).وظاهر الآية تقتضي أن (يبلغ الهدي) بعد الإحصار مبلغا لم يكن بالغا قبل ذلك؛ ولو كان موضع الإحصار محلا للهدي لكان بالغا محله لوقوع الإحصار، وأدّى ذلك إلى بطلان الغاية المذكورة في الآية. وأما قوله في شأن الحديبية ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً﴾ (٢) أي يبلغ محله فهو حجة في أن المحل هو الحرم؛ وليس في تلك الآية بيان موضع الذّبح أنه كان في الحلّ أو الحرم، فيحتمل أن الهدي كان ممنوعا عن الحرم؛ ولمّا وقع الصلح أطلقوا الهدي حتى ذبح في الحرم. وذهب أبو يوسف ومحمّد: إلى أنّ هدي المحصر بالحجّ مؤقّت بيوم النحر؛ وليس في هذه الآية أنّ المراد بالمحل الزمان؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿(فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ)﴾ عائد إلى الحجّ والعمرة المذكورين في أوّل هذه الآية. ولا خلاف أن هدي المحصر بالعمرة غير مؤقّت بيوم النحر، وفي ظاهر قوله تعالى: ﴿(وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)﴾ دليل على أن المحصر إذا لم يجد الهدي لا يحلّ حتى يجد الهدي فيذبح عنه. وقال عطاء: (يصوم عشرة أيّام ويحلّ كالمتمتّع إذا لم يجد).
следующие страницы →