فقال ﷺ لعليّ: [أكتب: باسمك اللهمّ، ثمّ اكتب: هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله ﷺ ].فقال سهيل بن عمرو: والله لو نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، لكن اكتب باسمك واسم أبيك، فقال ﷺ : [إنّي لرسول الله ولقد كذبتموني].
وقال لعليّ ﵁: [امح رسول الله ﷺ ] فقال عليّ: لا أمحوك يا رسول الله ﷺ ، فمحاه النّبيّ ﷺ ، ثمّ قال: [أكتب: هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبد الله سهيل ابن عمرو على وضع الحرب بين النّاس بكفّ بعضهم عن بعض، على أنّه من قدم مكّة من أصحاب محمّد حاجّا أو معتمرا أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله. ومن قدم المدينة من قريش مجتازا إلى مصر أو الشّام فهو آمن على دمه وماله] (١).
فهذه الحميّة التي في قلوبهم، يعني الأنفة من الاستفتاح ببسم الله الرّحمن الرّحيم، ومن قوله: محمّد رسول الله.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ؛﴾ وذلك أنّ رسول الله ﷺ رأى في المنام وهو بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية كأنّه هو وأصحابه حلقوا وقصّروا، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا وحسبوا أنّهم داخلوا مكّة عامهم ذلك، وقالوا: إنّ رؤية النّبيّ ﷺ حقّ.
فلمّا رجع وأصحابه من الحديبية ولم يدخلوا مكّة، قال المنافقون: والله ما حلقنا ولا قصّرنا ولا دخلنا المسجد الحرام (٢).فأنزل الله الآية وأخبر أنه أرى رسول الله الصّدق في منامه، وأنّهم يدخلونه فقال الله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ؛﴾ يعني العام المقبل، ﴿إِنْ شاءَ اللهُ؛﴾ قال أبو عبيدة: (إنّ معنى: ﴿إِنْ شاءَ اللهُ﴾) حيث أري رسول الله في المنام. وقال أبو العبّاس أحمد بن يحيى: (استثنى الله فيما يعلم، ليستثني الخلق فيما لا يعلمون) (٣).
стр. 2557
وقيل: معناه: بمشيئة الله، وقال بعضهم: هذا اللفظ حكاية الرّؤيا التي رآها النبيّ ﷺ ، وذلك أنّه رأى في المنام أنّ ملكا ينادي: (لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين).وقيل: إنما كان ذلك تأديبا للعباد ليدخلوا كلمة الاستثناء فيما يخبرون عنه في المستقبل من نفي وإثبات، قوله: ﴿آمِنِينَ؛﴾ أي آمنين من العدوّ.
قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ؛﴾ قريبا أنّهم يدخلون مكّة إلى أن يبلغوا آخر النّسك، ﴿لا تَخافُونَ؛﴾ العدوّ، بخلاف عام الحديبية. فيه دليل أن الحلق والتقصير قربة في الإحرام من حيث إن الإحلال يقع بهما، وفيه دليل أن المحرم بالخيار عند التحليل من الإحرام إن شاء حلق وإن شاء قصّر. وفي الحديث: [أنّ النّبيّ ﷺ دعا للمحلّقين ثلاثا، وللمقصّرين مرّة].
قوله تعالى: ﴿(لا تَخافُونَ)﴾ أي لا تخافون من المشركين، ﴿فَعَلِمَ؛﴾ الله ما في تأخير الدّخول عام الحديبية من الخير والصّلاح، ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا؛﴾ أنتم، ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ؛﴾ أي من قبل الدّخول، ﴿فَتْحاً قَرِيباً﴾ (٢٧)؛ يعني فتح خيبر.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ؛﴾ أي أرسل رسوله بالطريق المؤدّي الى الجنّة ودين الإسلام ليظهر دين الإسلام على الأديان كلّها بالحجّة والغلبة، ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ (٢٨)،على نبوّتك ورسالتك إن لم يشهد سهيل وأمثاله.
قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ؛﴾ هذا مبتدأ وخبره قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ؛﴾ أي والّذين معه من المؤمنين أشدّاء على الكفّار، غلاظ عليهم، والأشدّاء جمع الشّديد، وهو قويّ في دين الله تعالى، القويّ على أعداء الله، كانوا لا يميلون إلى الكفّار لقرابة ولا غيرها، بل أظهروا لهم العداوة في الدين، وكانوا على الكفّار كالأسد على فرسه.
قوله تعالى: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ؛﴾ أي متواددون فيما بينهم، متعاطفون حتى أنّهم كانوا بعضهم لبعض كالوالد لولده، والعبد لسيّده، وقوله تعالى: ﴿تَراهُمْ رُكَّعاً﴾
стр. 2558
﴿سُجَّداً؛﴾ أي راكعين وساجدين يكثرون الصلاة لله، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً؛﴾ يعني الجنّة، ورضى الله تعالى.
قوله: ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ؛﴾ أي علامة التهجّد ظاهرة على وجوههم من كثرة السّجود بالليل، والمعنى يتبيّن في وجوههم أثر السّهر، قال الضحّاك: (إذا سهر أصبح مصفرّا) (١)،وقال عطيّة: (مواضع السّجود أشدّ بياضا في يوم القيامة) (٢).وقال مجاهد: (يعني الأثر: الخشوع والتّواضع والسّمت الحسن) (٣).
وقال عكرمة: (هو التّراب على الجباه لأنّهم يسجدون على التّراب لا على الثّياب) (٤).
وقال الحسن في وصفهم: (إذا رأيتهم حسبتهم مرضى، وما بالقوم مرض، ويقول: لعلّهم خولطوا في عقولهم، والله لقد خالطهم أمر عظيم).يريد بذلك ما في قلوبهم من خوف الآخرة.
وقال بعضهم: (سيماهم في وجوههم من أثر السّجود) هو نور يجعله الله في وجوههم يوم القيامة، يعرفون بتلك العلامة أنّهم سجدوا في الدّنيا كما قال الله ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٥)،وقال النبيّ ﷺ : [تحشر أمّتي يوم القيامة غرّا محجّلين من آثار الوضوء] (٦).
وقال منصور: (سألت مجاهد عن قوله: (سيماهم في وجوههم من أثر السّجود) قال: ليس هو الأثر الّذي يكون في جبهة الرّجل مثل ركبة البعير، فقد يكون ذلك برجل هو أقسى قلبا من الحجارة، ولكن هو نور في وجوههم من
стр. 2559
الخشوع) (١).وقال ابن جريج: (هو الوقار)،وقال سمرة: (هو البهاء)،وقال سفيان: (يصلّون باللّيل، فإذا أصبحوا عرف ذلك في وجوههم؛ بيانه قوله ﵇: [من كثرت صلاته باللّيل حسن وجهه بالنّهار] (٢).وروي في بعض الأخبار: أنّ الله تعالى يقول يوم القيامة: يا نار أنضجي، يا نار أحرقي وموضع السّجود لا تقربي.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ؛﴾ أي ذلك الّذي ذكره في القرآن من وصفهم هو ما وصفوا به في التّوراة، ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ؛﴾ أيضا، ثم ذكر الله وصفهم في الإنجيل: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ؛﴾ أي سبيله، وقال ابن زيد: (أولاده).والشّطأ: فراخ الزّرع، يقال: الشّطأ الزّرع أن يخرج سبعا أو ثمانيا أو عشرا، وهذا مثل ضربه الله لأصحاب النبيّ ﷺ ، يعني أنّهم يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون ويقوون، قال قتادة: (مكتوب في الإنجيل: أنّه سيخرج قوم ينبتون نبات الزّرع، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (٣).
قرأ العامّة «(شطأه)» بإسكان الطّاء، وقرأ بعض أهل مكّة والشام بفتحها، وقرأ يحيى بن وثّاب «(شطأه)» مثل عصاه، وقرأ الجحدري: «(شطه)» بلا همزة، وكلّها لغات (٤).
قوله تعالى: ﴿فَآزَرَهُ؛﴾ أي أعانه الشّطأ وقوّاه وشدّه، مأخوذ من المؤازرة وهي المعاونة، والأزر: الظاهر، والوزير المعين، وأعانه الزرع، الشطّ أن يخرج من الشّطأ ثمان وتسع وعشر.
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْلَظَ؛﴾ أي غلظ ذلك الزّرع وتقوّى، ﴿فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ؛﴾ أي قام على قصبه وساوى الصّغار والكبار حتى استوى بعضه مع
стр. 2560
بعض، وصار الفرع مثل الأمّ. والسّوق: جمع ساق، وهو قصبة الزّرع، وساق الشّجرة حاملة الشّجرة. ويجوز أن يكون المراد بالسّاق: الكعب، وكلّما ازداد الزّرع كعبا ازداد قوّة، قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ؛﴾ أي يصير بحال يعجب الحرّاث.
وهذا مثل ضربه الله تعالى لمحمّد وأصحابه، فالزّرع محمّد ﷺ ، والشّطأ أصحابه والمؤمنون حوله، وكانوا في ضعف وقلّة كما كان أوّل الزرع دقيقا ثم غلظ وقوي وتلاحق، وكذلك المؤمنون قوّى بعضهم بعضا حتى استغلظوا واستووا على أمرهم، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ؛﴾ أي إنّما كثّرهم وقوّاهم ليكونوا غيظا للكافرين.
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٢٩)؛قال الزجّاج: (منهم) للجنس وليس يريد بعضهم؛ لأنّهم كلّهم مؤمنون، والأجر العظيم هو الجنّة) (١).
آخر تفسير سورة (الفتح) والحمد لله رب العالمين.
стр. 2561
سورة الحجرات
سورة الحجرات مدنيّة، وهي ألف وأربعمائة وستّ وسبعون حرفا، وثلاثمائة وثلاث وأربعون كلمة، وثماني عشرة آية.
قال النّبيّ ﷺ : [من قرأ الحجرات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أطاع الله ومن عصاه] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ؛﴾ أي لا تقطعوا أمرا دون الله ورسوله، ولا تعجلوا به، وقالت عائشة ﵂ في قوله ﴿(لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ)﴾: (أي تصوموا قبل أن يصوم نبيّكم ﷺ (٢) ﴿وَاتَّقُوا اللهَ؛﴾ في تضييع حقّه ومخالفة أمره، ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ؛﴾ لأقوالكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ (١)؛بأفعالكم، وقال جابر: (نزل قوله تعالى: ﴿(لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ)﴾ في النّهي عن الذبح يوم الأضحى قبل الصّلاة) (٣).
وقالت عائشة ﵂: (نزلن في النّهي عن صوم يوم الشّكّ)،وعن مسروق قال: (دخلت على عائشة ﵂ في يوم الشّكّ، فقالت للجارية:
стр. 2562
اسقيه، فقلت: إنّي صائم، فقالت: قد نهى الله تعالى عن صوم هذا اليوم، وفيه نزل ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ)﴾ (١).
وعن الحسن البصريّ قال: (نزلت هذه الآية في الذبح يوم الأضحى، كأنّه قال: لا تذبحوا قبل ذبح النّبيّ ﷺ ، وذلك أنّ ناسا من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النّبيّ ﷺ ، فأمرهم أن يعيدوا الذبح) (٢).
وعن ابن عبّاس ﵁ قال: (سبب نزول هذه الآية: أنّ النّبيّ ﷺ بعث رهطا من أصحابه وهم سبع وعشرون رجلا، وأمّر عليهم المنذر بن عمرو، وأمرهم أن يسيروا إلى بني عامر بن صعصعة، وأن يمرّوا على بني سليم، فباتوا عندهم، فلمّا كان عند الرّحيل، أضلّ أربعة من المسلمين بعيرا لهم، فاستأذنوا المنذر أن يتخلّفوا عنه حتّى يطلبوه، فأذن لهم.
وسار المنذر بمن بقي معه، وكانت بنوا سليم دسّت إلى بني عامر خبر أصحاب رسول الله ﷺ ، فاستعدّوا لقتالهم واجتمعوا لهم، فسار أصحاب رسول الله ﷺ إلى بئر معونة، فاقتتلوا قتالا شديدا وقتل المنذر وأصحابه، وقتل أحد الأربعة ورجع الثّلاثة إلى المدينة، فلقوا رجلين خارجين من المدينة فقالوا: ممّا أنتما؟ فقالا: من بني عامر، فقالوا: إنّهما من عدوّنا، فقتلوهما وأخذوا سلبهما.
وجاءوا إلى رسول الله ﷺ وذكروا له القصّة، فقال لهم ﷺ : [بئسما فعلتم، إنّهما من أهل ميثاقي من بني سليم، وهذا الّذي معكم من سلبهما من كسوتي].
وجاء السّليميّون يطلبون القود، فقال لهم النّبيّ ﷺ : [إنّ صاحبيكم اعتزما إلى عدوّنا، فلا قود فيهما ولكنّا نؤدّي إليكم الدّية] فأمر ﵇ أن تقسم ديتهما على أهل ميثاقه، فأنزل الله تعالى هذه الآية) (٣).
стр. 2563
والمعنى: لا تقدّموا بقول ولا فعل حتى يكون النبيّ ﷺ هو الذي يأمركم في ذلك. وقيل: إنّ ناسا كانوا يقولون: لو أنّ الله تعالى أمر بكذا ونهى عن كذا، فقيل: لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله، فإنّ الله أعلم بصلاح خلقه.
وقرئ «(لا تقدّموا)» بفتح التاء والدال، فيجوز أن يكون معناهما واحدا، يقال:
قدّمت في كذا وتقدّمت فيه، كما يقال عجلت في الأمر وتعجّلت فيه بمعنى واحد، ويجوز أن يكون معنى الضمّ: لا تقدّموا كلامكم ولا فعلكم وما أنتم صانعون في أمر من الأمور قبل أن يأمركم الله ورسوله. ومعنى قراءة الفتح لا تقدّموا بأمر ولا فعل بحضرة النبيّ ﷺ حتى يأمركم به.
وقيل: إنّها نزلت في قوم كانوا يحضرون مجلس النبيّ ﷺ ، فإذا سئل الرسول عن شيء خاضوا فيه، وتقدّموا بالفتوى والقول، فنهوا عن ذلك وزجروا عن أن يقول أحد في شيء من دين الله قبل أن يقول رسول الله.
وقيل: معنى الآية: لا تمشوا بين يدي رسول الله ﷺ ، وكذلك بين يدي العلماء؛ فإنّهم ورثة الأنبياء، ودليل هذا ما روي عن أبي الدّرداء ﵁ قال: رآني رسول الله ﷺ أمشي أمام أبي بكر ﵁ فقال: [أتمشي أمام من هو خير منك في الدّنيا والآخرة، ما طلعت الشّمس ولا غربت على أحد بعد النّبيّين والمرسلين خير من أبي بكر ﵁] (١).
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (٢)؛ روي: أنّ رهطا من بني تميم قدموا على النّبيّ ﷺ ، منهم الأقرع بن حابس وعطارد ابن الحاجب والحارث بن عمرو وغيرهم، فقاموا على باب المسجد، فنادى الأقرع ابن حابس: يا محمّد أتأذن لي في الكلام؟ فو الله إنّ حمدي لزين وذمّي لشين، فقال ﷺ : [كذبت! ذلكم الله تعالى].
стр. 2564
ثمّ أذن لهم فدخلوا، فقال: [يا محمّد أتأذن لخطيبنا؟] فقال ﷺ : [ادعوا إليّ ثابت بن قيس بن شمّاس] فدعي له، فقال ﷺ : [ليتكلّم صاحبكم] فتكلّم، فقال ﵇: [أجب يا ثابت] فأجابه.
فقال الأقرع: [ائذن لشاعرنا يا محمّد] فقال ﵇: [ادعوا إليّ القارعة] يعني حسّان، فلمّا جاء حسّان قال ﷺ : [ليتكلّم شاعركم] فلمّا تكلّم، قال ﷺ :
[أجبه يا حسّان] فأجابه، فقال عطارد للأقرع: والله إنّ محمّدا المؤتى له-أي أعطي كلّ شيء-فإنّ خطيبه أخطب من خطيبنا، وشاعره أشعر من شاعرنا (١).
وعلت الأصوات وكثر اللّغط، وكان أشدّهم صوتا وأعلاهم ثابت بن قيس، وكان به صمم لا يكاد يسمع إلاّ أن يصاح به فيجيب بمثله. فأنزل الله هذه الآية، ونهوا أن يرفعوا أصواتهم على صوت النبيّ ﷺ تعظيما له؛ لأن رفع الصّوت على الإنسان يوهم الاستخفاف به في ظاهر الحال.
وعن جابر بن عبد الله (٢) قال: (لمّا جاء بنو تميم إلى رسول الله ﷺ فنادوا على الباب: أخرج يا محمّد؛ فإنّ مدحنا زين وذمّنا شين، قال: فخرج إليهم وقال:
[إنّما ذلكم الله الّذي مدحه زين وذمّه شين] قالوا: نحن أناس من بني تميم، جئنا بشاعرنا وخطيبنا لشاعركم ونفاخرك، فقال ﷺ : [ما بالشّعر بعثت ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا].فقال لشابّ من شبابهم: قم يا فلان فاذكر فضلك وفضل قومك، فقام فقال:
الحمد لله الّذي جعلنا خير خلقه، وآتانا أموالا نفعل فيها ما نشاء، فنحن من خير أهل الأرض وأكثرهم عدّة وسلاحا ومالا، فمن أنكر علينا قولنا فليأت بقول هو أحسن من قولنا، وفعال هي خير من فعالنا.
стр. 2565
فقال ﷺ لثابت بن قيس (١)،وكان خطيب رسول الله ﷺ : [قم] فقام فقال:
الحمد لله أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، دعا المهاجرين من بني عمّه أحسن النّاس وجوها فأعظمهم أخلاقا فأجابوه، والحمد لله الّذي جعلنا أنصاره، وردّ الله لرسوله وعزّ المدينة. فنحن نقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّدا رسول الله، فمن قالها منع منّا ماله ونفسه، ومن أباها قتلناه، وكان قتله في الله علينا هيّنا، أقول قولي وأستغفر الله العظيم للمؤمنين والمؤمنات.
فقالوا لشابّ منهم: قم يا فلان فقل أبياتا تذكر فيها فضلك وفضل قومك، فقام الشّابّ (٢) وقال:
نحن الكرام فلا حيّ يعادلنا ... منّا الرّءوس وفينا تقسم الرّبع
ونطعم النّاس عند القحط كلّهم ... لحم الشّواء اذا لم يؤنس القزع
إنّا أبينا ولا يأبى لنا أحد ... إنّا كذلك عند الفخر نرتفع
فقال ﷺ : [أجبه يا حسّان] فقال:
إنّ الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بيّنوا سنّة للنّاس تتّبع (٣)
يرضى بهم كلّ من كانت سريرته ... تقوى الإله وكلّ الخير يصطنع
ثمّ قال حسّان أيضا:
نصرنا رسول الله والدّين عنوة ... على رغم عات من معدّ وحاضر
بضرب كإيزاع المخاض مشاشه ... وطعن كأفواه اللّقاح الصّوادر
стр. 2566
وسل أحدا لمّا استقلّت شعابه ... بضرب لنا مثل اللّيوث الخوادر
ألسنا نخوض الخوض في حومة الوغى ... إذا طاب ورد الموت بين العساكر
ونضرب هام الدّار عين وننتمي ... إلى حسب من جذم غسّان قاهر
فلولا حياء الله قلنا تكرّما ... على النّاس بالخيفين هل من منافر
فأحياؤنا من خير من وطئ الحصى ... وأمواتنا من خير أهل المقابر
فقال الأقرع بن حابس: والله لقد جئت لأمر ما حال حولا، وإنّي قد قلت شعرا فاسمعه، فقال هات، فقال:
أتيناك كيما يعرف النّاس فضلنا ... إذا خالفونا عند ذكر المكارم
وإنّا رءوس النّاس في كلّ معشر ... وأن ليس في أرض الحجاز كدارم
وإنّ لنا المرباع في كلّ غارة ... تكون بنجد أو بأرض التّهائم
فقال ﷺ : [أجبه يا حسّان] فقال:
بنو دارم لا تفخروا إنّ فخركم ... يعود وبالا عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم ... لنا خول ما بين ظئر وخادم (١)
فقال رسول الله ﷺ : [لقد كنت غنيّا يا أخا بني دارم أن يذكر منك ما قد ظننت أنّ النّاس قد نسوه] قال: فكان قول رسول الله ﷺ أشدّ عليه من حسّان، ثمّ رجع حسّان إلى شعره، فقال:
وأفضل ما نلتم من المجد والعلا ... ردافتنا عند احتضار المواسم (٢)
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم ... وأموالكم أن تقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا لله ندّا وأسلموا ... ولا تفخروا عند النّبيّ بدارم
وإلاّ ورب البيت مالت أكفّنا ... على هامكم بالمرهفات الصّوارم
стр. 2567
فقام الأقرع وقال: إنّ محمّدا المؤتى له، والله ما أدري ما هذا الأمر؛ تكلّم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولا، وتكلّم شاعرنا فكان شاعرهم أحسن شعرا.
ثمّ دنا من النّبيّ ﷺ فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله، فقال ﷺ : [ما يضرّك ما كان قبل هذا].ثمّ أعطاهم رسول الله ﷺ وكساهم.
وكان قد تخلّف في ركابهم عمرو بن الأهتم، وكان قيس بن عاصم يبغضه لحداثة سنّه، فأعطاه رسول الله ﷺ مثل ما أعطى القوم، فازدرى به قيس بن عاصم، فقال النّبيّ ﷺ ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ)﴾ (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (لمّا نزل قوله تعالى: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)﴾ قال أبو بكر ﵁: والله لا أرفع أبدا على صوت رسول الله ﷺ (٢).
وعن ابن الزّبير ﵁ أنه قال: (ما حدّث عمر ﵁ رسول الله ﷺ بعد ذلك فسمع كلامه حتّى يستفهمه من شدّة خفض صوته) (٣).
وكان ثابت بن قيس في أذنيه صمم وكان جهوريّ الصّوت، وكان إذا كلّم إنسانا جهر بصوته، فربّما كان يكلّم رسول الله ﷺ فيتأذى بصوته، فلمّا نزل قوله تعالى: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ)﴾ أي لئلا تحبط أعمالكم، يعني تبطل حسناتكم، جعل ثابت يبكي على قارعة الطريق، فمرّ به عاصم بن عديّ فقال: ما
стр. 2568
يبكيك يا ثابت؟! فقال: أخاف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فأخاف أن تحبط عملي وأن أكون من أهل النّار.
فمضى عاصم إلى رسول الله فأخبره، فقال: [اذهب وادعه لي] فدعاه لرسول الله، فقال: [ما يبكيك يا ثابت؟] قال: أنا صيّت يا رسول الله؛ وأخاف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فقال ﷺ : [أما ترضى أن تعيش حميدا وتموت شهيدا ويدخلك الله الجنّة؟] فقال: رضيت يا رسول الله؛ لا أرفع صوتي بعدها عليك يا رسول الله (١).فأنزل الله فيه وفي أبي بكر ﵁ وعمر وأمثالهم:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى؛﴾ أي أخلصها واصطفاها واختبرها، كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج خالصا، وقال ابن عبّاس: (معناه: أولئك الّذين أكرم الله قلوبهم).وقيل:
أذهب الشهوات عنها.
قال الزجّاج: أمر الله بتبجيل نبيّه ﷺ وأن يغضّوا أبصارهم عند ما يخاطبون بالسّكينة والوقار؛ لئلاّ تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون فلذلك قال: فلمّا كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة، قاتل ثابت بن قيس وسالم مولى أبي حذيفة قتالا شديدا حتّى قتلا، واستشهد ثابت وعليه درع (٢).
قوله تعالى: ﴿(يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ)﴾ الغضّ النّقص من كلّ شيء، قال الله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ (٣)،وقوله تعالى ﴿(امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى)﴾ أي أخلصها للتّقوى. قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٣)؛أي في الجنّة.
стр. 2569
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٤)؛وذلك: أنّ قوما من بني العنبر وهم حيّ من تميم، بعث النّبيّ ﷺ إليهم سريّة، وأمّر عليهم عيينة بن الحصين الفزاريّ، فهربوا فسبى ذراريهم ونساءهم وجاء بهم إلى النّبيّ ﷺ ، فجاء رجالهم ليفادوا ذراريهم، فدخلوا المدينة عند القيلولة ورسول الله ﷺ نائم.
فلمّا أبصرهم العيال بكوا عليهم، فنهضوا وعجّلوا قبل أن يخرج إليهم النّبيّ ﷺ ، وجعلوا ينادون: يا محمّد اخرج إلينا، وكان ﷺ حينئذ نائما، فتأذى بأصواتهم، ولم يعلموا في أيّ حجرة هو، فجعلوا يطرقون على جميع حجراته، وكان لكلّ امرأة من نساء رسول الله ﷺ حجرة وبيت، فطافوا على جميع الحجرات وهم ينادون:
اخرج علينا (١).
وقوله تعالى: ﴿(أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)﴾ وصفهم الله بالجهل وقلّة العقل وقلّة الصبر.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ؛﴾ يعني ولو أنّهم صبروا حتى تخرج إليهم للصّلاة لخلّى سبيلهم بغير فداء، فلما نادوه وأيقظوه أعتق نصف ذراريهم وفادى نصفهم بقوله تعالى ﴿(وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا)﴾ كنت تعتق كلّهم، ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥)؛لمن تاب منهم.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ؛﴾ وذلك: أنّ رسول الله ﷺ بعث الوليد بن عقبة مصدّقا إلى بني المصطلق، وكان بينه وبينهم أحنة (٢)، فلمّا اتّصل خبره بهم وسمعوا به اجتمعوا ليتلقّوه، ففرّ منهم وكرّ راجعا إلى المدينة، وقال لرسول الله ﷺ : إنّهم قد منعوا الزّكاة وارتدّوا عن الإسلام وقصدوا قتلي.
فبعث إليهم النّبيّ ﷺ خالد بن الوليد في جيش، وقال له: [انزل بساحتهم ليلا، فإن رأيت ما يدلّ على الإسلام من الأذان للصّلاة والتّهجّد أمسك عن محاربتهم، وطالبهم بصدقاتهم].
стр. 2570
فلمّا سار إليهم خالد ليلا سمع فيهم الأذان والتّهجّد، فكفّ عنهم إلى أن دخل عليهم لا على وجه قتال، وقالوا: قد استبطأنا رسالة رسول الله ﷺ في الصّدقات، فسلّموها إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١).
وسمّى الوليد بن عقبة فاسقا، لكذبه الذي وقع به. الأغرّ أو الفاسق: الخارج عن طاعة بارتكاب كثير من الذّنوب. وقيل: الفاسق الذي لا يستحي من الله. وقيل:
هو الكذاب المعلن بالذنب. والنّبأ: الخبر عمّا يعظم شأنه فيما يعمل عليه.
قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا؛﴾ قد ذكرنا قراءتين فيه في سورة النساء، قوله تعالى:
﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ؛﴾ أي لئلا تصيبوا قوما وهم مسلمون، ﴿فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ (٦).
قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ معناه: اعلموا أنّ رسول الله لو يجيبكم في كثير مما سألتموه لوقعتم في العنت وهو الإثم والمشقّة. وقيل: اتّقوا أن تكذبوا رسول الله وتقولوا باطلا، فإنّ الله يخبره فتفتضحوا، ثم قال: لو يطيعكم الرسول في كثير مما تخبرونه فيه بالباطل لعنتّم؛ أي لوقعتم في العنت وهو الإثم والهلاك.
ثم خاطب المؤمنين الذين لا يكذبون فقال: ﴿وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ؛﴾ أي جعله أحبّ الأديان إليكم، ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ؛﴾ حتى اخترتموه، ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ؛﴾ أي بغّض إليكم هذه الأشياء: الكفر ظاهر المعنى، والفسوق والكذب والخروج عن أمر الله، والعصيان: جمع معاصي الله.
ثم عاد إلى الخبر عنهم فقال: ﴿أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ (٧)؛أي المهتدون إلى محاسن الأمور.
ثم بيّن أنّ جميع ذلك تفضّل من الله تعالى فقال: ﴿فَضْلاً﴾
стр. 2571
﴿مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً؛﴾ أي تفضّلا من الله ورحمة، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ؛﴾ بما في قلوبهم، ﴿حَكِيمٌ﴾ (٨)؛فيهم بعلمه.
قوله: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما؛﴾ نزل ذلك في الأوس والخزرج بسبب الكلام الذي جرى بين عبد الله بن أبي رأس المنافقين وعبد الله ابن رواحة لمّا استبّا (١) جاء قوم هذا فاقتتلوا بالنّعال والتّرامي بالحجارة، ولم يكن بين الطّائفتين سيف.
وسبب اختصامهما أنّ رسول الله ﷺ وقف ذات يوم على مجلس من مجالس الأنصار وهو على حماره، فبال حماره وهي أرض سبخة، فأمسك عبد الله بن أبيّ أنفه وقال: إليك عنّي فو الله لقد آذاني نتن حمارك. فقال عبد الله بن رواحة: والله لنتن حمار رسول الله أطيب ريحا منك.
فغضب لعبد الله بن أبيّ رجل من قومه، وغضب لابن رواحة رجل من قومه، فاستبّوا وتحامل أصحاب كلّ واحد مع أصحاب الآخر، فتجادلوا بالأيدي والجريد والنّعال، فأنزل الله هذه الآية، فقرأها رسول الله ﷺ فاصطلحوا وكفّ بعضهم عن بعض.
وأقبل بشير بن النّعمان الأنصاريّ مشتملا على سيفه فوجدهم قد اصطلحوا، فقال عبد الله بن أبيّ: أعليّ تشتمل بالسّيف يا بشير؟ قال: نعم والّذي أحلف به لو جئت قبل أن تصطلحوا لضربتك حتّى أقتلك (٢).
قوله تعالى: ﴿(فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما)﴾ أي بالدّعاء إلى حكم الله والرّضا بما في كتاب الله لهما وعليهما.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى؛﴾ أي طلبت ما ليس لها ولم ترجع إلى الصّلح، ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ؛﴾ حتى ترجع عن البغي إلى كتاب الله، والصّلح الذي أمر الله تعالى به.
стр. 2572
والبغي هو الاستطالة، والعدول عن الحقّ وعمّا عليه جماعة المسلمين. والطائفة الباغية هي التي تطلب ما ليس لها أن تطلبه، قوله ﴿(فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ)﴾ أي حتى ترجع إلى طاعة الله.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا؛﴾ أي واعدلوا في الإصلاح بينهما، وفي كلّ حكم، ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٩)؛أي يحبّ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما تولّوه، الإقساط في اللغة هو العدل، يقال:
أقسط الرجل إذا عدل، وقسط إذا جار، ومنه قوله ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ (١).
وعن ابن عمر ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: [يا ابن أمّ عبد؛ هل تدري كيف حكم الله فيمن يفيء من هذه الأمّة؟] قال: الله ورسوله أعلم، قال: [لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيها] (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ؛﴾ يعني في الدّنيا والولاية، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ؛﴾ يعني بين كلّ مسلمين تخاصما وتقاتلا واختلفا، قرأ ابن سيرين «(بين أخويكم)» بالجمع، وقرأ حسن «(بين إخوانكم)» بالألف والنّون.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ؛﴾ أي أطيعوا الله ولا تخالفوا أمره، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١٠).وعن أبي هريرة ﵁ قال: (المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه؛ ولا يعيبه ولا يخذله؛ ولا يتطاول عليه بالبنيان فيستر عنه الرّيح إلاّ بإذنه، ولا يؤذيه بقتار (٣) قدره إلاّ أن يغرف له منه، ولا يشتري لبيته الفاكهة فيخرجون بها إلى أولاد جاره إلاّ أن يطعموهم منها) (٤).
стр. 2573
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ؛﴾ أي لا يستهزئ الرجل من أخيه فيقول: إنّك رديء المعيشة لئيم الحسب وأشباه ذلك مما ينتقصه به وهو خير منه عند الله. وقيل: معناه: لا يعيّر قوم قوما لعلّ المسخور منه أفضل عند الله تعالى من السّاخرين، ﴿وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ،﴾ ولا يعيّر نساؤنا نساءنا لعلّ المسخورة منهنّ أفضل من السّاخرات.
وقيل: معناه: لا يسخر غنيّ من فقير لفقره.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ؛﴾ أي لا تعيبوا إخوانكم الذين هم كأنفسكم، ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ؛﴾ أي لا يدع بعضكم بعضا باللّقب الذي يكرهه صاحبه؛ لأن عليه أن يخاطب أخاه بأحب الأسماء إليه.
وقال قتادة: (معناه: لا تقل لأخيك المسلم: يا فاسق ويا منافق، ولا يقول لليهوديّ بعد أن آمن: يا يهوديّ) وذلك معنى: ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ؛﴾ قال عطاء: (هو كلّ شيء أغضبت به أخاك كقولك: يا كلب؛ يا خنزير؛ يا حمار).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ؛﴾ أي من لم يتب من التّنابز ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (١١)،وقال: (نزل قوله تعالى ﴿(وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ)﴾ في نساء رسول الله عيّرن أمّ سلمة بالقصر).ويقال: نزلت في عائشة ﵂ أشارت بيدها في أمّ سلمة أنّها قصيرة.
وروى عكرمة عن ابن عبّاس: (أنّ صفيّة بنت حييّ بن أخطب أتت رسول الله ﷺ فقالت: إنّ النّساء يعيّرنني يا يهوديّة بنت يهوديّين، فقال ﷺ : [هلاّ قلت: أبي
стр. 2574
هارون وعمّي موسى وأنّ زوجي محمّد]) (١) فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿(وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ)﴾ أي لا يغتب بعضكم بعضا ولا يطعن بعضكم على بعض.
وقيل: اللّمز العيب في المشهر، والهمز في المغيب، وقال محمّد بن زيد:
(اللّمز يكون باللّسان والعين والإشارة، والهمز لا يكون إلاّ باللّسان)، قال الشاعر (٢):
إن لقيتك تبدي لي مكاشرة ... وإن أغب فلأنت الهامز اللّمزه
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ وذلك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا غزا أو سافر، ضمّ الرّجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما ويهيّئ لهما طعامهما وشرابهما، ويصيب من طعامهما، فضمّ سلمان إلى رجلين من أصحابه في بعض أسفاره، فتقوّم سلمان معهما.
فاتّفق ذات يوم أنّه لم يعدّ لهما شيئا فغلبته عيناه فنام، فلمّا قدما قالا له: ما صنعت شيئا؟ قال: لا، قالا: ولم؟ قال: غلبتني عيناي، فقالا: انطلق إلى رسول الله ﷺ واطلب لنا منه طعاما وإداما-وقيل: إنّهما قالا له: انطلق إلى النّبيّ ﷺ واسأله لنا فضل إدام إن كان عنده-فذهب فسأل فقال ﷺ : [انطلق إلى الخازن فليطعمك إن كان عنده] وكان الخازن يومئذ أسامة بن زيد، فانطلق إليه فلم يجد عنده شيئا.
فرجع إليهما فأخبرهما بذلك، فقالا: إنّه بخيل يأمره رسول الله ويبخل هو علينا، فقالا في سلمان: لو بعثناه إلى بئر سميحة لقال: ليس فيها ماء! ثمّ جعلا يتجسّسان هل كان عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله ﷺ من الإدام. فلمّا جاءا إلى رسول الله ﷺ قال لهما: [ما لي أرى حمرة اللّحم على أفواهكما؟] قالا: يا رسول الله ﷺ ما تناولنا يومنا هذا لحما؟ فقال: [ظلتما تأكلان لحم سلمان وأسامة
стр. 2575
] فأنزل الله هذه الآية ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)﴾ (١) ﴿وَلا تَجَسَّسُوا؛﴾ والظنّ الذي هو الإثم: أن يعرض بقلب الإنسان في أخيه ما يوجب الريبة فيحقّقه من غير سبب يوجبه، كما روي في الخبر: [إيّاكم والظّنّ، فإنّ الظّنّ أكذب الحديث] (٢).
وقوله تعالى ﴿(وَلا تَجَسَّسُوا)﴾ التّجسّس: البحث عن عيب أخيه الذي ستره الله عليه. ومعنى الآية: خذوا ما ظهر ودعوا ما ستر الله ولا تتّبعوا عورات الناس، قال ﷺ : [لا تجسّسوا؛ ولا تحاسدوا؛ ولا تباغضوا؛ ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا] (٣).
وروي: أنّ رجلا جاء إلى عمر بن الخطّاب ﵁ قال له: (إنّ فلانا يواظب على شرب الخمر، فقال له: إذا علمته يشربها فأعلمني. فأعلمه فذهب معه حتّى انتهى إلى داره، فدخل عليه وقال: أنت الّذي تشرب الخمر؟ فقال: وأنت تتجسّس عيوب المسلمين؟ فقال عمر: تبت أن لا أعود، فقال الرّجل: وأنا تبت لا أعود) (٤).
وروى زيد بن أسلم: (أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ خرج ذات ليلة ومعه عبد الرّحمن بن عوف إذ شبّت لهما نار، فأتيا الباب فاستأذنا ففتح لهما فدخلا، فإذا رجل وامراة تغنّي وعلى يد الرّجل قدح، فقال عمر للرّجل: وأنت بهذا يا فلان؟ فقال: وأنت بهذا يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: من هذه معك؟ قال: امرأتي، قال:
وفي القدح؟ قال: ماء زلال، فقال للمرأة: وما الّذي تغنّين؟ فقالت: أقول:
تطاول هذا اللّيل واسودّ جانبه ... وأرّقني أن لا حبيب ألاعبه
فو الله لولا خشية الله والتّقى ... لزعزع من هذا السّرير جوانبه
стр. 2576
ولكنّ العقل والحياء يكفّني ... وأكرم بعلي أن تنال مواكبه
ثمّ قال: يا أمير المؤمنين قال الله تعالى: ﴿(وَلا تَجَسَّسُوا)﴾ قال: صدقت، وانصرف) (١).
قوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً؛﴾ أي لا يتناول بعضكم بعضا بظهر الغيب بما يسوء مما هو فيه، فإن يتناوله بما ليس فيه فهو بهتان، وسئل رسول الله ﷺ عن الغيبة فقال: [أن تذكر من الرّجل ما يكرهه إذا سمعه] فقيل: يا رسول الله، وإن كان حقّا؟ فقال: [وإن كان حقّا، وأمّا إذا كان باطلا فهو البهتان] (٢).
وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : [إيّاكم والغيبة، فإنّ الغيبة أشدّ من الزّنى] قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: [إنّ الرّجل يزني ويتوب، فيتوب الله عليه، وإنّ صاحب الغيبة لا يغفر له حتّى يغفر له صاحبه] (٣).وقال ﷺ : [إذا اغتاب أحدكم أخاه فليستغفر له، فإنّ ذلك كفّارة له] (٤).
وعن ابن عمر ﵁ قال: (جاء ماعز إلى النّبيّ ﷺ فقال: إنّي زنيت، فأعرض عنه حتّى أقرّ أربع مرّات، فأمر برجمه، فمرّ النّبيّ ﷺ على رجلين يذكران ماعزا،
стр. 2577
فقال أحدهما: هذا الّذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتّى رجم كرجم الكلب، فسكت عنهما حتّى مرّا على جيفة حمار، فقال ﷺ : [انزلا فأصيبا أكلة منه] فقالا:
يا رسول الله أنأكل من هذه الجيفة؟! فقال: [فما أصبتما من لحم أخيكما أعظم عليكما، أما إنّه الآن في أنهار الجنّة ينغمس فيها] (١).
وقال ﷺ : [لمّا عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم ولحومهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء يأكلون لحوم النّاس ويقعون في أعراضهم] (٢).وقال رجل لابن سيرين: إنّي قد اغتبتك فاجعلني في حلّ، قال: (إنّي أكره أن أحلّ ما حرّم الله تعالى) (٣).
والغيبة في اللغة: هي ذكر العيب بظهر الغيب، وذكر عيب الفاسق المصرّ على فسقه بمعنى يرجع إلى قبائح أفعاله على وجه التحقير له فليس بغيبة كما ورد في الحديث: [اذكروا الفاجر عمّا فيه كي يحذره النّاس] (٤).
وكان الحسن يقول في الحجّاج: (جاءنا أخيفش وأعيمش، يخرج إلينا ثيابا قصيرة، والله ما عرف فيها عينان في سبيل الله، يرجّل جمّته ويخطر في مشيته، ويصعد المنبر فيهدر حتّى تفوته الصّلاة، لا من الله يتّقي ولا من النّاس يستحي، فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا يقول له قائل: الصّلاة أيّها الرّجل) ثم جعل الحسن يقول: (هيهات والله!! حال دون ذلك السّيف والسّوط) (٥).
стр. 2578
قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً؛﴾ أي كما كرهتم أكل لحم الميت طبعا فاكرهوا غيبة الحيّ عقلا، فإنّ العقل أحقّ أن يتّبع من الطّبع. ووجه تشبيه الغيبة بأكل لحمه ميتا أنّ الاغتياب ذكر له بالسّوء من غير أن يحسّ هو بذلك، فهو بمنزلة الأكل من لحمه وهو ميّت لا يحسّ بذلك.
وعن ابن عبّاس أنّه دخل الكعبة فقال: (ما أطيب ريحك وأعظم حرمتك، ولحرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمتك، إنّما جعلك الله حراما، وحرّم من المؤمن دمه وماله وعرضه، وأن يظنّ به السّوء).
وعن الحسن أنه قيل له: إنّ أقواما يجلسون مجلسك ويحفظون عليك سقط كلامك ثمّ يغيبونك، فقال: طمّعت نفسي في جوار الرّحمن وطول الجنان والنّجاة من النّيران ومرافقة الأنبياء ﵈، ولم أطمع نفسي في السّلامة من النّاس، إنّه لو سلم من النّاس أحد لسلم منهم خالقهم، فإذا لم يسلم منهم خالقهم فالمخلوق أجدر أن لا يسلم.
قوله تعالى: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ؛﴾ أي كما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسّوء غائبا. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ؛﴾ أي اتّقوه في الغيبة، ﴿إِنَّ اللهَ تَوّابٌ؛﴾ على من تاب، ﴿رَحِيمٌ﴾ (١٢).
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى؛﴾ نزلت في نفر من قريش قالوا حين سمعوا أذان بلال: أما وجد محمّد مؤذّنا غير هذا الغراب؟ والمعنى:
يا أيّها النّاس إنا خلقناكم من آدم وحوّاء، فكلّكم متساوون في النّسب، لأنّ كلّكم يرجع إلى أب واحد وأمّ واحدة. ومعنى الآية: الزّجر عن التفاخر بالأنساب، قال ﷺ :
[إنّما أنتم من رجل واحد وامرأة واحدة، ليس لأحد على أحد فضل إلاّ بالتّقوى] (١).
стр. 2579
ثم ذكر أنه إنما فرّق أنساب الناس ليتعارفوا لا ليتفاخروا فقال تعالى:
﴿وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا؛﴾ الشّعوب جمع شعب بفتح الشّين؛ وهو الحيّ العظيم مثل ربيعة ومضر، والقبائل دونها وهو كبكر من ربيعة، وتميم من مضر، هذا قول جماعة من المفسّرين.
وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: (يريد بالشّعوب الموالي، وبالقبائل العرب) (١) وإلى هذا ذهب قوم فقالوا: الشّعوب من العجم من لا يعرف لهم أصل نسب كالهند والتّرك، والقبائل من العرب. وقيل: معناه: وجعلكم متشعّبين مفرّقين نحو العرب وفارس والرّوم والهند وقبائل العرب وبيوتات العجم. والشّعب بكسر الشين: الطريق في الجبل، وجمعه شعاب.
والحاصل أنّ الشعوب رءوس القبائل مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج، والقبائل دون الشّعوب وهم كبكر من ربيعة وتميم من مضر، ودون القبائل العمائر؛ واحدتها عمارة بفتح العين، وهم كشيبان من بكر ودارم من تميم، ودون العمائر البطون؛ واحدها بطن وهو كبني غالب ولؤي من قريش، ودون البطون الأفخاد؛ واحدها فخذ وهم بني هاشم وبني أمية من لؤي، ثم الفصائل واحدها فصيلة وعشيرة.
قوله تعالى: ﴿(لِتَعارَفُوا)﴾ أي ليعرف بعضكم بعضا في النّسب لا لتفاخروا فيما بينكم، كما أنّ الله تعالى خالف بين خلقكم وصوركم لتعرفوا بعضكم بعضا، وقرأ الأعمش «(لتعارفوا)» وقرأ ابن عبّاس «(لتعرفوا)» بغير ألف.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ،﴾ ﴿(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ)﴾ بفتح الألف، ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١٣)؛معناه: إنّ أكرمكم في الآخرة اتقاكم لله في الدّنيا، وقال ﷺ : [إنّ الله قد أذهب نخوة الجاهليّة وتعظيمها بالآباء، النّاس من آدم؛ وآدم من التّراب؛ أكرمكم عند الله أتقاكم، لا فضل لعربيّ على عجميّ إلاّ بالتّقوى] (٢).
стр. 2580
وقال ﷺ : [من سرّه أن يكون أكرم النّاس فليتّق الله] (١) وقال: [كرم الرّجل دينه وتقواه، وفضله عقله، وحسبه خلقه] (٢).
وقال ﷺ : [إنّ الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أقوالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، وإنّما أنتم بني آدم؛ أكرمكم عند الله أتقاكم] (٣).
وقال ابن عبّاس: (كرم الدّنيا الغنى، وكرم الآخرة التّقوى)،وقال الشاعر:
ما يصنع العبد بعزّ الغنى ... والعزّ كلّ العزّ للمتّقي
من عرف الله فلم تغنه ... معرفة الله فذاك الشّقي
قوله تعالى: ﴿*قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا؛﴾ نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة قدم على رسول الله ﷺ المدينة في سنة جدبة، وأظهروا شهادة أن لا إله إلاّ الله، ولم يكونوا مؤمنين في السّرّ، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارها، وكانوا يزعمون أنّهم مخلصون في إيمانهم، ولم يكونوا كذلك، وكانوا يقولون للنّبيّ ﷺ : يأتيك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها وأتيناك بالأثقال والعيال والذراري، يمنّون على رسول الله، ولم نقاتلك كما تقاتلك بنو فلان وبنو فلان، ويريدون بذلك الصّدقة ويقولون: أعطنا. فأنزل الله هذه الآية (٤).
стр. 2581
والمعنى: أنّهم قالوا صدّقنا باللسان والقلوب، قل لهم يا محمّد: لم تؤمنوا؛ أي لم تصدّقوا بقلوبكم كما صدّقتم بألسنتكم (ولكن قولوا) استسلمنا وانقدنا مخافة السّبي والقتل، ﴿وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ؛﴾ في السّر كما أطعتم في العلانية، فتتوبوا من الكفر والنفاق، ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً؛﴾ أي لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا، ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ؛﴾ لمن تاب، ﴿رَحِيمٌ﴾ (١٤)؛بمن مات على التوبة.
ومن قرأ «(لا يألتكم)» بالهمزة فهو من ألت يألت ألتا إذا نقص، ويقال: لات يليت ليتا بهذا المعنى، وكلا القراءتين بمعنى واحد.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ؛﴾ أي هم الذين أقرّوا وصدّقوا بوحدانيّة الله ونبوّة رسوله، ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا؛﴾ أي لم يشكّوا في دينهم بعد الإيمان، ﴿وَجاهَدُوا؛﴾ العدوّ، ﴿بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ؛﴾ طاعة، ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ (١٥)؛في الإيمان.
فلمّا نزلت هذه الآية جاء القوم يحلفون لرسول الله ﷺ إنّهم يؤمنون في السرّ والعلانية، وقد علم الله منهم غير ذلك، فأنزل الله:
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١٦)؛معناه: كيف يعلّمون الله بالدّين الذي أنتم عليه، وهو عالم بكلّ شيء من كلّ وجه، وكيف يجوز أن يعلّم من كان بهذه الصّفة.
وقوله ﴿(يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا)﴾ وذلك أنّ هؤلاء المنافقين كانوا يقولون للنبيّ ﷺ : قاتلتك العرب بأسيافهم ونحن جئناك بالأهل والذراري والأثقال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان،
فقال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ؛﴾ يا محمّد؛ ﴿أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ؛﴾ فإنّ إجابتكم إلى الإسلام لم تكن إلاّ لاجابتكم على أنفسكم لا إنّكم أنعمتم على من دعاكم إلى ذلك.
ومن المعلوم أنّ حقّ الداعي إلى الهداية أعظم من حقّ المطيع بالإجابة، فليس للمطالب أن يطالب بالحقّ الذي له وينسى الحقّ الأعظم الذي عليه، ولذلك قال الله:
стр. 2582
﴿بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ؛﴾ وأخرجكم من الضّلال، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٧)؛في مقالتكم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (١٨)؛فيه بيان أنه لا ينفع المنافق عند الله كتمان الكفر؛ لأنه تعالى عالم به.
فإن قيل: كيف تجوز المنّة من الله تعالى، والمنّة مما يكدّر الصنيعة؟ قيل: إنّ المنّة عمّن يستغنى عنه تكدّر الصنيعة، وأمّا الله تعالى ليس من أحد إلاّ وهو محتاج إليه، فليس في منّته تكدير للنعمة لاستحالة أن يستغنى بغيره عنه. وقد يقال: إذا كفرت النعمة حسنت المنّة، وبالله التوفيق.
آخر تفسير سورة (الحجرات) والحمد لله رب العالمين
стр. 2583
سورة ق
سورة ق مكّيّة، وهي ألف وأربعمائة وتسعون حرفا، وثلاثمائة وخمسون كلمة، وخمس وأربعون آية، قال ﷺ : [من قرأها هوّن الله عليه سكرات الموت] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿ق؛﴾ قال ابن عبّاس: (هو اسم من أسماء الله أقسم به) (٢)،وقال القرطبيّ: (هو افتتاح اسمه: قدير؛ وقادر؛ وقاهر؛ وقابض) (٣)،وقال عكرمة والضحّاك وجماعة المفسّرين: (هو اسم جبل محيط بالدّنيا من زبرجد أخضر اخضرّت السّماء منه، وهو وراء الحجاب الّذي فيه تغيب الشّمس من ورائه بمسيرة سنة، وليس في الأرض بلد إلاّ وتحتها عرق من عروق ذلك الجبل، فإذا أراد الله أن يزلزل تلك الأرض حرّك عرقه ذلك فزلزل، وإذا أراد الله بأهل مدينة هلاكا أمره فحرّك عرقه فخسف بهم).
قال وهب: (إنّ ذا القرنين أتى على جبل قاف، فسأله: هل وراءك شيء؟ قال:
ورائي أرض مسيرة خمسمائة عام في عرض خمسمائة من جبال الثّلج يخطم بعضها بعضا، ومن ورائك أيضا أرض مثلها من البرد، لولا ذلك الثّلج والبرد لا حترقت من حرّ جهنّم).
стр. 2584
وقال بعضهم: معنى قوله تعالى (ق) قضي الأمر ما هو كائن، وقال أبو بكر الورّاق: (معناه: قف عند أمرنا ونهينا ولا تعدّيهما).وقيل: معناه: قل يا محمّد.
قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ (١)؛أي الشّريف الكريم على الله.
واختلف العلماء في جواب القسم، فقال أهل الكوفة جوابه: ﴿(بَلْ عَجِبُوا)﴾،وقال الأخفش: (جوابه محذوف؛ تقديره: والقرآن المجيد لتبعث).
وقيل: جوابه (ما يلفظ من قول).وقيل: جوابه ﴿(قَدْ عَلِمْنا)﴾ كما قال الله ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ (١) إلى أن قال ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ (٢) فذلك جواب القسم، إلاّ أن اللام حذفت منه، ويجوز أن تجعل (بل) في جواب القسم موضع (لقد).
وجوابات القسم ستّة (٣):
١. (إنّ) شديدة كقوله ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ (٤) إلى أن قال ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ (٥).
٢.و (ما) في النّفي كقوله ﴿وَالضُّحى، وَاللَّيْلِ إِذا سَجى، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ (٦).
٣.و (لا) أي النافية، واللام مفتوحة كقوله ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٧).
٤.و (إن) الخفيفة كقوله ﴿تَاللهِ إِنْ كُنّا﴾ (٨).
٥.و (لا) كقوله ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ (٩).
٦.و (قد) كقوله ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ (١٠) إلى أن قال ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ (١١).
٧.و (بل) كقوله ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا﴾.
стр. 2585
قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ،﴾ أي مخوّف يعرفون حسبه ونسبه وصدقه وأمانته، ﴿فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (٢)؛عجبوا لكون محمّد رسولا إليهم، فأنكروا رسالته وأنكروا البعث بعد الموت، وهو قوله:
﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً؛﴾ أي أنبعث إذا متنا؟ قالوا ذلك متعجّبين أنّهم إذا ماتوا وصاروا ترابا كيف يبعثون بعد ذلك؟ وقالوا: ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (٣)؛أي الردّ إلى الحياة بعيد غير كائن أبدا، استبعدوا بجهلهم أن يبعثوا بعد الموت.
قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ؛﴾ أي ما تأكل الأرض من لحومهم ودمائهم وأشعارهم، والمعنى: لا يخفى علينا شيء مما تأخذ الأرض من أبدان الموتى، فمن علم ذلك فهو قادر على إعادة ذلك الخلق بعينه إلى الحياة.
وقوله: ﴿وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ (٤)؛أراد به اللوح المحفوظ، حفظ من الزّيادة والنّقصان، عندنا كتاب حافظ لعدّتهم وأسمائهم، وقد أثبتنا فيه ما يكون من جميع الأشياء المقدّرة.
قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ؛﴾ أي كذبوا بالقرآن لمّا جاءهم بدلائل الله، ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ (٥)؛أي مختلط ملتبس عليهم، لا يثبتون على شيء واحد، مرّة يشكّون وأخرى يجحدون، ومرّة يقولون في النبيّ ﷺ : إنّه ساحر، ومرّة يقولون: هو شاعر، ومرّة يقولون: معلّم مجنون، وتارة يقولون للقرآن:
هو سحر يؤثر، وتارة يقولون: هو أساطير الأوّلين، وتارة يقولون: سحر مفترى.
وقال الحسن: (ما ترك قوم الحقّ إلاّ مرج أمرهم) (١)،وقال قتادة: (من ترك الحقّ مرج عليه رأيه، والتبس عليه دينه) (٢)،ومن ذلك المرج لاختلاط أشجارها بعضها من بعض.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ﴾ (٦)؛ودلّهم بهذا على قدرته بعظيم خلقه، فقال: أفلم ينظروا كيف بنيناها وزيّناها بالكواكب وما لها من فتوق وشقوق وصدوع.
стр. 2586
قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها؛﴾ أي بسطناها، ﴿وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أي جبالا، ﴿وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٧)؛أي من كلّ لون حسن منظره.
قوله تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (٨)؛أي فعلنا ذلك الذي ذكرناه ليبصر به ويتذكر به، فهو تذكير وعظة وتنبيه لكلّ عبد منيب يرجع إلى الله ويتفكّر في قدرته.
قال أبو حاتم: (قوله (تبصرة) منصوب على المصدر) يعني تبصيرا وتذكيرا وتنبيها له (١)؛لأن من قدر على خلق السّماوات والأرض والنبات قدر على بعثهم.
قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً؛﴾ يعني المطر، ﴿فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ؛﴾ أي بساتين، ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ (٩)؛يعني الزرع الذي من شأنه أن يحصد حصيدا، حصد أم لم يحصد، وذلك البرّ والشعير وسائر الحبوب التي تحصد وتدّخر وتقتات. وإضافة الحب إلى الحصيد وهما واحد لاختلاف اللّفظين، كما يقال مسجد الجامع، وربيع الأوّل، وخفّ البعير، وحبل الوريد ونحوها.
قوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ (١٠)؛معناه: وأنبتنا النخل طوالا، يقال: بسقت النّخلة إذا طالت. والطّلع النّضيد: هو الكفرّى ما دام في أكمامها، فهو منضود بعضه فوق بعض، وإذا خرج من أكمامها فليس بنضيد (٢).
قوله تعالى: ﴿رِزْقاً لِلْعِبادِ؛﴾ انتصب على وجهين: أحدهما: رزقناهم هذه الأشياء، والثاني: أنبتناها للرّزق، فهو منصوب؛ لأنه مفعول له؛ ولأنه مصدر فعل محذوف.
قوله تعالى: ﴿وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً؛﴾ أي أحيينا بالمطر مكانا ميتا لا نبات فيه، فكما أحيينا هذه الأرض الميتة بالماء، وأنبتنا هذه الأقوات من الحبوب اليابسة، ﴿كَذلِكَ الْخُرُوجُ﴾ (١١)؛أي كذلك تنبتون بالمطر في قبوركم ثم
стр. 2587
تخرجون للبعث. والقدرة على إعادة النّبات دليل على القدرة على إعادة الحياة إلى الميت.
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ؛﴾ فيه تسلية للنبيّ ﷺ يقول: إنّ هؤلاء الكفار سلكوا التكذيب طريقة من قبلهم من الأمم المكذّبة لرسلهم، وقد رأيتم كيف كان إنكاري عليهم، وكيف أهلكناهم.
والرّسّ: برزون اليمامة (١)،والنبيّ هو حنظل بن سنان (٢).وأصحاب الأيكة قوم شعيب ﵇، والأيكة غيط. وأما قوم تبّع فقد تقدّم أن تبّع اسم ملك حمير، وقد ذكر ذلك في قوله تعالى ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ (٣).
стр. 2588
قوله تعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ؛﴾ أي كلّ من هؤلاء المذكورين كذب الرّسل، ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ (١٤)؛أي فوجب عليهم عذابه، وحقّ عليهم كلمة العذاب.
وسمي تبّعا لكثرة أتباعه وكان يعبد النار فأسلم ودعا قومه إلى الإسلام وهم حمير فكذبوه، قال حاتم الرقّاشي (١):كان أسعد الحميريّ من التّتابعة، آمن بالنّبيّ ﷺ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال:
شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النّسم
فلو مدّ عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم
قال قتادة: (ذمّ الله قوم تبّع ولم يذمّه، وكان من ملوك اليمن، فسار بالجيوش وافتتح البلاد وقصد مكّة ليهدم البيت، فقيل له: إنّ لهذا البيت ربّا يحميه، فندم وأحرم ودخل مكّة وطاف بالبيت وكساه، وهو أوّل من كسا البيت) (٢).
قوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ؛﴾ هذا جواب لقولهم (ذلك رجع بعيد).والمعنى: أعجزنا حين خلقناهم أوّلا ولم يكونوا شيئا، فكيف عن بعثهم، وهذا تقرير لهم لأنّهم اعترفوا بأنّ الله الخالق وأنكروا البعث. ثم ذكر أنّهم في شكّ من البعث، فقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٥)؛أي بل هم في شكّ من البعث.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ؛﴾ أي ولقد خلقنا لبني آدم ونعلم ما يحدّث به قلبه؛ أي نعلم ما يخفي ويكنّ في نفسه، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ؛﴾ بالعلم بأحواله وبما في ضميره، ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (١٦)؛وهو عرق في باطن العنق بين العليا والحلقوم، وهما وريدان عن يمين ثغرة النّحر ويسارها، يتّصلان من ناحيتي الحلق والعاتق، ينصبّان أبدا من
стр. 2589
الإنسان. وقال الحسن: (الوريد: الوتين؛ وهو عرق معلّق به القلب، والله تعالى أقرب إلى المرء من قلبه) (١).
ومعنى الآية: ﴿(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ)﴾ أي أعلم به وأقدر عليه من بعضه، وإن كان بعضه له حجاب فلا يحجبنا شيء؛ أي لا يحجب علمنا عنه شيء.
ثم ذكر أنه مع علمه وكّل به ملكين يكتبان ويحفظان عليه عمله إلزاما للحجّة، فقال: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ (١٧)؛قال مقاتل: (هما ملكان يتلقّيان عمل ابن آدم ومنطقه) (٢) أي يأخذان ذلك ويثبتانه في صحائفهما، أحدهما عن يمين يكتب الحسنات، والثاني عن شمال يكتب السيّئات، فذلك قوله ﴿(وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ)﴾ ولم يقل قعيدان؛ لأنه أراد عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، فاكتفى من أحدهما عن الأخرى، كقول الشّاعر (٣):
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرّأي مختلف
أي نحن بما عندنا راضون. والقعيد مثل قاعد كالسّميع والعليم والقدير، وقال أهل الكوفة: أراد قعودا.
روي: [أنّ الله تعالى وكّل بالإنسان ملكين باللّيل، وملكين بالنّهار يحفظان عمله، أحدهما يكتب الحسنات، والثّاني يكتب السّيّئات، فإذا تكلّم العبد بحسنة كتبها الّذي على اليمين عشرا، وإذا تكلّم بسيّئة قال صاحب اليمين للآخر: أنظره، فنظره ستّ ساعات أو سبع ساعات، فإن تاب واستغفر لم يكتبها، وإن لم يتب كتب عليه سيّئة واحدة] هكذا قال ﷺ (٤).
стр. 2590
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [وكّل بعبده ملكين يكتبان عليه، فإذا مات العبد قالا: يا رب قد قبضت عبدك؛ أفتأذن لنا أن نصعد إلى السّماء؟ فيقول الله تعالى: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبحون، فيقولان: أنقيم في أرضك؟ فيقول: إنّ أرضي مملوءة من خلقي يعبدونني، فيقولان: أين نذهب؟ فيقول: قوما على قبر عبدي وهلّلاني وكبراني واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة] (١).
قوله تعالى: (قعيد) أي رصيد حافظ حاضر ملازم لا يبرح. قوله تعالى:
﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١٨)؛أي حافظ حاضر (عتيد) أي معتدّ له.
قوله تعالى: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ؛﴾ أي جاءت غمرات الموت وأهواله وشدّتها التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله، (بالحقّ) أي بما يصير إليه من أمر الآخرة من شقاوة أو سعادة تحقّق عليه عند الموت. ويقال له: ﴿ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (١٩)؛أي تميل وتهرب وتكره، قد أيقنت أنه الآن، يقال: حاد عن الشيء يحيد عنه حيدا؛ إذا مال وزاغ ونكص، وقرأ أبو بكر الصدّيق ﵁ «(وجاءت سكرة الحقّ بالموت)» (٢).
قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ (٢٠)؛يريد نفخة البعث، يكون يوم القيامة وهو يوم يتحقّق فيه الوعيد، وهو اليوم الموعود للأوّلين والآخرين يجتمعون فيه. وقيل: معناه: ذلك الذي وعد الله الكفار أن يعذّبهم فيه.
قوله تعالى: ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ (٢١)؛أي سائق يسوقها إلى المحشر، وشاهد يشهد عليها بما عملت، قال الكلبيّ: (السّائق هو الّذي يكتب السّيّئات، والشّهيد هو الّذي يكتب الحسنات)،والمراد بالنّفس ههنا نفس
стр. 2591
الكافر،
يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا؛﴾ اليوم في الدّنيا، ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ؛﴾ الذي كان في الدّنيا يغشى قلبك وسمعك وبصرك، ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (٢٢)؛أي فأنت اليوم عالم نافذ البصر، تبصر ما كنت تنكر في الدّنيا. وقيل: معناه: ﴿(فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)﴾ أي فعلمك نافذ، وهو من البصيرة لا بصر العين، كما يقال: فلان بصير بهذا الأمر؛ أي عالم به. وقيل: معناه: فبصرك اليوم شاخص لما ترى من الهول.
قوله تعالى: ﴿وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ (٢٣)؛يعني الملك الذي يكتب عمله السّيّئ في الدّنيا يقول: هذا الذي كتبته من عمله معدّ محفوظ محصى، يعني أن الملك يقول: لديه هذا الذي وكّلتني به قد أحضرته،
فيقول الله تعالى لقرينه: ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ؛﴾ اطرحا فيها، ﴿كُلَّ كَفّارٍ؛﴾ بالله وبنعمته، ﴿عَنِيدٍ﴾ (٢٤)،معرض عن الإيمان والقرآن إعراض المضادّ له. وهذا خطاب الواحد بلفظ التّثنية على عادة العرب، يقولون للواحد: ارحلاها وأزجراها (١).وقيل:
الخطاب لخازن النّار، ومخاطبة الواحد بلفظ الاثنين من فصيح كلام العرب، ومنه قولهم للواحد في الشّعر (خليليّ)،قال امرؤ القيس:
خليليّ مرّا بي على أمّ جندب ... تقضّى لبانات للفؤاد المعذب
وقال:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل
وقال الفرّاء والسديّ وأبو ثروان (٢):
فإن تزجراني يا ابن عفّان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنّعا
ومنه قول الحجّاج: (يا حرسيّ اضربا عنقه) (٣)،قال الزجّاج: (تثنية على
стр. 2592
الحقيقة والخطاب للمتلقّين معا، والسّائق والشّهيد جميعا)،وقرأ الحسن: «(ألقين)» بنون التأكيد كقوله تعالى ﴿لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ؛﴾ أي لا ينزل خيرا ولا يعطي شيئا من حقّ الله. قوله تعالى: ﴿مُعْتَدٍ؛﴾ أي ظالم لا يقرّ بتوحيد الله، قوله تعالى:
﴿مُرِيبٍ﴾ (٢٥)؛أي شاكّ في البعث والتوحيد.
قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ؛﴾ أي شريكا، ﴿فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ﴾ (٢٦)؛أي اطرحاه في النار.
وقوله: ﴿*قالَ قَرِينُهُ؛﴾ أي شيطانه: ﴿رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ؛﴾ أي ما أغويته، ما أضللته؛ أي لم أتولّ ذلك. وقيل: معناه: قال قرينه الذي يشهد عليه من الملائكة: ﴿(رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ)﴾ أي ما عجلت عليه في الكتابة وما كتبت عليه إلاّ ما قال وفعل، ﴿وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ؛﴾ خطأ، ﴿بَعِيدٍ﴾ (٢٧)؛من الصّواب.
وإنما يقول الملك هذا القول بعد ما يقول الكافر: يا رب عليّ كتب ما لم أقل ولم أفعل وما أنظرني، ولكن عجّل في الكتابة عليّ.
قوله تعالى: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ؛﴾ أي يقول الله تعالى: لا تختصموا عندي كما تختصموا عند ملوك الدّنيا، فإنّي ملك لا يكرّر الكلام عندي، ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ؛﴾ على ألسنة الرسل بالوعد و؛ ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ (٢٨)؛لا ينفعكم الاختصام بعد أن أخبرتكم على ألسنة الرّسل بعذابي في الآخرة لمن كفر.
قوله تعالى: ﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ؛﴾ أي لا خلف لوعدي ووعيدي، وقد قضيت ما أنا قاض عليكم من العذاب، لا تبديل له. وقيل: معناه: لا يكذب عندي ولا يغيّر القول من جملته؛ لأنّي أعلم الغيب وأعلم كيف ضلّوا وكيف أضللتموهم، ولا يقدر أحد أن يشقي أحدا ممّن أسعدته، ولا يسعد أحد ممن أشقيته.
قوله تعالى: ﴿وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٢٩)؛أي لا أعاقب أحدا من غير جرم، ولا أخذل أحدا من غير ذنب، ومن عمل سيّئة فلا يجزى إلاّ مثلها.
стр. 2593
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٣٠) قرأ نافع «(يقول)» بالياء على معنى: يقول الله. والمعنى: أنذرهم يوم يقول لجهنّم: هل امتلأت كما وعدتك، فتقول: ﴿(هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)﴾ أي لم يبق موضع لم يمتلئ فلا مزيد، على هذا قال المفسّرون: أراها الله تصديق قوله ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ (١) فلمّا امتلأت قال لها: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد على هذا الامتلاء؟ وهذا استفهام إنكار؛ أي قد امتلأت ولم يبق فيّ موضع خال. هذا قول عطاء ومجاهد. وقال ابن عبّاس في رواية أبي صالح: (أنّها تستزيد إلى ما فيها) (٢) ووجه هذا القول أنّ هذا السؤال في قوله ﴿(هَلِ امْتَلَأْتِ)﴾ كان قبل دخول جميع أهلها فيها. ويجوز أن يكون المعنى: أنّها طلبت أن تزاد في سعتها لتضايقها بأهلها.
قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ (٣١)؛أي قريب، وأدّيت الجنة للمتّقين الشّرك غير بعيد، ينظرون إليها قبل دخولها، ويقال لهم عند تقريبها:
﴿هذا؛﴾ الذي ترونه، ﴿ما تُوعَدُونَ؛﴾ في الدّنيا على ألسنة الرّسل، ﴿لِكُلِّ أَوّابٍ حَفِيظٍ﴾ (٣٢)؛أي لكلّ رجّاع عن معاصي الله إلى طاعة الله، حافظ لحدود الله من الخروج إلى ما لا يجوز.
قال مجاهد: (الأوّاب الّذي يذكر الله فيستغفر منه) (٣)،وقيل: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: الأوّاب المسبح من قوله ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (٤).وقيل: هو الذاكر لله، وقال مقاتل: (المطيع) (٥).وقيل: هو الذي لا يقوم من محلّه حتى يستغفر الله، وقال أبو بكر الورّاق: (هو المتوكّل على الله في السّرّاء والضّرّاء، لا يهتدي إلى غير الله).وقيل: هو الذي لا يشتغل إلاّ بالله.
قوله تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ؛﴾ صفة للأوّاب الحفيظ، والمعنى:
من خاف الله وخاف من عذابه وأطاعه ولم يعصه، وعبده حيث لا يراه إلاّ الله، وهو
стр. 2594
معنى قوله (بالغيب) ﴿وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ (٣٣)؛أي جاء بقلب مخلص راجع عن معاصي الله إلى طاعته، والقلب المنيب: هو التّائب، وموضع (من خشي) الخفض على نعت الأوّاب.
وقوله تعالى: ﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ؛﴾ يعني سلامة من الهموم والعذاب وأمان من كلّ مكروه، ﴿ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ (٣٤)؛في الجنّة لأنه لا موت فيها ولا فناء ولا انقطاع،
﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها؛﴾ من أنواع النّعيم، ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ (٣٥)؛أي نزيدهم من عندنا ما لم يسألوه، ولا خطر على قلوب، ولا بلغته أفهامهم، وقال جابر: (المزيد هو النّظر إلى وجه الله الكريم بلا كيف) (١).
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً؛﴾ هذا تخويف لأهل مكّة؛ أي كم أهلكنا من قوم هم أشدّ منهم بطشا، ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ؛﴾ أي ساروا وتقلّبوا وطافوا في البلاد. وأصله من النّقب وهو الطريق؛ وكأنّهم سلكوا كلّ طريق فلم يجدوا مخلصا عن أمر الله.
قال الزجّاج: (لم يروا مخلصا من الموت، كأنّهم ضربوا في الأرض مع شدّة شوكتهم وبطشهم، وفي هذا إنذار لأهل مكّة أنّهم على مثل سبيلهم لا يجدون مفرّا من الموت، يموتون فيصيرون إلى عذاب الله) (٢).
قرأ الحسن: «(فنقبوا)» بالتخفيف، وقرأ السّلمي على اللفظ الأمر على التهديد والوعيد؛ أي أقبلوا في البلاد وأدبروا يا أهل مكّة وتصرّفوا منها كلّ متصرّف، وسيروا في الأرض فانظروا، ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى؛﴾ أي إنّ ما صنع بهم من هلاك القرى لعبرة وعظة؛ ﴿لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ،﴾ عقل وحزم وبصيرة، ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ؛﴾ أي استمع ما يقال له على جهة التّفهّم، يقول العرب: ألق سمعك؛ أي استمع منّي؛ ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٣٧)؛أي شاهد القلب حاضره غير غافل ولا ساه.
стр. 2595
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (٣٨)؛واللّغوب هو التّعب، وذلك أنّ اليهود لعنهم الله قالوا: خلق الله السموات والأرض في ستّة أيّام، أوّلها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، فأعيا واستراح يوم السبت! فذلك لا يعمل فيه شيئا. فأكذبهم الله بقوله ﴿(وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ)﴾،واللّغوب هو التعب، وسبحان الله أن يوصف بتعب أو نصب.
قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ؛﴾ أي اصبر يا محمّد على ما يقولون من الأذى والتكذيب، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال، قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ؛﴾ أي صلّ بأمر ربك واحمده، ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٣٩)؛أراد بذلك صلاة الفجر وصلاة العصر. وقيل: معناه: قبل الغروب:
الظهر والعصر،
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ؛﴾ يعني: صلاة المغرب والعشاء. وسمّيت الصلاة تسبيحا لما فيها من التسبيح: (سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى).
وقوله تعالى: ﴿وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ (٤٠)؛يعني الرّكعتين بعد المغرب وقبل الوتر. وقيل: التسبيح في أواخر الصّلاة، يسبحون الله ثلاثا وثلاثين، ويحمدون ثلاثا وثلاثين، ويكبرون ثلاثا وثلاثين. وعن رسول الله ﷺ : [أنّه كان يقول في آخر صلاته عند انصرافه: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ .. ﴾. إلى آخر السّورة] (١).
وعن الشعبيّ والأوزاعيّ أنّهما قالا: (أدبار السّجود الرّكعتان بعد المغرب، وأدبار النّجوم: الرّكعتان قبل الفجر) (٢).وقال ابن زيد: (معنى قوله ﴿(أَدْبارَ السُّجُودِ)﴾ وهو النّوافل، وأدبار المكتوبات) (٣).