← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

الكافر، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا؛﴾ اليوم في الدّنيا، ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ؛﴾ الذي كان في الدّنيا يغشى قلبك وسمعك وبصرك، ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (٢٢)؛أي فأنت اليوم عالم نافذ البصر، تبصر ما كنت تنكر في الدّنيا. وقيل: معناه: ﴿(فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)﴾ أي فعلمك نافذ، وهو من البصيرة لا بصر العين، كما يقال: فلان بصير بهذا الأمر؛ أي عالم به. وقيل: معناه: فبصرك اليوم شاخص لما ترى من الهول. قوله تعالى: ﴿وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ (٢٣)؛يعني الملك الذي يكتب عمله السّيّئ في الدّنيا يقول: هذا الذي كتبته من عمله معدّ محفوظ محصى، يعني أن الملك يقول: لديه هذا الذي وكّلتني به قد أحضرته، فيقول الله تعالى لقرينه: ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ؛﴾ اطرحا فيها، ﴿كُلَّ كَفّارٍ؛﴾ بالله وبنعمته، ﴿عَنِيدٍ﴾ (٢٤)،معرض عن الإيمان والقرآن إعراض المضادّ له. وهذا خطاب الواحد بلفظ التّثنية على عادة العرب، يقولون للواحد: ارحلاها وأزجراها (١).وقيل: الخطاب لخازن النّار، ومخاطبة الواحد بلفظ الاثنين من فصيح كلام العرب، ومنه قولهم للواحد في الشّعر (خليليّ)،قال امرؤ القيس: خليليّ مرّا بي على أمّ جندب ... تقضّى لبانات للفؤاد المعذب وقال: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل وقال الفرّاء والسديّ وأبو ثروان (٢): فإن تزجراني يا ابن عفّان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنّعا ومنه قول الحجّاج: (يا حرسيّ اضربا عنقه) (٣)،قال الزجّاج: (تثنية على

стр. 2592

الحقيقة والخطاب للمتلقّين معا، والسّائق والشّهيد جميعا)،وقرأ الحسن: «(ألقين)» بنون التأكيد كقوله تعالى ﴿لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ؛﴾ أي لا ينزل خيرا ولا يعطي شيئا من حقّ الله. قوله تعالى: ﴿مُعْتَدٍ؛﴾ أي ظالم لا يقرّ بتوحيد الله، قوله تعالى: ﴿مُرِيبٍ﴾ (٢٥)؛أي شاكّ في البعث والتوحيد. قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ؛﴾ أي شريكا، ﴿فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ﴾ (٢٦)؛أي اطرحاه في النار. وقوله: ﴿*قالَ قَرِينُهُ؛﴾ أي شيطانه: ﴿رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ؛﴾ أي ما أغويته، ما أضللته؛ أي لم أتولّ ذلك. وقيل: معناه: قال قرينه الذي يشهد عليه من الملائكة: ﴿(رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ)﴾ أي ما عجلت عليه في الكتابة وما كتبت عليه إلاّ ما قال وفعل، ﴿وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ؛﴾ خطأ، ﴿بَعِيدٍ﴾ (٢٧)؛من الصّواب. وإنما يقول الملك هذا القول بعد ما يقول الكافر: يا رب عليّ كتب ما لم أقل ولم أفعل وما أنظرني، ولكن عجّل في الكتابة عليّ. قوله تعالى: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ؛﴾ أي يقول الله تعالى: لا تختصموا عندي كما تختصموا عند ملوك الدّنيا، فإنّي ملك لا يكرّر الكلام عندي، ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ؛﴾ على ألسنة الرسل بالوعد و؛ ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ (٢٨)؛لا ينفعكم الاختصام بعد أن أخبرتكم على ألسنة الرّسل بعذابي في الآخرة لمن كفر. قوله تعالى: ﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ؛﴾ أي لا خلف لوعدي ووعيدي، وقد قضيت ما أنا قاض عليكم من العذاب، لا تبديل له. وقيل: معناه: لا يكذب عندي ولا يغيّر القول من جملته؛ لأنّي أعلم الغيب وأعلم كيف ضلّوا وكيف أضللتموهم، ولا يقدر أحد أن يشقي أحدا ممّن أسعدته، ولا يسعد أحد ممن أشقيته. قوله تعالى: ﴿وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٢٩)؛أي لا أعاقب أحدا من غير جرم، ولا أخذل أحدا من غير ذنب، ومن عمل سيّئة فلا يجزى إلاّ مثلها.

стр. 2593

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٣٠) قرأ نافع «(يقول)» بالياء على معنى: يقول الله. والمعنى: أنذرهم يوم يقول لجهنّم: هل امتلأت كما وعدتك، فتقول: ﴿(هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)﴾ أي لم يبق موضع لم يمتلئ فلا مزيد، على هذا قال المفسّرون: أراها الله تصديق قوله ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ (١) فلمّا امتلأت قال لها: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد على هذا الامتلاء؟ وهذا استفهام إنكار؛ أي قد امتلأت ولم يبق فيّ موضع خال. هذا قول عطاء ومجاهد. وقال ابن عبّاس في رواية أبي صالح: (أنّها تستزيد إلى ما فيها) (٢) ووجه هذا القول أنّ هذا السؤال في قوله ﴿(هَلِ امْتَلَأْتِ)﴾ كان قبل دخول جميع أهلها فيها. ويجوز أن يكون المعنى: أنّها طلبت أن تزاد في سعتها لتضايقها بأهلها. قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ (٣١)؛أي قريب، وأدّيت الجنة للمتّقين الشّرك غير بعيد، ينظرون إليها قبل دخولها، ويقال لهم عند تقريبها: ﴿هذا؛﴾ الذي ترونه، ﴿ما تُوعَدُونَ؛﴾ في الدّنيا على ألسنة الرّسل، ﴿لِكُلِّ أَوّابٍ حَفِيظٍ﴾ (٣٢)؛أي لكلّ رجّاع عن معاصي الله إلى طاعة الله، حافظ لحدود الله من الخروج إلى ما لا يجوز. قال مجاهد: (الأوّاب الّذي يذكر الله فيستغفر منه) (٣)،وقيل: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: الأوّاب المسبح من قوله ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (٤).وقيل: هو الذاكر لله، وقال مقاتل: (المطيع) (٥).وقيل: هو الذي لا يقوم من محلّه حتى يستغفر الله، وقال أبو بكر الورّاق: (هو المتوكّل على الله في السّرّاء والضّرّاء، لا يهتدي إلى غير الله).وقيل: هو الذي لا يشتغل إلاّ بالله. قوله تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ؛﴾ صفة للأوّاب الحفيظ، والمعنى: من خاف الله وخاف من عذابه وأطاعه ولم يعصه، وعبده حيث لا يراه إلاّ الله، وهو

стр. 2594

معنى قوله (بالغيب) ﴿وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ (٣٣)؛أي جاء بقلب مخلص راجع عن معاصي الله إلى طاعته، والقلب المنيب: هو التّائب، وموضع (من خشي) الخفض على نعت الأوّاب. وقوله تعالى: ﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ؛﴾ يعني سلامة من الهموم والعذاب وأمان من كلّ مكروه، ﴿ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ (٣٤)؛في الجنّة لأنه لا موت فيها ولا فناء ولا انقطاع، ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها؛﴾ من أنواع النّعيم، ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ (٣٥)؛أي نزيدهم من عندنا ما لم يسألوه، ولا خطر على قلوب، ولا بلغته أفهامهم، وقال جابر: (المزيد هو النّظر إلى وجه الله الكريم بلا كيف) (١). قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً؛﴾ هذا تخويف لأهل مكّة؛ أي كم أهلكنا من قوم هم أشدّ منهم بطشا، ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ؛﴾ أي ساروا وتقلّبوا وطافوا في البلاد. وأصله من النّقب وهو الطريق؛ وكأنّهم سلكوا كلّ طريق فلم يجدوا مخلصا عن أمر الله. قال الزجّاج: (لم يروا مخلصا من الموت، كأنّهم ضربوا في الأرض مع شدّة شوكتهم وبطشهم، وفي هذا إنذار لأهل مكّة أنّهم على مثل سبيلهم لا يجدون مفرّا من الموت، يموتون فيصيرون إلى عذاب الله) (٢). قرأ الحسن: «(فنقبوا)» بالتخفيف، وقرأ السّلمي على اللفظ الأمر على التهديد والوعيد؛ أي أقبلوا في البلاد وأدبروا يا أهل مكّة وتصرّفوا منها كلّ متصرّف، وسيروا في الأرض فانظروا، ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى؛﴾ أي إنّ ما صنع بهم من هلاك القرى لعبرة وعظة؛ ﴿لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ،﴾ عقل وحزم وبصيرة، ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ؛﴾ أي استمع ما يقال له على جهة التّفهّم، يقول العرب: ألق سمعك؛ أي استمع منّي؛ ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٣٧)؛أي شاهد القلب حاضره غير غافل ولا ساه.

стр. 2595

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (٣٨)؛واللّغوب هو التّعب، وذلك أنّ اليهود لعنهم الله قالوا: خلق الله السموات والأرض في ستّة أيّام، أوّلها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، فأعيا واستراح يوم السبت! فذلك لا يعمل فيه شيئا. فأكذبهم الله بقوله ﴿(وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ)﴾،واللّغوب هو التعب، وسبحان الله أن يوصف بتعب أو نصب. قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ؛﴾ أي اصبر يا محمّد على ما يقولون من الأذى والتكذيب، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال، قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ؛﴾ أي صلّ بأمر ربك واحمده، ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٣٩)؛أراد بذلك صلاة الفجر وصلاة العصر. وقيل: معناه: قبل الغروب: الظهر والعصر، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ؛﴾ يعني: صلاة المغرب والعشاء. وسمّيت الصلاة تسبيحا لما فيها من التسبيح: (سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى). وقوله تعالى: ﴿وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ (٤٠)؛يعني الرّكعتين بعد المغرب وقبل الوتر. وقيل: التسبيح في أواخر الصّلاة، يسبحون الله ثلاثا وثلاثين، ويحمدون ثلاثا وثلاثين، ويكبرون ثلاثا وثلاثين. وعن رسول الله ﷺ : [أنّه كان يقول في آخر صلاته عند انصرافه: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ .. ﴾. إلى آخر السّورة] (١). وعن الشعبيّ والأوزاعيّ أنّهما قالا: (أدبار السّجود الرّكعتان بعد المغرب، وأدبار النّجوم: الرّكعتان قبل الفجر) (٢).وقال ابن زيد: (معنى قوله ﴿(أَدْبارَ السُّجُودِ)﴾ وهو النّوافل، وأدبار المكتوبات) (٣).

стр. 2596

قرأ الحسن وأبو عمرو ويعقوب وعاصم والكسائيّ وابن عامر: (وأدبار) بفتح الألف جمع الدّبر. وقرأ الباقون بالكسر على المصدر من أدبر يدبر إدبارا. قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ (٤١)؛أي استمع يا محمّد صيحة القيامة والبعث والنّشر، ويوم النداء هو يوم صيحة إسرافيل، وهو يوم النّفخة الأخيرة، يقوم فيه على صخرة بيت المقدس فينفخ في الصّور، والصّخرة أقرب مكان من الأرض إلى السّماء باثني عشر ميلا كذا قال الكلبيّ. وفي الحديث: [أنّه ينادي: أيّتها العظام البالية، والعروق المتمزّقة، والشّعور المتفرّقة، أخرجن لفصل القضاء فيكنّ، فيخرجون على وجه الأرض] (١). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي بالبعث، وقيل: إنّها كائنة بالحقّ، ﴿ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (٤٢)؛أي من القبور إلى المحشر. قوله تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ؛﴾ أي نحيي الأموات ونميت الأحياء، ﴿وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ (٤٣)؛في الآخرة للجزاء. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً؛﴾ أي تتصدّع عنهم مسرعين، والمعنى يوم تشقّق الأرض عنهم خارجين سراعا يسرعون إلى الدّاعي، ﴿ذلِكَ؛﴾ الحشر، ﴿حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ (٤٤)؛أي هيّن وسهل. قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ؛﴾ يا محمّد من تكذيبك من أمر البعث وغير ذلك، يعني كفّار مكّة، ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ؛﴾ أي بمسلّط قهّار تجبرهم على الإسلام، إنما بعثت مذكّرا محذّرا، وذلك قبل أن يؤمر بالقتال، قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ؛﴾ أي عظ به، ﴿مَنْ يَخافُ وَعِيدِ﴾ (٤٥)؛وإنما خصّ الخائفين بالوعظ؛ لأنّهم هم الذين ينتفعون بذلك، والمعنى: ذكّر بالقرآن من يخاف ما وعدت من عصاني من العذاب. آخر تفسير سورة (ق) والحمد لله رب العالمين

стр. 2597

سورة الذّاريات سورة الذاريات مكّيّة، وهي ألف ومائتان وسبعة وثمانون حرفا، وثلاثمائة وستّون كلمة، وستّون آية. قال ﷺ : [من قرأ الذاريات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ ريح هبّت وجرت في الدّنيا] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالذّارِياتِ ذَرْواً﴾ (١)؛يعني الرّياح تذروا التراب، وتهشم النبات؛ أي تفرّقه، وهي مخفوضة على القسم. قوله تعالى: ﴿فَالْحامِلاتِ وِقْراً﴾ (٢)؛ يعني السّحاب تحمل ثقلا من ماء المطر، فتصير كالموقدة، والوقر بكسر الواو الحمل، والوقر بفتح الواو الثّقل في الأذن. قوله تعالى: ﴿فَالْجارِياتِ يُسْراً﴾ (٣)؛يعني السّفن تجري في الماء جريا سهلا مع عظمها. قوله تعالى: ﴿فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً﴾ (٤)؛يعني الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق على ما أمروا به من الأرزاق وغيرها. أقسم الله بهذه الأشياء لما فيها من الدّلالة على صنعته وقدرته. قوله تعالى: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ (٥)؛يعني إنّ الذي توعدون من الثّواب والعقاب لصادق، ﴿وَإِنَّ الدِّينَ؛﴾ أي الجزاء، ﴿لَواقِعٌ﴾ (٦)؛كائن يوم القيامة.

стр. 2598

وعن عليّ ﵁ أنّه قال ذات يوم في خطبة: (سلوني فو الله لا تسألوني عن شيء من القرآن إلاّ وسأخبركم به. فقال رجل: يا أمير المؤمنين؛ ما الذاريات ذروا؟ فقال: الرّياح. وقال: ما الحاملات وقرا؟ قال: السّحاب. قال: ما الجاريات يسرا؟ قال: السّفن. قال: ما المقسّمات أمرا؟ قال: الملائكة) (١). وعن الأعرج قال: (بلغنا أنّ مساكن الرّياح تحت أجنحة الكروبيّين حملة الكرسيّ، فتهيج من ثمّ فتقع بعجلة الشّمس، ثمّ تهيج من عجلة الشّمس فتقع برءوس الجبال، ثمّ تهيج من رءوس الجبال فتقع في البرّ، وأمّا الشّمال فإنّها تمرّ بجنّة عدن، فتأخذ من عرف طيبها، فتمرّ على أرواح الصّدّيقين، ثمّ يكون مهبّها من كرسي بنات نعش إلى مغرب الشّمس، وتهبّ الدّبور من مغرب الشّمس إلى مطلع سهيل، وتهبّ الصّبا من مطلع الشّمس إلى مغرب بنات نعش، لا تدخل هذه في حدّ هذه، ولا هذه في حدّ هذه) (٢). قوله تعالى: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ﴾ (٧)؛هذا قسم آخر، ومعناه: والسّماء ذات الخلق الحسن المستوي، هذا قول عكرمة، قال: (ألم تر إلى النّسّاج إذا نسج الثّوب فأجاد نسجه، قيل: ما أحسن حبكه!) (٣)،وبه قال ابن عبّاس وقتادة والربيع (٤).وقال سعيد بن جبير: (ومعناه: ذات الزّينة) (٥). وقال مجاهد: (والسّماء ذات البنيان المتقن) (٦).وقال الضّحاك: (ذات الطّريق الّتي ترى فيها كحبك الماء إذا ضربته الرّياح، وحبك الرّمل إذا سفّته الرّيح، وحبك الشّعر الجعد، وحبك الثّوب الحسن النّسيج) (٧).

стр. 2599

والحبوك في اللغة: ما أجيد عمله، وواحد الحبك حباك، مثل مثال ومثل. ويجوز أن يكون واحدة حبيكة مثل طريقة وطرق (١).وقيل: الحبك طريق الملائكة، وقال الحسن: (حبكها زيّنها بالنّجوم).وقيل: (ذات الحبك) أي ذات الخلق الشّديد، قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ (٨)؛هذا جواب القسم الثاني، والمعنى: إنّكم يا أهل مكّة لفي قول مختلف من بين مصدّق بالنبيّ ﷺ ومكذّب به، ومتوقّف في أمره، وبعضكم يقول في محمّد: هو شاعر، وبعضكم يقول: مجنون، وفي القرآن يقول بعضكم: هو سحر، وبعضكم يقول: هو كهانة، وبعضكم يقول: هو أساطير الأوّلين. قوله تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ (٩)؛أي ينصرف عن الإيمان من صرف حتى يكذّب به، يعني بذلك من حرمه الله الإيمان بمحمّد ﷺ والقرآن. قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرّاصُونَ﴾ (١٠)؛أي لعن الكذابون، وقال ابن عبّاس: (المرتابون) (٣)،والقتل إذا أخبر به عن الله كان بمعنى اللّعن؛ لأنّ من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك، كما قال الله ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ (٤) أي لعن. والخرّاصون: هم الكذابون. قال الفرّاء: (والمراد بهم ههنا الّذين قالوا: محمّد شاعر وكذاب ومجنون وساحر) (٥).والخارص: هو الذي يقطع في الأمور والحكم بمقداره بالتّخمين، يعني من غير علم، ومنه خارص الذي يقطع في مقداره بغير حقيقة.

стр. 2600

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ﴾ (١١)؛نعت لهم، والغمرة هي الجهل، ومنه الغمر الجهل، والسّاهي هو الغافل عن أمر الآخرة. والمعنى: الذين هم في غفلة وعمى وجهالة عن أمر الآخرة، ساهون لاهون. قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَ أَيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ (١٢)؛أي يسألون متى يكون الجزاء على وجه الإنكار، يقولون: يا محمّد متى يوم الجزاء، تكذيبا منهم واستهزاء، فأجيبوا بما يسوءهم، فقيل: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ (١٣)؛أي يحرقون وينضجون ويعذبون بها. يقال: فتنت الذهب إذا أحرقت الغشّ الذي فيه، والكفار غشّ كلّهم فيحرقون، ويقول لهم خزنة النار: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ؛﴾ أي حريقكم وعذابكم، ﴿هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (١٤)؛في الدّنيا تكذيبا به. وإنّما لم يقل: فتنتكم هذه؛ لأنّ الفتنة ههنا بمعنى العذاب، فردّ الإشارة إلى المعنى. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي قابلين ما أعطاهم ربّهم من كرامة في الجنّة. وقيل: معناه: عاملين بما أمرهم ربّهم في الدّنيا، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ (١٦)؛في الدّنيا في أعمالهم. وقوله تعالى: ﴿كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ (١٧)؛أي ما ينامون، هذا بيان إحسانهم. والهجوع: النّوم باللّيل دون النّهار، و (ما) زائدة، والمعنى: كانوا يهجعون قليلا من اللّيل ويصلّون أكثر اللّيل. وقيل: معناه: قلّ ليلة أتت عليهم هجعوها كلّها، وقال مجاهد: (كانوا لا ينامون كلّ اللّيل) (١). واختار قوم الوقف على قوله ﴿(كانُوا قَلِيلاً)﴾ على معنى: كانوا من الناس قليلا، وهو قول الضحّاك ومقاتل (٢).ثم ابتدأ فقال: ﴿(مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ)﴾ وهذا على نفي النوم عنهم البتّة. وقيل: معناه: كانوا لا ينامون حتى يصلّوا العتمة، وقال أنس بن

стр. 2601

مالك ﵁: (يصلّون ما بين المغرب والعشاء) (١).وعن جعفر بن محمّد أنه قال: (من لم يهجع ما بين المغرب والعشاء فهو منهم)،عن أبي ذرّ (٢) قال: سألت رسول الله: أيّ صلاة اللّيل أفضل؟ قال: [نصف اللّيل وقليل فاعله] (٣). قوله تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (١٨)؛قال الحسن: (كانوا يمدّون الصّلاة إلى العصر ثمّ يأخذون في الاستغفار بالأسحار) (٤). وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (١٩)؛يعني بذلك الحقّ الزكاة، فليس عليهم من سواها، والسائل: هو الذي يسأل الناس، والمحروم: هو الذي لا يسأل، يحرم نفسه بترك سؤاله، ويحرمه الناس بترك إعطائه. وقال إبراهيم: (المحروم: هو الّذي لا سهم له في الغنيمة) (٥)،وقال زيد بن أسلم: (هو المصاب ثمره أو زرعه أو نسل ماشيته) (٦)،ويقال: هو صاحب الحاجة بذهاب ماله بدليل قوله ﴿إِنّا لَمُغْرَمُونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (٧). عن أبي قلابة قال: (كان رجل من أهل اليمامة له مال، فجاء سيل فذهب ماله، فقال رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ هذا المحروم فأقسم له) (٨).وقال قتادة

стр. 2602

والزهري: (هو المتعفّف الّذي لا يسأل) (١)،وقد ذكر النبيّ ﷺ فقال: [لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن لحاجته فيتصدّق عليه] (٢). وعن عبد الله بن عمر والشعبيّ والحسن ومجاهد أنّهم قالوا: (في المال حقّ واجب سوى الزّكاة) (٣)،وهي الحقوق الّتي تلزم عند ما يعرض من الأموال من النّفقة على الوالدين إذا كانا فقيرين، وعلى ذي الرّحم المحرم، وما يجب من إطعام المضطرّ وحمل المنقطع وغير ذلك. قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ (٢٠)؛آيات الأرض جبالها وأنهارها واختلاف نباتها وبحارها وأشجارها، بذلك كلّه دلائل توحيد الله لمن أيقن. قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٢١)؛معناه: وفي أنفسكم آيات إذ كانت نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما إلى نفخ الروح. وقال عطاء: (يعني اختلاف الألسنة والصّور والألوان والطّبائع).وقال ابن الزّبير: (هو أن يأكل ويشرب من مكان واحد، ثمّ يخرج بعد ذلك من مكانين، مكان الغائط ومكان البول، حتّى أنّه لو شرب لبنا محضا خرج ماء) (٤).وقوله تعالى ﴿(أَفَلا تُبْصِرُونَ)﴾ أي أفلا تنظرون بقلوبكم نظر من كان يرى الحقّ بعينه. قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ؛﴾ يعني المطر الذي هو سبب النبات، والنبات هو مما قسمه الله تعالى للعباد وكتبه في السّماء، أخبر الله تعالى أنّ أرزاق العباد حيث لا يأكله السّوس ولا تناله اللّصوص، فقال تعالى ﴿(وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ)﴾.

стр. 2603

وعن واصل الأحدب (١) أنّه قرأ هذه الآية فقال: (إنّي أرى رزقي في السّماء وأنا أطلبه في الأرض، فدخل خربة فمكث فيها ليالي لا يصيب شيئا، فلمّا كان يوم الرابع إذ هو خوص صرّة من دوخلّة رطب (٢)،فلم يزل كذلك حتّى مات) (٣). قوله تعالى: ﴿وَما تُوعَدُونَ﴾ (٢٢)؛قال عطاء: (معناه: وفي السّماء ما توعدون من الثّواب والعقاب مكتوب)،وقال الكلبيّ: (وما توعدون من الخير والشّرّ)،وقال مجاهد: (الجنّة والنّار). قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (٢٣) أقسم الله تعالى بنفسه، والذي بيّنه من أمر الرّزق وغيره (لصدق) كان نطقكم الذي هو الصدق من كلمة التّوحيد ونحوها حقّ قرأه أهل الكوفة «(مثل ما أنّكم)» برفع (مثل) على أنّه صفة لقوله (لحقّ).وقرأ الباقون بالنصب على الترك على معنى إنه يحقّ حقّا ﴿(مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)﴾؛وقيل: تقديره: كمثل ما أنّكم تنطقون. وقال بعض الحكماء: معنى قوله: ﴿(مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)﴾ أي كما أنّ كلّ إنسان لا ينطق بلسان غيره، كذلك لا يأكل إنسان رزق غيره والذي قدّر له، ولا يأكل إلاّ رزق نفسه، كما لا يتكلّم إلاّ بلسان نفسه. قال الحسن: (بلغني أنّ رسول الله ﷺ قال: [قاتل الله أقواما أقسم لهم ربّهم بنفسه فلم يصدّقوه] (٤)،وعن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لو أنّ أحدكم فرّ من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت] (٥)،قال الشاعر (٦):

стр. 2604

أسعى لأطلبه والرّزق يطلبني ... والرّزق أكثر لي منّي له طلبا قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٢٤)؛أي قد أتاك يا محمّد أضياف إبراهيم ﵇ الذي أكرمهم بخدمته وقيامه بين أيديهم، قال ابن عبّاس ومقاتل: (معنى الآية: قد أتاك ولم يكن إذ ذاك آتاك إيّاه) (١)،وقوله تعالى (المكرمين) يعني عند الله. وذكر ابن عبّاس: (أنّ أضياف إبراهيم: إسرافيل وجبرائيل وميكائيل) (٢).وقال مقاتل: (يعني بقوله (المكرمين) أي أكرمهم إبراهيم فأحسن عليهم القيام، وكان لا يقوم على رأس ضيف، فلمّا رأى هيئتهم حسنة قام هو وامرأته سارة لخدمتهم) (٣). وقال الكلبيّ: (أكرمهم بالعجل).قال ﷺ : [من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت] (٤). قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ؛﴾ وهم جبرائيل ومعه من الملائكة، قال ابن عبّاس ومقاتل: (كانوا اثنى عشر ملكا) (٥)،وقال محمّد بن كعب: (كانوا سبعة ما خلا جبرائيل)،وقال عطاء: (كانوا ثلاثة: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل) (٦). قوله تعالى: ﴿فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ (٢٥)؛معناه: سلّموا عليه سلاما. وقيل: قالوا أسلم سلاما؛ كأنّهم آنسوه من الوجل. فقال سلام منكم؛ أي أمنت بما جاءني من السّلام. قوله تعالى: ﴿(قَوْمٌ مُنْكَرُونَ)﴾ أي إنه لم يعرفهم لأنه ظنّ أنّهم من الإنس.

стр. 2605

قوله تعالى: ﴿فَراغَ إِلى أَهْلِهِ؛﴾ أي عدل ومال إلى سارة من حيث لم يعلم أضيافه لأيّ شيء عدل، ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ (٢٦)؛أي كثير الشّحم فوضعه بين أيديهم، قال قتادة: (وكان عامّة مال إبراهيم البقر) (١) ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ؛﴾ ليأكلوه، فلم يأكلوا، ﴿قالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ (٢٧)؛من طعامي، ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً؛﴾ أي فأضمر في نفسه خيفة منهم حيث لم يأكلوا من طعامه، ظنّ أنّهم يريدون به سوء، فلمّا علموا خوفه، ﴿قالُوا لا تَخَفْ؛﴾ إنّا رسل ربك، ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ (٢٨)؛حليم في صغره، عليم في كبره وهو إسحاق ﵇. قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ؛﴾ أي في ضجّة وصيحة؛ أي أخذت تولول؛ أي تقول: يا ويلتا. وقيل: الصّرّة جماعة النساء، مأخوذ من الصّرّة التي هي مجمع الدراهم، ومنه الشّاة المصراة، وقوله تعالى: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ (٢٩)؛قال مقاتل والكلبي: (جمعت أصابعها فضربت جنبيها تعجّبا) (٢). ومعنى الصّكّ: الضرب للشيء بالشيء العريض، والصّرة مأخوذ من الصّرّ وهو الصوت، كأنّها جاءت بشدّة الصياح فلطمت وجهها وهي تقول: أألد وأنا عجوز عاقرة، وكانت يوم البشرى بنت ثمان وتسعين سنة، وكان إبراهيم أكبر منها بسنة. ومعنى قوله تعالى: ﴿(وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ)﴾؛تقديره: أتلد عجوز عقيم، وكانت سارة لم تلد قبل ذلك، وكان بين البشارة والولادة سنة، فولدت سارة وهي بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم يومئذ ابن مائة سنة. قوله تعالى: ﴿قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ؛﴾ أي كما قلنا لك إنّك ستلدين غلاما عليما، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ (٣٠)؛الحكيم من العقيم بالولد

стр. 2606

وغير العقيم، العليم بمصالح العباد. والعقيم في النّساء هي التي لا تأتي بالولد، وفي الرّياح هي التي لا تأتى بالمطر، ولا يكون فيها الخير. قوله تعالى: ﴿*قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (٣١)؛أي قال إبراهيم: ما شأنكم وفيما أرسلتم، ﴿قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ (٣٢)؛ كافرين لنهلكهم بكفرهم وعملهم الخبيث، أرادوا بذلك قوم لوط. قوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ﴾ (٣٣)؛ أراد به الحجارة المطبوخة كالآجرّ، ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ (٣٤)،والمسوّمة المعلّمة. روي: أنّها كانت مخطّطة بسواد في حمرة، وكان على كلّ حجر اسم من جعل إهلاكه. والمسرف هو الخارج من الحقّ، والشّرك أسرف الذنوب وأعظمها. قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣٥)؛أراد به لوطا ومن كان معه آمن وهما ابنتاه، وهما زعورا وريثا، أمرهم الله تعالى بأن يخرجوا بقطع من الليل، ومعنى قوله تعالى ﴿(مَنْ كانَ فِيها)﴾ أي في قرية لوط، وذلك قوله ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ (١) أمر الله لوطا بأن يخرج هو ومن معه من المؤمنين لئلاّ يصيبهم العذاب. قوله تعالى: ﴿فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣٦)؛أي غير أهل بيت من المسلمين، يعني لوطا وبنتيه، وصفهم الله بالإيمان والإسلام جميعا؛ لأنه ما من مؤمن إلاّ وهو مسلم، والمراد بالإسلام ههنا الإيمان. قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً؛﴾ أي وتركنا في مدينة قوم لوط ﵇ علامة، ﴿لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (٣٧)؛تدلّهم على أنّ الله أهلكهم فيخافون مثل عذابهم، فإن اقتلاع البلدان لا يقدر عليه أحد إلاّ الله. قوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (٣٨)؛ أي وفي خبر موسى ﵇ وقضيّته مع فرعون آية أيضا، وقوله تعالى ﴿(بِسُلْطانٍ مُبِينٍ)﴾ أي بحجّة ظاهرة وهي العصا واليد.

стр. 2607

قوله تعالى: ﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ؛﴾ أي أعرض فرعون عن الإيمان به بجمعه وجنده الذين كان يتقوّى كالرّكن الذي يتقوّى به البنيان، ﴿وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ (٣٩)،ونسب موسى إلى السّحر والجنون مع ظهور حجّته عليه. قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ؛﴾ أي فعاقبناه وجموعه فطرحناهم في البحر وأغرقناهم، ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ (٤٠)؛أي وهو مستوجب الملامة؛ لأنه أتى بما يلام عليه حين ادّعى الرّبوبيّة وكذب الرّسل. قوله تعالى: ﴿وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ (٤١)؛أي وفي خبر قوم هود آية أيضا، حين أرسلنا عليهم الدّبور والعقيم التي لا خير لهم فيها ولا بركة ولا تلقح شجرا ولا تحمل مطرا، إنما هي ريح الهلاك، وكانت تلك الريح التي أهلكت بها عاد ريح الدّبور، قال ﷺ : [نصرت بالصّبا وأهلكت عاد بالدّبور] (١). وقوله تعالى: ﴿ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (٤٢)؛ معناه: ما تترك من شيء مرّت عليه من أنفسهم وأنعامهم إلاّ جعلته كالحطيم البالي المنسحق. ويقال: الرّميم: هو الورق اليابس المتحطّم مثل الهشيم الذي يسير كالهباء بأيسر ما تجري عليه. قال قتادة: (معناه: إلاّ جعلته كالرّميم الشّجر)،وقال أبو العالية: (كالتّراب المدقّق)،وقال ابن عبّاس: (كالشّيء الهالك) (٢)،وفي الحديث: [أنّ تلك الرّيح كانت تتبع مسافريهم وما شدّ من متاعهم فتحمله فتلقيه في وادي صنعاء، ولم تضرّ غريبا ليس منهم] (٣).

стр. 2608

قوله تعالى: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ (٤٣)؛أي في خبر ثمود وإهلاكهم آية أيضا، إذ قيل لهم تمتّعوا إن أطعتم الله إلى آجالكم، ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ،﴾ فأعرضوا عن قبول أمر الله، فأخذهم العذاب المحرق وهم ينظرون إلى أنفسهم وإلى قومهم يحترقون في العذاب. وقيل: معناه: لما عقروا الناقة قال لهم صالح: تمتّعوا ثلاثة أيام، وهو قوله ﴿(حَتّى حِينٍ)﴾،والتّمتّع: التّلذّذ بأسباب اللّذة من المناظر والروائح الطيّبة وأشباه ذلك. قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ؛﴾ يعني بعد مضيّ ثلاثة أيّام. والصّاعقة: كلّ عذاب مهلك، وقرأ الكسائيّ «(الصّعقة)» وهي الصوت الشّديد، ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (٤٤)؛ذلك عيانا، ﴿فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ؛﴾ ما قدروا على النّهوض من مقامهم حين غشيهم العذاب فيردّوه، ﴿وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ (٤٥)؛أي ما كانت لهم قوّة يمتنعون بها منّا، ولا كانوا طالبين ناصرا لهم يمنعهم من عذاب الله. قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ؛﴾ فيه قراءتان، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف «(وقوم)» بالخفض؛ أي وفي قوم نوح وهلاكهم بالطّوفان آية أيضا، وقرأ الباقون بالنّصب على معنى: وأهلكنا قوم نوح من قبل عاد وثمود. وقيل: نصب على تقدير: واذكر قوم نوح من قبل عاد وثمود وقوم فرعون، ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ (٤٦)؛أي خارجين من طاعة الله. وقيل: انتصب قوله ﴿(وَقَوْمَ نُوحٍ)﴾ على قراءة النصب عطفا على الهاء والميم في قوله ﴿(فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ)﴾ كأنه قال وأغرقنا فرعون وجنوده، وأغرقنا قوم نوح من قبل (١). قوله تعالى: ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ؛﴾ أي بقدرة وقوّة، ﴿وَإِنّا لَمُوسِعُونَ﴾ (٤٧)؛في السّماء على الأرض في كلّ جهات، ونحن نقدر على أكثر من ذلك، ولم يكن هذا جهد قوّتنا، وقال الحسن: (وإنّا لموسعون الرّزق على من فوقها ومن تحتها).

стр. 2609

قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْناها؛﴾ أي بسطناها على الماء، ﴿فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ (٤٨)؛الفارشون، والماهد في اللغة: هو الموظّب للشّيء المهيّئ لما يصلح الاستقرار عليه. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ؛﴾ أي ومن كلّ شيء خلقنا من الحيوان ذكرا أو أنثى، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٤٩).وقيل: المراد بالزّوجين صنفين ولونين من حلو وحامض وأبيض لكي يعتبروا ويتّعظوا بذلك، ويعلموا أنه ليس مع الله تعالى إله غيره. قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ؛﴾ أي اهربوا من عقابه إلى رحمته بالإخلاص في طاعته وترك ما يشغلكم عن أوامره. وقيل: معناه: ففرّوا إلى الله من ذنوبكم واهربوا من الكفر إلى الإسلام، ومن العصيان إلى الطاعة، ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٥٠)؛أنذركم العقاب على الكفر والمعصية وأخوّفكم عذاب الله بلغة تعرفونها متى تركتم الفرار إلى الله من الله، ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ؛﴾ أي تصفوه بالشّريك والولد، ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٥١)؛رسول أخوّفكم لتمتنعوا أن تجعلوا مع الله إلها آخر غيره. قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ (٥٢)؛أي كما نسبك قومك إلى السّحر مرّة والجنون أخرى، هكذا ما أتى الذين من قبل قومك من رسول دعاهم إلى الله إلاّ قالوا لذلك الرسول: هو (ساحر أو مجنون). يقول الله تعالى: ﴿أَتَواصَوْا بِهِ؛﴾ معناه: أتواصوا بهذا القول فتوافقوا عليه وأوصى كلّ قوم من بعدهم أن يقولوا مثل هذا لرسولهم، هذا اللفظ لفظ الاستفهام، ومعناه: التوبيخ والإنكار. قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ (٥٣)؛يعني أهل مكّة قوم طاغون. قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ (٥٤)؛أي أعرض يا محمّد عن هؤلاء المشركين، فما أنت عندنا بملوم، فأنّك قد بلّغت وأنذرت،

стр. 2610

بالقرآن تنفع المؤمنين وتزيدهم صلاحا، يعني تنفع من علم الله أن يؤمن منهم. وقال الكلبيّ: (معناه: عظ بالقرآن من آمن من قومك، فإنّ الذّكرى تنفع المؤمنين) (١). قوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥٦)؛يعني: ما خلقتهم لجرّ منفعة ولا لدفع مضرّة ولا الاستكثار بهم من قلّة، وما خلقتهم إلاّ لآمرهم بعبادتي وأنهاهم عن معصيتي، ولو أنّهم خلقوا لعبادة ربهم لما عصوا ربّهم طرفة عين. وقال ابن عبّاس: (هذه الآية خاصّة لأهل طاعة الله لأنّه تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (٢)). وقرأ ابن عبّاس: «(وما خلقت الجنّ والإنس من المؤمنين إلاّ ليعبدون)»،وقال عليّ بن أبي طالب: (معنى الآية: ما خلقتهم إلاّ لآمرهم ليعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي) (٣). قوله تعالى: ﴿ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (٥٧)؛أي لم يكلّفهم أن يرزقوا أنفسهم، ولا أحدا من خلقي، ولم أكلّفهم أن يرزقوني، ولا يعينوني على عطاء الرزق لعبادي. والمعنى: ما أريد منهم أن يرزقوا أحدا من خلقي، ولا أن يرزقوا أنفسهم، وما أريد أن يطعموا أحدا من خلقي، ولا أن يطعموا أنفسهم، وإنما أسند الإطعام إلى نفسه؛ لأن الخلق عيال الله، فمن أطعم عيال أحد فقد أطعمه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٥٨)؛معناه: إنّ الله هو الرزّاق جميع خلقه، ذو القوّة والاقتدار على جميع ما خلق، (المتين) يعني القويّ. قرأ العامّة «(المتين)» بالرفع (ذو) أو هو الله سبحانه (٤)،وقرأ الأعمش «(المتين)»

стр. 2611

بالخفض على نعت القوّة، وكان من حقّه أن يقول: المتينة، وإنما ذكره لأنه ذهب به إلى الشيء المبرم المحكم (١). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ (٥٩) أخبر الله تعالى بهذا أن لمشركي مكّة من العذاب مثل ما لغيرهم من الأمم الكافرة. والمعنى: فإنّ للذين كفروا نصيبا من العذاب مثل نصيب أصحابهم الذين هلكوا نحو قوم نوح وعاد وثمود. وأصل الذنوب الدّلو المملوءة بالماء، قال ابن قتيبة: (كانوا يسقون فيكون لكلّ واحد ذنوب) (٢)،فجعل الذنوب مكان الحظّ والنصيب، قال الشاعر: لنا ذنوب ولكم ذنوب ... فإن أبيتم فلنا القليب وقال آخر (٣): لعمرك والمنايا طارقات ... لكلّ بني أب منها ذنوب وقوله تعالى ﴿(فَلا يَسْتَعْجِلُونِ)﴾ أي لا يستعجلوني بالعذاب، فإنّي قد أخّرتهم إلى يوم القيامة، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ (٦٠)؛يعني يوم القيامة. آخر تفسير سورة (والذاريات) والحمد لله رب العالمين

стр. 2612

سورة الطّور سورة الطّور مكّيّة، وهي ألف وخمسمائة حرف، وثلاثمائة واثنتي عشرة كلمة، وتسع وأربعون آية. قال ﷺ : [من قرأ سورة الطّور كان حقّا على الله أن يؤمّنه من عذابه وأن ينعّمه من جنّته] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ (٢)؛الطور هو الجبل الذي كلّم الله موسى وهو بمدين بالأرض المقدّسة، واسمه زبير، وكلّ جبل فهو طور بالسّريانية، قال أبو عبيدة: (الطّور الجبل بالعربيّة؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ (٢)).والكتاب المسطور: هو اللّوح المحفوظ المتضمّن كلّ الأمور. وقوله تعالى: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ (٣)؛يعني اللّوح أيضا تنشره الملائكة للدراسة وليعلموا ما فيه. وقيل: الكتاب المسطور: صحائف أعمال بني آدم يوم القيامة، فيعطى كلّ واحد كتابه بيمينه أو بشماله، ونظيره ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً﴾ (٤).

стр. 2613

قوله تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ (٤)؛هو بيت في السّماء الرابعة بحيال الكعبة، معمور لحسن الثناء وزيارة الملائكة، حرمته في السّماء كحرمة الكعبة في الأرض، ما بينه وبين الكعبة إلى نجوم الأرض السابعة حرم يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه أبدا، لو سقط منه حجر لوقع على ظهر الكعبة. ويقال: البيت المعمور هو الكعبة، معمور بزيارة الناس إياه. قوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ (٥)؛يعني السّماء، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ (١) سمّاها سقفا؛ لأنّها للأرض كالسّقف للبيت. قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (٦)؛يعني الموقد المحميّ، بمنزلة التّنّور المسجور، كأنه قال: والبحر المملوء بالنّار الموقدة، كما روي عن عليّ ﵁ أنه قال: (هو بحر حارّ يفتح يوم القيامة في جهنّم)،وعن رسول الله ﷺ أنّه قال: [لا يركب البحر إلاّ حاجّ أو معتمر أو مجاهد في سبيل الله، فإنّ تحت البحور نار] (٢). وقال قتادة: (المسجور: المملوء)،وفي الحديث: [أنّ الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار كلّها نارا، فيسجرها في جهنّم].وعن ابن عبّاس أنه قال: (المسجور المحبوس). وعن عليّ ﵁ أنّه قال: (البحر المسجور بحر فوق السّماء السّابعة تحت العرش، عمقه كما بين السّماء السّابعة إلى الأرض السّابعة وهو بحر غليظ، سمّي الحيوان يحيي به الله الخلائق يوم القيامة يوم البعث تمطر أربعين صباحا فينبتون به في قبورهم). أقسم الله بهذه الأشياء لما فيها من الدّلالة الواضحة على وحدانيّة الله تعالى وعظم قدرته على أنّ تعذيب المشركين حقّ، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ (٧)؛أي كائن في الآخرة واقع بأهله، ﴿ما لَهُ مِنْ دافِعٍ﴾ (٨)؛ يدفعه عنهم.

стр. 2614

ثم بيّن متى يقع بهم ذلك العذاب فقال: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً﴾ (٩) أي تدور دورانا وتضطرب وتتحرّك، والمور في اللغة: الذهاب والمجيء والتردّد والدوران. قيل: إنّها تدور كما تدور الرّحى، ويموج بعضها في بعض. قوله تعالى: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً﴾ (١٠)؛أي تسير الجبال على وجه الأرض كما يسير السّحاب في الدّنيا فيستوي بالأرض. وقيل: معناه: تزول الجبال عن أماكنها وتصير هباء منثورا، ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (١١)؛أي فشدّة العذاب يومئذ للمذنبين، ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (١٢)؛يخوضون في حديث محمّد بالتّكذيب والاستهزاء، يلهون بذكره. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ (١٣)؛أي يدفعون إلى نار جهنّم دفعا على وجوههم يحفّونه (١)،قال مقاتل: (تغلّ أيديهم إلى أعناقهم وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، ثمّ يدفعون إلى نار جهنّم دفعا على وجوههم، حتّى إذا دنوا منها قال لهم خزنتها: ذوقوا عذاب النّار الّتي كنتم بها تكذّبون في الدّنيا) (٢). والدّعّ: هو الدفع بشدّة وعنف، تدفعهم الملائكة فيلقونهم في النار على وجه الاستخفاف، ويقولون لهم: ﴿هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ (١٤). قرأ أبو رجاء العطاردي: «(يوم يدعون إلى نار جهنّم دعا)» بالتخفيف من الدّعاء. وتقول لهم ملائكة العذاب: ﴿أَفَسِحْرٌ هذا؛﴾ كما كنتم تزعمون في الدّنيا وتنسبون الأنبياء ﵈ إلى ذلك، ﴿أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ (١٥)،أي قد غطّى على أبصاركم، وهذا على وجه التّوبيخ، والمعنى: أتصدّقون الآن أنّ عذاب الله واقع، ويقال لهم: ﴿اِصْلَوْها؛﴾ أي اصلوا النار، الزموها وقاسوا شدّتها، ﴿فَاصْبِرُوا؛﴾ على العذاب، ﴿أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ؛﴾ الصبر والجزع، ﴿إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٦)؛من الكفر والتكذيب.

стр. 2615

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ؛﴾ أي فاكهين؛ أي ذووا فاكهة كثيرة، وفكهين متعجّبين ناعمين، ﴿وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ (١٨)؛أي ضرّه عنهم، يقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٩)؛أي كلوا أكلا هنيئا، واشربوا شربا هنيئا، مأمون العافية من التّخمة والسّقم. وقيل: انتصب قوله تعالى: (هنيئا) لأنه في صفة المصدر؛ أي هنئتم هنيئا، وهو أن يكون خالصا من جميع الآفات وأسباب التّنغيص. قال زيد بن أرقم: جاء رجل من أهل الكتاب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا أبا القاسم؛ تزعم أنّ أهل الجنّة يأكلون ويشربون. فقال: [والّذي نفسي بيده؛ إنّ الرّجل منهم ليؤتى قوّة مائة رجل في الأكل والشّرب والجماع] قال الرّجل: فإنّ الّذي يأكل ويشرب يكون منه الغائط؟ فقال ﷺ : [ذاك عرق يفيض مثل ريح المسك، فإذا كان ذلك ضمر له بطنه] (١). قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ؛﴾ في ذكر حالهم معناه: جالسين جلسة الملوك على سرر قد صفّ بعضها إلى بعض، وقوبل بعضها ببعض، ﴿وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (٢٠)؛الحور: البيضاء نقيّة البياض من الحسن والكمال، والعين: الواسعات الأعين. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ؛﴾ يعني أولادهم الصّغار والكبار؛ لأن الكبار يتبعون الآباء بإيمانهم منهم، والصغار يتبعون الآباء بإيمان من الآباء، والولد يحكم له بالإسلام تبعا للوالد، ﴿أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ؛﴾ يرفعون إليهم لتقرّ بهم أعينهم وإن كانوا دونهم في العمل تكرمة لآبائهم.

стр. 2616

وعن عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ المؤمنين وأولادهم في الجنّة، والمشركين وأولادهم في النّار] (١).وروي: أنّ خديجة بنت خويلد سألت النّبيّ ﷺ عن ولدين ماتا لها في الجاهليّة، فقال النّبيّ ﷺ : [هما في النّار] (٢). قوله تعالى: ﴿وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ؛﴾ أي لم ننقص الآباء من الثواب حين ألحقنا بهم ذرّيّتهم. قرأ أبو عمرو «(وأتبعناهم)» بالألف والنّون «(ذرّيّاتهم)» بالألف وكسر الياءين لقوله (ألحقنا) و (ما ألتنا) لئلا يكون الكلام على نسق واحد. وقرأ الباقون «(واتّبعتهم)» بالتاء من غير ألف. واختلفوا في قوله «(ذرّيّاتهم)» بالتاء فقرأ نافع الأول «(ذرّيّتهم)» بالتاء وضمّها بغير ألف، وقرأ الثاني «(ذرّيّاتهم)» بالألف وكسر التاء. وقرأ ابن عامر «(ذرّيّاتهم)» بالألف فيهما وكسر التاء، وقرأ الباقون بغير ألف فيهما وفتح الثانية. قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٢١)؛أي كلّ امرئ كافر بما عمل من الشّرك مرتهن في النار، والمؤمن لا يكون مرتهنا لقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ. إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ﴾ (٣) واستثنى المؤمنين. قوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ (٢٢)؛معناه: نزيدهم في كلّ وقت من ألوان الفاكهة، ومن كلّ لحم مما يشتهون من الأنعام والطّيور المطبوخ والمشويّ.

стр. 2617

قوله تعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً؛﴾ أي يتعاطون ويتناولون فيها آنية مملوءة من الخمر، هذا من يد ذاك، وذاك من يد هذا، ولا يكون الكأس في اللغة إلاّ إذا كان مملوءا، فإذا كان فارغا فليس بكأس. قوله تعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيها؛﴾ أي لا يجري بينهم كلام لغو ولا باطل، ولا تخاصم، ﴿وَلا تَأْثِيمٌ﴾ (٢٣)؛أي لا يكون منهم في حال شربها ما فيه إثم كما يكون في خمر الدّنيا، وقال ابن قتيبة: (معناه: لا تذهب بعقولهم فيلهوا ويرفثوا كما يكون من خمر الدّنيا، ولا يكون منهم ما يؤثمهم)،والمعنى: أنّ تلك الكأس لا تجعلهم آثمين. قوله تعالى: ﴿*وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ؛﴾ أي يطوف عليهم الخدمة بالفواكه والأشربة وصفاء ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ؛﴾ في الحسن والبياض، ﴿مَكْنُونٌ﴾ (٢٤)؛مصون لا تمسّه الأيدي. قال قتادة: (ذكر لنا: أنّ رجلا قال: يا نبيّ الله؛ هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: [والّذي نفسي بيده؛ إنّ فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب]) (١).قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : [إنّ أدنى أهل الجنّة من ينادي الخادم من خدمة، فيجيبه ألف يقولون كلّهم: لبّيك لبّيك لبّيك] (٢). قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ (٢٥)؛أي أقبل بعضهم على بعض في الزّيادة يتحدّثون في الجنّة، ويتذاكرون ما كانوا فيه من التعب والخوف في الدّنيا، ويتساءلون عن أحوالهم التي كانت في الدّنيا. وقوله تعالى: ﴿قالُوا إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ (٢٦)؛معناه: إنّهم يقولون إنّا كنّا من قبل أن ندخل الجنّة خائفين في الدّنيا من القيامة وأهوالها، ومن النار وعذابها بمعصية وقعت منّا أو تقصير في طاعتنا، ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾

стр. 2618

بالمغفرة وقبول الطاعة، ﴿وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ (٢٧)؛أي دفع عنّا عذاب سموم جهنّم، ﴿إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ؛﴾ أي نوحّده ونعبده في الدّنيا، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ (٢٨)؛أي هو اللّطيف بعباده، الرّحيم بهم. والسّموم: من أسماء جهنّم في قول الحسن، وقال الكلبيّ: (عذاب النّار)،وقال الزجّاج: (هو لفح جهنّم وحرّها).ومن قرأ «(إنّه هو)» بكسر الهمز فإنه استأنف الكلام. قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ (٢٩) أي فعظ بالقرآن أهل مكّة، ولا تترك وعظهم لنسبتهم إياك إلى الكهانة والجنون، فلست بحمد الله كما يقولون. والكاهن هو المبتدع القول الذي يقول: معي تابع من الجنّ، والمعنى فما أنت بنعمة ربك بإنعامه عليك بالنبوّة بكاهن، وهو الذي يوهم أنه يعلم الغيب ويخبر بما في غد من غير وحي؛ أي لست تقول ما تقوله كهانة ولا تنطق إلاّ بالوحي. قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ (٣٠)؛أي بل يقولون هو شاعر ننتظر به نوائب المنون فنستريح منه، وريب المنون: حوادث الدّهر وصروفه؛ أي ننتظر به حدثان الموت وحدثان الدّهر، فيهلك كما هلك من قبله من الشّعراء. وفي اللغة: مننت الجبل؛ أي قطعته ومننت الشيء إذا أنقضته، والموت يقطع الأجل فسمّي المنون، والدهر ينقض فسمي المنون، وقد يكون المنون بمعنى المنيّة. قوله تعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا؛﴾ أي انتظروا فيّ الموت، ﴿فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ (٣١)؛أي من المنتظرين عذابكم، فعذّبوا يوم بدر بالسّيف. وقيل: معناه: قل تربّصوا بي الدوائر، فإنّي معكم من المتربصين بكم. فأهلك الله القوم الذين قالوا للنبيّ ﷺ هذا القول قبل قبضه ﵇ وكان منهم أبو جهل، وكانوا يعلمون أنّ النبيّ ﷺ ليس بشاعر كما علموا أنه ﷺ ليس بمجنون.

стр. 2619

قوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا؛﴾ معناه: أم تأمرهم عقولهم بهذا، وذلك أنّ قريشا كانوا يعدّون في الجاهليّة أهل الأحلام ويوصفون بالعقل، فأزرى الله بحلومهم حيث لم يثمر لهم معرفة الحقّ من الباطل. وقيل لعمرو بن العاص: (ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله بالعقول؟ فقال: تلك عقول لم يصحبها التّوفيق) (١). وقوله تعالى: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ (٣٢)؛أي بل هم قوم طاغون حملهم الطّغيان على تكذيبك يا محمّد، وكانوا يزعمون أنّ محمّدا كان لا يوازيهم في عقولهم وأحلامهم، فقيل لهم على وجه التعجّب: أتأمرهم أحلامهم بهذا الذي يفعلونه أم طغيانهم وإفراطهم في الكفر. قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ؛﴾ معناه: يقولون إنّ محمّدا اختلق القرآن من تلقاء نفسه، والتّقوّل: تكلّف القول، لا يستعمل إلاّ في الكذب، بل ليس كما يقولون، ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣٣)؛استكبارا. ثم ألزمهم الحجّة فقال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ؛﴾ أي مثل القرآن في نظمه وحسن بنائه، ﴿إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ (٣٤)؛أن محمّدا تقوّله في نفسه، فإنّ اللسان لسانهم وهم مستوون في السّربة (٢). قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ﴾ (٣٥)؛ معناه: أخلقوا من غير ربّ، وتكوّنوا من ذات أنفسهم؟ أم هم الخالقون فلا يسألون عن أعمالهم؟ قال ابن عبّاس: (معناه: أخلقوا من غير أمّ وأب فهم كالجماد لا يعقلون ولا تقوم لله عليهم حجّة، أليسوا خلقوا من نطفة ثمّ من علقة ثمّ من مضغة). وقال ابن كيسان: (معناه: أخلقوا عبثا فيتركون سدى، لا يؤمرون ولا ينهون، أم هم الخالقون لأنفسهم؟ فلا يجب لله عليهم أمر) (٣).

стр. 2620

قوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ؛﴾ فيكونوا هم الخالقون، بل ليس الأمر على هذا، ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ (٣٦)؛بالحقّ وهو توحيد الله وقدرته على البعث. قوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ (٣٧)؛معناه: أبأيديهم مفاتيح ربك بالرّسالة، فيضعونها حيث شاءوا؟ وقيل: معناه: أبأيديهم مقدورات ربك. وقال الكلبيّ: (معناه: خزائن المطر والرّزق) (١). قوله: ﴿(أَمْ هُمُ﴾ المسيطرون) أي أم هم المسلّطون على الناس، فلا يكونوا بحيث أمر ولا نهي يفعلون ما شاءوا. ويقرأ «(المصيطرون)» بالصاد، والأصل فيه السّين، إلاّ أنّ كلّ سين بعدها (طاء) (٢) يجوز أن تقلب صادا. وفي هذه الآية تنبيه على عجزهم وتلبيس لسوء طريقتهم. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ؛﴾ أي لهم مصعد ومرقاة يرتقون بها إلى السّماء يستمعون فيه الوحي ويعلمون أنّ ما هم عليه حقّ، ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ؛﴾ إن كان لهم مستمع، ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (٣٨)،بحجّة ظاهرة. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ (٣٩)؛هذا إنكار عليهم وتسفيه لأحلامهم، ومبالغة لتجهيلهم حيث يصفون البنات إلى الله بقولهم: بنات الله، ويضيفون البنين إلى أنفسهم. وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً؛﴾ معناه: أتسألهم يا محمّد على ما جئتهم من الدّين والشريعة أجرا؛ أي جعلا، ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ (٤٠)؛أي أثقلهم ذلك الغرم الذي سألتهم، فمنعهم ذلك عن الإسلام. والمعنى: أسألتهم أجرة تثقلهم وتجدهم وتمنعهم عن الاستماع إلى ذلك.

стр. 2621

قوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٤١)؛قال قتادة: (هذا جواب لقولهم: نتربّص به ريب المنون. فقال الله تعالى: أعندهم الغيب حتّى علموا أنّ محمّدا يموت قبلهم فهم يكتبون).وقيل: معناه: أعندهم علم الغيب حتى علموا أنّ ما يخبرهم به النبيّ ﷺ من أمر القيامة والبعث والحساب والثواب والعقاب باطل غير كائن. قوله تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ (٤٢)؛أي بل يريدون بك كيدا ومكرا ليهلكوا بذلك المكر، وهو كيدهم به في دار النّدوة، فالذين كفروا هم المجازون على كيدهم، ويحيق ذلك الكيد والمكر بهم، فقتلوا يوم بدر وأسروا. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ؛﴾ يمنعهم من مكر الله وعذابه ويحفظهم وينصرهم، ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤٣)؛به من آلهة، وسبحانه عن أن يكون له ولد. و (أم) في هذه السّورة في خمسة عشر موضعا، عشرة منها ليست إلاّ على وجه الإنكار، وفي الخمسة ما يحتمل الإنكار ويحتمل غيره. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ (٤٤) معناه: إنّ هؤلاء لا يؤمنون حتى لو رأوا قطعا من العذاب ساقطا عليهم لطغيانهم وعتوّهم، يقولوا سحاب مركوم، قد ركم بعضه على بعض، فيلبسوا على أنفسهم بغاية جهلهم ما يشاهدون. قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ؛﴾ أي اتركهم، ﴿حَتّى يُلاقُوا؛﴾ يعاينوا، ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ (٤٥)؛أي يهلكون، والصّعق: الهلاك بما يصدع القلب، وقيل: المراد بالصّعق ههنا اليوم الذي فيه النفخة الأولى. قرأ الأعمش وعاصم وابن عامر «(يصعقون)» بضمّ الياء؛ أي يهلكون من أصعقهم الله إذا أهلكهم، ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٤٦)؛وذلك اليوم لا ينفعهم كيدهم ولا يمنعهم من العذاب مانع.

стр. 2622

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ؛﴾ معناه: إنّ لهؤلاء الكفّار عذابا دون عذاب الآخرة، يعني القبر. وقيل: معناه: إنّ لكفّار مكّة عذابا في الدّنيا قبل عذاب الآخرة، يعني القتل ببدر، وقال مجاهد: (الجوع والقحط) (١)، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤٧)؛ما هو نازل بهم. قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ؛﴾ أي اصبر لحكم ربك إلى أن يقع بهم العذاب، وقيل: اصبر على تبليغ الوحي والرسالة إلى أن يقضي لك ذلك ربّك فيهم، ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا؛﴾ أي فإنّك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك، وإنّهم لا يصلون إلى مكروهك. قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (٤٨)؛يعني تقوم من النّوم، كما روي: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا انتبه قال: [الحمد لله الّذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النّشور] (٢). وعن الربيع بن أنس: (أنّ المراد به القيام في الصّلاة، وهو ما يقال عند تكبيرة الافتتاح [سبحانك اللهمّ وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك]) (٣). وقيل: المراد بهذه الآية صلاة الفجر عند القيام من النّوم، ويقال: المراد منه التسبيح عند القيام من كل مجلس، كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [كفّارة المجالس كلمات جاءني جبريل بهنّ: سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ

стр. 2623

أنت، أستغفرك وأتوب إليك. فإن كان مجلس ذكر، كان كالطّابع عليه إلى يوم القيامة، وإن كان مجلس لغو، كان كفّارة لما كان قبله] (١). والأقرب إلى الظاهر من هذه التّأويلات: أنه صلاة الفجر؛ لأنّ الله تعالى عقّبه بقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ؛﴾ والمراد به صلاة المغرب والعشاء، وأما، ﴿وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ (٤٩)؛فركعتان قبل فريضة الفجر، كما روي عن عليّ ﵁ أنّه قال: (إدبار السّجود الرّكعتان بعد المغرب، وإدبار النّجوم الرّكعتان قبل الفجر) (٢).وعن رسول الله ﷺ أنّه قال: [ركعتا الفجر خير من الدّنيا وما فيها] (٣). آخر تفسير سورة (الطور) والحمد لله رب العالمين.

стр. 2624

سورة النّجم سورة النّجم مكّيّة، وهي ألف وأربعمائة وخمسة أحرف، وثلاثمائة وستّون كلمة، واثنان وستّون آية. قال ﷺ : [من قرأ سورة النّجم، فله من الأجر عشر حسنات، بعدد من صدّق بمحمّد ﷺ وكذب به] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ (١)؛اختلفوا في القسم الذي في أوّل هذه السّورة، وقال بعضهم-وهو الأظهر-:أنّ النجم اسم جنس أريد به النّجوم كلّها إذا هوت للأفول. فائدة القسم بها ما فيها من الدلالة على وحدانيّة الله تعالى؛ لأنه لا يملك طلوعها وغروبها إلاّ الله ، فالقسم قسم بربها. وجواب القسم: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ (٤) يعني النبيّ ﷺ ؛ أي ما ضلّ عن طريق الهدى وعن الصّواب فيما يؤدّيه عن الله تعالى. وعن مجاهد: (أنّه أراد بالنّجم الثّريّا إذا سقطت وغابت) (٢)،والعرب تسمّي الثّريا نجما وإن كانت في العدد نجوما، قال أبو بكر الدينوري: (هي سبعة أنجم، فستّة ظاهرة، وواحد منها خفيّ يمتحن النّاس فيه أبصارهم).

стр. 2625

وقال الضحّاك: (معناه: والقرآن إذا نزل ثلاث آيات أو أربع آيات وسورة، كان أوّل القرآن وآخره ثلاث وعشرين سنة، أقسم الله بالقرآن إذ نزل نجوما متفرّقة على رسول الله ﷺ . وذلك: أنّ كفّار مكّة قالوا: إنّ محمّدا يقول القرآن من تلقاء نفسه، فأقسم الله بالقرآن ونزوله نجما بعد نجم، أنّ محمّدا لم ينطق إلاّ عن وحي يوحى، وإنه لم ينطق به من هوى نفسه. وقوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى﴾ (٥)؛يعني جبريل ﵇ هو شديد البنية والخلقة، ومن قوّة جبريل: أنه أدخل جناحه تحت قريات قوم لوط فقلعها من الماء الأسود ورفعها إلى السّماء، ثم قلبها فأقبلت تهوي من السّماء إلى الأرض، وكان من شدّته أيضا أنه أبصر إبليس وهو يكلّم عيسى ﵇ على بعض أعتاب الأرض المقدّسة، فنفخه بجناحه نفخة ألقاه إلى أقصى جبل بالهند، وكان من شدّته أيضا أنه أهلك بصيحته ثمود فأصبحوا جاثمين. قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى﴾ (٦)؛أي جبريل ﵇ ذو قوّة وشدّة في خلقه. وقيل: ذو منظر حسن، قال قطرب: (يقول العرب لكلّ جزل الرّأي حصيف العقل: ذو مرّة).قال الشاعر: قد كنت قبل لقائكم ذا مرّة ... عندي لكلّ مخاصم ميزانه وكان من جزالة رأيه وحصافة عقله إنّ الله تعالى ائتمنه على تبليغ وحيه إلى جميع رسله. وقوله تعالى ﴿(فَاسْتَوى)﴾ يعني جبريل، وقيل: المعنى: (ذو مرّة) أي ذو مرور في الجوّ منحدر أو صاعد على السّرعة. وقوله تعالى (فاستوى) أي فانتصب واقعا على صورة الملائكة التي خلقه الله عليها، فرآه النبيّ ﷺ منتصبا في السّماء بعد أن كان مسرعا، فاستوى في أفق المشرق في رأي العين، كما روي في الحديث: [أنّه طبق الأفق

стр. 2626

كلّه بكلكله، له ستّمائة جناح فيها ألوان زاهرة، وتتنافر منه الدّرر] (١). وذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى﴾ (٧)؛يعني جانب المشرق وهو فوق جانب المغرب. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ (٨)؛أي دنا جبريل ﵇ بعد استوائه بالأفق الأعلى، ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ (٩)،قال المفسّرون: وذلك أنّ جبريل كان يأتي النبيّ ﷺ في صورة الآدميّين، فسأله النبيّ ﷺ أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، فأراه نفسه مرّتين، مرّة في الأرض ومرة في السّماء. فأمّا في الأرض ففي الأفق الأعلى، يعني أفق المشرق، وذلك أنّ محمّدا ﷺ كان بحراء فطلع له جبريل من المشرق فسدّ الأفق إلى المغرب، فخرّ النبيّ ﷺ مغشيّا عليه، فنزل جبريل ﵇ في صورة الآدميّين وضمّه إلى نفسه، وهو قوله ﴿(ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى)﴾ أي قرب بعد بعده وعلوّه في الأفق الأعلى. والمعنى: نزل جبريل ﵇ بعد استوائه، فدنا إلى رسول الله ﷺ وتدلّى اليه بأن نكّس رأسه فرآه النبيّ ﷺ متدلّيا كما رآه منتصبا حتى بينه وبين النبيّ ﷺ قدر قاب قوسين من قسيّ العرب أو أدنى، معناه: وأقرب في رأي العين. قال الزجّاج: (كان بينه وبين رسول الله ﷺ مقدار قوسين، وإنّما خصّ القوس في الآية؛ لأنّ مقدارها في الأغلب لا يتفاوت بزيادة ولا نقصان).ويقال: إنّ المراد بالقوس هنا الذراع، وسمي الذراع قوسا لأنه تقاس به الأشياء، قال ابن مسعود: (معناه: فكان قدر ذراعين أو أدنى من ذراعين) (٢). وأما دخول (أو) ههنا في قوله: (أو أدنى) معناه: أو أدنى فيما تقدّرون أنتم والله تعالى عالم بمقادير الأشياء، ولكنّه يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما

стр. 2627

ومعنى قوله تعالى ﴿(قابَ قَوْسَيْنِ)﴾ أي قدر قوسين، يقال ﴿(قابَ قَوْسَيْنِ)﴾ وقيب قوسين وقيد قوسين، كلّ بمعنى واحد. والتّدلّي في اللغة: هو الامتداد إلى جهة الأسفل، ومنه تدلّى القبر، ومنه إدلاء الدّلو وهو إرسالها في البئر. ومن الدليل على أنّ المراد بشديد القوى جبريل ﵇، قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ (١) ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (٢) وهو مطلع الشّمس. قوله تعالى: ﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ (١٠)؛أي فأوحى جبريل ﵇ إلى عبد الله محمّد ﷺ ما أمره الله أن يوحيه إليه، ويجوز أن يكون معناه: فأوحى الله إلى عبده ما أوحى، قال سعيد بن جبير: (أوحي إليه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى﴾. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى .. ﴾. إلى قوله تعالى ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (٣)).وقيل: أوحى إليه (أنّ الجنّة محرّمة على الأنبياء حتّى تدخلها، وعلى الأمم حتّى تدخلها أمّتك) (٤). قوله تعالى: ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ (١١)؛أي ما كذب فؤاد محمّد ﷺ فيما رآه ببصره من صورة جبريل ﵇، ومن عجائب السّماوات؛ يك قبل القلب ذلك (٥)،وأيقن أنّ ما رآه حقّ، كما هو لم يشكّ فيه ولا أنكره ولم يعتقد عن تخيّل ولا أخبر عن توهّم. وقرأ الحسن وأبو جعفر وقتادة وابن عامر: «(ما كذّب الفؤاد)» بالتشديد؛ أي ما كذّب قلب محمّد ما رأى بعينه تلك الليلة، بل صدّقه وحقّقه. وقيل: هذا إخبار عن رؤية النبيّ ﷺ ليلة المعراج ربّه! قال ابن عبّاس: (رأى محمّد ربّه بفؤاده ولم يره بعينه، ويكون ذلك على أنّ الله جعل بصره في فؤاده أو

стр. 2628

خلق لفؤاده بصرا حتّى رأى ربّه رؤية غير كاذبة كما يرى بالعين) (١).وقال عكرمة: (إنّه رأى ربّه بعينه!) وكان يحلف بالله لقد رأى محمّد ربّه. ومذهب ابن مسعود وعائشة في هذه الآية: (أنّه رأى جبريل في صورته الّتي خلق عليها).والفؤاد دعاء القلب، فما ارتياب الفؤاد فيما رأى الأصل وهو القلب. قوله تعالى: ﴿أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ (١٢)؛من آيات الله، قرأ عليّ وابن مسعود وابن عبّاس وعائشة ومسروق والنخعيّ وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب: (أفتمرونه) بفتح التاء من غير ألف على معنى أفتجحدونه، تقول العرب: مريت الرّجل حقّه إذا جحدته. وقرأ سعيد بن جبير وطلحة وابن مصرف «(أفتمرونه)» بضمّ التاء من غير ألف؛ أي تشكّكونه. وقرأ الباقون «(أفتمارونه)» أي أفتجادلونه. وفي الحديث: [لا تماروا في القرآن، فإنّ المراء فيه كفر] (٢). وعن الشعبيّ عن عبد الله بن الحارث قال: (اجتمع ابن عبّاس وكعب، فقال ابن عبّاس: أمّا نحن بنو هاشم فتقول: إنّ محمّدا رأى ربّه مرّتين، وقال ابن عبّاس: أتعجبون أن تكون الخلّة لإبراهيم والكلام لموسى والرّؤية لمحمّد ﷺ . وقال الشعبيّ: (فأخبرني مسروق أنّه قال لعائشة: يا أمّاه؛ هل رأى محمّد ربّه قط؟ قالت: إنّك لتقول قولا ليقف منه شعري، قال: قلت: رويدا فقرأ عليها ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى .. ﴾. إلى قوله ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾. فقالت: أين يذهب بك! إنّما رأى جبريل في صورته، من حدّثك أنّ محمّدا رأى ربّه فقد كذب، قال الله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ (٣).

стр. 2629

وفي الرؤية قالت عائشة ﵂: (من زعم أنّ محمّدا رأى ربّه فقد أعظم الفرية على الله ، ومن حدّثك أنّه يعلم الخمس من الغيب فقد كذب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ (١)،ومن حدّثك أنّ محمّدا كتم شيئا من الوحي فقد كذب) (٢)،قال عبد الرزاق: (فذكرت هذا الحديث لمعمّر فقال: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عبّاس) (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى﴾ (١٤)؛ أي رأى محمّد جبريل مرّة أخرى، فسمّاها (نزلة أخرى) على الاستعارة، وذلك أنّ جبريل رآه النبيّ ﷺ على صورته التي خلق عليها مرّتين، مرّة في الأرض بالأفق الأعلى، ومرّة في السماء عند سدرة المنتهى، ولأنه قال (نزلة أخرى) تقديره: ولقد رآه نازلا نزلة أخرى. والسّدرة: هي شجرة النّبق، وههنا شجرة في السّماء السابعة، قيل: إنّها شجرة طوبى، وقال الكلبيّ: (هي شجرة عن يمين العرش فوق السّماء السّابعة، نبقها مثل قلال هجر وورقها مثل آذان الفيلة، يخرج من باطنها نهران باطنان ونهران ظاهران. أمّا الباطنان ففي الجنّة، وهما التّسنيم والسّلسبيل-وقيل: التّسنيم والكوثر. وأمّا الظّاهران فالنّيل والفرات، وهي تحمل لأهل الجنّة الحليّ والحلل وجميع الثّمار، وسمّيت المنتهى؛ لأنّه ينتهي إليها كلّ ملك مقرّب ونبيّ مرسل، لا يعلم ما وراءها إلاّ الله سبحانه). وقال ابن مسعود: (سمّيت المنتهى؛ لأنّه ينتهي إليها ما يصعد به من الأرض فيقبض فيها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض فيها) (٤).والمنتهى: موضع الانتهاء.

стр. 2630

وعن أبي هريرة ﵁ قال: [لمّا أسري بالنّبيّ ﷺ فانتهى به إلى السّدرة، فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أربعة أنهار: نهر من ماء غير آسن، ونهر من لبن لم يتغيّر طعمه، ونهر من خمر لذة للشّاربين، ونهر من عسل مصفّى. وهي شجرة يسير الرّاكب في ظلّها سبعين عاما لا يقطعها، والورقة الواحدة منها تغطّي الأمّة كلّها] (١). وعن أسماء بنت أبي بكر؛ قالت: سمعت رسول الله يذكر سدرة المنتهى قال: [يسير الرّاكب في ظلّها مائة عام] (٢).وقال مقاتل: (هي شجرة لو أنّ ورقة منها وضعت في الأرض أضاءت لأهل الأرض كلّهم، تحمل الحليّ والحلل والثّمار وجميع الألوان، وهي طوبى الّتي ذكرها الله في سورة الرّعد) (٣). قوله تعالى: ﴿عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ (١٥)؛معناه: عند سدرة المنتهى جنة المأوى، وهي جنة يأوي إليها جبريل والملائكة، وقال مقاتل والكلبي: (جنّة تأوي إليها أرواح الشّهداء والصّالحين) (٤). قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ (١٦)؛أي يغشى السّدرة من النور والبهاء والحسن والصّفاء ما ليس لوصفه منتهى. وسئل رسول الله ﷺ على ما يغشى السّدرة فقال: [يغشاها جراد من ذهب] وروي [فراش من ذهب] (٤).وعن ابن عبّاس: (أنّه يغشاها ملائكة أمثال الغربان حتّى يقعن على الشّجرة).قال رسول الله ﷺ : [رأيت على كلّ ورقة من ورقها ملكا قائما يسبح الله ] (٥).وقيل: يغشى من جهة الله فاستنارت. قوله تعالى: ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ (١٧)؛أي ما مال بصر النبيّ ﷺ يمينا ولا شمالا ولا طغى ولا تجاوز ما رأى، وهذا وصف أدبه في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبا، ولم يمل بصره ولم يمدّه أمامه إلى حيث ينتهي.
следующие страницы →