كلّه بكلكله، له ستّمائة جناح فيها ألوان زاهرة، وتتنافر منه الدّرر] (١).
وذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى﴾ (٧)؛يعني جانب المشرق وهو فوق جانب المغرب.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ (٨)؛أي دنا جبريل ﵇ بعد استوائه بالأفق الأعلى،
﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ (٩)،قال المفسّرون: وذلك أنّ جبريل كان يأتي النبيّ ﷺ في صورة الآدميّين، فسأله النبيّ ﷺ أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، فأراه نفسه مرّتين، مرّة في الأرض ومرة في السّماء.
فأمّا في الأرض ففي الأفق الأعلى، يعني أفق المشرق، وذلك أنّ محمّدا ﷺ كان بحراء فطلع له جبريل من المشرق فسدّ الأفق إلى المغرب، فخرّ النبيّ ﷺ مغشيّا عليه، فنزل جبريل ﵇ في صورة الآدميّين وضمّه إلى نفسه، وهو قوله ﴿(ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى)﴾ أي قرب بعد بعده وعلوّه في الأفق الأعلى.
والمعنى: نزل جبريل ﵇ بعد استوائه، فدنا إلى رسول الله ﷺ وتدلّى اليه بأن نكّس رأسه فرآه النبيّ ﷺ متدلّيا كما رآه منتصبا حتى بينه وبين النبيّ ﷺ قدر قاب قوسين من قسيّ العرب أو أدنى، معناه: وأقرب في رأي العين.
قال الزجّاج: (كان بينه وبين رسول الله ﷺ مقدار قوسين، وإنّما خصّ القوس في الآية؛ لأنّ مقدارها في الأغلب لا يتفاوت بزيادة ولا نقصان).ويقال: إنّ المراد بالقوس هنا الذراع، وسمي الذراع قوسا لأنه تقاس به الأشياء، قال ابن مسعود:
(معناه: فكان قدر ذراعين أو أدنى من ذراعين) (٢).
وأما دخول (أو) ههنا في قوله: (أو أدنى) معناه: أو أدنى فيما تقدّرون أنتم والله تعالى عالم بمقادير الأشياء، ولكنّه يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما
стр. 2627
ومعنى قوله تعالى ﴿(قابَ قَوْسَيْنِ)﴾ أي قدر قوسين، يقال ﴿(قابَ قَوْسَيْنِ)﴾ وقيب قوسين وقيد قوسين، كلّ بمعنى واحد. والتّدلّي في اللغة: هو الامتداد إلى جهة الأسفل، ومنه تدلّى القبر، ومنه إدلاء الدّلو وهو إرسالها في البئر.
ومن الدليل على أنّ المراد بشديد القوى جبريل ﵇، قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ (١) ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (٢) وهو مطلع الشّمس.
قوله تعالى: ﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ (١٠)؛أي فأوحى جبريل ﵇ إلى عبد الله محمّد ﷺ ما أمره الله أن يوحيه إليه، ويجوز أن يكون معناه: فأوحى الله إلى عبده ما أوحى، قال سعيد بن جبير: (أوحي إليه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى﴾.
﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى .. ﴾. إلى قوله تعالى ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (٣)).وقيل: أوحى إليه (أنّ الجنّة محرّمة على الأنبياء حتّى تدخلها، وعلى الأمم حتّى تدخلها أمّتك) (٤).
قوله تعالى: ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ (١١)؛أي ما كذب فؤاد محمّد ﷺ فيما رآه ببصره من صورة جبريل ﵇، ومن عجائب السّماوات؛ يك قبل القلب ذلك (٥)،وأيقن أنّ ما رآه حقّ، كما هو لم يشكّ فيه ولا أنكره ولم يعتقد عن تخيّل ولا أخبر عن توهّم. وقرأ الحسن وأبو جعفر وقتادة وابن عامر: «(ما كذّب الفؤاد)» بالتشديد؛ أي ما كذّب قلب محمّد ما رأى بعينه تلك الليلة، بل صدّقه وحقّقه.
وقيل: هذا إخبار عن رؤية النبيّ ﷺ ليلة المعراج ربّه! قال ابن عبّاس: (رأى محمّد ربّه بفؤاده ولم يره بعينه، ويكون ذلك على أنّ الله جعل بصره في فؤاده أو
стр. 2628
خلق لفؤاده بصرا حتّى رأى ربّه رؤية غير كاذبة كما يرى بالعين) (١).وقال عكرمة:
(إنّه رأى ربّه بعينه!) وكان يحلف بالله لقد رأى محمّد ربّه.
ومذهب ابن مسعود وعائشة في هذه الآية: (أنّه رأى جبريل في صورته الّتي خلق عليها).والفؤاد دعاء القلب، فما ارتياب الفؤاد فيما رأى الأصل وهو القلب.
قوله تعالى: ﴿أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ (١٢)؛من آيات الله، قرأ عليّ وابن مسعود وابن عبّاس وعائشة ومسروق والنخعيّ وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب:
(أفتمرونه) بفتح التاء من غير ألف على معنى أفتجحدونه، تقول العرب: مريت الرّجل حقّه إذا جحدته.
وقرأ سعيد بن جبير وطلحة وابن مصرف «(أفتمرونه)» بضمّ التاء من غير ألف؛ أي تشكّكونه. وقرأ الباقون «(أفتمارونه)» أي أفتجادلونه. وفي الحديث: [لا تماروا في القرآن، فإنّ المراء فيه كفر] (٢).
وعن الشعبيّ عن عبد الله بن الحارث قال: (اجتمع ابن عبّاس وكعب، فقال ابن عبّاس: أمّا نحن بنو هاشم فتقول: إنّ محمّدا رأى ربّه مرّتين، وقال ابن عبّاس: أتعجبون أن تكون الخلّة لإبراهيم والكلام لموسى والرّؤية لمحمّد ﷺ .
وقال الشعبيّ: (فأخبرني مسروق أنّه قال لعائشة: يا أمّاه؛ هل رأى محمّد ربّه قط؟ قالت: إنّك لتقول قولا ليقف منه شعري، قال: قلت: رويدا فقرأ عليها ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى .. ﴾. إلى قوله ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾. فقالت: أين يذهب بك! إنّما رأى جبريل في صورته، من حدّثك أنّ محمّدا رأى ربّه فقد كذب، قال الله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ (٣).
стр. 2629
وفي الرؤية قالت عائشة ﵂: (من زعم أنّ محمّدا رأى ربّه فقد أعظم الفرية على الله ، ومن حدّثك أنّه يعلم الخمس من الغيب فقد كذب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ (١)،ومن حدّثك أنّ محمّدا كتم شيئا من الوحي فقد كذب) (٢)،قال عبد الرزاق: (فذكرت هذا الحديث لمعمّر فقال: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عبّاس) (٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى﴾ (١٤)؛ أي رأى محمّد جبريل مرّة أخرى، فسمّاها (نزلة أخرى) على الاستعارة، وذلك أنّ جبريل رآه النبيّ ﷺ على صورته التي خلق عليها مرّتين، مرّة في الأرض بالأفق الأعلى، ومرّة في السماء عند سدرة المنتهى، ولأنه قال (نزلة أخرى) تقديره: ولقد رآه نازلا نزلة أخرى.
والسّدرة: هي شجرة النّبق، وههنا شجرة في السّماء السابعة، قيل: إنّها شجرة طوبى، وقال الكلبيّ: (هي شجرة عن يمين العرش فوق السّماء السّابعة، نبقها مثل قلال هجر وورقها مثل آذان الفيلة، يخرج من باطنها نهران باطنان ونهران ظاهران.
أمّا الباطنان ففي الجنّة، وهما التّسنيم والسّلسبيل-وقيل: التّسنيم والكوثر.
وأمّا الظّاهران فالنّيل والفرات، وهي تحمل لأهل الجنّة الحليّ والحلل وجميع الثّمار، وسمّيت المنتهى؛ لأنّه ينتهي إليها كلّ ملك مقرّب ونبيّ مرسل، لا يعلم ما وراءها إلاّ الله سبحانه).
وقال ابن مسعود: (سمّيت المنتهى؛ لأنّه ينتهي إليها ما يصعد به من الأرض فيقبض فيها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض فيها) (٤).والمنتهى: موضع الانتهاء.
стр. 2630
وعن أبي هريرة ﵁ قال: [لمّا أسري بالنّبيّ ﷺ فانتهى به إلى السّدرة، فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أربعة أنهار: نهر من ماء غير آسن، ونهر من لبن لم يتغيّر طعمه، ونهر من خمر لذة للشّاربين، ونهر من عسل مصفّى. وهي شجرة يسير الرّاكب في ظلّها سبعين عاما لا يقطعها، والورقة الواحدة منها تغطّي الأمّة كلّها] (١).
وعن أسماء بنت أبي بكر؛ قالت: سمعت رسول الله يذكر سدرة المنتهى قال:
[يسير الرّاكب في ظلّها مائة عام] (٢).وقال مقاتل: (هي شجرة لو أنّ ورقة منها وضعت في الأرض أضاءت لأهل الأرض كلّهم، تحمل الحليّ والحلل والثّمار وجميع الألوان، وهي طوبى الّتي ذكرها الله في سورة الرّعد) (٣).
قوله تعالى: ﴿عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ (١٥)؛معناه: عند سدرة المنتهى جنة المأوى، وهي جنة يأوي إليها جبريل والملائكة، وقال مقاتل والكلبي: (جنّة تأوي إليها أرواح الشّهداء والصّالحين) (٤).
قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ (١٦)؛أي يغشى السّدرة من النور والبهاء والحسن والصّفاء ما ليس لوصفه منتهى. وسئل رسول الله ﷺ على ما يغشى السّدرة فقال: [يغشاها جراد من ذهب] وروي [فراش من ذهب] (٤).وعن ابن عبّاس: (أنّه يغشاها ملائكة أمثال الغربان حتّى يقعن على الشّجرة).قال رسول الله ﷺ : [رأيت على كلّ ورقة من ورقها ملكا قائما يسبح الله ] (٥).وقيل:
يغشى من جهة الله فاستنارت.
قوله تعالى: ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ (١٧)؛أي ما مال بصر النبيّ ﷺ يمينا ولا شمالا ولا طغى ولا تجاوز ما رأى، وهذا وصف أدبه في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبا، ولم يمل بصره ولم يمدّه أمامه إلى حيث ينتهي.
стр. 2631
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى﴾ (١٨)؛لقد رأى تلك الليلة من عجائب ربه عجيبة عظماء، وهي جبريل على صورته، وقال ابن مسعود:
(رأى رفرفا من الجنّة أخضر قد سدّ الأفق) (١).وقيل: هي الآيات العظمى التي رآها تلك الليلة.
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى (١٩) وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ (٢٠) قرأ مجاهد وأبو صالح «(اللاّتّ)» بتشديد التاء، وقالوا: كان رجلا يلتّ السّويق للحاجّ، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه. وروى السديّ عن أبي صالح: (أنّه كان رجلا بالطّائف يقوم على آلهتهم ويلتّ لهم السّويق بالزّيت، فلمّا مات عبدوه) (٢).وقال الكلبيّ: (هو رجل من ثقيف يقال له صرمة بن عمر، كان يسلي السّمن فيضعه على صخرة، فتأتي العرب فتلت به أسوقتهم).
وأما العزّى فقال مجاهد: (شجرة لغطفان يعبدونها) وهي الّتي بعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فقطعها، وجعل خالد يضربها بالفأس ويقول: يا عزّى كفرانك لا سبحانك، إنّي رأيت الله قد أهانك. فخرجت من تحتها شيطانة عريانة ناشرة شعرها، داعية بويلها، واضعة يدها على رأسها، فقتلها خالد ثمّ رجع إلى رسول الله ﷺ وأخبره بذلك، فقال: [تلك العزّى، ولن تعبد أبدا] (٣).
وأما مناة فهو صنم لخزاعة، وقال الضحّاك: (معناه: صنم لهذيل)،وقال: (إنّ مناة صنم كانت لهذيل وخزاعة يعبدونها من دون الله).وقال بعضهم: اللاّت والعزّى ومناة أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة.
والمعنى: أخبرونا عن الآلهة التي تعبدونها من دون الله، هل لها قدرة توصف بها كما يوصف الله بالقدرة والعظمة، وهي أسماء أصنام يعبدونها، وانتقوا لها اسما
стр. 2632
من أسماء الله تعالى، فقالوا: من الله اللاّت، ومن العزيز العزّى، ومن المنّان مناة بالهاء.
وقال الزجّاج: (الوقف عليها بالتّاء لاتّباع المصحف) (١)،وكان ابن كثير يقول:
(ومنأة) بالمدّ والهمزة (٢)،والصحيح: قراءة العامّة بالقصر، و (الثّالثة) نعت لمناة، يعني الثالثة للصّنمين في الذّكر، والأخرى نعت لها أيضا.
قوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى﴾ (٢١)؛هذا إنكار عليهم في أنّهم كانوا يزعمون أنّ هذه الأصنام بنات الله، فقيل لهم: كيف جعلتم هذه الأشياء المؤنّثة أولاد الله وأنتم لا ترضون لأنفسكم الإناث وتكرهونها؟
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ (٢٢)؛أي قسمة جائرة غير عادلة، يقال: ضازه يضيزه إذا نقصه حقّه.
قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ؛﴾ معناه: وما هذه اللاّت والعزّى ومناة إلاّ أسماء سمّيتموها أنتم وآباؤكم الذين مضوا قبلكم، ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ؛﴾ وبرهان؛ أي لم ينزل كتابا لكم حجّة بما تقولون أنّها آلهة، والمعنى: ما أنزل الله بعبادتها من سلطان، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ؛﴾ في قولهم: إنّها آلهة، وقولهم: هذه بنات الله.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى﴾ (٢٣)؛معناه: ولقد جاء هم من ربهم الكتاب والرسول والبيان أنّها ليست بآلهة، وأنّ العبادة لا تصلح لها، وإنما تصلح لله . والمعنى: أنّهم يعقلون ذلك بعد أن جاءهم الهدى، وذلك أبلغ في الذمّ.
стр. 2633
قوله تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنّى﴾ (٢٤)؛أي ما اشتهى، والمراد بالإنسان الكافر، وكان الكفّار يعبدون الأصنام، ويزعمون أنّها تشفع لهم عند الله، ويتمنّون على الله الجنّة. والمعنى: أيظنّون أنّ لهم ما يتمنّون من شفاعة الأصنام، وليس كما يظنّون ويتمنون،
بل ﴿فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى﴾ (٢٥)؛لا يعطي أحدا شيئا بالتمنّي، وإنما يعطي بالحكمة وعلى سبيل الاستحقاق، فيزيد من فضله من يشاء. وقيل: معناه ﴿(فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى)﴾ أن لا يملك فيهما أحد شيئا إلاّ بإذنه، يعطي من يشاء ويحرم من يشاء.
قوله تعالى: ﴿*وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى﴾ (٢٦)؛جمع الكناية لأن المراد بقوله ﴿(وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ)﴾ الكثرة، والمعنى: لا تغني شفاعتهم أحدا إلاّ من بعد أن يأذن الله لهم في الشّفاعة، ويرضى بشفاعتهم. ويقال: ويرضى المشفوع له، وهذا كقوله ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى﴾ (٢٧) يعني أنّهم قالوا: إنّ الملائكة بنات الله، تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا.
قوله تعالى:
﴿وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ؛﴾ أي ما لهم بتلك التّسمية من علم وما يستبقون أنّهم إناث، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ (٢٨)؛أي لا يقوم الظنّ مقام الحقّ، وهذا يدلّ على أن الظّانّ غير عالم، وأنّ العبادة بالظنّ لا تدفع من عذاب الله شيئا.
قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا؛﴾ أي أعرض يا محمّد عمّن أعرض عن القرآن، ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ (٢٩)،أي ولم يرد بعلمه إلاّ الحياة الدّنيا وزينتها، وهذا مما نسخته آية القتال،
وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ؛﴾ أي لم يبلغوا من العلم إلاّ ظنّهم أنّ الملائكة بنات الله، وأنّها تشفع لهم، فاعتمدوا ذلك وأعرضوا عن القرآن.
стр. 2634
وقيل: معناه: أنّ غاية علمهم أن آثروا الدّنيا على الآخرة، وهذا غاية الجهل.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ؛﴾ أي إنه عالم بهم، فهو يجازيهم، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ (٣٠)؛أي إنه عالم بالفريقين.
قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ إخبار عن قدرته وسعة ملكه، ليجزي في الآخرة المحسن والمسيء، معناه: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا؛﴾ أي أشركوا، ﴿بِما عَمِلُوا؛﴾ من الشّرك، ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا؛﴾ أي وحّدوا ربّهم، ﴿بِالْحُسْنَى﴾ (٣١)؛أي بالجنّة.
ثم نعتهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ؛﴾ فكبائر الإثم وهو كلّ ذنب ختم بالنار، والفواحش: كلّ ذنب فيه حدّ. قوله تعالى: ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ؛﴾ هذا استثناء منقطع ليس الكبائر والفواحش.
وقال ابن عبّاس: (أشبه شيء باللّمم ما قاله أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنّه قال: [إنّ الله كتب على ابن آدم حظّه من الزّنى، وهو الله يدرك ذلك لا محالة، فزنى العينين النّظر، وزنى اللّسان النّطق، وزنى الشّفتين التّقبيل، وزنى اليدين البطش، وزنى الرّجلين المشي، والنّفس تتمنّى وتشتهي، والفرج يصدّق ذلك كلّه أو يكذّبه، فإن تقدّم بفرجه كان زانيا وإلاّ فهو اللّمم]) (١).
وفي هذا دليل أن الأشياء إذا وجدت على التعمّد لم تكن من اللّمم، واللّمم ما يكون من الفلتات النادرة التي لا يملكها ابن آدم من نفسه؛ لأنّ الأمّة اجتمعت على أنّ متعمّد النظر إلى ما لا يحلّ فاسق.
واللّمم في اللغة: هو مقاربة الشّيء من غير دخول فيه، يقال: ألمّ بالشّيء يلمّ إلماما إذا قاربه. وعن هذا يقال: صغائر الذّنوب كالنّظرة والقبلة والغمزة، وما كان
стр. 2635
دون الزّنى، وقال ابن عبّاس: (اللّمم: النّظرة من غير تعمّد وهو مغفور، فإن أعاد النّظر فليس بلمم وهو الذنب) (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ؛﴾ أي إنّ رحمة ربك تسع جميع الذّنوب، ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ معناه: هو أعلم بكم من أنفسكم إذ خلق أباكم آدم من التراب. والجنين: ما كنتم صغارا في أرحام أمّهاتكم علم عند ذلك ما يستحصل منكم، والأجنّة: جمع جنين، والمعنى: علم الله من كلّ نفس ما هي صانعة، وإلى ما هي صائرة، ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ؛﴾ بما ليس فيها ولا تبرّءونها من العيوب التي فيها.
وقيل: معناه: لا تزكّوا أنفسكم بما عملتم، لا يقولنّ رجل: عملت كذا، وتصدّقت بكذا؛ ليكون أبلغ بالخضوع وأبعد من الرّياء. وقيل: معناه: لا تبرّءوا أنفسكم من الآثام وتمدحونها بحسن عملها، ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ (٣٢)؛ الشّرك وآمن وأطاع وأخلص العمل.
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى﴾ (٣٤)؛ يعني الوليد بن المغيرة، أعرض عن التصديق بالنبيّ ﷺ وأعطى قليلا من الحقّ بلسانه ثم قطع، وكان الوليد قد اتّبع النبيّ ﷺ على دينه، فغيّره بعض المشركين فترك دينه، فقال: إنّي خشيت من عذاب الله، فضمن الذي عاينه إن هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه، أن يتحمّل عنه العذاب، ففعل. يعني رجع إلى الشّرك وأعطاه ذلك الرجل بعض ما كان ذكر له من المال ومنعه تمامه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى، وَأَعْطى قَلِيلاً)﴾ (٢) أي أدبر عن إيمانه وأعطى صاحبه قليلا من المال الذي وعده به (وأكدى) أي بخل بالباقي.
стр. 2636
قال المفسّرون: (أكدى) أي قطعه ولم يتمّ عليه، وأصله من الكدية، وهو حجر يظهر في البئر ويمنع من الحفر ويؤس من الماء، قال الكلبيّ: (يقال: أكدى الحافر وأجبل؛ إذا بلغ في الحفر الكدية والجبل).
قوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى﴾ (٣٥)؛أي يعلم أن صاحبه يتحمّل عنه عذابه.
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ (٣٧)؛معناه: ألم يخبر بما كان مكتوبا في صحف موسى؛ يعني التوراة، وما في صحف إبراهيم ﴿(الَّذِي وَفّى)﴾ أي تمّم وأكمل ما أمر به. وقيل:
معناه: وإبراهيم الذي بلّغ قومه وأدّى إليهم ما أمر به.
وقيل: أكمل ما يجب لله عليه من الطاعة في كلّ ما أمر به وامتحن به كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (١).وقيل: معنى ذلك: أنّه كان عاهد أن لا يسأل مخلوقا قطّ خوفا بذلك، حتى قال له جبريل في الوقت الذي أراد قومه أن يلقوه في النار: هل لك حاجة؟ أجابه: أمّا إليك فلا. وقيل: معناه: وفي رؤياه وقدم بذبح ابنه. وقيل: أدّى الأمانة ووفّى شأن المناسك.
قوله تعالى: ﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ (٣٨)؛هذا بيان لما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفّى، ومعناه: لا تحمل حاملة حمل أخرى؛ أي لا تعذب نفس بذنب غيرها، هذا إبطال لقول من ضمن الوليد أن يحمل عنه الإثم، وهذا عامّ في كلّ شريعة.
وعن ابن عبّاس ﵁ أنه قال: (كانوا قبل إبراهيم يأخذون الرّجل بذنب غيره، ويأخذون الوليّ في القتل بابنه وأخيه وأبيه وعمّه وخاله، والزّوج يقتل بامرأته، والسّيّد بعبده، فلمّا بعث محمّد ﷺ نهاهم عن ذلك وبلّغهم أن لا تزر وازرة وزر أخرى) (٢).
стр. 2637
يقال: وزرت الشّيء آزره إذا حملته، والأوزار: الأحمال، ويسمّى الإثم وزرا؛ لأن الإثم يثقل صاحبه، كما قال تعالى ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ (١).ويسمّى الوزير وزيرا ليحمل ثقل الملك في قيامه بالتدبّر.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ (٣٩)؛أي ليس له إلاّ جزاء ما عمل من خير وشرّ، وهذا عطف على قوله تعالى ﴿(أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ)﴾ وهو أيضا مما في صحف موسى وإبراهيم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ (٤٠)؛معناه: وإنّ عمله سوف يرى في الأخرى في ديوانه وميزانه،
﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى﴾ (٤١)؛لا ينقص من ثواب عمله شيء.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ (٤٢)؛أي منتهى العباد ومصيرهم، وهو مجازيهم بأعمالهم. وقيل: منه ابتداء المنّة وإليه انتهاء الآمال.
وعن أبي بن كعب عن النبيّ ﷺ في قوله تعالى ﴿(وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى)﴾ قال:
[لا فكر في الرّب] (٢).والشاهد في هذا الحديث قوله ﷺ : [إذا ذكر الله فانتهوا] (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يتفكّرون، فقال: [فيم أنتم تتفكّرون؟] قالوا: نتفكّر الخالق، فقال: [تفكّروا في الخلق ولا تتفكّروا في الخالق، فإنّه لا يحيط به الفكر، تفكّروا في أنّ الله خلق السّماوات سبعا والأرض سبعا ثخانة؛ كلّ أرض خمسمائة عام، وما بين كلّ أرضين خمسمائة عام، وما بين السّماء والأرض خمسمائة عام، وثخانة كلّ سماء خمسمائة عام، ما بين كلّ
стр. 2638
سماءين خمسمائة، وفي السّماء السّابعة بحر عمقه مثل ذلك كلّه، فيه ملك قائم لم يجاوز الماء كفّيه] (١).
قوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى﴾ (٤٣)؛أي أضحك من شاء من خلقه، وأبكى من شاء منهم، وقال الكلبيّ: (أضحك أهل الجنّة فيها، وأبكى أهل النّار فيها).وقال عطاء: (معناه: وإنّه هو أفرح وأحزن).وقال الضحّاك: (أضحك الأرض بالنّبات، وأبكى السّماء بالمطر).وقيل: أضحك الأشجار بالأثمار، وأبكى السّحاب بالأمطار).
وقال ذو النّون: (أضحك قلوب العارفين بشمس معرفته، وأبكى قلوب العاصين بظلمة نكرته ومعصيته).وقال سهل: (أضحك المطيع بالرّحمة، وأبكى العاصي بالسّخط).وسئل ظاهر المقدسيّ: أتضحك الملائكة؛ فقال: (ما ضحكت من دون العرش منذ خلق الله جهنّم).
وقيل لعمر ﵁: هل كان أصحاب رسول الله يضحكون؟ قال: (نعم، والإيمان والله أثبت في قلوبهم من الجبال الرّواسي) (٢).وقال محمّد بن علي الترمذي: (معنى الآية: هو أضحك المؤمن في الآخرة وأبكاه في الدّنيا، وأضحك الكافر في الدّنيا وأبكاه في الآخرة) (٣).
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا﴾ (٤٤)؛أي أمات في الدّنيا وأحيا في البعث للجزاء. وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء. وقيل: أمات الكافر بالنكدة والقطيعة، وأحيا المؤمن بالمغفرة والوصلة، قال الله ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ﴾ (٤).
стр. 2639
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى﴾ (٤٦)؛أي خلق الصّنفين الذكر والأنثى من كلّ حيوان من نطفة إذا تقذف في الرّحم لتقدير الولد، والمعنى: ما يقدّر منه الولد.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى﴾ (٤٧)؛يعني بالنّشأة الأخرى الخلق الثاني للبعث يوم القيامة يعيدهم أحياء.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى﴾ (٤٨)؛قال الضحّاك: (معناه: أغنى بالذهب والفضّة وصنوف الأموال كالإبل والبقر والغنم) (١).وقال الحسن وقتادة:
(أغنى وأخدم) (٢).
وقال ابن عبّاس ﵁: (أغنى وأرضى بما أعطى) (٣).وقيل: معناه: أغنى وأفقر، وقيل: أغنى؛ أي أكثر، وأقنى أي أقلّ، ونظيره قوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (٤).
وقال الأخفش: (أقنى: أفقر وأجوع)،وقيل: أقنى بأرباح الأموال وفروعها، وأقنى بأصولها، فالأولى: مثل الذهب والفضّة، يتصرف بهما ويربح عليهما، والثانية:
مثل الضّياع والأنعام، يستبقي الإنسان أصولها وينتفع بما يحصل له منها.
قوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى﴾ (٤٩)؛وهو كوكب خلف الجوزاء، كان يعبده أناس من خزاعة، قال الله: أنا ربّ الشّعرى فاعبدوني، يقال للشّعرى: مرزم الجوزاء (٥).وهما شعرتان؛ أحدهما: العبور؛ والأخرى: الغميصاء، وأراد ههنا الشّعرى العبور، أعلم الله تعالى أنه ربّ الشّعرى وخالقها، وأنه هو المعبود لا معبود سواه.
стр. 2640
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى﴾ (٥١)؛ معناه: وأنه أهلك قوم هود بريح صرصر، وهم أوّل عاد كانوا، وأوّل عاد الأخرى فاقتتلوا فيما بينهم فتفانوا بالقتل، وكانت عاد الأخرى من نسل عاد الأولى.
وقرأ نافع وأبو عمرو ويعقوب: «(عادا الأولى)» مدغما، وهمز الواو نافع، وقرئ بإسكان اللام وإثبات الهمز وهي الأصل في الكلام (١).
قوله تعالى: ﴿(وَثَمُودَ فَما أَبْقى)﴾ وأهلك قوم صالح بالصّيحة فما أبقى منهم أحدا.
قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ؛﴾ أي وأهلكنا قوم نوح من قبل عاد وثمود، ﴿إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى﴾ (٥٢)؛من غيرهم، لأنّ نوحا ﵇ لبث فيهم ألف سنة إلاّ خمسين عاما فما آمن منهم إلاّ أنفس يسيرة.
قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ (٥٣)؛معناه: وقرى قوم لوط الأربع رفعها جبريل إلى السّماء الدنيا فأسقطها إلى الأرض. والمعنى: أهواها جبريل إلى الأرض بعد ما رفعها، وأتبعهم الله الحجارة، فذلك
قوله تعالى: ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ (٥٤)؛يعني الحجارة والجزاء والنّكال. وسميت المؤتفكة من قولهم:
أفكته؛ أي قلبته، والمؤتفكة هي المنقلبة.
قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ (٥٥)؛أي فبأيّ نعم ربك أيّها الإنسان تتشكّك وترتاب، قال ابن عبّاس: (يريد: فبأيّ نعم ربك الّتي تدلّ على وحدانيّته تشكّك وتكذّب يا وليد) يعني الوليد بن المغيرة.
وذلك أنّ الله تعالى لمّا عدّد ما فعله مما يدلّ على وحدانيّته قال ﴿(فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى)﴾.فإن قيل: ما معنى ذكر النّعم ههنا وقد تقدّم ذكر الإهلاك؟ قلنا: إنّ النّعم التي عدّت قبل هذه نعم علينا لما نالنا فيها من المزاجر، كيلا يسلك منا أحد مسالكها.
стр. 2641
قوله تعالى: ﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى﴾ (٥٦)؛يعني محمّد ﷺ من النّذر الأولى من الرّسل قبله، والمعنى: هذا الرسول نذير لكم مجراه في الإنكار مجرى من تقدّمه من الأنبياء ﵈.
وقوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ (٥٧)؛أي دنت القيامة واقتربت.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ (٥٨)؛أي ليس للقيامة إذا غشيت الخلق شدائدها أحد يكشف عنهم، وهذا قول عطاء والضّحاك (١) وقتادة وثابت، (كاشفة) على تقدير: ليس لها نفس كاشفة، ويجوز قوله (كاشفة) مصدرا كالجاثية والعاقبة؛ أي (ليس لها من دون الله كاشفة) أي لا يكشف عنها غيره، ولا يعلم متى هو إلاّ هو، وهذا كقوله ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ﴾ (٦٠) الخطاب لمشركي قريش، والمعنى: أفمن هذا القرآن الذي يتلى عليكم تعجبون من إنزاله على محمّد تكذيبا، وتضحكون استهزاء ولا تبكون مما فيه من الوعيد والزّواجر والتخويف.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾ (٦١)؛أي لاهون غافلون عنه، يقال: دع عنك سمودك؛ أي لهوك، قال أميّة:
ألا أيّها الإنسان إنّك سامد ... لا تفنى ولا أنت هالك
والسّمود: هو الغفلة والسّهو عن الشيء، وقال الكلبيّ: (السّامد: الجدّ (٣) بلسان قريش، وبلسان اليمن: اللاّهي)،قال الضحّاك: (سامدون: أي أشرون بطرون) (٤)، وقال مجاهد: (سامدون؛ أي مبرطمون) (٥)،والبرطمة: أن يدلي الإنسان شفته من الغضب، وفي لغة اليمن: أسمد لنا؛ أي أعن لنا.
стр. 2642
وعن أبي هريرة قال: لمّا نزلت هذه الآية ﴿(أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ، وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ)﴾ بكى أهل الصّفّة حتّى جرت دموعهم على خدودهم، فلمّا سمع النّبيّ ﷺ حنينهم بكى معهم فبكينا، فقال ﷺ : [لا يلج النّار من بكى معهم من خشية الله، ولا يدخل الجنّة مصرّ على معصية الله، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم] (١).
قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (٦٢)؛أي اخضعوا له بالتوحيد واعبدوه ولا تعبدوا أحدا غيره. ويجوز أن يكون السّجود ههنا كناية عن الصّلاة.
وعن ابن عبّاس قال: (قرأ رسول الله ﷺ سورة النّجم فسجد فيها معه المسلمون والمشركون والجنّ والإنس) (٢).
آخر تفسير سورة (والنجم) والحمد لله رب العالمين
стр. 2643
سورة القمر
سورة القمر مكّيّة، وهي ألف وأربعمائة وثلاثة وعشرون حرفا، وثلاثمائة واثنان وأربعون كلمة، وخمس وخمسون آية.
قال النّبيّ ﷺ : [من قرأ سورة القمر بعثه الله يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (١)؛معناه: دنت القيامة وحدث علم من أعلامها، وهو انشقاق القمر،
﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً؛﴾ يعني أهل مكّة علامة تدلّهم على وحدانيّة الله ونبوّة محمّد ﷺ ، ﴿يُعْرِضُوا؛﴾ أي يجحدوا، ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (٢)؛أي شديد قويّ من المرّة وهي القوّة.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ؛﴾ أي كذبوا الرّسل وثبتوا على التكذيب وعملوا بهوى أنفسهم في عبادة الأصنام، ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ؛﴾ بما أخبر الله به من الأمور الماضية والمنتظرة، ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ (٣)؛أي ثابت لا تلحقه الزيادة والنقصان والتغيير والتبديل.
وسبب نزول هذه الآيات، هو ما روي: أنّ أهل مكّة سألوا رسول الله ﷺ آية وهم في المسجد الحرام حين قال أبو جهل: واللات والعزّى! لئن أتيت آية كما أتت به الرّسل قبلك لنؤمننّ لك، فقال ﷺ : [وماذا عليك لو حلفت بالله العظيم؟] فقال: ورب هذه الكعبة لئن أتيت بآية كما أتت به الرّسل قبلك لآمنّا بك.
стр. 2644
وقال ابن عبّاس ﵁: (اجتمع المشركون إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إن كنت صادقا فشقّ لنا القمر، فقال لهم رسول الله ﷺ : [إن فعلت تؤمنون؟] قالوا: نعم، فسأل رسول الله ﷺ ربّه أن يعطيه ما قالوا، فانشقّ القمر فرقتين، فقال ﷺ : [يا فلان؛ ويا فلان؛ ويا فلان: اشهدوا]) (١).
وعن ابن مسعود قال: (أشار إلى القمر فانفلق فلقتين، فكانت إحداهما فوق الجبل، والأخرى أسفل من الجبل حتّى رأى الجبل بين فلقتي القمر، وقال:
[اشهدوا] فقال أبو جهل: إنّ محمّدا سحر القمر! ثمّ قال أبو جهل لأصحابه:
ابعثوا بالرّسل إلى البلاد فإن عاينوا من ذلك ما عاينّا فهو آية، وإلاّ فهو سحر. فبعثوا الرّسل إلى جميع البلاد، فإذا النّاس يتحدّثون بانشقاق القمر، فلمّا رجعوا إليهم وأخبروهم به قالوا: إنّ هذا ساحر داهي! (٢)
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ (٤)؛يعني أهل مكّة جاءهم من أخبار الأمم المكذّبة في القرآن ما فيه منتهى لهم عمّا هم فيه من الكفر والفسوق.
قوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ؛﴾ بدل من (ما) والمعنى: جاءهم حكمة في نهاية الحكم والصّواب. وقيل: المراد بالحكمة البالغة القرآن. قوله تعالى: ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ (٥)؛ما تغني الرّسل صلوات الله عليهم عن قوم لا يتدبّرون ولا يتفكّرون في الآية والنّذر.
قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ؛﴾ أي أعرض عنهم فليس عليك إجبارهم على الدّين، وإنّما عليك إقامة الحجّة وقد بالغت فيها، وهذه الآية منسوخة بآية القتال. وهذا وقف تامّ، وقوله تعالى ﴿(يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ)﴾ ابتداء الكلام كلام.
стр. 2645
قال مقاتل: (أراد بالدّاعي إسرافيل ينفخ قائما على صخرة بيت المقدس) ﴿إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ (٦)؛أي إلى أمر فظيع لم يروا مثله فينكرونه استعظاما (١)،وذلك قوله تعالى: ﴿(إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ)﴾.وقوله تعالى ﴿(يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ)﴾ منصوب على معنى واذكر.
قوله تعالى: ﴿خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ؛﴾ نصب على الحال من يخرجون، وذلك دليل على تقدّم الحال على الفعل المتصرّف، وكذلك يقال: راكبا جاء زيد كما يقال جاء زيد راكبا، وتقديره: ويخرجون من الأجداث خشّعا أبصارهم.
قرأ أبو عمرو ويعقوب وحمزة والكسائي وخلف: «(خاشعا)» بالألف، وقرأ الباقون: «(خشّعا)» على الجمع (٢).قال الفرّاء: (يجوز في أسماء الفاعلين إذا تقدّمت على الجماعة التّوحيد والجمع والتّأنيث، يقال: مررت بشباب حسن أوجههم، وحسان أوجههم، وحسنة أوجههم) (٣).وفي قراءة عبد الله: «(خاشعة أبصارهم)» أي ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب.
قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ (٧)؛أي يخرجون عند النّفخة من القبور فزعين لا يهتدون إلى شيء، يحول بعضهم إلى بعض مثل الجراد المنتشر. والمعنى: أنّهم يخرجون فزعين لا جهة لأحد منهم فيقصدها، والجراد لا جهة له تكون أبدا مختلفة بعضها فوق بعض.
قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ؛﴾ أي منقلبين إلى صوت إسرافيل ناظرين متحيّرين مسرعين إليه، ﴿يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ (٨)؛أي صعب شديد، قال ابن عبّاس: (عسر على الكافرين وسهل يسير على المؤمنين).
والإهطاع: الإسراع.
стр. 2646
قوله تعالى: ﴿*كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا؛﴾ أي كذبت قبل قومك قوم نوح كما كذبك قومك، ونسبوا نوحا إلى الجنون، كما نسبك قومك إلى الجنون، ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ (٩)؛أي فكذبوا عبدنا نوحا وقالوا: مجنون وزجروه عن دعائهم إياهم إلى الإيمان بالشّتم والوعيد، ف ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ (١٠)؛معناه: فدعا نوح ربّه أنّي مغلوب بينهم ومقهور، فانتقم لي ممّن كذبني، ومعنى قوله تعالى (فانتصر) أي فانتقم منهم لدينك، وإنما دعا عليهم بالهلاك بعد ما أذن له في الدّعاء.
فأجاب الله دعاءه فقال الله تعالى: ﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ (١١) أي بماء سيل منصبّ انصبابا شديدا لا ينقطع، متدفّق مع كثرة شديدة، قال الكلبيّ:
(انصبّ أربعين يوما).وقرئ «(ففتّحنا)» بالتشديد على تكثير الفعل، وذكر الأبواب في الآية على معنى أنّ إجراء الماء كان بمنزلة جريانه كأنّه فتح عنه بابا كان مانعا له.
قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً؛﴾ أي شقّقنا الأرض عيونا، ﴿فَالْتَقَى الْماءُ؛﴾ ماء السّماء وماء الأرض؛ ﴿عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ (١٢)؛في اللّوح المحفوظ وهو هلاك القوم، وقرأ الجحدري: «(فالتقى الماءان)».
قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ﴾ (١٣)؛معناه: وحملنا نوحا ومن آمن معه على سفينة ذات ألواح وهي خشباتها، (ودسر) يعني المسامير يشدّ بها الألواح واحدها دسار، والمعنى على سفينة ذات ألواح ومسامير.
قوله تعالى:
﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنا؛﴾ أي تجري بحفظنا، ووحينا وأمرنا حتى لا يقع فيها شيء من الماء وتتكسّر ولا تغرق، وقوله تعالى: ﴿جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ (١٤)؛أي فعلنا ذلك من إنجائه وإغراقهم ثوابا لمن كفر به وجحد أمره، وهو نوح ﵇ كفره قومه وجحدوا به، وقرأ مجاهد «(جزاء لمن كان كفر)» بفتح الكاف والفاء، يعني كان الغرق
стр. 2647
جزاء لمن كفر بالله وكذب رسوله (١).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً؛﴾ يعني تركنا هذه الفعلة، ويقال: السفينة التي يصنعها الناس على مثال سفينة نوح ﵇ علامة للناس ليعتبروا ويستدلّوا بها على توحيد الله، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١٥)،فهل من متّعظ معتبر متدبر متفكّر يعلم أنّ ذلك حقّ فيعتبر.
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ (١٦)؛معناه: فانظر يا محمّد كيف كان عقوبتي فيمن أنذرهم الرسل فلم يؤمنوا، وهذا استفهام ومعناه: التعظيم لذلك العذاب، وهذا تخويف لمشركي مكّة.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ؛﴾ أي سهّلناه للحفظ والقراءة والكتابة، وقال سعيد بن جبير: (ليس كتاب من كتب الله يقرأ كلّه ظاهرا إلاّ القرآن) (٢)،وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١٧)؛أي فهل ذاكر يذكره وقارئ يقرؤه، ومعناه: الحثّ على قراءة القرآن ودرسه وتعلّمه، ولولا تسهيل الله علينا ذلك لم يستطع أحد أن يلفظ به.
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً؛﴾ أي باردة شديدة البرد وشديدة الهبوب، ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ (١٩)؛أي يوم مشئوم عليهم، دائم الشّؤم، روي: أنه كان يوم الأربعاء الذي في آخر الشّهر لا يدور. ويقال: معنى قوله (مستمرّ) استمرّ بهم العذاب إلى نار جهنّم.
قوله تعالى: ﴿تَنْزِعُ النّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (٢٠)؛أي تقلع الناس من الأرض من تحت أقدامهم، ثم ترمي بهم على رءوسهم فتدقّ رقابهم وتقطع أعناقهم، فتبقي أجسادهم كأنّها أعجاز نخل مقطّع.
стр. 2648
ويقال في معنى ﴿(تَنْزِعُ النّاسَ)﴾ لأنّهم ضربوا بأرجلهم في الأرض فغيّبوها إلى قريب من ركوبهم وقالوا: قل للرّيح حتى يرفعنا، فجعلت الريح تدخل تحت أقدامهم وترفع كلّ اثنين وتضرب بأحدهما إلى الآخر في الهواء، ثم تلقيهما في الوادي، والباقون ينظرون إليهم حتى رفعتهم كلّهم وصيّرتهم في الأرض ﴿(كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ)﴾ أي ساقط، ثم رمت بالتّراب عليهم، فكان يسمع أنينهم من تحت التّراب.
يقال: قعر النّخلة إذا قلعتها من أصلها حتى تسقط، شبّههم في طولهم حين صرعتهم الريح وكبّتهم على وجوههم بالنّخلة الساقطة على الأرض التي ليس لها رءوس، وذلك أنّ الريح قلعت رءوسهم أوّلا ثم كبّتهم على وجوههم.
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٢٢)؛إنما كرّره لأنه ذكر في كلّ فصل نوعا من الإنذار والتّعذيب، انعقد التذكير شيء شيء منه على التفصيل.
قال ابن الأنباريّ: (وسئل المبرّد عن ألف مسألة هذه من جملتها: وهو أنّ السّائل قال له: ما الفرق بين قوله ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ (١) وقوله تعالى ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً﴾ (٢)،وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ و ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ (٣)،فقال: كلّ ما ورد عليك من هذا الباب فلك أن تردّه إلى اللّفظ تذكيرا، ولك أن تردّه إلى المعنى تأنيثا) (٤).
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ (٢٣)؛أي بالإنذار الذي جاءهم به صالح ﵇،
﴿فَقالُوا أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ؛﴾ أي هو آدميّ مثلنا وهو واحد فلا نكون له تبعا، ﴿إِنّا إِذاً؛﴾ إن فعلنا ذلك، ﴿لَفِي ضَلالٍ؛﴾ وذهاب عن الحقّ، ﴿وَسُعُرٍ﴾ (٢٤)؛أي وشقاء وشدّة عذاب مما يلزمنا من طاعته، وقال عطاء:
стр. 2649
(معنى قوله (وسعر) أي وجنون، من قولهم: ناقة مسعورة؛ إذا كان بها جنون من النّشاط، وهو من سعر النّار إذا التهبت) (١).
قوله تعالى: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا؛﴾ أنكروا أن يكون الوحي يأتيه، فقالوا: كيف خصّ من بيننا بالنّبوّة والوحي، ﴿بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ﴾ (٢٥)؛فيما يقول، (أشر) أي بطر متكبر يريد أن يتكبّر علينا بالنبوّة،
قال الله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً؛﴾ حين ينزل بهم العذاب، يعني يوم القيامة، ﴿مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ (٢٦)؛أهم أم صالح؟
قوله تعالى: ﴿إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ؛﴾ أي إنّا مخرجو الناقة من الصّخرة تشديدا عليهم في التكليف، وذلك أنّهم تعنّتوا صالحا فسألوا أن يخرج لهم من صخرة حمراء عشراء، وقوله: ﴿فَارْتَقِبْهُمْ؛﴾ أي فانتظرهم ما هم صانعون، ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ (٢٧)؛على أذاهم ولا تعجل حتى يأتيهم أمري.
قوله: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ؛﴾ أي أخبرهم أنّ الماء مقسوم بين الناقة وولدها، وبينهم وبين مواشيهم، يوم لهما ويوم لهم. قوله تعالى: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ (٢٨)؛أي كلّ منهم يحضر نوبته، فتحضر الناقة وولدها يوم نوبتهما، ويحضر القوم يوم نوبتهم. والشّرب: نصيب من الماء، والشّرب-بضم الشّين-:فعل الشّارب.
قوله تعالى: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ؛﴾ أي نادوا قدار بن سالف عاقر الناقة، ﴿فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ (٢٩)؛وذلك أنّهم لمّا مكثوا قسمة الماء زمانا، ثم ضاق عليهم الأمر على مواشيهم بسبب الناقة، غلب عليهم الشّقاء، وتواطأ طائفة منهم على قتلها، فنادوا صاحبهم الذي كمن لهما.
وذلك أنه رماها رجل منهم يقال له: مصدع بن دهر بسهم فضربها على ساقها، فنادوا قدار بن سالف، وقالوا له: دونك الناقة قد مرّت بك فاضربها، فتعاطى قدار عقر الناقة، فعقرها بأن ضرب ساقها الأخرى فسقطت على جنبها، وقطّعوا
стр. 2650
لحمها وقسموه، فعاقبهم الله بصيحة فأهلكهم وهو
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ (٣١)؛قال عطاء: (يريد صيحة جبريل ﵇ أسمعهم الله إيّاها فهلكوا، وصاروا كالورق المتهشّم الّذي يجمعه صاحب الحضيرة إذا يبس غاية اليبس، وتحطّم غاية الانحطام) (١).
قال ابن عبّاس: (هو رجل يجعل الغنمة حظيرة بالشّجر والشّوك ليحرسها من السّباع، فما سقط من ورق ذلك الشّجر ويبس، وداسته الغنم وتحطّم وهو الهشيم) (١).وقال ابن زيد: (الهشيم هو الشّجر البالي الّذي تهشّم حتّى ذرّته الرّيح، والعرب تسمّي كلّ شيء كان رطبا فيبس فهو هشيم) (١)
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٣٢).
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً؛﴾ أي ريحا ترميهم بالحصباء، والحصباء: هي الحجارة التي هي دون ملء الكفّ، قال ابن عبّاس: (يريد ما صبّوا به من السّماء من الحجارة)،وقوله تعالى: ﴿إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ﴾ (٣٤)؛يعني بنتيه وزوجته المؤمنة، نجّاهم الله من العذاب،
﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا،﴾ بأن أمرهم بالخروج في وقت السّحر، وكانت نجاتهم نعمة من الله عليهم، ﴿كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ (٣٥)؛وكذلك يجزي الله كلّ من عرف إنعامه وقابله بالشّكر.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا؛﴾ أي خوّفهم لوط عذابنا، ﴿فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ (٣٦)،فشكّوا في الإنذار؛ أي فتدافعوا بالحجاج الباطل، ويقال: جادلوه في أمر الرّسالة ولم يصدّقوه.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ؛﴾ أي طلبوا أن يسلّم إليهم أضيافه وهم الملائكة قصدا منهم إلى عملهم الخبيث، فأمر الله جبريل أن يصفق بجناحه فأعماهم فبقوا حيارى، ومعنى: ﴿فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ؛﴾ أي أعميناهم
стр. 2651
وصيّرناهم كسائر الوجه لا يرى له شقّ، فكانوا عميانا متحيّرين لا يهتدون إلى الباب، فقيل لهم: ﴿فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ﴾ (٣٧)؛يقال: فلان مطموس البصر إذا كان موضع عينيه أملس، لا أثر به للعين من الجفن والحدقة.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً؛﴾ أي أتاهم العذاب صباحا، يعني أخذهم عند الصّبح، ﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ (٣٨)،عذاب دائم متّصل بعذاب الآخرة.
قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٤٠)؛قد مضى تفسيره.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ (٤١)؛قيل: إنّ المراد بالنّذر:
موسى ﵇ وهارون، وأسماء الجمع يطلق على الاثنين. وقيل: أراد به الآيات التي فيها الإنذار، وقيل: المواعظ.
قوله تعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ؛﴾ أي فأخذناهم بالعذاب، ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (٤٢)،غالب في انتقامه، متقدر قادر على إهلاكهم، والعزيز القويّ الذي لا يلحقه ضعف ولا عجز، ولا يعتريه منع ولا دفع.
قوله تعالى: ﴿أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ؛﴾ معناه: أكفّاركم يا أهل مكّة أشدّ وأقوى من أولئكم الذين قصصنا ذكرهم، وهذا استفهام ومعناه الإنكار؛ أي ليسوا أقوى من قوم نوح وعاد وثمود. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ (٤٣)؛ معناه: ألكم براءة من العذاب في الكتب لن يصيبكم ما أصاب الأمم الخالية.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ (٤٤)؛معناه: أم يقولون نحن جميع واحد ومتّفقون على الانتصار من أعدائنا. ووحّد المنتصر للفظ الجميع وهو واحد في اللفظ.
قال الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (٤٥)؛أي سيهزم الجمع كفّار مكة يوم بدر، ويولّون الدّبر منهزمين. ومعنى الآية: أنّ كفار مكّة يقولون: (نحن جميع منتصر) أي جماعة لا نضام (١) ولا نرام، ولا يصدّنا أحد بسوء ولاء، ولا أحد
стр. 2652
يفرّق جمعنا، وكان من حقّه أن يقول: نحن جميع منتصرون؛ إلاّ أنه تبع رءوس الآي.
وقوله تعالى ﴿(سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ)﴾ قراءة الكافّة بالياء على ما لم يسمّ فاعله. وقرأ يعقوب بالنون وكسر الزاي «(الجمع)» بالنصب.
وإنما وحّد الدّبر لأجل رءوس الآي، قال مقاتل: (ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر وتقدّم الصّفّ، وقال: نحن ننتصر اليوم من محمّد وأصحابه، فهزمهم الله تعالى) (١).
قوله تعالى: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ (٤٦)؛فيه بيان ما نزل بهم من القتل والأسر ببدر لم يكن كافيا في عقوبتهم، بل القيامة موعدهم، والقيامة أعظم في الدّهاء وأشدّ مرارة من القتل والأسر في الدّنيا، وكلّ داهية فمعناها الأمر الشّديد.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ (٤٧)؛أراد بالضّلال الذهاب عن الصّواب في الدّنيا، وبالسّعر عذاب النار في العقبى.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ؛﴾ يوم تجرّهم الملائكة في النار على وجوههم فيقول لهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ (٤٨)؛وسقر اسم من أسماء دركات جهنّم.
قال أبو أمامة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إنّ هذه الآية نزلت في القدريّة:
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾] (٢).
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : [مجوس هذه الأمّة القدريّة، وهم المجرمون الّذين سمّاهم الله ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾] (٣).
стр. 2653
وعن هشام بن حسّان قال: سمعت الحسن يقول: (والله لو أنّ قدريا صام حتّى يصير كالجبل، ثمّ صلّى حتّى يصير كالوتر، ثمّ أخذ ظلما وزورا حتّى ذبح بين الرّكن والمقام، لكبه الله على وجهه في سقر، ثمّ قيل له: دق مسّ سقر) (١).
قوله تعالى: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤٩)؛معناه: كلّ ما خلقنا فمقدور ومكتوب في اللّوح المحفوظ قبل وقوعه.
عن رسول الله ﷺ أنّه قال: [إنّ قدّر المقادير وتدبّر التّقدير قبل أن يخلق آدم ﵇ بألفي عام] (٢).وقال ﵇: [الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن] (٣).وانتصب قوله تعالى: ﴿(كُلَّ شَيْءٍ)﴾ بفعل مضمر؛ كأنه قال: إنّا خلقنا كلّ شيء بقدر.
وعن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا جمع الله النّاس يوم القيامة، نادى مناد يسمعه الأوّلون والآخرون: أين خصماء الله؟ فتقوم القدريّة فيقال لهم:
ذوقوا مسّ سقر] (٤).
قوله تعالى: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ (٥٠)؛معناه: وما أمرنا بقيام السّاعة أو غير ذلك إلاّ كلمة واحدة لا تثنّى كطرف البصر، بل هو أسرع، ومعنى اللّمح: النّظر بالعجلة.
стр. 2654
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ؛﴾ معناه: ولقد أهلكنا أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم الماضية، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٥١)،هل من متّعظ يتّعظ بهم.
قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ (٥٢)؛ومعناه: كلّ شيء فعلوه وقالوا من خير أو شرّ؛ يعني الأشياع؛ مكتوب في اللّوح المحفوظ قبل أن يفعلوه،
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ؛﴾ من الذّنوب والخلق والأعمال، ﴿مُسْتَطَرٌ﴾ (٥٣)؛ مكتوب على فاعله قبل أن يفعلوه، تكتبه الملائكة في ديوان ليجزيهم الله على أفعالهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ (٥٤)؛معناه: إنّ الذين يتّقون الشّرك والكبائر والفواحش في بساتين وأنهار جارية من الماء والخمر واللّبن والعسل،
قوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ؛﴾ أي مجلس حسن وموضع قرار وأمن من وقوع الحوادث، ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (٥٥)؛أي عند مليك قادر على الثّواب والعقاب، قادر لا يعجزه شيء وهو الله ، ومقعد الصّدق هو الجنّة، مدح الله المكان بالصّدق، ولا يقعد فيه إلاّ أهل الصّدق.
وإنما قال (ونهر) موحّدا لأجل رءوس الآي كقوله تعالى ﴿(وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)﴾، وقال الضحّاك: (معناه: في فضاء وسعة ونور ومنه النّهار، ومن ذلك نهرت الفضّة إذا وسّعتها) (١)،وقرأ الأعرج وطلحة «(ونهر)» بضمّتين كأنه جمع نهار لا ليل (٢).
آخر تفسير سورة (القمر) والحمد لله رب العالمين
стр. 2655
سورة الرحمن
سورة الرحمن مكية، في قول أكثر المفسرين، وقال الحسن: (مدنية)،وهي ألف وستمائة وست وثلاثون حرفا، وثلاثمائة وواحد وخمسون كلمة، وثمان وسبعون آية.
قال رسول الله ﷺ : [من قرأ سورة الرحمن رحم الله ضعفه، وكان مؤديا شكر ما أنعم الله عليه] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (٢)؛هذا جواب لقول كفار قريش حين قالوا: إن محمدا يقول ما يقول من تلقاء نفسه، ولم يوح إليه شيء، ومنهم من كان يقول: إنما يعلمه بشر، فرد الله عليهم مقالتهم وبين أنه هو الذي علم محمدا القرآن على لسان جبريل ﵇.
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ (٤)؛قيل: المراد منه آدم ﵇ علمه الله جميع اللغات وأسماء كل شيء، وكان آدم ﵇ يتكلم سبعمائة ألف لغة أفضلها العربية.
ويجوز أن يكون الإنسان اسم جنس بمعنى جميع الناس، ﴿(عَلَّمَهُ الْبَيانَ)﴾ وهو المنطق والكتابة والحفظ والفهم والإفهام حتى عرف الإنسان ما يقول وما يقال له.
стр. 2656
وقيل: معنى البيان: بيان الحلال والحرام، وبيان الخير والشر، وما يأتي وما يذر. وقال أبو العالية: (يعني الكلام).الحسن (١) (النطق والتمييز) (٢)،وقيل: الكتابة بالقلم، وقال السدي: (علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به) (٣).
قوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ (٥)؛معناه: أنهما يجريان على حساب مستقيم لا يختلف، يدلان على عدد الشهور والسنين والأوقات، فإن الشمس تقطع الفلك في ثلاثمائة وخمسة وستين يوما، والقمر يقطع الفلك في ثمانية وعشرين يوما، وستين في يومين، وفي جريهما دلالة على التوحيد.
وقيل: معناه: أنهما تحسب بهما الأوقات والآجال، ولولا الليل والنهار، والشمس والقمر لم يدرك أحد كيف يحسب شيئا، لو كان الدهر كله ليلا كيف يحسب تقدير الآية. والشمس والقمر يجريان بحسبان.
قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ (٦)؛معناه: والنجم في السماء، والشجر في الأرض يسجدان لله تعالى. وقيل: معناه: النبات والشجر يسجدان، فإن النجم ما نبت على غير سائق، والشجر ما نبت على سائق في اللغة، كما يقال في كل ما طلع: إنه نجم، ومن ذلك نجم القرآن.
ومعنى سجودهما؛ أي يسبحوه ظلالهما كقوله ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلّهِ﴾ (٤).وقيل: يسجدان لله على الحقيقة، إلا أننا لا نفقه (٥) على سجودهما كقوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾
стр. 2657
﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ﴾ (٧)؛معناه: رفع السماء فوق الأرض ليستدل على وحدانية الله تعالى وكمال قدرته، وقوله تعالى ﴿(وَوَضَعَ الْمِيزانَ)﴾،قال مجاهد: (معناه: وأمر بالعدل) (٢)،وقال الضحاك وقتادة: (يعني الميزان الذي يوزن به ليتوصل به إلى الإنصاف والانتصاف، ولولا الميزان لتعذر الوصول إلى كثير من الحقوق) (٣).
وقال بعضهم: أنزل الله الميزان على هيئته في زمن نوح ﵇ ولم يكن قبل ذلك. وقال بعضهم: عرف الله الناس ذلك على لسان بعض الأنبياء، وقيل: إلهام الهمهم (٤) كيف يتخذون الميزان ويزنون.
قوله تعالى: ﴿أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ﴾ (٨)؛معناه: لئلا تميلوا وتضلوا وتجاوزوا الحد في الميزان. وقيل: معناه: لئلا تظلموا وتأخذوا الأكثر وتعطوا الأقل.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ؛﴾ أي سووا الميزان بالعدل والإنصاف، ﴿وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ (٩)؛وقيل: معناه: أقيموا سائق الميزان بالقسط ولا تخونوا من وزنتهم له، ولا تبخسوا الوزن، وكل شيء نقصته فقد أخسرته.
قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ﴾ (١٠)؛معناه: والأرض بسطها على الماء لجميع الخلق من الجن والإنسان، مكنها للأحياء، ويدفن فيها الموتى، تدل على وحدانية الله، وقال الشعبي: (الأنام: كل ذي روح).
قوله تعالى: ﴿فِيها فاكِهَةٌ؛﴾ أي في الأرض ألوان الفاكهة، وقوله تعالى:
﴿وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ﴾ (١١)؛أي ذات الأغطية، وهي أوعية التمر، وأكمام النخلة فإغطاء ثمرها يكون في غلف ما لم يشق. ومن ذلك يقال للقلنسوة: الأكمة؛
стр. 2658
لأنها تغطي الرأس، وقال الحسن: (أكمامها ليفها) (١)،وقال ابن زيد: (أكمامها:
طلعها قبل أن ينفتق) (٢)،والحاصل أن كل ما يستر شيئا فهو كم وكمة، ومنه كم القميص.
قوله تعالى: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ﴾ (١٢)؛يريد جميع الحبوب مما في الأرض من الحنطة والشعير وغيرهما، وقوله تعالى ﴿(ذُو الْعَصْفِ)﴾ أي ذو الورق الأخضر الذي يصير تبنا وتقتات به البهائم، ويسمى ورق الزرع عصفا لخفته، وعصوف الريح به مع ثبوت الحب في مكانه. وقيل: سمي عصفا لأن الريح تذهب به في وقت حاجتهم إلى تمييزهم الحب من التبن.
وقوله تعالى: ﴿(وَالرَّيْحانُ)﴾ يعني الورق في قول الأكثرين، وقال الحسن: (هو ريحانكم الذي يشم) (٣)،وقال مقاتل: (الريحان هو الورق بلغة حمير) (٤)،كأنه قال:
والحب ذو العصف والورق، وقال سعيد بن جبير: (الريحان: الزرع ويكون في سنبل) (٥).
وأما الحب المذكور في الآية، فهو ما يلقى في الأرض من البذر، والريحان هو ما يخلق من الحب في سنبل رزقا للعباد، وقد يذكر الريحان بمعنى الورق كما يقول العرب: خرجنا نطلب ريحان الله؛ أي رزقه. والعصف: هو التبن، والريحان هو ثمرته.
وعن ابن عباس: (الريحان هو خضرة الزرع) (٦).
قرأ العامة: «(والحب ذو العصف والريحان)» كل بالرفع عطفا على الفاكهة، والمعنى فيها الحب وفيها الريحان، ونصبها كلها ابن عامر على معنى خلق الإنسان وخلق هذه الأشياء.
стр. 2659
وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما: «(والريحان)» بالكسر عطفا على (العصف) كأنه قال: والحب ذو العصف وذو الريحان، وهو الرزق الذي يخلق في السنبل، فالريحان رزق الناس، والعصف رزق الدواب، فذكر قوت الناس والأنعام (١).
ثم خاطب الجن والإنس فقال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (١٣)؛ وإنما قال الخطاب للجن والإنس؛ لأن تلك الأيام فيما مضى تشتمل على الجن والإنس، والمعنى: فبأي نعمة من نعم ربكما تكذبان من هذه الأشياء المذكورة، فإنها كلها مما أنعم الله بها عليكم، من دلالته إياكم على توحيده، ومن رزقه إياكم ما به قوامكم.
وإنما خاطب الجن والإنس لأنهما مشتركان في الوعد والوعيد. وإنما كررت هذه الآية في هذه السورة تقديرا للنعمة وتأكيدا للتذكير بها على عادة العرب في الإبلاغ والاتباع.
وقال الحسين بن الفضل: (التكرار لطرد الغفلة وتأكيد الحجة) (٢).وقيل: لما عدد الله نعمة بعد نعمة، كرر هذا القول ترغيبا في الشكر، وتحذيرا من الكفر والتكذيب بنعم الله.
وهذه على وجه الحقيقة ليس بتكرار؛ لأنه ذكر كل واحد منها عقيب نعمة لم يتقدم ذكراها. وعن جابر بن عبد الله قال: (قرأ علينا رسول الله ﷺ سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال: [ما لي أراكم سكوتا؟ للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ إلا قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد]) (٣).
стр. 2660
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ﴾ (١٤)؛أي خلق أصل الإنسان وهو آدم من طين يابس إذا نقر صل؛ أي صوت كالفخار وهو الخزف الذي طبخ بالنار، يسمع منه الصوت إذا نقر وإذا اصطك بعضه ببعض. والمعنى: من طين يابسة كالخزف.
قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ (١٥)؛معناه: وخلق أصل الجن وهو الجان أبو الجن من مارج من نار، وهو الصافي من لهب النار، لا دخان فيه. وقيل: من لهب من نار مختلط بسواد النار. وقيل: إنه لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت.
وقال مجاهد: (هو ما اختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأسود الذي يعلو النار إذا أوقدت، وهو من قولهم: مرج إذا اختلط) (١).وقيل:
إنه نار لا دخان لها تكون بين السماء الدنيا وبين حجاب دونها فأديم السماء يرى من ذلك الحجاب،
ومن تلك النار تكون الصواعق. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (١٦).
قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ (١٧)؛أي مشرق الشمس في الشتاء، ومشرقها في الصيف، ومغربها في الشتاء ومغربها في الصيف، ويعني هو رب المشرقين ورب المغربين. وقيل: معناه: هو رب مشرق الشمس والقمر ومغربهما.
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (١٨).
قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ (١٩)؛أي أرسل البحرين العذب والمالح بالإجراء في الأرض. ومرجت الدابة إذا أرسلتها ترعى، ويجوز أن يكون معنى مرج: خلط، ومنه المرج لاختلاط أشجاره، وقوله تعالى ﴿(يَلْتَقِيانِ)﴾ أي يلاقي أحدهما صاحبه،
﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ (٢٠)؛أي بينهم حاجز من قدرة الله لا يبغي العذب على المالح فيكونان عذبا، ولا يبغي المالح عليه فيكونان مالحا.
стр. 2661
والمعنى: أن الله ذكر عظيم قدرته حيث خلا البحر من العذاب والمالح يلتقيان، وجعل بينهما حاجزا من قدرته وحكمته، لا يبغي أحدهما على صاحبه، فلا الملح يبغي على العذب فيفسده ولا العذاب على الملح فيخلط به. وقيل معنى قوله ﴿(لا يَبْغِيانِ)﴾ أي لا يطغيان على الناس بالغرق
. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٢١).
قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ (٢٢)؛فيه بيان نعم البحر، واللؤلؤ معروف وهو الكبار من جنس اللؤلؤ، والمرجان: صغاره، وإنما يخرجان من الملح دون العذب، كاللقاح للملح، إلا أنه قال ﴿(يَخْرُجُ مِنْهُمَا)﴾ لأن ذلك لا يوجد إلا بحيث يكون العذب والملح جميعا. وقيل: المرجان: ضرب من الجوهر كالقضبان يخرج من البحر.
وقال ابن عباس: (يخلق الله اللؤلؤ والمرجان من قطر المطر، وذلك أن السماء إذا أمطرت فتحت الأصداف أفواهها على وجه الماء في البحر الملح، فما وقع من المطر في أفواهها نزل إلى صدرها فانعقد لؤلؤا) (١).
وقال السدي: (المرجان الخرز الأحمر).وعن ابن مسعود: (أن المرجان حجر) (٢).وذكر إن كانت في جوفه صدفة، فأصابت قطرة بعض النواة ولم تصب بعضها، فكان حيث أصاب القطرة من النواة لؤلؤة وسائره نواة.
وسائر القراء على أن (يخرج) بضم الياء وفتح الراء (٣)،وهو اختيار أبي عبيدة وأبي حاتم؛ لأنه يخرج ولا يخرج بنفسه. وقرأ (يخرج) بفتح الياء وضم الراء؛ لأنه إذا أخرج خرج (٤).
стр. 2662
فإن قيل: كيف قال (يخرج منهما) وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح؟ قيل:
هذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئان (١) ثم يخص أحدهما وهو يفعل دون الآخر (٢) كقوله تعالى ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ (٣) والرسل من الإنس دون الجن. قال الكلبي: (وكذلك قوله تعالى ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ (٤) وإنما هو في واحدة منها).وقيل: يخرج من ماء السماء ماء وماء البحر.
و ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٢٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ (٢٤)؛فيه بيان نعم الله تعالى بالسفن العظام التي ينتفع بها للتجارات وغيرها، المنشآت: المرفوعات الشراع، وما لم يرفع منها شراعها فلا تكون منشأة. وقيل: المنشآت هي اللواتي ابتدأ بهن في الجري، والأعلام الجبال العظام، شبه السفن في البحر بالجبال في البر.
وقرأ حمزة «(المنشآت)» بكسر الشين، يعني المبتدئات في السير اللاتي انساب جريهن وسيرهن
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٢٥).
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ (٢٦)؛أي كل من على الأرض يفنى، وهذه كناية عن غير مذكور، ومعنى الآية: كل من دب ودرج على الأرض من حيوان فهو هالك، وفي هذا منع من الركون إلى الدنيا والاغترار بها. قال ابن عباس: (لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فأنزل الله تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ (٥) فأيقنت الملائكة بالهلاك) (٦).
стр. 2663
قوله تعالى: ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ (٢٧)؛معناه: ويبقى ربّك، والوجه يذكر على وجهين: أحدهما: بعض الشّيء كوجه الإنسان، والآخر:
يقتضي الشيء العظيم في الذّكر كما يقال: هذا وجه الرّأي ووجه التّدبير، ولمّا ثبت أنّ الله تعالى ليس بجسم، كان المعنى: ويبقى الله الظاهر بأدلّته كظهور الإنسان بوجهه.
وقوله تعالى: ﴿(ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ)﴾ أي ذو العظمة والكبرياء واستحقاق المدح بإحسانه وإنعامه. والإكرام: إكرامه أنبياءه وأولياءه، فهو مكرمهم بلطفه مع جلاله وعظمته.
وعن معاذ بن جبل قال: مرّ رسول الله ﷺ برجل يصلّي وهو يقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال ﵇: [قد استجيب لك] (١).وعن أنس ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : [الظّوا بيا ذا الجلال والإكرام] (٢).
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٢٨).
قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي لا يستغني عنه أهل السّماء ولا أهل الأرض، قال أبو صالح: (يسأله من في السّماوات الرّحمة، ويسأله من في الأرض المغفرة والرّزق، والكلّ يلجئون إليه ويسألونه حوائجهم) (٣).
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٢٩)؛قال المفسّرون: من شأنه أنه يحيي ويميت، ويرزق، ويعزّ ويذلّ، ويشفي مريضا، ويجيب داعيا، ويعطي سائلا، ويغفر ذنبا، ويكشف كربا إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما شاء. وعن أبي الدّرداء عن النبيّ ﷺ : أنّه قال في قوله ﴿(كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)﴾ قال: [من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرّج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين] (٤).
стр. 2664
وقال مجاهد: (هو من شأنه أنّه يجيب دعاءنا، ويعطي سائلنا، ويشفي سقيمنا، ويغفر ذنوبنا ويتوب على قوم، ويشقي آخرين) (١).وقيل: شأنه يخرج كلّ يوم وليلة ثلاثة عساكر: عسكرا من أصلاب الآباء إلى الأرحام، وعسكرا من الأرحام إلى الدّنيا، وعسكرا من الدنيا إلى القبور، ثم يرحلون جميعا إلى الله (٢).
وحكي: أنّ بعض الملوك سأل وزيره عن معنى هذه الآية، فاستمهله إلى الغد، ورجع الوزير إلى داره كئيبا لم يعرف ما يقول، فقال له غلام أسود من غلمانه: يا مولاي ما أصابك؟ فزجره، فقال: يا مولاي أخبرني فلعلّ الله يسهّل لك الفرج على يديّ، فأخبره بذلك، فقال: عد إلى الملك فقل له: إنّ لي غلاما أسود إن أذنت له فسّر لك هذه الآية، ففعل ذلك. فدعا الملك الغلام فسأله عن ذلك، فقال: أيّها الملك؛ شأن الله تعالى أنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحيّ من الميّت، ويخرج الميت من الحيّ، ويشفي مريضا ويسقم سليما، ويبتلي معافى، ويعافي مبتليا، ويذلّ عزيزا ويعزّ ذليلا. فقال له الملك: أحسنت يا غلام فرّجت عني. ثم أمر الوزير فخلع ثياب الوزراء فكساها الغلام، فقال: يا مولاي هذا شأن الله تعالى (٣)،
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٣٠).
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ (٣١)؛هذا وعيد من الله تعالى للخلق بالمحاسبة، كقول القائل: لأتفرّغنّ لك وما به شغل، وهذا قول ابن عباس والضحّاك (٤)،وقال الزجاج: (معناه: سنقصد لحسابكم بعد التّرك والإمهال، ونأخذ
стр. 2665
في أمركم ونجزيكم على ما فعلتم بعد طول الإمهال) (١).وهذا على وجه التهديد على ما جرت به العادات في استعمال هذا اللفظ، كما يقول الرجل: سأفرغ لغلامي، يريد سأجعل قصدي له، ولا يريد بذلك الفراغ من شغل هو فيه.
قرأ أبي «(سنفرغ إليكم)».وقرأ الأعمش «(سيفرغ لكم)» بياء مضمومة وفتح الرّاء (٢).وقرأ حمزة والكسائيّ وخلف بياء مفتوحة وبضمّ الراء، وقرأ الباقون بنون مفتوحة وضمّ الراء (٣).
قوله تعالى: (أيّها الثّقلان) الثّقلان الجنّ والإنس، يدلّ على ذلك قوله تعالى بعد ذلك، سمّيا ثقلين لأنّهما ثقل على الأرض أحياء وأمواتا، قال الله تعالى ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ (٤).وقال جعفر الصّادق: (سمّي الجنّ والإنس ثقلين؛ لأنّهما مثقلان بالذّنوب) (٥).
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٣٢).
قوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا؛﴾ في هذا بيان ضعف الخلائق عن دفع ما ينزل بهم من قضاء الله وعذابه، يقول: إن قدرتم على الخروج من نواحي السّماوات والأرض فاخرجوا هربا مما ينزل بكم في الدّنيا، لا تقدرون أن تخرجوا إلاّ بسلطان يعطيكم الله من قوّة وحجة، فحيث ما كنتم شاهدتم بسلطان الله تعالى، وذلك يدلّكم على وحدانيّة الله. وقيل: معناه: إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار السموات والأرض فاهربوا واخرجوا. والمعنى: أنّكم حيث ما كنتم أدرككم الموت، ولن تستطيعوا أن تهربوا منه.
وقوله تعالى: ﴿لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ﴾ (٣٣)؛أي لا تنفذون إلاّ بملكي، أي حيث ما كنتم وحيث ما توجّهتم فثمّ ملكي وقدرتي. وأقطار السموات