← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

والمعنى: أن الله ذكر عظيم قدرته حيث خلا البحر من العذاب والمالح يلتقيان، وجعل بينهما حاجزا من قدرته وحكمته، لا يبغي أحدهما على صاحبه، فلا الملح يبغي على العذب فيفسده ولا العذاب على الملح فيخلط به. وقيل معنى قوله ﴿(لا يَبْغِيانِ)﴾ أي لا يطغيان على الناس بالغرق . ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٢١). قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ (٢٢)؛فيه بيان نعم البحر، واللؤلؤ معروف وهو الكبار من جنس اللؤلؤ، والمرجان: صغاره، وإنما يخرجان من الملح دون العذب، كاللقاح للملح، إلا أنه قال ﴿(يَخْرُجُ مِنْهُمَا)﴾ لأن ذلك لا يوجد إلا بحيث يكون العذب والملح جميعا. وقيل: المرجان: ضرب من الجوهر كالقضبان يخرج من البحر. وقال ابن عباس: (يخلق الله اللؤلؤ والمرجان من قطر المطر، وذلك أن السماء إذا أمطرت فتحت الأصداف أفواهها على وجه الماء في البحر الملح، فما وقع من المطر في أفواهها نزل إلى صدرها فانعقد لؤلؤا) (١). وقال السدي: (المرجان الخرز الأحمر).وعن ابن مسعود: (أن المرجان حجر) (٢).وذكر إن كانت في جوفه صدفة، فأصابت قطرة بعض النواة ولم تصب بعضها، فكان حيث أصاب القطرة من النواة لؤلؤة وسائره نواة. وسائر القراء على أن (يخرج) بضم الياء وفتح الراء (٣)،وهو اختيار أبي عبيدة وأبي حاتم؛ لأنه يخرج ولا يخرج بنفسه. وقرأ (يخرج) بفتح الياء وضم الراء؛ لأنه إذا أخرج خرج (٤).

стр. 2662

فإن قيل: كيف قال (يخرج منهما) وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح؟ قيل: هذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئان (١) ثم يخص أحدهما وهو يفعل دون الآخر (٢) كقوله تعالى ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ (٣) والرسل من الإنس دون الجن. قال الكلبي: (وكذلك قوله تعالى ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ (٤) وإنما هو في واحدة منها).وقيل: يخرج من ماء السماء ماء وماء البحر. و ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٢٣). قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ (٢٤)؛فيه بيان نعم الله تعالى بالسفن العظام التي ينتفع بها للتجارات وغيرها، المنشآت: المرفوعات الشراع، وما لم يرفع منها شراعها فلا تكون منشأة. وقيل: المنشآت هي اللواتي ابتدأ بهن في الجري، والأعلام الجبال العظام، شبه السفن في البحر بالجبال في البر. وقرأ حمزة «(المنشآت)» بكسر الشين، يعني المبتدئات في السير اللاتي انساب جريهن وسيرهن ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٢٥). قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ (٢٦)؛أي كل من على الأرض يفنى، وهذه كناية عن غير مذكور، ومعنى الآية: كل من دب ودرج على الأرض من حيوان فهو هالك، وفي هذا منع من الركون إلى الدنيا والاغترار بها. قال ابن عباس: (لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فأنزل الله تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ (٥) فأيقنت الملائكة بالهلاك) (٦).

стр. 2663

قوله تعالى: ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ (٢٧)؛معناه: ويبقى ربّك، والوجه يذكر على وجهين: أحدهما: بعض الشّيء كوجه الإنسان، والآخر: يقتضي الشيء العظيم في الذّكر كما يقال: هذا وجه الرّأي ووجه التّدبير، ولمّا ثبت أنّ الله تعالى ليس بجسم، كان المعنى: ويبقى الله الظاهر بأدلّته كظهور الإنسان بوجهه. وقوله تعالى: ﴿(ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ)﴾ أي ذو العظمة والكبرياء واستحقاق المدح بإحسانه وإنعامه. والإكرام: إكرامه أنبياءه وأولياءه، فهو مكرمهم بلطفه مع جلاله وعظمته. وعن معاذ بن جبل قال: مرّ رسول الله ﷺ برجل يصلّي وهو يقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال ﵇: [قد استجيب لك] (١).وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [الظّوا بيا ذا الجلال والإكرام] (٢). ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٢٨). قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي لا يستغني عنه أهل السّماء ولا أهل الأرض، قال أبو صالح: (يسأله من في السّماوات الرّحمة، ويسأله من في الأرض المغفرة والرّزق، والكلّ يلجئون إليه ويسألونه حوائجهم) (٣). وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٢٩)؛قال المفسّرون: من شأنه أنه يحيي ويميت، ويرزق، ويعزّ ويذلّ، ويشفي مريضا، ويجيب داعيا، ويعطي سائلا، ويغفر ذنبا، ويكشف كربا إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما شاء. وعن أبي الدّرداء عن النبيّ ﷺ : أنّه قال في قوله ﴿(كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)﴾ قال: [من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرّج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين] (٤).

стр. 2664

وقال مجاهد: (هو من شأنه أنّه يجيب دعاءنا، ويعطي سائلنا، ويشفي سقيمنا، ويغفر ذنوبنا ويتوب على قوم، ويشقي آخرين) (١).وقيل: شأنه يخرج كلّ يوم وليلة ثلاثة عساكر: عسكرا من أصلاب الآباء إلى الأرحام، وعسكرا من الأرحام إلى الدّنيا، وعسكرا من الدنيا إلى القبور، ثم يرحلون جميعا إلى الله (٢). وحكي: أنّ بعض الملوك سأل وزيره عن معنى هذه الآية، فاستمهله إلى الغد، ورجع الوزير إلى داره كئيبا لم يعرف ما يقول، فقال له غلام أسود من غلمانه: يا مولاي ما أصابك؟ فزجره، فقال: يا مولاي أخبرني فلعلّ الله يسهّل لك الفرج على يديّ، فأخبره بذلك، فقال: عد إلى الملك فقل له: إنّ لي غلاما أسود إن أذنت له فسّر لك هذه الآية، ففعل ذلك. فدعا الملك الغلام فسأله عن ذلك، فقال: أيّها الملك؛ شأن الله تعالى أنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحيّ من الميّت، ويخرج الميت من الحيّ، ويشفي مريضا ويسقم سليما، ويبتلي معافى، ويعافي مبتليا، ويذلّ عزيزا ويعزّ ذليلا. فقال له الملك: أحسنت يا غلام فرّجت عني. ثم أمر الوزير فخلع ثياب الوزراء فكساها الغلام، فقال: يا مولاي هذا شأن الله تعالى (٣)، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٣٠). قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ (٣١)؛هذا وعيد من الله تعالى للخلق بالمحاسبة، كقول القائل: لأتفرّغنّ لك وما به شغل، وهذا قول ابن عباس والضحّاك (٤)،وقال الزجاج: (معناه: سنقصد لحسابكم بعد التّرك والإمهال، ونأخذ

стр. 2665

في أمركم ونجزيكم على ما فعلتم بعد طول الإمهال) (١).وهذا على وجه التهديد على ما جرت به العادات في استعمال هذا اللفظ، كما يقول الرجل: سأفرغ لغلامي، يريد سأجعل قصدي له، ولا يريد بذلك الفراغ من شغل هو فيه. قرأ أبي «(سنفرغ إليكم)».وقرأ الأعمش «(سيفرغ لكم)» بياء مضمومة وفتح الرّاء (٢).وقرأ حمزة والكسائيّ وخلف بياء مفتوحة وبضمّ الراء، وقرأ الباقون بنون مفتوحة وضمّ الراء (٣). قوله تعالى: (أيّها الثّقلان) الثّقلان الجنّ والإنس، يدلّ على ذلك قوله تعالى بعد ذلك، سمّيا ثقلين لأنّهما ثقل على الأرض أحياء وأمواتا، قال الله تعالى ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ (٤).وقال جعفر الصّادق: (سمّي الجنّ والإنس ثقلين؛ لأنّهما مثقلان بالذّنوب) (٥). ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٣٢). قوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا؛﴾ في هذا بيان ضعف الخلائق عن دفع ما ينزل بهم من قضاء الله وعذابه، يقول: إن قدرتم على الخروج من نواحي السّماوات والأرض فاخرجوا هربا مما ينزل بكم في الدّنيا، لا تقدرون أن تخرجوا إلاّ بسلطان يعطيكم الله من قوّة وحجة، فحيث ما كنتم شاهدتم بسلطان الله تعالى، وذلك يدلّكم على وحدانيّة الله. وقيل: معناه: إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار السموات والأرض فاهربوا واخرجوا. والمعنى: أنّكم حيث ما كنتم أدرككم الموت، ولن تستطيعوا أن تهربوا منه. وقوله تعالى: ﴿لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ﴾ (٣٣)؛أي لا تنفذون إلاّ بملكي، أي حيث ما كنتم وحيث ما توجّهتم فثمّ ملكي وقدرتي. وأقطار السموات

стр. 2666

والأرض: أطرافهما ونواحيهما. وقيل في معنى هذه الآية: يأمر الله تعالى الملائكة يوم القيامة أن تحفّ بأقطار السموات والأرض، ثم يقال للجنّ والإنس: إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السّماوات والأرض هربا من الحساب والعقاب فاهربوا. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٣٤). قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ؛﴾ أي يرسل على من استحقّ منكما بمعاصيه لهب من النار، والشّواظ: اللهب الذي لا دخان فيه. وقرأ ابن كثير «(شواظ)» بكسر الشين وهي لغة أهل مكة، قال حسان يهجو أميّة بن أبي الصّلت: هجوتك فاختضعت لها بذلّ ... بقافية تأجّج كالشّواظ قوله تعالى: ﴿(وَنُحاسٌ)؛﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «(ونحاس)» بالخفض عطفا على النار، وقرأ الباقون بالرفع عطفا على الشّواظ. واختلفوا في معنى النّحاس (١)، قال ابن عبّاس: (هو الدّخان) (٢) وأكثر القراءة فيه بالرفع عطفا على (شواظ)، والمعنى: يرسل عليكما شواظ، ويرسل نحاس؛ أي يرسل هذا مرّة وهذا مرّة، ويجوز أن يرسلا معا من غير أن يمتزج أحدهما بالآخر. وقيل: النحاس هو الصّفر المذاب يصبّ على رءوسهم، وقال مقاتل: (هي خمسة أنهار من صفر مذاب تجري على رءوس أهل النّار) (٣)،قوله تعالى: ﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ (٣٥)؛أي فلا تمتنعان عن ما يراد بكما. قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٣٦)؛وجه إنعام الله تعالى علينا في إنزال آيات الوعيد: أنه تعالى لمّا حذرنا من العذاب بأبلغ أسباب التحذير حتى نتّقي المعاصي خوفا من عذابه، ونرغب في الطاعات طمعا في ثوابه، كان ذلك نعمة منه علينا فلذلك قال تعالى ﴿(فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)﴾.

стр. 2667

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ﴾ (٣٧)؛ معناه: إذا انشقّت وذابت حتى صارت حمراء كلون الوردة الحمراء أو كالدّهن الأحمر من نار جهنّم مع عظم السّماء وكبرها، فكيف بأبدانكم الضّعيفة في ذلك اليوم، وهذا كما روي عن عليّ ﵁: أنّه مرّ على قوم من الحدّادين فقال: (أمّا أنتم يا معشر الحدّادين أحقّ النّاس بالاتّعاظ والاعتبار، أما ترون تأثير هذه النّار الضّعيفة في هذا الحديد الشّديد؟ فكيف تأثير تلك النّار العظيمة في هذه الأبدان الضّعيفة). ويقال في تشبيه السّماء بالوردة: أنّها تتكوّن في ذلك اليوم، قال الحسن: (إنّ السّماء أوّل ما تنشقّ تحمرّ ثمّ تصفرّ ثمّ تخضرّ كالفرس الورد (١)،تكون في الرّبيع وردة إلى الصّفرة (٢)،فإذا اشتدّت كان الشّتاء كانت وردة حمراء، فإذا كان الخريف كانت وردة أغبر) (٣). وشبّهها بالدهان المختلفة التي تصبّ بعضها على بعض، والدّهن والدّهان واحد، قال قتادة: (إنّ السّماء اليوم خضراء وستكون يوم القيامة حمراء كالدّهان) (٤). وقيل: إنّ الدهان جمع الدّهن، قال عطاء: (يعني عصير الذائب)،وقال ابن جريج: (معناه: أنّ السّماء تذوب كما يذوب الدّهن الذائب وذلك حين يصيبها حرّ نار جهنّم). ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٣٨).

стр. 2668

قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ (٣٩)؛يسأل سؤال استفهام؛ لأنّ الله تعالى يظهر على كلّ مجرم علامة تدلّ على معصيته، وعلى كلّ مطيع علامة على إطاعته، لأنّ الله تعالى قال بعد هذه الآية: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ؛﴾ أي بعلامتهم من سواد الوجوه وزرقة الأعين، ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ (٤١)،فيجعل أقدامهم مغلولة إلى نواصيهم من خلف ويلقون في النار كذلك، والناصية: شعر مقدم الرّأس، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٤٢). ويقال للمجرمين عند ما يقذفون في النار: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (٤٣)؛يعني المشركين. قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ (٤٤)؛معناه: يطوفون بين أطباق النّيران وبين ماء حارّ قد انتهى حرّه، إذا استغاثوا من الحميم من النار، جعل غياثهم الحميم الآخر، وإذا استغاثوا من الحميم جعل غياثهم النار، فيطاف بهم مرّة إلى الحميم ومرّة إلى النار. يقال: آنى يأني أنا فهو آن، إذا انتهى في النّضج والحرارة، قال قتادة: (طبخ منذ خلق الله السّماوات والأرض) (١).حدّثنا المردويه الصانع قال: صلّى بنا الإمام صلاة الصّبح، فقرأ فيها سورة الرّحمن ومعنا عليّ بن الفضيل (٢)،فلما قرأ ﴿(يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ)﴾ خرّ مغشيّا عليه حتى فزعنا من الصّلاة، فقلنا له بعد ذلك: يا عليّ أما سمعت الإمام يقول ﴿(حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ)﴾ قال: شغلني عنها ﴿(يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ)﴾ (٣). ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٤٥).

стр. 2669

قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ (٤٦)؛معناه: ولمن خاف وقوفه في عرضات القيامة بين يدي الله تعالى، فترك المعصية رهبة من الله تعالى له جنّتان بستانان من الياقوت الأحمر والزمرّد الأخضر، ترابهما الكافور والعنبر، وحصاهما المسك الأذفر، كلّ بستان منهما مسيرة مائة سنة، في وسط كلّ بستان دار من نور، وقال محمّد بن علي الترمذي (١): (جنّة داخل قصره لخوفه، وجنّة خارج قصره لتركه) (٢)، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٤٧). وفي الحديث: [أنّ هذه الآية نزلت في من دعته نفسه إلى المعصية، فإذا تمكّن منها وقدر عليها وتذكّر ما في ارتكابها من العقاب، وما في تركها من الثّواب، فتركها فله جنّتان] (٣) هذه صفتهما: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ (٤٨)؛أي ذواتا أغصان، واحدها فنن وهو الغصن المستقيم طولا. وقال الزجّاج: (الأفنان: الألوان والأغصان) (٤) أي ذواتي الألوان وأصناف من الفاكهة لا يعدم فيه لون من ألوانها، واحدها فنّ، وجمع عطاء بين القولين فقال: (يريد في كلّ غصن فنون من الفاكهة) (٥)، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٤٩). وفي ذكر الأغصان بيان كثرة الأشجار، وبكثرة الأشجار تمام حال البستان، فإنّ البستان لا يكمل إلاّ بكثرة الأشجار، والأشجار لا تحسن إلاّ بكثرة الأغصان، ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ (٥٠)؛أي في البساتين عينان تجريان، إحداهما: السّلسبيل، والأخرى: التّسنيم، تجريان في غير شقّ ولا أخدود. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٥١).

стр. 2670

قوله تعالى: ﴿فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ (٥٢)؛أي نوعان وصنفان، حلو وحامض، وأحمر وأصفر، ورطب ويابس. ويقال: صنفان: صنف عهدوه في الدّنيا، وصنف لم يعهدوه ولا خطر في قلوبهم، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٥٣). قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ؛﴾ أي جالسين جلسة الملوك مكرمين على فرش بطائنها من استبرق، البطانة: الصّفحة مما يلي الأرض في البطانة، والاستبرق: الدّيباج المنسوخ بالذهب. وإنما ذكرت البطائن من استبرق لتعرف أنّ البطائن إذا كانت هكذا، فالظاهر لا شكّ أنّها أشرف منها على ما عليه العادة، وقال أبو هريرة ﵁: (هذه البطائن؛ فما ظنّكم بالظّواهر) (١).وقيل لسعيد بن جبير: البطائن من استبرق فما الظّواهر؟ قال: (هذا ممّا قال الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٢)) (٣).وقال ابن عبّاس: (وصف البطائن وترك الظّواهر؛ لأنّه ليس في الأرض أحد يعرف ما الظّواهر؟) (٤). قوله تعالى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ (٥٤)؛أي ثمرهما قريب متناوله، يناوله القائم والقاعد والمضطجع، يأخذه كيف ما أراد، ويدنو إلى أفواههم حتى يناولونه بالأفواه، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٥٥). قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ؛﴾ أي في هاتين الجنّتين وما حولهما من الجنان حور غاضّات الأعين، قد قصرن أطرافهنّ على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ولا يبغين بهم بدلا.

стр. 2671

والطّرف: جفن العين، ويجوز أن يكون معنى ﴿(فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ)﴾ أي في الفرش التي بطائنها من استبرق، وقال زيد: (إنّ المرأة من الحور العين القاصرات الطّرف تقول لزوجها: وعزّ ربي ما أرى في الجنّة شيئا أحسن منك، فالحمد لله الّذي جعلني زوجك وجعلك زوجي) (١). قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ (٥٦)؛أي لم يفضضهنّ، والطّمث: هو النكاح بالتدمية، وامرأة طامثة؛ أي حائض، وطمثت الجارية إذا افترعتها، والمعنى: لم يغشهنّ ولا يجامعهنّ إنس قبلهم ولا جانّ؛ لأنّهن خلقهنّ في الجنّة، وقيل: الطمث هو المسّ، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٥٧). قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ﴾ (٥٨)؛أي كأنّهن في صفاء الياقوت وبياض المرجان، والمرجان: هو صغار اللّؤلؤ وهو أشدّ بياضا من كباره. وعن عبد الله بن مسعود عن النبيّ ﷺ : [أنّ المرأة من أهل الجنّة يرى بياض مخّ ساقها من وراء سبعين حلّة من حرير] (٢)، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٥٩). قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ (٦٠)؛أي ما جزاء من أحسن في الدّنيا إلاّ أن يحسن إليه في الآخرة، قال ابن عباس: (هل جزاء من قال: لا إله إلاّ الله، وعمل بما جاء به محمّد ﷺ إلاّ الجنّة) (٣).وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلاّ أن أسكنه جنّتي وحضيرة قدسي برحمتي] (٤). ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٦١).

стр. 2672

قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ (٦٢)؛معناه: وله جنّتان سوى الجنّتين الأوليين، وهما دون الأوليين. قال بعضهم: أراد بالجنّتين الأولين جنّتين في العلوّ، وأراد بهذين جنّتين في السّفل، قال ﷺ : [هما جنّتان من فضّة آنيتهما وما فيهما من فضّة] (١).وقيل: معناه: ﴿(وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ)﴾ أي أقرب إلى قصره ومجالسه من الجنّتين الأوليين، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٦٣). قوله تعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ (٦٤)؛أي خضراوان تضرب خضرتهما من الرّائي إلى السّواد، وذلك أحسن ما يكون في الخضرة أولاهم الأسود، يقال: ادهامّ الزرع إذا علاه السّواد ريا. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٦٥). قوله تعالى: ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ (٦٦)؛أي فوّارتان بالماء من الامتلاء، تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور والخير والبركة، بخلاف العينين للأوليين، والنضخ أكثر من النضح (٢)، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٦٧). قوله تعالى: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ﴾ (٦٨)؛أي فيهما ألوان الفاكهة. قوله تعالى: ﴿(وَرُمّانٌ)﴾ يستدلّ لأبي حنيفة أنّ النخل والرّمان ليسا من الفاكهة؛ لأن الشيء لا يعطف على نفسه، وعند أبي يوسف ومحمّد هما من الفاكهة، وإنّ عطفهما على الفاكهة لزيادة معنى فيهما لا يوجد في سائر الفواكه، كما في قوله تعالى ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ (٣).وروي: أنّ نخيل الجنة: عروقها من فضّة، وجذوعها ذهب، وسقفها حلل، وثمرها أحلى من العسل وألين من الزّبد، ليس له عجم (٤). ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٦٩).

стр. 2673

قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ (٧٠)؛قرأ أبو رجاء «(خيّرات)» بالتشديد، وهما لغتان مثل هين وهيّن ولين وليّن، وعن أمّ سلمة قالت: قلت يا رسول الله ﷺ أخبرني عن قوله (خيرات حسان) قال: [خيّرات الأخلاق حسان الوجوه] (١).وقيل: خيّرات فاضلات مختارات ليس بذربات ولا دفوات ولا بحرات ولا متسلّطات ولا طمّاحات ولا طوّافات في الطّرق، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٧١). قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ﴾ (٧٢)؛الحور البيض الحسان البياض، والمقصورات هن المحجوبات المحبوسات والمصونات. والخيام: جمع خيمة، وهي خيمة من درّة مجوّفة فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب، طول الخيمة في السّماء ستّون ميلا، في كلّ زاوية منها أهل لا يراهم الآخرون. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٧٣). قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ (٧٤)؛يعني أنّ صفتهنّ كصفة القاصرات الطّرف. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٧٥). وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ (٧٦)؛قال أبو عبيدة: (الرّفرف: البسط)،قاله الضحّاك ومقاتل (٢) والحسن (٣).وقال الزجّاج: (الرّفرف ههنا رياض الجنّة) (٤).وقيل: الرّفرف الوسائد. وأما العبقريّ: فهو البسط من الزّرابيّ وغيرها، وكلّ ما بولغ في وصفه فهو عبقريّ، وأصله أنّ عبقريّ اسم بلد كان يوشّى فيها البسط، وكانت العرب تعتقد أنّ أفضل البسط ما نسج بعبقر، فأضافه الله تعالى على عادتهم. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٧٧).

стр. 2674

قوله تعالى: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ (٧٨)؛أي عظمت البركة في اسم ربك، فاطلبوا البركة في كلّ شيء يذكر فيه اسمه، قرأ ابن عامر «(ذو الجلال والإكرام)» (١). آخر تفسير سورة (الرحمن) والحمد لله رب العالمين

стр. 2675

سورة الواقعة سورة الواقعة مكّيّة، وهي ألف وتسعمائة وثلاثة أحرف، وثمانمائة وتسعون كلمة، وستّ وتسعون آية. قال رسول الله ﷺ : [من قرأ الواقعة لم يكتب من الغافلين] (١)،وقال ﷺ : [من قرأ سورة الواقعة في كلّ يوم لم تصبه فاقة] (٢).وعن مسروق قال: (من أراد أن يعلم نبأ الأوّلين والآخرين، ونبأ أهل الجنّة، ونبأ أهل النّار، ونبأ الدّنيا والآخرة، فليقرأ سورة الواقعة) (٣). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ (١)؛قال ابن عبّاس: (معناه: إذا قامت القيامة) (٤)،والواقعة اسم القيامة، وقيل: معناه: إذا نزلت الصّيحة وتلك النفخة الآخرة.

стр. 2676

قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ (٣)؛أي لمجيئها وظهورها كاذبة ولا ردّ ولا خلاف، وقوله (رافعة) أي تخفض ناسا وترفع آخرين، قال عطاء: (تخفض أقواما كانوا في الدّنيا مرفّعين، وترفع أقواما كانوا في الدّنيا متّضعين).وقيل: تخفض قوما إلى النار، وترفع آخرين إلى الجنّة. قوله تعالى: ﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ (٤)؛أي زلزلت الأرض ورجّعت وتحرّكت حركة شديدة حتى ينهدم كلّ بناء على وجه الأرض. قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا﴾ (٥)؛أي فتّت فتّا فصارت كالدّقيق المبسوس وهي المبلول، والبسيسة عند العرب الدقيق والسّويق يلتّ ويتّخذ زادا. قيل: إنّ الجبال تصير يومئذ كالدّقيق أو السّويق. وقوله تعالى: ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ (٦)؛أي صارت غبارا متفرّقا كالذي يسفع من حوافر الدّواب، ويحول في شعاع الشّمس إذا دخل من الكوّة وهو الهباء، فيقبض القابض فلا يحصّل بيده، وقرأ النخعيّ «(منبتّا)» بالتاء أي منقطعا. قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً﴾ (٧)؛معناه: وكنتم يومئذ أصنافا ثلاثة، ثم فسّرهم فقال الله: ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ (٨)؛ يعني الذين يعطون كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين يسلك بهم ذات اليمين إلى الجنّة. قوله تعالى: ﴿وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ (٩)؛هم أصحاب الشّؤم والتكذيب، وقيل: هم الذين يعطون كتبهم بشمالهم، ويسلك بهم طريق الشّمال إلى النار، ويقال لليد اليسرى الشّوماء، قال الشاعر: الشّتم والشّرّ في شوماء يديك لهم ... وفي يمينك ماء المزن والضّرب ومنه الشّام واليمن؛ لأن اليمن على يمين الكعبة، والشام على شمالها إذا دخلت الحجر تحت الميزاب. وقيل: هم الذين كانوا على شمال آدم عند ما أخرج الذّرية، وقال الله لهم: (هؤلاء في النّار ولا أبالي) (١).

стр. 2677

وقوله تعالى: ﴿(ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ)﴾ و ﴿(ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ)﴾ تعجيب لشأن أصحاب الميمنة في الخير، والترغيب في طريقتهم، كما يقال: فقيه أيّ فقيه، وتعظيم لشرّ أصحاب المشأمة والتحذير عن طريقتهم. قوله تعالى: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ (١٠)؛بيان للصّنف الثالث، والمعنى: والسّابقون في الدّنيا إلى الطاعات، هم السّابقون في العقبى إلى الدرجات. وقيل: هم الذين سبقوا إلى توحيد الله والإيمان برسوله. وقال ابن سيرين: (هم الّذين صلّوا إلى القبلتين، وشهدوا بدرا) (١)،دليله قوله تعالى: ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ (٢)،وقال ابن عبّاس: (هم السّابقون إلى الهجرة) (٣)،وقال عليّ ﵁: (هم السّابقون إلى الصّلوات الخمس) (٤)، وقال ابن جبير: (المسارعون إلى التّوبة وإلى أعمال البرّ) (٥)،ونظيره ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٦)،وقال ﴿أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ﴾ (٧). قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (١٢)؛أي هم المقرّبون إلى كرامة الله تعالى وجزيل ثوابه في أعلى الدرجات، ثم أخبر أين محلّهم فقال ﴿(فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ)﴾. قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٣)؛أي جماعة من أوائل الأمم ممّن صدّق بالنبيّين من ولد آدم إلى زمان نبيّنا محمّد ﷺ ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ (١٤)؛أي من هذه الأمّة، وذلك أنّ الذين عاينوا جميع النبيّين وصدّقوا بهم أكثر ممن عاين نبيّنا ﷺ ، ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٨) هؤلاء سوى من آمن بجميع الأنبياء وصدّقهم، والثّلّة في اللغة: هي القطعة، الكثرة من النّاس، والجماعة الذين لا يحصى عددهم.

стр. 2678

قوله تعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ (١٥)؛أي على سرر منسوجة بقضبان الذهب والفضة والجواهر، قد أدخل بعضها في البعض مضاعفة. قال الأعشى: ومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا وإنما قال ﴿(عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ)﴾ لأنّها إذا كانت على هذه الصّفة، كانت أنعم وألين من السّرر التي تعمل من الخشب، قال الكلبيّ: (طول كلّ سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت، فإذا جلس عليها ارتفعت) (١).وقال الضّحاك: (موضونة: أي مصفوفة) (٢)،يقال: آجرّ موضون إذا صفّ بعضه على بعض (٣). قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ (١٦)؛أي جالسين عليها جلسة الملوك للرّاحة متقابلين، يقال بعضهم بعضا في الزّيادة: إذا اشتهى أحدهم حديث صاحبه، ألقى الله في نفس الآخر مثل ذلك، وأمر كلّ واحد منهم بسريره فأخرج على باب منزله، ثم جلسا على سريريهما يتحدّثان، يسمع كلّ واحد منهما حديث صاحبه وإن بعد عنه، وإذا شاءوا سارت سريرهم إلى حيث يشاءون. قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ (١٧)؛أي يطوف عليهم للخدمة غلمان لا يهرمون ولا يتغيّرون ولا يموتون، خلقوا للخلود وهم دائمون، ويقال: معنى (مخلّدون) مقرّطون مسوّرون من الخلدة وهي الحليّ، يقال: خلّد جاريته إذا أحلاها بالخلد وهو القرط. قوله تعالى: ﴿بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ؛﴾ الأكواب جمع كوب، وهي الكيزان العظام المدوّرة الرءوس التي لا آذان لها ولا خرطوم ولا عرى، والأباريق والأواني التي لها عرى وخراطيم، واحدها إبريق، وهو الذي يبرق من صفائه وحسنه وبريق لونه.

стр. 2679

قوله تعالى: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ (١٨)؛الكأس: الإناء الذي فيه الشّراب، والمعين: الخمر الذي يجري من العيون الظّاهرة لا في الأخدود، والمعنى: وكأس من خمر جارية. قوله تعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ (١٩)؛ أي لا يصيبهم من شربها صداع كما يكون في شرب خمر الدّنيا، ولا تنزف عقولهم، يقال للرّجل إذا سكر: نزف عقله، والنّزيف هو السّكران. قوله تعالى: ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ (٢٠)؛معناه: ويؤتون بفاكهة مما يتخيّرون ليس لها فناء ولا نوى، ظاهرها مثل باطنها، وباطنها مثل ظاهرها. قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ (٢١)؛أي يؤتون بلحم طير مما يتمنّون، كما روي في الحديث: [أنّهم إذا اشتهوا لحم الطّير وقع بينهم مشويّا، فيتناولون منه قدر الحاجة، ثمّ يطير كما كان] (١) وهذا لأنّ الذبح لا يكون إلاّ بإراقة الدم، وذلك لا يكون في الجنّة. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ في الجنّة طيرا فيه تسعون ألف ريشة، يجيء فيقع على صحفة الرّجل من أهل الجنّة، ثمّ ينتفض فيخرج من كلّ ريشة لونه أبيض من الثّلج وألين من الزّبد وأعذب من الشّهد، ليس فيه لون يشبه الآخر، ثمّ يطير فيذهب] (٢). قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ (٢٢)؛قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي «(وحور)» بالخفض على معنى وينعّمون بحور عين، ويجوز أن يكون خفضا على المجاورة؛ لأنه معطوف على قوله ﴿(وَفاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ)﴾. والحور: البيض الحسان، والعين: الواسعة الأعين حسانها، وقرأ النخعيّ وأشبه العقلي «(وحورا عينا)» بالنصب على معنى ويزوّجون حورا عينا، وبالرفع على معنى: ولهم حور عين.

стр. 2680

قوله تعالى: ﴿كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ (٢٣)؛معناه: أنّ صفاء هذه كصفاء الدّرّ حين يخرج من صدفه قبل أن تصيبه يد أو هواء أو شمس أو غبار. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [خلق الحور العين من زعفران] (١). وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : [ما من عبد يدخل الجنّة إلاّ وهو مزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ليس منهنّ امرأة إلاّ ولها قبل شهيّ، وله ذكر لا ينثني] (٢). وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : [سطع نور في الجنّة، فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء تغر حور تبسّمت في وجه زوجها] (٣). ويروى: أن الحور إذا مشت سمع تقديس الخلاخل وتمجيد الأساور في ساعديها، إن عقد الياقوت في نحرها، في رجليها نعلان من ذهب شراكهما من اللّؤلؤ يصرّان بالتسبيح والتحميد. قوله تعالى: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢٤)؛فيه بيان أنّ هذه الأشياء جزاء لهم على أعمالهم الصالحة التي كانوا يعملونها في الدّنيا. وقوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً﴾ (٢٥)؛أي لا يسمعون في الجنّة إلاّ قولا يسلمون فيه من اللّغو والتأثيم، واللّغو: الكلام الذي لا فائدة فيه، التّأثيم: أن يؤثم بعضهم بعضا ولا يتكلّمون بما فيه إثم. قوله تعالى: ﴿إِلاّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ (٢٦)؛أي ولكن يقولون قيلا ويسمعون قيلا سلاما يسلمون فيه من اللّغو والإثم. قال عطاء: (يحيّي بعضهم بعضا بالسّلام على أحسن الآداب وكريم الأخلاق مع كمال النّعيم، ويقول لهم الملائكة: سلّمكم الله تعالى من المكاره).

стр. 2681

هذا كله نعت السّابقين، ثم ذكر الصنف الثاني: فقال تعالى: ﴿وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ﴾ (٢٧)؛وهم عامّة المؤمنين دون النّبيّين والصدّيقين والشّهداء والصالحين، ما تدري ما لهم يا محمّد في الجنّة من النعيم والسّرور. قوله تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ (٢٨)؛السّدر شجر مثمر مرتفع المنظر، طيّب الرائحة. والمعنى: في ظلال سدر قد نزع شوكه وكثر حمله، والخضد عطف العود اللّيّن، ولذلك قيل: لا شوكة فيه، قد خضّد شوكه؛ أي قطع، ومنه الحديث: [لا يخضد شوكها ولا يعضد شجرها] (١). وقال مجاهد والضحاك ومقاتل: (معنى قوله (مخضود) أي موقر حملا) (٢)، ويقال: إنّ السّدر شجر النّبق إلاّ أنّ ثمرة تلك الشجرة لا تكون مثل شجر النّبق في الدّنيا ولا رائحتها تشبه رائحتها. قوله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ (٢٩)؛الطّلح شجر الموز، وقوله (منضود) أي بتراكب الموز على أغصانها من أوّلها إلى آخرها، فليس لها شوك بارز، وقال الحسن: (الطّلح شجر له ظلّ بارد طيّب)،وقرأ علي ﵁ «(معضود)» (٣) بالعين أي تحل بتراكب الرّطب على أغصانها كما في قوله ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ (٤). قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (٣٠)؛أي لا تنسخه الشمس، قال الربيع: (يعني ظلّ العرش)،قال عمرو بن ميمون: (مسيرة سبعين ألف سنة) (٥).وعن أبي

стр. 2682

هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ في الجنّة شجرة يسير الرّاكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها، شجر الخلد، اقرءوا إن شئتم ﴿(وَظِلٍّ مَمْدُودٍ)﴾] (١). قوله تعالى: ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ (٣١)؛أي ماء مصبوب عليهم من ساق العرش في أوعيتهم يشربوه على ما يرون من حسنه وصفائه وطيب رائحته. وقيل: معناه: وماء مصبوب يجري دائما في غير أخدود لا ينقطع. قوله تعالى: ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ (٣٣)؛أي وأنواع فاكهة كثيرة، لا ينقطع عنهم في وقت من الأوقات، بخلاف فاكهة الدّنيا، ولا تكون ممنوعة ببعد متناول أو شوكة تؤذي، بخلاف ما يكون في الدّنيا. وقيل: لا مقطوعة بالأزمان ولا ممنوعة بالأثمان، ولا ينقطع ثمرها إذا جنيت بل يخرج مكانها مثلها. قال ﷺ : [ما قطعت ثمرة من ثمار الجنّة إلاّ أبدل مكانها ضعفين] (٢). قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ (٣٤)؛قال ﷺ : [ارتفاعها كما بين السّماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، موضوعة بعضها فوق بعض، إذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت حتّى يجلس، ثمّ ترتفع في الهواء] (٣).قال عليّ ﵁: (مرفوعة على الأسرّة) (٤). وقيل: إنه أراد بالفرش ههنا النساء المرتفعات القدر في عقولهنّ وحسنهنّ وكمالهن، رفعن بالحسن والجمال والفضل على نساء الدّنيا، ودليل هذا التأويل قوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً﴾ (٣٦)؛وقد تسمّى المرأة فراشا ولباسا.

стр. 2683

قوله تعالى: ﴿(إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً)﴾ أي خلقناهنّ لأوليائنا بلا ولادة ولا تربية، بخلاف نساء الدّنيا. وقيل: المراد بهذه الآية نساء أهل الدّنيا يخلقن خلقا بعد خلق، كما روي في بعض الأحاديث: [أنّهنّ عجائزكم في الدّنيا جعلن صبايا، ويلبسن من الحسن والجمال أكثر ممّا يلبس الحور العين؛ لأنّهنّ عملن في الدّنيا، والحور لم يعملن] (١). قوله تعالى: ﴿عُرُباً أَتْراباً (٣٧) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ (٣٨)؛العرب: جمع عروب، وهي المتحببة إلى زوجها اللاّعبة معه أنسا به ومحبّة له، قال المبرّد: (هي العاشقة لزوجها الحسنة التّبعّل لذيذة الكلام). قوله تعالى: ﴿(أَتْراباً)﴾ أي مستويات في السنّ على ميلاد واحد، كلّهن في سنّ ثلاث وثلاثين سنة، سنّهنّ مثل سنّ أزواجهن، ومثل هذا يكون أبلغ في اللّذة. قوله ﴿(لِأَصْحابِ الْيَمِينِ)﴾ أي جميع الذي ذكرناه لأصحاب اليمين. وقيل: معناه: فأنشأناهنّ إنشاء لأصحاب اليمين. قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ (٤٠) أي جماعة من أوائل الأمم، وجماعة من أمّة نبيّنا محمّد ﷺ . وروي: أنّه لمّا أنزل الله تعالى ﴿(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ)﴾ بكى عمر ﵁ وقال: يا رسول الله ﷺ ومن ينجو من قليل؟ فأنزل الله ﴿(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ)﴾. وعن رسول الله ﷺ قال: [يا ابن الخطّاب؛ قد أنزل الله فيما قلت، فجعل ثلّة من الأوّلين وثلّة من الآخرين] فقال عمر ﵁: (رضينا عن ربنا وتصديق نبيّنا ﷺ ؛ من آدم إلينا ثلّة، ومنّا إلى يوم القيامة ثلّة) (٢).وقال مجاهد والضحاك: (الثّلّتان جميعا

стр. 2684

من هذه الأمّة) (١). قوله تعالى: ﴿وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ﴾ (٤١)؛يعني الذين يعطون كتبهم بشمائلهم، ما تدري يا محمّد ما لهم من الهوان في العذاب من حرّ نار وريح حادّة تدخل في مسامّهم، وهو قوله تعالى: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ (٤٢)؛أي في حرّ نار وماء حارّ، ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ (٤٣)؛أي من دخّان شديد السّواد لا كبرد ظلّ الدّنيا؛ لأنه ظلّ دخان جهنّم. وقال ابن زيد: (اليحموم جبل في جهنّم) (٢). قوله تعالى: ﴿لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ (٤٤)؛أي لا بارد المدخل ولا كريم المنظر. وقيل: لا بارد المنزل ولا حسن المنظر. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ (٤٥)؛فيه بيان سبب العقوبة، معناه: إنّهم كانوا في الدّنيا منعّمين متكبرين في ترك أمر الله، وكانوا ممتنعين من الواجب الذي عليهم طلبا للترفّه، ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ (٤٦)؛ أي وكانوا يقيمون على الشّرك بالله. وسمي الشّرك حنثا؛ لأنّهم كانوا يحلفون أنّ الله لا يبعث من يموت، والحنث: الإثم. وقال الشعبيّ: (الحنث العظيم: اليمين الغموس) (٣) وهم كانوا يحلفون بالله أنّهم لا يبعثون وكذبوا في ذلك، ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (٤٧)؛بيان إنكارهم للبعث، وقوله تعالى: ﴿أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ (٤٨)؛هذا القول منهم زيادة استبعاد واستنكار. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (٥٠)؛أي قل لهم يا محمّد: إنّ آباءكم ومن قبلهم وأنتم ومن بعدكم لمجموعون في قبورهم إلى يوم القيامة.

стр. 2685

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ (٥٥).وذلك أنّ الله تعالى يلقي عليهم الجوع حتى يضطرّهم إلى أكل الزّقوم، فيأكلون منه حتى تمتلئ بطونهم، ثم يلقي عليهم العطش فيضطرّهم ذلك إلى شرب الحميم، فيشربون شرب الإبل العطاش التي يصيبها داء الهيام فلا تروى من الماء. والهيم: الإبل العطاش التي بها الهيام لا تروى، وواحد الهيم أهيم، والأنثى هيماء، ويقال: الهيم هي الرمال التي لا يرويها ماء السّماء، مأخوذ من قولهم: كثيب أهيم، وكثبان هيم. قرأ نافع وعاصم وحمزة «(شرب)» بضم الشين، وقرأ الباقون بفتحها، والمعنى فيها واحد مثل ضعف وضعف (١)، ﴿هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ (٥٦) أي هذا غداؤهم وشرابهم يوم الجزاء. قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ؛﴾ أي نحن خلقناكم أيّها الكفار ولم تكونوا شيئا، ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ (٥٧)؛أي فهلاّ تصدّقون بالبعث اعتبارا بالخلقة الأولى. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ﴾ (٥٩)؛معناه: أخبروني يا أهل مكّة ما تقذفونه من المنيّ وتصبّونه في أرحام النساء، أأنتم تخلقونه ولدا أم نحن نخلقه ونجعله بشرا سويّا. قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ؛﴾ أي كتبناه عليكم وسوّينا به بين أهل السّماء والأرض على مقادير آجالهم في مكان معلوم وفي زمان معلوم، فمنكم من يموت صغيرا ومن يموت كبيرا. قوله تعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ؛﴾ أي ما نحن بمغلوبين عاجزين على أن نبدّل غيركم أطوع وأخشع منكم، وعلى أنه ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٦١)؛أي في موضع لا تعلمونه وهو النار. وقيل: في صور لا تعلمونها من سواد في الوجوه وزرقة الأعين، ولو أردنا أن نجعل منكم

стр. 2686

القردة والخنازير لم نسبق ولا فاتنا ذلك. قرأ ابن كثير «(نحن قدرنا)» مخفّفا وهما لغتان (١). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٦٢)؛أي قد علمتم الخلقة الأولى ولم تكونوا شيئا، فخلقناكم من نطفة وعلقة ومضغة، وهلاّ تذكّرون أنّي قادر على إعادتكم كما قدرت على أعدائكم. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ (٦٤) معناه: أخبروني ما تلقون من البذر في الأرض؛ أأنتم تنبتونه وتجعلونه زرعا أم نحن فاعلون ذلك؟. قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً؛﴾ أي يابسا متنكّسا بعد خضرته لا حبّ فيه فأبطلناه، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (٦٥)؛أي فصرتم تعجبون مما نزل بكم في زرعكم، ونادمون على ما أنفقتم فيه وتحمّلتم فيه من المشقّة، وتقولون: ﴿إِنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ (٦٦)؛أي طقنا (٢) غرم عظيم فهذا الزرع، وغرم الحبّ الذي بذرناه فذهب علينا بغير عوض، ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (٦٧)؛أي ممنوعون من الرّزق منه. وأصل ظلتم: ظللتم فحذف اللام الأولى. والتّفكّه من الأضداد، يقال: تفكّه؛ أي تنعّم، وتفكّه؛ تحزّن. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ أي من السّحاب، ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ (٦٩)؛عليكم منه، ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً؛﴾ أي مرّا شديدا، مرارا محرقا للحلق والكبد، لا يمكن شربه والانتفاع به،

стр. 2687

﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ (٧٠)،فهلاّ تنكرون عذوبته. وقيل: الأجاج: شديد الملوحة مع المرارة. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ (٧١)؛يعني التي تظهرونها بالزّناد من الأعواد، ومعنى: تورون: تقدحون وتستخرجون من زنادكم، يقال: أوريت النار إذا قدحتها. قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ﴾ (٧٢) أي أأنتم أنبتّم شجرة النار أم نحن المنبتون لها في الأرض، وجعلناها خضراء وفيها النار. قوله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ﴾ (٧٣)؛أي نحن جعلنا النار عظة ليتّعظ بها المؤمن. وقيل: جعلناها تذكرة للنار الكبرى؛ إذا رآها الرّائي ذكر جهنّم، فذكر الله تعالى فاستجار به منها، وترك المعصية. وقوله تعالى ﴿(وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ)﴾ أي وجعلناها منفعة للمسافرين الذين ينزلون في الأرض القيّ في المفاوز، يقال: أقوى الرجل إذا نزل بالأرض القوى وهي الخالية القفراء، ويقال: أرض قيء أي القفرى، قال الراجز: قيّ يناصيها بلاد قيّ والقيّ والقوى هي الأرض القفرى الخالية البعيدة من العمران، يقال: أقوت الأرض من سكّانها، قال النابغة: يا دار ميّة بالعلياء فالسّند ... أقوت وطال عليها سالف الأمد ومنفعة المسافرين بالنار أكثر من منفعة المقيمين؛ لأنّهم يوقدونها ليلا لتهرب منها السّباع، ويهتديها الضالّ من الطريق، ويستضيئوا بها في ظلمة، ويصطلوا بها من البرد ويطبخون بها ويخبزوا، وضرر فقدها عليهم أشدّ. وقد يقال للذي فقد زاده: المقوي من أقرت الدار إذا خلت، ويقال للمقوين: مقو لخلوّه من المال والغنى، مقو لقوّته على ما يريد، فعلى هذا المقوي من الأضداد، والمعنى: متاعا للغنيّ والفقير، وذلك أنه لا غنى لأحد عنها. ولمّا ذكر الله سبحانه ما يدلّ على توحيده وما أنعم به، فقال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (٧٤)؛أي برّئ الله مما يقول الظّالمون في وصفه ونزّهه عمّا

стр. 2688

لا يليق به. وفي الحديث: لمّا نزلت هذه الآية قال ﷺ : [اجعلوها في ركوعكم] (١). قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ (٧٥)؛معناه: فأقسم، وإنما دخلت (لا) زائدة للتوكيد، ويجوز أن يكون قوله: (فلا) ردّا لما يقوله الكفّار في القرآن: أنه سحر أو شعر أو كهانة، ثم استأنف القسم على أنه قرآن كريم في كتاب مكنون، ويعني بقوله ﴿(بِمَواقِعِ النُّجُومِ)﴾ نجوم القرآن التي كانت تنزل على رسول الله متفرّقا قطعا نجوما، وقيل: يعني مغارب النّجوم ومساقطها، وقرأ حمزة والكسائي «(موقع)» على المصدر، والمصدر يصلح للواحد والجمع. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (٧٦)؛قال الزجّاج: (هذا يدلّ على أنّ المراد بمواقع النّجوم نزول القرآن) (٢) والضمير في (إنّه) يعود على القسم ودلّ عليه (أقسم)،والمعنى: أنّ القسم بمواقع النجوم عظيم. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ (٧٧)؛هذا جواب القسم، ومعناه: كثير الخير دالّ على أنه من عند الله لأنّه لا يأتي أحد بمثله ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ (٧٨)،؛ههنا هو اللوح المحفوظ مصون عن التغيّر والتبديل والزيادة والنقصان. قوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٨٠)؛قال بعضهم: الضمير يعود إلى الكتاب المكنون، معناه: لا يمسّ اللوح المحفوظ إلاّ المطهّرون من الذّنوب وهم الملائكة. وقال: الضمير يعود إلى القرآن، ومعناه: المصحف لا يمسّه إلاّ المطهّرون من الأحداث والجنابات والحيض، كما روي عن النبيّ ﷺ : [لا يمسّ القرآن إلاّ طاهر] (٣).

стр. 2689

وقيل: معنى الآية: لا يعمل به إلاّ الموفّقون. وقيل: لا يجد حلاوته إلاّ المفسّرون. وقيل: معناه: لا يقرؤه إلاّ الموحّدون المطهّرون من الشّرك، وكان ابن عبّاس (ينهى أن يمكّن اليهود والنّصارى من قراءة القرآن).وقيل: معناه: لا يجد لذته إلاّ من آمن به. وقيل: لا يوفّق للعمل به إلاّ السّعداء. فظاهر الآية: لا يجوز للمحدث مسّ المصحف، وإن كان ظاهرها نفي، فمعناه: النهي؛ أي لا يمسّ المصحف إلاّ المطهّرون من الأحداث، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء. وذهب حكيم وداود بن عليّ إلى أنه يجوز للمحدث مسّ المصحف اذا كان مسلما، ولا يجوز ذلك للمشرك. والدليل على أنه لا يجوز للمحدث مسّه قوله ﵇: [لا تمسّ القرآن إلاّ وأنت طاهر] (١) وعليه إجماع الصّحابة. وسئل عليّ ﵁: أيمسّ المحدث المصحف؟ فقال: (لا). قوله تعالى: ﴿أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ (٨١)؛معناه: أفبهذا القرآن الذي يقرأ عليكم يا أهل مكّة أنتم تكفرون وتكذّبون. والمدهن والمداهن: الكذاب المنافق. وقيل: معنى تدهنون: تظهرون خلاف ما تضمرون، مأخوذ من الدّهن ومداهنة العدوّ وملاينته ومصانعته وإظهار مسالمته خلاف ما يضمر. قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (٨٢)؛أي وتجعلون شكركم أنّكم تكذّبون بنعمة الله عليكم، فيقولون: سقينا بنوء كذا. وذلك أنّهم كانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا، لا ينسبون السّقيا إلى الله ، فقيل لهم: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب؛ أي تجعلون بدل شكركم تكذيبكم بأنه من عند الله الرزّاق. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: [لو حبس الله عن أمّتي المطر سبع سنين ثمّ أنزل عليهم الماء لأصبحت طائفة منهم يقولون:

стр. 2690

مطرنا] (١). وروي: أنّ النّبيّ ﷺ خرج في سفر، فنزلوا فأصابهم العطش، وليس معهم ماء، فذكروا ذلك للنّبيّ ﷺ فقال: [أرأيتم إن دعوت لكم إن سقيتم، فلعلّكم تقولون: سقينا هذا المطر بنوء كذا؟] فقالوا: يا رسول الله ﷺ ما هذا بحين الأنواء! فصلّى ركعتين ودعا ربّه ، فهاجت ريح ثمّ هاجت سحابة، فمطروا حتّى سالت الأودية وملئوا الأسقية. فركب ﷺ فمرّ برجل يغرف بقدح له وهو يقول: سقينا بنوء كذا، ولم يقل: هذا من رزق الله تعالى. فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿(وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)﴾ (٢) أي وتجعلون شكركم لله على رزقه إيّاكم أنّكم تكذّبون بنعمته، وتقولون: سقينا بنوء كذا. وعن معاوية الليثي: أنّ رسول الله ﷺ قال: [يصبح النّاس مجدبين، فيأتيهم الله برزق من عنده، فيصبحون مشركين، يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا] (٣). قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ (٨٣)؛معناه: وهلاّ إذا بلغت النّفس الحلقوم عند الموت، ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ،﴾ يا أهل الميّت، ﴿تَنْظُرُونَ﴾ (٨٤)،مآل الميت، وأنتم حوله ترون نفسه تخرج ولا تقدرون على ردّها، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ،﴾ منكم، ورسلنا أقرب إليه، ﴿مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ (٨٥). ويجوز أن يكون معناه: يعني ملك الموت وأعوانه، والمعنى: ورسلنا القابضون روحه أقرب إليه منكم، ويجوز أن يكون معناه: ونحن أقرب إليه منكم بالعلم والقدرة، نراه من غير مسافة بيننا وبينه، وأنتم لا تنظرونه إلاّ بمسافة.

стр. 2691

قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٨٧)؛أي فهلاّ إن كنتم غير مجزيين ومحاسبين كما تزعمون تردّون نفس هذا الميّت إلى جسده إذا بلغت تراقيه إن كنتم صادقين في ظنّكم أنّ لكم شيئا من القدرة، فعجزكم عن ردّ هذه الروح إلى الجسد دليل على أنّكم مقهورون عاجزون. والمعنى: إن كان الأمر كما يقولون إنّه لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا إله يحاسب ويجازي، فهلاّ تردّون نفس من يعزّ عليكم إذا بلغت الحلقوم، وإذا لم تقدروا على ذلك فاعلموا أنّ الأمر إلى غيركم وهو الله . قوله تعالى: ﴿(تَرْجِعُونَها)﴾ جواب عن قوله ﴿(فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ)﴾ أجيب بجواب واحد. قوله تعالى: ﴿فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ (٨٩)؛معناه: فأما إن كان هذا المحتضر الذي بلغت نفسه الحلقوم من السّابقين المقرّبين عند الله، فله روح وهو الرّوح والاستراحة، وقال مجاهد: (الرّوح: الفرح، وريحان يعني الرّزق في الجنّة).قرأ الحسن وقتادة ويعقوب: «(فروح)» بضمّ الراء، معناه: الحياة الدائمة التي لا موت فيها. ويقال: إن الرّوح بنصب الراء نسيم تستريح إليه النفس، والرّيحان هو السّموم (١)،قال أبو العالية: (يؤتى بعض من ريحان الجنّة فيشمّه قبل أن يفارق الدّنيا ثمّ تقبض روحه).وقال أبو بكر الوراق: (الرّوح النّجاة من النّار، والرّيحان دخول القرار). وقال الترمذيّ: (الرّوح الرّاحة في القبر، والرّيحان دخول الجنّة).وقال بسطام: (الرّوح السّلامة، والرّيحان الكرامة).وقال الشعبيّ: (الرّوح معانقة الأبكار، والرّيحان مرافقة الأبرار). وقيل: الرّوح كشف الكروب، والريحان غفران الذنوب. وقيل: الرّوح تخفيف الحساب، والريحان تضعيف الثواب. وقيل: الرّوح عفو بلا عتاب، والرّيحان رزق بلا حساب. وقيل: الرّوح لأرواحهم، والريحان لقلوبهم، وجنة النعيم لأبدانهم.

стр. 2692

قوله تعالى: ﴿وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ (٩١)؛معناه: وأما إن كان هذا المتوفّى من أصحاب اليمين، يعني من عامّة المؤمنين دون السابقين، فسلام لك أيّها الإنسان الذي من أصحاب اليمين من عذاب الله، وسلّمت عليك ملائكة الله، وسلمت مما تكره لأنّك من أصحاب اليمين، وترى في الجنة ما يجب من السّلام. قوله تعالى: ﴿(فَسَلامٌ لَكَ)﴾ رفع على معنى: لك سلام؛ أي سلامة من العذاب. وقيل: معناه: فسلام عليك من أصحاب اليمين. قوله تعالى: ﴿وَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ؛﴾ وأما إن كان هذا المتوفّى من المكذّبين بالبعث والرسالة، ﴿الضّالِّينَ﴾ (٩٢)،من الهدى، ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ (٩٣)،أي فالحقّ الذي يعدّ له حميم جهنّم، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ (٩٤)، أي أدخل نارا عظيمة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ (٩٥)؛يعني ما ذكر من قصّة المحتضرين، وجميع ما سبق ذكره ليقين حقّ اليقين لا شكّ فيه. قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (٩٦)؛أي نزّه الله عن السّوء، والباء زائدة، والاسم بمعنى الذات والنفس، كأنه قيل: فسبح ربّك العظيم. آخر تفسير سورة (الواقعة) والحمد لله رب العالمين

стр. 2693

سورة الحديد سورة الحديد مدنيّة، وهي ألفان وأربعمائة وستّة وسبعون حرفا، وخمسمائة وأربع وأربعون كلمة، وتسع وعشرون آية. قال رسول الله ﷺ : [من قرأ سورة الحديد كتب من الّذين آمنوا بالله ورسوله] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي خضع وصلّى لله ما في السّماوات من الملائكة من الخلق، ونزّهوه عن السّوء والأنداد، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ؛﴾ في ملكه وسلطانه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ (١)؛في أمره وقضائه. قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي له خزائن السّماوات والأرض من المطر والنبات وغير ذلك، ﴿يُحْيِي؛﴾ للبعث، ﴿وَيُمِيتُ؛﴾ عند انقضاء الآجال، ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؛﴾ من الإحياء والإماتة، ﴿قَدِيرٌ﴾ (٢) أي قادر. قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ؛﴾ أي هو الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، لم يزل قديما قبل كلّ شيء، وهو الدائم بعد فناء كلّ شيء، وهو الظاهر الغالب على كلّ شيء، والظاهر هو القاهر، ومنه قوله ﴿فَأَصْبَحُوا﴾

стр. 2694

﴿ظاهِرِينَ﴾ (١) أي غالبين. ويقال: ظهر الأمير على بلد كذا؛ إذا غلب عليها، وهو الباطن الذي لا يدرك بالحواسّ ولا يقاس بالناس. وقيل: معناه: هو الظاهر بأدلّته العالم بما بطن من أمور خلقه. وقيل: الباطن المحتجب عن الأبصار، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ؛﴾ من الظاهر والباطن، ﴿عَلِيمٌ﴾ (٣). قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ؛﴾ قد تقدّم تفسير ذلك. قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي ما يدخل فيها فيستر، كما يعلم، ﴿وَما يَخْرُجُ مِنْها؛﴾ فيظهر، ويعلم، ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ،﴾ من ملك ورزق ومطر، ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها؛﴾ وما يصعد إليها من الملائكة وأعمال العباد، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ؛﴾ أي وهو أعلم بأقوالكم وأفعالكم وعزائمكم في أيّ موضع كنتم، فليس يخلو أحد من علم الله وقدرته أينما كان في الأرض أو في السّماء أو في برّ أو في بحر، ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤). وما بعد هذا: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٦).ظاهر المعنى. قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ؛﴾ أي صدّقوا بالله بأنّه خالقكم وإلهكم، وصدّقوا برسوله أنّه صادق فيما يؤدّيه إليكم، ﴿وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ؛﴾ في الجهاد وعلى الضّعفاء، وغير ذلك من سبل الخير من الأموال التي جعلكم الله مستخلفين فيها بأن أورثكموها ممن كان قبلكم. ويقال: إن الأموال التي في الدّنيا لا تخلو إمّا أن تكون قد صارت إلينا فنحن خلفاؤهم فيها، أو تصير منّا إلى غيرنا فهم خلفاءنا فنحفظها. قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٧)؛أي لهم ثواب عظيم في الآخرة. قوله تعالى: ﴿وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ؛﴾ هذا استفهام إنكار؛ معناه: أيّ شيء لكم من الثّواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا بالله بعد قيام الحجّة عليكم على

стр. 2695

وحدانيّة الله تعالى وتمام علمه وكمال ملكه، وأيّ عذر يمنعكم من الإيمان بالله تعالى، ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ؛﴾ في ظهر آدم بأنّ الله ربّكم لا إله إلاّ هو ولا معبود سواه. وقيل: معنى ﴿(أَخَذَ مِيثاقَكُمْ)﴾ ركّب فيكم العقول وأقام الحجج والدلائل التي تدعو إلى متابعة الرّسول ﷺ . قرأ العامّة «(أخذ)» بفتح الهمزة وفتح القاف (١)،وقرأ أبو عمرو بضمّها على ما لم يسمّ فاعله. قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٨)؛يعني إن كنتم مصدّقين كما تزعمون. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ؛﴾ معناه: هو الذي ينزّل على عبده محمّد ﷺ آيات بيّنات، يعني القرآن، ليخرجكم من ظلمات الشّرك إلى نور الإيمان، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٩)؛يعني حين بعث الرسول ونصب الأدلّة. قوله تعالى: ﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ معناه: أيّ شيء لكم في ترك الإنفاق في نصرة الإسلام ومواساة الفقراء وأنتم ميّتون تاركون أموالكم، والله سبحانه يرزقكم، ويرث ما في السّماوات والأرض، يميت من فيهما ويرث من عليها. قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ؛﴾ معناه: لا يستوي منكم في الفضل من أنفق ماله وقاتل العدوّ من قبل فتح مكّة مع من أنفق من بعد وقاتل. قال الكلبيّ: (نزلت هذه الآية في أبي بكر الصّدّيق ﵁ (٢) قيل: هذا أنّه كان أوّل من أنفق المال على رسول الله ﷺ في سبيل الله، وأوّل من قاتل في الإسلام. قال ابن مسعود: (أوّل من أظهر إسلامه بعد رسول الله ﷺ أبو بكر الصّدّيق ﵁،

стр. 2696

وقد شهد له النّبيّ ﷺ بأنّه أنفق ماله قبل الفتح) (١). قال العلاء بن عمرو: (بينا النّبيّ ﷺ جالس وعنده أبو بكر ﵁ وعليه عباءة، قد خلّها على صدره بخلال (٢) إذ نزل جبريل ﵇ فقال: يا محمّد: ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة؟ فقال: يا جبريل إنّه أنفق ماله قبل الفتح عليّ، قال: فأقرئه منّي السّلام وقل له: يقول لك ربّك: أراض أنت عنّي في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال ﷺ : [يا أبا بكر؛ هذا جبريل يقرؤك السّلام من الله تعالى، ويقول لك ربّك: أراض أنت عنّي في فقرك هذا أم ساخط؟] فبكى أبو بكر ﵁ وقال: أعلى ربي أغضب؟! أنا عن ربي راض) (٣). وفي هذه الآية دلالة واضحة وحجّة بيّنة على فضل أبي بكر وتقديمه على سائر الصّحابة، كما روي عن عليّ ﵁ أنه قال: (لا أوتى برجل فضّلني على أبي بكر وعمر إلاّ جلدته حدّ المفتري) (٤). قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا؛﴾ معناه: أولئك أعظم ثوابا وأفضل درجة عند الله من الذين أنفقوا من بعد فتح مكّة وقاتلوا بعده، وإنما فضّل الله المنافقين والمقاتلين من قبل الفتح؛ لأن الإنفاق والقتال في ذلك الوقت كان أشدّ على النفس، وكانت الحاجة اليها أمسّ لقلّة المسلمين.

стр. 2697

ثم بيّن الله تعالى أنّ لكلا الفريقين الحسنى وهو الجنة، إلاّ أنّهم متفاوتون في الدّرجات فقال: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى؛﴾ أي وكلا الفريقين وعد الله الجنة، وقرأ ابن عامر «(وكلّ)» بالرفع على الاستئناف على لغة من يقول: زيد ضربت. وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١٠)؛أي عالم بما يعمله كلّ واحد منكم. قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (١١)؛قد تقدّم تفسيره في البقرة. قال أهل العلم: القرض الحسن أن يكون من الحلال؛ لأنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّبا، وأن يكون من أحسن ما يملكه دون أن يقصد الرديء لقوله تعالى ﴿لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١)،وأن يتصدّق وهو لحب المال ويرجو الحياة؛ لأنّ النبيّ ﷺ سئل عن أفضل الصّدقات فقال: [أن تتصدّق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتّى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وأن تضع الصّدقة في الأحوج الأولى] (٢). وأن يكتم الصدقة ما أمكن لقوله ﴿وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣)، وإن لا يتبع الصدقة المنّ والأذى لقوله تعالى ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى﴾ (٤)، وأن يقصد بها وجه الله ولا يرائي بها، وأن يستحقر ما يعطي وإن كثر؛ لأن الدّنيا كلها قليلة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ (٥) وأن يكون من أحب ماله، قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ (٦).وهذه تسعة أوصاف إذا استكملتها الصدقة كانت قرضا حسنا.

стр. 2698

قوله تعالى: ﴿(فَيُضاعِفَهُ لَهُ)﴾ فيه قراءتان: من قرأ بالرفع فعلى العطف على «(يقرض)» أو على الاستئناف على معنى فهو يضاعفه، ومن قرأ بنصب الفاء فعلى جواب الاستفهام بالفاء (١)،وقوله تعالى ﴿(وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)﴾ الأجر الكريم الذي يقع به النفع العظيم وهو الجنّة. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ معناه: اذكر يوم تراهم، ويجوز أن يكون انتصاب اليوم على معنى ولهم أجر كريم يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم على الصّراط يوم القيامة، وهو دليلهم إلى الجنّة. وأراد بالنور القرآن، وقيل: نور الإيمان والطاعة، تظهر لهم فيمشون فيه، قال ابن مسعود: (يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره مثل الجبل، ومنهم من يؤتى نوره كالنّخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرّجل القائم، وأدناهم نورا نوره على إبهامه يطفئ مرّة ويوقد أخرى) (٢).وقال قتادة: (المؤمن يضيء له نوره كما بين عدن وصنعاء ودون ذلك، حتّى أنّ من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلاّ موضع قدميه) (٣). قوله تعالى: ﴿(وَبِأَيْمانِهِمْ)﴾ قال الضحّاك ومقاتل: (وبأيمانهم كتبهم الّتي أعطوها، فكتبهم بأيمانهم، ونورهم بين أيديهم) (٤).وتقول لهم الملائكة: ﴿بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ يعني أنهار اللّبن والخمر والعسل والماء، ﴿خالِدِينَ فِيها؛﴾ لا يموتون ولا يخرجون منها، ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٢). قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً؛﴾ أي احذروا يوم يقول المنافقون للمؤمنين

стр. 2699

المخلصين: انظرونا نضيء بنوركم فنمضي معكم على الصّراط، وذلك أنّ المنافقين تغشاهم ظلمة حتى لا يكادون ينظرون مواضع أقدامهم، فينادون المؤمنين نقتبس من نوركم. قرأ حمزة «(أنظرونا)» بقطع الألف وكسر الظاء؛ أي أمهلونا، وقال الزجّاج: (معناه: انتظرونا أيضا)،وقال عمرو بن كلثوم (١): أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا قال المفسّرون: إذا كان يوم القيامة، أعطى الله المؤمنين نورا على قدر أعمالهم يمشون به على الصّراط، وأعطى الله المنافقين نورا كذلك خديعة لهم فيما بينهم كذلك يمشون، إذا بعث الله ريحا وظلمة فانطفأ نور المنافقين، فعند ذلك يقول المؤمنون: ربّنا أتمم لنا نورنا، مخافة أن يسلب كما سلب المنافقون. ويقول المنافقون حينئذ للمؤمنين: انظرونا نقتبس من نوركم، فيقولون لهم: لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا، فارجعوا وراءكم فاطلبوا هنالك لأنفسكم نورا، فيرجعون في طلب النّور فلا يجدون، فيقول لهم الملائكة: ارجعوا إلى الموضع الذي أخذنا منه النّور (٢) فاطلبوا نورا، فإنّ المؤمنين حملوا النور من الدّنيا بإيمانهم وطاعتهم. قوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ؛﴾ معناه: فيميّز بين المؤمنين والمنافقين بأن يضرب بينهم بجدار كبير يقال له السّور، وهو الذي يكون عليه أصحاب الأعراف، وهو حاجز بين الجنّة والنار. قوله تعالى: ﴿لَهُ بابٌ؛﴾ أي للسّور باب، ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ؛﴾ وهي الجنّة التي فيها المؤمنون، ﴿وَظاهِرُهُ؛﴾ أي وخارج السّور، ﴿مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ (١٣)؛يعني جهنّم والنار.

стр. 2700

قوله تعالى: ﴿يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؛﴾ معناه: أنّ المنافقين ينادون المؤمنين من وراء السّور: ألم نكن معكم في الدّنيا على دينكم نناكحكم ونوارثكم ونصلّي معكم في مساجدكم، ﴿قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ؛﴾ أي أهلكتموها بالنّفاق والمعاصي والشّهوات وكلّها فتنة، ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ؛﴾ بمحمّد الموت وبالمؤمنين الدوائر، وقلتم: يوشك أن يموت محمّد فنستريح منه. قوله تعالى: ﴿وَارْتَبْتُمْ؛﴾ أي شككتم في توحيد الله وفي نبوّة محمّد ﷺ ، ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ؛﴾ يعني: ما كانوا يتمنّون من قتل محمّد ﷺ وهلاك المسلمين، وغرّتكم أيضا الأباطيل وطول الآمال، ﴿حَتّى جاءَ أَمْرُ اللهِ؛﴾ يعني الموت والبعث، ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ (١٤)؛أي وغرّكم الشيطان بحكم الله وإمهاله عن طاعة الله. قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ؛﴾ لا يقبل منكم بذل تفدون به أنفسكم من العذاب، ﴿وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا،﴾ ولا من الذين يظهرون الكفر. قرأ ابن عامر والحسن ويعقوب: «(لا تؤخذ)» بالتاء. قوله تعالى: ﴿مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ؛﴾ أي أولى بكم وأحقّ أن تكون مسكنا لكم قد ملكت أمركم، فهي أولى بكم من كلّ شيء، وأنتم أولى بها، ومنه المولى لأنه أولى بعبيده من غيره، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١٥)؛النار، قال قتادة: (ما زالوا على خدعة من الشّيطان حتّى قذفهم الله في النّار). قوله تعالى: ﴿*أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ؛﴾ معناه: أما حان للمؤمنين الذين تكلّموا بكلمة الإيمان إذا سمعوا القرآن أن تخشع قلوبهم لذكر الله وتلين وترقّ، قال ابن مسعود: (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه إلاّ أربع سنين) (١).والمعنى: يجب أن يورثهم الذكر خشوعا ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة، ولا يخشع للذّكر قلبه. وقوله ﴿(وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)﴾ يعني القرآن، قرأ نافع وعاصم مخفّفا.
следующие страницы →