وقد شهد له النّبيّ ﷺ بأنّه أنفق ماله قبل الفتح) (١).
قال العلاء بن عمرو: (بينا النّبيّ ﷺ جالس وعنده أبو بكر ﵁ وعليه عباءة، قد خلّها على صدره بخلال (٢) إذ نزل جبريل ﵇ فقال: يا محمّد: ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة؟ فقال: يا جبريل إنّه أنفق ماله قبل الفتح عليّ، قال: فأقرئه منّي السّلام وقل له: يقول لك ربّك: أراض أنت عنّي في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال ﷺ : [يا أبا بكر؛ هذا جبريل يقرؤك السّلام من الله تعالى، ويقول لك ربّك: أراض أنت عنّي في فقرك هذا أم ساخط؟] فبكى أبو بكر ﵁ وقال: أعلى ربي أغضب؟! أنا عن ربي راض) (٣).
وفي هذه الآية دلالة واضحة وحجّة بيّنة على فضل أبي بكر وتقديمه على سائر الصّحابة، كما روي عن عليّ ﵁ أنه قال: (لا أوتى برجل فضّلني على أبي بكر وعمر إلاّ جلدته حدّ المفتري) (٤).
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا؛﴾ معناه: أولئك أعظم ثوابا وأفضل درجة عند الله من الذين أنفقوا من بعد فتح مكّة وقاتلوا بعده، وإنما فضّل الله المنافقين والمقاتلين من قبل الفتح؛ لأن الإنفاق والقتال في ذلك الوقت كان أشدّ على النفس، وكانت الحاجة اليها أمسّ لقلّة المسلمين.
стр. 2697
ثم بيّن الله تعالى أنّ لكلا الفريقين الحسنى وهو الجنة، إلاّ أنّهم متفاوتون في الدّرجات فقال: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى؛﴾ أي وكلا الفريقين وعد الله الجنة، وقرأ ابن عامر «(وكلّ)» بالرفع على الاستئناف على لغة من يقول: زيد ضربت. وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١٠)؛أي عالم بما يعمله كلّ واحد منكم.
قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (١١)؛قد تقدّم تفسيره في البقرة. قال أهل العلم: القرض الحسن أن يكون من الحلال؛ لأنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّبا، وأن يكون من أحسن ما يملكه دون أن يقصد الرديء لقوله تعالى ﴿لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١)،وأن يتصدّق وهو لحب المال ويرجو الحياة؛ لأنّ النبيّ ﷺ سئل عن أفضل الصّدقات فقال: [أن تتصدّق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتّى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وأن تضع الصّدقة في الأحوج الأولى] (٢).
وأن يكتم الصدقة ما أمكن لقوله ﴿وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣)، وإن لا يتبع الصدقة المنّ والأذى لقوله تعالى ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى﴾ (٤)، وأن يقصد بها وجه الله ولا يرائي بها، وأن يستحقر ما يعطي وإن كثر؛ لأن الدّنيا كلها قليلة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ (٥) وأن يكون من أحب ماله، قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ (٦).وهذه تسعة أوصاف إذا استكملتها الصدقة كانت قرضا حسنا.
стр. 2698
قوله تعالى: ﴿(فَيُضاعِفَهُ لَهُ)﴾ فيه قراءتان: من قرأ بالرفع فعلى العطف على «(يقرض)» أو على الاستئناف على معنى فهو يضاعفه، ومن قرأ بنصب الفاء فعلى جواب الاستفهام بالفاء (١)،وقوله تعالى ﴿(وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)﴾ الأجر الكريم الذي يقع به النفع العظيم وهو الجنّة.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ معناه: اذكر يوم تراهم، ويجوز أن يكون انتصاب اليوم على معنى ولهم أجر كريم يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم على الصّراط يوم القيامة، وهو دليلهم إلى الجنّة.
وأراد بالنور القرآن، وقيل: نور الإيمان والطاعة، تظهر لهم فيمشون فيه، قال ابن مسعود: (يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره مثل الجبل، ومنهم من يؤتى نوره كالنّخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرّجل القائم، وأدناهم نورا نوره على إبهامه يطفئ مرّة ويوقد أخرى) (٢).وقال قتادة: (المؤمن يضيء له نوره كما بين عدن وصنعاء ودون ذلك، حتّى أنّ من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلاّ موضع قدميه) (٣).
قوله تعالى: ﴿(وَبِأَيْمانِهِمْ)﴾ قال الضحّاك ومقاتل: (وبأيمانهم كتبهم الّتي أعطوها، فكتبهم بأيمانهم، ونورهم بين أيديهم) (٤).وتقول لهم الملائكة: ﴿بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ يعني أنهار اللّبن والخمر والعسل والماء، ﴿خالِدِينَ فِيها؛﴾ لا يموتون ولا يخرجون منها، ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٢).
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً؛﴾ أي احذروا يوم يقول المنافقون للمؤمنين
стр. 2699
المخلصين: انظرونا نضيء بنوركم فنمضي معكم على الصّراط، وذلك أنّ المنافقين تغشاهم ظلمة حتى لا يكادون ينظرون مواضع أقدامهم، فينادون المؤمنين نقتبس من نوركم.
قرأ حمزة «(أنظرونا)» بقطع الألف وكسر الظاء؛ أي أمهلونا، وقال الزجّاج:
(معناه: انتظرونا أيضا)،وقال عمرو بن كلثوم (١):
أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا
قال المفسّرون: إذا كان يوم القيامة، أعطى الله المؤمنين نورا على قدر أعمالهم يمشون به على الصّراط، وأعطى الله المنافقين نورا كذلك خديعة لهم فيما بينهم كذلك يمشون، إذا بعث الله ريحا وظلمة فانطفأ نور المنافقين، فعند ذلك يقول المؤمنون: ربّنا أتمم لنا نورنا، مخافة أن يسلب كما سلب المنافقون.
ويقول المنافقون حينئذ للمؤمنين: انظرونا نقتبس من نوركم، فيقولون لهم: لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا، فارجعوا وراءكم فاطلبوا هنالك لأنفسكم نورا، فيرجعون في طلب النّور فلا يجدون، فيقول لهم الملائكة: ارجعوا إلى الموضع الذي أخذنا منه النّور (٢) فاطلبوا نورا، فإنّ المؤمنين حملوا النور من الدّنيا بإيمانهم وطاعتهم.
قوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ؛﴾ معناه: فيميّز بين المؤمنين والمنافقين بأن يضرب بينهم بجدار كبير يقال له السّور، وهو الذي يكون عليه أصحاب الأعراف، وهو حاجز بين الجنّة والنار. قوله تعالى: ﴿لَهُ بابٌ؛﴾ أي للسّور باب، ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ؛﴾ وهي الجنّة التي فيها المؤمنون، ﴿وَظاهِرُهُ؛﴾ أي وخارج السّور، ﴿مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ (١٣)؛يعني جهنّم والنار.
стр. 2700
قوله تعالى: ﴿يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؛﴾ معناه: أنّ المنافقين ينادون المؤمنين من وراء السّور: ألم نكن معكم في الدّنيا على دينكم نناكحكم ونوارثكم ونصلّي معكم في مساجدكم، ﴿قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ؛﴾ أي أهلكتموها بالنّفاق والمعاصي والشّهوات وكلّها فتنة، ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ؛﴾ بمحمّد الموت وبالمؤمنين الدوائر، وقلتم: يوشك أن يموت محمّد فنستريح منه.
قوله تعالى: ﴿وَارْتَبْتُمْ؛﴾ أي شككتم في توحيد الله وفي نبوّة محمّد ﷺ ، ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ؛﴾ يعني: ما كانوا يتمنّون من قتل محمّد ﷺ وهلاك المسلمين، وغرّتكم أيضا الأباطيل وطول الآمال، ﴿حَتّى جاءَ أَمْرُ اللهِ؛﴾ يعني الموت والبعث، ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ (١٤)؛أي وغرّكم الشيطان بحكم الله وإمهاله عن طاعة الله.
قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ؛﴾ لا يقبل منكم بذل تفدون به أنفسكم من العذاب، ﴿وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا،﴾ ولا من الذين يظهرون الكفر.
قرأ ابن عامر والحسن ويعقوب: «(لا تؤخذ)» بالتاء.
قوله تعالى: ﴿مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ؛﴾ أي أولى بكم وأحقّ أن تكون مسكنا لكم قد ملكت أمركم، فهي أولى بكم من كلّ شيء، وأنتم أولى بها، ومنه المولى لأنه أولى بعبيده من غيره، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١٥)؛النار، قال قتادة: (ما زالوا على خدعة من الشّيطان حتّى قذفهم الله في النّار).
قوله تعالى: ﴿*أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ؛﴾ معناه: أما حان للمؤمنين الذين تكلّموا بكلمة الإيمان إذا سمعوا القرآن أن تخشع قلوبهم لذكر الله وتلين وترقّ، قال ابن مسعود: (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه إلاّ أربع سنين) (١).والمعنى: يجب أن يورثهم الذكر خشوعا ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة، ولا يخشع للذّكر قلبه. وقوله ﴿(وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)﴾ يعني القرآن، قرأ نافع وعاصم مخفّفا.
стр. 2701
قوله تعالى: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ؛﴾ وهم اليهود والنصارى، وموضع ﴿(وَلا يَكُونُوا)﴾ النصب عطفا على قوله تعالى ﴿(أَنْ تَخْشَعَ)﴾ و ﴿(وَلا يَكُونُوا)﴾،قال الأخفش: (وإن شئت جعلته نهيا) وهذه زيادة في وعظ المؤمنين، معناه:
ولا يكونوا في قساوة القلوب كالذين أعطوا التوراة والإنجيل من قبل المؤمنين، ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ؛﴾ الزمان بينهم وبين أنبيائهم، ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ؛﴾ قال ابن عباس: (مالوا إلى الدّنيا وأعرضوا عن مواعظ الله، فلم تلن قلوبهم عند سماع كلام الله تعالى) (١).وقوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (١٦)؛أي خارجون عن طاعة الله، وإنّما قال ﴿(وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ)﴾ لأنه كان منهم من أسلم.
قوله تعالى: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١٧)؛تنبيه على الاستدلال بإحياء الأرض بعد موتها على البعث والنّشور.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ؛﴾ قرأ ابن كثير وعاصم بتخفيف الصّاد من التّصديق، تقديره: إنّ المؤمنين والمؤمنات، وقرأ الباقون تشديدها، يعني المصّدّقين من الصّدقة، أدغمت التاء في الصاد، ﴿وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ بالصّدقة والنفقة في سبيله، ﴿يُضاعَفُ لَهُمْ،﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر «(يضعّف)» بالتشديد، وقوله: ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (١٨)؛يعني الجنّة.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ؛﴾ واحدهم صدّيق وهو الكثير الصّدق، والصّدّيقون لم يشكّوا في الرّسل حين أخبروهم، ولم يكذّبوهم ساعة.
قوله تعالى: ﴿وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؛﴾ قال بعضهم: تمام الكلام عند قوله (الصّدّيقون)،ثم ابتدأ فقال: (والشّهداء عند ربهم) وخبره: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ والشهداء على هذا القول يحتمل أنّ المراد بهم الأنبياء ﵈ الذين يشهدون يوم القيامة لمن صدّق بالتصديق وعلى من كذب بالتكذيب، ويحتمل أنّ المراد بهم الذين قتلوا في سبيل الله.
стр. 2702
وقال بعضهم: وقوله (والشّهداء) عطف على الصّدّيقين، ومعنى: الشّهداء على سائر المؤمنين، ففي الحديث: [المؤمنون شهداء الله في أرضه] (١).وقال ﷺ : [كلّ مؤمن شهيد] (٢). ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (١٩).
قوله تعالى: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ؛﴾ يعني الحياة الدّنيا كاللّعب واللهو في سرعة فنائها وانقضائها، ونظير هذا قوله ﷺ : [الطّواف بالبيت صلاة] (٣) أي كالصّلاة، ويقال: فلان يجري كالبحر في السّخاء، وفلان أسد؛ أي كالأسد في الشّجاعة.
وقوله تعالى ﴿(وَزِينَةٌ)﴾ أي منظر حسن، والمعنى: إنما الحياة الدّنيا لعب ولهو كلعب الصبيان، وزينة كزينة النّسوان، ﴿وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ﴾ كتكاثر الدّهقان (٤).
قال عليّ بن أبي طالب لعمّار بن ياسر: (لا تحزن على الدّنيا؛ فإنّها ستّة أشياء: مطعوم؛ ومشروب؛ وملبوس؛ ومشموم؛ ومركوب؛ ومنكوح، فأكبر طعامها العسل وهو بزاق ذبابة، وأكبر شرابها الماء وفيه يستوي جميع الحيوانات، وأكبر ملبوسها الدّيباج وهو نسج دودة، وأكبر مشمومها المسك وهو دم فأرة أو ظبية، وأكبر مركوبها الفرس وعليه يقتل الرّجال، وأكبر منكوحها النّساء وهو مبال في مبال) (٥).
стр. 2703
قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ؛﴾ أي مثل الدّنيا كمثل مطر أعجب الزّرّاع نباته، والكفر في اللغة هو التّغطية، وسمّي الكافر كافرا؛ لأنه يغطّي الحقّ بالباطل، والزّارع يغطّي الحبّ بالأرض.
والمعنى: كمثل غيث أعجب الزّرّاع ما نبت من ذلك الغيث، ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا؛﴾ أي ثم يبين فيصير مصفرّا بعد خضرته وريّه، ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً؛﴾ أي متكسّرا مفتّتا تحت أرجل الدواب، كذلك الدّنيا تزول وتفنى، كما لا يبقى هذا الزرع.
قوله تعالى: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ؛﴾ أي عذاب شديد للكفّار والمنافقين، ومغفرة من الله ورضوان للمؤمنين المطيعين، وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢٠)؛هي في سرعة فنائها ونفادها مثل متاع البيت في سرعة فنائه وفراغه وسقوطه وانكساره.
وعن عليّ ﵁ أنّه كان يقول في صفة الدنيا: (أمّا ماضي فحكم، وأمّا ما يغني فأمانيّ وغرور).وقال رسول الله ﷺ : [الرّغبة في الدّنيا تكثر الهمّ والحزن، والزّهد في الدّنيا يريح القلب والبدن] (١).
قوله تعالى: ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي سابقوا إلى ما أمرتم وإلى التّوبة لتنالوا مغفرة من ربكم جنّة سعتها كسعة السّماء والأرض. وقيل: المراد بالآية السّبق إلى الجهاد والجمعة والجماعات وسائر أعمال البرّ، وباقي الآية ظاهر. ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢١).
قوله تعالى: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها؛﴾ معناه: ما أصاب أحدا مصيبة في الأرض من
стр. 2704
قحط المطر وقلّة النبات ونقص الثّمار، ﴿(وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ)﴾ من المرض والموت وفقد الأولاد، إلاّ وهو مكتوب في اللّوح المحفوظ من قبل أن نخلق الأرض. ويقال: من قبل أن نخلق النّفس، ويقال: من قبل أن نقدّر تلك المصيبات في اللّوح المحفوظ؛ لأن خلق ذلك وتقديره على الله هيّن. والبرء في اللغة هو الخلق، والبارئ: الخالق، والبريّة:
الخليقة. قوله: ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (٢٢)؛يعني إثبات ذلك كله مع كثرته على الله هيّن.
قوله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ؛﴾ بالصبر عند المصائب، والشّكر عند النّعم، لأنّ العاقل إذا علم الذي فاته كان مكتوبا عليه، دعاه ذلك إلى ترك الجزع، وكانت نفسه أسكن وقلبه أطيب، وإذا علم أنّ الذي أتاه من الدنيا كان مكتوبا له قبل أن يصير إليه، وأنه لا يبقى عليه، دعاه ذلك إلى ترك النظر.
قرأ أبو عمرو «(أتاكم)» بالقصر؛ أي جاءكم، واختاره أبو عبيد لقوله «(فاتكم)» ولم يقل: أفاتكم، وقرأ الباقون «(آتاكم)» بالمدّ؛ أي أعطاكم، واختاره أبو حاتم، وكان الحسن يقول لصاحب المال: (في ماله مصيبتان لم يسمع الأوّلون والآخرون بمثلها: يسلب عن كلّه ويسأل عن كلّه).
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ (٢٣)؛فيه ذمّ للفرح الذي يختال ويبطر بالمال والولد والولاية.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ؛﴾ يعني الذين يمتنعون عن أداء الحقوق الواجبة في المال، ويمنعون الناس عن أداء تلك الحقوق، وهذا نعت المختال الفخور.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٢٤)؛أي من يعرض عن الإيمان وعن أداء الحقوق، فإنّ الله هو الغنيّ عنه وعن إيمانه، وهو المحمود في أفعاله، قرأ نافع وابن عامر «(فإنّ الله الغنيّ)»،وقرأ الباقون «(هو الغنيّ)».
стр. 2705
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ؛﴾ أي بالآيات والحجج، ﴿وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ؛﴾ الذي يتضمّن الأحكام، وقوله تعالى: ﴿وَالْمِيزانَ﴾ يعني العدل؛ أي أمر بالعدل، وقيل: يعني الذي يوزن به؛ أي أمرنا بالميزان، ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ؛﴾ أي ليتعاملون بينهم بالعدل والنّصفة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزل آدم من الجنّة ومعه الإبرة والمطرقة والكلبتين) (١).وقيل: المراد بإنزال الحديد أنه خلقه الله في الجبال والمعادن. وقوله تعالى ﴿(فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ)﴾ أي قوّة شديدة، لا يليّنه إلاّ النار. قوله تعالى: ﴿(وَمَنافِعُ لِلنّاسِ)﴾ يعني الفئوس والسكاكين والإبرة وآلة الحرب وآلة الدفع يعني السّلاح.
قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ؛﴾ أي وليعلم الله من ينصر دينه وينصر رسله بهذه الأسلحة، والله سبحانه لم يزل عالما بمن ينصر ومن لا ينصر؛ لأن علم الله لا يكون حادثا، لأنّ المراد بهذا العلم الإظهار والتمييز. وقوله تعالى (بالغيب) معناه: ولم ير الله ولا أحكام الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢٥)؛
فيه بيان أنه تعالى لم يأمر بالجهاد عن ضعف وعجز، إنما أمر به ليثيبنا عليه. وما بعد هذا: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (٢٦)،ظاهر المعنى.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا؛﴾ أي أتبعنا الرّسل على إثر نوح وإبراهيم ومن كان من الرّسل من أولادهما، ﴿وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ؛﴾ أي أتبعنا به وأعطيناه الإنجيل دفعة واحدة، ﴿وَجَعَلْنا فِي﴾
стр. 2706
﴿قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ؛﴾ الحواريّين وأتباعهم، ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً؛﴾ يعني المودّة، كانوا متوادّين بعضهم لبعض كما وصف الله تعالى أصحاب محمّد ﷺ بقوله تعالى ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها؛﴾ ليس بعطف على ما قبله، وانتصابه بفعل مضمر يدلّ عليه ما بعده، كأنه قال: وابتدعوا رهبانية؛ أي جاءوا بها من قبل أنفسهم، وهو قوله تعالى: ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ؛﴾ معناه: ما فرضناها عليهم تلك الرهبانيّة، بل هي غلوّهم في العبادة من حمل المشاقّ على أنفسهم، وهي الامتناع من المطعم والمشرب والملبس والنّكاح والتعبّد في الجبال، ما فرضنا عليهم ذلك إلاّ أنّهم طلبوا بها رضوان الله. وقيل: معناها: ما فرضنا عليهم إلاّ اتباع ما أمر الله.
قوله تعالى: ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها؛﴾ أي قصّروا فيما ألزموه أنفسهم ولم يحفظوها حقّ الحفظ، ويقال: إنه لمّا لم يؤمنوا بالنبيّ ﷺ حين بعث كانوا تاركين لطاعة الله تعالى غير مراعين لها فضيّعوها وكفروا بدين عيسى بن مريم، وتهوّدوا وتنصّروا وتركوا الترهيب.
قوله تعالى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ؛﴾ وهم الذين أقاموا على دين عيسى حتى أدركوا محمّدا ﷺ فآمنوا به فأعطيناهم ثوابهم، قال ﷺ : [من آمن بي وصدّقني واتّبعني فقد رعاها حقّ رعايتها، ومن لم يتّبعني فأولئك هم الهالكون] (٢).قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (٢٧)؛معناه: وكثير منهم خالفوا دين عيسى فقالوا هو ابن الله أو نحوا من هذا القول.
стр. 2707
والرهبانيّة في اللغة: خصلة يظهر فيها معنى الرّهبنة، وذلك إمّا في لبسه أو انفراده عن الجماعة للعبادة، قال رسول الله ﷺ : [لا تشدّدوا على أنفسكم فيشدّد الله عليكم، فإنّ قوما شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصّوامع والدّيارات، ﴿رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾] (١).
وعن عروة قال: (دخلت امرأة عثمان بن مظعون على عائشة وهي باذة الهيبة، فسألتها: ما شأنك؟ فقالت: زوجي يقوم اللّيل ويصوم النّهار، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله ﷺ ، فلقي عثمان بن مظعون، فقال له: [يا عثمان إنّ الرّهبانيّة لم تكتب علينا، فما لك فيّ أسوة، فو الله إنّي لأخشاكم لله وأحفظكم لحدوده] (٢).
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ؛﴾ أي يا أيّها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتّقوا الله وآمنوا برسوله محمّد ﷺ ، ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ؛﴾ أي يؤتكم نصيبين من ثوابه وكرامته، نصيبا لإيمانكم به اليوم ونصيبا لإيمانكم المتقدّم بالأنبياء ﵈.
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ؛﴾ على الصّراط، كما قال تعالى ﴿نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٣) فهذا علامة المؤمنين في القيامة. وقيل: معناه:
ويجعل لكم نورا بالإيمان في الدّنيا، يعني الهدى والبينات تهتدون به إلى طاعة الله، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ؛﴾ لمن مات على التوبة، ﴿رَحِيمٌ﴾ (٢٨).
قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ أي ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمّد ﷺ وحسدوا المؤمنين منهم أن لا
стр. 2708
يصرفوا النبوّة عمّن تفضّل الله بها عليه إلى غيره، وأنّ التوفيق بتقدير الله يعطي النبوّة من يشاء ممن كان أهلا لها، صالحا للقيام بها. وقيل: ليعلم الذين لم يؤمنوا بمحمّد ﷺ أنّهم لا أجر لهم ولا نصيب لهم في فضل الله، ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ؛﴾ فآتى المؤمنين منهم أجرين، ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢٩)؛ يتفضّل على من يشاء من عباده المؤمنين، و (لا) في قوله (لئلاّ) زائدة المعنى، لأن يعلم مثل قوله: ﴿ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ (١).
آخر تفسير سورة (الحديد) والحمد لله رب العالمين.
стр. 2709
سورة المجادلة
سورة المجادلة مدنيّة، وهي ألف وتسعمائة واثنان وتسعون حرفا، وأربعمائة وثلاث وسبعون كلمة، واثنتان وعشرون آية.
قال ﷺ : [من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله يوم القيامة] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (١)؛هذه الآيات نزلت في خولة بنت ثعلبة، وهي امرأة من الخزرج من بني عمرو بن عوف، وفي زوجها أوس ابن الصّامت، وكان أوس بن الصّامت وعبادة بن الصّامت أخوين، وكانت خولة حسنة الجسم، فرآها زوجها ساجدة في صلاتها، فنظر إلى عجزها، فلمّا فرغت من صلاتها راودها فأبت، فغضب عليها، فقال لها: أنت عليّ كظهر أمّي، وندم بعد ذلك على ما قال، وكان الظّهار طلاقا في الجاهليّة.
فمضت خولة إلى رسول الله ﷺ فوجدت عائشة تغسل رأس رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إنّ زوجي أوس بن الصّامت تزوّجني وأنا شابّة غنيّة ذات مال وأهل، حتّى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرّق أهلي وكبر سنّي ظاهر منّي، وقد ندم على ذلك، فهل شيء يا رسول الله يجمعني وإيّاه؟ فقال ﷺ : [ما أراك إلاّ قد حرمت عليه] فقالت: يا رسول الله والّذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا، وإنّه أبو ولدي وأحبّ النّاس إليّ، فقال ﷺ : [حرمت عليه].فقالت: أشكوا الله تعالى.
стр. 2710
ثمّ جعلت تراجع رسول الله ﷺ وهو يقول: [حرمت عليه] فقالت: أشكوا إلى الله فاقتي وشدّة حالي. فنزل الوحي على رسول الله ﷺ ، فلمّا قضى الوحي، قال رسول الله ﷺ : [ادعي زوجك] فتلا عليه النّبيّ ﷺ : ﴿(قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)﴾ (١).
وروي: أنّ خولة لمّا أتت النّبيّ ﷺ فقالت له: يا رسول الله إنّ أوسا تزوّجني وأنا شابّة مرغوب فيّ، فلمّا خلا سنّي ورقّ عظمي ونثرت ذا بطني جعلني عليه كأمّه، ثمّ ندم على قوله، ولي منه صبية صغار؛ إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، فقال ﷺ : [ما عندي في أمرك شيء] فقالت: زوجي وابن عمّي وأبو أولادي وأحبّ النّاس إليّ، وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يخدم نفسه، فقال ﷺ : [ما أراك إلاّ قد حرمت عليه].
فقالت: يا رسول الله لا تقل ذلك؛ إنّه ما ذكر طلاقا وإنّما قال كلمة، فقال ﷺ : [ما أمرت في شأنك بشيء، وإن نزل في شأنك شيء بيّنته لك] فهتفت وبكت وجعلت تراجع رسول الله ﷺ ، ثمّ قالت: اللهمّ إنّي أشكو إليك شدّة وجدي وما يشقّ عليّ من فراقه، ورفعت يدها إلى السّماء تدعو وتتضرّع.
فبينما هي كذلك، إذ تغشّى رسول الله ﷺ الوحي، فلمّا سرى عنه قال: [يا خولة قد أنزل الله فيك وفي زوجك القرآن] (٢) ثمّ تلا ﴿(قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ)﴾.
معناه: قد سمع الله قول المرأة التي تسائلك وتخاصمك في أمر زوجها، وترفع إلى الله ما بها من المكروه، والله يسمع تحاوركما ومراجعتكما، إنّ الله سميع لمقالتكما عليم بأمرها وأمر زوجها. والتّحاور: تراجع الكلام.
стр. 2711
قوله تعالى: ﴿(تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها)﴾ وهو أنّ النّبيّ ﷺ كلّما قال لها [قد حرمت عليه] قالت: والله ما ذكر طلاقا، فكان هذا جدالا، وقوله تعالى ﴿(وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ)﴾ وهو قولها: أشكوا إلى الله فاقتي ووحدتي وإنّ لي صبيانا صغارا إذا ضممتهم إليه ضاعوا، واذ ضممتهم إليّ جاعوا.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ؛﴾ أي ليس هنّ بأمّهاتهم، وما هنّ كأمّهاتهم في الحرمة، وقرأ عاصم «(ما هنّ أمّهاتهم)» بالرفع، كما يقال: ما زيد عالم. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ؛﴾ معناه: وإنّ المظاهرين ليقولون، ﴿مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً؛﴾ أي قبيحا من حيث يشبهوا المرأة التي هي في غاية الإباحة بما هو في غاية الحرمة وهو ظهر الأمّ، والمنكر الذي هو الذي لا يعرف في الشّرع، والزّور الكذب.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (٢)؛أي لكثير العفو عن ذنوب عباده، كثير الغفران والسّتر عليهم، عفا عنهم وغفر لهم بإيجاب الكفّارة عليهم.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا؛﴾ اختلف المفسّرون في معنى العود المذكور في الآية (١)،فذهب أصحاب الظّواهر إلى أنّ المراد به إعادة كلمة الظّهار، وهذا قول مخالف لقول أهل العلم، وقد أوجب النبيّ ﷺ الكفارة على أوس حين ظاهر من امرأته، ولم يسأل أكرّر الظهار أم لا؟.
وذهب مالك إلى أن العود هو العزم على الوطء، قال: (وإذا عزم على وطئها بعد الظّهار فعليه الكفّارة، سواء أمسكها أو أبانها أو عاشت أو ماتت).وقال الشافعيّ: (العود هاهنا هو الإمساك على النّكاح، إذا أمسكها عقيب الظّهار ولم يطلّقها، فعليه الكفّارة ولا تسقط عنه تلك الكفّارة وإن أبانها بعد ذلك.
стр. 2712
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنّ معنى العود هو أن يعود المقول فيه فيستبيح ما حرّمه بالظهار، وقد يذكر المصدر ويراد به المقول كما قال ﷺ : [العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه] (١) وإنّما هو عائد في الموهوب. ويقال: اللهمّ أنت رجاؤنا؛ أي مرجوّنا، وقال تعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٢) أي الموقن به، والعود في الشّيء هو فعل ما يناقض ذلك الشيء، وحروف الصّفات يقوم بعضها مقام بعض كما في قوله تعالى ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٣)،فيكون المعنى: ثمّ يعودون فيما قالوا.
والإمساك على النّكاح عقيب الظّهار لا يكون عودا على وجه التّراخي ولا يناقض لفظ الظّهار، فإنّ الظهار لا يوجب تحريم العقد حتى يكون إمساكها على النكاح عودا، ثم على مذهب أبي حنيفة: إذا قصد أن يستبيحها ثم أبانها سقطت الكفارة عنه.
وفي قوله تعالى ﴿(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا)﴾ دليل على أنّ هذه الكفارة إنما شرعت لدفع الحرمة في المستقبل، وفيه دليل تحريم التّقبيل واللّمس قبل التكفير؛ لأنّ قوله تعالى ﴿(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا)﴾ يتناول جميع ضروب المسيس.
وفي قوله تعالى ﴿(مِنْ نِسائِهِمْ)﴾ دليل على أنّ الظّهار لا يكون في الإماء إلاّ إذا كنّ زوجات؛ لأنّ إطلاق لفظ النساء ينصرف إلى الحرائر كما في قوله تعالى ﴿أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ﴾ (٤).وفي قوله تعالى ﴿(فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)﴾ دليل على جواز إعتاق الرّقبة الكافرة في الظّهار؛ لأن ذكر الرّقبة مطلق في الآية، بخلاف كفّارة القتل.
والأصل في الظّهار أنه إذا ذكر في المرأة ما يجمعها مثل الجسد والبدن والرأس والرّقبة ونحوها، والظهر والبطن والفرج والفخذ وشبّهها بمحارمه كان مظاهرا. وإن
стр. 2713
قال: أنت عليّ كيد أمّي أو رجلها، أو قال: يدك عليّ أو شعرك عليّ كظهر أمي كان باطلا.
وقال مالك: (يصحّ الظّهار بالتّشبيه بالأجنبيّة).وقال الشعبيّ: (لا يصحّ الظّهار إلاّ بالأمّ)،وقال الشافعيّ: (إذا قال: يدك، أو قال: أنت عليّ كيد أمّي، فهو ظهار).
﴿ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٣).
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا؛﴾ أي فمن لم يجد من المظاهرين الرقبة ولا قيمتها، فعليه أن يصوم شهرين متتابعين قبل المسيس. وهذا يقتضي أنه إذا أفطر فيهما لمرض أو غيره كان عليه استقبال الصّوم أيضا، وكذا إذا قدر على الرقبة في خلال الصّوم فلم يعتقها حتى عجز عنها كان عليه الاستقبال أيضا في قول أبي حنيفة ومحمّد، سواء كان المسيس بالليل أو بالنهار. وقال أبو يوسف: (إذا مسّها باللّيل عامدا أو بالنّهار ناسيا لم يستقبل).
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً؛﴾ إذا عجز عن الصّوم لكبر أو مرض فكفّارته أن يطعم ستّين مسكينا، وإن مسّها المظاهر بعد ما أطعم بعض الطعام لم يستقبل الإطعام؛ لأنه ليس في ذكر الإطعام في هذه الآية من قبل أن يتماسّا، إلاّ أنّا إنما أمرناه بالإطعام قبل المسيس؛ لأنّا لو لم نأمره بذلك لم يؤمن أن يمسّها فقدر على العتق قبل الإطعام أو يقدر على الصّوم قبل الإطعام فيحصل أو الصوم بعد المسيس، وذلك خلاف ما أوجبه الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ؛﴾ أي ذلك الذي أمركم الله به لتستديموا الإيمان بالله ورسوله، وتصدّقوا أنّ الله أمر بذلك. قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ؛﴾ أي التي شرّعها الله تعالى في الظّهار أحكام الله وفرائضه، ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤)،وللجاحدين لحدود الله عذاب جهنم.
فلمّا نزلت هذه الآية قال النّبيّ ﷺ لأوس بن الصّامت: [هل تستطيع أن تعتق رقبة؟] قال: فإنّي قليل المال، قال: [فهل تستطيع أن تصوم شهرين؟] قال: والله يا رسول الله إنّي إذا لم آكل في اليوم ثلاث مرّات كلّ بصري وخشيت أن تعشو عيني، قال: [فهل تستطيع أن تطعم ستّين مسكينا؟] قال: لا والله إلاّ أن تعينني يا رسول
стр. 2714
الله، فقال ﷺ : [إنّي معينك بخمسة عشر صاعا وأدعو لك بالبركة] فأعانه رسول الله ﷺ (١).
وروي: أنّ خولة لمّا ظاهر منها أوس بن الصّامت، خرج فجلس في قومه، ثمّ رجع إليها فراودها عن نفسها، فقالت: كلاّ؛ والّذي نفس خولة بيده لا تصل إليّ حتّى يحكم الله فيّ وفيك. ثمّ مضت إلى رسول الله ﷺ فشكت عليه قصّتها، فأنزل الله هذه الآيات.
فقال ﷺ : [مريه أن يعتق رقبة] فقالت: والله ما عنده ذلك، قال: [مريه فليصم شهرين متتابعين] قالت: يا نبيّ الله إنّه شيخ كبير ما به من صوم، قال: [مريه فليطعم ستّين مسكينا] قالت: والله ما يجد ما يطعم، قال: [إنّا سنعينه بعرق من تمر]-وهو مكتل سبع وثلاثين صاعا-قالت: أنا أعينه يا رسول الله بعرق آخر (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ معناه: إنّ الذين يخالفون الله ورسوله في الدّين، ويصيرون في حدّ غير الحدّ الذي فيه أولياء الله، أذلّوا وأخزوا بالعذاب كما أذلّ الذين أشركوا من قبل أهل مكّة، من الذين خالفوا الأنبياء صلوات الله عليهم.
والكبت في اللغة: الكبّ، ومنه كبت الله عدوّك. وقيل: معناه: كبدوا أي ضربوا على أكبادهم، فقلبت الدال تاء.
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ؛﴾ أي فرائض معروفة، ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٥)؛أي ولمن لم يعمل بها ولم يصدّق بها عذاب مهين.
ثم بيّن ذلك العذاب فقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا؛﴾ ويجزيهم عليه، وقوله تعالى: ﴿أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؛﴾ مما يجب لهم وعليهم، ﴿شَهِيدٌ﴾ (٦)؛عالم.
стр. 2715
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ؛﴾ معناه: إنّ الله يعلم بكلّ ما في السّماوات وكلّ ما في الأرض مما ظهر للعباد، ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (١).
وقوله تعالى ﴿(ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ)﴾ يعني المسّار؛ ما تناجي به صاحبك من شيء إلاّ هو رابعهم بالعلم، يعني نجواهم معلومة عنده كما تكون معلومة عند الرابع الذي هم معهم، ﴿وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا،﴾ ولا أقلّ من ثلاثة ولا أكثر من الخمسة إلاّ وهو عالم بهم وقادر عليهم في أيّ موضع كانوا، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ عند الجزاء والحساب، ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٧)؛وهذه الآية نزلت في اليهود والمنافقين لمّا أعياهم الإسلام وظهوره وجعلوا يتناجون فيما بينهم فيوهمون المؤمنين أنّهم يتناجون فيما يسوءهم.
وكانوا إذا خرجت سريّة من سرايا رسول الله ﷺ ، فرأى هؤلاء رجالا ممّن خرج لهم في السريّة صديق أو قريب تناجوا فيما بينهم ليظنّ الرجل أنه حدث بصاحبه حادث فيحزن عليه لذلك. فلمّا كثر ذلك وطال شكوا ذلك إلى رسول ﷺ فنهاهم عن المناجاة دون المسلمين، فلم ينتهوا وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله:
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ؛﴾ معناه: ألم تر إلى هؤلاء الذين نهاهم الله عن مناجاة بعضهم بعضا دون المؤمنين في الآية التي قبل هذه، ثم عادوا إليها مغايظة لأصحاب رسول الله ﷺ ، ويتشاورون فيما بينهم بالكذب والاعتداء، ويوصي بعضهم بعضا بمخالفة النبيّ ﷺ ، ﴿وَإِذا جاؤُكَ؛﴾ يا محمّد، ﴿حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ؛﴾ أي سلّموا عليك بما لم يسلّم به الله عليك.
стр. 2716
وذلك أنّ اليهود دخلوا على النّبيّ ﷺ فقالوا: السّام عليك! وكانت عائشة من وراء ستر فلعنتهم، فقال ﷺ : [مهلا يا عائشة] فقالت: أما سمعت ما قالوا؟ قال:
[أوما سمعت كيف أجبتهم؟] ثمّ قال: [إذا سلّم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا: عليك ما قلت].والسّام هو الموت (١).
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ؛﴾ معناه: أنّهم كانوا يقولون في أنفسهم: ألا ينزّل الله العذاب بنا بما نقول لنبيّه إن كان نبيّا كما يزعم، فلو كان محمّد نبيّا لعذبنا الله بما نقول، فقال الله تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها؛﴾ أي كافيهم جهنم عذابا لهم يلزمونها ويقاسون حرّها، ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٨)؛أي فبئس المرجع يرجعون إليه.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ؛﴾ معناه: يا أيّها الذين آمنوا إذا تجالستم للسرّ فيما بينكم، فلا تجالسوا وتخالفوا بالمعصية والظّلم ومخالفة الرسول، ولا تكونوا كاليهود والمنافقين، ﴿وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى؛﴾ أي بفعل ما أمرتم به، وترك ما نهيتم عنه، ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٩)،واتّقوا عذاب الله الذي إليه ترجعون في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ؛﴾ معناه: إنما النّجوى الذي يفعله اليهود والمنافقون من عمل الشّيطان ووساوسه ليحزن به الشيطان الذين آمنوا وأخلصوا، وليس تناجيهم يضرّ المؤمنين شيئا إلاّ بعلم الله وقضائه، ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١٠)؛ ويستعيذوا به من الشّيطان. ويقرأ «(ليحزن)» بضمّ الياء وهما لغتان.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ؛﴾ قال مقاتل: (كان رسول الله ﷺ يكرم أهل بدر من
стр. 2717
المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر ومنهم ثابت بن قيس بن شمّاس وقد سبقوا في المجلس، فقاموا حيال النّبيّ ﷺ فقالوا: السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة الله وبركاته، فردّ عليهم النّبيّ ﷺ . ثمّ سلّموا على القوم بعد ذلك، فردّوا عليهم.
فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسّع لهم، فعلم النّبيّ ﷺ ما لحقهم من ضرر القيام، فشقّ عليه، وقال لمن حوله لمن لم يكن من أهل بدر: [قم يا فلان وأنت يا فلان] فأقام من المجلس بقدر النّفر الّذين قاموا بين يديه من أهل بدر.
فشقّ ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النّبيّ ﷺ الكراهية في وجوههم، فقال المنافقون للمسلمين: ألستم تزعمون أنّ صاحبكم يعدل بين النّاس؟ فو الله ما عدل على هؤلاء إنّ قوما أخذوا مجالسهم، وأحبّوا القرب من نبيّهم فأقامهم وأجلس غيرهم، فأنزل الله هذه الآية) (١).
قوله تعالى: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ)﴾ أي أوسعوا في المجلس (فافسحوا) أي أوسعوا على من حضر مجلس رسول الله ﷺ وأحبّ سماع كلامه؛ لتشتركوا في سماع الدّين منه، وهذا أمر لهم بالتأديب كي لا يؤذي أحد جليسه بفعل الزّحام، ولئلاّ يكون غرضهم إلاّ التواضع لله تعالى وللدّين، وذلك أنّهم كانوا قد جلسوا متضايقين حول النبيّ ﷺ ، فأمروا أن يتنحّوا عنه في الجلوس ويتوسّعوا المجلس غيرهم معهم. قوله تعالى: ﴿(يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ)﴾ أي يوسّع مجالسكم في الجنّة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا؛﴾ معناه: وإذا قيل: انهضوا إلى صلاة أو أمر بمعروف ونودي للصّلاة فانهضوا. وقيل: معناه: وإذا قيل لكم اخرجوا إلى الجهاد فاخرجوا يرفع الله درجاتكم في الجنّة، ويرفع الله الذين أوتوا العلم درجات فوق درجات الذين أكرموا بالإيمان بغير علم.
وفي الحديث أنّ النبيّ ﷺ قال: [إنّ العالم يستغفر له كلّ شيء حتّى الحيتان في الماء والطّير في جوّ السّماء، وفضل العالم على الّذي ليس بعالم سبعون درجة،
стр. 2718
الله أعلم ما بين كلّ درجتين] (١).وقال ﷺ : [فضل العالم على العابد كفضلي على سائر أمّتي] (٢)،وقال ﷺ : [يؤتى بالعالم يوم القيامة والعابد، فيقال للعابد: أدخل الجنّة، ويحبس الفقيه فيقول: فبم حبستموني؟! فيقال له: اشفع].
قرأ أهل المدينة والشام وعاصم «(انشزوا فانشزوا)» بضمّ الشين، وقرأ الآخرون بكسرها، وهما لغتان، ومعناهما: إذا قيل لكم: تحرّكوا وقوموا وارتفعوا وتوسّعوا لإخوانكم فافعلوا. وقيل: معناه: إذا قيل لكم انهضوا إلى الصّلاة والذّكر وعمل الخير، فانشزوا ولا تقصّروا.
وقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ؛﴾ يعني يرفعهم بطاعة رسول الله ﷺ وقيامهم من مجالسهم وتوسعهم لإخوانهم، ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١١)؛منهم بفضل عملهم، قال ﷺ : [من جاءت منيّته وهو يطلب العلم، فبينه وبين الأنبياء درجة واحدة] (٣).
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ؛﴾ وذلك أنّ الأغنياء كانوا يستخلون بالنبيّ ﷺ فيشاورونه بما يريدون ويلحّون عليه بالحاجات والمسائل، ويشغلون بذلك أوقاته التي كانت مستغرقة بالعبادة والإبلاغ إلى الأمة، وكان الفقراء لا يتمكّنون من النبيّ ﷺ كتمكّن الأغنياء منه.
стр. 2719
فأمر الله الناس بتقديم الصّدقة على نجواهم مع النبيّ ﷺ إعظاما له وتوقيرا لمقام مناجاته، ونفعا للفقراء بتلك الصّدقة، وبيّن أنّ ذلك خير لهم من الكفّ عن الصدقة وأصلح لقلوبهم وقلوب الفقراء، ورخّص من لم يجد ما يتصدّق به أن يكلّم النبيّ ﷺ بما شاء من غير صدقة، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٢).
فلمّا علم الله ضيق صدر كثير منهم من ذلك الوجوب نسخ الله ذلك الحكم بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ؛﴾ معناه: أبخلتم يا أهل الميسرة، وثقل عليكم تقديم الصّدقة بين نجواكم مع النبيّ ﷺ ، ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ؛﴾ وخفّف الله عنكم بإسقاط تلك الصّدقة، ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ؛﴾ أي داوموا عليها، يعني الصّلاة المفروضة، ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ؛﴾ المفروضة، ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ؛﴾ في الفرائض، ﴿وَرَسُولَهُ؛﴾ في السّنن، ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (١٣) من الخير والشرّ.
وعن عليّ ﵁ قال: (إنّ في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي وهي آية النّجوى، كان لي مثقال فبعته بعشرة دراهم، فكلّما أردت أن أناجي رسول الله قدّمت درهما، فقدّمت هذه الصّدقات بين يدي نجواي، ثمّ نسخت) (١).قال مجاهد: (نهوا عن مناجاة النّبيّ ﷺ حتّى يتصدّقوا، فلم يناجه إلاّ عليّ كرّم الله وجهه، قدّم دينارا فتصدّق به، فنزلت الرّخصة) (٢).
قوله تعالى: ﴿*أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ؛﴾ نزلت هذه الآية في قوم من المنافقين كانوا يتولّون اليهود وينقلون أسرار المسلمين إليهم مغايظة لهم، ولم يكونوا من المؤمنين ولا من اليهود، وكانوا يحلفون للمؤمنين بأنّا مؤمنون مصدّقون، وهم يعلمون أنّهم كاذبون في حلفهم، قال الله
стр. 2720
تعالى: ﴿(ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ)﴾ أي ولا من اليهود، ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١٤)؛أنّهم كذبة.
وقال السديّ ومقاتل: (نزلت هذه الآية في عبد الله بن نبتل المنافق، كان يجالس النّبيّ ﷺ يرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول الله ﷺ جالس إذ قال: [يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبّار، وينظر بعيني الشّيطان] فدخل عبد الله بن نبتل، وكان أزرقا.
فقال ﷺ : [علام سببتني أنت وأصحابك؟] فحلف بالله ما فعل، فقال له النّبيّ ﷺ : [وقد فعلت] فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبّوه، فأنزل الله هذه الآية): ﴿(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)﴾ (١)
﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً؛﴾ أي هيّأ لهم عذابا شديدا في قبورهم، ﴿إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٥)؛في الدّنيا من موالاة اليهود وكتمان الكفر والحلف الكاذب مع العلم به.
وقوله تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً؛﴾ أي اتّخذوا أيمانهم الكاذبة ترسا من القتل وجعلوها عدّة ليدفعوا عن أنفسهم التهمة، وقرأ الحسن «(إيمانهم)» بكسر الألف، وقوله تعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ؛﴾ أي صرفوا الناس عن ذكر الله وطاعته بإلقاء الشّبهة عليهم في السرّ. وقيل: فصدّوا المؤمنين عن جهادهم بالقتل، ﴿فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (١٦)؛يهينهم في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً؛﴾ أي لن يدفع عنهم كثرة أموالهم ولا كثرة أولادهم من عذاب الله شيئا، ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (١٧).
стр. 2721
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً؛﴾ انتصب على الظّرفية من قوله (أولئك أصحاب النّار) ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ؛﴾ أي يحلفون لله يومئذ أنّهم كانوا مخلصين في الدّنيا، ﴿كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ؛﴾ يومئذ؛ ﴿أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ؛﴾ على صواب، ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ (١٨)؛عند الله في حلفهم.
وعن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [ينادي مناد يوم القيامة: أين خصماء الله، فيقوم القدريّة مسودّة وجوههم مزرقة أعينهم، مائلة أشداقهم يسيل لعابهم، يقولون: والله ما عبدنا من دونك شمسا ولا قمرا ولا صنما ولا وثنا ولا اتّخذنا من دونك إلها].
قال ابن عبّاس: (صدقوا والله؛ أتاهم الشّرك من حيث لا يعلمون) ثمّ تلا ابن عبّاس هذه الآية ﴿(وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ)﴾ هم والله القدريّون، هم والله القدريّون) (١).
وقوله تعالى: ﴿اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ؛﴾ أي غلب عليهم واستولى عليهم وحولهم، ﴿فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ؛﴾ أي شغلهم عن ذكر الله وعن طاعته حتى تركوه وصاروا إلى الخسران، ﴿أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ؛﴾ أي جنده، ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (١٩).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ؛﴾ أي يخالفون الله ورسوله، ﴿أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ (٢٠)؛أي في المغلوبين المقهورين، ومن جملة من يلحقهم الذلّ في الدّنيا والآخرة.
قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي؛﴾ أي كتب ذلك في اللوح المحفوظ، وقال الحسن: (ما أمر نبيّ بحرب فغلب قطّ، وإنّ الرّسل على نوعين: منهم من بعث بالحرب، ومنهم من بعث بغير حرب، فهو غالب بالحجّة) (٢)،وقال تعالى:
стр. 2722
﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ (١).وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢١)؛أي مانع حزبه من أن يذلّ، عزيز غالب لمن نازع أولياءه.
قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ؛﴾ نزلت هذه الآية في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أنّه كتب إلى أهل مكّة: أنّ محمّدا يريد أن يغزوكم فاستعدّوا له، فأعلم الله تعالى نبيّه ﵇ بذلك. فقال ﷺ : [ما دعاك يا حاطب إلى ما فعلت؟] فقال: أحببت أن أتقرّب إلى أهل مكّة لمكان عيالي فيهم، ولم يكن على عيالي ذابّ هنالك. فأنزل الله هذه الآية (٢).
ومعناها: لا تجد قوما يصدّقون بوحدانيّة الله تعالى وبالبعث بعد الموت يناصحون ويطلبون مودّة من خالف الله ورسوله في الدّين، ولو كانوا أقاربهم في النّسب، فإن البراءة واجبة من المحادّين لله. وسنذكر هذه القصّة أول سورة الممتحنة إن شاء الله تعالى.
أخبر الله تعالى بهذه الآية: أنّ إيمان المؤمنين يفسد بمودّة الكفّار، وإنّ من كان مؤمنا لا يوالي من كفر، وإن كان أباه أو ابنه أو أخاه أو أحدا من عشيرته. وعن عبد الله بن مسعود في هذه الآية أنّه قال: (قتل أبو عبيدة أباه يوم أحد) (٣)،فمعنى قوله ﴿(وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ)﴾.
وقوله ﴿(أَوْ أَبْناءَهُمْ)﴾ يعني أبا بكر ﵁ دعا ابنه يوما إلى البراز وقال: (دعني يا رسول الله أكرّ عليه) فقال له النّبيّ ﷺ : [متّعنا بنفسك يا أبا بكر، أما تعلم أنّك عندي بمنزلة سمعي وبصري] (٤).
стр. 2723
وقوله تعالى: ﴿(أَوْ إِخْوانَهُمْ)﴾ يعني مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير بأحد. وقوله تعالى ﴿(أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)﴾ يعني عمر ﵁ قتل خالد العاصي بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وكذلك عليّ ﵁ قتل شيبة بن ربيعة، وكذلك حمزة ﵁ قتل عتبة.
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ؛﴾ يعني الذين لا يوادّون من حادّ الله ورسوله أثبت الله في قلوبهم حبّ الإيمان كأنّه مكتوب في قلوبهم ﴿(وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ)﴾ أي قوّاهم بنور الإيمان حتى اهتدوا للحقّ وعملوا به. وقيل: المراد بالرّوح جبريل ﵇ يعينهم في كثير من المواطن. وقيل:
معناه: وأيّدهم بنصر منه في الدّنيا على عدوّهم؛ لأنّهم عادوا عشيرتهم الكفار وقاتلوهم، غضبا لله ولدينه.
وقوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها؛﴾ ظاهر المعنى. وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ؛﴾ بإخلاصهم في التوحيد والطاعة، ورضوا عنه بما أعدّ لهم من الثّواب والكرامة في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢٢)؛ أي يا أهل هذه القصّة جند الله وأولياؤه، ألا إنّ جند الله هم الفائزون بالبقاء الدائم والنعيم المقيم.
آخر تفسير سورة (المجادلة) والحمد لله رب العالمين.
стр. 2724
سورة الحشر
سورة الحشر مدنيّة، وهي ألف وسبعمائة وثلاثة عشر حرفا، وأربعمائة وخمس كلمات، وأربع وعشرون آية.
قال رسول الله ﷺ : [من قرأ سورة الحشر لم يبق جنّة ولا نار ولا كرسيّ ولا حجاب ولا السّماوات السّبع ولا الأرضون السّبع والهوامّ والرّيح والطّير والدّوابّ والجبال والشّمس والقمر والملائكة، إلاّ صلّوا عليه، فإن مات من يومه أو ليلته مات شهيدا، ومن قرأ سورة الحشر ثمّ مات من يومه أو ليلته غفر الله له كلّ خطيئة عملها] (١).وبالله التوفيق.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١)؛ ظاهر المعنى.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ؛﴾ قال المفسّرون: نزلت هذه الآية والسّورة بأسرها في بني النّضير واليهود، وعاهدوه أن لا يكونوا معه ولا عليه، لا يقاتلون معه ولا يقاتلونه، فكانوا على ذلك حتى كانت وقعة أحد، فأصابت المسلمين يومئذ نكبة، فنقضوا العهد، وركب كعب ابن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكّة، فأتوا قريشا فطلبوا إلى أبي سفيان وأصحابه فحالفوهم وعاقدوهم بين الكعبة والأستار على حرب النبيّ ﷺ ، وأنّ كلمتهم واحدة.
стр. 2725
ثم رجع كعب بن الأشرف وأصحابه إلى المدينة. فنزل جبريل ﵇ على النبيّ ﷺ وأخبره بأمرهم وقال له: [إنّ الله يأمرك بقتل كعب بن الأشرف] فجمع النّبيّ ﷺ أصحابه وأخبرهم بما صنع كعب بن الأشرف وقال لهم: [إنّ الله أمرني بقتله، فانتدبوا إلى ذلك].
فانتدب رهط منهم وفيهم محمّد بن مسلمة، وكان أخا كعب من الرّضاعة وحليفه، فانطلقوا في أوّل اللّيل إلى دار كعب، فناداه محمّد بن مسلمة فاستنزله من داره، وأوهمه أنّه يكلّمه في حاجة، فلمّا نزل أخذ محمّد بن مسلمة بناصيته وكبّر، فخرج أصحابه وكانوا من وراء الحائط، فضربوه حتّى برد مكانه، فصاحت امرأته وتصايحت اليهود، فخرجوا إليهم وقد رجع المسلمون.
فجاء المسلمون إلى رسول الله ﷺ وأخبروه بذلك، فلمّا أصبح النّبيّ ﷺ خرج إليهم غازيا، فتحصّنوا في دورهم فوجدهم في قرية لهم يقال لها (زهوة) وهم ينوحون على كعب وكان سيّدهم، فقالوا: يا محمّد؛ باغية على إثر ناعية، وباكية على إثر باكية؟ قال: [نعم] قالوا: ذرنا نبكي شجوا على كعب.
وقد كان عبد الله بن أبي سلول المنافق وأصحابه أمر إلى اليهود سرّا بأن لا تخرجوا من الحصن، وقاتلوا محمّدا وأصحابه، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولننصرنّكم، ولئن أخرجتم لنخرجنّ معكم. فدربوا على الأزقّة وحصّنوها، فحاصرهم رسول الله ﷺ إحدى وعشرين ليلة.
فلمّا عجزوا عن مقاومة المسلمين وآيسوا من نصر المنافقين لهم طلبوا الصّلح، فأبى رسول الله ﷺ إلاّ أن يخرجوا من مدينتهم على ما يأمرهم به، فقبلوا ذلك، فصالحهم على الجلاء، وعلى أن يحمل كلّ أهل ثلاثة أبيات من متاعهم على بعير واحد ما شاء، ولنبيّ الله ما بقي، ويخرجوا إلى الشّام، ففعلوا ذلك وخرجوا إلى الشّام إلى أدرعات وأريحا والحيرة وخيبر.
стр. 2726
فذلك قوله تعالى: ﴿(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ)﴾ (١) يعني بني النّضير من ديارهم التي كانت بيثرب وحصونهم. قال ابن اسحاق: (كان إجلاء بني النّضير عند مرجع النّبيّ ﷺ من أحد، وكان فتح قريظة عند مرجعه من الأحزاب، وبينهما سنتان).
قوله (لأوّل الحشر) معناه: هو الذي أخرج هؤلاء اليهود من منازلهم وحصونهم لأوّل جمع أجلوا من جزيرة العرب وهي أرض الحجاز حشروا إلى الشام، وذلك أنّ رسول الله ﷺ قال لهم يومئذ: [اخرجوا] قالوا إلى أين؟ قال: [إلى المحشر] فخرجوا إلى أذرعات وأريحا من الشّام (٢).
وأمّا ثاني الحشر فهو أن يحشر الخلائق يوم القيامة إلى أرض الشّام أيضا.
ويقال: إنما قال (لأوّل الحشر) لأنّ الحشر أربعة: حشر بني النّضير أوّلا، ثم حشر خيبر، ثم أهل نجران، ثم حشر جميع أهل الكتاب من جزيرة العرب في خلافة عمر ﵁ على ما روي: أنّه أجلاهم منها، وقال: (عهد إليّ رسول الله ﷺ أن لا يجتمع في جزيرة العرب دينان) (٣).
قوله تعالى: ﴿ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا؛﴾ أي ما ظننتم أيّها المؤمنون أن يخرج بنو النضير من منازلهم لشدّة تمكّنهم وقوّتهم بالأموال والمنعة، وذلك أنّهم كانوا أهل حصون وعقار ونخيل كثيرة وسلاح.
قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ؛﴾ وظنّ بنو النضير أنّ حصونهم تمنعهم من الله؛ أي من أمر الله فيهم، ﴿فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا؛﴾ أي فأتاهم أمر الله من حيث لم يظنّوا أن ينزل بهم ما نزل من قتل كعب ابن الأشرف وقتلهم وإجلائهم ونصر رسول الله ﷺ من حيث لم يتوهّم القوم،
стр. 2727
﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ؛﴾ بقتل سيّدهم كعب بن الأشرف، وكان ذلك أعظم شيء عليهم إذ أتاهم ما لم يظنّوه.
قوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ؛﴾ وذلك أنّهم لمّا أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم، فجعلوا يخرّبونها من داخل، والمسلمون يخرّبونها من خارج. وقيل: إنّهم كانوا يهدمونها من داخل بأيديهم ليرموا المسلمين بأحجارها، ويهدمها المؤمنون ليتمكّنوا من قتالهم.
قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ (٢)؛معناه: فليعتبر بما أصاب بني النضير كلّ من له بصر بأمر الله، ولينظر إلى عاقبة الكفر والغدر (١) والطّعن في النبوّة، وليحذر كلّ قوم من الكفّار مثل صنيع بني النضير. والمعنى: تدبّروا وانظروا فيما صنع، نزل بهم يا أهل البيت والعقل والبصائر.
قوله تعالى: ﴿(يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ)﴾،قرأ العامّة بالتخفيف من الإخراب؛ أي يهدمونها، وقرأ الحسن وأبو عمرو «(يخرّبون)» بالتشديد من التّخريب، قال أبو عمرو:
وإنما اخترت التشديد؛ لأنّ الإخراب ترك الشيء خرابا بغير ساكن، وبنو النضير لم يتركوا منازلهم فيرتحلوا عنها، ولكنّهم خرّبوها بالنقض والهدم.
وقال بعضهم: التخريب والإخراب بمعنى، قال الزهريّ: (وذلك أنّهم لمّا أيقنوا بالخروج كانوا يهدمون أعمدة بيوتهم وينتزعون الخشب والآلات وينقضون السّقوف وينقبون الجدارات ويقتلعون الخشب حتّى الأوتاد لئلاّ يسكنها المسلمون حسدا وبغضاء، وكان المسلمون يخرّبون ما بقي من بنائهم) (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا؛﴾ معناه:
لولا أن قضى الله عليهم في اللّوح المحفوظ بالانتقال والخروج من أوطانهم إلى الشّام وخيبر لعذبهم في الدّنيا بالقتل والسّبي كما فعل ببني قريظة، ﴿وَلَهُمْ؛﴾ مع ما أصابهم في الدّنيا، ﴿فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ (٣)؛ولكن علم الله أن الجلاء أصلح.
стр. 2728
وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ؛﴾ أي ذلك الجلاء والعذاب بأنّهم خالفوا أولياء الله وأخذوا في شقّ غير شقّ أولياء الله ورسوله، ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ،﴾ ومن يخالف الله ورسوله في الدّين ففعل فعل هؤلاء، ﴿فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٤)؛له في الدّنيا والآخرة.
قوله تعالى: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ؛﴾ وذلك أنّ النّبيّ ﷺ لمّا نزل ببني النّضير وتحصّنوا في حصونهم، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فقالت اليهود: ما بعث نبيّ إلاّ بالصّلاح، وليس في هذا إلاّ إفساد المعيشة علينا وعليهم، وقالوا: يا محمّد إنّك تريد الصّلاح، أفمن الصّلاح قطع النّخيل والأشجار؟ وهل وجدت فيما زعمت أنزل الله عليك الفساد في الأرض.
فشقّ ذلك على النّبيّ ﷺ ووجد المسلمون في أنفسهم من ذلك مشقّة، وكان بعض المسلمين يمعنون في قطع النّخل، وبعضهم ينهى عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه تصديقا للّذين نهوا عن قطع النّخيل وتحليلا لمن قطعه، وبراءة لهم من الإثم وتصويبا للفريقين، فقال تعالى ﴿(ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ)﴾ بيّن أنّ ما قطع منها قطع بإذن الله، وما ترك منها بإذن الله (١).
واللّينة هي النّخلة، قال ابن عبّاس وقتادة: (اللّينة هي كلّ نخلة ما لم تكن عجوة)،وقيل: اللّينة: ما خلا العجوة والبرني وجمعه ليان، وروي: [أنّ النّبيّ ﷺ كان يقطع نخيلهم إلاّ العجوة] (٢) قال عكرمة: (والنّخل كلّه ليان ما خلا العجوة) (٣)، وقال سفيان: (اللّينة هي كرام النّخل) (٤).وقال مقاتل: (هو ضرب من النّخل ثمرها
стр. 2729
شديد الصّفرة يغيب فيه الضّرس عند أكله، وكان من أجود ثمرهم وأعجبه إليهم) (١)، والعرب تسمّي النخل كله ليان.
قوله تعالى: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ﴾ (٥)؛معناه: وليهين الله ويذلّ اليهود ويخزيهم بأن يريهم أموالهم يتحكّم فيها المؤمنون كيف أحبّوا لأنّهم نقضوا العهد.
قوله تعالى: ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ؛﴾ معناه: وما ردّ الله على رسوله من غنائم بني النضير، فممّا لم توجفوا عليه أنتم خيلا ولا ركابا ولكن مشيتم إليه مشيا؛ لأن ذلك كان قريبا من المدينة؛ أي لم يحصل ذلك بقتالكم، فلا شيء لكم من ذلك، ﴿وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٦)؛إنما كان ذلك بتسليط الله تعالى نبيّه ﷺ ، والله يمكّن رسله صلوات الله عليهم من أعدائه بغير قتال، والله على كلّ شيء من النّصر والغنيمة قادر.
والضمير في قوله ﴿(أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ)﴾ أي على ما أفاء الله، والإيجاف الإسراع والإزعاج للسّير، يقال: أوجف السّير، وأوجفته أنا، والوجيف: نوع من السّير فوق التّقريب، ويقال: وجف الفرس والبعير يجف وجفا إذا أسرع السّير، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السّير السريع.
ومعنى الآية: ﴿(وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ)﴾ من مال بني النّضير ﴿(فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ)﴾ أي فما وضعتم عليه من خيل ولا إبل ولم تنالوا فيه مشقّة ولم تلقوا حربا وإنما مشيتم إليه مشيا، إلاّ النبيّ ﷺ فإنه ركب جملا فافتتحها النبيّ ﷺ وأجلاهم وأخذ أموالهم.
فسأل المسلمون النبيّ ﷺ في القسمة في تلك الأموال، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فجعل أموال بني النضير خاصّة لرسول الله ﷺ يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله ﷺ بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا، إلاّ ثلاثة نفر كانت لهم حاجة،
стр. 2730
وهم: أبو دجانة؛ وسهل بن حنيف؛ والحارث بن الصّمّة (١).
وعن عمر ﵁: (أنّ رسول الله ﷺ كان ينفق على أهله من مال بني النّضير نفقة سنة، وما بقي جعله في الكراع والسّلاح عدّة في سبيل الله؛ لأنّه ممّا أفاء الله على رسوله، ولم يوجف المسلمون بخيل ولا ركاب، فكان خالصا لرسول الله ﷺ (٢).
وأراد بهذا ما كان يحصل من غلّة أراضيهم في كلّ سنة. وفي هذه الآية دلالة على أنّ كلّ مال من أموال أهل الشّرك لم يغلب عليه المسلمون عنوة وإنما أخذ صلحا أن يوضع في بيت مال المسلمين ويصرف إلى الوجوه التي تصرف فيها الجزية والخراج؛ لأن ذلك بمنزلة أموال بني النضير.
قوله تعالى: ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ؛﴾ اختلف أهل اللغة في الفيء ما هو؟ فقال بعضهم: هو مما ملّكه الله المسلمين من أموال المشركين بغير قتال أو بقتال، فالغنيمة فيء والخراج فيء.
قال بعضهم: الغنيمة اسم لما أخذه المسلمون من الكفّار عنوة وقهرا، والفيء ما صالحوا عليه، فبيّن الله تعالى في هذه الآية حكم الفيء، فقال تعالى ﴿(ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى)﴾ أي من غنائم قرى المدينة في قريظة وبني النضير وفدك، فإنّ ذلك خاصّة للنبيّ ﷺ دون الغانمين، وكان أمر النبيّ ﷺ في ذلك جائزا، فكان النبيّ ﷺ يصرفها بأمر الله تعالى إلى قرائب نفسه وفقراء قرابته ويتامى الناس عامّة والمساكين عامّة، يعني المحتاجين وأبناء السّبيل والفقراء المهاجرين.
واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال بعضهم: أراد بقوله ﴿(ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى)﴾ الغنائم التي يأخذها المسلمون من أموال الكفّار عنوة
стр. 2731
وغلبة، وكانت في بدء الإسلام لعامة الغانمين المسلمين دون الغانمين الموجفين عليها، ثم نسخ الله ذلك بقوله تعالى في سورة الأنفال ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (١) والآية التي قبل هذه الآية في بيان حكم أموال بني النضير خاصّة، وهذه الآية في بيان حكم جلب الأموال التي أصيبت بغير قتال ولم يوجف عليها بالخيل والجمال.
وقال آخرون: هما واحد، والثانية بيان قسم المال الذي ذكر الله تعالى في هذه الآية الأولى، والغنائم كانت في بدء الإسلام لرسول الله ﷺ يصنع بها ما يشاء، كما قال تعالى ﴿قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢) ثم نسخ ذلك بقوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية، فجعل أربعة أخماسها للغانمين يقسم بينهم، وأما الخمس الباقي فيقسمه على خمسة أسهم: سهم لرسول الله ﷺ ، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لبني السّبيل.
وقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ؛﴾ معناه: كي لا يكون الفيء متداولا بين الأغنياء منكم، والفرق بين الدّولة والدّولة بفتح الدال عبارة عن المدّة من الاستيلاء والغلبة، والدّولة اسم للشيء المتداول، والمعنى: كي لا يتداوله الأغنياء منكم، يكون لهذا مرّة ولهذا مرة، كما يعمل في الجاهليّة، وكانوا إذا أخذوا غنيمة أخذ الرئيس ربعها وهو الرّباع، والأغنياء والرّؤساء، وقال مقاتل: (كي لا يغلب الأغنياء الفقراء فيقسمونه بينهم).
ثم قال: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ؛﴾ من الفيء والغنيمة، ﴿فَخُذُوهُ؛﴾ فهو حلال لكم، ﴿وَما نَهاكُمْ عَنْهُ؛﴾ أي عن أخذه، ﴿فَانْتَهُوا؛﴾ وهذا نازل في أمر الفيء، ثم هو عامّ في كلّ ما أمر الله به النبيّ ﷺ ونهى عنه، قال الحسن في قوله:
﴿(وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)﴾: (يعني ما نهاكم عنه من الغلول) (٣).وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ؛﴾ معناه: اتّقوا عذاب الله، ﴿إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٧)،إذا عاقب فعقوبته شديدة.
стр. 2732
قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ؛﴾ معناه: كي لا يكون دولة بين الأغنياء، ولكن يكون للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم، يعني أنّ كفار مكّة أخرجوهم، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ؛﴾ أي رزقا يأتيهم، ﴿وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ؛﴾ رضى ربهم حين خرجوا إلى دار الهجرة ينصرون الله ورسوله، ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ (٨)؛في إيمانهم.
والمعنى بقوله ﴿(لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ)﴾ بيان المحتاجين المذكورين في الآية التي قبل هذه الآية، كأنّه قال: لهؤلاء الفقراء المحتاجين ما تقدّم ذكره من الفيء، وكانوا نحوا من مائة رجل، وكانوا شهدوا بدرا أجمعين، ولذلك أثنى الله عليهم بقوله ﴿(يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً)﴾ أي يطلبون بتلك الهجرة ثواب الله ورضوانه، وينصرون بالسّيف والجهاد أولياء الله وأولياء رسوله، ﴿(أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ)﴾ في الإيمان وطلب الثّواب.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ؛﴾ قال الكلبيّ: ﴿(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ)﴾ مبتدا، وخبره (يحبّون».وهذا ثناء على الأنصار، وذلك أنّ النّبيّ ﷺ لمّا أعطى المهاجرين ما قسم لهم من فيء بني النّضير لم يأمن على غيرهم أن يحسدهم إذ لم يقسم لهم.
فقال للأنصار: [إن شئتم قسمتم لهم من دوركم وأموالكم، وقسمت لكم ما قسمت لهم، وإمّا أن يكون لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم] فقالوا: لا؛ بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم في قسمهم. فأثنى الله تعالى عليهم بهذه الآية (١).
والمعنى: لزموا دار الهجرة ولزموا الإيمان من قبل هجرة المهاجرين ووطنوا منازل أنفسهم، فهم يحبّون من هاجر إليهم من مكّة من أصحاب النبيّ ﷺ ، ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً؛﴾ ضيقا وحسدا، ﴿مِمّا أُوتُوا؛﴾ مما أعطي المهاجرين من الغنائم.
стр. 2733
ومعنى الآية: ﴿(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ)﴾ يعني المدينة، وهي دار الهجرة، وتبوّأها الأنصار قبل المهاجرين. وتقدير الآية: والّذين تبوّءوا الدار من قبلهم والإيمان؛ لأن الأنصار لم يؤمنوا قبل المهاجرين، وعطف (الإيمان) على (الدّار) في الظاهر لا في المعنى؛ لأنّ الإيمان ليس بمكان تبوّؤ. والتقدير: وآثروا الإيمان واعتقدوا الإيمان.
قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ؛﴾ معناه:
ويؤثرون المهاجرين على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم، ولو كان بهم فقر وحاجة إلى الدار والنّفقة، بيّن الله أن إيثارهم لم يكن عن غنى عن المال ولكن عن حاجة، فكان ذلك أعظم لأجرهم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إنّي جائع فأطعمني؟ فبعث النّبيّ ﷺ إلى أحد أزواجه: [هل عندكنّ شيء؟] فكلّهنّ قلن:
والّذي بعثك بالحقّ ما عندنا إلاّ الماء، فقال ﷺ : [ما عند رسول الله ﷺ ما يطعمك هذه اللّيلة] ثمّ قال: [من يضيف هذا هذه اللّيلة ﵀؟].
فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله،-قال في صحيح مسلم: هو أبو طلحة، وقيل: أبو أيّوب، والضّيف أبو هريرة (١) -فمضى به إلى منزله، فقال لأهله: هذا ضيف رسول الله ﷺ فأكرميه ولا تدّخري عنه شيئا، فقالت: ما عندنا إلاّ قوت الصّبية، قال: قومي فعلّليهم عن قوتهم حتّى يناموا، ثمّ أسرجي وأحضري الطّعام، فإذا قام الضّيف ليأكل قومي كأنّك تصلحين السّراج فأطفئيه، وتعالي نمضغ ألسنتنا لضيف رسول الله ﷺ حتّى يشبع.
فقامت إلى الصّبية فعلّلتهم حتّى ناموا ولم يطعموا شيئا، ثمّ قامت فأسرجت، فلمّا أخذ الضّيف ليأكل قامت كأنّها تصلح السّراج فأطفأته، وجعلا يمضغان ألسنتهما، فظنّ الضّيف أنّهما يأكلان معه، فأكل الضّيف حتّى شبع، وباتا طويّين.
فلمّا أصبحا غدوا إلى رسول الله ﷺ ، فلمّا نظر إليهما تبسّم ثمّ قال: [لقد عجب الله من فلان وفلانة هذه اللّيلة فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ﴾
стр. 2734
﴿كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ (١)]) (٢).
وقال أنس ﵁: (أهدي لبعض الصّحابة رأس شاة مشويّة وكان مجهودا، فقال: لعلّ جاري أحوج إليه منّي، فبعث به إليه، ثمّ إنّ جاره قال مثل ذلك، فوجّه به إلى جار له، فتداوله تسعة أنفس حتّى رجع إلى الأوّل، فأنزل الله تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾) (٣).
ويحكى عن أبي الحسن الأنطاكيّ: أنه اجتمع عنده نيّف وثلاثون رجلا بقرية من قرى الريّ ومعهم أرغفة قليلة لم تشبع جوعتهم، فكسّروا الرّغفان وأطفئوا السّراج وجلسوا ليأكلوا، فلمّا رفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل منه أحد إيثارا لصاحبه على نفسه (٤).
ويحكى عن حذيفة العدويّ قال: (انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمّ لي ومعي شيء من ماء، فإذا أنا به فقلت: أسقيك؟ فأشار: أي نعم، فإذا رجل يقول: آه، فأشار ابن عمّي أن انطلق به إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فسمع آخر يقول: آه، فأشار هشام: أن انطلق به إليه، فإذا هو قد مات، ثمّ رجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، ثمّ رجعت إلى ابن عمّي فإذا هو قد مات) (٥).
ويحكى عن أبي يزيد البسطاميّ قال: (ما غلبني إلاّ شابّ من أهل بلخ قدم علينا حاجّا، فقال لي: يا أبا يزيد ما حدّ الزّهد عندكم؟ قلت: إذا وجدنا أكلنا، وإذا فقدنا صبرنا. قال: هكذا عندنا كلاب بلخ! فقلت: ما حدّ الزّهد عندكم؟ قال: إذا فقدنا صبرنا، وإذا وجدنا آثرنا).وسئل ذو النون عن الزّهد فقال: (ثلاث: تفريق المجموع، وترك المفقود، والإيثار عند القوت).
стр. 2735
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٩)؛ أي من يدفع عنه غائلة نفسه وحرص النفس حتى تطيب نفسه بذلك، فأولئك هم النّاجون السّعداء، الباقون في الآخرة. والشّحّ في الآخرة: منع النّفع، وأمّا في الدّنيا فهو منع الواجب، وفي الحديث عن النبيّ ﷺ قال: [برئ من الشّحّ من أدّى زكاة ماله، وأقرى الضّيف، وأعطى في النّائبة] (١).وقال سعيد بن جبير: (شحّ النّفس هو أخذ الحرام ومنع الزّكاة).
وجاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: لقد خفت أن لا تصيبني هذه الآية ﴿(وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)﴾ والله ما أقدر أعطي شيئا أطيق منعه، فقال عبد الله: (إنّما ذلك البخل وبئس الشّيء البخل، ولكنّ الشّحّ أن تأخذ مال أخيك بغير حقّه) (٢).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يجتمع الشّحّ والإيمان في قلب رجل مسلم، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنّم في جوف مسلم قطّ] (٣).
واختلف العلماء في الشّحّ والبخل، فقال بعضهم: هما واحد، وهو منع الفضل. وقال بعضهم: بينهما فرق، والبخل أن بيخل الرجل بما في يده، والشحّ أن يبخل بما في أيدي الناس.