وغلبة، وكانت في بدء الإسلام لعامة الغانمين المسلمين دون الغانمين الموجفين عليها، ثم نسخ الله ذلك بقوله تعالى في سورة الأنفال ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (١) والآية التي قبل هذه الآية في بيان حكم أموال بني النضير خاصّة، وهذه الآية في بيان حكم جلب الأموال التي أصيبت بغير قتال ولم يوجف عليها بالخيل والجمال.
وقال آخرون: هما واحد، والثانية بيان قسم المال الذي ذكر الله تعالى في هذه الآية الأولى، والغنائم كانت في بدء الإسلام لرسول الله ﷺ يصنع بها ما يشاء، كما قال تعالى ﴿قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢) ثم نسخ ذلك بقوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية، فجعل أربعة أخماسها للغانمين يقسم بينهم، وأما الخمس الباقي فيقسمه على خمسة أسهم: سهم لرسول الله ﷺ ، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لبني السّبيل.
وقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ؛﴾ معناه: كي لا يكون الفيء متداولا بين الأغنياء منكم، والفرق بين الدّولة والدّولة بفتح الدال عبارة عن المدّة من الاستيلاء والغلبة، والدّولة اسم للشيء المتداول، والمعنى: كي لا يتداوله الأغنياء منكم، يكون لهذا مرّة ولهذا مرة، كما يعمل في الجاهليّة، وكانوا إذا أخذوا غنيمة أخذ الرئيس ربعها وهو الرّباع، والأغنياء والرّؤساء، وقال مقاتل: (كي لا يغلب الأغنياء الفقراء فيقسمونه بينهم).
ثم قال: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ؛﴾ من الفيء والغنيمة، ﴿فَخُذُوهُ؛﴾ فهو حلال لكم، ﴿وَما نَهاكُمْ عَنْهُ؛﴾ أي عن أخذه، ﴿فَانْتَهُوا؛﴾ وهذا نازل في أمر الفيء، ثم هو عامّ في كلّ ما أمر الله به النبيّ ﷺ ونهى عنه، قال الحسن في قوله:
﴿(وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)﴾: (يعني ما نهاكم عنه من الغلول) (٣).وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ؛﴾ معناه: اتّقوا عذاب الله، ﴿إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٧)،إذا عاقب فعقوبته شديدة.
стр. 2732
قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ؛﴾ معناه: كي لا يكون دولة بين الأغنياء، ولكن يكون للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم، يعني أنّ كفار مكّة أخرجوهم، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ؛﴾ أي رزقا يأتيهم، ﴿وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ؛﴾ رضى ربهم حين خرجوا إلى دار الهجرة ينصرون الله ورسوله، ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ (٨)؛في إيمانهم.
والمعنى بقوله ﴿(لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ)﴾ بيان المحتاجين المذكورين في الآية التي قبل هذه الآية، كأنّه قال: لهؤلاء الفقراء المحتاجين ما تقدّم ذكره من الفيء، وكانوا نحوا من مائة رجل، وكانوا شهدوا بدرا أجمعين، ولذلك أثنى الله عليهم بقوله ﴿(يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً)﴾ أي يطلبون بتلك الهجرة ثواب الله ورضوانه، وينصرون بالسّيف والجهاد أولياء الله وأولياء رسوله، ﴿(أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ)﴾ في الإيمان وطلب الثّواب.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ؛﴾ قال الكلبيّ: ﴿(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ)﴾ مبتدا، وخبره (يحبّون».وهذا ثناء على الأنصار، وذلك أنّ النّبيّ ﷺ لمّا أعطى المهاجرين ما قسم لهم من فيء بني النّضير لم يأمن على غيرهم أن يحسدهم إذ لم يقسم لهم.
فقال للأنصار: [إن شئتم قسمتم لهم من دوركم وأموالكم، وقسمت لكم ما قسمت لهم، وإمّا أن يكون لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم] فقالوا: لا؛ بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم في قسمهم. فأثنى الله تعالى عليهم بهذه الآية (١).
والمعنى: لزموا دار الهجرة ولزموا الإيمان من قبل هجرة المهاجرين ووطنوا منازل أنفسهم، فهم يحبّون من هاجر إليهم من مكّة من أصحاب النبيّ ﷺ ، ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً؛﴾ ضيقا وحسدا، ﴿مِمّا أُوتُوا؛﴾ مما أعطي المهاجرين من الغنائم.
стр. 2733
ومعنى الآية: ﴿(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ)﴾ يعني المدينة، وهي دار الهجرة، وتبوّأها الأنصار قبل المهاجرين. وتقدير الآية: والّذين تبوّءوا الدار من قبلهم والإيمان؛ لأن الأنصار لم يؤمنوا قبل المهاجرين، وعطف (الإيمان) على (الدّار) في الظاهر لا في المعنى؛ لأنّ الإيمان ليس بمكان تبوّؤ. والتقدير: وآثروا الإيمان واعتقدوا الإيمان.
قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ؛﴾ معناه:
ويؤثرون المهاجرين على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم، ولو كان بهم فقر وحاجة إلى الدار والنّفقة، بيّن الله أن إيثارهم لم يكن عن غنى عن المال ولكن عن حاجة، فكان ذلك أعظم لأجرهم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إنّي جائع فأطعمني؟ فبعث النّبيّ ﷺ إلى أحد أزواجه: [هل عندكنّ شيء؟] فكلّهنّ قلن:
والّذي بعثك بالحقّ ما عندنا إلاّ الماء، فقال ﷺ : [ما عند رسول الله ﷺ ما يطعمك هذه اللّيلة] ثمّ قال: [من يضيف هذا هذه اللّيلة ﵀؟].
فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله،-قال في صحيح مسلم: هو أبو طلحة، وقيل: أبو أيّوب، والضّيف أبو هريرة (١) -فمضى به إلى منزله، فقال لأهله: هذا ضيف رسول الله ﷺ فأكرميه ولا تدّخري عنه شيئا، فقالت: ما عندنا إلاّ قوت الصّبية، قال: قومي فعلّليهم عن قوتهم حتّى يناموا، ثمّ أسرجي وأحضري الطّعام، فإذا قام الضّيف ليأكل قومي كأنّك تصلحين السّراج فأطفئيه، وتعالي نمضغ ألسنتنا لضيف رسول الله ﷺ حتّى يشبع.
فقامت إلى الصّبية فعلّلتهم حتّى ناموا ولم يطعموا شيئا، ثمّ قامت فأسرجت، فلمّا أخذ الضّيف ليأكل قامت كأنّها تصلح السّراج فأطفأته، وجعلا يمضغان ألسنتهما، فظنّ الضّيف أنّهما يأكلان معه، فأكل الضّيف حتّى شبع، وباتا طويّين.
فلمّا أصبحا غدوا إلى رسول الله ﷺ ، فلمّا نظر إليهما تبسّم ثمّ قال: [لقد عجب الله من فلان وفلانة هذه اللّيلة فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ﴾
стр. 2734
﴿كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ (١)]) (٢).
وقال أنس ﵁: (أهدي لبعض الصّحابة رأس شاة مشويّة وكان مجهودا، فقال: لعلّ جاري أحوج إليه منّي، فبعث به إليه، ثمّ إنّ جاره قال مثل ذلك، فوجّه به إلى جار له، فتداوله تسعة أنفس حتّى رجع إلى الأوّل، فأنزل الله تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾) (٣).
ويحكى عن أبي الحسن الأنطاكيّ: أنه اجتمع عنده نيّف وثلاثون رجلا بقرية من قرى الريّ ومعهم أرغفة قليلة لم تشبع جوعتهم، فكسّروا الرّغفان وأطفئوا السّراج وجلسوا ليأكلوا، فلمّا رفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل منه أحد إيثارا لصاحبه على نفسه (٤).
ويحكى عن حذيفة العدويّ قال: (انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمّ لي ومعي شيء من ماء، فإذا أنا به فقلت: أسقيك؟ فأشار: أي نعم، فإذا رجل يقول: آه، فأشار ابن عمّي أن انطلق به إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فسمع آخر يقول: آه، فأشار هشام: أن انطلق به إليه، فإذا هو قد مات، ثمّ رجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، ثمّ رجعت إلى ابن عمّي فإذا هو قد مات) (٥).
ويحكى عن أبي يزيد البسطاميّ قال: (ما غلبني إلاّ شابّ من أهل بلخ قدم علينا حاجّا، فقال لي: يا أبا يزيد ما حدّ الزّهد عندكم؟ قلت: إذا وجدنا أكلنا، وإذا فقدنا صبرنا. قال: هكذا عندنا كلاب بلخ! فقلت: ما حدّ الزّهد عندكم؟ قال: إذا فقدنا صبرنا، وإذا وجدنا آثرنا).وسئل ذو النون عن الزّهد فقال: (ثلاث: تفريق المجموع، وترك المفقود، والإيثار عند القوت).
стр. 2735
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٩)؛ أي من يدفع عنه غائلة نفسه وحرص النفس حتى تطيب نفسه بذلك، فأولئك هم النّاجون السّعداء، الباقون في الآخرة. والشّحّ في الآخرة: منع النّفع، وأمّا في الدّنيا فهو منع الواجب، وفي الحديث عن النبيّ ﷺ قال: [برئ من الشّحّ من أدّى زكاة ماله، وأقرى الضّيف، وأعطى في النّائبة] (١).وقال سعيد بن جبير: (شحّ النّفس هو أخذ الحرام ومنع الزّكاة).
وجاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: لقد خفت أن لا تصيبني هذه الآية ﴿(وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)﴾ والله ما أقدر أعطي شيئا أطيق منعه، فقال عبد الله: (إنّما ذلك البخل وبئس الشّيء البخل، ولكنّ الشّحّ أن تأخذ مال أخيك بغير حقّه) (٢).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يجتمع الشّحّ والإيمان في قلب رجل مسلم، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنّم في جوف مسلم قطّ] (٣).
واختلف العلماء في الشّحّ والبخل، فقال بعضهم: هما واحد، وهو منع الفضل. وقال بعضهم: بينهما فرق، والبخل أن بيخل الرجل بما في يده، والشحّ أن يبخل بما في أيدي الناس.
стр. 2736
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [اتّقوا الشّحّ، فإنّ الشّحّ أهلك من كان قبلكم، حملهم أن سفكوا الدّماء واستحلّوا محارمهم] (١).
وعن أبي الهيّاج الأسديّ قال: (كنت أطوف بالبيت، فرأيت رجلا يقول: اللهمّ قني شحّ نفسي، لا يزيد على ذلك، فقلت له في ذلك، فقال: إذا وقيت شحّ نفسي لم أسرق ولم أزن، وإذا الرّجل عبد الرّحمن بن عوف) (٢).
ويحكى أنّ كسرى قال لأصحابه ذات يوم: أيّ شيء أضرّ بابن آدم؟ قالوا:
الفقر، فقال كسرى: والشّحّ أضرّ من الفقر؛ لأن الفقير إذا وجد شبع، وإن الشحيح لا يشبع أبدا (٣).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ؛﴾ يعني التّابعين وهم الذين جاءوا بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، قال ابن عمر: (هؤلاء هم التّابعين بالإحسان إلى يوم القيامة).قال ابن أبي ليلى: (النّاس على ثلاثة منازل: الفقراء، والّذين تبوّءوا الدّار والإيمان، والّذين جاءوا من بعدهم، فاجهد أن لا تكون خارجا من هذه المنازل) (٤).
ثم ذكر الله تعالى أنّ هؤلاء التابعين يدعون لأنفسهم وللسّلف الذين سبقوهم، فقال تعالى ﴿(يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ)﴾ ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٠)؛أي لا تجعل في قلوبنا غشّا وحسدا وبغضا وحقدا للمؤمنين، فكلّ من لم يترحّم على جميع الصّحابة وكان في قلبه غلّ لهم على أحد منهم كان خارجا من أقسام المؤمنين؛ لأنّ الله رتّب المؤمنين على ثلاث مراتب: المهاجرين، والأنصار، والتابعين إلى يوم القيامة.
стр. 2737
قوله تعالى: ﴿*أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا؛﴾ يعني عبد الله بن أبيّ وأصحابه، ومعنى (نافقوا) أي أظهروا خلاف ما أضمروا، ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ؛﴾ وهم بنو قريظة وبنو النضير، سمّاهم إخوانهم لأنّهم كفار مثلهم.
قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ؛﴾ أي لئن أخرجتم من دياركم؛ أي لغربة ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ؛﴾ أي لا نساكن محمّدا، ﴿وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً؛﴾ ولا نطيعه على قتالكم، ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ؛﴾ فإن قاتلكم محمّد وأصحابه، لنعاوننّكم عليه حتى تكون أيدينا يدا واحدة في المقاتلة حتى نغلبهم، وعدوهم أنّهم ينصرونهم، فكذبهم الله في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (١١) في مقاتلتهم، وقد بان كذبهم في ما نزل ببني النّضير من الجلاء وفيما أصاب بني قريظة من القتل.
ثم ذكر الله أنّهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر، فقال تعالى:
﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ؛﴾ فكان الأمر على ما ذكر الله تعالى؛ لأنّهم أخرجوا من ديارهم فلم يخرج معهم المنافقون، وقوتلوا فلم ينصرونهم أظهر الله كذبهم وأبان صدق ما قال الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ (١٢)؛ معناه: ولئن قدّر وجود نصرهم؛ لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده، قال الزجّاجيّ:
(معناه: لو قصدوا نصر اليهود لولّوا الأدبار مهزومين). ﴿(ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ)﴾ يعني بني النّضير لا يصيرون منصورين إذا انهزم ناصروهم.
قوله تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ؛﴾ معناه: لأنتم يا معشر المسلمين أهيب في قلوب المنافقين واليهود من عذاب الله، وخوفهم منكم أشدّ من خوفهم الله لعلمهم بكم وصفاتكم، وجهلهم بالله وعظمته، ﴿ذلِكَ؛﴾ الخوف الذي بهم منكم دون الله، ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ (١٣)؛لا يعرفون الله تعالى، ولو عرفوه لعلموا أنّ عقوبة الله أعظم مما عساه يقع بهم من فعل المؤمنين.
стр. 2738
وفي هذه الآية بيان أنّه لا ينبغي لأحد أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من الله تعالى، وإنّ من زاد خوفه من أحد من الناس على خوفه من الله فليس بفقيه، إنما الفقيه من يخشى الله كما في آية أخرى ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ (١)، والفقه: العلم بمفهوم الكلام في إدراك ظاهره بمضمونه، والناس يتفاضلون في الإدراك لاختلافهم في جودة القريحة وسرعة الفطنة.
قوله تعالى: ﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ﴾ ومعناه: لا يقاتلونكم بنو قريظة إلاّ في حصون موثّقة أو من خلف جدار، لما قذف الله في قلوبهم الرّعب، ولا يقاتلونكم مبارزة.
قرأ ابن عبّاس ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو «(أو من وراء جدار)» بالألف على الواحد. ويروي بعض أهل مكّة «(جدر)» بفتح الجيم وجزم الدال وهي لغة في الجدار، وقرأ يحيى بن وثّاب «(جدر)» بضم الجيم وجزم الدال، وقرأ الباقون بضمّهما.
قوله تعالى: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ؛﴾ يعني بعضهم وعداوة بعضهم لبعض شديد، وبينهم مخالفة وعداوة عظيمة، ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً؛﴾ أي تحسبهم متّفقين على أمر واحد بنيّات مجتمعة إذا قاتلوا المؤمنين، ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتّى؛﴾ أي متفرّقة لا يتعاونون لمعاداة بعضهم بعضا، وإن أظهروا الموافقة، والمعنى: أنّهم مختلفون لا تستوي قلوبهم ولا نيّاتهم لأنّ الله خذلهم، ﴿ذلِكَ؛﴾ الاختلاف، ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ (١٤)؛ما فيه الحظّ لهم ولا يعقلون الرّشد من الغيّ.
قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ؛﴾ معناه:
مثل هؤلاء اليهود كمثل الذين من قبلهم وهم كفار مكّة، يعني: مثلهم في ما ينزل من العقوبة كمثل مشركي مكّة، وقوله تعالى ﴿(قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ)﴾ يعني القتل والأسر ببدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النّضير بستّة أشهر، ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٥)؛ في الآخرة.
стр. 2739
قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ؛﴾ أي مثل الكافرين في غرورهم لبني النضير وخلاّنهم، كمثل الشّيطان في غروره لابن آدم إذ دعاه إلى الكفر بما زيّنه له من المعاصي، فلمّا كفر الآدميّ تبرّأ الشيطان منه ومن دينه في الآخرة.
ويقال: إنّ المراد بهذه الآية إنسان بعينه يقال له برصيصا، عبد الله تعالى في صومعة له سبعين سنة، وكان من بني إسرائيل، فعالجه إبليس فلم يقدر عليه، فجمع ذات يوم مردة الشياطين وقال لهم: ألا أحد منكم يكفيني أمر برصيصا؟ فقال له الأبيض: أنا أكفيكه، وكان من شدّة تمرّد هذا الأبيض أنه اعترض النبيّ ﷺ ليوسوس إليه، فدفعه جبريل دفعة هيّنة فوقع في أقصى أرض الهند.
فقال الأبيض لإبليس: أنا أزيّن له، فتزيّن بزينة الرّهبان ومضى حتى أتى صومعة برصيصا، فأقبل على العبادة في أصل الصّومعة فانفتل برصيصا فاذا هو يراه قائم يصلّي في هيئة حسنة من هيئة الرّهبان، فأقبل إليه وقال: يا هذا ما حاجتك؟ فقال: أحبّ أن أكون معك فأتعلّم منك وأقتبس علمك، فتدعو لي وأدعو لك، فقال برصيصا: إنّي لفي شغل عنك، فإن كنت مؤمنا فسيجعل الله لك نصيبا مما أدعوه للمؤمنين والمؤمنات.
ثم أقبل على صلاته وترك الأبيض، وقام الأبيض يصلّي فلم يلتفت برصيصا إلاّ بعد أربعين يوما، فلمّا التفت بعد الأربعين رآه قائما يصلّي، فلما رأى برصيصا شدّة اجتهاده وكثرة ابتهاله وتضرّعه أقبل إليه، وقال: اطلب حاجتك، قال: حاجتي أن تأذن لي فارتفع إليك فأكون في صومعتك، فأذن له فارتفع اليه.
فأقام في صومعته حولا كاملا يتعبّد، لا يفطر إلاّ في كلّ أربعين يوما يوما، ولا ينفتل إلاّ في كلّ أربعين يوما يوما، فلما رآه برصيصا ورأى شدّة اجتهاده أعجبه شأنه، وتقاصرت عنده عبادة نفسه.
فلمّا حال الحول قال الأبيض لبرصيصا: إنّي منطلق إلى صاحب لي غيرك أشدّ اجتهادا منك، وإنه قد كان بلغني عنك من العبادة والاجتهاد غير الذي أرى منك،
стр. 2740
فدخل على برصيصا من كلامه ذلك أمر عظيم وكره مفارقته لما رأى من شدّة اجتهاده في العبادة.
فلمّا ودّعه قال له الأبيض: إنّ عندي دعوات أعلّمكها تدعو بها، فهي خير لك مما أنت فيه، يشفى بها السقيم، ويعافى بها المبتلى والمجنون، فقال برصيصا: إنّي أكره هذه المنزلة، وإنّ لي في نفسي شغلا، وإنّي أخاف إن علم الناس بذلك شغلوني عن العبادة. فلم يزل به الأبيض حتى علّمه.
وانطلق الأبيض حتى أتى إبليس وقال له: قد والله أهلكت الرجل. ثم انطلق الأبيض إلى رجل فخنقه، ثم جاء إلى أهله في صورة طبيب فقال لهم: إنّ بصاحبكم جنونا، فقالوا له: عالجه لنا وداوه، فقال: إنّي لا أقوى على جنّيّته! ولكن أرشدكم إلى من يدعو له فيعافى، قالوا: دلّنا. قال: انطلقوا إلى برصيصا، فإن عنده الاسم الأعظم الذي إذا دعا الله به أجاب، فمضوا بصاحبهم إليه، فدعا له بتلك الكلمات التي علّمه إياها، الأبيض فذهب عنه الشيطان.
ثم انطلق الأبيض إلى صبيّة من بنات الملوك ولها ثلاثة إخوة، وكان لهم عمّ هو ملك بني إسرائيل، فخنقها ثم جاء إليهم في صورة طبيب، فعالجها وداواها، فلم يذهب عنها، فقال لهم: إنّ الذي عرض لها مارد لا يطاق، ولكنّي أرشدكم إلى رجل يدعو لها بدعوات فتعافى، قالوا: من هو؟ قال: برصيصا. قالوا: وكيف يجيبنا ذلك إلى هذا الأمر؟ وكيف يقبلها منّا؟ قال: ابنوا لها صومعة إلى جنب صومعته وتكون لزيقا بصومعته، وقولوا له: هذه أمانة عندك فاحتسب فيها.
قال: فانطلقوا بها إليه فلم يقبلها، فبنوا لها صومعة كما ذكر لهم الأبيض وتركوها فيها، وقالوا لبرصيصا: هذه أختنا وقد عرض لها عدوّ من أعداء الله، فهي أمانة عندك فاحتسب فيها، ثم انصرفوا. فلما انفتل برصيصا عن صلاته عاينها فرأى جمالا رائقا وحسنا فائقا فسقط في يديه، ودخل عليه أمر عظيم، فجاءها الأبيض فخنقها، فلما رأى برصيصا ذلك انفتل من صلاته ودعا بتلك الدّعوات، فذهب عنها الشّيطان، ثم جاء الأبيض إلى برصيصا، قال: وأين تجد مثل هذه؟ واقعها وأنت تتوب بعد ذلك، ولم يزل به حتى واقعها، فأقامت معه وهو يواقعها حتى حملت وظهر حملها.
стр. 2741
فقال له الأبيض: ويحك! إنّك قد افتضحت، فهل لك أن تقتلها وتتوب؟ فإن سألوك عنها فقل: جاء شيطانها فذهب بها ولم أطق، ففعل ذلك فقتلها ثم ذهب بها الى ناحية من الجبل ودفنها، فجاء الشيطان ليلا وهو يدفنها فجذب طرف إزارها حتى صار خارجا من التّراب، ثم رجع برصيصا إلى صومعته وأقبل على صلاته.
فجاء إخوتها يتعاهدونه وكانوا في سائر الأيّام يأتون برصيصا ويتعاهدون أختهم ويوصوه بها، فأتوه في هذه المرّة كعادتهم فلم يجدوها، فقالوا: أين ذهبت أختنا؟ فقال برصيصا: جاء شيطانها فذهب بها ولم أطقه، فصدّقوه وانصرفوا عنه وهم مكروبون.
فجاءهم الأبيض في صورة إنسان وأخبرهم بالخبر وقال لهم: هي مدفونة في موضع كذا، وأنّ برصيصا قد فعل بها كذا وكذا ثم قتلها ودفنها، وإنّ طرف إزارها خارجا من التّراب. فانطلقوا فوجدوها كما قال فجمعوا لبرصيصا علماؤهم وعساكرهم وجاءوا بالفئوس والمساحي فهدموا صومعته وأنزلوه وكتّفوه، وانطلقوا به إلى الملك مغلولا، فسأله عن ذلك فأقرّ على نفسه فصلبه الملك على خشبة.
فجاء إبليس إلى الأبيض فقال له: أيّ شيء صنعت في برصيصا، الآن يقتل ويكون قتله كفّارة لما كان منه، وما يغني عنك ما صنعت فيه؟! فقال الأبيض: أنا أكفيك فيه، فأتاه وهو مصلوب، فقال له: يا برصيصا أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا صاحبك الذي علّمتك الدعوات، أما اتّقيت الله في أمانة وضعت عندك، خنت أهلها وأنت أعبد بني إسرائيل، ما استحييت من الله، أما راقبته في دينك، فلم يزل يعيّره ويوبخه.
ثم قال له: وما كفاك ما صنعت حتى أقررت على نفسك، فضحت أشياخك، فإن متّ في هذه الحالة لم تفلح أبدا. قال: فكيف أصنع؟ قال: تطيعني في خصلة حتى أنجّيك مما أنت فيه، وآخذ بأعينهم وأخرجك من مكانك، قال: وما هي؟ قال: تسجد لي سجدة واحدة، قال: كيف أسجد لك وأنا مصلوب على هذه الحالة؟ قال: أكتفي منك بالإيماء، فأومأ بالسّجود فكفر بذلك، فقال: يا برصيصا هذا الذي أردت منك أن صارت عاقبتك إليّ أن كفرت بربك، إنّي بريء منك، ﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ (١٦)؛ثم ذهب عنه وتركه فقتل.
стр. 2742
فضرب الله هذا مثلا لبني قريظة والنضير والمنافقين من أهل المدينة، وذلك أنّ الله تعالى أمر نبيّه ﷺ أن يجلي بني النضير فدسّ إليهم المنافقون أن لا يجيبوا محمّدا إلى ما دعاكم ولا تخرجوا من دياركم، فإن قاتلوكم كنّا معكم، وإن أخرجكم خرجنا معكم، فأطاعوهم فدربوا على حصونهم وتحصّنوا في دورهم، فجاء رسول الله ﷺ فحاربهم فناصبوه الحرب يرجون نصرة المنافقين، فخذلوهم وتبرّءوا منهم كما تبرّأ الشيطان من برصيصا وخذله (١).
قوله تعالى: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها؛﴾ معناه: فكان عاقبة الشّيطان والذي كفر أنّهما في النار مقيمين دائمين، ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ (١٧)؛أي وذلك عاقبة الكافرين، فليحذر امرؤ أن يقع في مثل ما وقع فيه هذا الكافر، وقال مقاتل: (معنى الآية: فكان عاقبة المنافقين واليهود أن صاروا إلى النّار وذلك جزاؤهم) (٢).
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ؛﴾ معناه: واتّقوا الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ؛﴾ أي ليوم القيامة عملا صالحا ينجيها أم عملا سيّئا يوبقها، قال الحسن: (ما زال الله يقرّب السّاعة حتّى جعلها كغد) (٣). ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (١٨).
قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ؛﴾ أي تركوا حقّ الله وأمره حتى صار كالمنسيّ عندهم، ﴿فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ؛﴾ أي فخذلهم حتى لم يعملوا لله طاعة، ويقدّموا خيرا لأنفسهم، قال ابن عبّاس: (يريد قريظة والنّضير) وباقي الآيتين، ﴿أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ (٢٠)،ظاهر المعنى.
قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢١)؛معناه:
стр. 2743
لو جعل في الجبل تمييز وعقل مثلكم، وعلم من القرآن كما تعلمون أنتم لرأيته يخشع ويتصدّع خوفا من عذاب الله، وكبره وصلابته فأنتم مع ضعفكم وصغركم أولى بالخشوع والعمل على مقتضى الدّين في تمييز الحقّ من الباطل.
وقيل: معناه: لو شعر الجبل مع صلابته وشدّته بالقرآن لخشع تعظيما للقرآن ولصدع من خشية الله، فالإنسان أحقّ بهذا منه، وهذا وصف للكافر بالقسوة حين لم يلن قلبه بمواعظ القرآن الذي لو أنزل على جبل لخشع.
قوله تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢٢)؛قيل: إنّ هذه الآيات مردودة إلى أوّل السّورة، والمعنى:
هو الذي أخرج الذين كفروا وهو الله الذي تحقّ له العبادة، ولا يشركه في ذلك غيره، وهو العالم بكلّ شيء مما غاب عن العباد ومما علموه.
قوله تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢٣)؛ القدّوس: هو الظاهر عن كلّ عيب، المنزّه عن كلّ ما لا يليق به. والسّلام: هو الذي سلم من كلّ نقص وعيب، وقيل: هو الذي سلم العباد من ظلمه.
والمؤمن: هو الذي أمن أولياؤه عذابه. والمهيمن: هو الشهيد على عباده بأعمالهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ (١) أي شاهدا عليه، ويقال: هيمن يهيمن فهو مهيمن، إذا كان رقيبا على الشيء.
والعزيز: الممتنع الذي لا يغلبه شيء ولا يمنع من مراده. والجبّار: هو العظيم، وجبروت الله عظمته، ويجوز أن يكون فعّالا من جبر إذا أغنى الفقير وأصلح الكسير.
ويجوز أن يكون من جبره على كذا اذا أكرهه على ما أراد. قال السديّ ومقاتل: (هو الّذي يقهر النّاس ويجبرهم على ما يشاء) (٢).والمتكبر: هو المستحقّ لصفات التعظيم وهو من الكبرياء، وإنما تذمّ صفة المتكبر في الناس لأنه ينزل نفسه منزلة لا يستحقّها.
стр. 2744
قوله تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ؛﴾ الخالق: هو المنشئ للأعيان. والبارئ: المقدّر والمسوّي لها، والبريّة: الخلق، وبريت القلم إذا سوّيته.
والمصوّر: النّاقش كيف يشاء، يعني الممثّل للمخلوقات بالعلامات المميّزة والهيئات المتفرّقة.
قوله تعالى: ﴿لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢٤)،والأسماء الحسنى هي الصفات العلى.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من قرأ سورة الحشر، غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر] (١).
وقال ﷺ : [ومن قرأ حين يصبح الثّلاث آيات من آخر الحشر وكّل الله به سبعون ألف ملك يصلّون عليه حتّى يمسي، فإن مات من ذلك اليوم مات شهيدا، ومن قرأها حين يمسي كان بتلك المنزلة] (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (سألت حبيبي رسول الله ﷺ عن اسم الله الأعظم، فقال: [عليك بآخر سورة الحشر، فأكثر قراءتها] فأعدت عليه، فأعاد عليّ، فأعدت عليه، فأعاد عليّ) (٣).
آخر تفسير سورة (الحشر) والحمد لله رب العالمين
стр. 2745
سورة الممتحنة
سورة الممتحنة مدنيّة، وهي ألف وخمسمائة وعشرة أحرف، وثلاثمائة وثمان وأربعون كلمة، وثلاث عشرة آية. قال ﷺ : [من قرأها كان المؤمنون والمؤمنات شفعاء له يوم القيامة] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ؛﴾ نزلت هذه الآية في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أنّ سارة مولاة أبي عمرو صيفي بن هشام أتت رسول الله ﷺ من مكّة إلى المدينة بعد بدر بسنتين، ورسول الله ﷺ يتجهّز لفتح مكّة، فقال لها النّبيّ ﷺ : [أمسلمة جئت؟] قالت: لا، قال: [أمهاجرة جئت؟] قالت: لا، قال: [فما حاجتك؟] (٢) قالت: كنتم الأهل والعشيرة والموالي، وقد ذهبت أموالي واحتجت حاجة شديدة، فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني، قال: [وأين أنت من شباب أهل مكّة؟] وكانت مغنّية ونائحة، قالت: ما طلب منّي شيء بعد وقعة بدر، فأمر النّبيّ ﷺ بني عبد المطّلب فكسوها وأعطوها نفقة (٣).
فأتاها حاطب بن أبي بلتعة الأزديّ حليف بني أسد، فكتب إلى أهل مكّة وأعطاها عشرة دنانير على أن توصل الكتاب إلى أهل مكّة، وكتب في الكتاب: من
стр. 2746
حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكّة: رسول الله ﷺ يريد أن يغزوكم، فخذوا حذركم.
مع أشياء كتب بها يتنصّح لهم فيها، فمضت سارة بالكتاب.
فنزل جبريل ﵇ فأخبر النّبيّ ﷺ بما فعل حاطب، فبعث النّبيّ ﷺ وراءها عليّ بن أبي طالب والزّبير بن العوّام والمقداد، فخرجوا يعادي بهم خيلهم، فطلبوا منها الكتاب، فقالت: ما عندي كتاب، وحلفت على ذلك، ففتّشوا متاعها فلم يجدوه، وقالت: إنّكم لا تصدّقوني حتّى تفتّشوا ثيابي، واصرفوا وجوهكم عنّي فصرفوها، فطرحت ثيابها ففتّشوها فلم يجدوا شيئا، فتركوها وهمّوا بالرّجوع.
فقال عليّ بن أبي طالب: إنّي أشهد أنّ رسول الله ﷺ لم يكذبنا، وإنّها هي الكاذبة فيما تقول، فسلّ سيفه وقال: أخرجي الكتاب وإلاّ والله لأضربنّ عنقك وأقسم على ذلك، فلمّا رأت الحدّ أخرجته من ظفائر رأسها، فأخذوه وخلّوا سبيلها ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله ﷺ .
فأرسل إلى حاطب فأتاه، فقال له: [يا حاطب هل تعرف هذا الكتاب؟] قال:
نعم، قال: [ما حملك على ذلك؟] قال: والله يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ صحبتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، فلا تعجل عليّ يا رسول الله، إنّي كنت امرءا ملصقا في قريش، ولم أكن منهم، ولم يكن أحد من المهاجرين إلاّ وله بمكّة من يمنع عشيرته، وأنا غريب فيهم، وكان أهلي بين أظهرهم، فخشيت على أهلي فأردت أن أتّخذ عندهم يدا، فو الله ما فعلت ذلك شكّا في ديني ولا رضى بالكفر بعد الإسلام، ولا ارتبت في الله منذ أسلمت، وقد علمت أنّ الله تعالى نزّل عليهم بأسه، وإنّ كتابي لا يغني عنهم شيئا.
فصدّقه رسول الله ﷺ وعذره وقال: [إنّه قد صدق].فقام عمر ﵁ وقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ : [إنّه قد شهد بدرا، وما يدريك أنّ الله تعالى قال لأهل بدر: اعملوا ما شئتم فقد غفر لكم] (١).
стр. 2747
وروي: أنّ عبدا لحاطب جاء يشتكي من حاطب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ليدخلنّ حاطب النّار، فقال: [كذبت! لا يدخلها أبدا لأنّه شهد بدرا والحديبية] (١).
ثم أنزل الله تعالى هذه الآية يعرّف بها النبيّ ﷺ أن حاطبا مؤمن، فقال ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ)﴾ معناه: لا تتّخذوا الكافرين أحبّاء في العون والنّصرة، ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ؛﴾ أخبار النبيّ ﷺ وسرّه، ﴿بِالْمَوَدَّةِ؛﴾ التي بينكم وبينهم وتخبرونهم بما يخبر به الرجل أهل مودّته، ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ؛﴾ جحدوا بما جاءكم من الحقّ يعني القرآن، ومع ذلك، ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ؛﴾ أي يخرجون الرسول من مكّة ويخرجونكم أيضا من دياركم لأجل إيمانكم بربكم.
قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي؛﴾ هذا شرط، وجوابه متقدّم عليه وهو قوله ﴿(لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ)﴾.تقديره: إن كنتم خرجتم جهادا مجاهدين في طاعتي وسنّتي ومتّبعين مرضاتي، فلا تتّخذونهم أولياء، وقوله تعالى: ﴿(جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي)﴾ منصوبان لأنّهما مفعول لهما.
وقوله تعالى: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ؛﴾ أي تخفون مودّتهم، ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ،﴾ وأنا أعلم بما تضمرون في صدوركم، وما تظهرون بألسنتكم. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ؛﴾ يعني الإسرار وإلقاء المودّة إليهم، ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (١)؛أي فقد أخطأ طريق الهدى، والمعنى: ومن يفعل منكم يا معشر المؤمنين ما فعل حاطب، فقد أخطأ طريق الحقّ والهدى.
قوله تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً؛﴾ معناه: إن يصادفوكم ويظفروكم في حال لا يخافونكم عليها يظهروا عداوتكم، ﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ﴾
стр. 2748
﴿أَيْدِيَهُمْ؛﴾ بالقتل والضّرب، ﴿وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ؛﴾ بالشّتم والطعن، ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (٢)؛ويحبّون أن تكفروا بالله بعد إيمانكم كما أنّهم كافرون، والمعنى:
لا ينفعكم التقرّب إليهم بنقل أخبار النبيّ ﷺ إليهم.
قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ؛﴾ أي توادّوهم بسبب الأرحام والأولاد، فإنّ الأرحام والأولاد لا ينفعوكم، فلا تعصوا الله ولا تخونوا رسوله لأجلهم، ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ؛﴾ فيدخل أهل طاعة الله الجنة، ويدخل أهل الكفر النار، ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ؛﴾ من الخير والشرّ، ﴿بَصِيرٌ﴾ (٣).
قرأ عاصم ويعقوب «(يفصل بينكم)» بفتح الياء وكسر الصاد مخفّفا (١)،وقرأ ابن عامر والأعرج «(يفصّل)» بضمّ الياء وفتح الصاد مشدّدا، وقرأ طلحة والنخعي «(نفصّل)» بالنون وبضمّة وكسر الصاد مشدّدا، وقرأ الباقون «(يفصل)» بضم الياء وفتح الصاد مخفّفا (٢).
ثم ضرب الله لهم إبراهيم مثلا حين تبرّأ من قومه فقال تعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ؛﴾ أي قد كانت لكم قدوة حسنة في إبراهيم خليل الله والذين معه من المؤمنين، ﴿إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ؛﴾ لأقاربهم من الكفّار: ﴿إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ؛﴾ ومن دينكم، ﴿وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ من الأصنام، ﴿كَفَرْنا بِكُمْ،﴾ تبرّأنا منكم، ﴿وَبَدا؛﴾ وظهر، ﴿بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ؛﴾ بالفعل، ﴿وَالْبَغْضاءُ؛﴾ بالقول، ﴿أَبَداً؛﴾ إلى الأبد، ﴿حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ؛﴾ تقرّوا وتصدّقوا بوحدانيّة الله تعالى، فهلاّ تأسّيت يا حاطب بإبراهيم في إظهاره معاداة الكفّار، وقطع الموالاة بينكم وبينهم كما فعله إبراهيم ومن معه.
قوله تعالى: ﴿إِلاّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ؛﴾ أي قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم وأموره، إلاّ في قوله لأبيه لأستغفرن لك، ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ﴾
стр. 2749
﴿اللهِ مِنْ شَيْءٍ؛﴾ إن عصيته، نهوا أن يتأسّوا بإبراهيم في هذا خاصّة فيستغفروا للمشركين.
والمعنى: قد كانت لكم أسوة حسنة في صنع إبراهيم إلاّ في استغفاره لأبيه وهو مشرك. ثم بيّن الله عذره إبراهيم في سورة التّوبة في استغفاره لأبيه فقال تعالى ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ﴾ (١) وكان هذا قبل إخبار الله تعالى أن لا يغفر أن يشرك به. وقول إبراهيم: (وما أملك لك من الله من شيء) معناه: لا أقدر على دفع شيء من عذاب الله عنك إن لم تؤمن.
وكان من دعاء إبراهيم وأصحابه: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا؛﴾ أي وثقنا، ﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنا؛﴾ أي فوّضنا أمورنا وإليك رجعنا بالتّوبة والطاعة، ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٤)؛في الآخرة،
﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥)؛أي لا تظهر الكفّار علينا فيظنّوا أنّهم على الحقّ وأنّا على الباطل فيفتنوا بها، هكذا قال قتادة. وعن ابن عبّاس أنّه قال: (معناه: لا تسلّطهم فيفتنونا) (٢).وقال مجاهد: (معناه: لا تعذّبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا: لو كان هؤلاء على الحقّ ما أصابهم هذا) (٣).
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ؛﴾ معناه: لقد كان لكم في إبراهيم والّذين معه قدوة صالحة فيما يرجع إلى رجاء ثواب الله وحسن المنقلب في اليوم الآخر.
وهذا يقتضي وجوب الاقتداء بهم في أفعالهم، وأما الأولى فنهوا الاقتداء بهم في باب العداوة لله في أمر الدين. قوله تعالى: ﴿(لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ)﴾ بدل من قوله ﴿(لَكُمْ فِيهِمْ)﴾ وهذا كقوله تعالى ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ﴾
стр. 2750
﴿سَبِيلاً﴾ (١).ومعنى ﴿(يَرْجُوا اللهَ)﴾ أي يخاف الله ويخاف الآخرة، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٦)؛أي من يعرض عن الإيمان ويوالي الكفار فإنّ الله هو الغنيّ عن خلقه، الحميد إلى أوليائه وأهل طاعته.
قال مقاتل: (فلمّا أمر الله المسلمين بعداوة الكفّار أظهروا لهم العداوة والبراءة امتثالا لأمر الله تعالى) (٢) فأنزل الله: ﴿*عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ؛﴾ أي كونوا على رجاء وطمع في أن يجعل الله بينكم وبين الذين عاديتم من المشركين، ﴿مَوَدَّةً،﴾ يعني من كفار مكّة.
ففعل الله ذلك بأن أسلم كثير منهم بعد الفتح، منهم أبو سفيان بن حرب؛ وأبو سفيان بن الحارث؛ والحارث بن هشام؛ وسهيل بن عمرو؛ وحكم بن حزام، وكانوا من رؤساء الكفّار والمعادين لأهل الإسلام، فصاروا لهم أولياء وإخوانا، فخالطوهم وناكحوهم، وتزوّج رسول الله ﷺ أمّ حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، فلان لهم أبو سفيان، فهذه المودّة التي جعلها الله تعالى بينهم، ﴿وَاللهُ قَدِيرٌ؛﴾ على أن يجعل بينكم المودّة، ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٧)؛بهم بعد ما تابوا وأسلموا.
قوله: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ﴾ يعني أهل العهد الذين عاهدوا المؤمنين على ترك القتال والمظاهرة، وهم خزاعة، ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ،﴾ والمعنى: لا ينهاكم الله عن برّ الذين لم يقاتلوكم، وهذا يدلّ على جواز البرّ بأهل الذمّة وإن كانت الموالاة منقطعة.
ولذلك جوّز أبو حنيفة ومحمّد صرف صدقة الفطر والكفّارات والنّذور المطلقة إليهم، وأجمعوا على جواز صرف صدقة التطوّع إليهم، وأجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزّكوات إليهم لقوله ﵇: [أمرت أن آخذ الصّدقة من أغنيائكم وأردّها على فقرائكم] (٣).
стр. 2751
وقوله تعالى: ﴿(أَنْ تَبَرُّوهُمْ)﴾ في موضع خفض بدل من (الّذين) كأنّه قال عن أن تبرّوا الذين لم يقاتلوكم، وقوله تعالى: ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٨)؛القسط إليهم أن نعطيهم قسطا من أموالنا على جهة البرّ، ويقال: أقسطت إلى الرجل اذا عاملته بالعدل، قال الزجّاج: (معناه: وتعدلوا فيما بينكم وبينهم من الوفاء بالعهد) (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٩)؛ يعني المحاربين من الكفّار، نهى الله أن يتصدّق عليهم، ونهى عن موالاتهم ومكاتباتهم. والمظاهرة: المعاونة للظّهور بها على العدوّ بالغلبة.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ وذلك أنّ رسول الله ﷺ لمّا صالح قريشا يوم الحديبية على أن يردّ عليهم من جاءه من المسلمين، فلمّا هاجر إليه النّساء أبى الله أن يرجعن على المشركين وأمر بامتحانهنّ، وقوله تعالى ﴿(فَامْتَحِنُوهُنَّ)﴾ وذلك أن تستحلف المهاجرة ما هاجرت لحدث أحدثته، ولا خرجت عشقا لرجل من المسلمين ولا خرجت إلاّ رغبة في الإسلام.
قال ابن عبّاس: (صالح رسول الله ﷺ كفّار مكّة عام الحديبية على أنّ من أتاه من مكّة ردّه عليهم، ومن أتى مكّة من أصحابه فهو لهم، ولم يردّوه عليه، وكتب النّبيّ ﷺ بذلك كتابا لهم وختم عليه، فلمّا ختم عليه النّبيّ ﷺ جاءته سبيعة بنت الحارث الأسلميّة مسلمة.
فجاء زوجها إلى النّبيّ ﷺ وهو كافر وقال: يا محمّد ردّها عليّ، فإنّك شرطت لنا ذلك عليك، وهذه طينة كتابنا لم تجفّ، فأنزل الله هذه الآية ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ)﴾ ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ؛﴾ فاستحلفها رسول الله
стр. 2752
صلّى الله عليه وسلّم [بالله ما أخرجك إلينا إلاّ الحرص على الإيمان والرّغبة فيه والمحبّة لله ولرسوله وللإسلام] فحلفت بالله العظيم الّذي لا إله إلاّ هو ما خرجت إلاّ لذلك، فأمر النّبيّ ﷺ أن يعطى زوجها مهرها الّذي أنفق عليها، فأعطوه مهرها) وذلك معنى قوله: ﴿وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿(اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ)﴾ أي هذا الامتحان لكم، والله عالم بهنّ، وليس عليكم إلاّ علم الظاهر، والله أعلم بإيمانهنّ قبل الامتحان وبعده، فإن علمتموهنّ في الظاهر بالامتحان أنّهن مؤمنات فلا تردّوهن إلى أزواجهنّ الكفّار بمكة، لا المؤمنات حلّ للكفار ولا الكفار يحلّون للمؤمنات. وقوله تعالى ﴿(وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا)﴾ أي أعطوا أزواج المهاجرات من الكفّار ما أنفقوا عليهنّ من المهر.
قوله تعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ؛﴾ أي لا جناح عليكم أن تتزوّجوهن إذا أعطيتموهنّ مهورهن ولو كان لهنّ أزواج كفّار في دار الكفر؛ لأن الإسلام قد فرّق بينها وبين الكافر، وهذا كلّه دليل أنّ الحرّة إذا هاجرت إلينا مسلمة أو ذميّة وقعت الفرقة بينهما بنفس المهاجرة، كما هو مذهب أصحابنا.
ولهذا قال أبو حنيفة: (إنّ المهاجرة لا عدّة عليها؛ لأنّ الله تعالى أباح للمسلمين التّزوّج بالمهاجرات من غير أن يشرط انقضاء العدّة، ولو كانت الزّوجيّة باقية بعد المهاجرة لما أمر الله بردّ مهورهنّ على أزواجهنّ. وعلى هذا إذا خرج الزّوج إلينا مسلما أو ذمّيّا وقعت الفرقة بينه وبين امرأته، وأمّا إذا دخل الحربيّ إلينا بأمان، أو دخل المسلم دار الحرب بأمان، أو أسلم الزّوجان في دار الحرب ثمّ خرج أحدهما إلينا لم يبطل نكاحهما).
قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ؛﴾ معناه: أنّ المرأة المسلمة إذا كفرت والعياذ بالله زالت العصمة بينها وبين زوجها وانقطع النكاح بينهما. والكوافر:
جمع كافرة، نهى الله المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات.
стр. 2753
قوله تعالى: ﴿وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا؛﴾ معناه: واطلبوا من أهل مكّة مهور النّساء اللاتي يخرجن منكم إليهم مرتدّات، وليسأل الكفّار منكم ما أنفقوا على نسائهم اللواتي خرجن إليكم مهاجرات، ﴿ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ؛﴾ بمصالحكم، ﴿حَكِيمٌ﴾ (١٠)؛فيما حكم بينكم وبينهم.
قال الزهريّ: (فلمّا نزلت هذه الآية أقرّ المسلمون بحكم الله، فأمّا المشركون فأبوا أن يقرّوا) (١) فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا؛﴾ معناه: إن ذهبت امرأة من نسائكم إلى الكفّار فعاقبتم أي فضحتم.
قال الزجّاج: (معناه: فكانت العقبى لكم، أي كانت الغلبة لكم حتى غنمتم) (٢)،فأعطوا أزواج الذين ذهبت نساؤهم مثل ما أنفقوا من المهور، قبل أن تقسم الغنائم، ثم اقسموا الغنائم كما أمر الله. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (١١)؛أي اتّقوه في مخالفة ما أمركم به.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ؛﴾ وذلك أنّ رسول الله ﷺ لمّا فتح مكّة، جلس عند الصّفا وإلى جنبه عمر ﵁ والنّساء يأتين يبايعنه ﷺ وفيهنّ هند بنت عتبة متنكّرة مع النّساء خوفا أن يعرفها رسول الله ﷺ قد أنزل هذه الآية، فقال ﷺ : [أبايعكنّ على أن لا تشركن بالله شيئا] فقالت هند: أشركنا وعبدنا الآلهة فما أغنت عنّا شيئا.
فقال ﷺ : [ولا تسرقن] فقالت هند: إنّ أبا سفيان رجل شحيح ممسك، وإنّي أصيب من ماله لغناه، ولا أدري أيحلّ لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى أو قد بقي فهو لك حلال، فضحك رسول الله ﷺ وعرفها وقال:
[إنّك لهند بنت عتبة؟] قالت: فاعف عمّا سلف يا نبيّ الله عفا الله عنك.
стр. 2754
فقال: [ولا تزنين] قالت: وهل تزني الحرّة؟ فضحك عمر ﵁ وقال: لا لعمري ما تزني الحرّة، فقال: [ولا تقتلن أولادكنّ] فقالت هند: زيّنّاهم صغارا وقتلتموهم كبارا، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر، فضحك عمر ﵁ حتّى استلقى على ظهره، وتبسّم النّبيّ ﷺ (١).
ومعنى الآية: ﴿(وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ)﴾ أي لا يدفنّ بناتهنّ أحياء كما كان العرب يفعلونه، فقال تعالى: ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ؛﴾ أي لا تلحق بزوجها ولدا ليس منه، وذلك أنّ المرأة كانت تلتقط لقيطا فتضعه بين يديها ورجليها وتقول لزوجها: ولدت هذا الولد، فذاك البهتان والافتراء. ويقال: أراد بين الأيدي أن يوضع بين يديها ولد غيرها وبين أيديهنّ أن يأتين بولد حرام، وهذا كناية عن الفرج، فلما قال ﵇، قالت هند: والله إنّ البهتان لقبيح وما تأمرنا إلاّ بالرّشد ومكارم الأخلاق.
قوله تعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ؛﴾ أي وجميع ما تأمرهنّ وتنهاهنّ من النّوح وشقّ الجيوب وخمش الوجوه ورنّة الشيطان وغير ذلك من أصوات المعصية ومن صوت اللّعب واللهو والمزامير وغير ذلك. والمعروف: كلّ ما كان طاعة، والمنكر: كلّ ما كان معصية، فلما قال ﷺ : [ولا يعصينك في معروف] قالت هند:
وما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء، فأقرّت النّسوة بما أخذ عليهنّ.
وقوله تعالى: ﴿فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٢)؛ معناه: إذا بايعنك على هذه الشّروط فبايعهن، فقال ﷺ : [قد بايعتكنّ] كلاما كلّمهن به من غير أن مسّت يده يد امرأة، وكان على يد عمر ﵁ ثوب يصافح به النساء.
قال القرظيّ: (ومعنى قوله تعالى: ﴿(وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ)﴾ قال: المعروف الّذي لا معصية فيه) (٢).وقال الربيع: (كلّ ما يوافق طاعة الله فهو معروف) (٣).قال
стр. 2755
مجاهد: (غير المعروف هو خلوّ المرأة بالرّجل).
وعن سعيد بن المسيّب: (أنّ معناه: ولا يحلقن ولا يخرقن ثوبا ولا ينتفن شعرا ولا يخمشن وجها ولا يحدّثن الرّجل إلاّ ذا رحم محرم، ولا تخلو المرأة برجل غير ذي رحم محرم ولا تسافر مع غير ذي رحم).وقال ابن عبّاس: (ولا يخنّ) (١).
وعن مصعب بن نوح قال: (أدركت عجوزا ممّن بايعن النّبيّ ﷺ فحدّثتني عن قوله تعالى: ﴿(وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ)﴾ فقالت: النّوح) (٢).وعن أبي هريرة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : [النّوائح يجعلن يوم القيامة صفّين وتنبح كما تنبح الكلاب] (٣).
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [تخرج النّائحة من قبرها يوم القيامة شعثا غبرا، عليها جلباب من لعنة ودرع من جرب، واضعة يدها على رأسها تقول:
وا ويلاه، وملك يقول: آمين، ثمّ يكون من بعد ذلك حظّها النّار] (٤).وقال ﷺ : [أربع في أمّتي من الجاهليّة لا يتركونهنّ: الفخر في الأحساب، والطّعن في الأنساب، والاستسقاء بالنّجوم، والنّياحة] (٥).وقال: [النّائحة إذا لم تتب قبل موتها بعام جاءت يوم القيامة عليها سربال من قطران] (٦).
стр. 2756
وعن ابن عمر ﵄ قال: [لعن الله النّائحة والمستمعة والحالقة والسّالقة والواشمة والموشومة] (١).وعن عمر ﵁: (أنّه سمع نائحة فضربها حتّى وقع خمارها عن رأسها، فقيل: يا أمير المؤمنين إنّها قد وقع خمارها، قال: إنّها لا حرمة لها) (٢).
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ؛﴾ ختم الله هذه السّورة بمثل كما افتتحها به، حيث نهى المؤمنين عن تولّي أعداء الله، وأراد بالقوم الذين غضب الله عليهم اليهود، والمعنى: يا أيّها الذين آمنوا لا تتولّوا اليهود.
قوله تعالى: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ؛﴾ لأنّهم كانوا يعرفون النبيّ ﷺ كما يعرفون أبناءهم، وكانوا لا يؤمنون به، فآيسوا من أن يكون لهم في الآخرة خير.
وقيل: إنّهم كانوا يزعمون أنه لا يكون في الآخرة أكل ولا شرب ولا نعمة، والمراد بذلك اليهود.
وقوله تعالى: ﴿كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ (١٣)؛معناه: كما يئس المشركون الذين لا يؤمنون بالبعث من رجوع أصحاب القبور ومن أن يبعثوا.
وقيل: معناه: كما يئس الكفار إذا ماتوا وصاروا في القبور من أن يكون لهم في الآخرة حظّ، ويئسوا من أن يكون لهم في الآخرة نصيب.
آخر تفسير سورة (الممتحنة) والحمد لله رب العالمين.
стр. 2757
سورة الصّفّ
سورة الصّفّ مكّيّة، وهي تسعمائة حرف، ومائتان وإحدى وعشرون كلمة، وأربع عشرة آية.
قال ﷺ : [من قرأ سورة الصّفّ كان عيسى مصلّيا عليه مستغفرا له ما دام في الدّنيا، ويوم القيامة هو رفيقه] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١)؛قد تقدّم تفسيره.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ (٢) قال مقاتل: (وذلك أنّ المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحبّ الأعمال إلى الله تعالى لعملنا وبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فدلّهم الله على أحب الأعمال إليه) (٢) فقال: ﴿(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ)﴾ فابتلوا يوم أحد بما أصابهم، فتولّوا عن النّبيّ ﷺ حتّى شجّ وجهه وكسرت رباعيّته، فذمّهم الله على ذلك فقال ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ)﴾
﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ (٣)؛أي عظم ذلك في المقت والبغض عند الله؛ أي أنّ الله يبغضه بغضا شديدا أن تعدوني من أنفسكم شيئا ثم لم توفّوا به.
وموضع (أن تقولوا) رفع، وانتصب قوله (مقتا) على التمييز.
стр. 2758
وذكر الكلبيّ: (أنّ المسلمين كانوا يقولون قبل فرض الجهاد: لو علمنا أيّ الأعمال أحبّ إلى الله لفعلناه، فدلّهم الله على ذلك بقوله تعالى ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ،﴾ ولم يبيّن ما هي، فمكثوا على ذلك ما شاء الله، ثمّ قالوا: يا ليتنا نعلم ما هي فنسارع إليها، فأنزل الله تعالى ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ إلى آخر الآيات) (١).
وقال قتادة: (كان الرّجل إذا خرج إلى الجهاد ثمّ رجع قال: قلت وفعلت، ولم يكن فعل، فأنزل الله تعالى ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ)﴾. (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا؛﴾ يحبّ الذين يصفّون أنفسهم عند القتال صفّا ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (٤)؛أي ملتزق بعضه إلى بعض، أعلم الله أنه يحبّ من تثبّت في القتال ويلزم مكانه كثبوت البناء المرصوص الذي قد أحكم وأتقن، ليس فيه فرجة ولا خلل.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ؛﴾ في هذا تسلية للنبيّ ﷺ فيما لقي من أذى الكفار والمنافقين، وقد مرّ تفسير أذاهم موسى في سورة الأحزاب.
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ؛﴾ أي بإيذائهم أمالها عن الحقّ وخذلها ومنعها الهدى مجازاة لهم بايذائهم، ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ (٥) إلى ثوابه وجنّته.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٦)؛معناه: واذكر يا محمّد لقومك قصّة عيسى وعاقبة من آمن معه، وعاقبة من كفر.
стр. 2759
قوله تعالى: (مصدّقا) نصب على الحال؛ أي في حال تصديقي بالتّوراة التي أوتيها موسى ﵇ من قبلي، وفي حال تبشيري برسول من بعدي يأتي اسمه أحمد.
وذلك أنّ الحواريّين قالوا لعيسى ﵇: يا روح الله هل من بعدنا من أمّة؟ قال: نعم؛ أمّة أحمد. قالوا: يا روح الله وما أمّة أحمد؟ قال: حكماء علماء أبرار أتقياء؛ كأنّهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرّزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل، ويدخلهم الجنّة ب لا إله إلاّ الله.
وفي تسمية نبيّنا ﵇ أحمد قولان: أحدهما: أنّ الأنبياء كانوا حمّادين لله تعالى، ونبيّنا ﷺ أحمد؛ أي أكثر حمدا لله منهم، فيكون معنى أحمد المبالغة في الفاعل.
والثاني: الأنبياء كلهم محمودون، ونبيّنا ﵇ أكثر مناقبا للفضائل، فيكون معناه مبالغة من المفعول، يعني إنه يحمد بما فيه من الأخلاق والمحاسن أكثر مما يحمد غيره.
قال ﷺ : [إنّ لي أسماء: أنا أحمد؛ وأنا محمّد؛ وأنا الماحي الّذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الّذي يحشر النّاس على قدميّ، وأنا العاقب الّذي ليس بعدي نبيّ] (١).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ (٨)؛معناه: وأيّ ظلم من الكفرة ممن افترى على الله الكذب بأن جعل لله شريكا أو ولدا وهو يدعى إلى دين الإسلام، والله يرشده إلى دينه، ومن كان في سابق علمه أنه يموت على الكفر.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٩)؛أي هو الّذي أرسل محمّدا ﷺ بالقرآن والدّعاء إلى
стр. 2760
دين الحقّ ليظهره على جميع الأديان، وإن كره المشركون ذلك، فلا تقوم السّاعة حتى لا يبقى أهل دين إلاّ دخلوا في الإسلام وأدّوا الجزية إلى المسلمين.
وقوله تعالى قبل هذه الآية ﴿(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ)﴾ يريدون ليغلبوا دين الله مع ظهوره وقوّته بتكذيبهم بألسنتهم، كمن أراد إطفاء نور الشمس بأخفّ الأشياء وهو الريح التي يخرجها من فيه ﴿(وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ)﴾ أي هداه ومظهر دينه، وغالب أعدائه وناصر أوليائه على عدوهم من الكفار.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (١٠)؛أي هل أدلّكم على طاعة تخلّصكم من عذاب مؤلم. وإنما سمّيت الطاعة تجارة لأنه يربح عليها الجنة والثواب كما يربح على تجارة الدّنيا زيادة المال.
وقوله تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؛﴾ تفسير للتجارة المذكورة، وإنّما قدّم ذكر الإيمان في هذه الآية لأنه رأس الطاعات، وقوله تعالى: ﴿وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ؛﴾ أي وتجاهدون العدوّ في طاعة الله بنفقتكم وخروجكم من أنفسكم، وقد تكون الطاعات بالمال دون النفس بأن يجهّز غازيا بماله، وقد تكون بالنفس دون المال بأن يجاهد بنفسه بمال غيره.
قوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ؛﴾ أي التجارة التي دللتكم عليها خير من التجارة في الأموال، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١١)؛ثواب الله، لأن تلك التجارة تؤدّي الى ربح لا يزول ولا يبيد بخلاف التجارة في الأموال في أمور الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ إنما جزم (يغفر) على المعنى، تقديره: إن فعلتم ذلك يغفر لكم، وقال الزجّاج: (هو جواب تؤمنون وتجاهدون؛ لأنّ معناه الأمر، كأنّه قال: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا يغفر لكم) (١).
стр. 2761
قوله تعالى: ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً؛﴾ المساكن الطيّبة هي المنازل التي طيّبها الله بالمسك والرياحين، ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ؛﴾ أي في بساتين إقامة، يقال: عدن بالمكان إذا أقام به. وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٢)؛أي ذلك الذي ذكرت لكم هو التجارة العظيمة، والنعيم المقيم.
قوله تعالى: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها؛﴾ أي ذلكم خصلة أخرى في العاجلة تحبّونها مع ثواب الآخرة، وهي الغنيمة والفتح، ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ؛﴾ على أعدائكم، ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ؛﴾ أي عاجل يعني فتح مكّة، وقيل: فتح عامّة البلاد. وقوله تعالى:
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٣)؛أي بشّرهم بهاتين النّعمتين: نعمة العاجل ونعمة الآجل، ومعناه: بشّر المؤمنين يا محمّد بالنصر في الدّنيا والجنّة في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ؛﴾ أي كونوا أنصار دين الله على أعدائه بالسّيف ودوموا على ذلك، كما نصر الحواريّون عيسى ﵇.
وقرئ «(أنصار الله)» من غير تنوين. والأنصار: جمع ناصر، كصاحب وأصحاب، والحواريّون: خلصاء الأنبياء الذين نقّوا من كلّ عيب، ومنه الدّقيق الحواريّ وهو المنقّى.
وقوله تعالى: ﴿كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أي مع الله كما في قوله تعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ؛﴾ أي صدّقت جماعة منهم بعيسى، ﴿وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ؛﴾ وذلك أنه لمّا رفع عيسى ﵇ تفرّق قومه ثلاث فرق:
فرقة قالوا كان الله فارتفع، وفرقة قالوا كان ابن الله فرفعه الله، وفرقة قالوا:
كان عبد الله ورسوله فرفعه الله إليه وهم المؤمنون. فاتّبع كلّ فريق منهم طائفة من الناس، فاقتتلوا فظهر الفرقتان الكافرتان على المؤمنين حتى بعث محمّد ﷺ فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرة، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ﴾
стр. 2762
﴿فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ (١٤)؛أي غالبين، والمعنى: فاصبحت حجّة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمّد ﷺ أنّ عيسى عبد الله وكلمته وروحه والتأييد.
وعن الحسن قال: (سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن تفسير هذه الآية قوله تعالى ﴿(وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ)﴾،فقال أبو هريرة: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: [قصر من لؤلؤة في الجنّة، في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوت أحمر، في كلّ دار سبعون بيتا من زمرّد أخضر، في كلّ بيت سبعون سريرا وسبعون فراشا، على كلّ فراش امرأة من الحور العين، في كلّ بيت سبعون مائدة، على كلّ مائدة سبعون لونا من طعام، يعطي الله المؤمنين من القوّة ما يأتي على ذلك كلّه] (١).
آخر تفسير سورة (الصف) والحمد لله رب العالمين.
стр. 2763
سورة الجمعة
سورة الجمعة مدنيّة، وهي سبعمائة وعشرون حرفا، ومائة وثمانون كلمة، وإحدى عشر آية. قال ﷺ : [من قرأها كتب له عشر حسنات بعدد من ذهب إلى الجمعة، وبعدد من لم يذهب إليها من أمصار المسلمين] (١) وبالله التّوفيق.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ ظاهر المعنى، ﴿الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١)؛القدّوس: المستحقّ للتعظيم لتنزيه صفاته عن كلّ نقص، ويقال: معناه: كثير البركة.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ؛﴾ الأمّيّون هم العرب كلّهم، من كتب منهم ومن لم يكتب؛ لأنّهم لم يكونوا من أهل الكتاب. وأوّل ما ظهرت الكتابة في العرب ظهرت في أهل الطائف، تعلّموا من الحيرة، وتعلّم أهل الحيرة من أهل الأنبار.
وقوله تعالى ﴿(رَسُولاً مِنْهُمْ)﴾ يعني محمّدا ﷺ نسبه مثل نسبهم وجنسه مثل جنسهم، ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ؛﴾ يعني القرآن، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ؛﴾ أي يطهّرهم من الدّنس والكفر، فيجعلهم أزكياء بما يأمرهم به من التوحيد ويدعوهم إليه من طاعة، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ؛﴾ أي القرآن والعلم، ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢)؛أي وقد كانوا قبل مجيئه إليهم بالقرآن لفي ضلال مبين، يعبدون الأصنام ويستقسمون بالأزلام.
стр. 2764
قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣)؛ معناه: وبعثه في آخرين منهم يعني الأعاجم، والنبيّ ﷺ مبعوث إلى كلّ من شاهده من العرب والعجم وإلى كلّ من يأتي منهم بعد ذلك.
وقوله تعالى (منهم) لأنّهم إذا أسلموا صاروا منهم، والمسلمون كلّهم يد واحدة وأمّة واحدة وإن اختلف أجناسهم. وقوله تعالى ﴿(لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ)﴾ في الفضل والسّابقة؛ لأن التّابعين لا يدركون شأن الصحابة.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ؛﴾ يعني الإسلام والهداية إلى دينه، وقيل: النبوّة والكتاب والإسلام يعطيه الله قريشا ممن يراه أهلا له به، ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٤)؛على من اختصّه بالنبوّة والإسلام، وقيل: ذو المنّ العظيم على خلقه ببعث محمّد ﷺ .
قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها؛﴾ معناه: مثل اليهود الذين أمروا بما في التّوراة، ويظهروا صفة محمّد ونعته فيها، ثم لم يفعلوا ما أمروا به ولم يؤمنوا بالنبيّ ﷺ ، ﴿كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً؛﴾ أي يحمل كتبا من العلم عظاما لا يدري ما عليه وما حمل.
والأسفار: جمع سفر، وهو الكتاب الكبير، شبّه اليهود إذ لم ينتفعوا بما في التّوراة وهي دالّة على الإيمان بالحمار يحمل كتب العلم، ولا يدري ما فيه، وليس حمل التوراة من الحمل على الظّهر، وإنما هو من الحمالة وهو الضّمان والكفالة والقبول كما في قوله تعالى ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها﴾ (١) أي يقبلنها. فاليهود ضمنوا العمل بها ثم لم يفعلوا بما ضمنوا وجحدوا بعض ما حملوا، فلذلك قيل: ﴿(ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها)﴾.
قوله تعالى: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ؛﴾ يعني اليهود كذبوا بالقرآن وبالتّوراة حين لم يؤمنوا بمحمّد ﷺ ، ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٥)؛الذين ظلموا أنفسهم بتكذيبهم الأنبياء.
стр. 2765
قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٦)؛هذا جواب لليهود في قولهم ﴿(نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ)﴾ وقال الله تعالى لنبيّه: قل لهم: إن ادّعيتم أنّكم أحبّاء الله وأهل ولايته وأنّ الجنة في الآخرة لكم من دون الناس، فاسألوا الله الموت إن كنتم صادقين في مقالتكم، قولوا: اللهمّ أمتنا كي تصلوا إلى نعيم الآخرة وتستريحوا من تعب الدّنيا، وسيميتكم الله إن قلتم ذلك.
كما روي في الحديث: أنّه لمّا نزلت هذه الآية قال لهم النّبيّ ﷺ :
[قولوا: اللهمّ أمتنا، فو الّذي نفسي بيده، ليس أحد منكم يقول ذلك إلاّ غصّ بريقه فمات مكانه] فكرهوا ذلك وأبوا أن يقولوا (١)،وعرفوا أنّه سيكون ذلك إن قالوا.
فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ؛﴾ أي لا يتمنّون ذلك بما قدّموا من التكذيب بمحمّد ﷺ ، والتحريف لصفته في التّوراة.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ (٧)؛إخبار عن معلوم الله فيهم،
حذرهم الله بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ؛﴾ أي قل يا محمّد لليهود: إنّ الموت الذي تفرّون منه لأن تلقوه فإنه نازل بكم لا محالة عند انقضاء آجالكم، ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨)؛من خير أو شرّ.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ؛﴾ يعني النداء إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة؛ لأنه لم يكن على عهد رسول الله ﷺ نداء سواه، كان إذا جلس على المنبر أذن بلال على باب المسجد، وكذا كان على عهد أبي بكر وعمر.
стр. 2766
والنداء المشروع لهذه الصّلاة الأذان الثاني الذي يقوله المؤذّن عند صعود الإمام المنبر، كما روي عن السّائب بن يزيد أنه قال (ما كان لرسول الله ﷺ إلاّ مؤذّن واحد يؤذّن إذا قعد على المنبر، ثمّ يقيم إذا نزل، ثمّ أبو بكر كذلك، ثمّ عمر كذلك، فلمّا كان في أيّام عثمان ﵁ وكثر النّاس زاد نداء غيره) (١).
قوله تعالى: ﴿(فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ)﴾ يعني الذهاب والمشي إلى الصّلاة، والسّعي:
هو إجابة النّداء في هذه الآية، والمبادرة إلى الجمعة، وفي قراءة ابن مسعود ﵁ «(فامضوا إلى ذكر الله)» وكان يقول: (لو أمرت بالسّعي لسعيت حتّى سقط ردائي) (٢).وقيل:
السّعي هنا هو العمل إذا نودي للصّلاة فاعملوا على المعنى إلى ذكر الله من التفرّغ له والاشتغال بالطّهارة والغسل والتوجّه إليه بالقصد والنيّة.
واختلف مشائخنا: هل يجب على الإنسان الإسراع والعدو إذا خاف فوت الجمعة أم لا؟ قال بعضهم: يلزمه ذلك بظاهر النصّ، بخلاف السّعي إلى سائر الجماعات لا يؤمر به وإن خاف الفوت. وقال بعضهم: لا يلزمه ذلك، وليس السّعي إلاّ العمل كما قال تعالى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ (٣).وقال ﷺ : [إذا أتيتم الصّلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السّكينة والوقار، فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فاقضوا] (٤)،وهذا عامّ في جميع الصّلوات.
قال بعضهم: فاسعوا إلى ذكر الله، يعني الصّلاة مع الإمام، وذلك هو المراد بذكر الله. وقال بعضهم: هي الخطبة لأنّها تلي النداء، عن أبي بكر ﵁ قال: قال
стр. 2767
رسول الله ﷺ : [من اغتسل يوم الجمعة خرجت ذنوبه وخطاياه، فإذا راح كتب الله له بكلّ قدم عمل عشرين سنة، فإذا قضيت الصّلاة أجيز بعمل مائتي سنة] (١).
وعن أبي ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ : [من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله، ولبس من صالح ثيابه، ومسّ من طيب بيته أو دهنه، ثمّ لم يفرّق ما بين اثنين، غفر الله له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيّام بعدها] (٢).
وعن أنس ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال في جمعة من الجمع: [يا معشر المسلمين، إنّ هذا يوما جعله الله عيدا للمسلمين فاغتسلوا فيه، ومن كان عنده طيب فلا يضرّه أن يمسّ منه، وعليكم بالسّواك] (٣).
وعن رسول الله ﷺ قال: [ليلة أسري بي رأيت تحت العرش سبعين مدينة، كلّ مدينة مثل دنياكم هذه سبعين مرّة مملوءة من الملائكة، يسبحون الله ويقدّسونه، ويقولون في تسبيحهم: اللهمّ اغفر لمن شهد الجمعة، اللهمّ اغفر لمن اغتسل يوم الجمعة] (٤).
وقال ﷺ : [إنّ يوم الجمعة وليلتها أربع وعشرون ساعة، لله تعالى في كلّ ساعة ستّمائة ألف عتيق من النّار] (٥).
стр. 2768
وقال ﷺ : [لعلّ أحدكم يتّخذ الضّيعة على رأس ميل أو ميلين وثلاثة، تأتي عليه الجمعة فلا يشهدها، ثمّ تأتي الجمعة فلا يشهدها، ثمّ تأتي عليه الجمعة فلا يشهدها، فيطبع على قلبه] (١).
وقال ﷺ في الجمعة: [من تركها استخفافا بها أو جحودا لها، فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره، ألا فلا صلاة له، ألا فلا زكاة له، ألا فلا صيام له، ألا فلا حجّ له، إلاّ أن يتوب عليه، فإن تاب، تاب الله عليه] (٢).
قوله تعالى: ﴿(وَذَرُوا الْبَيْعَ)﴾ قال الحسن: (إذا أذن المؤذّن يوم الجمعة لم يحلّ الشّراء ولا البيع، فمن باع تلك السّاعة فقد خالف الأمر، وبيعه منعقد) لأنه نهي تنزيه لقوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ؛﴾ وهذا على الترغيب في ترك البيع، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٩)؛ما هو خير لكم وأصلح.
قرأ العامّة «(من يوم الجمعة)» بضمّتين، وقرأ الأعمش بجزم الميم وهما لغتان، قال الفرّاء: (وفيها لغة ثالثة: جمعة بفتح الميم كما يقال: رجل ضحكة وهمزة ولمزة، وهي لغة بني عقيل) (٣).
وإنّما سمّي هذا اليوم جمعة لما روي عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ :
[سمّيت الجمعة جمعة لأنّ آدم جمع فيها خلقه] (٤).وقيل: إنّ الله تعالى فرغ فيه من خلق المخلوقات. وقيل: تجتمع الجماعات فيها. وقيل: لاجتماع الناس فيها للصّلاة.
وقيل: أوّل من سمّاها جمعة كعب بن لؤيّ، وكان يقال ليوم الجمعة: العروبة. وقيل:
أوّل من سمّاها جمعة الأنصار.
قوله تعالى: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي إذا فرغتم من الصّلاة فانتشروا في الأرض، هذا أمر إباحة، قال ابن عبّاس: (إن شئت فاخرج،
стр. 2769
وإن شئت فصلّ إلى العصر، وإن شئت فاقعد).وكذلك
قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٠)؛إباحة لطلب الرّزق والتجارة والبيع بعد المنع.
وعن ابن عبّاس قال: (لم تؤمروا في هذه الآية بطلب شيء من الدّنيا، ولكن عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله تعالى) (١).وقال الحسن: «وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ)﴾ يعني طلب العلم) (٢).والقول الأوّل أظهر.
واختلف العلماء في موضع وجوب الجمعة، وعلى من تجب، وكم يشترط له الجماعة؟ فقال أبو حنيفة: (لا تجب الجمعة إلاّ في مصر جامع لقوله ﵇: [لا جمعة ولا تشريق إلاّ في مصر جامع] (٣) ولا تصحّ في القرى، ولا تجب على السّواد ولو قربت من المصر، إلاّ إذا كانت متّصلة به) (٤).
وقال الشافعيّ: (تجب الجمعة على أهل السّواد إذا سمعوا النّداء من المصر، ووقت اعتبار سماع الأذان أن يكون المؤذّن صيّتا، والأصوات هادئة والرّيح ساكنة).
وقال ابن عمرو وأبو هريرة وأنس: (تجب على كلّ من كان على عشرة أميال من المصر) (٥).وقال سعيد بن المسيّب: (تجب على من كان دون المبيت).وقال الزهريّ: (على ستّة أميال)،وقال ربيعة: (أربعة أميال)،وقال مالك: (ثلاثة أميال).
وعند الشافعيّ: (تجب الجمعة في كلّ قرية اجتمع فيها أربعون رجلا أحرارا بالغين، لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفا إلاّ ظعن حاجة، فإذا كان كذلك وجب عليهم
стр. 2770
إقامة الجمعة. وإن كان أقلّ من ذلك، وكان بقربها موضع تقام فيه الجمعة، فعليهم الحضور فيه للجمعة إذا كانوا بحيث يسمعون النّداء).وقال مالك: (إذا كانت القرية فيها سوق ومسجد وجب عليهم إقامة الجمعة).
وأما أهل الوجوب، فتجب الجمعة على كلّ مسلم إلاّ على أربعة: عبد؛ أو مريض؛ أو مسافر؛ أو امرأة، فمن استغنى عنها بلهو أو تجارة استغنى الله عنه، والله غنيّ حميد.
وأما العدد الذين تنعقد بهم الجمعة، فقال الحسن: (تنعقد باثنين)،وقال أبو يوسف والليث بن سعد: (بثلاثة)،وقال أبو حنيفة ومحمّد وسفيان: (بأربعة)،وقال ربيعة: (باثني عشر)،وقال الشافعيّ: (لا تنعقد إلاّ بأربعين).
قوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً؛﴾ قال الحسن: (أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر، فقدم دحيّة بن خليفة الكلبيّ من الشّام بتجارة، وكان يقدم المدينة بكلّ ما يحتاج إليه من دقيق وبرّ وغيره، فينزل في سوق المدينة ويضرب الطّبل ليعلم النّاس بقدومه، فيخرجون إليه ليبتاعوا منه.
فقدم ذات يوم جمعة-وكان قبل إسلامه-ورسول الله ﷺ قائم يخطب على المنبر، فضرب الطّبل فخرج النّاس من المسجد، ولم يبق إلاّ ثمانية رهط ثبتوا مع النّبيّ ﷺ -وقيل: بقي اثنى عشر رجلا وامرأة-فقال ﷺ : [لو لحق آخرهم أوّلهم لالتهب الوادي عليهم نارا] فأنزل الله هذه الآية) (١).
وقوله تعالى ﴿(انْفَضُّوا إِلَيْها)﴾ أي تفرّقوا بالخروج إليها ﴿(وَتَرَكُوكَ قائِماً)﴾ على المنبر تخطب. وفي هذا دليل على وجوب استماع الخطبة؛ لأنّ الله تعالى عاتبهم على ترك الاستماع، ولو لم يكن فرضا لم يعاتبوا على ذلك.