← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

والنداء المشروع لهذه الصّلاة الأذان الثاني الذي يقوله المؤذّن عند صعود الإمام المنبر، كما روي عن السّائب بن يزيد أنه قال (ما كان لرسول الله ﷺ إلاّ مؤذّن واحد يؤذّن إذا قعد على المنبر، ثمّ يقيم إذا نزل، ثمّ أبو بكر كذلك، ثمّ عمر كذلك، فلمّا كان في أيّام عثمان ﵁ وكثر النّاس زاد نداء غيره) (١). قوله تعالى: ﴿(فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ)﴾ يعني الذهاب والمشي إلى الصّلاة، والسّعي: هو إجابة النّداء في هذه الآية، والمبادرة إلى الجمعة، وفي قراءة ابن مسعود ﵁ «(فامضوا إلى ذكر الله)» وكان يقول: (لو أمرت بالسّعي لسعيت حتّى سقط ردائي) (٢).وقيل: السّعي هنا هو العمل إذا نودي للصّلاة فاعملوا على المعنى إلى ذكر الله من التفرّغ له والاشتغال بالطّهارة والغسل والتوجّه إليه بالقصد والنيّة. واختلف مشائخنا: هل يجب على الإنسان الإسراع والعدو إذا خاف فوت الجمعة أم لا؟ قال بعضهم: يلزمه ذلك بظاهر النصّ، بخلاف السّعي إلى سائر الجماعات لا يؤمر به وإن خاف الفوت. وقال بعضهم: لا يلزمه ذلك، وليس السّعي إلاّ العمل كما قال تعالى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ (٣).وقال ﷺ : [إذا أتيتم الصّلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السّكينة والوقار، فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فاقضوا] (٤)،وهذا عامّ في جميع الصّلوات. قال بعضهم: فاسعوا إلى ذكر الله، يعني الصّلاة مع الإمام، وذلك هو المراد بذكر الله. وقال بعضهم: هي الخطبة لأنّها تلي النداء، عن أبي بكر ﵁ قال: قال

стр. 2767

رسول الله ﷺ : [من اغتسل يوم الجمعة خرجت ذنوبه وخطاياه، فإذا راح كتب الله له بكلّ قدم عمل عشرين سنة، فإذا قضيت الصّلاة أجيز بعمل مائتي سنة] (١). وعن أبي ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ : [من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله، ولبس من صالح ثيابه، ومسّ من طيب بيته أو دهنه، ثمّ لم يفرّق ما بين اثنين، غفر الله له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيّام بعدها] (٢). وعن أنس ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال في جمعة من الجمع: [يا معشر المسلمين، إنّ هذا يوما جعله الله عيدا للمسلمين فاغتسلوا فيه، ومن كان عنده طيب فلا يضرّه أن يمسّ منه، وعليكم بالسّواك] (٣). وعن رسول الله ﷺ قال: [ليلة أسري بي رأيت تحت العرش سبعين مدينة، كلّ مدينة مثل دنياكم هذه سبعين مرّة مملوءة من الملائكة، يسبحون الله ويقدّسونه، ويقولون في تسبيحهم: اللهمّ اغفر لمن شهد الجمعة، اللهمّ اغفر لمن اغتسل يوم الجمعة] (٤). وقال ﷺ : [إنّ يوم الجمعة وليلتها أربع وعشرون ساعة، لله تعالى في كلّ ساعة ستّمائة ألف عتيق من النّار] (٥).

стр. 2768

وقال ﷺ : [لعلّ أحدكم يتّخذ الضّيعة على رأس ميل أو ميلين وثلاثة، تأتي عليه الجمعة فلا يشهدها، ثمّ تأتي الجمعة فلا يشهدها، ثمّ تأتي عليه الجمعة فلا يشهدها، فيطبع على قلبه] (١). وقال ﷺ في الجمعة: [من تركها استخفافا بها أو جحودا لها، فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره، ألا فلا صلاة له، ألا فلا زكاة له، ألا فلا صيام له، ألا فلا حجّ له، إلاّ أن يتوب عليه، فإن تاب، تاب الله عليه] (٢). قوله تعالى: ﴿(وَذَرُوا الْبَيْعَ)﴾ قال الحسن: (إذا أذن المؤذّن يوم الجمعة لم يحلّ الشّراء ولا البيع، فمن باع تلك السّاعة فقد خالف الأمر، وبيعه منعقد) لأنه نهي تنزيه لقوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ؛﴾ وهذا على الترغيب في ترك البيع، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٩)؛ما هو خير لكم وأصلح. قرأ العامّة «(من يوم الجمعة)» بضمّتين، وقرأ الأعمش بجزم الميم وهما لغتان، قال الفرّاء: (وفيها لغة ثالثة: جمعة بفتح الميم كما يقال: رجل ضحكة وهمزة ولمزة، وهي لغة بني عقيل) (٣). وإنّما سمّي هذا اليوم جمعة لما روي عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : [سمّيت الجمعة جمعة لأنّ آدم جمع فيها خلقه] (٤).وقيل: إنّ الله تعالى فرغ فيه من خلق المخلوقات. وقيل: تجتمع الجماعات فيها. وقيل: لاجتماع الناس فيها للصّلاة. وقيل: أوّل من سمّاها جمعة كعب بن لؤيّ، وكان يقال ليوم الجمعة: العروبة. وقيل: أوّل من سمّاها جمعة الأنصار. قوله تعالى: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي إذا فرغتم من الصّلاة فانتشروا في الأرض، هذا أمر إباحة، قال ابن عبّاس: (إن شئت فاخرج،

стр. 2769

وإن شئت فصلّ إلى العصر، وإن شئت فاقعد).وكذلك قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٠)؛إباحة لطلب الرّزق والتجارة والبيع بعد المنع. وعن ابن عبّاس قال: (لم تؤمروا في هذه الآية بطلب شيء من الدّنيا، ولكن عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله تعالى) (١).وقال الحسن: «وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ)﴾ يعني طلب العلم) (٢).والقول الأوّل أظهر. واختلف العلماء في موضع وجوب الجمعة، وعلى من تجب، وكم يشترط له الجماعة؟ فقال أبو حنيفة: (لا تجب الجمعة إلاّ في مصر جامع لقوله ﵇: [لا جمعة ولا تشريق إلاّ في مصر جامع] (٣) ولا تصحّ في القرى، ولا تجب على السّواد ولو قربت من المصر، إلاّ إذا كانت متّصلة به) (٤). وقال الشافعيّ: (تجب الجمعة على أهل السّواد إذا سمعوا النّداء من المصر، ووقت اعتبار سماع الأذان أن يكون المؤذّن صيّتا، والأصوات هادئة والرّيح ساكنة). وقال ابن عمرو وأبو هريرة وأنس: (تجب على كلّ من كان على عشرة أميال من المصر) (٥).وقال سعيد بن المسيّب: (تجب على من كان دون المبيت).وقال الزهريّ: (على ستّة أميال)،وقال ربيعة: (أربعة أميال)،وقال مالك: (ثلاثة أميال). وعند الشافعيّ: (تجب الجمعة في كلّ قرية اجتمع فيها أربعون رجلا أحرارا بالغين، لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفا إلاّ ظعن حاجة، فإذا كان كذلك وجب عليهم

стр. 2770

إقامة الجمعة. وإن كان أقلّ من ذلك، وكان بقربها موضع تقام فيه الجمعة، فعليهم الحضور فيه للجمعة إذا كانوا بحيث يسمعون النّداء).وقال مالك: (إذا كانت القرية فيها سوق ومسجد وجب عليهم إقامة الجمعة). وأما أهل الوجوب، فتجب الجمعة على كلّ مسلم إلاّ على أربعة: عبد؛ أو مريض؛ أو مسافر؛ أو امرأة، فمن استغنى عنها بلهو أو تجارة استغنى الله عنه، والله غنيّ حميد. وأما العدد الذين تنعقد بهم الجمعة، فقال الحسن: (تنعقد باثنين)،وقال أبو يوسف والليث بن سعد: (بثلاثة)،وقال أبو حنيفة ومحمّد وسفيان: (بأربعة)،وقال ربيعة: (باثني عشر)،وقال الشافعيّ: (لا تنعقد إلاّ بأربعين). قوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً؛﴾ قال الحسن: (أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر، فقدم دحيّة بن خليفة الكلبيّ من الشّام بتجارة، وكان يقدم المدينة بكلّ ما يحتاج إليه من دقيق وبرّ وغيره، فينزل في سوق المدينة ويضرب الطّبل ليعلم النّاس بقدومه، فيخرجون إليه ليبتاعوا منه. فقدم ذات يوم جمعة-وكان قبل إسلامه-ورسول الله ﷺ قائم يخطب على المنبر، فضرب الطّبل فخرج النّاس من المسجد، ولم يبق إلاّ ثمانية رهط ثبتوا مع النّبيّ ﷺ -وقيل: بقي اثنى عشر رجلا وامرأة-فقال ﷺ : [لو لحق آخرهم أوّلهم لالتهب الوادي عليهم نارا] فأنزل الله هذه الآية) (١). وقوله تعالى ﴿(انْفَضُّوا إِلَيْها)﴾ أي تفرّقوا بالخروج إليها ﴿(وَتَرَكُوكَ قائِماً)﴾ على المنبر تخطب. وفي هذا دليل على وجوب استماع الخطبة؛ لأنّ الله تعالى عاتبهم على ترك الاستماع، ولو لم يكن فرضا لم يعاتبوا على ذلك.

стр. 2771

ويستدلّ من هذه الآية على أنّ من السّنة أن يخطب الإمام قائما. والكناية في قوله تعالى (إليها) راجعة إلى التّجارة دون اللهو، وإنما خصّت التجارة بردّ الضمير إليها؛ لأنّها كانت أهمّ إليهم لأنّ السّنة كانت سنة مجاعة وغلاء سعر. قوله تعالى: ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ؛﴾ معناه: ما عند الله من ثواب الصّلاة والثبات مع النبيّ ﷺ خير من اللهو ومن التجارة، ﴿وَاللهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ (١١)؛أي ليس يفوتهم من أرزاقهم لتخلّفهم عن الميرة شيء، ولا بتركهم البيع في وقت الصّلاة. آخر تفسير سورة (الجمعة) والحمد لله رب العالمين.

стр. 2772

سورة المنافقون سورة (المنافقون) مدنيّة، وهي سبعمائة وستّة وأربعون حرفا، ومائة وثمانون كلمة، وإحدى عشرة آية. قال ﷺ : [من قرأ سورة المنافقين برئ من النّفاق] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ؛﴾ معناه: إذا جاءك يا محمّد منافقوا أهل المدينة عبد الله بن أبي وأصحابه، ﴿قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ،﴾ قالوا: نقسم إنّك لرسول الله، وعلى ذلك ضميرنا واعتقادنا، ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ،﴾ من غير شهادة المنافقين وحلفهم، ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ (١)؛أي والله يخبر أنّ المنافقين لكاذبون فيما يعتقدونه بقلوبهم وما يقولون بألسنتهم، فهم كاذبون في إخبارهم عمّا في ضمائرهم، فأمّا شهادتهم بألسنتهم أنه رسول الله فقد كانت صدقا. قوله تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً؛﴾ أي سترة يدفعون بها عن أنفسهم السّبي والقتل والجزية كمن أعدّ على نفسه جنّة لدفع الجراح. قوله تعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ؛﴾ أي منعوا الناس عن طاعة الله وامتنعوا عنها، ﴿إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)؛في نفاقهم من الكذب والخيانة. وفي هذه الآية دليل أنّ قول الرجل: أشهد، يمين؛ لأنّ القوم قالوا (نشهد) فجعله الله يمينا في هذه الآية، وعلى هذا أقسم وأعزم وأحلف، كلّها أيمان عند أبي حنيفة وصاحبيه، والثوريّ والأوزاعي.

стр. 2773

وقال مالك: (إن أراد به اليمين فهو يمين)،وقال الشافعيّ: (أقسم ليس بيمين، وأقسم بالله يمين).وفي قراءة الحسن «(اتّخذوا إيمانهم)» بكسر الألف، أي إنّا مؤمنون، اتّخذوه تقية عن القتل. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٣)؛أي ذلك الحكم بنفاقهم، ويقال: ذلك الصدّ بأنّهم كانوا مؤمنين في العلانية بحضرة النبيّ ﷺ ، فإذا عادوا إلى قومهم ثبتوا على الكفر في السرّ، فأورث ذلك طبعا على قلوبهم فهم لا يفقهون الإيمان والقرآن، ولا يعون ما يوعظون به. قوله تعالى: ﴿*وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ؛﴾ أي في صحّة أجسامهم وحسن منظرهم؛ لأنّهم يكونون على صورة حسنة، وكان عبد الله بن أبي رجلا فصيحا لسنا، وكانوا إذا قالوا شيئا أصغى النبيّ ﷺ لحسن كلامهم، ولهذا أدخلت اللام في ﴿(تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ)﴾،ويجوز أن يكون معناه: إلى قولهم. قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ؛﴾ فيه بيان في ترك التفهّم والاستبصار بمنزلة الخشب المسنّدة إلى الجدار، لا ينتفع إلاّ بالنظر إليها، والخشب لا أرواح فيها ولا تعقل ولا تفهم، وكذلك المنافقون لا يسمعون الإيمان ولا يعقلونه. و (المسنّدة) الممالة إلى الجدار، ويقرأ «(خشب، وخشب)» بجزم الشّين، ومنها. قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ؛﴾ أي يظنّون من الجبن والخوف أنّ كلّ من خاطب النبيّ ﷺ فإنما يخاطبه في أمرهم وكشف نفاقهم. ويقال: لا يسمعون صوتا إلاّ ظنّوا أن قد أتوا (فإذا نادى مناد في العسكر، وانفلتت دابّة، أو أنشدت ضالّة، ظنّوا أنّهم يرادون مما في قلوبهم من الرّعب) (١) أن يكشف الله أسرارهم. قوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ؛﴾ ابتداء كلام، والمعنى: هم على الحقيقة العدوّ الأدنى إليك، ﴿فَاحْذَرْهُمْ؛﴾ يا محمّد ولا تأمنهم وإن أظهروا أنّهم معك، ولا تطلعهم على سرّك كأنّهم عيون لأعدائك من الكفّار.

стр. 2774

قوله تعالى: ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٤)؛أي لعنهم الله وأخزاهم وأحلّهم محلّ من يقاتله عدوّا قاهرا له، ﴿(أَنّى يُؤْفَكُونَ)﴾ أي يصرفون من الحقّ إلى الباطل. قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (٥)؛أي إذا قيل لهؤلاء المنافقين بعد ما افتضحوا: هلمّوا إلى رسول الله يستغفر لكم ذنوبكم، عطفوا رءوسهم استهزاء به ورغبة عن الاستغفار، ورأيتهم يصدّون عن الاستغفار وعن طلب المغفرة. ومعنى (يصدّون) أي يمتنعون، ويمنعون غيرهم عن طلب المغفرة، وهم مستكبرون عن استغفار رسول الله لهم وعن قبول الحقّ. وذلك: أنّ عبد الله بن أبيّ لمّا رجع من أحد بكثير من النّاس مقته المسلمون وعنّفوه، فقال له بنوا أبيه: ائت رسول الله ﷺ حتّى يستغفر لك، قال: لا أذهب إليه ولا أريد أن يستغفر لي. ومن قرأ «(لووا)» بالتخفيف فهو من لوى يلوي إذا صرف الشيء وقلبه. وقوله تعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ؛﴾ أي سواء عليهم الاستغفار وتركه، ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ (٦)؛لإبطانهم الكفر. وهذا في قوم مخصوصين علم الله أنّهم لا يؤمنون فلم يستغفر لهم النبيّ ﷺ ، ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾. وذلك: أنّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا نزولا على الماء في غزوة بني المصطلق، إذ وقع بين غلام لعمر ﵁ من بني غفار يقال له: جهجاه بن سعيد يقود لعمر فرسه وبين غلام لعبد الله بن أبي سلول يقال له: سنان الجهنيّ، فأقبل جهجاه يقود فرس عمر فازدحم هو وسنان على الماء فاقتتلا، فصرخ سنان: يا معشر الأنصار، وصرخ الغفاريّ: يا معشر المهاجرين. فاشتبك النّاس وعلت الأصوات. فقال عبد الله بن أبيّ: ما أدخلنا هؤلاء القوم في ديارنا إلاّ ليركبوا أعناقنا، والله ما مثلنا ومثلهم إلاّ كما يقول القائل: سمّن كلبك يأكلك! أما والله لئن رجعنا إلى

стр. 2775

المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، يعني الأعزّ نفسه والأذلّ رسول الله ﷺ ! ثمّ أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتموه لنفسكم أحللتموهم بلادكم، قاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم طعامكم ومنعتم أصحاب هذا الرّجل الطّعام لتفرّقوا عنه ورجعوا إلى عشائرهم، وتحوّلوا عن بلادهم، فلا تنفقوا عليهم حتّى ينفضّوا؛ أي يتفرّقوا من حول محمّد. فسمع زيد بن أرقم كلامه، فقال: والله أنت الذليل البغيض، القليل المبغوض في قومك، ومحمّد ﷺ في عزّ الرّحمن (١) وعزّة من المسلمين. ثمّ ذهب زيد إلى رسول الله ﷺ وأخبره بذلك وعنده عمر بن الخطّاب ﵁ فقال: دعني أضرب عنقه يا رسول الله ﷺ إذ ترعد له أنف كثير بيثرب. فقال عمر: فإن كرهت يا رسول الله أن يقتله رجل من المهاجرين، فمر سعد بن معاذ أو محمّد بن مسلمة أو عبّاد بن بشر فليقتلوه. فقال ﷺ : [فكيف يا عمر إذا تحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه؟ لا ولكن أذّن بالرّحيل] وذلك في ساعة لم يكن يرتحل فيها، فارتحل النّاس، فأرسل النّبيّ ﷺ إلى عبد الله بن أبيّ فأتاه، فقال له: [أنت صاحب هذا الكلام الّذي بلغني؟] فقال: والّذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك، وإنّ زيدا لكاذب. وكان عبد الله بن أبيّ في قومه شريفا عظيما، فقال من حضر من الأنصار: يا رسول الله شيخنا وكبيرنا عبد الله بن أبيّ، لا تصدّق عليه كلام صبيّ من غلمان الأنصار، عسى أن يكون هذا الصّبيّ وهم في حديثه ولم يحفظ ما قال، فعذره النّبيّ ﷺ . وفشت الملامة من الأنصار لزيد وكذبوه، فقال له عمّه: ما أردت يا ولد إلاّ أن كذبك رسول الله والنّاس ومقتوك. وكان زيد يساير النّبيّ ﷺ فاستحى بعد ذلك أن يدنو من رسول الله ﷺ . وبلغ ولد عبد الله بن أبيّ ما كان من أمر أبيه، فأتى إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله بلغني أنّك تريد قتل عبد الله بن أبيّ لما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني

стр. 2776

فأنا أحمل إليك دأبته، وإنّي أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتله يمشي بين النّاس، فأخاف أن أقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النّار، فقال ﷺ : [بل ترفق به وتحسن صحبته ما بقي معنا] (١). وكذلك جاء أسيد بن حضير إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله لقد كنت في ساعة لم يكن يمشى فيها (٢)،فقال له: [أوما بلغك ما قال صاحبك؟ زعم أنّه إن رجع إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ] فقال أسيد: بل أنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، فو الله يا رسول الله لقد جاء الله بك، وإنّ قومه لينظمون له الخرز ليتوّجوه، فهو يرى أنّك سلبته ملكه (٣). ثم سار رسول الله ﷺ حتى وافى المدينة، فأنزل الله هذه الآية ﴿(هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا)﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَلِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ؛﴾ فأخذ رسول الله ﷺ بأذن زيد فقال: [يا زيد إنّ الله صدّقك]. وكان عبد الله بن أبيّ بقرب المدينة، فلمّا أراد أن يدخلها جاء ابنه عبد الله حتّى أناخ على مجامع طرق المدينة ومنع أباه أن يدخلها، فقال له: ما لك؟ قال: ويلك! والله لا تدخلها أبدا إلاّ أن يأذن رسول الله ﷺ ، ولتعلمنّ اليوم من الأعزّ ومن الأذلّ. فشكا عبد الله إلى رسول الله ﷺ ما منع ابنه، فأرسل إليه النّبيّ ﷺ : [أن دعه يدخل] فقال: أمّا إذا جاء أمر رسول الله ﷺ فنعم. فلبث بعد أن دخل أيّاما قلائل ثمّ مرض ومات.

стр. 2777

قوله تعالى: ﴿(وَلِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾ أي هو الرزّاق لهؤلاء المهاجرين لا هو؛ لأنّ خزائن السّماوات والأرض المطر والنبات، وهما لله فلا يقدر أحد أن يعطي شيئا إلاّ بإذنه ولا يمنعه شيئا وبمشيئته ﴿(وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ)﴾ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. وقال الجنيد: (خزائن السّماوات الغيب، وخزائن الأرض القلوب، وهو علاّم الغيوب مقلّب القلوب).وقال رجل لحاتم الأصم: (من أين تأكل؟ فقال: ﴿وَلِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾) (١). قوله تعالى: ﴿(يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ)﴾ يعني من هذه الغزوة وهي غزوة بني المصطلق حيّ من هذيل، ﴿(لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)﴾ قد ذكرنا قائل هذه المقالة وهو عبد الله بن أبي. قيل: إنّ ابنه عبد الله قال له: أنت والله الأذلّ ورسول الله ﷺ الأعزّ (٢).وكان عبد الله بن أبي يعني بالأعزّ نفسه، فردّ الله عليه فقال: ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ؛﴾ فعزّة الله تعالى بقهره لخلقه، ولرسوله بإظهار دينه على الأديان كلّها، وعزّة المؤمنين نصره إيّاهم على أعدائهم فهم ظاهرون. وقوله تعالى: ﴿وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٨)؛ولو علموا ما قالوا هذه المقالة. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ؛﴾ أي لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم ذكر عن الله، يعني الصّلاة المفروضة، والمعنى: لا تشغلكم كثرة أموالكم وحفظها وتنميتها، ولا تربية الأولاد وإصلاح حالهم عن طاعة الله وعن الصّلاة. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٩)؛أي ومن ينشغل بالمال والأولاد عن طاعة الله فأولئك هم المغبونون لذهاب الدّنيا والآخرة عنهم، وهلاك أنفسهم التي هي رأس مالهم.

стр. 2778

قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ؛﴾ معناه: وأنفقوا الأموال في الزّكاة والجهاد وغيرهما من الحقوق الواجبة من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيعلم أنه ميّت، ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ،﴾ في الدّنيا؛ أي يتمنّى القليل من التأخير ليتصدّق به ويكون من الصّالحين بالتلافي والتوبة واستئناف العمل الصالح، ولا ينفعه تمنّيه عند ذلك، والمعنى: إنه يستزيد في أجله حتى يتصدّق ويزكّي. قوله تعالى: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١٠)؛قيل: إنّ معناه وأحجّ، عن ابن عبّاس. وقوله: ﴿(وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ)﴾ على قراءة من جزم عطفه على موضع (فأصّدّق) لأنه على معنى إن أخرجتني أصّدّق وأكن، ولولا الفاء لكان فأصّدّق مجزوم، ومن قرأ «(وأكون)» فهو عطف على لفظ (فأصّدّق).وانتصب قوله تعالى (فأصّدّق) لأنه جواب التّمنّي، فالفاء وأصله: فأتصدّق. قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها؛﴾ أي لا يؤخّرها عن الموت إذا جاء وقت إهلاكها، ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (١١)؛من الخير والشرّ، وبمن أخّر في أجله أنه يتوب أو لا يتوب. آخر تفسير سورة (المنافقون) والحمد لله رب العالمين.

стр. 2779

سورة التّغابن سورة التّغابن مدنيّة، وهي ألف وسبعون حرفا، ومائتان وواحد وأربعون كلمة، وثماني عشرة آية. قال رسول الله ﷺ : [من قرأ سورة التّغابن رفع الله عنه موت الفجاءة] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ قد تقدّم تفسيره. وقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ؛﴾ أي له الملك الدائم الذي لا يزول، وله الحمد في السّماوات والأرض، ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؛﴾ من أمور الدّنيا والآخرة، ﴿قَدِيرٌ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢)؛ظاهر المعنى. وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ؛﴾ أي صوّركم في أرحام الأمّهات، فجعل صوركم أحسن من صور سائر الحيوانات، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٣)؛في الآخرة، وباقي الآيتين، ﴿يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٤)،ظاهر المعنى. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥)؛أي ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم من الأمم الخالية كيف أذاقهم الله عقوبة تكذيبهم في الدّنيا ولهم في الآخرة عذاب. جميع، ﴿ذلِكَ؛﴾ العذاب، ﴿بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ؛﴾ أي بالمعجزات، ﴿فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا،﴾ فقالوا آدميّ مثلنا يدعونا إلى خلاف دين آبائنا، ﴿فَكَفَرُوا؛﴾

стр. 2780

بالكتب والرّسل وأعرضوا عن القبول منهم، ﴿وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ؛﴾ عن إيمانهم وطاعتهم، ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ؛﴾ عن أفعال العباد، ﴿حَمِيدٌ﴾ (٦)؛في إنعامه عليهم. ومعنى قوله ﴿(وَبالَ أَمْرِهِمْ)﴾ أصل الوبال من الثّقل، يقال: أمر وبيل؛ أي ثقيل، يسمى جزاء المعصية وبالا لثقله. قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا؛﴾ أي قال كفار مكّة قولا بالظنّ غير يقين أنّهم لا يبعثون بعد الموت، ﴿قُلْ؛﴾ لهم يا محمّد: ﴿بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ؛﴾ بعد الموت، ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ؛﴾ في الدّنيا ﴿وَذلِكَ؛﴾ الجزاء والبعث، ﴿عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (٧)؛أي سهل هيّن، ﴿فَآمِنُوا؛﴾ يا أهل مكّة، ﴿بِاللهِ وَرَسُولِهِ؛﴾ محمّد ﷺ ، ﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا؛﴾ يعني القرآن، ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٨). قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ؛﴾ يعني يوم القيامة يجمع فيه الأوّلون والآخرون، ﴿ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ؛﴾ يغبن فيه أهل الحقّ أهل الباطل، وأهل الإيمان أهل الكفر، فلا غبن أبين منه، هؤلاء يدخلون الجنة وهؤلاء يدخلون النار. والغبن: فوت الحظّ والمراد. وعن رسول الله ﷺ قال: [ما من مؤمن يدخل الجنّة إلاّ وقد رأى مقعده من النّار لو أساء ليزداد شكرا. وما من عبد كافر يدخل النّار إلاّ وقد رأى مقعده من الجنّة لو أحسن ليزداد حسرة] (١). فالمغبون من غبن أهله ومنازله من الجنّة، ويظهر يومئذ غبن كلّ كافر بترك الإيمان، وغبن كلّ كافر بتقصيره في الأحسن وتضييعه الأيام. ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١٠).

стр. 2781

قوله تعالى: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ؛﴾ أي ما أصاب أحدا في البدن والأهل والمال إلاّ بعلم الله وقضائه، ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ؛﴾ أي من يصدّق بأنّ المصيبة من الله، ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ،﴾ للرّضا والصبر، ويقال: يوفّقه للاسترجاع. وقرأ السّلميّ: «(يهد قلبه)» على ما لم يسمّ فاعله، وقرأ طلحة بن مصرّف بالهمز والرفع في قوله (يهدئ قلبه) على معنى يسكن قلبه. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١٣). قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ؛﴾ وذلك أنّ الرجل كان لا يستطيع أن يهاجر مع أزواجه وأولاده، وكان إذا أراد أن يهاجر بنفسه تعلّقت به امرأته وأولاده وقالوا له: إلى من تدعنا؟ ننشدك الله أن تجلس وتدع الهجرة، فأنزل الله هذه الآية بالمدينة، ينهاهم عن ذلك ويحذّرهم طاعة الأزواج والأولاد في معصية الله، وذلك قوله تعالى: ﴿(إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ)﴾. ودخول (من) هنا يدلّ على أنه ليس جميع الأزواج والأولاد عدوّا، وإنما منهم من يحبّ هلاككم ليرث مالكم، وأيّ عدوّ أعدى ممن يحبّ موتك لمنفعة نفسه، ومنهم من يحملوكم على أن تعصوا الله بأخذ غير الواجب، ويمنع الواجب لمنفعة ترجع إليهم، ومعنى قوله تعالى (فاحذروهم) أي فاحذروا أن تطيعوهم وتدعوا الهجرة. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٤) وذلك أنّ الرجل كان إذا أراد الجهاد والهجرة عرض على امرأته وقرائبه إذا أبوا عليه أقسم أن لا ينفق عليهم، فإذا عاد كفّ عن النفقة ليمينه، فقيل لهم: ﴿(وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا)﴾ أي وإن تعفوا عنهم وتجاوزوا عن صدّهم إياكم، وتغفروا ذنوبهم بعد ما رجعتم وبعد ما اجتمعتم في دار الهجرة، ولم تكافئوهم عن سوء ما فعلوه، ﴿(فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)﴾ يغفر لكم كذلك كثيرا من ذنوبكم. وقيل: معنى الآية: إنّ الرجل من هؤلاء إذا رأى الناس قد سبقوه إلى الهجرة وتفقّهوا في الدّين همّ أن يعاقب زوجته وأولاده الذين يبطئونه عن الهجرة، وإن لحقوا

стр. 2782

به في الهجرة لم ينفق عليهم، فأنزل الله تعالى ﴿(وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ؛﴾ أي بلاء وشغل عن الآخرة، والإنسان بسبب المال والولد يقع في العظائم ويتناول الحرام إلاّ من عصمه الله، ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١٥)؛إن لم يشغله ماله وولده عن طاعة الله. وعن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر، فحملهما فوضعهما بين يديه، ثمّ قال: [صدق الله ﴿(إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ)﴾ نظرت إلى هذين الصّبيّين يمشيان ويعثران، فلم أصبر عنهما حتّى قطعت حديثي ورفعتهما] ثمّ أخذ رسول الله ﷺ في خطبته (١). قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ؛﴾ أي اتّقوا الله جهدكم وقدّروا سعيكم باجتناب محارمه وأداء فرائضه وجميع طاعاته، ﴿وَاسْمَعُوا؛﴾ ما تؤمرون به، ﴿وَأَطِيعُوا؛﴾ أمر رسوله، ﴿وَأَنْفِقُوا؛﴾ من أموالكم في طاعة الله يكن ذلك، ﴿خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ؛﴾ لأنّ نفع الآخرة أعظم، ويقال: الخير هاهنا المال، كأنّه قال: أنفقوا مالا من أموالكم، وهذه الآية نسخت قوله تعالى ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٦)؛أي من يدفع عنه بخل نفسه فأولئك هم المزكّون لطلبتهم. والشّحّ الذي في اللغة: منع الواجب، ومن الشّحّ أن يعمد الرجل إلى مال غيره فيأكله.

стр. 2783

قوله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ؛﴾ معناه: إن تعطوا في الصّدقة مالا عن حسبة صادقة من قلوبكم، يقبله منكم ويضاعفه لكم ويغفر لكم ذنوبكم، ﴿وَاللهُ شَكُورٌ؛﴾ يقبل اليسير ويعطي الجزيل من الثواب، ﴿حَلِيمٌ﴾ (١٧)؛لا يعجّل بالعقوبة على من بخل بالصّدقة، واستحقّ العقوبة على ذنوبه، ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ؛﴾ أي يعلم ما تكنّه صدوركم مما لا تعلمه الحفظة، ويعلم كلّ ما ظهر مما سقط من ورقة، وما قطر من قطر المطر، وهو، ﴿الْعَزِيزُ؛﴾ في ملكه وسلطانه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ (١٨)؛في أمره وقضائه. تم تفسير سورة (التغابن) والحمد لله رب العالمين.

стр. 2784

سورة الطّلاق سورة الطّلاق مدنيّة، وهي ألف وستّون حرفا، ومائتان وتسع وأربعون كلمة، واثنتا عشر آية. قال ﷺ : [من قرأ سورة الطّلاق مات في سنّة رسول الله ﷺ ]. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ؛﴾ الخطاب للنبيّ ﷺ والمؤمنون داخلون فيه؛ لأن خطاب الرئيس خطاب للأتباع، خصوصا إذا كانوا مأمورين بالاقتداء به، والمعنى: يا أيّها النبيّ إذا أردت أنت وأمّتك الطلاق، فطلّقوا النساء لعدّتهنّ، وهذا كقوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ (١) أي أردتم القيام. والطلاق للعدّة هو أن يطلّقها في طهر لم يمسّها فيه، لما روي أنّ النّبيّ ﷺ قال حين سئل عن الطّلاق: [طلّقها طاهرا من غير جماع، أو حاملا قد استبان حملها] (٢).ويقال في معنى الطّلاق للعدّة: أن يفرّق الطلاق الثلاث على أطهار العدّة، فيطلّقها في كلّ طهر لم يمسّها فيه تطليقة. والطلاق السّني: أن يطلّقها في طهر لم يجامعها فيه، فقد روي: (أنّ عبد الله بن عمر ﵄ طلّق امرأته وهي حائض، فأمره رسول الله ﷺ أن يراجعها ثمّ يمسكها حتّى تطهر وتحيض عنده حيضة أخرى، ثمّ تطهر من حيضتها، فإذا أراد أن

стр. 2785

يطلّقها فليطلّقها حين تطهر قبل أن يجامعها) (١) فتلك العدّة التي أمر الله أن تطلّق لها النساء. والطلاق البدعيّ: أن يقع في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، وهو واقع وصاحبه آثم، وروي: أنّ ابن عمر طلّق امرأته وهي حائض، فذكر عمر ذلك للنّبيّ ﷺ فقال: [مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلّقها إن شاء] قلت: ويحتسب لها؟ قال: [فمه؟] (٢). قوله تعالى: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ؛﴾ إنما أمر بإحصاء العدّة لتوزيع الطّلاق على الأطهار، والمعنى بذلك: أحصوا عدّة المطلّقات لما تريدون من رجعة أو تسريح، فإذا حاضت المعتدّة حيضة وطهرت، فأراد الزوج أن يطلّقها ثانية قبل أن تحيض، فإذا حاضت وطهرت طلّقها أخرى إن شاء، فتبين الثلاث وقد بقي من عدّتها حيضة. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ؛﴾ أي اتّقوه في النّساء إذا طلّقتموهن واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ؛﴾ التي طلّقتموهن فيها، وهي بيوت أزواجهن، والمعنى: اتّقوا الله فلا تعصوه فيما أمركم به، فلا يجوز للزوج أن يخرج المطلّقة المعتدّة من مسكنه الذي كان يساكنها فيه قبل الطّلاق. قوله تعالى: ﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ؛﴾ أي ولا يخرجن من قبل أنفسهن حتى تنقضي عدّتهن، ولهذا لا يباح لها السفر في العدّة، ولا يباح لها التزوّج وإن أذن لها الزوج. وأما المنكوحة فيجوز لها الخروج من المنزل بإذن الزوج. قوله تعالى ﴿(إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)﴾ أي لا يخرجن إلاّ أن يكون خروجهن معصية، وقال الحسن: (معناه: إلاّ أن يزنين فيظهر ذلك الزّنا عليها بشهادة أربعة من

стр. 2786

الشّهود، فيخرجن لإقامة الحدود).وقال ابن عباس: (إلاّ أن يطلن بألسنتهنّ على أهل المنزل بإيذائهنّ) (١).كما روي: أنّ فاطمة بنت قيس، طلّقها زوجها أبو عمرو ابن حفص بن المغيرة المخزوميّ، وكانت تستطيل على حماتها بلسانها، فنقلها النّبيّ ﷺ إلى بيت ابن أمّ مكتوم، وكان ضريرا تعتدّ فيه). وفي الحديث عن النبيّ ﷺ أنه قال: [تزوّجوا ولا تطلّقوا، فإنّ الطّلاق يهتزّ منه العرش!!] (٢)،وقال ﵇: [أيّما امرأة سألت زوجها الطّلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنّة!!] (٣).وقال ﷺ : [لا تطلّقوا النّساء إلاّ من ريبة، فإنّ الله لا يحبّ الذوّاقين والذوّاقات!] (٤)،وعن أنس ﵁ قال: قال ﷺ : [ما حلف بالطّلاق ولا استحلف به إلاّ منافق] (٥). قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ؛﴾ أي هذه أحكام الله وفرائضه في الطّلاق في السّنة والعدّة، فلا تجاوزوها إلى ما نهى عنه، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ؛﴾ بالمخالفة، ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ؛﴾ أي فقد أضرّ نفسه، ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً﴾ (١)؛أي طلّقوهن كما أمرتم، لا تدري أيّها المخاطب لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرا، فيوقع في قلب الزّوج المحبّة، فيندم في طلاقها ويريد رجعتها فلا يقدر على ذلك، ولا ينفعه الندم.

стр. 2787

قوله تعالى: ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ معناه: إذا قاربن انقضاء عدّتهن فراجعوهن بحسن الصّحبة قبل أن يغتسلن من الحيضة الثالثة، أو يتركوا مراجعتهن بإيفاء المهر ونفقة العدّة حتى تنقضي عدّتهن، ولا يجوز أن يكون المراد بهذه الآية حقيقة بلوغ الأجل لأنه لا رجعة بعد بلوغ الأجل الذي هو انقضاء العدّة. قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ؛﴾ أي أشهدوا على الطّلقة والرجعة ذوى عدل منكم من المسلمين، وهذا أمر استحباب احتياطا من التجاحد، كي لا يجحد الزوج الطلاق، ولا تجحد المرأة بعد مضيّ العدّة الرجعة. ثم قال للشّهود: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛﴾ أي ذلك الذي ذكر لكم من الأمر والنهي والطّلاق والرجعة وإقامة الشّهادة، يوعظ به من كان يؤمن بالله، ويصدّق بالبعث بعد الموت؛ لأنّهم هم الذين ينتفعون بالوعظ. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ (٢)؛أي ومن يتّق الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه يجعل له مخرجا من المعصية إلى الطاعة، ويقال: من الحرام والشّبهات إلى الحلال. وقيل: يجعل له مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة، ﴿وَيَرْزُقْهُ؛﴾ في الآخرة من نعيم الجنّة، ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ؛﴾ ويقال: يرزقه في الدنيا من حيث لا يأمل، وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كلّ همّ فرجا، ومن كلّ ضيق مخرجا] (١). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ؛﴾ أي من يفوّض أموره إلى الله عالما واثقا بحسن تقديره وتدبيره فهو كافيه، لا يحتاج إلى غيره. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ؛﴾ أي منفّذ أمره ممضي إرادته، لا يمنع عمّا يريد، ﴿قَدْ﴾

стр. 2788

﴿جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ (٣)؛من أحكامه مقدارا وأجلا معلوما فلا عذر للعبد في تقصير يقع منه. قوله تعالى: ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ؛﴾ وذلك أنّه لمّا أنزل الله تعالى عدّة المطلّقات والمتوفّى عنها زوجها في سورة البقرة، قال أبيّ بن كعب: يا رسول الله إنّ ناسا يقولون: قد بقي من النّساء ما لم يذكر فيه شيء؟ قال: [ومن هم؟] قال: الصّغار والكبار وذوات الحمل، فنزلت هذه الآية (١): ﴿(وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ)﴾ لكبرهنّ (إن ارتبتم) أي إن شككتم في عدّتهن، (فعدّتهن) إذا طلّقن بعد الدّخول (ثلاثة أشهر). وقوله تعالى: ﴿(وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ)﴾ معناه: واللاّئي في حال الصّغر هنّ بمنزلة الكبيرة التي قد يئست، عدّتهن ثلاثة أشهر. قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ؛﴾ معناه: وذوات الأحمال عدّتهن تنقضي بوضع ما في بطونهن من الحمل، مطلقة كانت الحامل أو متوفّى عنها زوجها. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ (٤)؛أي من يخش الله ويمتثل أوامره ويجتنب نواهيه ييسّر عليه أمره ويوفّقه للعبادة، ويسهّل عليه أمر الدنيا والآخرة. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ؛﴾ أي ذلك الحكم الذي قد سبق حكم الله في الطّلاق والعدّة والرجعة أنزله إليكم، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ﴾ بطاعته وترك معصيته، ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ (٥)،أي يستر ذنوبه عنه ويدفع عنه عقابها ويعطيه على ذلك ثوابا حسنا في الجنّة. قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ أي أسكنوا المطلّقات حيث سكنتم من البيوت التي تجدون أن تسكنوهنّ فيها على قدر سعتكم وطاقتكم، فإن كان موسرا أوسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان فقيرا فعلى قدر ذلك. قوله تعالى: ﴿وَلا تُضارُّوهُنَّ؛﴾ أي لا تضارّوهنّ في المسكن ولا في أمر النفقة،

стр. 2789

﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ؛﴾ يعني أعطوهنّ في المسكن ما يكفيهنّ لجلوسهن وطهارتهن، ومن النفقة ما يكون كفافا لهن بالمعروف، وهذا عامّ في المبتوتة والرجعيّة. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ؛﴾ يعني تجب نفقة الحامل إلى أن تضع، سواء طالت مدّة الحمل أم قصرت، لأن عدّتها تنقضي بوضعه، فلها النفقة إلى أن تضع حملها. ولا نفقة للمتوفّى عنها زوجها لأنّ قوله تعالى (أسكنوهنّ) وقوله تعالى ﴿(فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ)﴾ خطاب للأزواج وقد زال عنهم الخطاب بالموت. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ؛﴾ يعني بعد وضع الحمل إذا أرضعن لكم أولادكم فأعطوهنّ أجرة الرّضاع، وهذا دليل بأن الأمّ أولى بإرضاع الولد بأجرة المثل، وأولى بالحضانة من كلّ أحد، وفيه دليل أنّ الأجرة لا تستحقّ بالعقد، وإنما تستحقّ بالفراغ من العمل؛ لأنّ الله تعالى أوجبها بعد الرضاع. وقوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ؛﴾ أمر الرجل والمرأة أن يأتمروا في الولد بالمعروف، وهو أن ينفق الرجل بنفقة الرّضاع من غير تقتير ولا إسراف، أو تقوم المرأة على ولدها في إرضاعه وتتعهّده من غير تقصير. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ (٦)؛معناه: وإن تضايقتم وتمانعتم فأبت الأم أن ترضع الولد، أو طلبت على ذلك أكثر من أجرة المثل، وأبى الأب أن يعطيها ما طلبت، فليطلب الأب للولد مرضعة غير الأم، إلاّ أنه يجب أن يكون في بيت الأم لأنّ الأمّ أحقّ بإمساك الولد. قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ؛﴾ أي لينفق غنيّ على نسائه وأولاده على قدر غناه، ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ؛﴾ معناه: ومن ضيّق عليه رزقه فلينفق مما أعطاه الله من المال، ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها؛﴾ من الرّزق. قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ (٧)؛فيه تسلية للصحابة، فإن أكثرهم كانوا فقراء، فوعدهم الله اليسر بعد العسر، ففتح الله عليهم بعد ذلك وجعل يسرا بعد عسر. ويستدلّ من هذه الآية على أنّ الواصي يأمر المرأة أن تستدين

стр. 2790

على زوجها المعسر مقدار ما تستحقّ عليه من النفقة، لأن المعسر يرجى له اليسر. قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ؛﴾ أي وكم من أهل بلدة عتوا عن أمر ربهم ورسله؛ أي جاوزوا الحدّ في المعصية، ﴿فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً؛﴾ فجازيناهم في الآخرة جزاء شديدا على كلّ صغيرة وكبيرة، ﴿وَعَذَّبْناها،﴾ وعذبناهم في الدنيا، ﴿عَذاباً نُكْراً﴾ (٨)؛أي عذابا خارجا عن العادة لم يعهدوا مثله. قوله تعالى: ﴿فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها؛﴾ أي فذاقوا جزاء كفرهم، ﴿وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً﴾ (٩)؛أي هلاك النّفوس وهي رأس أموالهم، ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ؛﴾ في الآخرة، ﴿عَذاباً شَدِيداً؛﴾ يعني الذي نزل بهم في الدّنيا، ﴿فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ؛﴾ أي يا أولي العقول لا تسيروا بسيرهم فينزل بكم ما نزل بهم. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولاً﴾ ﴿(الَّذِينَ آمَنُوا)﴾ نعت أولي الألباب، وقوله تعالى ﴿(قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً)﴾ أي أنزل إليكم كتابا آتاه رسولا ليؤدّيه إليكم. وقيل: معناه: قد أنزل الله إليكم قرآنا وأرسل رسولا، ﴿يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ؛﴾ يعني الرسول، ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾. وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً﴾ (١١) يعني الجنّة التي لا ينقطع نعيمها. قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ؛﴾ أي سبع أرضين أيضا، وليس في القرآن آية تدلّ على أن الأرضين سبع غير هذه. قوله تعالى: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ؛﴾ أي تنزل الملائكة بالتدبير من الله تعالى، ومن سماء إلى سماء، ومن السّماء الى الأرض بحياة بعض وموت بعض، وغنى بعض وفقر بعض، وسلامة هذا وهلاك هذا، ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ (١٢)؛فلا يخفى عليه شيء. آخر تفسير سورة (الطلاق) والحمد لله رب العالمين.

стр. 2791

سورة التّحريم سورة التّحريم مدنيّة، وهي ألف وستّون حرفا، ومائتان وأربعون كلمة، واثنتا عشرة آية. قال ﷺ : [من قرأها أعطاه الله توبة نصوحا] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ؛﴾ وذلك أنّ النّبيّ ﷺ قسّم الأيّام بين نسائه وكان له تسع نسوة، وكان لكلّ امرأة منهنّ يوم وليلة، ثمّ إنّ حفصة زارت أباها في يوم كان ذلك اليوم لعائشة، فدخل النّبيّ ﷺ ذلك اليوم بيت حفصة فوجد فيه جاريته ماريّة فأخلا بها، فلمّا رجعت حفصة إلى منزلها، وقفت حفصة على ذلك الباب فلم تدخل حتّى خرجت ماريّة، ثمّ دخلت فقالت للنّبيّ ﷺ : إنّي قد رأيت من كان معك في البيت، فلمّا رأى النّبيّ ﷺ الغيرة والكآبة في وجهها قال: [اكتمي عليّ، ولا تخبري عائشة بذلك] ثمّ قال: [هي عليّ حرام] يعني ماريّة، فأخبرت حفصة عائشة وكانتا متصافيتين، فنزل جبريل ﵇ فأخبر النّبيّ بذلك، فدعا النّبيّ ﷺ حفصة وقال لها: [ما الّذي حملك على ذلك؟] قالت: ومن الّذي أخبرك؟ قال: [أخبرني العليم الخبير]. فغضب النّبيّ ﷺ على حفصة فطلّقها تطليقة واعتزل نساءه كلّهنّ، فمكث سبعا وعشرين ليلة ينتظر ما ينزل فيهنّ، فأنزل الله هذه الآيات. ومعناها: يا أيّها النبيّ لم تحرّم ما أحلّ الله لك، ﴿تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ،﴾ طالبا رضى أزواجك،

стр. 2792

﴿وَاللهُ غَفُورٌ؛﴾ لما كان منك من التحريم، ﴿رَحِيمٌ﴾ (١)؛بك حيث رخّص لك الخروج منه بالكفّارة، فأعتق رسول الله ﷺ رقبة وعاد إلى ماريّة (١). وروي: أنّ حفصة ﵂ استأذنت رسول الله ﷺ في زيارة أبيها في يومها، فأذن لها وهو جالس في بيتها، فمضت، فأرسل النّبيّ ﷺ إلى جاريته ماريّة القبطيّة فأدخلها في حضنه، وكان ذلك في يوم حفصة، فلمّا رجعت حفصة وجدت باب بيتها مغلقا، فجلست على الباب حتّى خرج رسول الله ﷺ ووجهه يقطر عرقا وحفصة تبكي، فقال لها: [ما يبكيك؟] قالت: إنّما أذنت لي بالزّيارة من أجل هذا؛ أدخلت أمتك بيتي ووقعت عليها في يومي وعلى فراشي؟ ما رأيت لي حرمة وحقّا، ما قطّ صنعت هذا بامرأة من نسائك؟ فقال ﷺ : [هي جاريتي فلا أحلّها الله، اسكتي هي عليّ حرام، ألتمس بذلك رضاك، ولا تخبري بذلك امرأة منهنّ، وهذه أمانة عندك] (٢). ثمّ خرج رسول الله ﷺ فقامت حفصة على الجدار الّذي كان بينها وبين عائشة، فقالت لها: ألا أبشّرك يا عائشة أنّ رسول الله ﷺ قد حرّم جاريته ماريّة، وقد أراحنا الله منها. وكانت عائشة وحفصة متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواج النّبيّ ﷺ ، فنزل جبريل ﵇ فأخبره بذلك، فغضب على حفصة وقال: [ما حملك على ذلك]،ثمّ طلّقها تطليقة. وذهب بعض المفسّرين أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا دخل على زينب بنت جحش شرب عندها شراب عسل تصلحه له، وكان يطول مكثه عندها، فاجتمعت عائشة وحفصة على أن يقولا له: إنّا نجد معك رائحة المغافير-وهو صمغ متغيّر الرّائحة يقع على الطّرف يأكله النّحل-فلمّا صار إلى كلّ واحدة منهما قالت له: إنّي أشمّ معك رائحة المغافير، فحرّم النّبيّ ﷺ على نفسه شرب العسل، فأنزل الله تعالى هذه

стр. 2793

الآيات (١).والقول الأول أظهر، ولا يمتنع أنّ الأمرين قد كانا، وأنّ هذا نزل فيهما. قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ؛﴾ أي وجبت لكم كفّارة أيمانكم، ﴿وَاللهُ مَوْلاكُمْ؛﴾ أي متول أموركم وهو أولى أن يؤثروا مرضاته، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ؛﴾ بما فيه صلاح خلقه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ (٢)؛في تدبير أمره. وإنّما سميت الكفّارة تحلّة؛ لأنّها تجب عند انحلال اليمين، قال مقاتل: (معناه: قد بيّن الله لكم كفّارة أيمانكم في سورة المائدة، وأمر نبيّه ﷺ أن يكفّر عن يمينه، ويراجع جاريته ماريّة) (٢). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً؛﴾ يعني إسراره إلى حفصة، فلمّا أخبرت عائشة به أطلع الله نبيّه ﵇ على ذلك. قوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ؛﴾ وذلك أنّ النّبيّ ﷺ كان عند ما رأى الكآبة في وجهها والغيرة أسرّ إليها شيئين: تحريم الجارية، وقال: [أخبرك يا حفصة أنّ أباك وأبا بكر سيملكان أمّتي بعدي] فلمّا أظهره الله عليه أخبر حفصة بما قالت لعائشة من تحريم الجارية، وأعرض عن ذكر خلافة أبي بكر وعمر (٣). وقرأ الحسن البصري والكسائي وقتادة (عرف بعضه) بالتخفيف أي غضب على حفصة من ذلك وجاراها فطلّقها، من قول القائل لمن أساء إليه: لأعرفنّ لك ما فعلت؛ أي لأجازينّك عليه، فجازاها رسول الله ﷺ بأن طلّقها، فلما علم عمر ﵁ بذلك قال: لو كان في آل الخطّاب خير لما طلّقك رسول الله ﷺ .

стр. 2794

ونزل جبريل إلى النّبيّ ﷺ يقول له: راجعها فإنّها صوّامة قوّامة، وهي إحدى نسائك في الجنّة، فراجعها رسول الله ﷺ . قال مقاتل: (لم يطلّق رسول الله ﷺ حفصة، وإنّما همّ به، فأتاه جبريل وقال له: لا تطلّقها فإنّها صوّامة قوّامة وهي من نسائك في الجنّة، فلم يطلّقها) (١)،وكان سفيان الثوريّ يقول: (ما استقصى كريم قطّ، وما زال التّغافل من فعل الكرام، عرّف رسول الله ﷺ حفصة بعض ما فعلت، وأعرض عن بعض). قوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ؛﴾ أي لمّا أخبر حفصة بما أظهره الله عليه، ﴿قالَتْ؛﴾ له: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هذا؛﴾ أي من أخبرك أنّي أفشيت سرّك؟ ﴿قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٣). قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ؛﴾ معناه: إن تتوبا إلى الله من إظهار الغيرة وإيذاء النبيّ ﷺ والتعاون عليه، ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما؛﴾ أي مالت إلى الإثم وعدلت عن الحقّ، وهو أنّهما أحبّتا ما كره رسول الله ﷺ ، ﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ أي تعاونا عليه بالإيذاء وإظهار الغيرة عليه من الجارية، ﴿فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ؛﴾ يتولّى حفظه ونصره ودفع الأذيّة عنه، ﴿وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ؛﴾ أبو بكر وعمر يتولّيانه وينصرانه على من عاداه، ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (٤)؛ أعوانه وأنصاره. وعن ابن عبّاس ﵄ قال: (حدّثني عمر بن الخطّاب ﵁ قال: لمّا اعتزل النّبيّ ﷺ نساءه، دخلت عليه وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت: يا رسول الله ما شقّ عليك من أمر النّساء؟ فإن كنت طلّقتهنّ فإنّ الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلّما تكلّمت وأحمد الله بكلام، إلاّ رجوت أن يكون الله يصدّق قولي الّذي أقول، فنزلت هذه الآية ﴿(وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ)﴾. (٢).

стр. 2795

وعن ابن عبّاس قال: (سألت عمر ﵁ فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان اللّتان تظاهرا على النّبيّ ﷺ ؟ قال: عائشة وحفصة) (١). ثمّ أخذ عمر ﵁ يسوق الحديث قال: (كنّا معشر قريش قوما نغلب نساءنا، فلمّا قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم، قال: فغضبت على امرأتي فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: وما ينكر أن أراجعك؟ فو الله إنّ أزواج رسول الله ﷺ ليراجعنه وتهجره إحداهنّ اليوم إلى اللّيل. قال: فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم، قلت: وتهجره إحداكنّ اليوم إلى اللّيل؟ قالت: نعم، قلت: أفتأمن إحداكنّ أن يغضب الله لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت؟! لا تراجعي رسول الله ﷺ وسليني ما بدا لك، ولا يغرّك إن كانت جارتك هي أوسم وأحبّ إلى رسول الله منك) يعني عائشة ﵂ (٢). قرأ أهل الكوفة «(تظاهرا عليه)» بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد. وقوله تعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ؛﴾ هذا إيعاد وتخويف لحفصة وعائشة وسائر أزواج النبيّ ﷺ ، وعد النبيّ ﷺ بخير منهنّ إن أحوجنه إلى مفارقتهن، و (عسى) من الله واجبة، ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ؛﴾ نعت للأزواج اللاتي كان يبدّله لو طلّق نساءه، ومعنى (مسلمات) أي خاضعات لله بالطاعة، مسلمات لأمر الله وقضائه، أي مصدّقات مؤمنات بتوحيد الله بالألسن والقلوب، ﴿قانِتاتٍ؛﴾ أي طائعات لله والنبيّ ﷺ ، ﴿تائِباتٍ؛﴾ أي راجعات إلى ما يحبّه الله، ﴿عابِداتٍ؛﴾ لله متذلّلات لله ولرسوله، ﴿سائِحاتٍ؛﴾ أي صائمات، ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾ (٥)؛ظاهر المراد. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً؛﴾ أي يا أيّها الذين آمنوا ادفعوا عن أنفسكم وأهليكم نارا، ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ،﴾

стр. 2796

حطبها الناس والحجارة، يعني حجارة الكبريت، والمعنى: اعملوا بطاعة الله وانتهوا عن معصيته، وعلّموا أولادكم وأهليكم الاجتناب عما تجب لهم به النار. وعن عمر ﵁: أنّه سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله نقي أنفسنا، فكيف لنا بأهلنا؟ قال: [تنهوهم عمّا نهاهم الله عنه، وتأمروهم بما أمركم الله به] (١). قوله تعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ؛﴾ أي على النار ملائكة غلاظ الأخلاق شداد أقوياء الأخذ والعقوبة، يدفع الواحد منهم في الدفعة الواحدة سبعين ألفا في جهنّم، لم يخلق الله فيهم شيئا من الرحمة، ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ؛﴾ من تعذيب أهلها، ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (٦)؛من ذلك، جعل الله سرورهم في تعذيب المعذبين كما جعل سرور المؤمنين في الجنّة. وجاء في الخبر: [أنّ الملك منهم يكسر عظام المعذب، فيقول له: ألا ترحمني؟ فيقول له: كيف أرحمك وأرحم الرّاحمين لم يرحمك]. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ؛﴾ أي لا تعتذروا اليوم فيما قدّمتم لأنفسكم، إنه لا تقبل منكم الأعذار، ﴿إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٧)؛في الدّنيا، ولا تظلمون بزيادة على ما تستحقّون من العذاب. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً؛﴾ قال ابن عبّاس: (التّوبة النّصوح: هي النّدم بالقلب، والاستغفار باللّسان، والإقلاع بالبدن، والإضمار على أن لا يعود) (٢).وعن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله ما التّوبة النّصوح؟ قال: [أن يتوب التّائب ثمّ لا يرجع في ذلك، كما لا يعود اللّبن في الضّرع] (٣).

стр. 2797

قال ابن مسعود: (التّوبة النّصوح أن تكفّر كلّ سيّئة) (١)،وقال أبو ذرّ: (النّصوح: الصّادقة) أي يتوبوا توبة صادقة، يقال: نصحته أي صدّقته. وقيل: النّصوح المستقيمة المتقنة التي لا يلحقها النقص والإبطال. وقال الفضيل: (التّوبة النّصوح: أن يكون الذنب نصب عينيه، ولا يزال كأنّه ينظر إليه) (٢)،وقال أبو بكر الورّاق: (هو أن تضيق الأرض عليك بما رحبت، وتضيق عليك نفسك كتوبة الثّلاثة الّذين خلّفوا) (٣). وقال الدقّاق: (هي ردّ المظالم، واستحلال الخصوم، وإدمان الطّاعات) (٤). وقال ذو النّون: (علامتها ثلاثة أشياء: قلّة الكلام، وقلّة الطّعام، وقلّة المنام)، وقال بعضهم: هي أن يكون لصاحبها دمع مسفوح وقلب من المعاصي جموح، فإذا كان كذلك فهي توبة نصوح. وقال فتح الموصليّ (٥): (علامتها ثلاثة: مخالفة الهوى، وكثرة البكاء، ومكابدة الجوع والظّمأ).وقال شقيق البلخيّ (٦): (هي أن يكثر صاحبها لنفسه الملامة، ولا يقلع من النّدامة).وقال الجنيد: (هي أن ينسى ما سوى الله، ولا يذكر إلاّ الله) (٧). قوله تعالى: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ؛﴾ هذا وعد من الله لأنّ (عسى) من الله واجبة، والصّلوات الخمس كفّارات لما بينهنّ ما اجتنبت الكبائر. قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ؛﴾

стр. 2798

أي يكرم الله تعالى المؤمنين بهذه الكرامة في يوم لا يسوء الله النبيّ ولا يخجله ولا يسوء ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ؛﴾ والمعنى: لا يدخلهم الله النار. وقوله: ﴿نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ؛﴾ ليدلهم في الجنّة، ﴿وَبِأَيْمانِهِمْ؛﴾ يعني نور كتابهم الذي يعطونه بها، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا؛﴾ أي يقولون ذلك بعد ما ذهب نور المنافقين، والمعنى: أتمم لنا نورنا على الصّراط إلى أن ندخل الجنة، ﴿وَاغْفِرْ لَنا؛﴾ ما سلف من ذنوبنا، ﴿إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٨)؛من إتمام النور والمغفرة، فيجيب الله دعاءهم ويفعل ذلك لهم، فيكون الصّراط على المؤمنين كما بين صنعاء والمدينة، يمشي عليه بعضهم مثل البرق، وبعضهم مثل الريح، وبعضهم كعدو الفرس، وبعضهم يمشي وبعضهم يزحف، ويكون على الكافرين كحدّ السيف مذهبه. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ؛﴾ أي جاهد الكفار بالسّيف، والمنافقين باللّسان بالزّجر والوعظ حتى يسلموا، وسمّاهما جهادا لاشتراكها في بذل الجهد، ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ؛﴾ أي على الفريقين بالفعل والقول، ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٩)،وبيّن أنّ مصيرهم في الآخرة إلى النار. وقال الحسن: (كانوا أكثر من كان يصيب الحدود في ذلك الزّمان المنافقون، فأمر الله أن يغلظ عليهم في إقامة الحدّ) (١).وعن ابن مسعود قال: (إذا لم تقدروا أن تنكروا على الفاجر-ف-بوجوه مكفهرّة). قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما؛﴾ أي فخالفتاهما في الدّين، قال ابن عباس: (ما بغت امرأة نبيّ قطّ، فأمّا خيانة امرأة نوح، فإنّها قالت لقومه: إنّه مجنون فلا تصدّقوه، وأمّا خيانة امرأة لوط فإنّها كانت تدلّ قومه على أضيافه، كان إذا نزل بلوط ضيف باللّيل أوقدت النّار، وإذا نزل بالنّهار أدخنت ليعلم قومه أنّه قد

стр. 2799

نزل به ضيف) (١).وقال الكلبيّ: (أسرّتا النّفاق، وأظهرتا الإيمان) ولأنّ الخيانة في الفراش لا يجوز أن تكون مرادة في هذه الآية؛ لأنّها عيب يرجع إلى الزوج فينفر الناس عنه. قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً؛﴾ أي لم يدفعا عنهما عذاب الله، أعلم الله تعالى أنّ أحدا لا يجزي عن أحد شيئا، وأنّ الإنسان لا ينجو إلاّ بعمله، وقطع الله بهذه الآية طمع من ركب المعصية، ورجا أن ينفعه صلاح غيره، وأخبر الله تعالى أن معصية غيره لا تضرّه إذا كان مطيعا وهو قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ (١٠). قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ؛﴾ وهي آسية بنت مزاحم، كانت قد آمنت بموسى ﵇، فلمّا علم فرعون بإسلامها وتد لها أربعة أوتاد في يديها ورجليها، ومدّها للعذاب وشدّها على الأرض بالأوتاد، وألقى على صدرها صخرة عظيمة وألقاها في الشمس. فكانت الملائكة تظلّها بأجنحتها وأبصرت الجنّة وهي كذلك فقالت: (رب ابن لي عندك بيتا في الجنّة)،فاستجاب الله دعاءها وألحقها بالشّهداء، ولم تجد ألما من عذاب فرعون لأنّها قالت: ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (١١)؛أي الكافرين أهل دين فرعون. وليس في هذه الآية أنّ فرعون قتلها، وقد اختلف في ذلك، والأقرب أنه أجاب الله دعاءها فنجّاها من فرعون وقومه. وفي قوله تعالى في الآية الأولى ﴿(وَقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ)﴾ تخويف لحفصة وعائشة، كأنه قال لعائشة وحفصة لا تكونا بمنزلة امرأة نوح ولوط في المعصية، وكونا بمنزلة امرأة فرعون ومريم.

стр. 2800

قوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها؛﴾ عطف مريم على امرأة فرعون، وإحصان الفرج إعفافه وحفظه عن الحرام. قوله تعالى: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا؛﴾ أي في جيب درعها، وذلك أنّ جبريل ﵇ مدّ جيب درعها بإصبعه، ثم نفخ في جيبها فحملت، وبالكناية عن غير مذكور. وقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها؛﴾ والشرائع التي شرعها الله في كتبه المنزّلة، وقرأ عيسى الجحدري والحسن «(بكلمة ربها)» على التوحيد يعنون عيسى ﵇. قوله تعالى: ﴿وَكُتُبِهِ؛﴾ أي وصدّقت بكتب الله تعالى وهو التوراة والإنجيل والفرقان وصحف ابراهيم وموسى وداود، وقرأ أبو عمرو ويعقوب «(وكتبه)» بالجمع، وتفسيره ما ذكرناه، وقرأ الباقون «(وكتابه)» على الواحد، والمراد به الإنجيل. قوله تعالى: ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾ (١٢)؛أي من المطيعين لله، وقال عطاء: (من المصلّين، كانت تصلّي بين المغرب والعشاء) تقديره: وكانت من القوم القانتين، ولم يقل من القانتات؛ لأنّ متعبّدها كان في المسجد مع العبّاد. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [كمل من الرّجال كثير، ولم يكمل من النّساء إلاّ مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وإنّ فضل عائشة على سائر النّساء كفضل الثّريد على سائر الطّعام] (١).وقال ﷺ : [سيّدات نساء أهل الجنّة أربع: مريم وآسية وخديجة وفاطمة] (٢).

стр. 2801

وعن معاذ بن جبل قال: (دخل رسول الله ﷺ على خديجة وهي تجود بنفسها فقال: [أتكرهين ما نزل بك يا خديجة وقد جعل الله في الكره خيرا كثيرا، فإذا قدمت على ضرّاتك فأقرءيهنّ منّي السّلام] قالت: يا رسول الله ومن هنّ؟ قال: [مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وكليمة بنت عمران أخت موسى]،فقالت: بالرّفاه والبنين) (١). آخر تفسير سورة (التحريم) والحمد لله رب العالمين

стр. 2802

سورة الملك سورة الملك مكّيّة، وهي ألف وثلاثمائة حرف، وثلاثمائة وثلاثون كلمة، وثلاثون آية. قال ﷺ : [من قرأ سورة الملك فكأنّما أحيا ليلة القدر] وقال: [إنّها تجادل عن صاحبها يوم القيامة].وقال ﷺ : [وددت أنّ ﴿(تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ)﴾ في قلب كلّ مؤمن] (١). وعن ابن مسعود أنّه قال: (إذا وضع الميّت في قبره يؤتى من قبل رجليه، فيقال: ليس لكم عليه سبيل، فإنّه كان يقرأ سورة الملك. ثمّ من قبل رأسه فيقول لسانه: ليس لكم عليه سبيل، فإنّه كان يقرأ سورة الملك، ثمّ هي المانعة من عذاب الله] (٢). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ؛﴾ أي تعالى باستحقاق التعظيم الذي بيده إعطاء الملك وأخذه، يؤتي الملك من يشاء فيعزّه وينزعه ممن يشاء فيذلّه، ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)؛من الإعزاز والإذلال.

стр. 2803

قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ؛﴾ معناه: الذي قدّر الإماتة والإحياء، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ؛﴾ فيما بين الإحياء والإماتة، ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً؛﴾ اللاّم في ليبلوكم متعلّق بخلق الحياة دون خلق الموت، لأنّ الابتلاء في الحياة، ومعنى (ليبلوكم) أي ليعاملكم معاملة المختبر (١)،فيجازيكم على ما ظهر منكم لا على ما يعلم منكم، ومعنى ﴿(أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)﴾ أي أحسن عقلا وأورع عن محارم الله، قال ﷺ : [أتمّكم عقلا أشدّكم خوفا لله، وأحسنكم نظرا فيما أمر الله به ونهى عنه] (٢). وقال الحسن: (معناه: ليبلوكم أيّكم أزهد في الدّنيا وأترك لها) وارتفع (أيّكم) على الابتداء لأنه بتأويل ألف الاستفهام ولا يعمل فيها ما قبلها، تقديره: ليبلوكم أنتم أحسن عملا أم غيركم. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (٢)؛أي العزيز بالنقمة لمن لا يؤمن، الغفور لمن تاب وآمن. قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً؛﴾ أي مطبقة بعضها على بعض مثل القبّة، ﴿ما تَرى؛﴾ أيّها الرّائي، ﴿فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ،﴾ في مخلوقات الرّحمن من تفاوت؛ أي لا ترى بعضها حكمة وبعضها عبثا، ولا ترى في السّماء اضطرابا وتباينا في الخلقة، وقال مقاتل: (ما ترى يا ابن آدم في خلق السّماوات من عيب) (٣). وقال قتادة: (ما ترى فيها خللا ولا اختلافا) (٤)، ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ﴾ (٣)؛أي كرّر النظر، هل ترى في السّماء من شقوق أو صدوع أو خروق، ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ؛﴾ أي إن لم تستدرك بالمرّة الأولى، فردّ البصر مرّة أخرى مستقصيا، وردّد البصر مرّة أخرى بعد مرّة، ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ﴾

стр. 2804

﴿خاسِئاً؛﴾ صاغرا بمنزلة الخاسئ وهو الذليل، ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (٤)؛أي كليل منقطع قد أعيا بمنزلة الحسير الذي طلب شيئا فلم يجده كما يحسر البعير. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ؛﴾ السّماء الدّنيا هي الأدنى إلينا، وهي التي يراها الناس، والمصابيح: النجوم، واحدها مصباح، سمّيت بذلك؛ لأنّها تضيء كما يضيء المصباح، ومن ذلك الصّبح والصّباح وهو السّراج، والنجوم لثلاث خصال: زينة، وعلامات يهتدى بها (١)، ﴿وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ﴾ أي ورجوم لمن يسترق السمع من الشياطين، ﴿وَأَعْتَدْنا لَهُمْ؛﴾ في الآخرة، ﴿عَذابَ السَّعِيرِ﴾ (٥)؛مع ما جعلنا لهم في الدّنيا من الرّمي بالشّهب. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٦)؛ ظاهر المعنى. قوله تعالى: ﴿إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً؛﴾ أي صوتا قطيعا كصوت الحمار، وهو آخر ما ينهق بنفس شديد، وهو أقبح الأصوات، وإذا اشتدّ لهب النار سمع لها صوت شديد كأنّها تطلب الوقود. قوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ (٧)؛ أي تغلي بهم كغلي المرجل. وقال مجاهد: (تفور بهم، كما يفور الماء الكثير بالحب القليل)،والفور ارتفاع الشيء بالغليان. قوله تعالى: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ؛﴾ أي تكاد تنشقّ وتتقطّع من تغيّظها على أهلها لتأخذهم، والمعنى: تكاد النار ينفرق بعضها من بعض غضبا على الكفار، وانتقاما لله منهم، ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ؛﴾ من الكفار؛ أي جماعة، ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها؛﴾ أي النار، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ (٨)؛أي رسول منذر، وهذا التوبيخ زيادة لهم في العذاب، ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا،﴾ له، ﴿ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ؛﴾ ممّا تقول، وقلنا للرّسول: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾

стр. 2805

﴿كَبِيرٍ﴾ (٩)؛أي خطأ عظيم. وقيل: إن قوله ﴿(إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ)﴾ من قول الزّبانية للكفّار؛ أي ما كنتم في الدّنيا إلاّ في ضلال كبير. وقال أهل النار معترفين بجهلهم: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ؛﴾ أي لو كنّا نسمع الهدى من الرّسل سماع من يتفكّر ويعقل منهم عقل من يميّز، ﴿ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ؛﴾ أي أقرّوا بذلك، ﴿فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ (١١)؛أي أسحقهم الله سحقا؛ أي باعدهم من رحمته، والسّحق: البعد، والمعنى: فبعدا لأصحاب النار من رحمة الله. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (١٢)؛معناه: إنّ الذين يعملون لربهم ويتّقون معصيته في سرّهم، ويخافونه ولم يروه، لهم مغفرة لذنوبهم وثواب عظيم في الجنّة، والخشية في الغيب أدلّ على الإخلاص وأبعد من النّفاق. قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (١٣) وهذا تحذير للكفّار عن الإقدام على المعاصي، يقول: إن أخفيتم كلامكم في أمر محمّد ﷺ أو جهرتم به، فإنه عليم بما في القلوب من الخير والشرّ. قال ابن عبّاس: (كانوا ينالون من رسول الله ﷺ ، فيخبره جبريل، فيقول بعضهم لبعض: أسرّوا قولكم كيلا يسمع به إله محمّد) قال الله هذه الآية: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ؛﴾ هذه الأشياء ما في الضّمير. وقيل: معناه: ألا يعلم الله مخلوقاته، وقيل: ألا يعلم سرّ العبد من خلقه، ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٤)؛أي لطف علمه بالأشياء حتى لا تخفى عليه غوامض الأمور، الخبير بمصالح عباده. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً؛﴾ أي سهلة تنصرفون فيها فلا تضطرب بكم ولا تمتنع عليكم، يقال: دابة ذلول إذا كانت سهلة الرّكوب، والذلول لا تمتنع على صاحبها فيها يريدها. قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها؛﴾ أي في أطرافها، وقيل: في جبالها وآكامها وجوانبها، ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ؛﴾ أي وكلوا من نباتها الذي جعله الله رزقا لكم في الأرض، ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (١٥)؛أي وإلى الله المرجع في الآخرة للحساب والجزاء، والنّشور هو البعث من القبور.
следующие страницы →