وعن معاذ بن جبل قال: (دخل رسول الله ﷺ على خديجة وهي تجود بنفسها فقال: [أتكرهين ما نزل بك يا خديجة وقد جعل الله في الكره خيرا كثيرا، فإذا قدمت على ضرّاتك فأقرءيهنّ منّي السّلام] قالت: يا رسول الله ومن هنّ؟ قال: [مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وكليمة بنت عمران أخت موسى]،فقالت: بالرّفاه والبنين) (١).
آخر تفسير سورة (التحريم) والحمد لله رب العالمين
стр. 2802
سورة الملك
سورة الملك مكّيّة، وهي ألف وثلاثمائة حرف، وثلاثمائة وثلاثون كلمة، وثلاثون آية. قال ﷺ : [من قرأ سورة الملك فكأنّما أحيا ليلة القدر] وقال: [إنّها تجادل عن صاحبها يوم القيامة].وقال ﷺ : [وددت أنّ ﴿(تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ)﴾ في قلب كلّ مؤمن] (١).
وعن ابن مسعود أنّه قال: (إذا وضع الميّت في قبره يؤتى من قبل رجليه، فيقال: ليس لكم عليه سبيل، فإنّه كان يقرأ سورة الملك. ثمّ من قبل رأسه فيقول لسانه: ليس لكم عليه سبيل، فإنّه كان يقرأ سورة الملك، ثمّ هي المانعة من عذاب الله] (٢).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ؛﴾ أي تعالى باستحقاق التعظيم الذي بيده إعطاء الملك وأخذه، يؤتي الملك من يشاء فيعزّه وينزعه ممن يشاء فيذلّه، ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)؛من الإعزاز والإذلال.
стр. 2803
قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ؛﴾ معناه: الذي قدّر الإماتة والإحياء، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ؛﴾ فيما بين الإحياء والإماتة، ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً؛﴾ اللاّم في ليبلوكم متعلّق بخلق الحياة دون خلق الموت، لأنّ الابتلاء في الحياة، ومعنى (ليبلوكم) أي ليعاملكم معاملة المختبر (١)،فيجازيكم على ما ظهر منكم لا على ما يعلم منكم، ومعنى ﴿(أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)﴾ أي أحسن عقلا وأورع عن محارم الله، قال ﷺ : [أتمّكم عقلا أشدّكم خوفا لله، وأحسنكم نظرا فيما أمر الله به ونهى عنه] (٢).
وقال الحسن: (معناه: ليبلوكم أيّكم أزهد في الدّنيا وأترك لها) وارتفع (أيّكم) على الابتداء لأنه بتأويل ألف الاستفهام ولا يعمل فيها ما قبلها، تقديره: ليبلوكم أنتم أحسن عملا أم غيركم. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (٢)؛أي العزيز بالنقمة لمن لا يؤمن، الغفور لمن تاب وآمن.
قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً؛﴾ أي مطبقة بعضها على بعض مثل القبّة، ﴿ما تَرى؛﴾ أيّها الرّائي، ﴿فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ،﴾ في مخلوقات الرّحمن من تفاوت؛ أي لا ترى بعضها حكمة وبعضها عبثا، ولا ترى في السّماء اضطرابا وتباينا في الخلقة، وقال مقاتل: (ما ترى يا ابن آدم في خلق السّماوات من عيب) (٣).
وقال قتادة: (ما ترى فيها خللا ولا اختلافا) (٤)، ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ﴾ (٣)؛أي كرّر النظر، هل ترى في السّماء من شقوق أو صدوع أو خروق،
﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ؛﴾ أي إن لم تستدرك بالمرّة الأولى، فردّ البصر مرّة أخرى مستقصيا، وردّد البصر مرّة أخرى بعد مرّة، ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ﴾
стр. 2804
﴿خاسِئاً؛﴾ صاغرا بمنزلة الخاسئ وهو الذليل، ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (٤)؛أي كليل منقطع قد أعيا بمنزلة الحسير الذي طلب شيئا فلم يجده كما يحسر البعير.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ؛﴾ السّماء الدّنيا هي الأدنى إلينا، وهي التي يراها الناس، والمصابيح: النجوم، واحدها مصباح، سمّيت بذلك؛ لأنّها تضيء كما يضيء المصباح، ومن ذلك الصّبح والصّباح وهو السّراج، والنجوم لثلاث خصال: زينة، وعلامات يهتدى بها (١)، ﴿وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ﴾ أي ورجوم لمن يسترق السمع من الشياطين، ﴿وَأَعْتَدْنا لَهُمْ؛﴾ في الآخرة، ﴿عَذابَ السَّعِيرِ﴾ (٥)؛مع ما جعلنا لهم في الدّنيا من الرّمي بالشّهب.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٦)؛ ظاهر المعنى.
قوله تعالى: ﴿إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً؛﴾ أي صوتا قطيعا كصوت الحمار، وهو آخر ما ينهق بنفس شديد، وهو أقبح الأصوات، وإذا اشتدّ لهب النار سمع لها صوت شديد كأنّها تطلب الوقود. قوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ (٧)؛ أي تغلي بهم كغلي المرجل. وقال مجاهد: (تفور بهم، كما يفور الماء الكثير بالحب القليل)،والفور ارتفاع الشيء بالغليان.
قوله تعالى: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ؛﴾ أي تكاد تنشقّ وتتقطّع من تغيّظها على أهلها لتأخذهم، والمعنى: تكاد النار ينفرق بعضها من بعض غضبا على الكفار، وانتقاما لله منهم، ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ؛﴾ من الكفار؛ أي جماعة، ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها؛﴾ أي النار، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ (٨)؛أي رسول منذر، وهذا التوبيخ زيادة لهم في العذاب،
﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا،﴾ له، ﴿ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ؛﴾ ممّا تقول، وقلنا للرّسول: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾
стр. 2805
﴿كَبِيرٍ﴾ (٩)؛أي خطأ عظيم. وقيل: إن قوله ﴿(إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ)﴾ من قول الزّبانية للكفّار؛ أي ما كنتم في الدّنيا إلاّ في ضلال كبير.
وقال أهل النار معترفين بجهلهم: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ؛﴾ أي لو كنّا نسمع الهدى من الرّسل سماع من يتفكّر ويعقل منهم عقل من يميّز، ﴿ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ؛﴾ أي أقرّوا بذلك، ﴿فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ (١١)؛أي أسحقهم الله سحقا؛ أي باعدهم من رحمته، والسّحق: البعد، والمعنى: فبعدا لأصحاب النار من رحمة الله.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (١٢)؛معناه: إنّ الذين يعملون لربهم ويتّقون معصيته في سرّهم، ويخافونه ولم يروه، لهم مغفرة لذنوبهم وثواب عظيم في الجنّة، والخشية في الغيب أدلّ على الإخلاص وأبعد من النّفاق.
قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (١٣) وهذا تحذير للكفّار عن الإقدام على المعاصي، يقول: إن أخفيتم كلامكم في أمر محمّد ﷺ أو جهرتم به، فإنه عليم بما في القلوب من الخير والشرّ.
قال ابن عبّاس: (كانوا ينالون من رسول الله ﷺ ، فيخبره جبريل، فيقول بعضهم لبعض: أسرّوا قولكم كيلا يسمع به إله محمّد) قال الله هذه الآية:
﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ؛﴾ هذه الأشياء ما في الضّمير. وقيل: معناه: ألا يعلم الله مخلوقاته، وقيل: ألا يعلم سرّ العبد من خلقه، ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٤)؛أي لطف علمه بالأشياء حتى لا تخفى عليه غوامض الأمور، الخبير بمصالح عباده.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً؛﴾ أي سهلة تنصرفون فيها فلا تضطرب بكم ولا تمتنع عليكم، يقال: دابة ذلول إذا كانت سهلة الرّكوب، والذلول لا تمتنع على صاحبها فيها يريدها. قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها؛﴾ أي في أطرافها، وقيل: في جبالها وآكامها وجوانبها، ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ؛﴾ أي وكلوا من نباتها الذي جعله الله رزقا لكم في الأرض، ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (١٥)؛أي وإلى الله المرجع في الآخرة للحساب والجزاء، والنّشور هو البعث من القبور.
стр. 2806
قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ؛﴾ معناه: أأمنتم يا أهل مكّة من في السّماء سلطانه وقدرته وملكه أن يغيّبكم في الأرض جزاء على قبح أفعالكم. وقيل: معناه: أأمنتم عقوبة من في السّماء وعذاب من في السّماء. وقيل:
معناه: من جرت عادته أن ينزل نقمته من السّماء على من يكفر به ويعصيه.
وقيل: أأمنتم من في السّماء، وهو الملك الموكّل بالعذاب، يعني جبريل أن يخسف بكم الأرض بأمر الله تعالى، ﴿فَإِذا هِيَ تَمُورُ﴾ (١٦)؛أي تضطرب وتتحرّك، والمعنى: أنّ الله تعالى يحرّك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب، وتتحرك فتعلو بهم وهم يخسفون فيها، والأرض تمور فوقهم فتقلبهم الى أسفل.
والمور: التردّد في الذهاب والمجيء؛ لأنه إذا خسف بقوم دارت الأرض فتدور بهم كما يدور الماء بمن يغرقه.
قوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً؛﴾ كما أرسل على قوم لوط، والحاصب: الرّيح التي ترمي بالحصباء لا دافع لها ﴿فَسَتَعْلَمُونَ؛﴾ في الآخرة، ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (١٧)؛أي إنذاري إذا عاينتم العذاب،
﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ (١٨)؛معناه: ولقد كذب الذين من قبل أهل مكة من كفّار الأمم الماضية، فكيف كان الإنكار عليهم بالعذاب.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ؛﴾ معناه: أولم يروا إلى الطير صافّات فوق رءوسهم بانبساط أجنحتها تارة وقابضاتها أخرى، معناه: صافّات أجنحتها، ﴿وَيَقْبِضْنَ؛﴾ أجنحتها بعد البسط، وهذا معنى الطّير؛ وهو بسط الجناح وقبضه بعد البسط.
قوله تعالى: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ؛﴾ أي ما يمسكهنّ ويحفظهنّ في الهواء في الحالين؛ في حال البسط والقبض إلاّ الرحمن. وهذا أكبر آية دالّة على قدرة الله تعالى إذ أمسكها في الهواء على ثقلها وضخم أبدانها، فمن قدر على إمساك الطير في الهواء قدر على إرسال الحاصب من السّماء. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ (١٩)؛أي عالم، كما يقال: فلان بصير بالنّحو وبالقرآن؛ أي عالم به.
стр. 2807
قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ؛﴾ فيه تنبيه على أنه إن أراد الله تعذيبهم ليس لهم منعه، ولا أحد يصرف عنهم العذاب، ولفظ الجند موحّد، وهذا استفهام إنكار؛ أي لا جند لكم ينصركم ويمنعكم من عذاب الله. قال ابن عبّاس: (معنى ينصركم: يمنعكم منّي إن أردت عذابكم).قوله تعالى: ﴿إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ (٢٠)؛أي في غرور من الشّيطان، يغرّهم بأنّ العذاب لا ينزل بهم.
قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ؛﴾ معناه: هل يقدر أحد من معبودكم أن يوصل إليكم أرزاقكم إن حبس الله عنكم المطر والنبات، ﴿بَلْ لَجُّوا؛﴾ بل لجّ الكافرون ﴿فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ (٢١)؛أي في مجاوزة الحدّ في الطّغيان والتباعد عن سماع الحقّ وقبوله، وليسوا يعتبرون ولا يتفكّرون، لجّوا في طغيانهم وتماديهم وتباعدهم عن الإيمان.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢٢)؛معناه: أفمن يمشي ناكسا رأسه على وجهه لا يرى ما يصدمه أو يهجم عليه من حفرة، أو بئر في طريقه، فلا ينظر يمينا ولا شمالا، يمشي مشي العميان؛ وهو مثل الكافر يقول: أهدي صوب طريقا أم المؤمن الذي يمشي مستويا على طريق مستقيم، يعني الإسلام.
وإنما شبّه الكافر بالمكب على وجهه؛ لأنه ضالّ أعمى القلب عن الهدى، وقال قتادة: (هذا في الآخرة) معناه: أفمن يمشي مكبّا على النار يوم القيامة أهدى أم من يمشي على طريق الجنة؟ كما قال تعالى في الكفّار ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: هو الذي خلقكم وخلق لكم السمع فاستمعوا إلى الحقّ، والأبصار فأبصروا بها الحقّ، والأفئدة فاعلموا بها الحقّ، ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ (٢٣)،نعم الله عليكم.
стр. 2808
قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي هو الذي خلقكم صغارا وربّاكم إلى أن صيّركم كبارا، ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢٤)؛أي تجمعون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ؛﴾ أي هذا الحشر الذي تعدنا به، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٥)؛أن يكون ذلك،
﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾ بوقت الحشر، ﴿عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٢٦)؛أي مخوّف لكم بلغة تعرفونها.
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ معناه: فلمّا رأوا العذاب قريبا تبيّن السّوء في وجوههم وساءهم ذلك. وقيل: أحرقت وجوه الذين كفروا، فاسودّت وعلتها الكآبة والقترة. وقيل: معنى (سيئت) قبحت وجوههم بالسّواد، ﴿وَقِيلَ؛﴾ لهم: ﴿هذَا؛﴾ العذاب، ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ؛﴾ من أجله، ﴿تَدَّعُونَ﴾ (٢٧)؛الأباطيل والأكاذيب أنّكم إذا متّم، وكنتم ترابا وعظاما أنّكم لا تبعثون. وقرأ الضحّاك وقتادة ويعقوب «(تدعون)» مخفّفا؛ أي تدعون الله أن يأتيكم به، من الدّعاء وهو قولهم ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية (١).
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢٨)؛وذلك أنّ الكفّار متمنّون موت رسول الله ﷺ وموت أصحابه، فقيل لهم: أرأيتم إن أصبتم مناكم فينا بالهلاك، فمن يجيركم من العذاب الذي لا بدّ نازل بكم، أتظنّون أنّ الأصنام أو غيرها تجيركم؟ فإذا علمتم أن لا مجير لكم فهلاّ تمسّكتم بما يخلّصكم من العذاب وهو الإيمان بالله.
قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا؛﴾ أي هو الرّحمن الذي نعبده، ونفوّض أمورنا إليه، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ؛﴾ في الآخرة، ﴿مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢٩)؛نحن أم أنتم.
стр. 2809
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً؛﴾ أي غائرا في الأرض لا تناله الأيدي والدّلاء، ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ (٣٠)؛ظاهر يظهر من العيون إلاّ الله الذي به تشركون، فإذا لم تقدروا أنتم ولا آلهتكم على أن تجعلوا الماء الغائر في الأرض ظاهرا، فكيف تقدرون على أن تدفعوا عذاب الله عن أنفسكم إذا نزل بكم؟ وكيف يقدر على ذلك من اتّخذتموه إلها من دون الله.
ويحكى أنّ متّهما في دينه سمع رجلا يقرأ ﴿(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ)﴾ فقال: الماء مع الفأس والمعول، فنام من ليلته تلك فأصبح وقد ذهب ماء عينيه وبقي أعمى إلى أن مات، والعياذ بالله من الخذلان.
آخر تفسير سورة (الملك) والحمد لله رب العالمين.
стр. 2810
سورة ن (القلم)
سورة نون مكّيّة، وهي ألف ومائتان وستّة وخمسون حرفا، وثلاثمائة كلمة، واثنتان وخمسون آية. قال ﷺ : [من قرأها أعطاه الله ثواب الّذين حسنت أخلاقهم] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ (١)؛قال ابن عبّاس ﵄:
(يعني بقوله (ن) الحوت الذي على الأرض واسمه لوثيا، وذلك أنّه لمّا خلق الله الأرض وفتقها، بعث الله ملكا من تحت العرش فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السّبع، فوضعها على عاتقه وإحدى يديه بالمشرق والأخرى بالمغرب، فلم يكن لقدميه قرار، فأهبط الله من الفردوس ثورا له أربعون ألف قرن وأربعون قائمة، وجعل قرار قدم الملك على سنامه، فلم تستقرّ قدماه، فخلق الله قوّة خضراء غلظها مسيرة خمسمائة سنة، فوضعها بين سنام الثور وآذانه فاستقرّت عليها قدماه، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض ومنخاراه في البحر، فهو يتنفّس كلّ يوم نفسا، فاذا تنفّس مدّ البحر، وإذا ردّ نفسه جزر، فلم يكن لقوائم الثور موضع قرار، فخلق الله صخرة خضراء كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين، فاستقرّت قوائم الثور عليها، وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ،﴾ فلم يكن للصّخرة مستقرّ، فخلق الله نونا، وهو الحوت العظيم فجعل الصخرة على ظهره وسائر جسده خال، والحوت على البحر، والبحر على متن الرّيح، والريح على القدرة).
стр. 2811
وقال بعضهم: هو اسم السّورة. وقيل: هو آخر حروف الرّحمن وهي رواية عكرمة عن ابن عبّاس قال: (الر وحم ون حروف الرّحمن) (١).وقال قتادة والضحّاك: (النّون هي الدّواة) (٢)،وقال بعضهم: هو لوح من نور. وقال عطاء: (هو افتتاح اسم الله تعالى: نور، وناصر).واختلفوا القراءة فيه، فقرأ بعضهم بإظهار النون، وقرأ بعضهم بإخفائها، وقرأ ابن عبّاس بالكسر على إضمار حروف القسم، وقرأ عيسى بن عمر بالفتح على إضمار فعل.
قوله تعالى: ﴿(وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ)﴾ قال المفسّرون: هو القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ، قال ابن عبّاس: (أوّل ما خلق الله القلم، فقيل له: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وهو قلم من نور طوله ما بين السّماء والأرض).وقيل: لمّا خلق الله القلم، نظر إليه فانشقّ نصفين ثم قال له: اجر، قال يا رب بما أجري؟ قال: بما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى على اللوح المحفوظ بذلك.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [أوّل شيء خلق الله القلم، ثمّ خلق النّون وهي الدّواة، ثمّ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل ورزق وأجل، فكتب ما كان وما يكون من ذلك] (٣).
قوله ﴿(وَما يَسْطُرُونَ)﴾ يعني وما تكتب الملائكة الحفظة من أعمال بني آدم، وجواب القسم ﴿(ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ)﴾ وهو جواب لقولهم ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (٤)،فأقسم الله تعالى بالنّون والقلم وبأعمال بني آدم فقال:
﴿ما أَنْتَ؛﴾ يا محمّد؛ ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (٢)؛أي ما أنت بإنعامه عليك بالنبوّة والإيمان بمجنون.
стр. 2812
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً؛﴾ معناه: وإنّ لك أجرا بصبرك على افترائهم عليك ونسبتهم إياك إلى الجنون، ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ (٣)؛أي غير منقوص ولا مقطوع.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٤)؛أي على دين عظيم لم أخلق دينا أحب إليّ، ولا أرضى عندي منه، يعني الإسلام، وروي عن عكرمة عن ابن عبّاس: (يعني القرآن) والمراد آداب القرآن كما أمر الله به نبيّه ﵇.
وسئلت عائشة ﵂ عن خلقه، فقالت للسّائل: (اقرأ العشر الّتي في أوّل سورة المؤمنين، فقرأها، فقالت: تلك خلقه).وقيل: لمّا سئلت عائشة عن خلقه، قالت: (كان خلقه القرآن، يسخط لسخطه، ويرضى لرضاه) (١).
ويقال: إنّ جبريل ﵇ لمّا جاء إلى النبيّ ﷺ بقوله ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ (٢) قال: [أتيتك يا محمّد بمكارم الأخلاق: أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمّن ظلمك].وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق، أدّبني ربي فأحسن تأديبي] (٣).
ويقال: إنّه ﷺ احتمل لله في البلاء إلى أن قال حين شجّ في وجهه: [اللهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون] فأنزل الله تعالى ﴿(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)﴾.قال الجنيد: (سمّى خلقه عظيما لأنّه لم يكن له همّ سوى الله تعالى).وقيل: إنّه ﷺ عاشرهم بخلقه وزايلهم بقلبه، كان ظاهره مع الخلق وباطنه مع الحقّ! وقيل: سمّى خلقه عظيما لاحتمال مكارم الأخلاق فيه.
стр. 2813
وقالت عائشة ﵂: (إنّ الرّجل ليدرك بخلقه درجة قائم اللّيل وصائم النّهار) (١)،وقال ﷺ : [ما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن] (٢).
وقال ﷺ : [إنّ أحبّكم إلى الله تعالى أحاسنكم أخلاقا، الموطّئون أكنافا، الّذين يؤلفون ويألفون. وأبغضكم إلى الله تعالى المشّاءون بالنّميمة، المفرّقون بين الإخوان، الملتمسون للعثرات] (٣).
قوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ (٥)؛أي ستعلم ويعلمون، يعني أهل مكّة، وهذا وعيد لأهل مكّة بالعذاب ببدر، يعني: سترى ويرى أهل مكّة إذا نزل بهم العذاب ببدر،
﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ (٦)؛الباء زائدة، والمعنى: أيّكم المجنون الذي فتر بالجنون أأنت أم هم؟ يعني أنّهم يعلمون عند العذاب أنّ الجنون كان لهم حين عبدوا الأصنام، وتركوا دينك.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ؛﴾ معناه: إنّ ربّك يا محمّد أعلم بمن سبق له الشّقاء في علمه، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٧)؛أي أعلم بمن سبقت له السّعادة.
قوله تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٨)؛بالكتب والرّسل، وهم رءوس الكفّار الذين كانوا يدعونه إلى دين آبائه.
وقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (٩)؛معناه: تمنّى الكفار يا محمّد أن تضايعهم فيضايعونك، وتلاينهم فيلاينونك، مأخوذ من الدّهن.
стр. 2814
وقال مجاهد: (معناه: إظهار القول باللّسان بخلاف ما في القلب، كأنّه شبّه التّليين في القول بتليين الدّهن).وقال مجاهد: (معناه: ودّوا لو تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحقّ فيمالئونك) (١).وقال الضحّاك: (ودّوا لو تكفر فيكفرون) (٢).وقال زيد بن أسلم: (ودّوا لو تنافق وترائي فينافقون).قال ابن قتيبة: (كانوا أرادوه أن يعبد آلهتهم مدّة ويعبدون الله مدّة).
قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ﴾ (١٠)؛هذا تحذير للنبيّ ﷺ عن الرّكون. والحلاّف: كثير الحلف بالباطل، والمهين: قيل: من المهانة؛ وهي الحقارة والضعف في الرّأي والتمييز، قيل: إنّ المراد به الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان قد عرض على النبيّ ﷺ ليرجع عن دينه، وسمّي مهينا لاستخارته الحلف والكذب على الصّدق، ثم كانت الآية عامّة في كلّ من كان في طريقته. وقيل: المراد به الأسود بن عبد يغوث، وقيل: الأخنس بن شريق.
وقوله تعالى: ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ (١١)؛الهمّاز: المغتاب الطعّان للناس، مشّاء بنميم: أي يمشي بالنّميمة بين الناس؛ ليفسد بينهم. وقيل: الهمّاز:
الوقّاع في الناس، العائب لهم بما ليس فيهم، ويسمّى النّمّام: القتّات، قال ﷺ : [لا يدخل الجنّة قتّات] (٣).
قوله تعالى: ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ؛﴾ أي كثير المنع للخير، وكان الوليد بن المغيرة بهذه الصّفة يمنع الناس من اتّباع النبيّ ﷺ ، وكان يمنع أهله وولده والحميّة عن الإسلام، يقال: المنّاع للخير البخيل الذي هو كثير المنع للحقوق الواجبة في المال.
стр. 2815
قوله : ﴿مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ (١٢)؛المعتدي: هو الغشوم الظلوم على عباد الله، والأثيم: الكذاب الذي هو كثير الإثم.
قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ﴾ (١٣)؛العتلّ: شديد الخصومة بالباطل. وقيل: الشديد الحلف، أكول شروب رحيب البطن سريح صحيح الجسم على بطنه، ويجيع عبده ويمنع رفده، ومأخوذ من العتل وهو الشدّة في السّحب. وقيل: شديد الخلق وأحسن الخلق. وقيل: هو الجافي القاسي اللئيم العسر الضّجر. وقال الكلبيّ: (هو الشّديد في كفره).
قوله تعالى: ﴿(بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ)﴾ أي مع ما وصفناه به زنيم، وقيل: معناه عتلّ مع ذلك زنيم، والزّنيم: الملصق في القوم وليس منهم، والزّنيم هو الدّعيّ، قال الشاعر (١):
زنيم ليس يعرف من أبوه ... بغيّ الأمّ ذو حسب لئيم
وعن ابن عبّاس في قوله تعالى (زنيم) قال: (يعرف بالشّرّ كما تعرف الشّاة بزنمتها) (٢).وقال ابن عبّاس: (معنى قوله (زنيم) أي هو مع كفره دعيّ في قريش ليس منهم) (٣).قيل: إنما ادعاه أبوه إلاّ بعد ثماني عشرة سنة.
وقال عليّ بن أبي طالب ﵁: (الزّنيم الّذي لا أصل له).قال ابن قتيبة: (لا نعلم أنّ الله وصف أحدا كما ذكره، ولا بلغ من ذكر عيوبه كما بلغ عيوب الوليد بن المغيرة؛ لأنّه وصفه بالحلف والمهانة والعيب للنّاس والمشي بالنّمائم والبخل والظّلم والإثم والجفا والدّعوة، فألحق به عارا لا يفارقه في الدّنيا والآخرة).
وفي الحديث عن النبي ﷺ : [لا يدخل الجنّة جوّاظ ولا جعظريّ ولا العتلّ الزّنيم] وقيل: يا رسول الله ما الجوّاظ؟ قال: [الّذي جمع ومنع تدعوه لظّى نزّاعة
стр. 2816
للشّوى] قيل: وما الجعظريّ؟ قال: [الفظّ الغليظ] قيل: وما العتلّ الزّنيم؟ قال:
[الشّديد الخلق الرّحيب البطن، ظلوم للنّاس] (١).
قال ﷺ : [تبكي السّماء من رجل أصحّ الله جسمه وأرحب جوفه وأعطاه الدّنيا، فكان للنّاس ظلوما، فذلك العتلّ الزّنيم] قال: [وتبكي السّماء من الشّيخ الزّاني ما تكاد الأرض تقلّه] (٢).وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يدخل الجنّة ولد الزّنا ولا ولده ولا ولد ولده، وأنّ أولاد الزّناة يحشرون في يوم القيامة في صورة القردة والخنازير] (٣).
وقال ﷺ : [لا تزال أمّتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزّنى، فإن فشا فيهم ولد الزّنا فيوشك أن يعمّهم الله بعقاب] (٤)،وقال عكرمة: (إذا كثر أولاد الزّنا قلّ المطر) (٥).
قوله تعالى: ﴿أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ﴾ (١٤)؛معناه: لا تطعه لأنه كان ذا مال وبنين؛ أي لا تطعه لماله وبنيه، وكان ماله نحوا من سبعة آلاف مثقال من
стр. 2817
فضّة، وكان له بنون عشرة، وكان يقول لهم: من أسلم منكم فلا يدخلنّ داري، ولا أنفعه بشيء أبدا. قرأ ابن عامر ويعقوب «(أن كان ذا مال)» بالمدّ، وقرأ حمزة وعاصم «(أأن)» كان بهمزتين. وقرأ غيرهم على الخبر حين قرأ بالاستفهام، فمعناه: ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه، ويجوز أن يكون راجعا الى ما بعده، والمعنى: لأجل أن كان ذا مال وبنين.
وقوله تعالى: ﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا؛﴾ وهي القرآن أبى أن يقبلها و؛ ﴿قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٥)؛أي ما كتبه الأوّلون من أحاديثهم قد درسه محمّد وأصحابه.
قوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ (١٦)؛أي سنسمه بالسّواد على الأنف، وذلك أنه يسودّ وجهه قبل دخول النار، والمعنى: سنعلمه بعلامة يعرفه بها جميع أهل القيامة، ويقال: سنسمه بسيماء لا تفارقه آخر الدهر؛ أي نلحق به عارا يبقى ذلك عليه أبدا، كما تعرف الشاة بسيمتها، والخرطوم: الأنف، وقال الضحّاك: (سنكويه على وجهه).
قوله تعالى: ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ (١٧)؛معناه: إنّا امتحنّا أهل مكة بالجوع والقحط والقتل والسّبي والهزيمة يوم بدر، كما امتحنّا أهل البستان، وأراد به بستانا كان باليمن يعرف بالقيروان دون صنعاء بفرسخين، كان يطئوه أهل الطريق، قد غرسه قوم بعد عيسى ﵇ وهم قوم بخلاء، وقيل: من بني إسرائيل، وكانوا مسلمين باليمن، ورثوا هذا البستان من أبيهم وفيه زرع ونخيل، وكان أبوهم يجعل مما فيه حظّا للمسلمين عند الحصاد والصّرام.
فلمّا مات أبوهم ورثوه وكانوا ثلاثة، قالوا: إنّ المال قليل والعيال كثير، فلا يسعنا أن نفعل ما كان يفعل أبونا، وإنما كان أبونا يفعل ذلك لأن المال كان كثيرا والعيال قليلا، فعزموا على حرمان المساكين، فتحالفوا بينهم يوما ليغدوا غدوة قبل خروج الناس ليقطعوا نخلهم إذا أصبحوا بسرقة من الليل من غير أن يشعر بهم المساكين،
стр. 2818
قبل أن يخرج المساكين إليه ﴿(وَلا يَسْتَثْنُونَ)﴾ أي ولم يقولوا إن شاء الله (١).
وروي أنّ أباهم كان يأخذ من هذا البستان قوت سنة لنفسه، وكان يتصدّق بما بقي على المساكين. وقيل: إنه كان يترك لهم ما خرج من السّباط الذي كان يسقط تحت النّخلة إذا صرمت، فقال بنوه بعد موته: نحن جماعة وإن فعلنا ما كان يفعله أبونا ضاق عيشنا، فحلفوا ليصرمنّها مصبحين لئلاّ يصل إلى المساكين منها شيء، ولا يستثنون.
وإنما شبّه اختبار أهل مكّة باختبار أهل البستان؛ لأن أبا جهل كان قال يوم بدر قبل التقاء الفئتين: والله لنأخذهم أخذا، ولم يستثن، فقال ﷺ حين بلغه الخبر:
[اللهمّ اشدد وطأتك على مضر، اللهمّ سنين كسنين يوسف]،وكان هذا الدعاء قبل وقوع الهزيمة على الكفّار، فابتلاهم الله بالجوع والقحط سبع سنين حتى أكلوا العظام المحرّقة.
قوله تعالى: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ﴾ (١٩)؛وذلك أنّهم لمّا تخافتوا تلك الليلة على أن يصرموها، سلّط الله على جنّتهم (٢) بالليل نارا فأحرقته وهم نائمون.
ولا يكون الطّائف إلاّ بالليل، ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ (٢٠) أي كاللّيل المظلم سوداء محترقة. والصّريمان: الليل والنهار، ولا يصرم أحدهما من الآخر، وقيل: سمي الليل صريما؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرّف في الأمور.
قوله تعالى: ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ (٢٢)؛أي أصبحوا عند طلوع الفجر ينادي بعضهم بعضا: أن اغدوا إلى بستانكم وزروعكم إن كنتم قاطعين للثّمار والأعناب والزّروع قبل أن يعلم المساكين بنا.
قوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ﴾ (٢٣)؛أي فتنادوا مصبحين، وخرجوا مسرعين يتخافتون؛ أي يسرّون الكلام فيما بينهم ويتشاورون فيما بينهم
﴿أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ (٢٤)،يزاحمهم على الثمرة أن لا
стр. 2819
يقطعنّها أحد من المحتاجين، والمعنى: أنّهم كانوا يتشاورون يقول بعضهم لبعض: ﴿(لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ)﴾،والتّخافت: هو إخفاء الحركة، والخفوت: السّكوت.
قوله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ (٢٥)؛أي غدوا على قصد منع الفقراء قادرين في زعمهم على إحراز ما في جنّتهم من الثمار دون الفقراء، وهم لا يعلمون أنّها قد احترقت ليلا وهم نائمون. وقيل: إن الحرد هو المنع والغضب والحنق على المساكين، وقيل: الحرد هو الجدّ، وقيل: الغلظ.
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْها قالُوا إِنّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (٢٧)؛ فلمّا رأوا جنّتهم عند الصباح سوداء محترقة قالوا: إنا قد ضللنا الطريق وليست هذه جنّتنا، فلما أمعنوا النظر عرفوها، فعلموا أنّها عقوبة، فقالوا: ﴿(بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ)﴾ أي حرمنا ثمر جنّتنا لمنعنا المساكين، وما أخطأنا الطريق إليها.
قوله تعالى: ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ (٢٨)؛أي قال أعدلهم وأفضلهم، وقيل: أوسط الثلاثة سنّا، قال لهم: ألم أقل لكم هلاّ تستثنون في حلفكم وقد كان قال لهم ذلك عند قسمهم.
وإنما أقيم لفظ التّسبيح مقام الاستثناء؛ لأنّ في الاستثناء تعظيم الله، والإقرار بأنّ أحدا لا يقدر أن يفعل فعله إلاّ بمشيئة الله تعالى. ويقال: كان استثناء القوم في ذلك الزمان التسبيح. ويجوز أن يكون معنى التسبيح هاهنا: هلاّ تنزّهون الله وتستغفرونه من سوء نيّاتكم؟
﴿قالُوا؛﴾ عند ما رأوا من قدرة الله تعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّنا؛﴾ أي تنزيها لربنا وتعظيما واستغفارا له، ﴿إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ (٢٩)؛ لأنفسنا بما عزمنا عليه من الذهاب بحقوق الفقراء ومنعنا لهم.
قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ (٣٠)؛أي أقبلوا يلوم بعضهم بعضا بما كان منهم من منع المساكين، يقول كلّ واحد منهم لصاحبه: هذا من عملك، وأنت الذي بدأت بذلك،
стр. 2820
ثم رجعوا إلى الله تعالى ورجوا منه العقبى، وسألوه أن يبدلهم خيرا منها فقالوا: ﴿عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ (٣٢)؛أي نرغب إليه ونرجو منه الخلف في الدّنيا، والثواب في الآخرة.
قال الله تعالى: ﴿كَذلِكَ الْعَذابُ؛﴾ أي هذا العذاب في الدنيا لمن منع حقّ الله ولمن كفر بنعمة الله، ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ؛﴾ وأشدّ على كفّار مكة، ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٣)؛ أن الذي يخوّفهم الله به حقّ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (٣٦)؛وذلك أنّ عتبة بن ربيعة كان يقول: إن كان ما يقوله محمّد حقّا في النعيم في الآخرة لنكوننّ أفضل منهم في الآخرة، فضّلنا عليهم في الدّنيا. فأنزل الله هذه الآيات لبيان أنّ جنات النعيم في الآخرة خاصّة للّذين يتّقون الشّرك والفواحش.
وقوله تعالى: ﴿(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ)﴾ هذا استفهام معناه الإنكار والتوبيخ. وقوله تعالى: ﴿(ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)﴾ إنكار عليهم أيضا لمّا حكموا بالسوية بين أهل الثواب وأهل العقاب.
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ (٣٨) أي ألكم يا أهل مكّة كتاب من الله، فيه تقرءون بأنّ لكم في الدّنيا والآخرة ما تختارون لأنفسكم. والمعنى: ألكم فيه كتاب تقرءون أنّ لكم في ذلك الكتاب ما تختارون.
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ﴾ (٣٩)؛معناه: ألكم علينا عهود وثيقة إلى يوم القيامة، بأن لكم ما تقضون لأنفسكم أن لكم من الخير والكرامة (١)،وإنما كسرت (إنّ) في هاتين الآيتين لدخول اللام في خبرها.
ثم قال تعالى لنبيّه ﵇: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ﴾ (٤٠)؛أي سلهم يا محمّد أيّهم كفيل لهم بأنّ لهم في الآخرة ما للمسلمين، والزّعيم هو الكفيل الضّامن.
стр. 2821
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ (٤١)؛معناه:
ألهم فيما يقولون شهداء وأعوان عليه؟ فليأتوا بشركائهم يشهدون لهم بذلك إن كانوا صادقين في مقالتهم، وأراد بالشّركاء الأصنام التي أشركوها بالله تعالى.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٤٢) معناه: يوم يكشف عن الأمور الشدائد وهو يوم القيامة، وهذا مما كثر استعماله في كلام العرب على معنى يوم يشتدّ الأمر كما يشتدّ ما يحتاج إلى أن يكشف فيه عن ساق، ومن ذلك قولهم: قامت الحرب على ساق، وكشفت عن ساق، وإن لم يكن للحرب ساق.
وانتصب قوله ﴿(يَوْمَ يُكْشَفُ)﴾ على الظّرف لقوله ﴿(فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ)﴾ في ذلك اليوم لتنفعهم أو تشفع لهم، وعن عكرمة قال: (سئل ابن عبّاس عن قوله تعالى ﴿(يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ)﴾ فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشّعر، فإنّه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشّاعر:
والخيل تعدو عند وقت الإشراق ... وقامت الحرب بنا على ساق) (١)
أي يوم القيامة يوم كرب وشدّة، وقال ابن قتيبة: (أصل هذا أنّ الرّجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجدّ فيه يشمّر عن ساقيه) فاستعير الكشف عن الساق في موضع الشدّة، وقال دريد بن الصمّة يرثي أخاه:
كشمس الإزار خارج نصف ساقه ... صبور على الجلا طلاّع أنجد
يقال للأمر إذا اشتدّ وتفاقم وتراكب غمّه وكشف عن ساقه يوم يشتدّ الأمر، كما يشتدّ ما يحتاج إليه إلى أن يكشف عن ساق.
стр. 2822
قوله تعالى: ﴿(وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ)﴾ قال المفسّرون: يسجد الخلق كلّهم سجدة واحدة، ويبقى الكفّار والمنافقون يريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون، كما روي: أن أصلابهم يومئذ تصير عظما واحدا مثل صياصيّ البقر، يعني قرونها. ويقال: يأمر الله أهل القيامة بالسّجود، فمن كان يسجد له في الدّنيا قدر على السّجود في الآخرة، ومن لا فلا، فيكون ذلك أمارة تمييز المؤمن من الكافر.
قوله تعالى: ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ؛﴾ أي ذليلة، وذلك إذا عاينوا النار، وأيقنوا بالعذاب. قوله تعالى: ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ؛﴾ أي تغشاهم ذلّة الندامة والحسرة، وتعلوهم كآبة وحزن وسواد الوجه.
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ؛﴾ يعني وقد كانوا يدعون بالأذان في الدّنيا، ويؤمرون بالصلاة المكتوبة، ﴿وَهُمْ سالِمُونَ﴾ (٤٣)؛أي معافون ليس في أصلابهم مثل سفافيد الحديد.
وقوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ؛﴾ أي خلّ بيني وبين من يكذّب بهذا القرآن، لا تشغل قلبك به، كله فأنا أكفيك أمره. قوله تعالى:
﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤٤)؛أي كلما جدّدوا معصيته جدّدنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها ثم أخذناهم بغتة.
قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (٤٥)؛قد تقدّم تفسيره.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ (٤٦)؛أي أتسألهم أجرا يا محمّد على ما تدعوهم إليه من الإيمان جعلا فهم من الغرم الذي يلزمهم بإجابتك مثقلون فيمتنعون عن الإجابة بسببه.
قوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٤٧)؛أي أعندهم الوحي بأنّك على الباطل وهم على الحقّ، فيكتبون ذلك الوحي ويخاصمونك به.
قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ؛﴾ أي اصبر يا محمّد على تبليغ الوحي والرسالة، ولا تكن في الضّجر والعجلة كصاحب الحوت يونس
стр. 2823
عليه السّلام، والمعنى: لا تضجر فيما يلحقك من الأذيّة من جهلهم (١) كما ضجر صاحب الحوت، فخرج من بين ظهرانيهم قبل أن يأذن الله له حتى التقمه الحوت، ﴿إِذْ نادى،﴾ فنادى وهو في بطن الحوت: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ (٤٨)؛أي مملوء غمّا،
﴿لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ؛﴾ بقبول توبته، ﴿لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ (٤٩)؛أي لألقي من بطن الحوت على وجه الأرض، وقيل: معناه: لنبذ بالضّجر وهو ملوم مذموم، ولكن قبل الله توبته، فنبذ وهو غير مذموم.
قوله تعالى: ﴿فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٥٠)؛أي اختار يونس لنبوّته وللإسلام، فجعله من الصّالحين بقبول توبته، فردّ إليه الوعي وشفّعه في قومه.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ؛﴾ اختلفوا في ذلك، قال بعضهم: كان عادة العرب أنّهم إذا حسدوا إنسانا تجوّعوا ثلاثة أيّام، ثم خرجوا عليه فقالوا له: ما أحسنك؛ ما أجملك؛ ما كذا وكذا ليصيبوه بأعينهم، فتواطئوا على أن يفعلوا ذلك بالنبيّ ﷺ ، فدفع الله عنه كيدهم وشرّهم. وقيل: إن العين كان في بني إسرائيل أشدّ، حتى أنّ الناقة السمينة والبقرة السّمينة كانت تمرّ بأحدهم، فيعاينوها ثم يقول: يا جارية خذي الزّنبيل والدرهم واذهبي ائتنا بلحم من هذه، فما يبرح أن تنحر من ساعتها.
قال الكلبيّ: (كان رجل من العرب يمكث لا يأكل يومين أو ثلاثة، ثمّ يرفع جانب خبائه فتمرّ به الإبل، فيقول فيها ما يعجبه، فما تذهب إلاّ قريبا حتّى تسقط لوقتها، فسأل الكفّار هذا الرّجل أن يصيب رسول الله ﷺ بعينه ويفعل به مثل ذلك، فأجابهم إلى ذلك (٢)،فعصم الله تعالى نبيّه وحفظه عنهم، وأنزل هذه الآية).
стр. 2824
وروي أنّ الكفار كانوا يقصدون رسول الله ﷺ أن يصيبوه بالعين، وكانوا ينظرون إليه نظر أشدّ يدا بالعين، وقال الزجّاج: (معنى الآية: أنّ الكفّار كانوا من شدّة بغضهم لرسول الله ﷺ ينظرون إليه نظر البغضاء) (١)،والمعنى: تكاد الكفّار بنظرهم إليك أن يصرعوك.
وقرأ نافع «(ليزلقونك)» بفتح الياء، يقال: زلق هو وزلقته، مثل حزنته وحزن هو، وقرأ الباقون «(ليزلقونك)» من أزلقه من موضعه إذا نحّاه، وعن رسول الله ﷺ أنّه قال: [العين حقّ، ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين] (٢) وقال: [إنّ العين لتدخل الرّجل القبر، والجمل القدر] (٣).
وقيل: معنى الآية: وإن يكاد الذين كفروا من شدّة إبغاضهم وعداوتهم لك يسقطونك ويصرفونك عمّا أنت عليه من تبليغ الرّسالة ويزيلونك عن المقام الذي أقامك الله فيه.
قوله تعالى: ﴿لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ (٥١)؛أي لما أعيتهم الحيلة عن صرف الناس عنك نسبوك إلى الجنون مع علمهم بخلاف ذلك. قوله تعالى:
﴿(لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ)﴾ يعني القرآن، وذلك أنّهم كانوا يكرهون القرآن أشدّ الكراهة، فيحدّون النظر إلى النبيّ ﷺ حين يتلوه بالبغضاء، وكانوا ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن،
فقال الله تعالى: ﴿وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (٥٢)؛أي ما القرآن الذي يقرؤه عليهم إلاّ عظة للخلائق كلّهم.
آخر تفسير سورة (نون-القلم) والحمد لله رب العالمين
стр. 2825
سورة الحاقّة
سورة الحاقّة مكّيّة، وهي ألف وأربعة وثمانون حرفا، ومائتان وستّ وخمسون كلمة، واثنتان وخمسون آية. قال ﷺ : [من قرأها حاسبه الله حسابا يسيرا] (١).وبالله التّوفيق.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ (٢)؛اسم من أسماء القيامة، سمّيت به حاقّة لأنّها حقّت فلا كاذبة لها، ولأنّ فيها حواق الأمور وحقائقها، وفيها يحقّ الجزاء على الأعمال؛ أي يجب، يقال: حقّ عليه الشيء إذا وجب، قال الله تعالى: ﴿وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٢)،ولا يكون في القيامة إلاّ حقائق الأمور.
وقوله تعالى: ﴿(مَا الْحَاقَّةُ)﴾ استفهام بمعنى التفخيم لشأنها، كما يقال:
زيد ما هو؟ على التعظيم لشأنه،
ثم زاد في التّهويل فقال: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ (٣)؛أي كأنّك لست تعلمها إذا لم تعاينها، ولم تر ما فيها من الأهوال.
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ﴾ (٤)؛أي بطغيانهم وكفرهم، هذا قول ابن عبّاس ومجاهد، كذبوا بالقيامة فأهلكهم الله، والقارعة من أسماء القيامة، سمّيت بذلك لأنّها تقرع القلوب بالأهوال والمخافة.
قوله تعالى: ﴿فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ (٥)؛أي بطغيانهم وكفرهم، هذا قول ابن عبّاس ومجاهد، وقال آخرون: يعني أهلكوا بالصّيحة الطاغية، وهي التي جاوزت الحدّ والمقدار.
стр. 2826
قوله تعالى: ﴿وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ (٦)؛أي بريح باردة شديدة البرد جدّا بالغة منتهاها في الشدّة. والصّرصر: شدّة البرد، والصّرصر: ما يتكرر فيه البرد الشديد، كما يقال: صلّ اللجام إذا صوّت، فإذا تكرّر صوته قيل: صلصل، والعاتية من قولهم: عتا النبت إذا بلغ منتهاه في الجفاف، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (١)،وقيل: معنى عاتية عتت عن خزائنها فلم يكن لهم عليها سبيل، ولم يعرفوا كم خرج منها.
قوله تعالى: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً؛﴾ أي أرسلها عليهم سبع ليال وثمانية أيّام حسوما؛ أي متتابعة لا ينقطع أوّله عن آخره، كما يتابع الإنسان الكيّ على المقطوع الجسم دمه؛ أي يقطعه. وفي الحديث:
[إنّ هذه الرّيح الّتي أصابتهم كانت قطعة من زمهرير على قدر ما يخرج من حلقة الخاتم] (٢).قال وهب: (هذه الأيّام الّتي أرسلت الرّيح على عاد هي أيّام العجوز ذات برد ورياح شديدة، وانقطع العذاب في اليوم الثّامن).وقيل: سميت أيام العجز؛ لأنّها في عجز الشّتاء، ولها أسامي مشهورة تعرف في كتب اللغة.
قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى؛﴾ معناه: فترى أيّها الرّائي القوم في تلك الأيام والليالي صرعى؛ أي ساقطين بعضهم على بعض موتى، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ (٧)؛أي كأنّهم أصول نخل ساقطة بالية قد نحرت وتآكلت وفسدت. والصّرعى جمع صريع، نحو قتيل وقتلى.
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ﴾ (٨)؛أي هل ترى لهم من نفس باقية قائمة، والمعنى: لم يبق منهم أحد إلاّ أهلكته الريح.
وقوله تعالى: ﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ؛﴾ قرأ أبو عمرو والحسن والكسائيّ ويعقوب بكسر (قبله) بكسر القاف وفتح الباء، ومعناه: وجاءوا فرعون
стр. 2827
ومن يليه من جنوده وأتباعه وجموعه، وقرأ الباقون بفتح القاف وإسكان الباء، ومعناه:
ومن تقدّمه من القرون الخالية.
قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ﴾ (٩)؛يعني قوم لوط انقلبت قرياتهم بأهلها حين خسف بهم جاءوا بالخطإ العظيم وهو الشرك بالله تعالى.
قوله تعالى: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ؛﴾ يعني لوطا ﵇ وموسى ﵇، والمعنى: فعصوا رسل ربهم، إلاّ أنه وحّد الرسول؛ لأنه قد يكون مصدر وأقيم مقام لفظ الجماعة، وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً﴾ (١٠)؛أي زائدة نامية تزيد على الأخذات التي كانت فيمن قبلهم، ومنه الرّبوة للمكان المرتفع، ومنه الرّبا لما فيه من الزيادة.
قوله تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ (١١)؛معناه: لمّا جاوز الماء القدر وارتفع حدّ أيام الطّوفان في زمن نوح ﵇ حتى علا الماء على كلّ شيء وارتفع، حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم في السّفينة الجارية التي تجري على الماء. وسمّى ارتفاع الماء في ذلك اليوم طغيانا لخروجه في ذلك اليوم عن طاعة خزّانه.
ويقال: لا ينزل قطر من السّماء إلاّ وعلم الملائكة محيط بها إلاّ في ذلك اليوم.
قوله تعالى: ﴿لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً؛﴾ أي لنجعل تلك الأخذة وتلك السفينة بما كان من إغراق قوم نوح وإنجائه والمؤمنين معه عظة يتّعظ بها الخلق، فلا تفعلوا ما كان القوم يفعلونه. قوله تعالى: ﴿وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ (١٢)؛أي تسمعها وتحفظها أذن حافظة لما جاء من عند الله.
قال قتادة: (أذن سمعت وعقلت ما سمعت) (١)،وقال الفرّاء: (لتحفظها كلّ أذن) فيكون عظة لمن يأتي بعد، قال رسول الله ﷺ : [سألت الله تعالى أن يجعلها أذنك يا عليّ] قال عليّ: فما سمعت شيئا فنسيته بعد ذلك (٢).وفي تفسير النقّاش (٣):
стр. 2828
[أنّ رسول الله ﷺ حين نزلت ﴿(وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ)﴾ أخذ بأذن عليّ ﵁ وقال: هي هذه] (١).
قوله تعالى: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ (١٣)؛قال عطاء:
(يريد النّفخة الأولى)،وقال الكلبيّ ومقاتل: (النّفخة الثّانية) (٢).والنافخ إسرافيل، وأكثر المفسّرين على أنّها النفخة الأولى التي تكون للموت.
وقوله تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ (١٤)؛أي تحملها الملائكة الموكّلون بها فيضربون الأرض بالجبال والجبال بالأرض دفعة واحدة، فتصير الجبال هباء منبثّا، قال الحسن: (تصير غبرة نفس وجوه الكفّار).والدّكّ: هو الكسر والدّقّ، والمعنى: فدقّتا وكسرتا كسرة واحدة لا يثني (٣)،وقيل: الدّكّ البسط بأن يوصل بعضها إلى بعض حتى تندكّ، ومنه الدّكّان، واندكّ سنام البعير إذا انغرس في ظهره.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ (١٥)؛أي قامت القيامة،
﴿وَانْشَقَّتِ السَّماءُ؛﴾ من هيبة الرّحمن، ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ (١٦)؛ أي ضعيفة جدا لا تستقلّ يومئذ لانتقاض بنيتها.
قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها؛﴾ أي على أطرافها ونواحيها، واحدها أرجا مقصورة وتثنيته رجوان.
قال الضحّاك: (إذا كان يوم القيامة، أمر الله السّماء الدّنيا فتشقّقت، وتكون الملائكة على جوانبها حتّى يأمرهم الله تعالى، فينزلون إلى الأرض فيحيطون بالأرض ومن عليها كما قال تعالى ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٤)) (٥).والملك لفظه لفظ الواحد وأن المراد به اسم الجنس.
стр. 2829
وقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ (١٧)؛قال ابن عبّاس: (ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلاّ الله تعالى) (١).قال رسول الله ﷺ : [اليوم تحمله أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيّدهم الله بأربعة أخرى فكانوا ثمانية] (٢).ومعنى الآية: ويحمل عرش ربك يوم القيامة فوق الأربعة الذين هم على الأرجاء ثمانية. وقال بعضهم: ثمانية من الملائكة على صورة الأوعال من أظلافهم إلى ركبهم كما بين السّماء والأرض (٣).
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ؛﴾ أي تعرضون للحساب، ﴿لا تَخْفى؛﴾ على الله، ﴿مِنْكُمْ؛﴾ نفس؛ ﴿خافِيَةٌ﴾ (١٨)؛ولا يخفى عليه من أعمالكم شيء. قرأ الكوفيّون غير عاصم «(لا يخفى)» بالياء، وقرأ الباقون بالتاء.
وقيل: معنى قوله تعالى ﴿(لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ)﴾ أي لا تخفى سريرة خافية.
قوله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾ (١٩)؛ وهم أهل الثّواب، يعطون كتابهم بأيمانهم فيقول كلّ واحد منهم للناس سرورا بكتابه: تعالوا اقرءوا ما في كتابيه من الثواب والكرامة، وهذا كلام من بلغ غاية السرور.
ومعنى ﴿(هاؤُمُ اقْرَؤُا)﴾ أي هاتوا أصحابي اقرءوا كتابيه، قال ابن السّكيت:
(يقال: هاء يا رجل، وهاؤما يا رجلان، وهاؤم يا رجال) والأصل هاكم فحذفت الكاف، وأبدلت منها همزة، وألقيت حركة الكاف عليها.
وعن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : [أوّل من يعطى كتابه من هذه الأمّة عمر بن الخطّاب، وله شعاع كشعاع الشّمس] فقيل له: فأين أبو بكر؟ فقال:
[هيهات هيهات! زفّته الملائكة إلى الجنّة] (٤).وعن عائشة ﵂ قالت:
стр. 2830
قال رسول الله ﷺ : [يا عائشة كلّ النّاس يحاسبون يوم القيامة إلاّ أبا بكر، فهو في عيشة راضية مرضيّة] (١).
قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ (٢٠)؛معناه: إنّي علمت وأيقنت في الدنيا أنّي أحاسب في الآخرة، وكنت أستعدّ لذلك، وسمي اليقين ظنّا؛ لأنه علم الغيب لا علم شهادة (٢)،ففيه طرف من الظنّ ولذلك قال ﵇: [ليس الخبر كالمعاينة] (٣).
قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ (٢١)؛أي في حالة من العيش مرضيّة برضاها بأن لقي الثواب (٤) وأمن من العقاب، ومعنى (راضية) أي مرضيّة، كقوله: ماء دافق.
وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ (٢٢)،المنازل الرفيعة البناء.
وقوله تعالى: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ (٢٣)؛أي ثمارها دانية ممّن يتناولها، وهو جمع قطف وهو ما يقطف من الثمار، والمعنى: ثمارها قريبة ينالها القائم والقاعد والمضطجع، لا يمنعهم من تناولها شوك ولا بعد.
стр. 2831
ويقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً؛﴾ أي كلوا واشربوا في الجنّة، ﴿بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ (٢٤)؛بما قدّمتم في الأيام الماضية من الأعمال الصالحة، ويعني بالأيام الماضية أيام الدّنيا. والهناء: ما لا يكون فيه أذى من بول ولا غائط، ولا يعقبه دار ولا موت.
وكان ابن عبّاس يقول: (بما أسلفتم في الأيّام الخالية: الصّوم في الأيّام الحارّة).كما روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: [إنّ من أبواب الجنّة بابا يدعى الرّيّان، من دخله لا يظمأ أبدا، يدخله الصّائمون، ثمّ يغلق عليهم فلا يدخل معهم غيرهم] (١).
ويقال: إنّ الله يقول يوم القيامة: يا أوليائي ما نظرت إليكم في الدّنيا، قد قلصت شفاهكم من العطش، وغارت أعينكم وخمصت بطونكم، فكونوا اليوم في نعيمكم، فكلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيّام الخالية (٢).
قوله تعالى: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ؛﴾ قال ابن السائب: (تلوى يده اليسرى خلف ظهره، ثمّ يعطى كتابه).وقيل: ينزع من صدره إلى خلف ظهره، ﴿فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ (٢٦)؛قال الكلبيّ ﵀: (نزلت الآية الأولى قوله تعالى ﴿(فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ)﴾ في أبي سلمة ابن عبد الأسد زوج أمّ سلمة، وكان مسلما يعطيه الملك كتابه بيمينه صحيفة منشورة يقرأ سيّئاته في باطنه، ويقرأ النّاس حسناته في ظاهره، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد أن قد غفر له، فيقول: ﴿(هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ)﴾ ثمّ صارت عامّة للمسلمين).
قال الكلبيّ: ونزلت هذه الآية الثّانية في أخي أبي سلمة، وهو الأسود بن عبد الأسد، وكان كافرا يعطيه الملك الّذي يكتب أعماله كتابا من وراء ظهره، فيجد حسناته غير مقبولة، وسيّئاته غير مغفورة، فيسودّ وجهه ويقول: ﴿(يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ﴾
стр. 2832
﴿كِتابِيَهْ)﴾ وهو عامّ في كلّ كافر، يتمنّى الكافر يومئذ أنّه لم يعط كتابه ولم يعلم ما حسابه تحسّرا على ما كان منه من الكفر والقبائح.
والهاء في (كتابيه) و (حسابيه) هاء الوقف والاستراحة، ولهذا يوقف عليها كما في قوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ (٢٧)؛معناه: يا ليت الموتة الأولى كانت ماضية على الدوام، قال الحسن: (يتمنّون الموت حينئذ ويحبّونه، وكان من أكره الأشياء إليهم في الدّنيا).ويقال: إن الهاء في قوله (يا ليتها) كناية عن الصّيحة التي أخرجته من القبر، يقول: يا ليتها قضت عليّ فاستريح.
قوله تعالى: ﴿ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ (٢٨)؛يعني لم ينفعني كثرة مالي الذي جمعته في الدنيا لأوقات الشدائد والكرب لا يمكنني أن أفتدي بشيء منه، ولم أعمل منه شيئا لهذا اليوم، بل فرّقته فيما لا يحلّ وخلّفته للوارث ولم يدفع عنّي من عذاب الله شيئا.
قوله تعالى: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ (٢٩)؛أي ضلّت عني حجّتي حين شهدت عليّ جوارحي بالشّرك وبجميع ما عملت في الدنيا. وقيل: معنى السّلطان العزّ والأمر والنهي بطل منه كلّ ذلك، وضالا أسيرا لا يقدر على دفع العذاب عن نفسه.
يقول الله: ﴿خُذُوهُ؛﴾ أي يقول الله تعالى للزّبانية الموكّلين بتعذيبه:
خذوه؛ ﴿فَغُلُّوهُ﴾ (٣٠)؛فيثبون عليه فيأخذونه ويجعلون الغلّ في عنقه.
يروي: [أنّه يثب عليه من جهنّم ألف ملك من الزّبانية، فيأخذونه فينقطع في أيديهم، فلا يرى منه في أيديهم إلاّ الودك (٢) ثمّ يعاد خلقا جديدا، فيجعلون الغلّ في عنقه، ويجمعون أطرافه إلى الغلّ الّذي يجعلونه في عنقه،
ثمّ يقذفونه في الجحيم حتّى يتوقّد في النّار] (٣) فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ (٣١)؛أي أدخلوه وألزموه الجحيم.
стр. 2833
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ (٣٢)؛ السّلسلة: حلقة منتظمة ذرعها سبعون ذراعا، الذّراع سبعون باعا، كلّ باع أبعد ما بين الكوفة ومكّة، قال الحسن: (الله أعلم بأيّ ذراع هو).قال ابن أبي نجيح: (بلغني أنّ جميع أهل النّار في تلك السّلسلة).
وقوله تعالى ﴿(فَاسْلُكُوهُ)﴾ أي أدخلوها في دبره، وأخرجوها من فيه، وألقوا ما فضل منها في عنقه. يقال: سلكت الخيط في الإبرة إذا أدخلته فيها، وتقول العرب:
أدخلت الخاتم في إصبعي، والقلنسوة في رأسي، ومعلوم أنّ الإصبع هي التي تدخل في الخاتم، ولكنّهم أجازوا ذلك؛ لأنّ معناه لا يشكل.
وفائدة السّلسلة: أنّ النار إذا رمت بأهلها الى أعلاها جذبتهم الزبانية بالسّلاسل إلى أسفلها، قال ابن عبّاس: (لو وضعت حلقة من تلك السّلسلة على ذروة جبل لذاب كما يذوب الرّصاص، ولو جمع صديد الدّنيا كلّه لما وزن حلقة واحدة من حلق تلك السّلسلة).قال الكلبيّ: (معنى قوله (فاسلكوه) أي اسلكوا السّلسلة فيه كما يسلك الخيط في اللّؤلؤ).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ﴾ (٣٣)؛أي لا يصدّق بتوحيد الله وعظمته، وفيه بيان أنّ هذا النوع من العذاب لا يكون إلاّ للكفّار،
وقوله تعالى: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ (٣٤)؛وهذا راجع إلى منع الحقوق الواجبة في الشّرع، مثل الزكاة ونحوها، وفيه دليل أنّ الكافر يؤاخذ بالشّرعيات في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ (٣٥)؛أي ليس له في الآخرة قريب ينفعه ويحميه،
﴿وَلا طَعامٌ؛﴾ يشبعه، ﴿إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ (٣٦)؛وهو ماء يسيل من أجسام أهل النّار من الصديد والقيح والدّم، وكلّ جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، قال ابن عبّاس: (لو أنّ قطرة من الغسلين وقعت في الأرض أفسدت على النّاس معايشهم).
قوله تعالى: ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ﴾ (٣٧)؛أي لا يأكله إلاّ من يخطئ وخطؤهم الشرك، وعن عكرمة قال: (قرأنا عند ابن عبّاس ﴿(لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ)﴾
стр. 2834
فقال: مه كلّنا نخطئ).والخطأ في الآية ضدّ الصّواب لا ضدّ العمد. والذي ذكره الله في قوله ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ (١) لا يخالف ما في هذه الآيات، ولأن النار دركات، فمنهم من طعامه الغسلين، ومنهم من طعامه الضّريع، ومنهم من طعامه الزّقّوم.
قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ (٣٩)؛معناه:
أقسم بما تشاهدون ممّا في السّماء والأرض، وبما لا تشاهدون مما وراء السّماء والأرض،
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (٤٠)،إنّ هذا القرآن لقول جبريل ﵇ يرويه إلى محمّد ﷺ .
والقرآن قول أقسم الله بجميع ما خلق إعظاما للقسم، وذكر في أوّل الآية (لا) وذلك لأنه قد يزاد في القسم كما يقال: لا والله لا أفعل كذا، ويجوز أن تكون (لا) هاهنا صلة في الكلام مولّدة، وهو قول البصريّين. ويجوز أن تكون لردّ مقالة الكفّار عليهم، وهو قول الفرّاء، والمعنى: ليس كما يقول المشركون أقسم بما تبصرون.
قوله تعالى: ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ﴾ (٤١)؛أي القرآن من عند الله،
وأراد بالقليل نفي إيمانهم أصلا، ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ (٤٢) والكاهن: هو المنجّم، وقيل: هو الذي يوهم معرفة الأمور بما يزعم أنّ له خدما من الجنّ.
وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٤٣)؛معناه: ولكنّه تنزيل من خالق الخلق أجمعين على محمّد ﷺ .
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ (٤٥)؛معناه: لو اخترع علينا محمّد ﷺ بعض هذا القرآن، وتكلّف القول من تلقاء نفسه ما لم نقله، لأخذنا منه بقوّتنا وقدرتنا عليه ثم أهلكناه. واليمين تذكر ويراد بها القوة، قال الشاعر (٢):
стр. 2835
إذا ما رأية رفعت لمجد ... تلقّاها عرابة باليمين
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (٤٦)؛وهو عرق يجري في الظّهر حتى يتّصل بالقلب، إذا انقطع مات صاحبه.
قوله تعالى: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ (٤٧)؛أي ليس منكم أحد يحجزنا عنه بأن يكون حائلا بينه وبين عذابنا. والمعنى: لو تكلّف ذلك لعاقبناه، ثم لم تقدروا أنتم على دفع عقوبتنا.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤٨)؛يعني القرآن عظة لمن اتّقى عقاب الله،
﴿وَإِنّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ (٤٩)؛بالقرآن،
﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٥٠)،في الآخرة يندمون على ترك الإيمان به،
﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ (٥١)؛أي أصدق يقين أنه من الله تعالى لمن تدبّر وانصف،
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (٥٢)؛أي سبح الله العظيم ونزّهه عمّا لا يليق به.
آخر تفسير سورة (الحاقة) والحمد لله رب العالمين.
стр. 2836
سورة المعارج
سورة المعارج مكّيّة، وهي ألف ومائة وواحد وستّون حرفا، ومائتان وستّ عشرة كلمة، وأربع وأربعون آية. قال ﷺ : [من قرأها أعطاه الله ثواب الّذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، والّذين هم على صلاتهم يحافظون] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ (١)؛نزلت في النّضر بن الحارث حين قال ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢) والمعنى دعا دعاء على نفسه بعذاب، وذلك العذاب واقع لا محالة لا بدّ منه،
ذلك العذاب عند وقوعه، ﴿لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ (٢)(٣)؛يدفعه عنهم، فقتل النّضر يوم بدر صبرا وهو من الكافرين، ولم يقتل يومئذ من الأسارى غيره وغير عقبة بن أبي معيط.
قوله تعالى: ﴿مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ﴾ (٣)؛أي وقوع ذلك العذاب من الله ذي الفواضل والنّعم، وسمّيت معارج؛ لأنّها على مراتب. وقيل:
معناه: ذي معالي الدّرجات التي يعطيها أولياءه في الجنّة. وقال الكلبيّ: (معناه: ذي السّماوات) سمّاها معارج؛ لأنّ الملائكة تعرج فيها. وقال ابن زيد: (معنى الآية على
стр. 2837
قراءة من قرأ «(سال)» بغير همزة؛ أي سال واد من أودية جهنّم بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع) (١).
قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ؛﴾ أي تصعد الملائكة والرّوح يعني جبريل ﵇ ﴿إِلَيْهِ؛﴾ أي إلى الموضع الذي لا يجري لأحد سواه فيه حكم.
وقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٤)؛قال عكرمة وقتادة: (يعني يوم القيامة).وعن أبي سعيد قال: قيل: يا رسول الله؛ ما أطول هذا اليوم-يعني يوم القيامة-! فقال ﷺ : [والّذي نفسي بيده إنّه ليخفّف على المؤمن حتّى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصلّيها في الدّنيا] (٢).
وقيل: معنى الآية: تعرج الملائكة والروح إليه في يوم يكون مقداره خمسين ألف سنة لعروج غيرهم، وذلك أنّ من أسفل الأرضين السّبع إلى فوق السموات السّبع خمسين ألف سنة، هكذا روي عن مجاهد. وأما قوله ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٣) هو ما بين سماء الدّنيا إلى الأرض في الصّعود خمسمائة سنة، وفي النّزول خمسمائة سنة كذلك، فذلك قوله ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ لغير الملائكة.
وقال يمان: (يعني: القيامة في يوم القيامة خمسون موطنا، كلّ موطن ألف سنة).وفيه تقديم وتأخير؛ كأنّه قال: ليس له دافع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، تعرج الملائكة والروح إليه. وقيل: معنى الآية: لو جعل الله محاسبة الخلائق إلى أحد غيره لم يفرغ منه في خمسين ألف سنة، وهو يفرغ منه في ساعة واحدة؛ لأنه سريع الحساب.
стр. 2838
قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ (٥)؛أي اصبر يا محمّد على تبليغ الوحي والرسالة وعلى ما يلحقك من الأذيّة من الكفار، والصّبر الجميل هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً﴾ (٦)؛أي يرون العذاب بعيدا غير كائن، كما يخبر الرجل عن شيء فيقول: هذا بعيد؛ أي هذا مما لا يكون،
ونحن، ﴿وَنَراهُ قَرِيباً﴾ (٧)؛أي صحيحا كائنا؛ لأنّ كلّ ما هو كائن قريب.
ثم أخبر متى يقع العذاب فقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ﴾ (٨) أي كالصّفر المذاب، وقيل: كدرديّ الزيت (١)،وقال الحسن: (مثل الفضّة إذا أذيبت)،
﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ﴾ (٩)؛أي كالصّوف الأحمر، وهو أضعف الصّوف، ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ (١٠)؛أي لا يسأل قريبا عن قرائبه لاشتغال كلّ بنفسه من شدّة الأهوال.
وقرأ البزيّ عن ابن كثير «(ولا يسأل حميم)» بضمّ الياء أي لا يقال لحميم: أين حميمك؟ قال الفرّاء: (ولست أشتهي ذلك؛ ضمّ الياء؛ لأنّه مخالف لجماعة القرّاء) (٢).
قوله تعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ؛﴾ أي يعرف الأقارب أقاربهم ساعة من النهار في ذلك اليوم، ثم لا تعارف بعد تلك الساعة، فيبصّر الرجل حميمه بعد ذلك فلا يكلّمه. والمعنى: يعرف الحميم حميمه حتى يعرفه، ومع ذلك لا يسأله عن شأنه لشغله بنفسه.
قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾ (١٢)؛أي يتمنّى الكافر أن يفدي نفسه من عذاب الله بأولاده وزوجته وأخيه.
وقوله تعالى: ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ (١٣)؛أي
стр. 2839
وعشيرته الأقربين التي تضمه ويأوي إليها، وتنصره في المكاره والشدائد، ويودّ أيضا أن يفتدي،
﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ (١٤)؛ذلك الفداء من العذاب.
قوله تعالى: ﴿كَلاّ؛﴾ لا ينجيه؛ قوله تعالى: ﴿إِنَّها؛﴾ وهي من أسماء النّار، سميت بهذا الاسم من قوله: ﴿لَظى﴾ (١٥)؛أي توقد، واللّظى هو اللهب الخالص.
قوله تعالى: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ (١٦)؛صفة النار؛ أي كثيرة النّزع للأعضاء والأطراف.
والشّوى: جمع الشّواة؛ وهو الطّرف، وسمّيت جلدة الرأس أيضا بهذا الاسم.
وفي الحديث: [إنّ النّار تنزع قحف رأسه فتأكل الدّماغ كلّه، ثمّ يعود كما كان، فتعود لأكله، فذلك دأبها أبدا] (١).وقيل: ارتفع قوله (نزّاعة) على إضمار: هي نزاعة للشّوى؛ تنزع اليدين والرّجلين وسائر الأطراف، فلا تترك لحما ولا جلدا إلاّ أحرقته (٢).
قوله تعالى: ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلّى﴾ (١٧)؛أي تدعو النار من أعرض عن الإيمان وتولّى عن التوحيد وأدبر عن الحقّ، فتقول: إليّ يا مشرك؛ إليّ يا منافق؛ إليّ ... إليّ، فإنّ مستقرّك فيّ،
وتدعو أيضا من ﴿وَجَمَعَ،﴾ المال في الدنيا، ﴿فَأَوْعى﴾ (١٨)،أي فجعله في الأوعية، لم يصل به (٣) رحما ولا أدّى فريضة ولا أنفقه في طاعة الله تعالى.
стр. 2840
قوله تعالى: ﴿*إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ (١٩)؛أي ضجورا شحيحا شديد الحرص مع قلّة الصبر،
وتفسير الهلوع مع ما ذكره الله تعالى، ﴿إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ (٢١)،يعني إذا أصابه الفقر والشدّة جزع فلم يصبر ولم يحتسب، وإذا أصابه ما يسرّ به من المال والسّعة منع خلق الله منه ولم يشكر.
وعن ابن عبّاس أنّه قال: (الهلوع الّذي يرضى عند الموجود، ويسخط عند المفقود).وقيل: هو الذي يكون نسّاء عند النّعم، دعّاء عند المحن، وهذا كلّه إخبار عما خلق الإنسان عليه من جهة الطّبع، ثم نهاه عن الجزع والمنع، يستحقّ بذلك جزيل الثواب.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ (٢٣)؛ يعني: فإنّهم يغلبون فرط الهلع لثقتهم بربهم، وثقتهم بمقدوراته، والمعنى: إلاّ المصلّين الصلوات الخمس، ويدومون عليها ولا يدعونها ليلا ولا نهارا. وعن عمران بن الحصين: أنّ معناه: (هم الّذين لا يلتفتون في صلاتهم يمينا ولا شمالا) (١).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (٢٤)؛يعني الزكاة المفروضة؛ لأن ما لا يكون مفروضا لا يكون معلوما،
وقوله تعالى: ﴿لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢٥)؛السائل: الطّوّاف الذي يسأل الناس، والمحروم: الذي يحرم وجوه الاكتساب، لا يسأل ولا يعطى. وعن ابن عبّاس قال: (هو الّذي لا تستقيم له تجارة) (٢).وقيل: هو الذي يسهم له في الغنيمة.
وسئل رسول الله ﷺ عن المحروم فقال: [هو الّذي تحمّل نخل النّاس، ولا يحمل نخله، ويزكو زرع النّاس، ولا يزكو زرعه، وتلبن شاء النّاس ولا تلبن شاهه].
ووجه استثناء المصلّين والمنافقين: أنّ المصلّين لا يفعلون ما يفعله الهلوع؛ لأنّهم يؤدّون حقّ الله، فإنّ مداومتهم على طاعة الله تمنعهم عن أفعال الكفّار.