سورة المعارج
سورة المعارج مكّيّة، وهي ألف ومائة وواحد وستّون حرفا، ومائتان وستّ عشرة كلمة، وأربع وأربعون آية. قال ﷺ : [من قرأها أعطاه الله ثواب الّذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، والّذين هم على صلاتهم يحافظون] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ (١)؛نزلت في النّضر بن الحارث حين قال ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢) والمعنى دعا دعاء على نفسه بعذاب، وذلك العذاب واقع لا محالة لا بدّ منه،
ذلك العذاب عند وقوعه، ﴿لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ (٢)(٣)؛يدفعه عنهم، فقتل النّضر يوم بدر صبرا وهو من الكافرين، ولم يقتل يومئذ من الأسارى غيره وغير عقبة بن أبي معيط.
قوله تعالى: ﴿مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ﴾ (٣)؛أي وقوع ذلك العذاب من الله ذي الفواضل والنّعم، وسمّيت معارج؛ لأنّها على مراتب. وقيل:
معناه: ذي معالي الدّرجات التي يعطيها أولياءه في الجنّة. وقال الكلبيّ: (معناه: ذي السّماوات) سمّاها معارج؛ لأنّ الملائكة تعرج فيها. وقال ابن زيد: (معنى الآية على
стр. 2837
قراءة من قرأ «(سال)» بغير همزة؛ أي سال واد من أودية جهنّم بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع) (١).
قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ؛﴾ أي تصعد الملائكة والرّوح يعني جبريل ﵇ ﴿إِلَيْهِ؛﴾ أي إلى الموضع الذي لا يجري لأحد سواه فيه حكم.
وقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٤)؛قال عكرمة وقتادة: (يعني يوم القيامة).وعن أبي سعيد قال: قيل: يا رسول الله؛ ما أطول هذا اليوم-يعني يوم القيامة-! فقال ﷺ : [والّذي نفسي بيده إنّه ليخفّف على المؤمن حتّى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصلّيها في الدّنيا] (٢).
وقيل: معنى الآية: تعرج الملائكة والروح إليه في يوم يكون مقداره خمسين ألف سنة لعروج غيرهم، وذلك أنّ من أسفل الأرضين السّبع إلى فوق السموات السّبع خمسين ألف سنة، هكذا روي عن مجاهد. وأما قوله ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٣) هو ما بين سماء الدّنيا إلى الأرض في الصّعود خمسمائة سنة، وفي النّزول خمسمائة سنة كذلك، فذلك قوله ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ لغير الملائكة.
وقال يمان: (يعني: القيامة في يوم القيامة خمسون موطنا، كلّ موطن ألف سنة).وفيه تقديم وتأخير؛ كأنّه قال: ليس له دافع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، تعرج الملائكة والروح إليه. وقيل: معنى الآية: لو جعل الله محاسبة الخلائق إلى أحد غيره لم يفرغ منه في خمسين ألف سنة، وهو يفرغ منه في ساعة واحدة؛ لأنه سريع الحساب.
стр. 2838
قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ (٥)؛أي اصبر يا محمّد على تبليغ الوحي والرسالة وعلى ما يلحقك من الأذيّة من الكفار، والصّبر الجميل هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً﴾ (٦)؛أي يرون العذاب بعيدا غير كائن، كما يخبر الرجل عن شيء فيقول: هذا بعيد؛ أي هذا مما لا يكون،
ونحن، ﴿وَنَراهُ قَرِيباً﴾ (٧)؛أي صحيحا كائنا؛ لأنّ كلّ ما هو كائن قريب.
ثم أخبر متى يقع العذاب فقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ﴾ (٨) أي كالصّفر المذاب، وقيل: كدرديّ الزيت (١)،وقال الحسن: (مثل الفضّة إذا أذيبت)،
﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ﴾ (٩)؛أي كالصّوف الأحمر، وهو أضعف الصّوف، ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ (١٠)؛أي لا يسأل قريبا عن قرائبه لاشتغال كلّ بنفسه من شدّة الأهوال.
وقرأ البزيّ عن ابن كثير «(ولا يسأل حميم)» بضمّ الياء أي لا يقال لحميم: أين حميمك؟ قال الفرّاء: (ولست أشتهي ذلك؛ ضمّ الياء؛ لأنّه مخالف لجماعة القرّاء) (٢).
قوله تعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ؛﴾ أي يعرف الأقارب أقاربهم ساعة من النهار في ذلك اليوم، ثم لا تعارف بعد تلك الساعة، فيبصّر الرجل حميمه بعد ذلك فلا يكلّمه. والمعنى: يعرف الحميم حميمه حتى يعرفه، ومع ذلك لا يسأله عن شأنه لشغله بنفسه.
قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾ (١٢)؛أي يتمنّى الكافر أن يفدي نفسه من عذاب الله بأولاده وزوجته وأخيه.
وقوله تعالى: ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ (١٣)؛أي
стр. 2839
وعشيرته الأقربين التي تضمه ويأوي إليها، وتنصره في المكاره والشدائد، ويودّ أيضا أن يفتدي،
﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ (١٤)؛ذلك الفداء من العذاب.
قوله تعالى: ﴿كَلاّ؛﴾ لا ينجيه؛ قوله تعالى: ﴿إِنَّها؛﴾ وهي من أسماء النّار، سميت بهذا الاسم من قوله: ﴿لَظى﴾ (١٥)؛أي توقد، واللّظى هو اللهب الخالص.
قوله تعالى: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ (١٦)؛صفة النار؛ أي كثيرة النّزع للأعضاء والأطراف.
والشّوى: جمع الشّواة؛ وهو الطّرف، وسمّيت جلدة الرأس أيضا بهذا الاسم.
وفي الحديث: [إنّ النّار تنزع قحف رأسه فتأكل الدّماغ كلّه، ثمّ يعود كما كان، فتعود لأكله، فذلك دأبها أبدا] (١).وقيل: ارتفع قوله (نزّاعة) على إضمار: هي نزاعة للشّوى؛ تنزع اليدين والرّجلين وسائر الأطراف، فلا تترك لحما ولا جلدا إلاّ أحرقته (٢).
قوله تعالى: ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلّى﴾ (١٧)؛أي تدعو النار من أعرض عن الإيمان وتولّى عن التوحيد وأدبر عن الحقّ، فتقول: إليّ يا مشرك؛ إليّ يا منافق؛ إليّ ... إليّ، فإنّ مستقرّك فيّ،
وتدعو أيضا من ﴿وَجَمَعَ،﴾ المال في الدنيا، ﴿فَأَوْعى﴾ (١٨)،أي فجعله في الأوعية، لم يصل به (٣) رحما ولا أدّى فريضة ولا أنفقه في طاعة الله تعالى.
стр. 2840
قوله تعالى: ﴿*إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ (١٩)؛أي ضجورا شحيحا شديد الحرص مع قلّة الصبر،
وتفسير الهلوع مع ما ذكره الله تعالى، ﴿إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ (٢١)،يعني إذا أصابه الفقر والشدّة جزع فلم يصبر ولم يحتسب، وإذا أصابه ما يسرّ به من المال والسّعة منع خلق الله منه ولم يشكر.
وعن ابن عبّاس أنّه قال: (الهلوع الّذي يرضى عند الموجود، ويسخط عند المفقود).وقيل: هو الذي يكون نسّاء عند النّعم، دعّاء عند المحن، وهذا كلّه إخبار عما خلق الإنسان عليه من جهة الطّبع، ثم نهاه عن الجزع والمنع، يستحقّ بذلك جزيل الثواب.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ (٢٣)؛ يعني: فإنّهم يغلبون فرط الهلع لثقتهم بربهم، وثقتهم بمقدوراته، والمعنى: إلاّ المصلّين الصلوات الخمس، ويدومون عليها ولا يدعونها ليلا ولا نهارا. وعن عمران بن الحصين: أنّ معناه: (هم الّذين لا يلتفتون في صلاتهم يمينا ولا شمالا) (١).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (٢٤)؛يعني الزكاة المفروضة؛ لأن ما لا يكون مفروضا لا يكون معلوما،
وقوله تعالى: ﴿لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢٥)؛السائل: الطّوّاف الذي يسأل الناس، والمحروم: الذي يحرم وجوه الاكتساب، لا يسأل ولا يعطى. وعن ابن عبّاس قال: (هو الّذي لا تستقيم له تجارة) (٢).وقيل: هو الذي يسهم له في الغنيمة.
وسئل رسول الله ﷺ عن المحروم فقال: [هو الّذي تحمّل نخل النّاس، ولا يحمل نخله، ويزكو زرع النّاس، ولا يزكو زرعه، وتلبن شاء النّاس ولا تلبن شاهه].
ووجه استثناء المصلّين والمنافقين: أنّ المصلّين لا يفعلون ما يفعله الهلوع؛ لأنّهم يؤدّون حقّ الله، فإنّ مداومتهم على طاعة الله تمنعهم عن أفعال الكفّار.
стр. 2841
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ (٢٧)؛
أي خائفون حذرون، ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ (٢٨) أي لا يؤمن وقوعه بمن يستحقّه.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ؛﴾ أي لا يرسلونها إلاّ على أزواجهم الأربع أو جواريهم، ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٣٠)،أي فإنّهم لا يلامون على ترك حفظ فروجهم عن هؤلاء،
﴿فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ،﴾ أي فمن اعتدى وضلّ في استباحة الوطء طريقا غير هذين الطّريقين، ﴿فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ (٣١)؛يتعدّون الحلال إلى الحرام.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ (٣٢)؛معناه: والذين هم لأماناتهم التي ائتمنوا عليها في أمر الدين، والذين للعهد الذي بعث به الأنبياء إلى الخلق راعون، وكلّ محافظ على شيء فهو راع له، والإمام راع لرعيّته. ويدخل في هذه الآية أمانات الناس فيما بينهم وعهودهم وعقودهم بينهم.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ (٣٣)؛أي الذين يقومون بأدائها على وجهها، ولا يكتمونها وإن كانت على أنفسهم،
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ (٣٤)؛أي يراعون مواقيتها وشروطها وحدودها.
والفائدة في إعادة ذكر الصّلاة؛ لتعظيم أمرها وتفخيم شأنها.
وقوله تعالى:
﴿أُولئِكَ فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ (٣٥)؛معناه: الذين استجمعوا هذه الخصال في جنّات في الآخرة مكرمين بالتّحف والهدايا.
قوله تعالى: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ (٣٦)؛هذه الآية في المستهزءين؛ وهم خمسة سمّيناهم من قبل، كانوا قد جلسوا حول النبيّ ﷺ يستهزءون بالقرآن ويكذّبون به، فقال الله تعالى: ما لهم ينظرون إليك، ويجلسون عندك وهم لا ينتفعون بما يسمعون، والمهطع: المقبل على الشّيء ببصره لا يزيله، وكانوا ينظرون إلى النبيّ ﷺ نظرة العداوة غيظا وحنقا. وقيل: معنى مهطعين: مديمين النظر متطلّعين نحوك، وهو نصب على الحال.
стр. 2842
قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ (٣٧)؛أي عن يمين النبيّ ﷺ وشماله حلقا حلقا، وجماعة جماعة، وعصبة عصبة، والعزين: جماعة في تفرقة، واحدتها عزة، ونظيرها ثبة وثبين.
وكان هؤلاء الكفّار يقولون: إن كان أصحاب محمّد يدخلون الجنة، فإنّا ندخلها قبلهم، فقال الله تعالى: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلاّ،﴾ لا يكون ذلك، ﴿إِنّا خَلَقْناهُمْ مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٩)؛أي من المقاذير والأنجاس والنّطف والعلق، فأيّ شيء لهم يدخلون به الجنّة، ومن حكمنا في بني آدم أن لا يدخل أحد منهم الجنّة إلاّ بالإيمان والعمل الصالح، فماذا يطمعهم في ذلك وهم كفّار؟ وفي هذا تنبيه على أنّ الناس كلّهم من أصل واحد، وإنما يتفاضلون بالإيمان والطاعة.
قرأ الحسن وطلحة «(يدخل)» بفتح الياء وضمّ الخاء، ومعنى: إنّا خلقناهم مما يعلمون، يعني لا يستوجب أحد الجنّة بكونه شريفا، فإنّ مادة الخلق واحدة، بل يستوجبونها بالطاعة. قال قتادة في هذه الآية: (إنّما خلقت يا ابن آدم من قذر فاتّق الله) (١).قال بعضهم: أنّى لابن آدم الكبر؛ وقد خرج من مخرج البول مرّتين، ثم من بطن أمّه متلوّثا بالدّم متلطّخا ببوله وخرائه.
قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ؛﴾ معناه: فأقسم برب مشارق الشّمس ومغاربها في الشّتاء والصيف، يعني مشرق كلّ يوم في السّنة ومغربه، ﴿إِنّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ؛﴾ أي على أن نهلكهم، ونأتي بخلق أطوع لله منهم، ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ (٤١)؛أي بمغلوبين بالفوت
﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا؛﴾ أي اتركهم يا محمّد يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في كفرهم، ﴿حَتّى يُلاقُوا؛﴾ يعاينوا، ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ (٤٢)؛فيه وهو يوم القيامة، فأنتقم منهم بأعمالهم، وهذا لفظه لفظ الأمر، ومعناه: الوعد. وقيل: إنّ هذه الآية منسوخة بآية القتال.
стр. 2843
قوله : ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً؛﴾ بيان اليوم الذي يوعدون، وهو يوم خروجهم من القبور سراعا نحو الدّاعي، وذلك حين يسمعون الصيحة الآخرة، ﴿كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ (٤٣)؛أي إلى علم منصوب لهم يسرعون ويستبقون إلى موضع الحساب.
والأجداث: جمع الجدث وهو القبر، وكذلك الحرف، والسّراع: جمع سريع، والسّرائع بمعنى المسرع، كالأليم بمعنى المؤلم. والإيفاض: الإسراع، يقال: وفض يوفض؛ وأوفض يوفض؛ إذا أسرع في عدوه.
قوله تعالى: ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ؛﴾ أي يخرجون من القبور ذليلة أبصارهم تعلوهم مذلّة وسواد الوجوه، ﴿ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ (٤٤)؛ فيه العذاب على ألسنة الرّسل، فلم يصدّقوهم.
وقرأ زيد بن ثابت وأبو الرجاء وأبو العالية والحسن وابن عامر «(إلى نصب)» بضمّتين ومعناه: الأصنام التي كانوا ينصبونها ويعبدونها ويذبحون تقرّبا إليها (١).
آخر تفسير سورة (المعارج) والحمد لله رب العالمين
стр. 2844
سورة نوح
سورة نوح ﵇ مكّيّة، وهي سبعمائة وسبعة وعشرون حرفا، ومائتان وأربع وعشرون كلمة، وثمان وعشرون آية. قال ﷺ : [من قرأها كان من المؤمنين الّذين تدركهم دعوة نوح ﵇] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿إِنّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ؛﴾ أي خوّفهم من السّخط والعذاب إن لم يؤمنوا بالله، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)؛وهو الغرق بالطّوفان، فأتاهم؛
﴿قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٢)؛أي رسول مخوّف بلغة تعرفونها.
قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ؛﴾ أي أرسلت إليكم لتعبدوا الله وتوحّدوه وتأتمروا بجميع ما آمركم به، وتتّقوا سخطه وعذابه، ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ (٣) فيما أبيّنه لكم عن الله تعالى،
﴿يَغْفِرْ لَكُمْ؛﴾ جواب الأمر؛ أي افعلوا ما أمرتكم به يغفر لكم، ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ؛﴾ ويزيل عقابه عنكم.
ودخول (من) في الآية لتخصيص الذّنوب من سائر الأشياء، لا لتبعيض الذّنوب كما في قوله تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ (٢).ويقال: معناه: نغفر لكم من الذّنوب ما لا تبعة لأحد فيه ولا مظلمة.
قوله تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى؛﴾ أي يؤخّركم بلا عذاب إلى منتهى آجالكم، فلا يصيبكم غرق ولا شيء من عذاب الاستئصال إن آمنتم. قوله
стр. 2845
تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ؛﴾ معناه: آمنوا قبل الموت تسلموا من العقوبات والشّدائد، فإنّ أجل الموت إذا جاء لا يمكنكم الإيمان. قوله تعالى: ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤)؛أي لو كنتم تصدّقون ما أقول لكم.
قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً﴾ (٥)؛يعني لمّا آيس نوح من إيمان قومه قال: رب إنّي دعوت قومي إلى التوحيد والطاعة ليلا سرّا ونهارا علانية،
﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاّ فِراراً﴾ (٦)،فلم يزدادوا عند دعائي إيّاهم إلاّ تباعدا عن الإيمان بالجهل الغالب عليهم،
﴿وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ؛﴾ إلى طاعتك والإيمان بك، ﴿لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ؛﴾ لئلاّ يسمعوا صوتي، ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ؛﴾ أي غطّوا بها وجوههم؛ لئلاّ يروني، ﴿وَأَصَرُّوا؛﴾ على كفرهم، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا؛﴾ عن قبول الحقّ والإيمان بك، ﴿اِسْتِكْباراً﴾ (٧).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً﴾ (٨)؛أي معلنا لهم بالدّعاء وعلا صوتي،
﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ؛﴾ أي كرّرت الدّعاء معلنا و، ﴿إِسْراراً﴾ (٩)،وسلكت معهم في الدّعوة كلّ مسلك ومذهب، وتلطّفت لهم كلّ تلطّف،
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً﴾ (١٠)؛ للذّنوب يجمع لكم من الحظّ الوافر في الآخرة، الخصيب في الدّنيا والغنى،
﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ؛﴾ بالمطر، ﴿مِدْراراً﴾ (١١)؛كثير الدّرور، كلّما احتجتم إليه،
﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ؛﴾ في الدّنيا بساتين، ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً﴾ (١٢)؛تجري على وجه الأرض لمنافعكم.
وذلك أنّ الله تعالى كان قد حبس المطر حتى لم يبق لهم دابّة ولا نباتا أخضر، وأعقم أرحام النّساء وأصلاب الرّجال حتى لم يكن لهم ولد في مدة سبع سنين، فوعدهم نوح ﵇ بردّ ذلك كلّه عليهم إن آمنوا.
والسّنة في الاستسقاء تقديم القرب والطاعات، والاستكثار من الاستغفار كما روي عن عمر ﵁: (أنّه خرج للاستسقاء، فجعل يستكثر من الاستغفار، فقيل له: ما سمعناك استسقيت وما ردّدت عن الاستغفار؟ فقال: لقد استسقيت بمجاديح السّماء
стр. 2846
الّتي يستنزل بها القطر، ثمّ قرأ: ﴿(اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً» (١).
وكان بكر بن عبد الله يقول: (إنّ أكثر النّاس ذنوبا أقلّهم استغفارا، وأكثرهم استغفارا أقلّهم ذنوبا).وعن عائشة ﵂ أنّها قالت: (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا) (٢).
قوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً﴾ (١٣)؛أي ما لكم لا تخافون لله عظمة، وتفعلون ما أمركم به تعظيما له، وترجون منه بذلك الثواب، والمعنى: ما لكم لا تعلمون حقّ عظمته فتوحّدوه وتطيعوه، وقد جعل لكم في أنفسكم آية تدلّ على توحيده من خلقه إيّاكم،
فقال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً﴾ (١٤)؛يعني نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم صبيّا ثم شابّا ثم شيخا، وقلّبكم في ذلك حالا بعد حال، قال ابن الأنباريّ: (الطّور: الحال).
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾ (١٥)؛أي مطبقة بعضها فوق بعض،
﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً؛﴾ قال ابن عبّاس: (وجهه في السّماء وقفاه في الأرض) (٣)،فالقمر وإن كان في السّماء الدّنيا، فإنّما يلي السّماوات منه يضيء لهم، وما يلي الأرض منه يضيء لأهل الأرض.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً﴾ (١٦)؛أي سراجا للعالم يبصرون بها منافع دنياهم، كما أنّ المصباح سراج الإنسان في البيت المظلم، قال
стр. 2847
عبد الله بن عمر: (وجه الشّمس والقمر إلى السّماوات، وقفاهما إلى الأرض، يضيئان في السّماء، كما يضيئان في الأرض) (١).
وقيل لعبد الله بن عمر: ما بال الشّمس تعلونا أيّاما وتبرد أيّاما؟ قال: (إنّها في الصّيف في السّماء الرّابعة، وفي الشّتاء في السّماء السّابعة، ولو كانت في سماء الدّنيا لما قام لها شيء) (٢).
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً﴾ (١٧)؛يعني مبتدأ خلق آدم، فهو خلق من الأرض والناس أولاده، ونباته في هذا الموضع أبلغ من إنباته، كأنه قال: أنبتّكم فنبتّم نباتا، والنبات ما يخرج حالا بعد حال.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها؛﴾ أي في الأرض بعد الموت، يعني يقبرون فيها، ﴿وَيُخْرِجُكُمْ؛﴾ منها، ﴿إِخْراجاً﴾ (١٨)؛عند النفخة الأخيرة للبعث.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً﴾ (١٩)؛أي فرشها وبسطها لكم كهيئة البساط، تستقرّون عليها وتنصرفون فيها، جعلها الله لكم كذلك؛
﴿لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً﴾ (٢٠)؛طرقا بيّنة واسعة، قال ابن عبّاس: (أراد بالفجاج الطّرق المختلفة) (٣) والفجّ: الطريق بين الجبلين.
قوله تعالى: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي؛﴾ أي لم يجيبوا دعوتي، ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَساراً﴾ (٢١)؛أي واتّبعوا السفهاء والفقراء والرؤساء والكبراء الذين لم تزدهم كثرة الأموال والأولاد إلاّ ضلالا في الدين وعقوبة في الآخرة. والمعنى: أنّ نوحا ﵇ قال: يا رب إنّهم عصوني فيما أمرتهم به ودعوتهم إليه، واتّبعوا رؤساءهم وكبراءهم، بسبب الكثرة والثروة، وكانوا يصرفون سفلتهم عن دين الإسلام. والولد والولد مثل القرب والقرب والعجم والعجم (٤).
стр. 2848
قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبّاراً﴾ (٢٢)؛أي مكرا عظيما، والكبير والكبّار بمعنى واحد، ومكرهم الكبير إعظام القربة على الله تعالى،
وتوصية بعضهم بقولهم: ﴿وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ؛﴾ أي لا تدعوا عبادة أصنامكم. وقيل: مكرهم الكبير: أنّهم جرّوا سفلتهم على قتل نوح ﵇، قرأ ابن محيصن وعيسى «(كبارا)» بالتخفيف (١).
قوله تعالى: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ (٢٣)، أي لا تدعنّ عبادة أصنامكم، ولا تدعنّ عبادة ودّا ولا سواعا ويغوث ويعوق ونسرا، هذه خمسة أصنام لهم كانوا يعبدونها ويقدّمونها على غيرها.
فلما جاء الغرق اندفنت تلك الأصنام، وكانت مدفونة إلى أن أخرجها الشيطان لمشركي العرب، فوقع كلّ صنم منها في أيدي قوم، فاتّخذت قضاعة ودّا يعبدونها بدومة الجندل، ثم توارثوها إلى أن جاء الإسلام، وهي عندهم. وكان سواع لهذيل، وكان يغوث لبني غطيف من مراد، وكان يعوق لكهلان، ونسر لخثعم (٢)،وأما اللاّت لثقيف، والعزّى لسليم وغطفان وجشم وسعد ونضر بن بكر. ومناة لقديد، وأساف ونائلة وهبل لأهل مكّة، فكان أساف حيال الحجر الأسود، ونائلة حيال الرّكن اليمانيّ، وهبل في جوف الكعبة، ثمانية عشر ذراعا. قال الواقديّ: (كان ودّ على صورة فرس، ونسر على صورة نسر من الطّير).قرأ نافع «(ودّا)» بضمّ الواو، وقرأ الباقون بفتحها وهما لغتان.
стр. 2849
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً؛﴾ أي أضلّ الأصنام كثيرا يعني ضلّوا بسببها لقوله تعالى ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ﴾ (١)،والمعنى: قد ضلّ كثير من الناس بهذه الأصنام، وإنما أضاف الضّلال إلى الأصنام؛ لأنّها كانت سبب ضلالتهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ ضَلالاً﴾ (٢٤)؛هذا دعاء عليهم بعذاب، أعلمه الله أنّهم لا يؤمنون وهو قوله تعالى ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ (٢)، والمعنى: لا تزدهم إلاّ خسرانا وهلاكا، وإنما لم يصرف (ويغوث ويعوق) لأنّهما ضارعا الأفعال.
قوله تعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً؛﴾ أي من أجل خطاياهم أغرقوا في الدّنيا فأدخلوا بذلك الغرق نارا، وفي هذا دليل على عذاب القبر، لأنّ حرف الفاء للتعقيب، فاقتضى أنّهم نقلوا عقيب الغرق إلى النار، والكافر إنّما يدخل نار جهنّم يوم القيامة، وخطاياهم في هذه الآية الكفر. و (ما) هاهنا صلة، والمعنى: من خطاياهم؛ أي من أجلها وسببها. قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً﴾ (٢٥)؛أي فلم يجدوا لأنفسهم من دون الله أحدا فينصرهم ولا يمنع هم من عذاب الله.
قوله تعالى: ﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ (٢٦)؛ روى قتادة أنه قال: (ما دعا نوح بهذه الآية إلاّ بعد أن نزل عليه أنّه ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾).والدّيّار: متّخذ الدار وساكنها، فعمّ الله جميع أهل الأرض بالهلاك بدعائه، غير علج (٣) فإنه غير علج (٤) إلى زمان موسى ﵇؛ لأنه لم يتّخذ ديرا ولا سكن الدار، ويقال: ما بالدار ديّار؛ أي أحد.
قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ؛﴾ أي إنّك إن تتركهم على وجه الأرض ولا تهلكهم يضلّوا عبادك عن دينك، ﴿وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً؛﴾ أي خارجا عن طاعتك، ﴿كَفّاراً﴾ (٢٧)؛لنعمك، أخبر الله تعالى نوحا ﵇ أنّهم لا يلدون مؤمنا أبدا.
стр. 2850
قوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ؛﴾ يعني أباه لامك بن متوشلخ، وأمّه شخماء بنت أنوش، وكانا مؤمنين، ولذلك استغفر لهما، وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً؛﴾ أراد ببيته هنا السّفينة، وقيل: مسجده، وقيل: داره.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ؛﴾ عامّ في كلّ من آمن وصدّق الرّسل. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ تَباراً﴾ (٢٨)؛والتّبار: الهلاك والدّمار، ولذلك سمي المكسور متبّرا، وقد جمع نوح بين دعوتين، دعوة على الكفار، ودعوة للمؤمنين، فاستجاب الله دعاءه على الكفّار فأهلكهم، ونرجو أن يستجيب دعاءه في المؤمنين.
آخر تفسير سورة (نوح) والحمد لله رب العالمين
стр. 2851
سورة الجنّ
سورة الجنّ مكّيّة، وهي ثمانمائة وتسعون حرفا، ومائتان وخمس وثمانون كلمة، وثمان وعشرون آية. قال ﷺ : [من قرأها أعطي بعدد كلّ جنّيّ وشيطان صدّق بمحمّد ﷺ وكذب به عتق رقبة] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً﴾ (١)؛وذلك أنّ السماء لم تكن تحرس فيما بين عيسى ومحمّد صلوات الله عليهما، فلمّا بعث الله محمّدا نبيّنا حرست السماء ورميت الشياطين بالشّهب، فلم يبق صنم إلاّ خرّ لوجهه.
فقال إبليس للجنّ: لقد حدث في الأرض حدث لم يحدث مثله، ولا يكون هذا إلاّ عند خروج نبيّ، ففرّق جنده في الطلب وأمرهم أن يضربوا مشارق الأرض ومغاربها، وبعث تسعة نفر من أشراف جنّ نصيبين إلى أرض تهامة، وكان رئيسهم يسمّى عمروا، فلما انتهوا إلى بطن نخلة وجدوا النبيّ ﷺ قائما يصلّي بأصحابه صلاة الفجر.
فلمّا سمعوا القرآن رقّت له قلوبهم، ودنا بعضهم من بعض حبّا للقرآن حتى كادوا يتساقطون على النبيّ ﷺ وهو لا يعلم، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السّماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (٢)
стр. 2852
فآمنوا بالنبيّ ﷺ ورجعوا إلى قومهم منذرين، ولم يأتوا إبليس (١).
وقالوا لقومهم: ﴿(إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً)﴾ أي بليغا ذا عجب يعجب من بلاغته وحسن نظمه،
﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ؛﴾ أي يدعو إلى الصّواب من التوحيد والإيمان، ﴿فَآمَنّا بِهِ؛﴾ وصدّقنا به أنّه من عند الله، ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً﴾ (٢)؛من بعد هذا اليوم، كما أشرك إبليس.
فاستجاب لهم جماعة من الجنّ فجاءوا بهم إلى النبيّ ﷺ ، فأقرأهم القرآن فآمنوا به، وقالوا: يا رسول الله إنّ الأرض بيننا وبينك حجل ليس لنا فيه شيء، فقال ﷺ : [لكم الرّوث وكلّ أرض سبخة تنزلون بها تكون مكلّبة لكم، ولكم العظم، وكلّ عظم مررتم عليه تجدون عليه اللّحم حيث يكون] (٢).
ثم يكره أن يستنجى بالعظم والرّوث. ثم انصرفت الجنّ عنه، فأوحى الله إليه بهذه الآيات لبيان أنّ الجنّ لمّا ظهر لهم الحقّ اتبعوه، فالإنس أولى بذلك لأنّهم ولد آدم، فكان المخالف منهم ألوم.
ومعنى الآية: قل يا محمّد لأهل مكّة: أوحي إليّ أنه استمع إلى القرآن طائفة من الجنّ، فلمّا رجعوا إلى قومهم قالوا: يا قومنا ﴿(إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً)﴾ بعد هذا اليوم؛ أي لا نتّبع إبليس في الشّرك،
﴿وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً﴾ (٣)؛هذا من قول الجنّ لقومهم، معطوف على قوله ﴿(إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً)﴾ وإنّه تعالى جدّ ربنا وعظمته عن أن يتّخذ صاحبة أو ولدا، وهذا كما يقال: فلان أعظم وأجلّ من أن يفعل كذا وكذا،
стр. 2853
فالجدّ: العظمة، وقال الحسن: (معنى الجدّ في هذه الآية الغنى) (١) ومنه قولهم في الدّعاء: [ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ] أي لا ينفع ذا الغنى منك غناه.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطاً﴾ (٤)؛والمراد بالسّفيه في هذه الآية إبليس، وقيل: من كان لا يؤمن من الجنّ، وسفهه أن جعل لله صاحبة وولدا. والشّطط: السّرف في الخروج عن الحقّ، وسمي القول البعيد من قولهم: شططت الدّار إذا بعدت. وقيل: الشّطط: الكذب والجور، وهو وصفه بالشريك والولد.
قوله تعالى: ﴿وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ (٥)؛أي قالت الجنّ: إنا ظننّا أنّ الإنس والجنّ كانوا لا يكذبون على الله بأنّ له شريكا وصاحبة وولدا حتى سمعنا القرآن وتبيّنا الحقّ منه.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً﴾ (٦)؛معناه: إنّ أهل الجاهلية كانوا إذا نزلوا بواد، أو بأرض فأمسوا هنالك، قالوا: نعوذ بسيّد هذا الوادي من سفهاء قومه، أرادوا بذلك سيّد الجنّ، فيبيتون في جوار منهم يحفظونهم حتى يصبحوا، وقالت الجنّ: قد سدنا الجنّ والإنس حتى بلغ سؤددنا الإنس فزادهم تعوّذ الإنس لهم رهقا؛ أي كبرا وعظمة في نفوسهم وسفها وطغيانا وظلما.
وعن كردم بن أبي السّائب الأنصاريّ (٢) قال: (خرجت مع أبي إلى المدينة وآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلمّا انتصف اللّيل جاءنا ذئب فأخذ حملا من الغنم، فوثب الرّاعي فنادى: يا عامر الوادي جارك! فنادى مناديا لا نراه: يا سرحان أرسله. فأتى الحمل يشتدّ حتّى دخل بين الغنم لم يصبه شيء، فأنزل الله تعالى على
стр. 2854
رسوله بمكّة (وأنّه كان رجال من الإنس يعودون برجال من الجنّ فزادوهم رهقا» (١).قال ابن عبّاس: (يعني زادوهم بهذا التّعوّذ طغيانا حتّى قالوا: سدنا الإنس والجنّ).والرّهق في كلام العرب: الإثم وغشيان المحارم.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً﴾ (٧)؛ معناه: أنّ كفار الجنّ ظنّوا كما ظننتم يا أهل مكّة، أن لن يبعث الله رسولا، ويقال:
أن لن يبعث الله أحدا من قبره بعد الموت. والمعنى: أنّهم كانوا لا يؤمنون بالبعث، كما أنّكم أيّها المشركون لا تؤمنون.
قالت الجنّ: ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾ (٨)؛هذا إخبار «عن» (٢) قول الجنّ الذين سمعوا القرآن وآمنوا به ورجعوا إلى قومهم منذرين. والمعنى: إنّا صعدنا السّماء وأتيناها للطّلب كما كنّا نسمع إلى الملائكة من قبل، فوجدناها ملئت حفظة أقوياء من الملائكة، ونيرانا مضيئة يرمون بها إلينا ويزجرونا عن الاستماع. والحرس: جمع الحارس وهو الحافظ.
والشّهب: جمع الشّهاب، وهو الشعاع الذي يحدث من النجم ويستنير في الهواء، تسميه العامّة: الكوكب المنقضّ.
قوله تعالى: ﴿وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ؛﴾ روي عن ابن عبّاس أنه قال: (لم تكن قبيلة من الجنّ إلاّ ولها من السّماء مقاعد للسّمع، فكان إذا نزل الوحي سمعت الملائكة صوتا كصوت الحديدة ألقيت على الصّفا، فإذا سمعته الملائكة خرّوا لها سجّدا، ثمّ تقول الملائكة بعضهم لبعض: ماذا قال ربّكم؟ فإن كان ممّا يكون في السّماء قالوا: الحقّ وهو العليّ الكبير، وإذا كان ممّا يكون في الأرض من عيب أو موت تكلّموا به، فتسمعه الشّياطين فينزلون به على أوليائهم من الإنس. فلمّا بعث النّبيّ ﷺ زجروا بالنّجوم) فذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ﴾
стр. 2855
﴿الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً﴾ (٩)؛أي من يحاول الاستماع الآن يجد له كوكبا قد أرصد له يرميه بناره.
قوله تعالى: ﴿وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ (١٠)؛معناه: أنّهم قالوا: لا ندري أنّا رمينا بالشّهب أنّ الله تعالى أراد إنزال العذاب بالناس لمعاصيهم، أو أراد بعث الرسول ﷺ ، وذلك أنّ السماء لم تحرس قطّ إلاّ لنبوّة، أو لعقوبة عاجلة عامّة.
قوله تعالى: ﴿وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذلِكَ؛﴾ أي منّا المطيعون له في أمره ونهيه، ومنّا أهل المعاصي، ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَداً﴾ (١١)؛أي كنا أهل ملك شتّى مؤمنين وكافرين. وقيل: كنّا جماعات متفرّقين وأصنافا مختلفة. والقدّة: القطعة من الشّيء، يقال: صار القوم قددا إذا تفرّقت حالاتهم، قال الحسن: (الجنّ أمثالكم، منهم مرجئة وقدريّة ورافضيّة وشيعة) (١).
وقال الأخفش: (معنى قولهم (كنّا طرائق) أي ضروبا).وقال أبو عبيد:
(أصنافا)،وقال المؤرج (٢): (أجناسا).وقال ابن كيسان: (شيعا وفرقا لكلّ فرقة هوى).وقال ابن المسيّب: (كنّا مسلمين ويهودا ونصارى).ويقال: فلان طريقة قومه؛ أي سيّد مطاع فيهم.
قوله تعالى: ﴿وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي إنّا علمنا أن لن نعجز الله في الأرض إذا أراد بنا أمرا، ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً﴾ (١٢)؛أي إنّه يدركنا حيث كنّا.
قوله تعالى: ﴿وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنّا بِهِ؛﴾ أي لما سمعنا القرآن آمنّا به؛ وصدّقنا أنه من عند الله، ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً؛﴾ أي لا يخاف نقصانا من ثواب عمله، ﴿وَلا رَهَقاً﴾ (١٣)؛أي ولا ظلما ولا مكروها يخشاه.
стр. 2856
قوله تعالى: ﴿وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ؛﴾ أي ومنّا الجائرون الظّالمون، قال ابن عبّاس: (القاسطون هم الّذين جعلوا لله ندّا)،فالقاسط: هو العادل عن الحقّ، والمقسط: هو المعدل إلى الحقّ، ونظيره: ترب الرجل إذا افتقر، وأترب إذا استغنى، فالأول هو الذي ذهب ماله حتى قعد على التّراب، والثاني كثر ماله حتى صار كالتّراب.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ؛﴾ معناه: فمن أخلص بالتوحيد، ﴿فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ (١٥)؛أي العادلون عن طريقة الإسلام، فأولئك بمنزلة الحطب في النار تشتعل النار في أبدانهم، إلى هنا كلام الجنّ وانقطع.
قوله تعالى: وألو ﴿اِسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً﴾ (١٦)؛ أوحى إلى أنه لو استقام أهل مكّة على طريقة الهدى، لوسّعنا عليهم أرزاقهم بالمطر والنبات والماء. والغدق: الكثير، قال مقاتل: (معناه: لأسقيناهم ماء كثيرا من السّماء بعد ما رفع عنهم المطر سبع سنين) ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ (١)،وقوله تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ (٢)،ويقال: مكان غدق بكسر الدال إذا كان كثير النّداء، وعيش غدق أي واسع، والغدق بفتح الدال مصدر.
قوله تعالى: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ؛﴾ أي لنتعبّدهم بالشّكر، وذهب الكلبيّ إلى أنّ معنى الآية لو استقاموا على طريقة الكفر والضّلال فكانوا كفّارا كلّهم لأعطيناهم ماء كثيرا ووسّعنا عليهم وأرغدنا عيشهم لنفتنهم فيه عقوبة لهم واستدراجا حتى يفتنوا بهذا فنعذّبهم، قال عمر ﵁: (أين ما كان المال كانت الفتنة) (٣) ودليل هذا
стр. 2857
التأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١).
والقول الأوّل أولى؛ لأنّ الطريقة معرّفة بالألف واللاّم، ولا تذكر الاستقامة إلاّ على الحقّ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً﴾ (١٧)؛ يعني من يعرض عن القرآن ندخله عذابا شاقّا ذا صعد؛ أي ذا مشقّة، والصّعد:
الشّاقّ الشديد، ومنه قولهم: تنفّس الصّعداء، وفي الحديث: [صخرة ملساء في جهنّم يكلّف الكافر صعودها، يجذب من لقامه بالسّلاسل، ويضرب من خلفه بالمقامع، فإذا انتهى إلى أعلاها ولا يبلغه في أربعين سنة، فإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها، فكان دأبه هذا أبدا] (٢).ويقال: سلكت الشّيء أو أسلكته بمعنى واحد وهو الإدخال. قرأ كوفي ويعقوب «(يسلكه)» بالياء، وقرأ مسلم بن جندب «(نسلكه)» بنون مضمومة وكسر اللام.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ (١٨)؛يعني هذه المساجد المغلوقة لم تبن إلاّ لذكر الله، فلا تدعوا مع الله فيها أحدا غير الله كما تدعوا النّصارى في بيعهم، وكما دعا المشركون في كعبة ربهم، وعن الحسن قال: (من السّنّة أنّه إذا دخل المسجد أن يقول: لا إله إلاّ الله لا أدعو مع الله أحدا).وقيل: إنّ المساجد ما يسجد الإنسان عليه من جبهته ويديه وصدور قدميه، فلا تضعوا هذه الآراب (٣) في التراب لغير خالقها.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ؛﴾ معناه: وأنّه لمّا قام النبيّ ﷺ يدعو الله ويقرأ القرآن في الصّلاة ببطن نخلة بين مكّة والطائف إذ أتى تسعة من الجنّ، ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ (١٩)،أي كادوا يسقطون عليه رغبة في القرآن وتعجّبا منه وحبّا لاستماعه.
стр. 2858
ومعنى (لبدا) كاد يركب بعضهم بعضا في الازدحام، وقرأ «(لبدا)» وهي قراءة مجاهد، فهي بمعنى الكثير من قوله ﴿أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً﴾ (١)،وقال الحسن وقتادة: (لمّا قام رسول الله ﷺ تلبّدت الإنس والجنّ على أن يطفئوا نور الله، فأبى الله إلاّ أن ينصره ويظهره على من ناوأه) (٢).
ويقال: لمّا قام ﷺ في عبادته بمكّة، كاد مشركو مكّة بشدّة كيدهم له أن يكونوا عليه متكاتفين بعضهم فوق بعض ليزيلوه بذلك عن دعوته إلى الله.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ (٢٠)؛أي قال النبيّ ﷺ لأهل مكّة حيث قالوا له: إنّك جئت بأمر عظيم فارجع عنه، فقال: ﴿(إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي)﴾ أي أعبده وأدعو الخلق إليه ﴿(وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً)﴾.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً﴾ (٢١)؛أي قل لأهل مكّة: لا أملك تغيير نعم الله عليكم، ولا أجبركم على العبادة، ولا يملك ضرّكم ورشدكم إلاّ الله،
﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ؛﴾ وإنما أنا عبد خاضع، إن غضب فلا مجير لي ولا ناصر، ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ (٢٢)؛أي مدخلا في الأرض، ولا ملجأ ألجأ إليه، ولا حوزا أقبل إليه. واشتقاق الملتحد من اللّحد.
قوله تعالى: ﴿إِلاّ بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ؛﴾ أي لا ينجيني من عذاب الله إلاّ أن أبلّغ عن الله ما أرسلت به، وبذلك أرجو النجاة، ونيل الكرامة. قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ (٢٣)؛معناه:
ومن يعص الله ورسوله من الأمم بعد البلاغ فلم يؤمن، فإنّ له نار جهنّم. جواب الشرط بالفاء ولذلك لا يجوز بالكسر (خالدين فيها) نصب على الحال.
قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ؛﴾ ابتداء كلام، والعرب تبتدئ ب (حتى) والمعنى: إذا رأى الكفار الذين يستطيلون على النبيّ ﷺ العذاب إمّا في الدّنيا
стр. 2859
أو في الآخرة، ﴿فَسَيَعْلَمُونَ؛﴾ عند ذلك، ﴿مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾ (٢٤) أي من أضعف مانعا وأقلّ جندا، أهم أم المؤمنون؟
فلمّا سمعوا هذا قال النّضر بن الحارث: متى هذا الوعد الذي تعدنا به؟ فأنزل الله: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ؛﴾ من العذاب؛ أي ما أدري أقريب هذا العذاب، ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً﴾ (٢٥)؛أي غاية وبعدا، قال عطاء:
(يعني أنّه لا يعلم يوم القيامة إلاّ الله تعالى وحده)
وهو قوله تعالى: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً﴾ (٢٦)؛أي لا يطلع على غيبه أحدا من خلقه،
﴿إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ؛﴾ فإنه إذا أراد اطلاعه بالوحي على ما يشاء على الغيب، ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ (٢٧)،أي جعل من بين يدي الرسول ومن خلفه حفظة من الملائكة ليحيطوا به، ويحفظونه، ويحفظوا الوحي من أن تسترقه الشياطين، فتلقيه إلى الكهنة.
وذلك أنّ الله تعالى كان إذا أنزل جبريل بالوحي على النبيّ ﷺ ، أرسل ملائكة يحيطون به وبالنبيّ ﷺ حتى يفرغ من وجهه، كيلا يقرب منه شيطان ولا جانّ يذهبون به إلى كهنتهم حتى يكون النبيّ ﷺ أوّل من تكلّم به؛ ليكون ذلك دليلا على نبوّته.
قوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ؛﴾ أي ليعلم محمّد ﷺ أنّ الملائكة قد أبلغوا رسالات ربهم، وأنّ الرسالة لم تصل إلى غيره. وقيل: ليعلم الجنّ والإنس أنّهم قد أبلغوا. وفي قراءة ابن عبّاس «(ليعلم)» بضم الياء. وهذه الآية تدلّ على أنه يعلم بالنجوم ما يكون من حياة أو موت أو غير ذلك، فهو كافر بالقرآن وبما فيه.
قوله تعالى: ﴿وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ؛﴾ أي أحاط علمه بما عندهم، يعني أحاط علم الله بما عند الرّسل فلم يخف عليه شيء، ﴿وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ (٢٨) أي علم عدد الأشياء وأوقاتها كلّها مع كثرتها على تفاصيلها، لم يفته علم شيء حتى مثاقيل الذرّ والخردل.
آخر تفسير سورة (الجن) والحمد لله رب العالمين
стр. 2860
سورة المزّمّل
سورة المزّمّل مكّيّة إلى قوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى .. ﴾. إلى آخر السّورة، فإنّ ذلك نزل بالمدينة، وعدد حروف هذه السّورة ثمانمائة وثمانية وثلاثون حرفا، ومائتان وخمس وثمانون كلمة، وسبع وعشرون آية. قال ﷺ : [من قرأها رفع العسر عنه في الدّنيا والآخرة] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ (١)؛الخطاب للنبيّ ﷺ نودي في حال كونه متلففا بثيابه في بعض اللّيل، وأمر بالقيام بالصّلاة وهجران النوم، والمعنى: يا أيّها المتلفّف بثيابه، يقال: تزمّل وتدثّر بثوبه إذا تغطّى به، وزمّل غيره إذا غطّاه.
قال أبو عبيد الله الجدلي (٢): (سألت عائشة ﵂ عن قول الله تعالى ﴿(يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)﴾ ما كان تزمّله؟ قالت: في مرط كان طوله أربعة عشر ذراعا، نصفه عليّ وأنا نائمة، ونصفه على رسول الله ﷺ وهو يصلّي. فسألتها ممّ كان؟ قالت:
والله ما كان خزّا ولا قزّا ولا (٣) صوفا، كان سداه (٤) شعرا ولحمته وبرا) (٥).قال السديّ: (معناه: يا أيّها النّائم قم فصلّ).قالت الحكماء: إنّما خوطب بالمزّمل والمدّثر
стр. 2861
في أوّل الأمر لأنه لم يكن بلغ شيئا من الرسالة، ثم خوطب بعد ذلك: يا أيّها النبيّ، يا أيّها الرسول.
قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾ (٣)؛ أي قم للصّلاة؛ أي صلّ أكثر الليل أو قم نصف الليل أو انقص من النّصف قليلا، أو انقص من النصف،
﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ،﴾ خيّره الله تعالى في قيام الليل في هذه السّاعات.
قال المفسّرون: معنى قوله ﴿(نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً)﴾ أي انقص من النصف إلى الثّلث أو زد على النّصف إلى الثّلثين، جعل له سعة في قيام الليل وخيّره في هذه السّاعات، قال الحسن: «فرض الله على النّبيّ ﷺ وعلى أصحابه وهم بمكّة أن يقوموا بثلث اللّيل وما زاد».
سئلت عائشة ﵂ عن قيام رسول الله ﷺ فقالت: «أما تقرءون هذه السّورة ﴿(يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)﴾؟ قالوا: بلى، قالت: فإنّ الله فرض قيام اللّيل في أوّل هذه السّورة، فقام رسول الله ﷺ حتّى انتفخت قدماه، وأمسك الله خاتمة السّورة اثنى عشر شهرا، ثمّ ترك التّخفيف في آخر السّورة بعد أن قام النّبيّ ﷺ وأصحابه حولا، فصار قيام اللّيل تطوّعا بعد ذلك» (١).
وكان قيامه فرضا قبل أن فرض «الله» الصّلوات الخمس، ولا خلاف بين المسلمين في أنّ قيام الليل مندوب إليه مرغّب فيه، قال ﷺ : [أحبّ الصّلاة إلى الله تعالى صلاة داود ﵇، كان ينام نصف اللّيل ويقوم ثلثه وينام سدسه. وأحبّ الصّيام إلى الله تعالى صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما] (٢).
стр. 2862
وروي: (أنّ هذه الآيات لمّا نزلت قام النّبيّ ﷺ وأصحابه، وكان الرّجل من الصّحابة لا يدري متى ثلث اللّيل ومتى النّصف ومتى الثّلثان، فكان يقوم حتّى يصبح مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب، حتّى شقّ عليهم ذلك وانتفخت أقدامهم وتغيّرت ألوانهم، فرحمهم الله تعالى وخفّف عنهم، ونسخ بقوله ﴿(عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى)﴾،وكان بين أوّل السّورة وآخرها سنة) (١).
وقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ (٤)؛أي بيّنه بيانا واقرأه قراءة بيّنة. والتّرتيل: ترتيب الحروف على حقّها في تلاوتها بتبيّن وتثبّت من غير عجلة، وكذلك التّرسّل. والمعنى: تفهّم معانيه، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه. وأما الحدر فهو الإسراع في القراءة، وعن ابن عمر ﵄ قال: [كانت قراءة رسول الله ﷺ ترتيلا] أي ترسّلا (٢).وقال أبو حمزة: «قلت لابن عبّاس: إنّي رجل في قراءتي وكلامي عجلة، فقال ابن عبّاس: لئن أقرأ البقرة وأرتّلها أحبّ إليّ من أن أقرأ القرآن كلّه هذرمة».
قوله تعالى: ﴿إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ (٥)؛ليس على ثقل الحفظ، ولكن قال الحسن: «إنّهم ليهذّون هذاؤه، ولكنّ العمل به ثقيل» (٣).وقال قتادة:
«ثقيل والله فرائضه وحدوده» (٤)،وقال مقاتل: «ثقيل لما فيه من الأمر والحدود» (٥).وقال أبو العالية: «ثقيل بالوعد والوعيد والحلال والحرام، فلا يقدر أحد أن يؤدّي جميع أوامره إلاّ بتكلّف يثقل».
стр. 2863
ويقال: معناه: كلاما محكما ليس بسفساف كما يقال: هذا كلام له وزن.
وقيل: إنما سمي ثقيلا لثقله في الميزان مع خفّته على اللسان، وعن الحسن في قوله تعالى ﴿(إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً)﴾ قال: «العمل»،وقيل: ثقيل لا يحمله إلاّ القلب المؤيّد بالتوفيق ونفس مؤمنة بتوحيده.
وعن عائشة ﵂ قالت: [لقد رأيته ينزل على رسول الله ﷺ في اليوم الشّديد البرد فينفصم عنه، وإنّ جبينه ليتفصد عرقا] (١).وقالت عائشة أيضا: [إن كان ليوحى إليه وهو على راحلته فتضرب بجرانها] (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً؛﴾ معناه: إنّ القيام في ساعات الليل أثقل وأشدّ على القائم من القيام بالنّهار؛ لأن الليل إنما خلق للرّاحة والسّكون، ففعل الطاعة فيه أشدّ من فعلها بالنهار، وقال ابن مسعود: «إنّ ناشئة اللّيل قيام اللّيل».وقالت عائشة: «النّاشئة القيام بعد النّوم»،وعن ابن الأعرابيّ: «إذا نمت من أوّل اللّيل، ثمّ قمت فتلك النّاشئة» ومنه ناشئة اللّيل.
وقيل: ناشئة الليل ساعتها كلّها، وكلّ ساعة منه فهي ناشئة، سميت بذلك؛ لأنّها تنشئ، ومنه نشأت السّحابة إذا بدت، وجمعها ناشئات، وعن حاتم بن أبي صغيرة قال: «سألت ابن أبي مليكة عن ناشئة اللّيل فقال: على اللّبيب سقطت، سألت ابن عبّاس فزعم أنّ اللّيل كلّه ناشئة، وسألت الزّبير عنها فأخبرني مثل ذلك» (٣).
стр. 2864
وقال ابن جبير: «أيّ ساعة قام من اللّيل فقد نشأ» (١)،وقال قتادة: «ما كان بعد العشاء فهو ناشئة» (٢).وقال عبيد بن عمير لعائشة ﵂: «رجل قام من أوّل اللّيل أيقال له ناشئة؟ قالت: لا؛ إنّما النّاشئة القيام بعد النّوم».وقال ابن كيسان: «هي القيام من آخر اللّيل».وعن ابن عبّاس قال: «إذا نشأت قائما فهو ناشئة» (٣)،وعن مجاهد أنه قال: «إذا قام الإنسان اللّيل كلّه فصلّى فهو ناشئة، وما كان بعد العشاء الأخيرة فهو ناشئة».
قوله تعالى: ﴿(هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً)﴾ أي أثقل على المصلّي من ساعات النّهار، من قول العرب: اشتدّت على القوم وطأة السّلطان؛ إذا ثقل عليهم ما يلزمهم، ومنه قوله ﷺ : [اللهم اشدد وطأتك على مضر] (٤).
وقرأ أبو عمرو وابن عامر «(وطئا)» بكسر الواو والمدّ على معنى المواطأة والموافقة، ومنه قوله تعالى: ﴿لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ (٥)،قال ابن عبّاس: «يواطئ السّمع القلب»،والمعنى: أنّ صلاة ناشئة الليل يواطئ السمع والقلب فيها أكثر مما يواطئ في ساعات النّهار؛ لأن الليل أفرغ للانقطاع عن كثر ما يشغل بالنهار. ويقال:
واطأت فلانا على كذا مواطأة ووطأة؛ إذا وافقته عليه.
قوله تعالى: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ (٦)؛أي أبين قولا بالقرآن، وقيل: أستر استقامة وأطرب قراءة، وعبادة الليل أشدّ نشاطا وألذّ إخلاصا وأكثر بركة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً﴾ (٧)؛أي إنّ لك في النهار تصرّفا وإقبالا وإدبارا في حوائجك وأشغالك، وسعة لتصرّفك وقضاء حوائجك، والمعنى: إنّ لك في النّهار فراغا للنّوم والتصرّف في الحوائج، فصلّ من الليل.
стр. 2865
والسّبح: التقلّب، ومنه السّابح في الماء لتقلّبه بيديه ورجليه. وقيل: معناه: إنّ لك في النهار تصرّفا واشتغالا في حوائجك حيث لا تتفرّغ لصلاة النّفل، فخذ حظّك من قيام الليل، وكان شغل النبيّ ﷺ بالنّهار ما كان عليه من تبليغ الوحي والرّسالة وتعليم الناس الفرائض والسّنن، وقيامه بأدائها وأمور معاشه ومعاش عياله.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ (٨)؛معناه: واذكر اسم ربك بالتوحيد والتعظيم. ويجوز أن يكون المراد به الذّكر المشروع لافتتاح الصّلاة، ويجوز أن يكون المراد به كثرة ذكر الله في الصّلاة وخارج الصلاة.
قوله تعالى: ﴿(وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً)﴾ أي انقطع إلى الله في العبادة، وتأميل الخير منه دون غيره. ومن هذا سمّيت فاطمة البتول؛ لأنّها انقطعت إلى الله تعالى في العبادة، والبتل في اللغة: القطع وتميّز الشيء من الشيء، ومنه صدقة بتلة؛ أي منقطعة من مال صاحبها، وطلقة بتلة: قاطعة للزّوجة.
وإنما قال (تبتيلا) ولم يقل تبتّلا على معنى تبتّل لنفسك إليه تبتيلا. وقال ابن عبّاس: «معنى ﴿(وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً)﴾ أي أخلص إليه إخلاصا» (١).وقال الحسن:
«اجتهد اجتهادا».وقال شقيق: «توكّل عليه توكّلا».وقال زيد بن أسلم:
«التّبتّل: رفض الدّنيا وما فيها، والتماس ما عند الله» (٢).
قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ؛﴾ قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو ونافع وحفص «(ربّ المشرق)» بالرفع على معنى: هو ربّ المشرق، وقرأ الباقون بالخفض على معنى نعت الرب في قوله (اسم ربك).وقيل: على البدل منه، ويجوز أن تكون قراءة الرفع على الابتداء، وخبره ﴿(لا إِلهَ إِلاّ هُوَ)﴾.وقوله تعالى:
﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ (٩)؛أي اتّخذه حافظا لك، وكفيلا فيما وعدك من النصر والثواب لك ولأمّتك.
стр. 2866
قوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ؛﴾ يعني: واصبر يا محمّد على ما يقوله الكفّار والمنافقون من التكذيب، ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ (١٠)؛أي لا جزع فيه؛ أي اصطبر اقتصر على إظهار الوحي من غير خصومة، وهذا قبل الأمر بالقتال.
قوله : ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ؛﴾ أي كل أمرهم إليّ ولا تهتمّ بهم، فإنّي أكفيكهم. يقال: ذرني وزيدا؛ أي دعني وزيدا؛ أي لا تهتمّ به فإنّي أكافيه. وقوله تعالى ﴿(أُولِي النَّعْمَةِ)﴾ أي ذووا النعمة ذوو الغنى وكثرة المال.
قالت عائشة ﵂: «لمّا نزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ (١١)؛لم يكن إلاّ يسيرا حتّى وقعت وقعة بدر» (١).والنّعمة بفتح النون التّنعّم، والنّعمة بالكسر المال والغنى، والنّعماء: قرّة العين بضمّ النون.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً﴾ (١٢)؛أي إنّ عندنا في الآخرة لهم قيودا وأغلالا، واحدها نكل؛ وهو القيد من الحديد لا يحلّ. وقوله تعالى ﴿وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ﴾ أي لا يسوع في الحلق، يعني الزّقّوم. وقال عكرمة: «شوك يأخذ بالحلق، لا يدخل ولا يخرج» (٢)،وقال الزجاج: «يعني الضّريع» (٣).وقيل:
طعام يأخذ بحلوقهم لخشونته وحرارته، لا ينزل فيها بل تضيق أنفاسهم عنها فيختنقون بها.
قوله تعالى: ﴿وَعَذاباً أَلِيماً (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ؛﴾ أخبر الله تعالى أنّ هذا العذاب المذكور يكون في يوم ترجف الأرض والجبال؛ أي تزلزل وتحرّك، وهو يوم القيامة. والرّاجفة: من أسماء القيامة.
وقوله تعالى: ﴿وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً﴾ (١٤)؛أي رملا سائلا، يقال: تراب مهيل ومهيول؛ أي
стр. 2867
مصبوب ومرسل. والكثيب: القطعة العظيمة من الرّمل إذا حرّك أسفلها انهال أعلاها.
قوله تعالى: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ؛﴾ أي بعثنا إليكم محمّدا يا أهل مكّة رسولا شاهدا عليكم بالتبليغ، وشهيد عليكم بأعمالكم يوم القيامة، ﴿كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ (١٥)؛يعني موسى ﵇،
﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ؛﴾ أي موسى ولم يجبه إلى ما دعاه ﴿فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ (١٦) أي عاقبنا فرعون عقوبة عظيمة، يعني الغرق الوبيل الثّقيل جدّا، ومنه الوبال لثقله، ويقال للمطر العظيم: الوابل، وطعام وبيل؛ أي ثقيل واخم.
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً؛﴾ أي بأيّ شيء تتحصّنون من عذاب يوم القيامة إن كفرتم في الدّنيا ولم تؤمنوا برسولكم. قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً﴾ (١٧)؛معناه: فكيف تتّقون إن كفرتم عذاب يوم يجعل الولدان شيبا؛ أي تشيب الصّغار في ذلك اليوم، وذلك حين يسمعون النداء: [يا آدم ابعث بعثك من ذرّيّتك إلى النّار، من كلّ ألف واحد إلى الجنّة والباقي إلى النّار، فعند ذلك يشيب الصّغير] فقالوا: يا رسول الله أيّنا ذلك الواحد؟ فقال: [إنّي أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنّة] فكبّروا وحمّدوا، فقال: [إنّي أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنّة] فكبّروا وحمّدوا، فقال: [ما أنتم في النّاس إلاّ كالشّعرة البيضاء في جلد الثّور الأسود] (١).
قوله تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ؛﴾ أي السّماء منشقّة بذلك اليوم، وذكر السّماء؛ لأن معناها السّقف كما في قوله ﴿سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ (٢).وقوله :
﴿كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ (١٨)؛أي كان وعد الله من البعث وأهوال يوم القيامة كائنا لا شكّ فيه.
стр. 2868
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ؛﴾ أي إنّ هذه السّورة عظة للناس، وقيل: معناه: إن آيات القرآن موعظة، ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ (١٩) أي طريقا.
قوله تعالى: ﴿*إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ؛﴾ معناه: إنّ ربّك يا محمّد يعلم إنّك تقوم أقلّ من ثلثي الليل في بعض اللّيالي، وأقلّ من نصف اللّيل في بعض اللّيالي، وأقلّ من الثّلث في بعضها. قوله تعالى: ﴿وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ؛﴾ يعني: المؤمنون كانوا يقومون معه.
قرأ الكوفيّون وابن كثير «(ونصفه وثلثه)» بالنصب فيهما على معنى: ويقوم نصفه وثلثه. وقال الحسن: «لم يقم النّبيّ ﷺ قطّ أقلّ من ثلثي اللّيل، وإنّما قال:
(أدنى) في الطّائفة الّذين معه» ولفظة (أدنى) تعقل منها القلّة، لا يقال: عندي دون العشرة إلاّ والنّقصان منها قليل.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ؛﴾ أي يعلم مقاديرهما وساعاتهما على الحقيقة، ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ؛﴾ أي علم أنّكم لم تعلموا حقيقة قدرهما، يعني أنّكم ما تعرفون مقادير اللّيل والنهار، ولذا لم تعلموا حقيقة المقدار الذي أمركم بالقيام فيه لم تطيقوه إلاّ بمشقّة، ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ؛﴾ أي فتجاوز عنكم قيام الليل بالتخفيف عنكم، ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ؛﴾ في صلاة اللّيل.
قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى؛﴾ لا يقدرون على قيام اللّيل بقراءة السّور الطّوال، ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ؛﴾ أي وآخرون يسافرون لطلب رزق الله فلا يطيقون ذلك، ﴿وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ؛﴾ أي وعلم أنّ فيكم من يجاهد في سبيل الله، يعني يقاتل أعداء الله لا يطيقون قيام الليل، ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ؛﴾ أي من القرآن في الصّلاة.
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ؛﴾ أي وأقيموا الصّلوات الخمس بشرائطها وما يجب من حقّ الله فيها، فنسخ قيام الليل بالصّلوات الخمس على المؤمنين، وثبت على النبيّ ﷺ خاصّة. قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ؛﴾ يعني المفروضة، ﴿وَأَقْرِضُوا﴾
стр. 2869
﴿اللهَ قَرْضاً حَسَناً؛﴾ من الصّدقة سوى الزكاة من صلة الرّحم، وقرى الضيف، وصدقة التطوّع.
قوله تعالى: ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ؛﴾ أي ما تفعلوا من صدقة فريضة أو تطوّع أو عمل صالح تجدوا ثوابه عند الله، ﴿هُوَ خَيْراً؛﴾ لكم، ﴿وَأَعْظَمَ أَجْراً؛﴾ من الذي تؤخّرونه إلى الوصيّة عند الموت.
وإنما انتصب (خيرا) لأنه المفعول الثاني، وأدخل (هو) فصل (١)،ويسمّيه الكوفيّون العماد، ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ؛﴾ لما مضى من الذّنوب والتقصير في الطاعة، ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ؛﴾ لمن استغفر، ﴿رَحِيمٌ﴾ (٢٠)؛لمن مات على التوبة.
وقد تضمّنت هذه الآية معان: أحدها: أنه نسخ بها فريضة قيام الليل. الثاني:
أنّها تدلّ على لزوم فرض القراءة في الصّلاة؛ لأن القراءة لا تلزم في عين الصّلاة.
والثالث: دلالة جواز الصّلاة بقليل القراءة. والرابع: أنّ ترك قراءة الفاتحة في الصّلاة لا تمنع جوازها إذا قرأ فيها غيرها.
فإن قيل: هذه الآية نزلت في قيام الليل وذلك منسوخ، فكيف تستدلّون بها على هذه الأحكام؟ قلنا: المراد بقوله تعالى ﴿(فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ)﴾ أمر بالقراءة بعد ذكر النّسخ، ثم نسخ فرض الصلاة لا يوجب نسخ شرائطها وسائر أحكامها.
فإن قيل: المراد بقوله ﴿(فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ)﴾ في صلاة التطوّع. قلنا: إذا ثبت وجوب ذلك وحكمه في التطوّع فالفرض مثله؛ لأن أحدا لا يفرّق بينهما في هذه الأحكام، وصلاة التطوّع وإن لم تكن فرضا لكن إذا شرع فيها يلزمه إقامتها بجميع أركانها كما لزمه إقامتها بجميع شرائطها من الطّهارة وستر العورة ونحو ذلك.
آخر تفسير سورة (المزمل) والحمد لله رب العالمين
стр. 2870
سورة المدّثّر
سورة المدّثّر مكّيّة، وهي ألف وعشرة أحرف، ومائتان وخمس وخمسون كلمة، وستّ وخمسون آية. قال ﷺ : [من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بمحمّد وكذب به] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (٢)؛قال مقاتل: «ذلك أنّ النّبيّ ﷺ كان يسير إلى جبل حراء، إذ سمع مناديا ينادي من فوق رأسه يقول: يا محمّد، فنظر من خلفه يمينا وشمالا فلم ير شيئا، فمضى على وجهه، ثمّ نودي الثّانية، فنظر كذلك فلم ير شيئا ففزع، فمضى على وجهه، فنودي الثّالثة فنظر إلى خلفه يمينا وشمالا، ثمّ نظر إلى السّماء فنظر مثل السّرير بين السّماء والأرض عليه جبريل مثل النّور المتوقّد يتلألأ، ففزع فوقع مغشيّا عليه، ثمّ أفاق فقام يمشي ورجلاه تصطكّان.
فرجع حتّى دخل على خديجة، فصبّ عليه ماء باردا، فقال: [دثّروني دثّروني] فدثّروه بقطيفة حتّى استدفأ (٢)؛فلمّا أفاق، قال: [لقد أشفقت على نفسي] فقالت خديجة: أبشر فلا يخزيك الله أبدا؛ إنّك لتصدق الحديث، وتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتقوّي الضّعيف، وتعين على نوائب الحقّ.
فأتاه جبريل ﵇ وهو مدّثّر بثيابه على فراشه ليلا، فقال: يا أيّها المدّثّر بثيابه مضطجعا على فراشه قم فأنذر كفّار مكّة العذاب أن يوحّدوا ربّك، وادعهم
стр. 2871
إلى الصّلاة والتّوحيد» (١).والدّثار: ما تدثّرت به من الثّوب الخارج. والشّعار: الثّوب الذي يلي الجسد.
قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (٣)؛أي صفه بالتّعظيم، وعظّمه مما يقوله عبدة الأوثان، ويقال: أراد به التكبير لافتتاح الصّلاة.
قوله تعالى: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٤) أي طهّر ثيابك من النّجاسة لإقامة الصّلاة. وقيل: معناه: طهّر نفسك وخلقك عمّا لا يجمل بك. وقيل: معناه: وقلبك فطهّر، وقد يعبّر بالثوب عن القلب. وقيل: معناه: وعملك فأصلحه، قال السديّ: (يقال للرّجل إذا كان صالحا أنّه طاهر الثّياب، وإذا كان فاجرا أنه خبيث الثياب).
قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (٥)؛أي والإثم فاتركه ولا تقربه.
وقيل: معناه: والأصنام فتباعد عنها، والرّجز في اللغة: العذاب، والمعنى في هذا:
فاهجر ما يؤذيك إلى عذاب الله. قرأ الحسن وعكرمة ومجاهد وشيبة ويعقوب «(والرّجز)» بضمّ الراء ومثله روي عن عاصم، وقرأ الباقون بكسرها، وهما لغتان.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (٦)؛معناه: لا تعط شيئا من مالك لتأخذ أكثر منه، والمعنى: لا تعط مالك مصانعة لتعطى أكثر منه في الدّنيا، أعط لربك.
أدّب الله نبيّه ﷺ بأشرف الآداب. وقيل: معناه: لا تمنن بالنبوّة على الناس تستكثر عملك. وقيل: معناه: لا تعط شيئا وتعطي أكثر من ذلك، وهذا للنبيّ ﷺ خاصّة لأنه كان في أعلى مكارم الأخلاق، كما حرمت عليه الصدقة، وأمّا غيره فليس عليه إثم في أن يهدي هديّة يتوقّع بها الكثير منها.
قوله تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (٧)؛ على طاعته وفرائضه، والمعنى: لأجل ثواب ربك. وقيل: معناه: فاصبر على الأذى والتكذيب. وقيل: فاصبر على البلوى والامتحان، فإنّ الله يمتحن أحبّاءه وأصفياءه.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ﴾ (٨)؛أي فإذا نفخ في الصّور النفخة الثانية،
﴿فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ (٩)؛يعني يوم النفخ في الصّور يوم عسير،
стр. 2872
﴿عَلَى الْكافِرِينَ،﴾ منه الأمر على الكفّار، وقوله: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ (١٠)؛بدل من يوم عسير؛ أي لا يكون هيّنا عليهم.
قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ (١١)؛يعني الوليد بن المغيرة المخزومي خلقته في بطن أمّه وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد (١)؛أي كل إليّ أمر من خلقته فريدا بلا مال ولا ولد،
﴿وَجَعَلْتُ لَهُ،﴾ ثم أعطيته بعد ذلك، ﴿مالاً مَمْدُوداً﴾ (١٢)؛أي كثيرا يمدّ بالنّماء كالزرع والضّرع والتجارة، قال عطاء: (ما بين مكّة إلى الطّائف من الإبل والخيل المسوّمة وعبيد وجوار).وقيل: معنى قوله ﴿(مالاً مَمْدُوداً)﴾ يأتي شيئا بعد شيء غير منقطع.
وقد اختلفوا في مبلغ ماله، قال مجاهد وسعيد بن جبير: «مائة ألف مثقال»، وقال سفيان الثوري: «ألف ألف مثقال»،وقال مقاتل: «كان له بستان في الطّائف لا تنقطع ثمارها شتاء ولا صيفا» (٢).
قوله تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ (١٣)؛أي حضورا معه بمكّة لا يغيبون عنه، قال سعيد بن جبير: «كانوا ثلاثة عشر ولدا»،وقال مجاهد: «كانوا عشرة كلّهم ذكور، منهم الوليد بن الوليد؛ وخالد بن الوليد؛ وعمارة وهاشم بن الوليد؛ والعاصي وقيس بن الوليد؛ وعبد شمس بن الوليد. فأسلم منهم ثلاثة خالد وهاشم وعمارة».
وقالوا: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك (٣).
وانتصب قوله (وحيدا) على الحال. ويجوز أن يكون صفة المخلوق على معنى خلقته وحده، ويجوز أن يكون من صفة الخالق على معنى خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد.
стр. 2873
قوله تعالى: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً﴾ (١٤)؛أي بسطت له في العيش وطول العمر بسطا،
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ؛﴾ معناه: ثم يطمع أن أزيد له في المال والولد، وقد كفر بي وبرسولي،
﴿كَلاّ،﴾ لا أزيده، فلم يزل الوليد بعد هذا في نقصان من المال والحال حتى صار يسأل الناس ومات فقيرا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً﴾ (١٦)؛معناه: إنه كان لكتابنا ورسولنا معاندا، والعنيد: الذاهب عن الشيء على طريق العداوة، والجمل العنود: هو الذي يمرّ على جانب من القطار.
قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ (١٧)؛أي سأكلّفه في النار ارتقاء الصّعود، وهو جبل من صخرة ملساء في النّار، يكلّف الكافر أن يرتقيه حتى إذا بلغ أعلاه في أربعين عاما، كلّما وضع يده عليه ذابت، وإذا رفعها عادت. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : [الصّعود جبل من نار، يصعد فيه سبعين خريفا ثمّ يهوي كذلك منه أبدا، كلّما وضع يده عليها ذابت وإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله ذابت وإذا رفعها عادت، وكلّما بلغ أعلى ذلك الجبل انحدر إلى أسفله، ثمّ يكلّف أيضا أن يصعد، فذلك دابه أبدا يجذب من أمامه بسلاسل الحديد، ويضرب من خلفه بمقامع الحديد مسافة كلّ صعود أربعون سنة] (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ (١٨)؛معناه: إنه فكّر في أمر النبيّ ﷺ في احتياله للباطل، وقدّر القول فيه، وقيل: معناه: تفكر ماذا تقول في القرآن؟ وقدّر القول في نفسه، وذلك أنه لمّا نزل قوله تعالى ﴿حم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢) قام رسول الله ﷺ والوليد بن المغيرة قريبا منه يستمع قراءته، فلمّا نظر النّبيّ ﷺ استماعه إلى قراءته عاد إلى قراءة الآية، فانطلق الوليد حتّى أتى مجلس قومه بني مخزوم وقال: والله لقد سمعت من محمّد الآن كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ، إنّ له لحلاوة ولطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر وإنّ أسفله لمغدق، وإنّه يعلو ولا يعلى.
стр. 2874
ثمّ انصرف إلى منزله، فقالت قريش: صبأ والله الوليد، والله لتصبأنّ قريش كلّها، وكان يقال للوليد ريحانة قريش، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، ثمّ انطلق فقعد إلى جنبه حزينا، فقال له الوليد: ما لي أراك حزينا يا ابن أخي؟ قال: وما لي لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك على كبر سنّك، يزعمون أنّك زيّنت كلام محمّد وتدخل إليه وإلى ابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهم. فغضب الوليد وقال:
ألم تعلم قريش أنّي من أكثرهم مالا وولدا؟ وهل يشبع محمّد وأصحابه من الطّعام حتّى يكون لهم فضل؟
ثمّ قام مع أبي جهل حتّى أتى مجلس قومه، فقال لهم: إنّ الموسم قد دنا، وقد فشا أمر هذا الرّجل في النّاس، فما أنتم قائلون لمن سألكم عنه؟ قالوا: نقول إنّه مجنون؛ قال: إذا يخاطبونه فيعلمون أنّه غير مجنون. فقالوا: نقول إنّه شاعر؛ قال:
العرب يعلمون الشّعر ويعلمون أنّ الّذي جاء به غير الشّعر. فقالوا: نقول إنّه كاهن؛ فقال: إنّ الكاهن يصيب ويخطئ ولا يقول في كهانته: إن شاء الله، وهذا يقول في كلامه: إن شاء الله، وقوله لا يشبه قول الكهنة. فقال بعضهم لبعض: قد صبأ الوليد، فإن صبأ فلم يبق واحد من قريش إلاّ صبأ.
فقيل له: كيف تقول أنت يا أبا المغيرة في محمّد، فتفكّر في نفسه ثمّ نظر، ثمّ عبس وقال: ما هو إلاّ ساحر ما رأيتموه يفرّق بين الرّجل وأهله وولده ومواليه بسحره، ألا ترون أنّه يفرّق بين المرء وزوجه، فإنّ المرأة تكون معنا ويكون زوجها معه! فتفرّقوا على هذا القول.
ومعنى الآية: أنه فكّر لمحمّد بتهمة يتعلّق بها في تكذيبه، وقدّر لينظر فيما قدّره أستقيم له أن يقوله أم لا؟
قوله تعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ (١٩)؛أي لعن وعذّب على أيّ حال قدّر من الكلام، كما يقال: لأعرفنّه كيف صنع إليّ على أيّ حالة كانت منه.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ (٢٠)؛أي ثمّ لعن وعوقب بعقاب آخر، كيف ذهب إلى هذا التقدير،
стр. 2875
النبيّ ﷺ نظر العداوة بكراهة شديدة ليتّخذ طعنا فيهم. وقيل: ثم نظر في طلب ما يدفع به القرآن ويرده.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ (٢٢)؛أي ثمّ كلح في وجوه أصحابه (١) وقبض جبهته، والبسور أشدّ من العبوس، والمعنى: ثم كلح بوجهه ونظر بكراهة شديدة.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ (٢٣)؛أي ثمّ أعرض عن قبول القرآن واتّباع الرسول وتعظّم من الإيمان،
﴿فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ (٢٤)؛ أي قال ما هذا القرآن إلاّ سحر يروى عن السّحرة؛ أي يأثره محمّد عن غيره، وذلك أنه كره أن يقول إنّ محمّدا ساحر، فيغضب بنو هاشم، فقال: إنما السّحر في الأعاجم، وهذا إنما يأثر السحر عن غيره، وكان يقول في القرآن: ما هو سحر ولا كهانة ولكنّه سحر يؤثر عن قول البشر؛ أي يحكى بينهم.
ومعنى قوله تعالى: ﴿إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (٢٥)؛يعني أنه كلام الإنس وليس من عند الله.
قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (٢٦)؛أي سأدخله وألزمه في الآخرة سقر بما فعل، واستكبر عن قبول الحقّ، وسقر اسم من أسماء النار، وهي معرفة مؤنّثة، فلذلك لم تنصرف.
قوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ﴾ (٢٧)؛تعظيم لأمرها، وإنما سميت بهذا الاسم لشدّة إيلامها من قولهم: سقرته الشمس إذا آلمت دماغه.
قوله تعالى: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ (٢٨)؛أي لا تبقي لحما ولا تذر عظما، وعن مجاهد: «لا تبقي من فيها حيّا ولا تذره ميتا» (٢).
وقوله تعالى: ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ (٢٩)؛أي مغيّرة للجلد حتى تجعله أسود، يقال: لوّحته الشمس، ولاحه السّقم والحزن إذا غيّره. قيل: إنّها تغيّر الجلد حتى تدعه أسود سوادا من الليل.