إلى الصّلاة والتّوحيد» (١).والدّثار: ما تدثّرت به من الثّوب الخارج. والشّعار: الثّوب الذي يلي الجسد.
قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (٣)؛أي صفه بالتّعظيم، وعظّمه مما يقوله عبدة الأوثان، ويقال: أراد به التكبير لافتتاح الصّلاة.
قوله تعالى: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٤) أي طهّر ثيابك من النّجاسة لإقامة الصّلاة. وقيل: معناه: طهّر نفسك وخلقك عمّا لا يجمل بك. وقيل: معناه: وقلبك فطهّر، وقد يعبّر بالثوب عن القلب. وقيل: معناه: وعملك فأصلحه، قال السديّ: (يقال للرّجل إذا كان صالحا أنّه طاهر الثّياب، وإذا كان فاجرا أنه خبيث الثياب).
قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (٥)؛أي والإثم فاتركه ولا تقربه.
وقيل: معناه: والأصنام فتباعد عنها، والرّجز في اللغة: العذاب، والمعنى في هذا:
فاهجر ما يؤذيك إلى عذاب الله. قرأ الحسن وعكرمة ومجاهد وشيبة ويعقوب «(والرّجز)» بضمّ الراء ومثله روي عن عاصم، وقرأ الباقون بكسرها، وهما لغتان.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (٦)؛معناه: لا تعط شيئا من مالك لتأخذ أكثر منه، والمعنى: لا تعط مالك مصانعة لتعطى أكثر منه في الدّنيا، أعط لربك.
أدّب الله نبيّه ﷺ بأشرف الآداب. وقيل: معناه: لا تمنن بالنبوّة على الناس تستكثر عملك. وقيل: معناه: لا تعط شيئا وتعطي أكثر من ذلك، وهذا للنبيّ ﷺ خاصّة لأنه كان في أعلى مكارم الأخلاق، كما حرمت عليه الصدقة، وأمّا غيره فليس عليه إثم في أن يهدي هديّة يتوقّع بها الكثير منها.
قوله تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (٧)؛ على طاعته وفرائضه، والمعنى: لأجل ثواب ربك. وقيل: معناه: فاصبر على الأذى والتكذيب. وقيل: فاصبر على البلوى والامتحان، فإنّ الله يمتحن أحبّاءه وأصفياءه.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ﴾ (٨)؛أي فإذا نفخ في الصّور النفخة الثانية،
﴿فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ (٩)؛يعني يوم النفخ في الصّور يوم عسير،
стр. 2872
﴿عَلَى الْكافِرِينَ،﴾ منه الأمر على الكفّار، وقوله: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ (١٠)؛بدل من يوم عسير؛ أي لا يكون هيّنا عليهم.
قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ (١١)؛يعني الوليد بن المغيرة المخزومي خلقته في بطن أمّه وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد (١)؛أي كل إليّ أمر من خلقته فريدا بلا مال ولا ولد،
﴿وَجَعَلْتُ لَهُ،﴾ ثم أعطيته بعد ذلك، ﴿مالاً مَمْدُوداً﴾ (١٢)؛أي كثيرا يمدّ بالنّماء كالزرع والضّرع والتجارة، قال عطاء: (ما بين مكّة إلى الطّائف من الإبل والخيل المسوّمة وعبيد وجوار).وقيل: معنى قوله ﴿(مالاً مَمْدُوداً)﴾ يأتي شيئا بعد شيء غير منقطع.
وقد اختلفوا في مبلغ ماله، قال مجاهد وسعيد بن جبير: «مائة ألف مثقال»، وقال سفيان الثوري: «ألف ألف مثقال»،وقال مقاتل: «كان له بستان في الطّائف لا تنقطع ثمارها شتاء ولا صيفا» (٢).
قوله تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ (١٣)؛أي حضورا معه بمكّة لا يغيبون عنه، قال سعيد بن جبير: «كانوا ثلاثة عشر ولدا»،وقال مجاهد: «كانوا عشرة كلّهم ذكور، منهم الوليد بن الوليد؛ وخالد بن الوليد؛ وعمارة وهاشم بن الوليد؛ والعاصي وقيس بن الوليد؛ وعبد شمس بن الوليد. فأسلم منهم ثلاثة خالد وهاشم وعمارة».
وقالوا: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك (٣).
وانتصب قوله (وحيدا) على الحال. ويجوز أن يكون صفة المخلوق على معنى خلقته وحده، ويجوز أن يكون من صفة الخالق على معنى خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد.
стр. 2873
قوله تعالى: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً﴾ (١٤)؛أي بسطت له في العيش وطول العمر بسطا،
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ؛﴾ معناه: ثم يطمع أن أزيد له في المال والولد، وقد كفر بي وبرسولي،
﴿كَلاّ،﴾ لا أزيده، فلم يزل الوليد بعد هذا في نقصان من المال والحال حتى صار يسأل الناس ومات فقيرا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً﴾ (١٦)؛معناه: إنه كان لكتابنا ورسولنا معاندا، والعنيد: الذاهب عن الشيء على طريق العداوة، والجمل العنود: هو الذي يمرّ على جانب من القطار.
قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ (١٧)؛أي سأكلّفه في النار ارتقاء الصّعود، وهو جبل من صخرة ملساء في النّار، يكلّف الكافر أن يرتقيه حتى إذا بلغ أعلاه في أربعين عاما، كلّما وضع يده عليه ذابت، وإذا رفعها عادت. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : [الصّعود جبل من نار، يصعد فيه سبعين خريفا ثمّ يهوي كذلك منه أبدا، كلّما وضع يده عليها ذابت وإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله ذابت وإذا رفعها عادت، وكلّما بلغ أعلى ذلك الجبل انحدر إلى أسفله، ثمّ يكلّف أيضا أن يصعد، فذلك دابه أبدا يجذب من أمامه بسلاسل الحديد، ويضرب من خلفه بمقامع الحديد مسافة كلّ صعود أربعون سنة] (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ (١٨)؛معناه: إنه فكّر في أمر النبيّ ﷺ في احتياله للباطل، وقدّر القول فيه، وقيل: معناه: تفكر ماذا تقول في القرآن؟ وقدّر القول في نفسه، وذلك أنه لمّا نزل قوله تعالى ﴿حم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢) قام رسول الله ﷺ والوليد بن المغيرة قريبا منه يستمع قراءته، فلمّا نظر النّبيّ ﷺ استماعه إلى قراءته عاد إلى قراءة الآية، فانطلق الوليد حتّى أتى مجلس قومه بني مخزوم وقال: والله لقد سمعت من محمّد الآن كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ، إنّ له لحلاوة ولطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر وإنّ أسفله لمغدق، وإنّه يعلو ولا يعلى.
стр. 2874
ثمّ انصرف إلى منزله، فقالت قريش: صبأ والله الوليد، والله لتصبأنّ قريش كلّها، وكان يقال للوليد ريحانة قريش، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، ثمّ انطلق فقعد إلى جنبه حزينا، فقال له الوليد: ما لي أراك حزينا يا ابن أخي؟ قال: وما لي لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك على كبر سنّك، يزعمون أنّك زيّنت كلام محمّد وتدخل إليه وإلى ابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهم. فغضب الوليد وقال:
ألم تعلم قريش أنّي من أكثرهم مالا وولدا؟ وهل يشبع محمّد وأصحابه من الطّعام حتّى يكون لهم فضل؟
ثمّ قام مع أبي جهل حتّى أتى مجلس قومه، فقال لهم: إنّ الموسم قد دنا، وقد فشا أمر هذا الرّجل في النّاس، فما أنتم قائلون لمن سألكم عنه؟ قالوا: نقول إنّه مجنون؛ قال: إذا يخاطبونه فيعلمون أنّه غير مجنون. فقالوا: نقول إنّه شاعر؛ قال:
العرب يعلمون الشّعر ويعلمون أنّ الّذي جاء به غير الشّعر. فقالوا: نقول إنّه كاهن؛ فقال: إنّ الكاهن يصيب ويخطئ ولا يقول في كهانته: إن شاء الله، وهذا يقول في كلامه: إن شاء الله، وقوله لا يشبه قول الكهنة. فقال بعضهم لبعض: قد صبأ الوليد، فإن صبأ فلم يبق واحد من قريش إلاّ صبأ.
فقيل له: كيف تقول أنت يا أبا المغيرة في محمّد، فتفكّر في نفسه ثمّ نظر، ثمّ عبس وقال: ما هو إلاّ ساحر ما رأيتموه يفرّق بين الرّجل وأهله وولده ومواليه بسحره، ألا ترون أنّه يفرّق بين المرء وزوجه، فإنّ المرأة تكون معنا ويكون زوجها معه! فتفرّقوا على هذا القول.
ومعنى الآية: أنه فكّر لمحمّد بتهمة يتعلّق بها في تكذيبه، وقدّر لينظر فيما قدّره أستقيم له أن يقوله أم لا؟
قوله تعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ (١٩)؛أي لعن وعذّب على أيّ حال قدّر من الكلام، كما يقال: لأعرفنّه كيف صنع إليّ على أيّ حالة كانت منه.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ (٢٠)؛أي ثمّ لعن وعوقب بعقاب آخر، كيف ذهب إلى هذا التقدير،
стр. 2875
النبيّ ﷺ نظر العداوة بكراهة شديدة ليتّخذ طعنا فيهم. وقيل: ثم نظر في طلب ما يدفع به القرآن ويرده.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ (٢٢)؛أي ثمّ كلح في وجوه أصحابه (١) وقبض جبهته، والبسور أشدّ من العبوس، والمعنى: ثم كلح بوجهه ونظر بكراهة شديدة.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ (٢٣)؛أي ثمّ أعرض عن قبول القرآن واتّباع الرسول وتعظّم من الإيمان،
﴿فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ (٢٤)؛ أي قال ما هذا القرآن إلاّ سحر يروى عن السّحرة؛ أي يأثره محمّد عن غيره، وذلك أنه كره أن يقول إنّ محمّدا ساحر، فيغضب بنو هاشم، فقال: إنما السّحر في الأعاجم، وهذا إنما يأثر السحر عن غيره، وكان يقول في القرآن: ما هو سحر ولا كهانة ولكنّه سحر يؤثر عن قول البشر؛ أي يحكى بينهم.
ومعنى قوله تعالى: ﴿إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (٢٥)؛يعني أنه كلام الإنس وليس من عند الله.
قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (٢٦)؛أي سأدخله وألزمه في الآخرة سقر بما فعل، واستكبر عن قبول الحقّ، وسقر اسم من أسماء النار، وهي معرفة مؤنّثة، فلذلك لم تنصرف.
قوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ﴾ (٢٧)؛تعظيم لأمرها، وإنما سميت بهذا الاسم لشدّة إيلامها من قولهم: سقرته الشمس إذا آلمت دماغه.
قوله تعالى: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ (٢٨)؛أي لا تبقي لحما ولا تذر عظما، وعن مجاهد: «لا تبقي من فيها حيّا ولا تذره ميتا» (٢).
وقوله تعالى: ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ (٢٩)؛أي مغيّرة للجلد حتى تجعله أسود، يقال: لوّحته الشمس، ولاحه السّقم والحزن إذا غيّره. قيل: إنّها تغيّر الجلد حتى تدعه أسود سوادا من الليل.
стр. 2876
قوله تعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (٣٠)؛أي تسعة عشر من الزّبانية الموكّلين بتعذيب أهلها، جاء في الحديث: [إنّ أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم كصياصيّ البقر، يخرج لهب النّار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، يسع كفّ أحدهم مثل ربيعة ومضر، نزعت الرّحمة من قلوبهم، يسرّون بتعذيب أهل النّار، يدفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنّم] (١).وقال ﷺ :
[لأحدهم مثل قوّة الثّقلين].وقال عمرو بن دينار: «يدفع أحدهم بالدّفعة الواحدة في جهنّم مثل ربيعة ومضر».
قال ابن عبّاس والضحاك: «لمّا نزلت هذه الآية قال أبو جهل: أما لمحمّد من الأعوان إلاّ تسعة عشر يخوّفكم بهم وأنتم الدّهم-يعني العدد الكثير-فتعجز كلّ مائة رجل منكم أن تبطش بواحد منهم، ثمّ تخرجون من النّار؟!» (٢).
وروي: أنّ أبا جهل قال لقريش: ثكلتكم أمّهاتكم! أنتم الدّهم الشّجعان فتعجز كلّ عشرة منكم أن يبطشوا بخزنة جهنّم؟ فقال رجل من بني جمح يقال له كلدة بن أسد: أنا أكفيكم يا أهل مكّة سبعة عشر؛ أحمل عشرة منهم على ظهري، وسبعة على صدري، فاكفوني أنتم اثنين!
وروي: أنّه قال: يا معشر قريش إذا كان يوم القيامة فأنا أمشي بين أيديكم على الصّراط فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن، وتسعة بمنكبي الأيسر في النّار، فنمضي ندخل الجنّة!
فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً؛﴾ أي ما جعلنا خزّانها إلاّ ملائكة، ومن المعلوم أنّ الملك الواحد إذا كان كافيا لقبض أرواحهم، كان تسعة عشر ملكا أكفى، ألا ترى أنّ ملكا واحدا وهو ملك الموت يقبض أرواح الخلق كلّهم؟ فكيف يعجز تسعة عشر ملكا عن تعذيب الناس؟!
قوله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ أي ما جعلنا عددهم في القلّة إلاّ محنة لكفّار مكة لجهلهم بالملائكة وتوهّمهم أنّهم كالبشر، والمعنى:
стр. 2877
وما جعلنا عدّة هؤلاء الملائكة مع قلّتهم في العدد إلاّ ضلالة للّذين كفروا حتى قالوا ما قالوه من التكذيب، وقال كلدة بن أسد: أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين.
وقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ؛﴾ أي ليعلم اليهود والنصارى بذلك صحّة نبوّة النبيّ ﷺ حين يجدون ما أتى به موافقا لما في التّوراة والإنجيل، فإنّ عدد هؤلاء الخزنة في كتبهم تسعة عشر، فيعلمون أنّ ما أتى به محمّد ﷺ موافق لما عندهم. قوله تعالى: ﴿وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً؛﴾ أي ولكي يزداد المؤمنون تصديقا على تصديقهم لتصديق أهل الكتاب لذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ؛﴾ أي؛ ولئلاّ يشكّ الذين أوتوا الكتاب في أمر القرآن، ولا يشكّ المؤمنون بالتدبّر والتفكّر فيه.
قوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ؛﴾ أي شكّ ونفاق، والمراد بهم المنافقون، ﴿وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً؛﴾ يعني أهل مكّة؛ أي أيّ شيء أراد الله بذكر عدد خزنة جهنّم صفة من قلّة الملائكة، يعني: أنّهم لا يصدّقون بهذا العدد، والمثل يكون الحديث نفسه؛ أي أن يقولون ما هذا الحديث.
قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ؛﴾ أي كما أضلّ من أنكر عدد الخزنة، وهدى من صدّق بذلك، يضلّ من يشاء، والمعنى يخذل الله من كان أهلا للخذلان، ويوفّق من كان أهلا للهدى، ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ يعني الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار، لا يعلم عددهم إلاّ الله.
والمعنى أنّ التسعة عشر هم خزنة النار من الأعوان، والجنود من الملائكة ما لا يعلم عددهم إلاّ الله. وقيل: معناه: وما يعلم جموع ربك يا محمّد من الملائكة من عددهم، ومقادير قولهم إلاّ الله.
قوله تعالى: ﴿وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ (٣١)؛يعني سقر؛ للصّفات التي ذكرها ما هي إلاّ عظة للخلق وإنذار لهم بأنّ نار الدّنيا تذكّرهم نار الآخرة فيجتنبوا ما يؤدّيهم إليها.
стр. 2878
وقوله تعالى: ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ﴾ (٣٤)؛ هذا قسم على عظم نار سقر، معناه: حقّا والقمر؛ والليل إذا جاء بعد النهار؛ والصّبح إذا أضاء، إنّ سقر لإحدى العظائم التي هي دركات النار. والعرب تؤكّد القسم بلفظ كلاّ كما تؤكّده ب (حقّا).ويقال: معناه: ورب القمر. قرأ نافع وحمزة وخلف ويعقوب وحفص: (إذ أدبر) (١) على لفظ الإدبار؛ أي اذا انقضى وذهب، ويقال: كلاهما لغتان:
دبر النهار وأدبر (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ (٣٥)؛أي سقر لإحدى الكبر، قال مقاتل والكلبي: «أراد بالكبر دركات جهنّم؛ وهي سبعة: جهنّم؛ ولظّى؛ والحطمة؛ والسّعير؛ وسقر؛ والجحيم؛ والهاوية» (٣).
وقوله تعالى: ﴿نَذِيراً لِلْبَشَرِ﴾ (٣٦)؛قال الزجّاج: «هو حال من قوله (قم) في أوّل السّورة؛ أي قم نذيرا للبشر» (٤) وهكذا روي عن عطاء عن ابن عبّاس، وقيل: (نذيرا) نصب على الحال؛ يعني أنّها لكبيرة في حال الإنذار، وذكر النذير بلفظ التذكير فإن معنى النار العذاب، يعني أن النار نذيرا للبشر، قال الحسن: «والله ما أنذر الله بشيء أدهى منها» (٥).
قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ (٣٧)؛بدل من قوله (للبشر)،والمعنى أنّها نذير لمن شاء أن يتقدّم في العبادة والإيمان والخير فينجوا منهما، أو يتأخّر عن الإيمان والطاعة فيقع فيهما، والمعنى: أنّ الإنذار قد حصل لكلّ أحد ممن آمن أو كفر، قال الحسن: «هذا وعيد لهم، كقوله تعالى ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ﴾
стр. 2879
﴿فَلْيَكْفُرْ﴾ (١)».
قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣٨)؛أي كلّ نفس مأخوذة بعملها مرهونة به، وعن ابن عبّاس ﵄: «مرتهنة في جهنّم» (٢)
﴿إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ؛﴾ وهم المؤمنون الّذين يعطون كتبهم بأيمانهم، فإنّ الله تعالى أعتق (٣) رقابهم من الرّهن وأدخلهم الجنّة.
ويقال: هم الأطفال الذين لا ذنوب لهم فإنّهم غير مرتهنين. وعن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن أطفال المسلمين أين هم؟ قال: [في الجنّة] وسألته عن أطفال المشركين فقال: [إن شئت أسمعتك تضاغيهم (٤) في النّار] (٥).
قوله تعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٤١)؛معناه:
في بساتين يتساءلون عن أهل النار،
يقولون لهم: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ (٤٢)؛ أيّ شيء أدخلكم النار وحبسكم فيها؟
فيقولون لهم: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (٤٣)؛في دار الدّنيا؛
﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (٤٤)؛في الله؛
﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ﴾ (٤٥)؛ وكنا نخوض مع أهل الباطل في الباطل والتكذيب،
﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤٦) أي بيوم الحساب؛
﴿حَتّى أَتانَا الْيَقِينُ﴾ (٤٧)؛فشاهدناه. ويجوز أن يكون اليقين هاهنا الموت الذي يعرف المرء عنده أمر الآخرة.
стр. 2880
يقول الله تعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ (٤٨)؛أي ما تنفعهم شفاعة الملائكة والنبيّين كما ينفع الموحّدين، قال الحسن: «فما تنفعهم شفاعة ملك ولا شهيد ولا مؤمن، يشفع يومئذ النّبيّون؛ ثمّ الصّدّيقون؛ ثمّ الشّهداء، ويبقى قوم في جهنّم فيقول لهم: ﴿(ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ؟ قالُوا: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ .. )﴾ إلى قوله تعالى ﴿(فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ»)﴾،قال ابن مسعود:
«فهؤلاء الّذين يبقون في جهنّم» (١).
قوله تعالى: ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ (٤٩)؛معناه: ما لأهل مكّة عن القرآن الذي يقرأ عليهم معرضين؛ أي أيّ شيء لكفّار مكّة في الآخرة إذا أعرضوا عن القرآن، ولم يؤمنوا به مع هذه الدّلالة.
ثم شبّههم بالحمر الوحشيّة في إعراضهم عمّا يقرأ عليهم فقال تعالى:
﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ (٥٠)؛قرأ نافع وابن عامر بفتح الفاء؛ أي منفّرة مذعورة، وقرأ الآخرون بكسر الفاء؛ أي نافرة.
وقوله تعالى: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ (٥١)؛يعني فرّت من الأسد، قال ابن عباس: «الحمر الوحشيّة إذا عاينت الأسد هربت منه» كذلك هؤلاء المشركون إذا سمعوا النبيّ ﷺ يقرأ القرآن هربوا منه، وقال الضحّاك ومقاتل: «القسورة: الرّماة الّذين يرصدونها، لا واحد له من لفظه» (٢).
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾ (٥٢)؛ قال المفسّرون: إن كفّار مكة قالوا للنبيّ ﷺ : لتصيح قريش عند رأس كلّ رجل هذا كتاب منشور من الله يأتيك رسوله يؤمر فيه باتّباعك.
والصّحف جمع صحيفة، و (منشّرة) معناه: منشورة، وقيل: معناه: بل يريدون بإفراط جهلهم أن يعطى كلّ واحد منهم كتابا من السّماء مفتوحا: هذا كتاب من فلان إلى فلان بأنّ محمّدا رسول الله.
стр. 2881
قوله تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ﴾ (٥٣)؛معناه: كلاّ لا يؤتون الصّحف ولا يكون لهم ذلك، بل هم لا يخافون الآخرة حين لم يؤمنوا بها، ولو خافوا ذلك لما اقترحوا الآيات بعد قيام الدّلالة.
قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ (٥٤)؛أي حقّا إنّ القرآن عظة من الله تعالى،
﴿فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ﴾ (٥٥)؛أي اتّعظ به،
﴿وَما يَذْكُرُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ،﴾ وما يتّعظون إلاّ أن يشاء الله ذلك لهم، وقيل: لهم المشيئة. وقيل: إلاّ أن يشاء الله لهم الهدى.
قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوى؛﴾ أي هو أهل أن يتّقى فلا يعصى، ولا يجعل معه إله آخر، ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٥٦)؛يغفر لمن اتّقى، قال الله تعالى:
أنا أهل أن أتّقى فلا يجعل معي إله، فمن اتّقى أن يجعل معي إلها فإنّي أهل أن أغفر له، وقال قتادة: «هو أهل أن تتّقي محارمه، وأهل أن يغفر الذّنوب» (١).
آخر تفسير سورة (المدثر) والحمد لله رب العالمين
стр. 2882
سورة القيامة
سورة القيامة مكّيّة، وهي ستّمائة واثنان وخمسون حرفا، ومائة وتسعون كلمة، وأربعون آية. قال ﷺ : [من قرأ سورة القيامة شهدت أنا وجبريل له يوم القيامة أنّه كان مؤمنا بيوم القيامة، وجاء وجهه مسفر على وجوه الخلائق يوم القيامة] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ (١)؛معناه: أقسم بيوم القيامة، و (لا) صلة.
وقال الفرّاء: «لا) ردّ على الّذين أنكروا البعث والجنّة والنّار» (٢) ويدلّ على معنى إثبات القسم، قراءة الحسن والأعرج بغير ألف، وتقديره على هذه القراءة: لأقسمنّ فحذفت النون.
قوله تعالى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ (٢)؛يعني بجميع أنفس الخلائق؛ لأنه ليس من نفس بارّة ولا فاجرة إلاّ وهي تلوم نفسها، قال ﷺ : [ليس يوم القيامة أحد إلاّ ويلوم نفسه، إن كان محسنا قال: يا ليتني ازددت، وإن كان مسيئا
стр. 2883
قال: يا ليتني لم أفعل] (١).ومعنى: ﴿بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ:﴾ الملومة، وقيل: إنّما سميت النفس لوّامة؛ لأنّها كثيرة اللّوم لا صبر لها على محن الدّنيا وشدائدها.
قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ (٣)؛يعني الكافر بالبعث؛ يقول: أيظنّ الكافر أن لن نجمع عظامه بعد التفرّق، ولن نبعثه في الآخرة،
﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ (٤)؛بلى بجمعها قادرين على تسوية بنانه، قال ابن عبّاس: «المراد به أبو جهل، يقول الله له: أتحسب أن لن نبعثك» ﴿(بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ)﴾؛على ما كانت وإن قلّ عظامها وصغرت فنردّها، ونؤلّف بينها حتى نسوّي البنان، ومن قدر على جمع صغار العظام كان على جمع كبارها أقدر.
وقيل: معناه: قادرين على أن نسوّي بنانه وأنامله، ونجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخفّ البعير أو ككفّ الخنزير وكحافر الحمير، فلا يمكنه أن يفعل بها شيئا، ولكن مننّا عليه ففرّقنا أصابعه حتى يأخذ بها ما شاء، ويقبض إذا شاء ويبسط إذا شاء.
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ﴾ (٥)؛أي بل يريد الكافر أن يكذّب بما قدّامه من البعث، ويقدّم الذنب ويؤخّر التوبة ويكفر أبدا ما عاش، قال ابن الأنباريّ: «معناه: مدّة عمره وليس في نيّته أن يتوب».والمعنى: ما يجهل ابن آدم أنّ ربّه قادر على جمع عظامه بعد الموت، ولكنّه يريد أن يفجر أمامه؛ أي بمعنى قدّاما قدّاما (٢) في معاصي الله، راكبا رأسه لا يقلع ولا يتوب حتى يأتيه الموت على أشرّ أحواله وأسوإ أعماله.
قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُ أَيّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ﴾ (٦)؛أي يسأل متى يوم القيامة تكذيبا به، ويقال في معنى ﴿(لِيَفْجُرَ أَمامَهُ)﴾ أن يعزم على الفجور في مستقبل عمره في
стр. 2884
أوقات لعلّه لا يعيش فيها، ولا يبلغ إليها، وأصل الفجور: الميل عن القصد، يقال للكافر: فاجر، وللمكذّب بالحقّ: فاجر.
قوله تعالى: ﴿فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ (٧)؛معناه: إذا حار البصر وفزع، وذلك عند رؤية جهنّم، وهذا جواب لقوله تعالى ﴿(أَيّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ)﴾ فيقول الله تعالى:
(إذا ﴿بَرِقَ الْبَصَرُ)﴾ قرأ نافع بفتح الراء من البريق (١)،أي يشخص البصر إلى ما يتوقّع من أهوال يوم القيامة، كنظر المحتضر عند نظره إلى الملائكة.
قوله: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ (٨)،أي وذهب ضوء القمر، والخسوف ذهاب الضّوء،
﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (٩)؛أي جمعا في ذهاب نورهما كالنّورين القريبين، يعني كوّرا يوم القيامة. وقيل: إنّهما يرمى بهما في النار، خلقا من النار ثم يعودان فيها.
قوله تعالى: ﴿يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ (١٠)؛معناه: يقول الكافر المكذّب بيوم القيامة: أين المفرّ وأين المهرب من الأهوال.
قال الله تعالى: ﴿كَلاّ لا وَزَرَ﴾ (١١)؛أي حقّا لا موضع يلج إليه ولا حصن ولا حرز. والوزر في اللغة: كلّ ما تحصّنت به، والتجأت إليه، ومنه الوزير؛ لأنّ الناس يلتجئون إليه.
قوله تعالى: ﴿إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (١٢)؛أي المنتهى والمرجع والمصير. وقيل: المستقرّ موضع الحساب. وقيل: يعني أنّ مستقرّ المؤمنين الجنّة، ومستقرّ الكافرين النار.
قوله تعالى: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ (١٣)؛أي بما قدّم من طاعة الله، وما أخّر من طاعة الله فلم يعمل به، وقيل: معناه: ينبّأ الإنسان بأوّل عمله وآخره. وقيل: بما قدّم من أمواله، وما خلّف للورثة. وقيل: بما عمل في أوّل عمره، وما عمل في آخر عمره.
قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ (١٤)؛يعني أنّ جوارحه تشهد عليه بما عمل، فهو شاهد على نفسه بشهادة جوارحه، والمعنى: على الإنسان
стр. 2885
رقباء يشهدون عليه بعمله وإن أرخى ستوره وأغلق أبوابه، يعني بالرّقباء سمعه وبصره وذكره ويديه ورجليه وجميع جوارحه. ودخول الهاء في بصيرة لأن المراد بالإنسان هاهنا الجوارح.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ﴾ (١٥)؛أي ولو اعتذر وجادل عن نفسه لم ينفعه ذلك، وإن اعتذر فعليه من يكذّب عذره. وقيل: المعاذير جمع المعذار وهو السّتر، معناه: وإن أسبل السّتر؛ ليختفي بما عمل، فإنّ نفسه شاهدة عليه.
وقوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ؛﴾ خطاب للنبيّ ﷺ يقول: لا تحرّك بالقرآن لسانك، ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ (١٦)؛بقراءته قبل أن يفرغ جبريل من قراءته عليك، وذلك أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا نزل عليه شيء من الوحي لم يفرغ جبريل من آخره حتّى تلاه النّبيّ ﷺ مخافة أن ينفلت منه،
فأعلمه الله بقوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (١٧)؛أي إنّ علينا حفظه في قلبك، وتأليفه على ما يأمره الله به، وأعلمه بأنه لا ينسيه إيّاه، كما قال تعالى ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ (١) فلم ينس النبيّ ﷺ شيئا حتى مات.
وعن ابن عبّاس في معنى هذه الآية قال: «كان النّبيّ ﷺ يعالج من التّنزيل شدّة، كان إذا نزل عليه الوحي يحرّك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي مخافة أن لا يحفظ، فأنزل الله عليه الآية: ﴿(لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ» (٢).
ومثله قوله ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ (٣).قوله تعالى: ﴿(إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ)﴾ في صدرك (وقرآنه) أي إنّ جبريل يقرؤه عليك حتى تحفظه.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (١٨)؛أي فإذا قرأه جبريل بأمرنا وفرغ منه، فاقرأه أنت إذا فرغ جبريل من قراءته. وقيل: معناه: فإذا جمعناه،
стр. 2886
وألقيناه فاتّبع ما فيه من الحلال والحرام والأمر والنهي.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ (١٩)؛أي بيان ما أشكل عليك من معانيه، وبيان مجملاته مثل أركان الصّلاة وشروطها ونصاب الزكاة ومقاديرها.
قوله تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ﴾ (٢٠)؛معناه: كلاّ لا يؤمن أبو جهل وأصحابه بالقرآن وببيانه بل يحبّون العاجلة، يعني كفّار مكّة يحبّون الدنيا ويعملون لها،
﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ (٢١)؛ويذرون العمل للآخرة، فيؤثرون الدّنيا عليها، وقرأ نافع والكوفيون «(تحبّون)» و «(تذرون)» بالتاء؛ أي قل لهم يا محمّد:
﴿(بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ)﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ (٢٢)؛معناه: وجوه يوم القيامة ناعمة غضّة حسنة مضيئة مسفرة مشرقة بنعيم الجنّة، وهي وجوه المؤمنين كما قال تعالى ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ (٢)
وقوله تعالى: ﴿إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ (٢٣)؛قال الكلبيّ: «تنظر إلى الله تعالى يومئذ لا تحجب عنه»، قال مقاتل: «تنظر إلى ربها معاينة» (٣).
قال ﷺ : [إذا دخل أهل الجنّة يقول تعالى: أتريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون:
ألم تنضّر وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنّة؟ ألم تنجنا من النّار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحبّ إليهم من النّظر إلى ربّهم، ينظرون إلى الله تعالى في الجنّة بلا كيف ولا تحديد، كما عرفته القلوب بلا كيف ولا تشبيه] (٤).
стр. 2887
وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ أدنى أهل الجنّة منزلة أن ينظر في ملكه ألف سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، وينظر في سرره وأزواجه وخدمه، وإنّ أفضلهم منزلة من ينظر إلى الله يوم القيامة كلّ يوم نظرتين] (١).
قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ (٢٤)؛أي كالحة عابسة كاشرة مسودّة،
وهي وجوه الكفّار، ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ (٢٥)؛أي تستيقن أن يفعل بها داهية من العذاب، والفاقرة: الداهية العظيمة والأمر الشديد الذي يكسر فقار الظّهر، قال ابن زيد: «هي دخول النّار» (٢).
قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ (٢٧)؛هذا ذكر حال من يحضره الموت ليرتدع الناس عمّا يؤدّيهم إلى العذاب، والمعنى: إذا بلغت الرّوح التّرقوة، ويقول من يحضر الميّت من أهله: هل من راق يرقّيه وطبيب يداويه، يطلبون الأطباء؛ ليكشفوا عنه إما بالرّقى، أو بالعلاج. وقال بعضهم: هذا من قول الملائكة؛ لأنّ النّفس عند ما تقبض يحضرها سبعة أملاك من ملائكة الرّحمة، وسبعة أملاك من ملائكة العذاب أعوان لملك الموت، ينظر بعضهم إلى بعض أيّهم يرقى بروحه.
والتّراقي: جمع ترقوة؛ وهي عظم وصل بين تغرة النّحر والعاتق، وهما ترقوتان عن يمين تغرة النّحر وعن شمالها كالحوضين.
قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ﴾ (٢٨)؛أي تيقّن عند ذلك المريض الذي بلغت روحه تراقيه أنه الفراق من الدّنيا، ومفارقة المال والأهل والولد.
قوله تعالى:
﴿وَالْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ (٢٩)؛أي اجتمعت عليه الشدائد والتقى عليه أمر
стр. 2888
الدنيا والآخرة، وهو في شدّة كرب الموت وهول المطلع وآخر شدائد الدّنيا مع أوّل شدة الآخرة.
وقال الضحّاك: «النّاس يجهّزون بدنه، والملائكة يجهّزون روحه» (١).وقال الحسن: «معناه: والتفّت ساقاه في الكفن يلفّ أحدهما إلى الآخر» (٢).وقال قتادة:
«ماتت ساقاه فلم تحملاه، وقد كان عليهما جوّالا» (٣).
قوله تعالى: ﴿إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ﴾ (٣٠)؛أي إليه المرجع والمنتهى في الآخرة إلى حيث يأمر الله، إما إلى علّيّين وإمّا إلى سجّين.
قوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى﴾ (٣١)؛يعني أبا جهل يقول الله فيه:
لم يصدّق بالقرآن،
ولم يصلّ لله، ﴿وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ (٣٢)؛أي كذب بالقرآن وتولّى عن الإيمان به، ويدخل في هذا كلّ كافر مثله،
﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ (٣٣)؛أي رجع إلى أهله يتبختر في المشي ويختال فيه، وأصله:
يتمطّط أي يتمدّد، والمطّ هو المدّ، وتمطّى الإنسان إذا قام من منامه يمتدّ، والمطيّ هو الظهر، وتمطّى إذا مدّ مطاه.
قوله تعالى: ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ (٣٥)؛هذا وعيد على وعيد من الله لأبي جهل، وهذه كلمة موضوعة للتهديد والوعيد، والمعنى كأنّه يقول لأبي جهل: الويل لك يوم تموت، والويل لك يوم تبعث، والويل لك يوم تدخل النار. وقيل: المعنى أولاك المكروه يا أبا جهل وقرب منك ما تكره.
قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ (٣٦)؛معناه: أيظنّ الكافر أن يترك مهملا لا يؤمر ولا ينهى ولا يوعظ ولا يتلى ولا يحاسب بعمله في الآخرة. والسّدى: المهمل.
стр. 2889
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى﴾ (٣٧)؛معناه: ألم يك هذا الإنسان في ابتداء خلقه نطفة من منيّ تصبّ في الرّحم، قرئ «(تمنى)» يعني النطفة، وروي (يمنى) بمعنى المنيّ.
قوله: ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً؛﴾ ثم صار دما منعقدا بعد النّطفة، ﴿فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ (٣٨)،فخلقه وسوّاه باليدين والرّجلين والعينين والأذنين إلى أن بلّغه هذا الحدّ الذي شاهد، وخلق منه الروح.
قوله: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (٣٩)؛أي خلق من هذه النطفة أولادا ذكورا وإناثا.
قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ (٤٠)؛معناه: أليس الّذي خلق الإنسان من المنيّ، ونقله من تلك الأحوال إلى هذه الحالة قادر على أن يحيي الموتى. والمعنى: من قدر على الابتداء، كان على البعث أقدر بعد الموت، دلّهم الله تعالى على البعث بابتداء الخلق.
وعن رسول الله ﷺ أنّه كان إذا ختم هذه السّورة قال: [سبحانك اللهمّ وبلى] (١).وعن ابن عبّاس ﵄ قال: «إذا قرأ أحدكم ﴿(أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى)﴾ فليقل: اللهمّ بلى» (٢).
آخر تفسير سورة (القيامة) والحمد لله رب العالمين
стр. 2890
سورة الدّهر
سورة الدّهر مكّيّة، إلاّ قوله ﴿(وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ ... )﴾ إلى آخر السّورة، فإنّها نزلت في المدينة، وهي ألف وأربعمائة وخمسون حرفا، ومائتان وأربعون كلمة، وإحدى وثلاثون آية، قال ﷺ : [من قرأها كان جزاؤه على الله جنّة وحريرا] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ؛﴾ أي قد أتى على آدم أربعون سنة التي مرّت به وهو بصورة الإنسان قبل أن ينفخ فيه الروح، ﴿لَمْ يَكُنْ؛﴾ يذكر اسمه، ولا يدري ما يراد به، كان ﴿شَيْئاً؛﴾ ولم يكن، ﴿مَذْكُوراً﴾ (١)؛ لأنه كان ترابا وطينا إلى أن نفخ فيه الروح. ومعنى الآية: قد أتى على آدم أربعون سنة ملقى بين مكّة والطائف قبل أن ينفخ فيه الروح لم يكن شيئا مذكورا، لا يذكر ولا يعرف (٢) ولا يدري ما اسمه ولا ما يراد به.
يروي: «أنّ عمر ﵁ سمع رجلا يقرأ ﴿(هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً)﴾ فقال عمر: ليتها تمّت» (٣) أي ليته بقي على ما كان لا يلد.
وقرأ رجل عند ابن مسعود ﴿(لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً)﴾ فقال: «ليت ذلك لم يكن» (٤).
ولفظ (هل) بمعنى (قد)؛لأنه لا يجوز على الله أن يستفهم؛ لأنه لم يزل عالما بالأشياء كلّها، ولا يزال عالما.
стр. 2891
قوله تعالى: ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ؛﴾ يعني نسل آدم خلقه الله من نطفة أمشاج؛ أي أخلاط واحدها مشيج، وهو شيئان مخلوطان، يعني اختلاط نطفة الرّجل بنطفة المرأة، أحدهما أبيض والآخر أصفر، فما كان من عصب وعظم وقوّة فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فمن نطفة المرأة. وتمّ الكلام، ثم قال: ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (٢)؛معناه: جعلناه سميعا بصيرا لنبتليه.
والأمشاج الاختلاط، يقال: مشجت هذا بهذا؛ أي خلطته به فهو ممشوج؛ أي مخلوط، وقال ابن عبّاس والحسن وعكرمة ومجاهد: «يعني ماء الرّجل وماء المرأة يختلطان في الرّحم، فيكون منهما جميعا الولد، فماء الرّجل أبيض غليظ يجري من الصّلب، وماء المرأة أصفر رقيق يجري من التّرائب، ثمّ يختلطان فأيّهما علا ماؤه ماء صاحبه كان الشّبه له».ويقال: جعل الله في النّطفة أخلاطا من الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة، وقال الحسن: «نعم والله خلق الإنسان من نطفة مشجت بدم الحيض، فإذا حلّت النّطفة ارتفع الحيض».
قوله تعالى: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ؛﴾ أي بيّنّا له طريق الهدى وطريق الضّلالة، فمكنّاه من الكفر والشّكر، ثمّ إنه يكون بعد الابتلاء: ﴿إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ (٣)؛أي إما موحّدا طائعا، وإما مشركا كافرا، والمعنى: إمّا أن يختار طريق الإسلام، وإمّا أن يختار طريق الكفر. ومعنى (نبتليه) أي نتعبّده فيظهر ما علمنا منه، ولا يقع الابتلاء إلاّ بعد تمام الخلقة.
قوله تعالى: ﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً﴾ (٤)، بيّن الله بهذا ما أعدّ في الآخرة للكافرين وما أعدّ للمؤمنين، والمعنى: إنّا هيّأنا في جهنّم لكلّ كافر سلسلة في النار طولها سبعون ذراعا، يسلك فيها وقرناؤه من الشّياطين، وقوله تعالى ﴿(وَأَغْلالاً)﴾ أي أغلالا من حديد تغلّ بها أيديهم إلى أعناقهم من ورائهم. وقوله ﴿(وَسَعِيراً)﴾ أي ونارا موقدة يعذبون بها.
стр. 2892
قرأ نافع وعاصم والأعمش والكسائي وأيوب «(سلاسلا)» بالتنوين (١)،وكذلك ﴿قَوارِيرَا،﴾ ووجهان: أحدهما: أنّ من العرب من يصرف جمع ما لا ينصرف.
والثاني: أنّ هذا الجمع أشبه الآحاد؛ لأنّهم قالوا صواحبات يوسف في جمع صواحب، وكذلك مواليات في جمع موالي، فإذا كان صواحب في معنى الواحد، فكذلك سلاسلا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً﴾ (٥) يعني بالأبرار المطيعين لله الصّادقين في إيمانهم في الدّنيا. وقيل: هم الذين يبرّون الآباء والأمّهات من المؤمنين. وقيل: هم الذين لا يؤدون الذرّ (٢) ولا يرضون بالشرّ. وقوله تعالى ﴿(مِنْ كَأْسٍ)﴾ أي من خمر، وقوله تعالى ﴿(كانَ مِزاجُها كافُوراً)﴾ أي كان مزاج الخمر التي كانت في الكأس كافورا.
قال بعضهم: أراد بذلك ما يشمّ من ريحها من جهة طعمها، كما روي عن مجاهد أنه قال «يمزج شرابهم بالكافور وريح المسك وطعم الزّنجبيل، ليس ككافور الدّنيا ولا كمسكها وزنجبيلها، ولكن وصف الله ما عنده بما عندنا لتهتدي له القلوب».ويقال: يغيّر الله طعم الكافور إلى نهاية ما يشتهى، فيجتمع طيب الرائحة مع لذة الطّعم.
وقوله تعالى: ﴿عَيْناً؛﴾ منصوب على البدل من (كافورا)،ويقال في معنى (يشربون ... عينا) أي من عين فوّارة في أرض الجنة، وقوله تعالى: ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً﴾ (٦)؛يجوز أن يكون معناه: يشربها، يقال: شربت بماء كذا؛ أي شربته، ويجوز أن يكون معناه: يشرب بالجنّة أو بالأرض التي بها العين، كما يقال: شربنا كذا شرابا صافيا.
стр. 2893
قوله ﴿(عِبادُ اللهِ)﴾ أي أولياؤه، يفجّرون تلك العين، ويسوقونها إلى حيث شاءوا لمن دون هم من أهل الجنّة، بخلاف عيون الدّنيا وأنهارها. والتفجير: تشقيق الأرض بجري الماء. وقيل: معنى (يفجّرونها) أي يقودون تلك العين حيث شاءوا من منازلهم ودورهم وحيث شاءوا.
قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ؛﴾ يعني الأبرار هذه صفاتهم في الدّنيا، كانوا يوفون بطاعة الله من الصلاة والحجّ، ومعنى (النّذر) في اللغة: الإيجاب، ومعنى الوفاء بالنذر إتمام العهد والوفاء به وإقامة فروض الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ (٧)؛معناه: ويخافون من نقض العهد عذاب يوم كان شرّه ممتدّا فاشيا. يقال: استطار الخير إذا فشا وظهر. وعن قتادة قال: «استطاروا لله شرّ ذلك اليوم حتّى ملئت السّماوات والأرض منه» (١) نحو انشقاق السّماء، وانتثار الكواكب، ونسف الجبال، وخسوف الشّمس والقمر، وفزع الملائكة.
قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ؛﴾ أي على حب الطعام وقلّته على أشدّ ما يكونون محتاجين إليه، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. ويقال: على حب الله لطلب مرضاته، وقوله تعالى: ﴿مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ (٨) فالمسكين هو الذي يسأل، وقيل: هو المتعفّف الذي لا يسأل.
واليتيم: الذي لا أب له من يتامى المسلمين. والأسير: الكافر المأسور في أيدي المؤمنين.
قال قتادة: «كان أسيرهم يومئذ من المشركين، فو الله لأخوك المسلم أعظم حرمة وحقّا عليك» (٢).ويقال: الأسير العبد، ويستدلّ من هذه الآية على أنّ في إطعام أهل الجوع ثوابا جزيلا من الله تعالى، وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [ما من مسلم أطعم مسلما على جوع إلاّ أطعمه الله من ثمار الجنّة، ومن سقى مسلما على ظمأ سقاه الله من الرّحيق].
стр. 2894
قوله تعالى: ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً﴾ (٩)؛ قال مجاهد: «أما والله نعم؛ لم يتكلّموا بذلك ولكن علم الله ما في قلوبهم فأثنى عليهم خيرا» (١).والمعنى: أنّهم يقولون في أنفسهم وفيما بينهم وبين ربهم: إنما نطعمكم لطلب ثوابه. وقوله ﴿(لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً)﴾ أي لا نريد منكم مكافأة ولا محمدة.
وقوله (شكورا) مصدر مثل القعود والخروج. وفي هذه الآية دليل على أنّ من أطعم غيره للمكافأة أو لكي يمدحه ويشكره لا يستحقّ بذلك الثواب، وإنما يستحقّه إذا فعله خالصا لله لا يريد شيئا من الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ (١٠)؛معناه: إنا نصنع ما نصنع خوفا من عذاب ربنا وطمعا في رحمته، اليوم العبوس: هو الذي تعبس فيه الوجوه من هوله فلا تنبسط، والقمطرير: الشديد الغليظ العصب، يقال: يوم قمطرير وطر إذا كان عظيم الشّرّ طويل البلاء.
وعن ابن عبّاس قال: «العبوس: الضّيّق، والقمطرير: الطّويل» (٢).وقال مجاهد: «القمطرير: الّذي يقلّص الوجه ويقبض الجبهة، وما بين الأعين من شدّته» (٣).قال ابن عبّاس: «يعبس الكافر يومئذ حتّى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران سحّا» (٤)،قال الحسن: «سبحان الله! ما أشدّ اسمه وهو أشدّ من اسمه».
قوله تعالى: ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ؛﴾ أي دفع الله عنهم شرّ ذلك اليوم، ﴿وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ (١١)؛أي حسنا في الوجوه وسرورا في القلوب لا انقطاع له.
قوله تعالى: ﴿وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ (١٢)؛أي
стр. 2895
جزاهم بما صبروا في الدّنيا على طاعة الله، وعلى ما أصابهم من الشّدائد في ذات الله جنّة يسكنونها وحريرا يلبسونه في الجنّة.
قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ؛﴾ نصب على الحال فيها؛ أي في الجنّة «متكئين» على الأرائك؛ أي على السّرر في الحجال، ولا تكون أريكة إذا اجتمعا، قال مقاتل: «الأرائك: السّرر في الحجال من الدّرر والياقوت، موضونة بقضبان الدّرّ والذهب والفضّة وألوان الجواهر. والحجال: شبه القباب فوق السّرر» (١)، ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ (١٣)؛لا يصيبهم في الجنّة شمس ولا زمهرير؛ أي لا يصيبهم حرّ الشمس ولا برد الزّمهرير، البرد الشديد الذي يحرق ببرودته إحراق النار.
وروي أنّ هذه الآيات نزلت في عليّ وفاطمة وجارية لهما يقال لها فضّة (٢)،قال ابن عبّاس: «مرض الحسن والحسين، فعادهما جدّهما رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر عمر، فقالوا لعليّ: [لو نذرت على ولديك نذرا؟] فقال عليّ ﵁: إن برأ ولداي ممّا بهما صمت ثلاثة أيّام، فقالت فاطمة كذلك، وقالت جاريتهما كذلك، فوهب الله لهما العافية.
فانطلق عليّ ﵁ إلى سمعون اليهوديّ فاستقرض منه ثلاثة أصع من شعير، فطحنت الجارية صاعا، وخبزت منه خمسة أقراص، لكلّ واحد منهم قرص، وصلّى عليّ مع النّبيّ ﷺ المغرب ثمّ أتى المنزل، فوضع الطّعام بين يديه، إذ أتاهم مسكين فوقف بالباب وقال: السّلام عليكم يا أهل بيت محمّد، مسكين من مساكين
стр. 2896
المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فسمعه عليّ ﵁ فأنشأ يقول:
فاطم ذات المجد واليقين ... يا بنت خير النّاس أجمعين
أما ترين البائس المسكين ... قد قام بالباب له حنين
يشكو إلى الله ويستكين ... يشكو إلينا جائع حزين
كلّ امرئ بكسبه رهين ... وفاعل الخيرات يستبين
موعده في جنّة علّين ... حرّمها الله على الضّنين
وللبخيل موقف مهين ... تهوي به النّار إلى سجّين
شرابه الحميم والغسلين
فأنشأت تقول:
أمرك يا ابن عمّ سمع وطاعه ... ما بي من لوم ولا وضاعه
غديت في الخبز له صناعه ... أطعمه ولا أبالي السّاعه
أرجو إذا أطعمت ذا المجاعه ... أن ألحق الأخيار والجماعه
وأدخل الجنّة ولي شفاعة
فأعطوه طعامهم ولم يذوقوا ليلتهم إلاّ الماء. فلمّا كان اليوم الثّاني أصبحوا صياما، فطحنت الجارية الصّاع الثّاني، وخبزت منه خمسة أقراص، فصلّى عليّ مع النّبيّ ﷺ ، ثمّ أتى المنزل فوضع الطّعام بين يديه، وإذا بيتيم قد وقف على الباب، فقال: السّلام عليكم يا أهل بيت محمّد، أنا يتيم من أولاد المهاجرين، استشهد والدي يوم العقبة، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فسمعه عليّ ﵁ فأنشأ يقول:
فاطم بنت السّيّد الكريم ... بنت نبيّ ليس باللّئيم (١)
قد جاءنا الله بذي اليتيم ... من يرحم اليوم يكن رحيم
стр. 2897
موعده في جنّة النّعيم ... قد حرّم الخلد على اللّئيم
يساق في العقبى إلى الجحيم
فأنشأت فاطمة تقول:
إنّي سأعطيه ولا أبالي ... وأوثر الله على عيالي
أمسوا جياعا وهم أشبالي ... أصغرهم يقتل في القتال
بكربلا يقتل باغتيال ... للقاتل الويل مع الوبال
تهوي به النّار إلى سفال ... مقيّد اليدين بالأغلال
كبولة زادت على الأكبال
فأعطوه الطّعام وباتوا على الماء، فلمّا كان اليوم الثّالث، طحنت الجارية الصّاع الثّالث وصنعته خمسة أقراص، فصلّى عليّ مع النّبيّ ﷺ ، ثمّ أتى المنزل فوضع الطّعام بين يديه، فإذا بأسير قد وقف بالباب، فقال: السّلام عليكم يا أهل بيت محمّد، تأسروننا وتشدّوننا ولا تطعموننا! أطعموني فإنّي أسير أطعمكم الله من موائد الجنّة!! فسمعه عليّ فأنشأ يقول:
فاطم يا بنت النّبيّ أحمد ... بنت نبيّ سيّد مؤيّد
هذا أسير للنّبيّ المهتد ... مكبّل في غلّه مقيّد
من يطعم اليوم يجده في غد ... عند العليّ الواحد الموحّد
فأطعم من غير منّ أنكد ... حتّى تجازى بالنّعيم السّرمد
فأنشأت فاطمة تقول:
لم يبق ممّا جبت غير صاع ... قدّمته بالكفّ والذّراع
أطعمته لله في الجياع ... وما على رأسي من قناع
فأعطوه طعامهم وباتوا لم يذوقوا إلاّ الماء. فلمّا أصبحوا اليوم الرّابع، أخذ عليّ ﵁ الحسن بيده اليمنى، والحسين بيده اليسرى، ومضى بهما إلى رسول الله ﷺ وهما يرتعشان من شدّة الجوع، فلمّا رآهما قال: [ماذا أرى بكم؟ انطلقوا بنا إلى فاطمة] فانطلقوا إليها فوجدوها في محرابها وهي قد لصق بطنها بظهرها
стр. 2898
وغارت عيناها من شدّة الجوع، فقال ﷺ : [وا غوثاه يا الله، أهل بيت محمّد يموتون جوعا؟].
فهبط جبريل ﵇ فقال: يا محمّد خذ ما أعطيت، هنّاك الله في أهل بيتك، فقال: [وما آخذ؟] فقال: ﴿(إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً. عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً. يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ... )﴾ إلى قوله: (و ﴿كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً)﴾.» (١).
قوله تعالى: ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها؛﴾ نعت للجنّة (٢)؛أي وجزاهم بما صبروا جنّة دانية ظلالها؛ أي قريب ظلال أشجارها عليهم، دانت دانية؛ لأن الظّلال جمع. وفي قراءة عبد الله «(ودانيا عليهم)».
стр. 2899
قوله تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً﴾ (١٤)؛أي وسخّرت وقرّبت ثمارها تسخيرا، لا يمنعهم عنها شوك ولا بعد، ينالها القائم والقاعد والمضطجع يتناولونها كما شاءوا، فإذا كان الرجل قائما تطاولت له الشجرة على قدر قيامه، وإن كان قاعدا ومتّكئا أو مضطجعا انخضعت له على قدر ذلك. ومثله قوله تعالى:
﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ (١).
قال مجاهد: «أرض الجنّة من فضّة، وترابها من مسك، وأصول شجرها من ذهب، وورقها لؤلؤ وزبرجد، والتّمر تحت ذلك، فمن أكل قائما لم يؤذّه، ومن أكل قاعدا لم يؤذّه، ومن أكل مضطجعا لم يؤذه» (٢).
قوله تعالى: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ،﴾ أي بأقداح من فضّة، ﴿وَأَكْوابٍ،﴾ أي كيزان لا عرى لها ولا خراطيم، ﴿كانَتْ قَوارِيرَا﴾ (١٥)؛ أي كانت تلك الأكواب من فضّة، وهي في صفاء القوارير، يرى من خارجها ما في داخلها من الأشربة، قال ابن عبّاس: «لو أخذت من فضّة أهل الدّنيا فضربتها حتّى صارت مثل جناح الذّباب لم يبصر ما فيها من رآها، ولكنّ قوارير الجنّة في بياض الفضّة وفي صفاء القوارير».
قال الكلبيّ: «إنّ الله جعل قوارير كلّ قوم من تراب أرضهم، وإنّ أرض الجنّة من فضّة، فجعل من تلك الفضّة قوارير يشربون فيها».وفي قوله تعالى (قوارير) قراءتان، من لم ينوّنهما فهو لا يصرف، ومن صرفهما فعلى اتّباع رءوس الآي.
قوله تعالى: ﴿قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً﴾ (١٦)؛أي قدّرها الملائكة قبل مجيئهم لها تقديرا، فجاءت على ما قدّروا، كما روي: «أنّ المؤمن لا يحدّث نفسه بشيء من شراب الجنّة إلاّ أتاه الملك بالشّراب الّذي اشتهى في قدح من فضّة- على صفة الفضّة الّتي ذكرنا-على مقدار ريّ الشّارب وشهوته من غير زيادة ولا نقصان حتّى يستوفي الكمال من غير أن يتكلّم به».
стр. 2900
وألذّ الشّراب ما لا يكون فيه فضل ولا عجز عن الرّي، ويقال في معناه: إنّها تكون على قدر كفّ الخدم، وريّ المخدوم ولم يثقل حملها على أحد منهم.
قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً﴾ (١٧)؛أي يسقون في الجنّة بآنية مملوءة من الخمر كان مزاجها زنجبيلا لا يشبه زنجبيل الدّنيا، لكن سمّاه الله باسمه ليعرف؛ لأن العرب تستطيب رائحة الزنجبيل في الدّنيا، وأمّا هذا الزنجبيل المذكور في الآية فهو زنجبيل الجنّة يشوّق ويطرب من غير حرق ولدغ، وإنما قال ذلك؛ لأنّ العرب كانت تضرب المثل بالخمر الممزوجة بالزنجبيل، قال الشاعر (١):
كأنّ القرنفل والزّنجبي ... ل باتا بفيها وأريا مشورا
قوله تعالى: ﴿عَيْناً فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلاً﴾ (١٨)؛معناه تمزج الخمر بالزّنجبيل، والزنجبيل من عين في الجنّة تسمّى تلك العين سلسبيلا، والمعنى: من عين فيها تسمّى سلسبيلا، قال مقاتل: «السّلسبيل عين من الخمر تنبع من تحت العرش من جنّة عدن إلى أهل الجنان» (٢).
قوله تعالى: ﴿*وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ؛﴾ أي يطوف عليهم بالخدمة وصفاء خلقوا للخلود، ولا يتغيّرون عن سنّهم وشبابهم. وقيل: معنى (مخلّدون) مسوّرون مقرّطون، يقال لجماعة الحليّ الخلد، ﴿إِذا رَأَيْتَهُمْ؛﴾ يا محمّد، ﴿حَسِبْتَهُمْ؛﴾ لصفائهم وحسن ألوانهم، ﴿لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً﴾ (١٩)؛أي كاللّؤلؤ المنثور، فإن على البساط كان أحسن منه منظوما.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ؛﴾ إذا نظرت إلى الجنّة، ﴿رَأَيْتَ نَعِيماً؛﴾ لا يوصف، ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ (٢٠)؛أي وملكا عظيما لا يلحقه الزوال والعزل، فقال مقاتل: «الملك الكبير استئذان الملائكة، لا يدخل رسول رب العزّة من الملائكة عليهم إلاّ بإذنهم، ولا يدخل إلاّ بالهدايا من الله تعالى، والسّلام من الله تعالى كما قال تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (٣).
стр. 2901
فإذا انتهى الملك إلى الباب قال للحاجب الّذي على الباب: ائذن لي بالدّخول، فيقول الحاجب: لا أستطيع أن آذن لك على وليّ الله، ولكن أخبر الّذي يليني، فيخبر الّذي يليه فيقول الثّاني كذلك، فلا يزال هكذا حتّى يأتيه الخبر في سبعين بابا، فذلك هو الملك الكبير، فإذا دخل عليه الملك قال له: إنّ الله يقرؤك السّلام، فيضع الهديّة بين يديه «فيها» ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثمّ يقول له الملك: إنّ الله عنك راض، فهذا القول عنده أكبر من السّلام والهديّة والنّعيم الّذي هو فيه» فذلك قوله تعالى: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ؛﴾ قرأ قتادة ومحمّد وابن سيرين ونافع وحمزة والأعمش وأيوب «(عاليهم)» بإسكان الياء، وهي في موضع رفع بالابتداء، والمعنى: الذي يعلوهم من الثياب، ويقال: الذي يعلوهم على حجالهم، وقرأ الباقون «(عاليهم)» بنصب الياء على الظّرف؛ أي فوقهم، ويجوز أن يكون نصبا على الحال؛ أي يطوف على الأبرار ولدان مخلّدون في هذه الحالة؛ أي في حال علوّ ثياب السّندس عليهم.
وقوله تعالى (خضر) قرأ ابن كثير «(خضر)» بالخفض على نعت السّندس و (إستبرق) بالرّفع على نعت الثياب، وقرأ أبو عمرو وابن عامر «(خضر)» بالرفع على نعت الثياب، و «(إستبرق)» بالخفض على معنى ثياب من سندس ومن استبرق. وقرأ نافع وأيوب «(خضر وإستبرق)» كلاهما بالرّفع عطفا للإستبرق على قوله (خضر)، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي وخلف كلاهما بالخفض.
قوله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ؛﴾ أي حليّ أهل الجنّة أساور من فضّة، وفي آية أخرى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً﴾ (٢) فاقتضت «دلالة» الآيتين أنّ كلاّ منهم يحلّى ثلاثة أسورة: سوار من ذهب وسوار من فضّة وسوار من لؤلؤ. قال بعضهم: الضمير في قوله تعالى (وحلّوا) راجع إلى ال (ولدان).
стр. 2902
وقوله تعالى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً﴾ (٢١)؛أي شرابا من خمر ليس بنجس، كما كانت خمر الدنيا نجسة. وقيل: شراب من خمر لا يخالطه شيء من الفساد والقبائح ولا ينقلب إلى التغيّر، بل هو من عين على باب الجنّة، من شرب منها نزع الله من قلبه الغلّ والحسد والغشّ، قال أبو العالية: «معناه: أنّه لا يصير بولا نجسا، ولكنّه يصير رشحا في أبدانهم كريح المسك».
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً؛﴾ أي يقال لهم هذا الثواب والكرامة كان لكم جزاء لأعمالكم في الدّنيا، ﴿وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾ (٢٢)؛أي وكان عملكم في الدنيا مقبولا، هذا معنى الشّكر؛ لأنه لا يكون لأحد على الله منّة يستحقّ بها عليه الشّكر، ولكنّ شكره لعباده قبول طاعاتهم ومغفرة ذنوبهم.
قوله تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً﴾ (٢٣)؛أي إنا نحن نزّلنا عليك القرآن يا محمّد متفرّقا آية وآيتين وثلاث آيات وسورة، وفصّلناه في الإنزال ولم ينزله جملة واحدة.
قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ؛﴾ أي اصبر على قضائه، على تبليغ الرسالة، ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ (٢٤)؛أي لا تطع من مشركي مكّة آثما؛ أي كذابا فاجرا ولا كفورا؛ أي كافرا بنعم الله.
ويعني بقوله (آثما):عتبة بن ربيعة، ويعني بالكفور: الوليد بن المغيرة. وقيل:
الآثم الوليد، والكفور عتبة بن ربيعة، كانا قالا للنبيّ ﷺ : ارجع عن هذا الأمر ونحن نرضيك بالمال والتّزويج، وكان عتبة قال للنبيّ ﷺ : إن كنت صنعت هذا من أجل النّساء! فلقد علمت قريش أنّ بناتي من أجملها بنات، فأنا أزوّجك بنتي وأسوقها إليك بغير مهر، فارجع عن هذا الأمر. وكان الوليد قال للنبيّ ﷺ : إن كنت صنعت هذا يا محمّد من أجل المال! فلقد علمت قريش بأنّي من أكثرهم من المال، فأنا أعطيك من المال حتّى ترضى، فارجع عن هذا الأمر. فأنزل الله تعالى: ﴿(وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً)﴾ (١).
стр. 2903
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (٢٥)؛أي صلّ لله تعالى صلاة الفجر وصلاة الظّهر والعصر،
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ؛﴾ أي فصلّ له المغرب والعشاء. قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ (٢٦)؛أي صلّ له في الليل الطويل، يعني: التطوّع بعد المكتوبة، وكان على النّبيّ ﷺ أن يقوم كلّ الليل، ثم نسخ بقوله ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ؛﴾ يعني كفار مكّة يحبّون الدار العاجلة وهي الدّنيا، ﴿وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ (٢٧)؛أي يتركون العمل للآخرة، وسمّي يوم القيامة يوما ثقيلا؛ لشدّة أهواله، وقد يذكر الوراء بمعنى قدّام، قال الله تعالى: ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ؛﴾ أي نحن خلقنا أهل مكّة وجميع الناس، وقوّينا خلقهم بعد أن خلقوا من ضعف. وقيل: شددنا مفاصلهم؛ لئلا يسترخي منها شيء؛ أي شددنا بعضها إلى بعض بالعروق والعصب. وقيل: يعني موضع البول والغائط، شددناهما بحيث إذا خرج الأذى منهما ينقبضا. قوله تعالى:
﴿وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾ (٢٨)؛أي وإذا شئنا أهلكناهم، وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلا منهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ؛﴾ أي إنّ هذه السورة موعظة من الله، ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ (٢٩)؛أي طريقا بالعمل الصالح.
قوله تعالى: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٣٠)؛أي ما يشاءون اتخاذ السّبيل إلاّ بمشيئة الله ذلك لكم، وقوله تعالى ﴿(إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً)﴾ أي عليما قبل خلقكم بمن يتّخذ سبيلا ومن لا يتّخذ، حكيما فيما أمركم به.
واختلفوا في تفسير هذه الآية، والصحيح: أنّ معناها: وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله لكم أن تشاءوا، ودليل ذلك أنه لمّا نزل قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ﴾
стр. 2904
﴿يَسْتَقِيمَ﴾ (١) قالوا: قد جعلت المشيئة لنا ولا نشاء، فشقّ ذلك على النّبيّ ﷺ فنزل ﴿(وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ)﴾.
ومن نفى المشيئة قال: إنّ هؤلاء مخصوصون لا يشاءون إلاّ أن يشاء الله أن يكرههم عليه، قال الحسن: «ما شاءت العرب أن يبعث الله محمّدا رسولا، فشاء الله ذلك وبعثه على كره منهم).وعن النّضر بن شميل أنه قال: «لا تمضي مشيئة إلاّ بمشيئة الله تعالى، ولا تمضي مشيئة من العبد إلاّ بعلم الله، فمن علم الله منه خيرا شاء الإيمان، ومن شاء الإيمان شاء الله له أن يوفّقه، ومن شاء الكفر شاء الله أن يخذله».
قوله تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ؛﴾ أي يكرم من يشاء بدين الإسلام بتوفيقه من كان أهلا لذلك، وقوله تعالى: ﴿وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (٣١)؛نصب (الظالمين) على المجاورة؛ ولأنّ ما قبله منصوب، والمعنى: ويعذب الظالمين، أعدّ لهم عذابا أليما، ويعني بالظّالمين مشركي مكّة.
آخر تفسير سورة (الدهر) والحمد لله رب العالمين
стр. 2905
سورة والمرسلات
سورة والمرسلات مكّيّة، وهي ثمانمائة وستّة عشر حرفا، ومائة وإحدى وثمانون كلمة، وخمسون آية. قال ﷺ : [من قرأ والمرسلات، كتب أنّه ليس من المشركين] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ (١)؛يعني الرياح أرسلت متتابعة كعرف الفرس؛ أي ورب المرسلات عرفا، وقال مقاتل: «معناه: والملائكة الّتي أرسلت بالمعروف من أمر الله ونهيه» (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً﴾ (٢)؛يعني الريح الشديدة الهبوب، فإذا وقعت الريح الشديدة في البحر صارت قاصفة.
قوله تعالى: ﴿وَالنّاشِراتِ نَشْراً﴾ (٣)؛يعني الرياح التي تنشر السّحاب للمطر نشرا، وهي الليّنة التي يرسلها الله نشرا بين يدي رحمته، وقيل: العاصفات الملائكة تعصف بأرواح الناس؛ أي تذهب بها، وقيل: الناشرات الملائكة أيضا؛ لأنّها تنشر الصحائف بأمر الله.
قوله تعالى: ﴿فَالْفارِقاتِ فَرْقاً﴾ (٤)؛يعني الملائكة تنزل بالوحي للفرق بين الحلال والحرام، والحقّ والباطل.
قوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً﴾ (٥)؛ يعني الملائكة تلقى كتب الله إلى أنبيائه.
قوله تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ (٦)؛
стр. 2906
معناه عذرا من الله، وإنذارا لخلقه، والإعذار قطع المعذرة، والإنذار الإعلام بموضع المخافة لتبقى، ولهذا بعث الرّسل وأنزل الكتب.
والمعنى بهذه الآيات: أنّ كفار مكّة لمّا أنكروا البعث أقسم الله تعالى بما بيّن من قدرته وتدبيره الملائكة والسّحاب والرياح أنّ قيام الساعة كائن فقال:
﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ (٧)؛أي إنّ أمر الساعة والبعث لكائن لا محالة.
ثم ذكر متى يقع فقال: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ (٨)؛أي محي نورها وسلب ضوؤها وتساقطت، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ (٩)؛أي شقّت من هيبة الرّحمن، وانفطرت بعد أن كانت سقفا محفوظا، فأوّل حالها الوهي ثم الانشقاق، قال الله تعالى ﴿وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ (٢) ثم الانفتاح، قال الله ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ﴾ (٣) ثم الانفراج حتى يتلاشى فتصير كأنّها لم تكن.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ﴾ (١٠)؛أي قلعت من أماكنها بسرعة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ (١١)؛أي بيّن مواقيتها للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم. وقيل: جمعت لوقتها، وإنما قلبت الواو همزة على قراءة غير الواو؛ لأن كلّ واو انضمّت وكانت ضمّتها لازمة جاز إبدالها همزة؛ ولأنّ العرب تعاقب بين الواو والهمزة كقولهم: أكّدت ووكّدت، وأرّخت الكتاب وورّخت، ووسادة وإسادة.
قرأ أبو عمرو «(وقّتت)» بالواو والتشديد على الأصل، وقرأ أبو جعفر «(وقتت)» بالواو والتخفيف، وقرأ عيسى (٤) وخالد بن الياس (٥) «(أقتت)» بالألف، وقرأ الباقون بالألف والتشديد.
стр. 2907
قوله تعالى: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ (١٢)؛معناه: لأيّ يوم أخّرت هذه الأشياء من الطّمس والنّسف وغيرهما.
ثم بيّن متى ذلك فقال: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ (١٣)؛أي أخّرت ليوم الفصل بين الخلائق، وهو يوم القيامة، سمّي بهذا الاسم لأنه يفصل فيه بين المحقّ والمبطل، وبين الظالم والمظلوم.
وقوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ (١٤)؛فيه تعظيم لأمر ذلك اليوم؛ أي لم تكن تعلم يا محمّد ما يوم الفصل، وما أعدّ الله فيه لأوليائه من الثواب، ولأعدائه من العقاب حتى أتاك خبر ذلك،
قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (١٥)؛الويل: واد في جهنّم للمكذّبين بالوعيد.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٦)؛معناه: ألم نهلك قوم نوح بالعذاب في الدّنيا حين كذبوا نوحا؛
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ (١٧)؛أي ثم ألحقنا بهم قوم هود ومن بعدهم،
﴿كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ (١٨)؛من أمّتك يا محمّد، يعني كفار مكّة ممن سلك طريقهم.
قرأ الأعرج ثم «(نتبعهم الآخرين)» بالإسكان عطفا على (نهلك)،وقرأ الكافّة «(نتبعهم)» بالرفع على معنى ثم نحن نتبعهم، وفي قراءة ابن مسعود «(سنتبعهم الآخرين)»،
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (١٩).
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ (٢٠)؛تنبيه على القدرة على الإعادة، والتحذير من التكبّر؛ لأنّ الذي يقدر على أن يخلق من الماء الحقير بشرا على هذه الصّفة، قادر على إعادة الخلق بعد الموت، والمراد بالماء المهين النطفة.
وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ (٢١)؛أي في الرّحم،
﴿إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٢٢)؛يعني مدّة الحمل على اختلاف مدد حمل الحيوانات، لا يعلم مقدار ذلك ولا الحمل إلاّ الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ﴾ (٢٣)؛قرأ السلمي وقتادة ونافع وأيوب بالتشديد من التقدير يعني نطفا وعلقا ومضغا وذكرا وأنثى وقصيرا
стр. 2908
وطويلا، وقرأ الباقون مخفّفا، ومعناهما «في التخفيف والتشديد واحد» (١) ويجوز أن يكون من القدرة، وقوله تعالى ﴿(فَنِعْمَ الْقادِرُونَ)﴾،معناه: على هذا فنعم القادرون على الخلق، وعلى الأوّل فنعم القادرون لهذه المخلوقات،
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢٤).
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً﴾ (٢٦)؛ معناه: يكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم، ويكفتهم أمواتا في بطونها؛ أي يجوز «أن يكون عني أنها تكفت أذاهم» (٢) في ظهرها للأحياء وبطنها للأموات. وعن مجاهد: «معناه: تكفّت الميت فلا يرى منه شيء، وتكفّت الحيّ في بيته فلا يرى من عمله شيء، وفي كلّ واحد من هذين من النّعمة ما لا يخفى على عاقل» (٣).
والكفت في اللّغة الضمّ، وسمّي الوعاء كفاتا بكسر الكاف لأنه يضمّ الشيء، وفي هذه الآية دليل على وجوب مواراة الميّت ودفنه ودفن شعره وسائر ما يزايله.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ؛﴾ أي جبالا ثوابت، والشامخات الطّوال العاليات المرتفعات جعلت أوتادا للأرض فسكنت بها، وكانت تمور كالسّفينة لا تستقرّ على الماء إلاّ بمرساة تثقلها، ﴿وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً﴾ (٢٧)؛أي عذبا حلوا غير ملح ولا أجّ (٤)،
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢٨)؛بنعم الله التاركين لشكرها.
стр. 2909
قوله تعالى: ﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (٢٩)؛معناه: ويقال لهم يوم القيامة، تقول لهم الخزنة: انطلقوا إلى العذاب الذي كنتم به تكذّبون في الدّنيا أنه لا يكون،
﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ (٣٠)؛أي انطلقوا إلى دخان من جهنّم قد سطع، ثم افترق ثلاث فرق، وهو قوله ﴿(ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ)﴾ شعبة فوقهم، وشعبة عن يمينهم، وشعبة عن شمالهم. وذلك أنه يخرج لسان من نار فيحيط بهم فيحبسون إلى أن يساقوا إلى النار أفواجا أفواجا، قال إبراهيم النخعيّ: «هذا الظّلّ مقيل الكفّار قبل الحساب»،والمعنى: انطلقوا إلى ظلّ ذي ثلاث شعب فكونوا فيه إلى أن يفرغ من الحساب.
ثم وصف الله ذلك الظلّ فقال: ﴿لا ظَلِيلٍ؛﴾ أي لا يظلّ من الحرّ، ﴿وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ (٣١)؛أي ولا يردّ عنكم لهب جهنّم؛ أي إنّهم إذا استظلّوا بذلك الظلّ لم يدفع عنهم من حرّ النار شيئا، فأما المؤمنون فيقبلون في الجنة كما قال تعالى ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ (٣٢)؛معناه: أنّ النّار تقذف بشرر متفرّق متطاير كالقصر وهو البناء العظيم كالحصن. وقيل: مثل قصور الأعراب على المياه، يعني الخيام، قال مقاتل: «شرر النّار في ذلك اليوم يكون من الكثرة عدد النّجوم وورق الأشجار، لا يقع شيء منها إلاّ على أكتاف الرّجال».
والشّرر ما يتطاير من النار وينتشر في الجهات متفرّقا.
قرأ عليّ وابن عباس «(كالقصر)» بفتح الصاد (٢)،أراد كأعناق النّخل، وقيل:
كأعناق الدواب، والقصر العنق وجمعه قصر وقصرات. وقرأ سعيد بن جبير «(كالقصر)» بكسر القاف وفتح الصاد وهي لغة فيه.
قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ (٣٣)،يعني أنّ لون الشّرر يشبه لون الجمالات الصّفر، وجمالات جمع جمال، قراءة حمزة والكسائي وحفص وخلف:
«(جمالة)» بكسر الجيم من غير ألف على جمع جمل مثل حجر وحجارة. وقرأ يعقوب
стр. 2910
«(جمالة)» بضم الجيم من غير ألف، أراد الأشياء العظيمة المجموعة. وقرأ ابن عباس «(جمالات)» بضمّ الجيم جمع جمالات وهي الشيء المجمل،
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣٤).
وقوله (صفر) معناه سود، قال الفرّاء: «الصّفر سوداء الإبل، لا يرى أسود من الإبل إلاّ وهو مشرّب صفرة» (١) لذلك سمّت العرب سود الإبل صفرا، والأصفر الأسود، قال الأعشى:
تلك خيلي وتلك منه ركائب ... هنّ صفر أولادها كالزّبيب (٢)
أي هنّ سود.
قوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ (٣٥)؛قال المفسّرون: إنّ في يوم القيامة مواقف، ففي بعضها يختصمون ويتكلّمون، وفي بعضها يختم على أفواههم فلا يتكلّمون.
وعن قتادة قال: «جاء رجل إلى عكرمة فقال: أرأيت قول الله تعالى ﴿(هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ)﴾،وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ؟﴾ فقال: إنّها مواقف، فأمّا موقف منها فيتكلّموا ويختصموا، ثمّ ختم على أفواههم فتكلّمت أيديهم وأرجلهم، فحينئذ لا ينطقون» وهذا الوقت المذكور في الآية من المواطن التي لا يتكلّمون فيها.
وقوله: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (٣٦)؛قال مقاتل: «لا (٣) ينطقون أربعين سنة ولا يؤذن لهم فيعتذرون» وإنما رفع (فيعتذرون) لأنه عطف على (يؤذن)،ولو قال فيعتذروا على النصب لكان حسنا كقوله تعالى ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ (٤) ولو كان لهم عذر لم يمنعوا من الاعتذار، قال الجنيد: «أو أيّ عذر لمن